← Фараид

Фараид · id 6251

الفرائض وشرح آيات الوصية

السهيلي

Полный текст (122 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُقَدّمَة الْمُؤلف الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ على كل شَيْء قدير المبدئ المعيد الْغَنِيّ الحميد الَّذِي يحي وَيُمِيت وَإِلَيْهِ الْمصير وَصلى الله على مُحَمَّد نبيه البشير النذير المبتعث بِالْكتاب الْمُنِير لينذر يَوْم الْجمع لَا ريب فِيهِ فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير وَبعد فَإِن علم الْفَرَائِض علم شرِيف قرآني لَا يشْتَغل بِهِ إِلَّا عَالم رباني قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ حِين مَاتَ زيد بن ثَابت ﵀ الْيَوْم مَاتَ رباني هَذِه الْأمة لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي زيد بن ثَابت

стр. 2

وأفرضهم زيد بن ثَابت وَقَالَ ﵇ الْعلم ثَلَاثَة آيَة محكمَة وَسنة قَائِمَة وفريضة عادلة فَجعل علم الْفَرَائِض ثلث علم الدّين وكال عمر بن الْخطاب ﵁ أَيَّام كَانَ بِالشَّام يكْتب إِلَى زيد بن ثَابت وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا فَيبْدَأ باسمه على نَفسه لمكانه من الْعلم وَالْفِقْه فِي الدّين وَحين أشكلت عَلَيْهِ مَسْأَلَة الْجد مَشى بِنَفسِهِ إِلَى منزل زيد بن ثَابت يَسْتَفْهِمهُ عَن رَأْيه فِيهَا

стр. 3

فَانْتهى إِلَى قَوْله وَاسْتحْسن مَا سمع من قِيَاسه فِيهَا وَنَظره ﵃ أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُم اجتهدوا للْمُسلمين وتفقهوا فِي الْكتاب الْمُبين وتحروا الصدْق فِيمَا نقلوه من وَحي رب الْعَالمين حَتَّى استقامت قناة الْإِسْلَام فعلى رَسُول الله ﷺ وعَلى أَصْحَابه وَأَهله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام الْحِكْمَة فِي الْوَصِيَّة بالأولاد ثمَّ إِنِّي نظرت فِيمَا بَينه الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه من حَلَال وَحرَام وحدود وَأَحْكَام فَلم نجده افْتتح شَيْئا من ذَلِك بِمَا افْتتح بِهِ آيَة الْفَرَائِض وَلَا ختم شَيْئا من ذَلِك بِمَا خَتمهَا بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَولهَا ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ فآخبر تَعَالَى عَن نَفسه أَنه موص تَنْبِيها على حكمته فِيمَا أوصى بِهِ وعَلى عدله وَرَحمته أما حكمته فَإِنَّهُ علم سُبْحَانَهُ مَا تضمنه أمره من الْمصلحَة لِعِبَادِهِ وَمَا كَانَ فِي فعلهم قبل هَذَا الْأَمر من الْفساد حَيْثُ كَانُوا يورثون الْكِبَار وَلَا يورثون الصغار ويورثون الذُّكُور وَلَا يورثون الْإِنَاث وَيَقُولُونَ أنورث أَمْوَالنَا من لَا يركب الْفرس وَلَا يضْرب بِالسَّيْفِ ويسوق الْغنم فَلَو وَكلهمْ الله إِلَى آرائهم وتركهم مَعَ أهوائهم لمالت بهم الأهوء عِنْد الْمَوْت مَعَ بعض الْبَنِينَ دون بعض فَأدى ذَلِك إِلَى التشاجر والتباغض والجور وَقلة النصفة فَانْتزع الْوَصِيَّة مِنْهُم وردهَا على نَفسه دونهم ليرضي بِعِلْمِهِ وَحكمه وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى حِين ختم الْآيَة ﴿وَصِيَّة من الله وَالله عليم حَلِيم﴾

стр. 4

وَقَالَ قبل ذَلِك ﴿فَرِيضَة من الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ وَأما عدله فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ سوى بَين الذُّكُور لأَنهم سَوَاء فِي أَحْكَام الدِّيات والعقول ورجاء الْمَنْفَعَة وان صغر السن لايبطل حق الْولادَة وَلَا معنى النّسَب وان كلا مِنْهُم فلق الأكباد وشجا الحساد وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ وَلم يقل بأولادكم لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعدْل فيهم والتحذير من الْجور عَلَيْهِم وَجَاء بِاللَّفْظِ عَاما غير مَقْصُور على الْمِيرَاث أَو غَيره وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﵇ إِنِّي لَا أشهد على جور وَذَلِكَ أَيْضا قَالَه فِي هبة فضل بهَا بشير بن سعد بعض وَلَده على بعض لِأَنَّهُ رأى الله

стр. 5

تَعَالَى قد أَمر بِالْعَدْلِ فيهم أمرا غير مَقْصُور على بَاب دون بَاب وَلذَلِك رأى كثير من الْعلمَاء أَن لَا يفضل فِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة ابْن على بنت إِلَّا بِمَا فَضله الله بِهِ للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ قَول أَحْمد ابْن حَنْبَل وَكَانُوا يستحبون الْعدْل فِي الْبَنِينَ حَتَّى فِي الْقبْلَة وَرَأى رَسُول الله ﷺ رجلا قَاعِدا فجَاء طِفْل لَهُ فأقعده فِي حجره وَجَاءَت بنت لَهُ صَغِيرَة فأقعدها على الأَرْض فَقَالَ لَهُ ﵊ أليست بولدك أَو كَمَا قَالَ قَالَ بلَى قَالَ فاعدل فيهمَا وَهَذَا كُله منتزع من قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ وَأما مَا تضمنته وَصيته من الرَّحْمَة إِلَى مَا ذكرنَا من الْعدْل وَالْحكمَة فَإِنَّهُ جعل للبنات حظا فِي أَمْوَال آبائهن رَحْمَة مِنْهُ لضعفهن وترغيبا فِي نِكَاحهنَّ لِأَن الْمَرْأَة تنْكح لمالها وجمالها ولدينها فَعَلَيْك بِذَات الدّين قَالَ ﷺ اتَّقوا الله فِي الضعيفين يَعْنِي الْمَرْأَة واليتيم فَكَانَ من رأفته بِهن أَن قسم

стр. 6

لَهُنَّ مَعَ الذُّكُور وَكَانَ من عدله أَن جعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ لما يلْزم الذُّكُور من الْإِنْفَاق وَالصَّدَاق إِذا بلغُوا النِّكَاح وَلما أوجب عَلَيْهِم من الْجِهَاد للأعداء والذب عَن النِّسَاء وَجعل حظهم مثنى حَظّ الْإِنَاث كَمَا جعل حَظّ الرجل مثل حظي الْأُنْثَى فِي الشَّهَادَات والديات لِأَنَّهُنَّ ناقصات عقل وَدين للْحيض الْمَانِع لَهُنَّ فِي بعض الْأَوْقَات من الصّيام والصلوات فَجمع بَين الْعدْل وَالرَّحْمَة وَنبهَ على الْعلم وَالْحكمَة وانتبه أَيهَا التَّالِي لكتاب الله الْمَأْمُور بتدبره كَيفَ قَالَ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ بِلَفْظ الْأَوْلَاد دون لفظ الْأَبْنَاء لما سَنذكرُهُ من الْفرق بَينهمَا إِن شَاءَ الله ثمَّ أضَاف الْأَوْلَاد إِلَيْهِم بقوله ﴿أَوْلَادكُم﴾ وَمَعْلُوم أَن الْوَلَد فلذة الكبد وَذَلِكَ مُوجب للرحمة الشَّدِيدَة فَمَعَ أَنه أضَاف الْأَوْلَاد إِلَيْهِم جعل الْوَصِيَّة لنَفسِهِ دونهم ليدل على أَنه أرأف وأرحم بالأولاد من آبَائِهِم أَلا ترى أَنه لَا يحسن أَن يَقُول العَبْد لِأَخِيهِ أوصيك فِي أولادك لِأَن أَبَا الْوَلَد أرْحم بهم فَكيف يوصيه غَيره بهم وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف أَن يَقُول أوصيك بولدي خيرا فَلَمَّا قَالَ الله ﵎ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ علم أَن رب الْأَوْلَاد أرْحم بالأولاد من الْوَالِدين لَهُم حَيْثُ أوصى بهم وَفِيهِمْ وَلذَلِك قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة

стр. 7

وَالسَّلَام فِي امْرَأَة رَآهَا قد أَلْقَت نَفسهَا على ابْنهَا فِي بعض الْمَغَانِم الله أرْحم بِعَبْدِهِ الْمُؤمن من هَذِه بِوَلَدِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحمرَة الَّتِى أَخذ فراخها فَأَلْقَت نَفسهَا عَلَيْهِم حَتَّى أطبق عَلَيْهَا الكساء مَعَهم فَقَالَ ﵊ أتعجبون من رَحْمَة هَذِه بفراخها فَالله أرْحم بِعَبْدِهِ الْمُؤمن مِنْهَا وحسبك بقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ فالأبوان من الرَّاحِمِينَ فَالله تَعَالَى أرْحم مِنْهُمَا فَلذَلِك أوصى الاباء بأولادهم وَإِن كَانَ الْمَعْرُوف أَلا يوصى وَالِد بولده وَإِنَّمَا يُوصي الْإِنْسَان غَيره بِولد نَفسه إِذا غَابَ عَنهُ وَأما أَن يوصى وَالِد بِولد نَفسه فَغير مَعْرُوف فِي الْعَادة لِأَن للْوَلَد أَن يَقُول أَنا أرْحم بولدي مِنْك فَكيف توصيني بهم فسبحان من هُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَأَعْدل الْحَاكِمين

стр. 8

فصل فِي أسرار قَوْله يُوصِيكُم الله وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يُوصِيكُم﴾ بِلَفْظ الْفِعْل الدَّائِم لَا بِلَفْظ الْمَاضِي كَمَا قَالَ فِي غير آيَة نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أنزلناها وفرضناها﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿فرض عَلَيْك الْقُرْآن﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ و ﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال﴾ وَلم يقل هَهُنَا كَذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ ﴿يُوصِيكُم﴾ وَالْحكمَة فِي ذَلِك وَالله أعلم أَن الْآيَة ناسخة للْوَصِيَّة الْمَكْتُوبَة عَلَيْهِم فِي قَوْله ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة فَلَمَّا نسخ الْوَصِيَّة الْمَاضِيَة واستأنف حكما

стр. 9

آخر جَاءَ بِلَفْظ الْفِعْل المستأنف تَنْبِيها على نسخ مَا مضى والشروع فِي حكم آخر فَقَالَ ﴿يُوصِيكُم الله﴾ وَجَاء بِالِاسْمِ الظَّاهِر وَلم يقل أوصيكم وَلَا نوصيكم كَمَا قَالَ ﴿نتلوها عَلَيْك﴾ و ﴿نقص عَلَيْك﴾ لِأَنَّهُ أَرَادَ تَعْظِيم هَذِه الْوَصِيَّة والترهيب من إضاعتها كَمَا قَالَ ﴿يعظكم الله﴾ و ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ فَمَتَى أَرَادَ تَعْظِيم الْأَمر جَاءَ بِهَذَا الِاسْم ظَاهرا لِأَنَّهُ أهيب أَسْمَائِهِ وأحقها بالتعظيم وَالله أعلم فصل فِي سر اخْتِيَار لفظ الْوَلَد دون الابْن وَقَالَ ﴿فِي أَوْلَادكُم﴾ وَلم يقل فِي أَبْنَائِكُم لِأَن لفظ الْولادَة هُوَ الَّذِي يَلِيق بِمَسْأَلَة الْمِيرَاث فَفِي تَخْصِيص هَذَا اللَّفْظ فقه وتنبيه أما الْفِقْه فَإِن الْأَبْنَاء من الرضَاعَة لَا يَرِثُونَ لأَنهم لَيْسُوا بأولاد وَكَذَلِكَ الابْن المتبنى فقد كَانَ رَسُول الله ﷺ تبنى زيدا قبل النّسخ للتبني فَكَانَ يَقُول أَنا ابْن مُحَمَّد

стр. 10

وَلَا يَقُول أَنا ولد مُحَمَّد وَلذَلِك قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ لِأَن الْوَلَد لَا يكون إِلَّا من صلب أَو بطن غير أَن لفظ الْأَوْلَاد يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث حَقِيقَة فَلذَلِك عدل عَنهُ إِلَى لفظ الْأَبْنَاء فِي آيَة التَّحْرِيم وَأما فِي آيَة الْمَوَارِيث فجَاء بِلَفْظ الْأَوْلَاد تَنْبِيها على الْمَعْنى الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ حكم الْمِيرَاث وَهُوَ التولد فالماء حَيَاة الْبشر كَمَا أَن المَاء حَيَاة الشّجر وَلذَلِك عبر فِي الرُّؤْيَا بِالْمَاءِ عَن المَال وَهُوَ يسري من الأَصْل إِلَى الْفَرْع الْمُتَوَلد مِنْهُ أَشد من سريان المَاء من الْفَرْع إِلَى الأَصْل وَلذَلِك كَانَ سَبَب الْوَلَد فِي الْمِيرَاث أقوى من سَبَب الْوَالِد لِأَن الْوَلَد فرع متولد فاليه يسري المَال أقوى من سريانه إِلَى الْأَب وَهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَرْوِيّ عَن زيد بن ثَابت حيت كَلمه عمر رَضِي اله عَنهُ فِي مِيرَاث الْجد مَعَ الْإِخْوَة فَضرب لَهُ الْمثل فِي الشَّجَرَة لَهَا فرعان وَفِي الْفَرْع الْوَاحِد غصنان فَإِن قطع أحد الغصنين سرت الْقُوَّة وَالْمَاء إِلَى الْغُصْن الْبَاقِي فصل فِي الموازنة بَين الْجد وَالْأَخ وَفِي دلَالَة الْوَلَد وَإِذا ثَبت هَذَا فالجد إِذا الأَصْل وَالْأَخ أقوى سَببا لِأَنَّهُ يُدْلِي

стр. 11

بِوِلَادَة الْأَب لَهُ وَقد تقدم أَن الْولادَة أقوى الْأَسْبَاب فَإِن قَالَ الْجد وَأَنا أَيْضا ولدت الْمَيِّت قيل لَهُ إِنَّمَا ولدت وَالِده وَولده قد ولد الْإِخْوَة فَصَارَ سببهم قَوِيا وَإِنَّمَا لم يحجبوا الْجد بِهَذِهِ الْقُوَّة لِأَن الْجد أصل وَولد الْوَلَد ولد غير أَن الْوَلَد أَحَق مِنْهُ مَا دَامَ حَيا وَقد اخْتلف هَل يَقع على ولد الْوَلَد اسْم الْوَلَد حَقِيقَة أَو مجَازًا وَالَّذِي عِنْدِي أَنه حَقِيقَة وَلَكِن الْوَلَد أقرب من ولد الْوَلَد وَإِن شَاركهُ فِي الِاسْم لِأَن ولد الْوَلَد لم يكن ولدا للْجدّ إِلَّا بِوَاسِطَة الْوَالِد فَإِن قيل فَإِن تصدق بِصَدقَة على وَلَده أَكَانَ يشاركهم فِيهَا ولد الْوَلَد قُلْنَا أما الصَّدَقَة فالغرض بهَا التَّمْلِيك فَلَا يتَنَاوَل ولد الْوَلَد إِلَّا بتبيان من الْمُتَصَدّق مُخَصص عُمُوم اللَّفْظ بِقَرِينَة الْغَرَض والمقصد بِخِلَاف التحبيس فَإِن الْمَقْصد بِهِ التعقيب دون التَّمْلِيك فَتَنَاول الْوَلَد وَولد الْوَلَد مَا تعاقبوا

стр. 12

فصل فِي الموازنة بَين الْبُنُوَّة والولادة فَإِذا فهمت هَذَا علمت أَن لفظ الْبُنُوَّة أوسع من لفظ الْولادَة لِأَن الْمَقْصُود بهَا الدعْوَة وَالنّسب فَإِذا نسبت فقد تنْسب إِلَى وَالِد وَغير وَالِد أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ فنسب إِلَى السَّبِيل وَلَيْسَ بوالده وَكَذَلِكَ قَوْلهم ابْن آوى وَابْن عرس وَبَنَات أوبر للكمأة وَبَنَات نعش فِي النُّجُوم وَلَا يحسن فِي شَيْء من هَذَا لفظ الْوَلَد فَمن هَذَا لم ير زيد ﵀ حجَّة لمن قَالَ من الصَّحَابَة إِن الْجد كَالْأَبِ كَمَا أَن ابْن الابْن كالابن لقَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يَا بني آدم﴾ و ﴿يَا بني إِسْرَائِيل﴾ وَلقَوْله ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ لِأَن هَذَا نسب وتعريف وَلَو ذكر الْولادَة لَكَانَ لَهُم فِيهَا حجَّة ومتعلق لما قدمْنَاهُ من الْمَقْصُود بِلَفْظ الْوَلَد وَلَفظ الابْن وَفرق مَا بَينهمَا وَالْولد يَقع على الذّكر

стр. 13

وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد وَالْجمع بِخِلَاف الابْن لِأَنَّهُ على وزن فعل كَالْقَبْضِ والنفض وَالْخلف وَهُوَ قَابل لصورة الْفِعْل من المفعولات فَالْوَلَد مَوْلُود قَابل لصورة الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْولادَة كَمَا أَن النفض من الْوَرق قد قبل صُورَة الْفِعْل الَّذِي هُوَ النفض فَوَقع على الْوَاحِد والجميع من أجل ذَلِك غير أَنه قَالَ فِي الْآيَة ﴿فِي أَوْلَادكُم﴾ فَجمع الْوَلَد لِإِضَافَتِهِ إِلَى ضمير الْجمع وَلَو كَانَ مُضَافا إِلَى ضمير الْوَاحِد لجاء بِلَفْظ الْإِفْرَاد وَإِن عَنى الْجمع لقَوْله ﵇ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَلم يقل أَوْلَاد آدم فافهمه وَمن الْفَوَائِد لفظ الْوَلَد دلَالَته على أَن الْجَنِين والسقط المستهل يَرث لِأَنَّهُ ولد قد تولد وقلما يُقَال فِي مثله ابْن فلَان حَتَّى يكبر فينسب إِلَى الْأَب لِأَن لفظ الْبُنُوَّة كَمَا قدمنَا مَوْضُوع للنسب بِخِلَاف لفظ الْوَلَد أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ فِي الْأَنْسَاب ابْن فلَان بن فلَان بن فلَان فصل فِي استنباط حكم العَبْد وَالْكَافِر من الْآيَة وَقَوله ﴿فِي أَوْلَادكُم للذّكر﴾ تضمن أَن لَا يَرث الْوَلَد العَبْد الْأَب الْحر

стр. 14

لقَوْله ﴿فِي أَوْلَادكُم﴾ بِإِضَافَة التَّعْرِيف وَلم يقل يُوصِيكُم الله فِيمَا ولدتم وَعرف الْأَوْلَاد بِالْإِضَافَة إِلَى والديهم وَالْعَبْد لَا يعرف بِالْإِضَافَة إِلَى وَالِده إِنَّمَا يُقَال فِيهِ عبد فلَان ومملوك فلَان فَيعرف بِالْإِضَافَة إِلَى سَيّده وَيُقَال فِي ولد الْحر ولد فلَان وَابْن فلَان فَدلَّ ذَلِك على انْقِطَاع الْمِيرَاث بَينهمَا وتضمن هَذَا الْفِقْه أَيْضا قَوْله ﴿للذّكر﴾ بلام التَّمْلِيك لِأَن لَام الْإِضَافَة هَهُنَا إِنَّمَا هِيَ لإضافة الْملك وَالْعَبْد لَا يملك ملكا مُطلقًا لِأَن السَّيِّد لَهُ أَن ينتزع مَاله مِنْهُ وَأكْثر الْعلمَاء يَقُولُونَ لَا يملك بِحَال من الْأَحْوَال فعلى كلا الْوَجْهَيْنِ لَا يَصح أَن يدْخل العَبْد فِي عُمُوم هَذَا اللَّفْظ أَعنِي قَوْله ﴿للذّكر﴾ وَلَا فِي قَوْله ﴿ولأبويه لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس﴾ وَإِذا منع الرّقّ من الْمِيرَاث فأحرى أَن يمْنَع الْكفْر لِأَن الرّقّ أثر الْكفْر والسباء الَّذِي أوجبه الْكفْر فَخرج من هَذَا أَن لَا يَرث الْكَافِر الْمُسلم فصل فِي استنباط حكم الذّكر مُطلقًا وَقَوله ﴿للذّكر﴾ بِالْألف وَاللَّام الَّتِي للْجِنْس مَعَ اللَّفْظ الْمُشْتَقّ من الذُّكُورَة

стр. 15

يدل على الْعُمُوم وعَلى تَعْلِيق الحكم بالصفحة الَّتِي من الذُّكُورَة فَلَو قَالَ للذّكر مِنْهُم مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ لَكَانَ هَذَا الحكم مَقْصُورا على الْأَوْلَاد دون غَيرهم فَلَمَّا لم يقلهُ دخل فِيهِ الْإِخْوَة فَكَانَ للذّكر مِنْهُم حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ إِذا ورثوا وَكَذَلِكَ الأبوان للْأُم الثُّلُث وَللْأَب الثُّلُثَانِ إِذا ورثا لعُمُوم قَوْله ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإِن قيل قد تقدم ذكر الْأَوْلَاد فَمن هُنَاكَ اسْتغنى عَن أَن يَقُول مِنْهُم قُلْنَا لَو قَالَ مِنْهُم لَكَانَ لفظا يخصص الْعُمُوم تَخْصِيصًا أقوى من تَخْصِيص ذَلِك الْمَعْنى لِأَن دَلِيل اللَّفْظ أقوى من دَلِيل الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَيْسَ من لفظ إِلَّا وَهُوَ مُتَضَمّن لِمَعْنى فَصَارَ أقوى من معنى دون لفظ كَمَا فِي صناعَة النَّحْو الْعَامِل اللَّفْظِيّ أقوى من الْمَعْنَوِيّ فَافْهَم هَذَا فِي صناعَة الْأُصُول وَاعْلَم أَن خُصُوص أول الْكَلَام لَا يمْنَع من عُمُوم آخِره إِذا كَانَت صيغته صِيغَة الْعُمُوم مثل مَا فِي هَذَا الْموضع وَهُوَ قَوْله ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فصل فِي نصيب البنتين وَقَوله ﴿مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بلام التَّعْرِيف الَّتِي للْجِنْس دلّ على أَن الْأُنْثَيَيْنِ

стр. 16

قد استحقتا الثُّلثَيْنِ إِذْ الْأُنْثَى الْوَاحِدَة لَهَا مَعَ الذّكر الثُّلُث فَإِذا لم يكن ثمَّ ذكر وَكَانَت اثْنَتَانِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ بِهَذَا اللَّفْظ القرآني فَإِذا ثَبت هَذَا فَمن ثمَّ قَالَ ﴿فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ﴾ مُبينًا لحكم الثَّلَاث وَمَا هُوَ أَكثر مِنْهُنَّ مستغنيا عَن بَيَان حكم الاثنتين لِأَنَّهُ قد بَينه بِدلَالَة اللَّفْظ كَمَا تقدم وَظن كثير من النَّاس أَن تَوْرِيث الثُّلثَيْنِ للبنتين إِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ على الْأُخْتَيْنِ وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا عرف ذَلِك بِالنِّسْبَةِ الْوَارِدَة وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا عرف من الفحوى لَا من اللَّفْظ لِأَن الْوَاحِدَة إِذا كَانَ لَهَا الثُّلُث مَعَ الذّكر فأحرى أَن يكون لَهَا الثُّلُث مَعَ عدم الذّكر وَالَّذِي عِنْدِي أَن اللَّفْظ مغن عَن هَذَا وكاف شاف لما قدمْنَاهُ وَالْحَمْد لله فصل فِي مرجع الضَّمِير فِي كن وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ﴾

стр. 17

قد يُقَال لم كنى بضمير الْجمع الْمُؤَنَّث وَلم يتَقَدَّم مَا يعود عَلَيْهِ فِي اللَّفْظ قُلْنَا لَو تقدم ذكر جمع مؤنث فِي اللَّفْظ لاستغنى أَن يَقُول ﴿نسَاء﴾ ولقال فَإِن كن فَوق اثْنَتَيْنِ كَمَا قَالَ فِي الْأَخَوَات ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ لِأَنَّهُ قد تقدم ذكر أُخْت وَلم يتَقَدَّم هُنَا إِلَّا ذكر الْأَوْلَاد فَقَالَ الطَّبَرِيّ حاكيا عَن الْكُوفِيّين بِعُود الضَّمِير على المتروكات كَأَنَّهُ قَالَ المتروكات وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل وَضعف قَول من قَالَ يعود على الْوَلَد لِأَن الْوَلَد يجمع الْمُذكر والمؤنث والمذكر يغلب على الْمُؤَنَّث فِي الْجمع وَالَّذِي اخْتَارَهُ عِنْدِي غير صَحِيح لِأَنَّهُ فِيهِ عود الضَّمِير على مَا لَيْسَ فِي اللَّفْظ وَترك اللَّفْظ الظَّاهِر وَإِنَّمَا كَانَ يلْزم تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر لَو عَاد الضَّمِير على جملَة الْأَوْلَاد وَإِنَّمَا يعود على الْبَعْض وَذَلِكَ الْبَعْض هم النِّسَاء وَالِاسْم الْمُضمر هُوَ الظَّاهِر والمتكلم لَا يُرِيد سوى ذَلِك الِاسْم وَعنهُ يخبر وَحكمه يُرِيد أَن يبين فَلذَلِك قَالَ ﴿كن﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة﴾ فجَاء بضمير الْوَاحِدَة الَّتِي يُرِيد

стр. 18

أَن يبين حكمهَا وَهِي ولد كَمَا أَن النِّسَاء ولد وَهَذَا بَين وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ من كَانَت أمك بِالنّصب فأنث الِاسْم الأول لِأَنَّهُ هُوَ الْأَخير فِي الْمَعْنى وأعجب من هَذَا قَوْلهم إِنَّه قَامَ زيد وَإِذا أخبروا عَن الْمُؤَنَّث قَالُوا إِنَّهَا قَامَت هِنْد فأنثوا ليشاكل أول الْكَلَام آخِره وَإِن لم يكن الِاسْم الأول هُوَ اثاني فَإِن قلت إِنَّمَا هُوَ ضمير الْقِصَّة قُلْنَا وَإِن كَانَ ضمير الْقِصَّة فقد اختاروه على ضمير الْأَمر فِي هَذَا الْموضع للمشاكلة قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار﴾ وَلم يقل إِنَّه وَقَالَ ﴿إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل﴾ وَنَحْو من الأول قَوْلهم بحسبك زيد فأدخلوا الْبَاء على حسب وهم يُرِيدُونَ زيدا لِأَنَّهُ هُوَ ويعضد هَذَا قَول الشَّاعِر

стр. 19

أَلَيْسَ عجيبا بِأَن الْفَتى ... يصاب بِبَعْض الَّذِي فِي يَدَيْهِ فَأدْخل الْبَاء على اسْم لَيْسَ وَإِنَّمَا موضعهَا الْخَبَر لِأَنَّهُ هُوَ وَقَول الراجز عَن الْكَرِيم وَأَبِيك يعتمل ... ان لم يجد يَوْمًا على من يتكل ... وَكَانَ حَقه أَن يَقُول من يتكل عَلَيْهِ فَأدْخل الْحَرْف على الأول لِأَنَّهُ هُوَ الثَّانِي وَكَذَلِكَ جَاءَ بضمير جمَاعَة الْمُؤَنَّث عَائِدًا على الْأَوْلَاد لِأَنَّهُ لم يرد مِنْهُم إِلَّا النِّسَاء وَالَّذِي أضمر هُوَ الَّذِي أظهر وَلَا معنى لإنكار من أنكر فصل فِي مُتَعَلق الْجَار فِي قَوْله تَعَالَى من بعد وَصِيَّة وَقَوله ﴿فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك﴾ يَعْنِي مَا ترك الْمَالِك وَلم يتَقَدَّم لَهُ ذكر وَلَكِن لما كَانَ الْكَلَام فِي معرض الْبَيَان لقسم الْمَوَارِيث علم أَن الضَّمِير عَائِد إِلَى الْمَوْرُوث وَقَوله ﴿ترك﴾ أَي خلف وَلَيْسَ التّرْك هَهُنَا بِفعل وَقد يكون التّرْك فعلا يُثَاب

стр. 20

عَلَيْهِ صَاحبه أَو يُعَاقب كَتَرْكِ الطَّاعَة أَو ترك الْمعْصِيَة لِأَنَّهُ لَا جَزَاء إِلَّا على فعل وَأما هَهُنَا فالترك عبارَة عَمَّا خلف الْمَيِّت أَي يبْقى بعد ارتحاله فَعبر بِالتّرْكِ مجَازًا من مجَاز التَّشْبِيه لشبه حَاله بِحَال الْمُسَافِر فَإِنَّهُ يتْرك مَا يتْرك لأَهله ويسير وَإِذا ثَبت هَذَا فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق حرف الْحر من قَوْله فِي آخر الْآيَة ﴿من بعد وَصِيَّة﴾ ب ﴿ترك﴾ وَإِن كَانَ يَلِيهِ فِي الْفظ ظَاهرا وَلذَا تعلقه بالاستقرار الْمُضمر فِي قَوْله ﴿فَلَهُنَّ ثلثا﴾ أَي اسْتَقر لَهُنَّ الثُّلُثَانِ من بعد وَصِيَّة أَي من بعد إِخْرَاج وَصِيَّة وَيمْتَنع أَيْضا تعلق حرف الْجَرّ بترك لوجه آخر نذكرهُ فِي آخر الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله فَإِن قيل مَا فَائِدَة هَذَا النَّحْو فِي هَذَا الْموضع وَمَا فقهه تعلق بِالتّرْكِ أَو لم يتَعَلَّق قُلْنَا فقه ذَلِك أَن الْكَفَن وجهازالميت لَيْسَ للْوَرَثَة فِيهِ حق لِأَن حَقهم لم يجب لَهُم إِلَّا بعد مَوته وَبعد إِخْرَاج الْوَصِيَّة وَالدّين وَلم جعلنَا حرف الْجَرّ مُتَعَلقا ب ﴿ترك﴾ لَكَانَ الْمَعْنى مُجملا غير مُبين ولكان مَا ترك بعد مَا أوصى يدْخل فِيهِ الْكَفَن وَغَيره لِأَن الْوَصِيَّة إِنَّمَا هِيَ قبل الْمَوْت وَلَو وَجب لَهُم ذَلِك بأثر الْوَصِيَّة وَمن بعد تَركه لما ترك أَن يوصى فِيهِ كَانَ الْكَفَن لَهُم وَلَو كَانَ لَهُم لم يجبروا على تكفينه ولكانوا بِمَا كفنوا مَأْجُورِينَ على إحسانهم بهَا وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك بِإِجْمَاع وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله ﴿يُوصي﴾ وَلم يقل يوصيها وَذَلِكَ لِأَن الْوَصِيَّة

стр. 21

قَول يَقُوله وَالْوَصِيَّة أَيْضا الشَّيْء الَّذِي وصّى بِهِ وَأَن الْمَعْنى من بعد إِخْرَاج مَا يُوصي بِهِ لَا من بعد تَركه للإيصاء وَالْوَصِيَّة إِذا تكون بِمَعْنى الْمصدر وَهُوَ الْإِيصَاء وَتَكون المَال الْمُوصى فِيهِ تَقول قبضت وَصِيَّة وحمدت وَصِيَّة أَي حمد إيصاؤه وَفعله وَالدّين كَذَلِك يكون مصدرا من دنت أدين وَذَلِكَ قَوْله ﴿تداينتم بدين﴾ وَيكون المَال الْمَأْخُوذ بِالدّينِ تَقول قد قضى دينه واللهم اقْضِ عَنَّا الدّين وَهُوَ هُنَا الِاسْم لَا الْمصدر كَمَا أَن الْوَصِيَّة كَذَلِك فصل ثَان فِي مُعَلّق من وَمِمَّا يمْنَع أَن يتَعَلَّق الْجَار فِي قَوْله ﴿من بعد وَصِيَّة﴾ بِالتّرْكِ وَيُوجب أَن يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ الْمُضمر فِي قَوْله ﴿لَهُنَّ﴾ أَي وَجب لَهُنَّ

стр. 22

وَاسْتقر لَهُنَّ أَن حرف من إِذا دخل على الظّرْف دلّ على ابْتِدَاء غَايَة وَلم يدل على انْتِهَاء تَقول نَحن فِي هَذَا الْبَلَد من يَوْم كَذَا وَمن عَام كَذَا فالمقام إِذا فِي الْبَلَد مُسْتَمر فَإِذا جِئْت بِفعل منقض غير مُسْتَمر قلت كَلمته عَام كَذَا وَقبل كَذَا وَبعد كَذَا بِغَيْر من فَيكون الظّرْف محيطا بِالْفِعْلِ من طَرفَيْهِ فَإِن جِئْت ب من لم تزل إِلَّا على الطّرف الْوَاحِد وَهُوَ الِابْتِدَاء وَالتّرْك لَيْسَ بِفعل مُسْتَمر وَلَا هُوَ أَيْضا فعل فيؤرخ ببعد أَو قبل فَثَبت أَن الْحَرْف مُتَعَلق بِمَا قُلْنَا وَمن شَوَاهِد مَا قُلْنَا فِي من وتعلقها قَوْله سُبْحَانَهُ خَبرا عَن أهل الْجنَّة ﴿إِنَّا كُنَّا قبل فِي أهلنا مشفقين﴾ لما ذكر الْفِعْل المنقضي وَهُوَ الإشفاق فَلَمَّا ذكر الدُّعَاء قَالَ ﴿إِنَّا كُنَّا من قبل نَدْعُوهُ﴾ بِزِيَادَة من لِأَن دعاءهم مُسْتَمر يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَقَالَ ﴿وَلَهُم مَا يدعونَ﴾ فدعواهم وافتقارهم إِلَى الله مُسْتَمر فِي الْآخِرَة وبدؤه من قبل ثمَّ إِن التّرْك لَا يتَصَوَّر إِلَّا بعد خُرُوج التارك عَن دَاره ووطنه وَمَا دَامَ بَين أَهله لَا يُقَال ترك لَهُم كَذَا فَكَذَا الْمَيِّت إِذا خرج بأكفانه وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من جهازه وَذَلِكَ كُله من مَاله وحرمته حَيا كحرمته مَيتا فِيمَا يجب من ستر عَوْرَته وَنَحْو ذَلِك فَعِنْدَ ذَلِك يَقُول النَّاس مَا ترك وَتقول الْمَلَائِكَة مَا قدم فصل فِي فَائِدَة الصّفة فِي قَوْله وَصِيَّة يُوصي بهَا وَقَوله ﴿يُوصي بهَا﴾ فِي مَوضِع الصّفة للْوَصِيَّة وَالصّفة تقيد الْمَوْصُوف وَفَائِدَة

стр. 23

هَذَا التَّقْيِيد أَن يعلم أَن للْمَيت أَن يُوصي وَلَو قَالَ ﴿من بعد وَصِيَّة﴾ لتوهم أَنَّهَا وَصِيَّة غَيره أَو وَصِيَّة الله الْمَذْكُورَة فِي أول الْآيَة وَقَالَ ﴿يُوصي بهَا﴾ وَلم يقل من بعد وَصيته وَلَا من بعد الْوَصِيَّة الَّتِي يُوصي بهَا ليدل على أَن الْوَصِيَّة ندب وَلَيْسَت بِفَرْض قد وَجب عَلَيْهِ لِأَنَّك تَقول فِي الْأَعْمَال الْوَاجِبَة الَّتِي قد عرف وُجُوبهَا يكون كَذَا من بعد صَلَاتنَا أَو من بعد الصَّلَاة وَفِيمَا لم يعرف وُجُوبه افْعَل كَذَا أَو كَذَا من بعد صَلَاة نصليها أَو صَوْم تصومه أَو صَدَقَة تخرجها فَيدل لفظ التنكير على عدم الْوُجُوب وَيدل لفظ التَّعْرِيف على الْفَرْض الْمَعْرُوف لاسيما وَقد تقدم أَن الْوَصِيَّة كَانَت مَفْرُوضَة بقوله ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة فصل فِي سر تَقْدِيم الْوَصِيَّة على الدّين وَقَوله ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ وَإِخْرَاج الدّين لَا شكّ قبل إِخْرَاج

стр. 24

الْوَصِيَّة وَبعد الْكَفَن لِأَن الْغُرَمَاء فِي حَيَاته لم يكن لَهُم سَبِيل على كَفنه وَمَا يُجهز بِهِ وبدئ بِهِ فِي الْعَمَل قبل الْوَصِيَّة لِأَن أداءه فرض وَالْفَرْض مقدم على النّدب فَإِن قيل لم بَدَأَ الله بِالْوَصِيَّةِ قبل ذكر الدّين قُلْنَا فِي حكم البلاغة أَن يقدم مَا يجب الاعتناء بشرحه وَبَيَانه وَأَدَاء الدّين مَعْلُوم وَأمره بَين لِأَنَّهُ حق للْغُرَمَاء ومنعهم مِنْهُ ظلم ظَاهر فَبَدَأَ بِمَا يحْتَاج إِلَى بَيَانه وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ إِنَّه يقدم فِي كَلَامهم مَا هم بِهِ أهم وببيانه أَعنِي وَإِن كَانَا جَمِيعًا يهمانهم ويعنيانهم وَوجه آخر وَهُوَ أَن الْوَصِيَّة طَاعَة وَخير وبر يَفْعَله الْمَيِّت وَالدّين إِنَّمَا هُوَ لمَنْفَعَة نَفسه وَهُوَ مَذْمُوم فِي غَالب أَحْوَاله وَقد تعوذ رَسُول الله ﷺ من الْكفْر وَالدّين فَبَدَأَ بالأفضل وَمَا يقدم فِي تَرْتِيب الْكَلَام فقد يكون لقبلية الْفضل نَحْو قَوْله ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَنَحْو قَوْله ٦ ﴿من النَّبِيين وَالصديقين﴾ وَقد يكون لقبلية الزَّمَان نَحْو قَوْله ﴿نوحًا وَإِبْرَاهِيم﴾ وَقد يكون لقبلية التَّرْتِيب نَحْو تَقْدِيم الْيَهُود على النَّصَارَى

стр. 25

فِي الذّكر لأَنهم كَانُوا مجاورين للْمُسلمين فِي الدَّار وَقد يكون تقديمهم فِي اللَّفْظ لقبلية الزَّمَان لِأَن التَّوْرَاة قبل الْإِنْجِيل ومُوسَى قبل عِيسَى وَقد يكون تَقْدِيم الصَّلَاة قبل الزَّكَاة من قبلية الرُّتْبَة لِأَنَّهَا حق الْبدن وَالزَّكَاة حق المَال وَالْبدن فِي الرُّتْبَة قبل المَال وَمن وُجُوه القبليات أَيْضا السَّبَب والمسبب كالمرض وَالْمَوْت فِي حكم البلاغة كَمَا رُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا سمع قَارِئًا يقْرَأ وَالله حَكِيم عَزِيز والأعرابي لَا يحفظ الْقُرْآن فَقَالَ الْأَعرَابِي مَا أَرَاهَا أنزلت كَمَا تَقول فَقَالَ الْقَارئ ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فَقَالَ الْأَعرَابِي نعم عز فَلَمَّا عز حكم فَاجْعَلْ هَذِه القبليات أصلا فِي معرفَة الْحِكْمَة والإعجاز فِي كتاب الله فَإِنَّهُ لَا تقدم فِيهِ صفة على أُخْرَى وَلَا شَيْء على شَيْء إِلَّا بقبلية من هَذِه القبليات فترتب الْأَلْفَاظ فِي اللِّسَان على حسب تَرْتِيب الْمعَانِي فِي الْجنان فتدبره وَالله الْمُسْتَعَان فصل فِي نصيب الذّكر عذا انْفَرد وَقَوله ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف﴾ فِيهِ نَص وَدَلِيل أما النَّص فثبوت النّصْف للْبِنْت الْوَاحِدَة مَعَ عدم الْأَخ وَأما الدَّلِيل فَلِأَن الذّكر إِذا انْفَرد ورث المَال كُله لِأَنَّهُ قَالَ ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وللأنثى

стр. 26

النّصْف إِذا كَانَت وَحدهَا فللذكر النصفان وَهُوَ الْكل إِذا كَانَ وَحده فصل فِي حِكْمَة نصيب الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْوَلَد وَقَوله ﴿ولأبويه﴾ ذكرهمَا بِلَفْظ الْأُبُوَّة دون لفظ الْولادَة كَمَا قَالَ ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ لِأَن هَذِه الْآيَة معرضها ومقصودها غير ذَلِك وَلَفظ الْوَالِدين أوفى وأجلب للرحمة وأشكل بِالْوَضْعِ الَّذِي يُرَاد بِهِ الرِّفْق بهما لِأَن لفظ الْولادَة يشْعر بِحَال الْمَوْلُود وبرحمتهما لَهُ إِذا ذَاك أَلا ترَاهُ يَقُول فِي آيَة الْوَالِدين ﴿وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا﴾ وَلَفظ الْأَبَوَيْنِ أوقر وَإِن كَانَ الآخر أرق أَلا تراهم لَا يَقُولُونَ فِي الكنية إِلَّا يَا أَبَا فلَان وَلَا يَقُولُونَ يَا وَالِد فلَان فَكَانَ لفظ الْأَبَوَيْنِ هَا هُنَا أشكل بِهَذَا الْمقَام الَّذِي هُوَ إِعْلَام بحظ هذَيْن اللَّذين ينْسب إِلَيْهِمَا الْمَيِّت والأبوة فِي مُقَابلَة الْبُنُوَّة وَالْوَالِد فِي مُقَابلَة الْوَلَد مَعَ أَن لفظ الْأُبُوَّة هُنَا فقها وَهُوَ سريان الْمِيرَاث من الْأَب إِلَى أَبِيه إِذا عدم الْأَب لِأَن لفظ الْأُبُوَّة يتَنَاوَلهُ وَقد قرنت مَعَه هَهُنَا الْأُم

стр. 27

بِلَفْظ الْأُبُوَّة وَلَا يُقَال لَهَا أَب وَلَا أَبَة إِذا انْفَرَدت وَلَا يُقَال لَهَا إِلَّا وَالِدَة فَلَو ذكر بِلَفْظ الْولادَة لسرى أَيْضا حق الْمِيرَاث مِنْهَا إِلَى والدها إِذا عدمت هِيَ كَمَا سرى ذَلِك فِي الْأَب إِلَى الْجد إِذا عدم الْأَب وَهَذَا دَقِيق فافهمه وَقد تقدم اللَّفْظ بَين حالتي اللَّفْظَيْنِ وَمَا يشاكله من مقامات الْكَلَام كل وَاحِد من الاسمين وتنزيل الْأَلْفَاظ فِي مواطنها وَهُوَ معنى البلاغة وَهِي الفصاحة وَمن هُنَا يعلم الإعجاز فِي كَلَام الله الْعَزِيز وَالْحَمْد لله وَقَوله ﴿لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك إِن كَانَ لَهُ ولد﴾ سوى الله بَين الْأَبَوَيْنِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا كَانَ للْمَيت ولد وَلم يفضلهما على الْوَلَد لِأَنَّهُ يُقَال للْأَب كَمَا كنت تحب لابنك من الْغنى وَالْخَيْر أَكثر مِمَّا تحب لأَبِيك فَكَذَلِك حَال ابْنك مَعَ وَلَده كحالك مَعَ ولدك لِأَن الْوَالِد أحب النَّاس غنى لِابْنِهِ وأعزهم فقرا عَلَيْهِ كم قَالَ الصّديق لابنته عَائِشَة ﵄ عِنْد مَوته وَكَانَ أَبوهُ حَيا فَقَالَ لَهَا مَا من أحد أحب إِلَيّ غنى مِنْك وَلَا أعز فقرا عَليّ بعدِي مِنْك وَلم يسْتَثْن أَبَاهُ وَلَا غَيره

стр. 28

ثمَّ إِن الْوَلَد يؤملون من النِّكَاح والحياة وَغَيره بحداثة سنهم مَا لَا يؤمله الأبوان ثمَّ قَالَ الْأَب إِن فريضتك لَا تنقص بِكَثْرَة الْوَرَثَة وان كَانَ الْوَلَد عشْرين وفريضة ولد ابْنك الْهَالِك قد تنقص بِكَثْرَة الْأَوْلَاد حَتَّى تكون أقل من الْعشْر فيرضى الأبوان بقسم الله تَعَالَى لَهما ويريان الْعدْل من الله بَينا فِيمَا قسم فَإِنَّهُ لم يحجب بالبنين فيعطي الْأَب نصفا وَلَا ثلثا وَلَا حجب بِالْأَبِ فَأعْطَاهُ عشرا وَلَا تسعا بل جعل لَهُ أَوسط الْفَرَائِض وَهُوَ السُّدس وَلَا يُزَاد بقلة الْوَلَد وَلَا بِنَقص بكثرتهم وَالْحَمْد لله فصل فِي حِكْمَة التَّسْوِيَة بَين الْأَبَوَيْنِ مَعَ وجود الْوَلَد وَسوى الله بَين الْأَب وَالأُم فِي هَذَا الْموضع لِأَن الْأَب وَإِن كَانَ يسْتَوْجب التَّفْضِيل بِمَا كَانَ يُنْفِقهُ على الابْن وبنصرته لَهُ وانتهاضه بالذب عَنهُ صَغِيرا فالأم أَيْضا حَملته كرها وَوَضَعته كرها وَكَانَ بَطنهَا لَهُ وعَاء وثديها لَهُ سقاء وحجرها لَهُ قبَاء فتكافأت الحجتان من الْأَبَوَيْنِ فسوى الله بَينهمَا فَأَعْطَاهُمَا سدسا وَذَلِكَ الثُّلُث أبقى للبنتين الثُّلثَيْنِ لما تقدم من الْحِكْمَة الْمُوجبَة لتفضيل الْوَلَد فِي الْمِيرَاث على الْأَبَوَيْنِ

стр. 29

فصل فِي بَيَان حالات الْأُم مَعَ الْأَب وَللْأُمّ ثَلَاث حالات حَالَة تسوى فِيهَا مَعَ الْأَب وَهِي هَذِه وَحَالَة يفضل الْأَب عَلَيْهَا فَيكون لَهُ مثلا حظها وَذَلِكَ مَعَ عدم الْوَلَد لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَاحب فرض وعاصب وَالْمَرْأَة لَا تكون عاصبة فيزيد عَلَيْهَا حِينَئِذٍ بِالتَّعْصِيبِ فَيكون لَهَا الثُّلُث وَله الثُّلُثَانِ وَالْحَالة الثَّالِثَة تفضل فِيهَا الْأُم على الْأَب وَذَلِكَ مَا دَامَ حَيا فَإِنَّهُ يُؤمر بِالْبرِّ بهَا والصلة لَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يلْزمه الْأَب قَالَ رَسُول الله ﷺ لمعاوية بن حيدة الْقشيرِي وَقد قَالَ لَهُ من أبر يَا رَسُول الله قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك ثمَّ أَبَاك ثمَّ أدناك فأدناك ففضل الْأُم على الْأَب فِي الْبر وَقيل لشهاب بن خرَاش مَا جعلت لأَبِيك من دعائك قَالَ الثُّلثَيْنِ ولأمي الثُّلُث قيل لَهُ أَلَيْسَ كَمَا يُقَال للْأُم ثلثا الْبر قَالَ بلَى وَلَكِن أبي كَانَ صابح شرطة لِأَنَّهُ كَانَ على شرطة ابْن هُبَيْرَة

стр. 30

وَإِنَّمَا اسْتَوْجَبت هَذَا مَا دَامَ الْوَلَد حَيا من وُجُوه أَحدهَا أَنَّهَا أَضْعَف والأضعف أَحَق بِأَن يرحم وَالثَّانِي أَنَّهَا أرق قلبا وَأَشد رَحْمَة للِابْن وَالثَّالِث أَنَّهَا تحمل من مُؤنَة الْحمل وَالنّفاس والتربية مَا لَا يحملهُ الْأَب وَالرَّابِع أَن الْأُم تمت بسببين وَالْأَب بِسَبَب وَاحِد وَهُوَ الْأُبُوَّة وَشرح هَذَا أَن آدم يمت علينا بالأبوة وحواء تمت علينا بالأمومة والأخوة لِأَنَّهَا خلقت من ضلع آدم فَخرجت مِنْهُ فَصَارَت أم الْبشر وأختا لَهُم وَالْخَامِس أَن الرَّحِم الَّتِي هِيَ شجنة من الرَّحْمَن اشتق لَهَا من اسْمه وَقَالَ من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته هِيَ فِي الْأُم حَيْثُ يتَصَوَّر الْوَلَد قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام﴾

стр. 31

فقرابة الْأَب تسمى رحما مجَازًا لِأَن الْأَب سَبَب وجود الابْن فِي الرَّحِم وَالشَّيْء سمي بالشَّيْء إِذا كَانَ سَببا لَهُ وَالرحم الَّتِي عاذت بالرحمن حِين فرغ من الْخلق وَقَالَت هَذَا مقَام العائذ بك من القطيعة كَانَت لَهَا حِينَئِذٍ حجنه كحجنة المغزل كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث وَكَأَنَّهَا إِشَارَة إِلَى الحنو والعطف وَذَلِكَ فِي معنى الرَّحْمَة ثمَّ فِي تَخْصِيص الله إِيَّاهَا بِأَن وَضعهَا فِي الْأُم بعد أَن اشتق لَهَا اسْما من الرَّحْمَة سر لطيف وَحِكْمَة بَالِغَة وَذَلِكَ أَن الْوَلَد قبل أَن يَقع فِي الرَّحِم نُطْفَة جماد وَلَا يتَصَوَّر رَحْمَة للجمادات ونعني بالجماد مَا لَا روح لَهُ وَإِنَّمَا تقع الرَّحْمَة على من فِيهِ الرّوح وَأما النُّطْفَة وَالدَّم فَلَو وَقع فِي الأَرْض وطئ بِالرجلِ مَا وجد فِي قلب أحد رَحْمَة لَهُ فَإِذا صور وَنفخ فِيهِ الرّوح تَوَجَّهت إِلَيْهِ الرَّحْمَة من الْأَبَوَيْنِ وَغَيرهمَا وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا فِي بطن الْأُم فَوضعت الرَّحِم المشتقة من اسْم الرَّحْمَن فِي الْأُم لهَذِهِ الْحِكْمَة دون الْأَب وَقيل لِلْقَرَابَةِ من هَذَا الْوَجْه ذَوُو رحم وَلم يقل ذَلِك لقرابة الْأَب إِلَّا مجَازًا كَمَا تقدم وَإِن سمي الْأَعْمَام وَبَنُو الْأَعْمَام ذَوي رحم فَجَائِز على الْمجَاز وَتَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يؤل إِلَيْهِ وَيكون سَببا لَهُ وَالله الْمُسْتَعَان فصل فِي مِيرَاث الْأُم الثُّلُث قَوْله ﴿فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ لم يَجْعَل الله

стр. 32

لَهَا الثُّلُث إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا عدم الْوَلَد وَالْآخر إحاطة الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ وَلذَلِك دخلت الْوَاو ليعطف الشَّرْط الثَّانِي على الأول وَلَو لم تدخل الْوَاو لأحاط الأبوان بِالْمِيرَاثِ عِنْد عدم الْوَلَد وَلم يَرث مَعَهُمَا أحد هَذَا مُقْتَضى قَوْله ﴿وَورثه أَبَوَاهُ﴾ وافهم هَذِه النُّكْتَة من أَلْفَاظ الْقُرْآن فَإنَّك ستجد فَائِدَة مَا إِذا ذكرنَا مِيرَاث الْكَلَالَة إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ أَن لفظ ورث إِذا وَقع مُطلقًا اقْتضى حوز الْمِيرَاث عُمُوما مثل أَن تَقول ورثت زيدا إِذا ورثت مَاله كُله فَإِن كَانَ مَعَك وَارِث آخر لم يحسن أَن تَقول ورثته إِنَّمَا تَقول ورثت مِنْهُ كَذَا تَعْنِي نصفا أَو ثلثا لِأَن معنى ورثته ورثت مَاله ثمَّ حذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَلما قَامَ مقَامه فِي الْإِعْرَاب قَامَ مقَامه فِي الْعُمُوم من قَوْلك ورثت مَاله لسر من الْعَرَبيَّة لطيف لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾

стр. 33

وَقَالَ ﴿يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ أَلا ترَاهُ قَالَ من آل يَعْقُوب بِزِيَادَة حرف التَّبْعِيض وَقَالَ يَرِثنِي بِغَيْر حرف لإحاطة الْوَلَد بميراث الْأَب وَقَالَ ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ وَقَالَ ﴿وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد﴾ أَي يُحِيط بميراثها وَإِذا ثَبت هَذَا فَمَعْنَى الْكَلَام إِذا إِن لم يكن لَهُ ولد وأحاط الأبوان بميراثه فلأمه الثُّلُث وَسكت عَن حَظّ الْأَب اسْتغْنَاء عَن ذكره لِأَنَّهُ لَا يبْقى بعد الثُّلُث إِلَّا الثُّلُثَانِ وَلَا وَارِث إِلَّا الأبوان وَهَذَا بَالغ فِي الْبَيَان وتذكر هَهُنَا الفريضتان الغراوان وهما امْرَأَة تركت زَوجهَا

стр. 34

وأبويها وَرجل ترك امْرَأَته وأبويه فللأم هَهُنَا الثُّلُث مَا بَقِي وَذَلِكَ السُّدس من رَأس المَال مَعَ الزَّوْج وَالرّبع من رَأس المَال مَعَ الزَّوْجَة وَقد أَبى من ذَلِك ابْن عَبَّاس وَقَالَ لَا أجعَل لَهَا إِلَّا الثُّلُث من رَأس المَال وَالزَّوْج النّصْف وَيبقى السُّدس للْأَب فَأبى عَلَيْهِ زيد ابْن ثَابت وَقَالَ ليقسم هُوَ كَمَا رأى وَأقسم أَنا كَمَا رَأَيْت وَهِي إِحْدَى الْمسَائِل الْخَمْسَة الَّتِي خَالف فِيهَا ابْن عَبَّاس الصَّحَابَة وَالْعجب أَن الله جعل لَهَا الثُّلُث كَمَا جعل للزَّوْج النّصْف وَزيد ابْن ثَابت يَقُول بالعول خلافًا لِابْنِ عَبَّاس وَلم يَجْعَلهَا عائلة وَلَا حط الْأَب فَيكون خلافًا لقَوْله ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَلَا هُوَ نقص الزَّوْج مِمَّا جعل لَهَا وَلَا هُوَ سوى الْأُم مَعَه فيعطيها من رَأس المَال كَمَا أعطَاهُ وَلَكِن قَوْله منتزع من كتاب الله انتزاعا تعضده الْأُصُول وَذَلِكَ أَن الْأُم تَقول لم حططتموني عَن الثُّلُث الَّذِي جعل الله لي فَيُقَال لَهَا مَا أخرجت عَن الثُّلُث لِأَن ميراثك مَعَ أحد الزَّوْجَيْنِ الثُّلُث مِمَّا يبْقى فَلم تخرجي عَن الثُّلُث فَتَقول الْأُم هلا أعطيتموني الثُّلُث من رَأس المَال فَيكون للزَّوْج نصف مَا بَقِي أَو هلا جعلتموها عائلة فَيدْخل النَّقْص عَلَيْهِ وعَلى الْأَب كَمَا دخل عَليّ فَيُقَال لَهَا إِنَّمَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ وَلم يقل مِمَّا ترك

стр. 35

كَمَا قَالَ فِي الزَّوْجَيْنِ وَفِي الْأُخْت والأختين وَفِي الْأَبَوَيْنِ مَعَ وجود الْوَلَد وَلَفظ مَا صِيغَة من صِيغ الْعُمُوم فَأعْطى الزَّوْج فَرْضه من كل مَا ترك الْمَيِّت وَلم تَكُونِي أَنْت كَذَلِك إِلَّا مَعَ عدم الزَّوْجَيْنِ وَعند إحاطة الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ فَتَقول الْأُم أَلَيْسَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ مَعْنَاهُ مِمَّا ترك الْوَلَد فَيُقَال لَهَا صِيغَة الْعُمُوم لَا تُؤْخَذ من الْمَعْنى وَإِنَّمَا تُؤْخَذ من اللَّفْظ وَقد تقدم أَن الدَّلِيل اللَّفْظِيّ أقوى من الْمَعْنَوِيّ لِأَنَّهُ مَعْقُول ومسموع فَلهُ مزية على الْمَعْقُول غير المسموع وَهَذَا أصل مُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد حذاق الْأُصُولِيِّينَ وَقد وفْق الله زيد بن ثَابت وفهمه عَن الله وَصدق رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ وأفرضهم زيد بن ثَابت فَتَأمل هَذَا الأَصْل فَقل من يفْطن لَهُ وَإِنَّمَا الْمَسْأَلَة عِنْد النَّاس تقليدية لَا برهانية وَقد أوضحناها برهانيا وَالْحَمْد لله فَهَذَا مَا فِي الْمَسْأَلَة من لفظ الْقُرْآن وَأما مَا فِيهَا من الْحِكْمَة وَبَيَان السِّرّ فَإِن الْأَب بعل الْأُم وَقد قَالَ ﵇ لَو أمرت أحدا بِالسُّجُود لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لبعلها وَهُوَ قوام عَلَيْهَا قَالَ الله ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ وَقَالَ ﴿وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ فَكيف

стр. 36

يكون فَوْقهَا عقلا وَشرعا ثمَّ يكون تحتهَا فِي الْمِيرَاث وَلم يكن أَيْضا ليعال لَهَا مَعَه فَيدْخل عَلَيْهِ النَّقْص فِي حَظه وَهُوَ قيمها والمنفق عَلَيْهَا وإليها يؤول نفع حَظه من الْمِيرَاث فَإِن قيل قد عيل لَهَا مَعَه فِي مَسْأَلَة الْوَلَد إِذا اجْتمع أَبَوَانِ وبنتان وَزوج قلت إِن الله تَعَالَى قَالَ هُنَاكَ ﴿لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك﴾ وَلم يقل هُنَا مِمَّا ترك وَقد بَينا هُنَاكَ الْحِكْمَة الَّتِي أوجبت الْمُسَاوَاة لَهَا مَعَ الْأَب فَإِن قيل فقد قَالَ ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ وَلم يقل مِمَّا ترك وَهِي يعال لَهَا مَعَ الْأُخْتَيْنِ وَالزَّوْج قُلْنَا قد قَالَ ﴿مِمَّا ترك﴾ فِي سدسه مَعَ الابْن وَالْأَب وَالِابْن أَحَق بِالْمِيرَاثِ من الْأَخ فَكيف يكون لَهَا السُّدس من كل مَا ترك مَعَ الابْن الَّذِي هُوَ أَحَق وَلَا يكون ذَلِك لَهَا مَعَ الْأَخ فَلذَلِك اسْتغنى الْكَلَام عَن أَن يَقُول فِيهِ ﴿مِمَّا ترك﴾ أَعنِي عِنْد ذكر الْأُخوة اكْتِفَاء بِمَا

стр. 37

قَالَه عِنْد ذكر الْوَلَد فَإِن قيل فَإِن الْأُخوة للْأُم لَهُم الثُّلُث وَلم يقل فِي مسألتهم ﴿مِمَّا ترك﴾ قالجواب أَن قَوْله ﴿يُورث كَلَالَة﴾ يَقْتَضِي الْعُمُوم فِي جَمِيع المَال لما قدمنَا فِي معنى ورث وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يحْتَج إِلَى إعاده لفظ آخر للْعُمُوم فَإِن الْأَخ للْأُم من جملَة الْكَلَالَة وَقد قَالَ ﴿يُورث كَلَالَة﴾ أَي يحاط بِجَمِيعِ مَاله فلإخوته لأمه الثُّلُث وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يُقَال مِمَّا ترك لتقدم الْعُمُوم فِي قَوْله ﴿يُورث﴾ وَقد بَينا شرح هَذَا فِيمَا تقدم عِنْد قَوْله ﴿وَورثه أَبَوَاهُ﴾ فافهمه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فصل فِي دلَالَة الْأُخوة فِي الْآيَة قَوْله ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ فَلَا تنقص الْأُم من السُّدس إِلَّا أَن تعول الْفَرِيضَة وَلَا يَقُول ابْن عَبَّاس بالعول وَهِي من مسَائِله الْخمس وَيَقُول إِن الْأُخوة هَهُنَا الثَّلَاثَة فَمَا فَوْقهم وَلَيْسَ

стр. 38

يَقع لفظ الْأُخوة على الْأَخَوَيْنِ يَقِينا وَهَذِه أَيْضا من مسائه الْخمس وحجته بَيِّنَة فِي بادئ الرَّأْي وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل الثُّلُث للْأُم مَعَ عدم الْوَلَد فَهَذَا نَص ويقينو الْيَقِين لَا يرفعهُ علا يَقِين مثله فَعَن كَانَ لَهُ أَخ وَاحِد فَهِيَ على ثلثهَا يَقِينا لِأَن الْأَخ لَيْسَ بإخوة فَإِن كَانَ لَهُ أَخَوان فَيحْتَمل دخولهما فِي معنى العخوة وَيحْتَمل أَن لَا يدخلا وَأما لفظ العخوة فواقع على الْجَمِيع يَقِينا وَلم يتَصَوَّر شكّ فِي نقلهَا إِلَى السُّدس بِالثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقهم وتصور الشَّك فِي لفظ الْأَخَوَيْنِ أَهما إخْوَة أم لَا وَالشَّكّ لَا يرفع الْيَقِين الْمُتَقَدّم فِي شَيْء من أَبْوَاب الْفِقْه فَهِيَ إِذا على ثلثهَا حَتَّى يكون لَهُ إخْوَة ثَلَاثَة أَو أَكثر وَحجَّة الآخرين أَن الْيَقِين لَا يرفعهُ شكّ كَمَا ذكر وَأَن الْعُمُوم لَا يخصصه مُحْتَمل وَأما الظَّاهِر فيتخصص بِهِ الْعُمُوم وتبنى عَلَيْهِ الْأَحْكَام يَقِينا كَمَا تبنى على النُّصُوص والمحتمل لَيْسَ كَذَلِك وَلَفظ الْأُخوة ظَاهر فِي الِاثْنَيْنِ نَص فِي الثَّلَاثَة مُخَصص بِهِ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ لِأَنَّهُ لفظ عَام فِي كل أم لَا ولد لَهَا وان كَانَ ظَاهر القَوْل الْخُصُوص من أجل قَوْله تَعَالَى ﴿فلأمه﴾ وَلكنه ضمير عَائِد على عَام تقدم ذكره فَإِن قيل كَيفَ جعلتم لفظ الْأُخوة ظَاهرا فِي الِاثْنَيْنِ وللاثنين صِيغَة كَمَا للْجمع صِيغَة قُلْنَا وَمعنى الْجمع يشملهما لِأَن الِاثْنَيْنِ جمع شَيْء إِلَى

стр. 39

مثله كَمَا أَن الْجمع جمع شَيْء إِلَى أَكثر مِنْهُ فَمن هَهُنَا نَشأ الْخلاف وَهُوَ هَل الْأُخوة لفظ ظَاهر فِي الِاثْنَيْنِ أم مُحْتَمل والألفاظ أَرْبَعَة نَص يقطع على مَعْنَاهُ وَظَاهر يحْتَمل أَمريْن وَهُوَ فِي أَحدهمَا ظَاهر وتتعلق بِهِ الْأَحْكَام ومحتمل لمعنيين لَيْسَ بِأَحَدِهِمَا بِأولى مِنْهُ بِالْآخرِ وَهَذَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم لِأَنَّهُ كالمجمل والمجمل مَا افْتقر إِلَى الْبَيَان وَهُوَ أَشد استغلاقا من الْمُحْتَمل وَالله الْمُسْتَعَان إنصاف وَتَحْقِيق ظَاهر لفظ الْأُخوة الِاخْتِصَاص بِالْجمعِ دون التَّثْنِيَة وَلَا يحمل معنى التَّثْنِيَة على الْجمع إِلَّا بِدَلِيل وَهُوَ الظَّاهِر هُوَ ظَاهر بعرف اللُّغَة وَالظَّاهِر بعرف اللُّغَة تتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَام فللمفرد ظَاهر أقوى مِنْهُ وَهُوَ صِيغَة الْعُمُوم فَإِذا قلت عِنْدِي دَابَّة فَلفظ اللُّغَة تَقْتَضِي أَنَّهَا من المركوب فَإِذا قلت مَا فِيهَا دَابَّة اقْتَضَت صِيغَة الْعُمُوم نفي كل مَا يدب من مركوب وَغَيره وَفِي التَّنْزِيل ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ ﴿وكأين من دَابَّة﴾ فَهَذَا عُمُوم فِي كل مَا يدب وَقَالَ فِي الْوَاجِب غير الْمُتَعَيّن ﴿وَمن النَّاس وَالدَّوَاب﴾ لعدم صِيغَة الْعُمُوم وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة الْأُخوة فَهِيَ ظَاهِرَة فِي الْأُخوة كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَمَّا ورد الشَّرْط وَهُوَ من صِيغ الْعُمُوم اندرج تحتهَا كل اخوة والاثنان اخوة وَإِن لم يكن ظَاهر لفظ الْأُخوة يتناولهما كَمَا لم يكن لفظ الْوَاحِد يتَنَاوَل كل مَا يدب حَتَّى ادرجه الْعُمُوم تَحت اللَّفْظ الظَّاهِر كَذَلِك أدرج الْعُمُوم فِي الْآيَة تَحت لفظ الْإِخْوَة مَا قد يُمكن أَن يعبر عَنهُ بإخوة وهما الِاثْنَان فَصَارَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة﴾ ظَاهرا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع وَإِن

стр. 40

كَانَ صِيغَة عُمُوم الْإِخْوَة فِي الْعرف للْجمع ظَاهرا فالعموم ظَاهر أَيْضا فِي تنَاول الْكل فَتَأَمّله فَعَنْهُ بديع وَقَوله ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ قد تقدم فهمه وَبَيَانه وَبِأَيِّ شَيْء يتَعَلَّق الظّرْف وَالْحَمْد لله فصل فِي سر اخْتِيَار لفظ الابْن وَجمعه جمعا مكسرا وَقَوله ﴿آباؤكم وأبناؤكم لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا فَرِيضَة من الله﴾ فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا تقدم من قَوْلهم لَا نورث إِلَّا من
следующие страницы →