Полный текст (309 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ينقص ثمنهَا فَسمِعت الْجَارِيَة النِّسَاء يقلن إِن الْمَرْأَة إِذا أَرَادَت أَن تحمل لم يخرج مِنْهَا مني الرجل بل يبْقى محتبسا ففهمت ذَلِك وَجعلت ترصده من نَفسهَا فأحست فِي بعض الْأَوْقَات أَنه لم يخرج مِنْهَا فبلغني الْخَبَر فأمرتها أَن تطفر إِلَى خلفهَا فطفرت سبع طفرات فَسقط مِنْهَا الْمَنِيّ بوجبة شَبِيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عَنْهَا القشر الْخَارِج وَبقيت رطوبتها فِي جَوف الغشاء قَالَ وَأَنا أَقُول أَيْضا إِنَّه يجْرِي من الْأُم فضول الرَّحِم ليتغذى بهَا الْجَنِين وَقَالَ إِن الَّذِي تظهر هِيَ الأعصاب الدقاق الْبيض وَهِي الَّتِي رَأَيْت فِي وسط السُّرَّة وَلَيْسَت فِي مَوضِع آخر غير السُّرَّة لِأَن الرّوح إِنَّمَا يشق طَرِيقا للنَّفس هُنَاكَ ثمَّ قَالَ وَأَقُول شَيْئا آخر ظَاهرا يعرفهُ كل من يرغب فِي الْعلم وأوضحه بقياسات وَأَقُول إِن الْمَنِيّ هُوَ فِي الْحجاب وَإنَّهُ يغتذي من الدَّم الَّذِي يجْتَمع من الْمَرْأَة وَينزل إِلَى الرَّحِم وَقَالَ إِن الْمَنِيّ يجتذب الْهَوَاء فيتنفس فِيهِ فِي هَذِه الْحجب فِي الْأَسْبَاب الَّتِي ذكرنَا ويربو من الدَّم الَّذِي ينحدر من الْمَرْأَة وَقَالَ إِن الطمث لَا ينحدر مَا دَامَت الْمَرْأَة حَامِلا إِن كَانَ طفلها صَحِيحا وَذَلِكَ مُنْذُ أول شهر من حبلها إِلَى الشَّهْر التَّاسِع وَلَكِن جَمِيع مَا ينزل من الدَّم من الْبدن كُله يجْتَمع حول الْجَنِين على الْحجاب الْأَعْلَى مَعَ اجتذاب النَّفس والسرة طَرِيق وُصُوله إِلَى الْجَنِين فَيدْخل الْغذَاء إِلَيْهِ فيغذيه وَيزِيد فِي تَرْبِيَته وَقَالَ إِذا أَقَامَ الْمَنِيّ حينا خلقت لَهُ حجب
стр. 247
أخر فتمتد دَاخِلا من الْحجاب الأول وَتَكون مُخْتَلفَة الْأَنْوَاع كَثِيرَة وَأما كَونهَا فَمثل الْحجاب الأول وَقَالَ إِن الْحجب مِنْهَا مَا يخلق أَولا وَمِنْهَا مَا يخلق من بعد الشَّهْر الثَّانِي وَمِنْهَا مَا يخلق فِي الشَّهْر الثَّالِث وَكلهَا لَا تظهر مَنَافِعهَا أول مَا يخلق وَلَكِن بَعْضهَا يَمْتَد على الْمَنِيّ فتظهر مَنَافِعهَا أَولا وَبَعضهَا لَا يظْهر إِلَّا أخيرا فَلذَلِك يخلق بَعْضهَا فِي الشَّهْر الأول وَبَعضهَا فِي الشَّهْر الثَّانِي وَبَعضهَا فِي الثَّالِث وَهِي السُّرَّة كَأَنَّهَا مربوط بَعْضهَا بِبَعْض فِي وسط الْحجب تكون السُّرَّة الَّتِي يتنفس مِنْهَا ويتربى
وَإِذا نزل الدَّم واغتذى الْجَنِين مِنْهُ حَالَتْ الْحجب بَينه وَبَين الْجَنِين وَلِهَذَا يَقُول تَعَالَى ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق فِي ظلمات ثَلَاث﴾ الزمر ٦ فَإِن كل حجاب من هَذِه الْحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحَانَهُ أطوار خلقه وَنَقله فِيهَا من حَال إِلَى حَال وَذكر ظلمات الْحجب الَّتِي على الْجَنِين فَقَالَ أَكثر الْمُفَسّرين هِيَ ظلمَة الْبَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة فَإِن كل وَاحِد من هَذِه حجاب على الْجَنِين وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ ظلمَة أصلاب الْآبَاء وظلمة بطُون الْأُمَّهَات وظلمة المشيمة وأضعف من هَذَا القَوْل قَول من قَالَ ظلمَة اللَّيْل وظلمة الْبَطن وظلمة الرَّحِم فَإِن اللَّيْل وَالنَّهَار بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَنِين سَوَاء
стр. 248
وَقَالَ بقراط إِن الْمَرْأَة إِذا حبلت لم تألم من اجْتِمَاع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمهَا وَلَا تحس بِضعْف كَمَا تحس إِذا انحدر الطمث لِأَنَّهَا لَا يثور دَمهَا فِي كل شهر لكنه ينزل إِلَى الرَّحِم فِي كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا سَاكِنا من غير وجع فَإِذا أَتَى إِلَى الرَّحِم اغتذى مِنْهُ الْجَنِين ونما ثمَّ قَالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إِذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الْحجب وَإِذا كبر كَبرت الْحجب أَيْضا وَصَارَ لَهَا تجويف خَارج من الْجَنِين فَإِذا نزل الدَّم من الْأُم جذبه الْجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد فِي لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لَا يصلح للغذاء ينزل إِلَى مجاري الْحجب وَكَذَلِكَ تسمى الْحجب الَّتِي إِذا صَار لَهَا تجويف يقبل الدَّم المشيمة
وَقَالَ إِذا تمّ الْجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الْحجب وَظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الْآلَات الَّتِي ذكرنَا فَإِن اتَّسع داخلها اتَّسع خَارِجهَا لِأَنَّهُ أولى بذلك لِأَن لَهُ موضعا يَمْتَد إِلَيْهِ قلت وَمن هَا هُنَا لم تَحض الْحَامِل بل مَا ترَاهُ من الدَّم يكون دم فَسَاد لَيْسَ دم الْحيض الْمُعْتَاد هَذِه إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أَحْمد الَّذِي لَا يعرف أَصْحَابه سواهُ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَذهب الشَّافِعِي فِي رِوَايَة عَن عَائِشَة وَالْإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة عَنهُ اخْتَارَهَا شَيخنَا إِلَى أَن مَا ترَاهُ من الدَّم فِي وَقت عَادَتهَا يكون حيضا وَحجَّة هَذَا القَوْل
стр. 249
ظَاهِرَة وَهِي عُمُوم الْأَدِلَّة الدَّالَّة على ترك الْمَرْأَة الصَّوْم وَالصَّلَاة إِذا رَأَتْ الدَّم الْمُعْتَاد فِي وَقت الْحيض وَلم يسْتَثْن الله وَرَسُوله حَالَة دون حَالَة وَأما كَون الدَّم ينْصَرف إِلَى غذَاء الْوَلَد فَمن الْمَعْلُوم أَن ذَلِك لَا يمْنَع أَن يبْقى مِنْهُ بَقِيَّة يخرج فِي وَقت الْحيض تفضل عَن غذَاء الْوَلَد فَلَا تنَافِي بَين غذَاء الْوَلَد وَبَين حيض الْأُم
وَأَصْحَاب القَوْل الآخر يحتجون بقوله ﷺ لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِل حَتَّى تستبرأ بِحَيْضَة فَجعل الْحَيْضَة دَلِيلا على عدم الْحمل فَلَو حَاضَت الْحَامِل لم تكن الْحَيْضَة علما على بَرَاءَة حملهَا وَالْآخرُونَ يحبيبون عَن هَذَا بِأَن الْحَيْضَة علم ظَاهر فَإِذا ظهر بهَا الْحمل تَبينا أَنه لم يكن دَلِيلا وَلِهَذَا يحكم بِانْقِضَاء الْعدة بِالْحيضِ ظَاهرا ثمَّ تبين الْمَرْأَة حَامِلا وَالنَّبِيّ ﷺ قسم النِّسَاء إِلَى قسمَيْنِ امْرَأَة مَعْلُومَة الْحمل وَامْرَأَة مظنون أَنَّهَا حَامِل فَجعل اسْتِبْرَاء الأولى بِوَضْع الْحمل وَالثَّانيَِة بالحيضة وَهَذَا هُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لم يدل على أَن مَا ترَاهُ الْحَامِل من الدَّم فِي وَقت عَادَتهَا تَصُوم مَعَه وَتصلي
стр. 250
فصل
قَالَ بقراط إِن الْعِظَام تصلب من الْحَرَارَة لِأَن الْحَرَارَة تصلب الْعِظَام وتربط بَعْضهَا بِبَعْض مثل الشَّجَرَة الَّتِي ترتبط بَعْضهَا بِبَعْض وَقَالَ إِن العصب جعل دَاخِلا وخارجا وَجعل الرَّأْس بَين العاتقين والعضدان والساعدان فِي الْجَانِبَيْنِ وَفرج مَا بَين الرجلَيْن أَيْضا وَجعل فِي كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وَهُوَ الْأسر الَّذِي شدّ بِهِ الْإِنْسَان قَالَ وَجعل الْفَم ينفتح من تِلْقَاء نَفسه وَركب الْأنف والأذنان من اللَّحْم وثقبت الأذنان ثمَّ العينان بعد ذَلِك وملئتا رُطُوبَة صَافِيَة
وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي سُجُوده سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره وَالْوَاو وَإِن لم تقتض ترتيبا فتقديم السّمع فِي اللَّفْظ يُنَاسب تقدمه فِي الْوُجُود ثمَّ تتسع الأمعاء بعد ذَلِك وَيصير لَهَا تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النَّفس إِلَى الْفَم وَالْأنف وَيدخل الِاسْتِنْشَاق فِي الْفَم وَالْأنف وينفتح الْبَطن والأمعاء وَيخرج النَّفس إِلَى الْفَم بدل السُّرَّة فَإِذا تمّ مَا ذكرنَا حضر وَقت خُرُوج الْجَنِين وَنزلت فضول من معدته وأمعائه إِلَى المثانة وَيكون لَهَا طَرِيق من الْمعدة والأمعاء إِلَى المثانة
стр. 251
وَمِنْهَا إِلَى مجْرى الْبَوْل وَإِنَّمَا تنفتح هَذِه كلهَا ويتسع تجويفها بالاستنشاق وَبِه ينْفَصل بَعْضهَا عَن بعض على قدر أشكالها وَقَالَ اذا اتَّسع الْبَطن وَتبين تجويف الأمعاء صَار فِيهَا طَرِيق الى المثانة والإحليل اضطرارا
قَالَ والمني اذا تركب يجْتَمع كل شَيْء مِنْهُ الى صَاحبه الْعِظَام الى الْعِظَام والعصب الى العصب وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَعْضَاء ثمَّ يركب الْجَنِين ثمَّ قَالَ إِنَّا قد رَأينَا كثيرا من النِّسَاء قد فَسدتْ الأجنة فِيهِنَّ ثمَّ خرجت بعد ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ قَالَ أَلا ترى أَنه اذا سقط الْجَنِين بعد ثَلَاثِينَ يَوْمًا رَأَيْت مفاصله مركبة وَقَالَ يدْرك هَذَا بِالنّظرِ الى السقط لِأَنَّهُ اذا سقط لَيْسَ يسْقط من حيلنا بل من قبل نَفسه ثمَّ قَالَ اذا تركب الْجَنِين وأتلفت مفاصله وَكَبرت أعضاؤه وصلبت عِظَامه وتحركت جذبت من الْبدن دَمًا دسما ويحتبس ذَلِك ويتحرك فِي رُؤُوس الْعِظَام مثل تحرّك رُؤُوس الشّجر قَالَ وَكَذَلِكَ الْجَنِين ويتقلب
فصل
وَقَالَ فِي الْمقَالة الثَّانِيَة من كِتَابه هَذَا ثمَّ يتركب الْجَنِين وَيتم الذّكر الى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا والانثى إِلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين يَوْمًا وَرُبمَا زَاد على هَذِه
стр. 252
الْأَيَّام قَلِيلا وَرُبمَا نقص قَلِيلا وَقَالَ إِن الْجَنِين يتم وَيتَصَوَّر إِن كَانَ ذكرا فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وان كَانَ أُنْثَى فَفِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين يَوْمًا وَقَالَ إِنَّا نرى ذَلِك من نقاء الْمَرْأَة لِأَنَّهَا إِن ولدت أُنْثَى فَإِنَّهَا تنفى فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين يَوْمًا وَهُوَ أَكثر مَا تحتبس الْمَرْأَة الى أَن تنقى فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين يَوْمًا عِنْد ولادَة الْأُنْثَى وَرُبمَا كَانَ فِي الْفَرد وتنقى فِي خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِذا ولدت ذكرا فَإِنَّهَا تنقى فِي اثْنَيْنِ ووثلاثين يَوْمًا اذا احْتبست كثيرا وَرُبمَا بقيت فِي الْفَرد فِي خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا
وَقَالَ إِن دم الطمث يخرج من حَيْثُ يخرج الْجَنِين وكما أَن الذّكر يتَصَوَّر فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا كَذَلِك يكون نقاء أمه من بعد ولاده فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وتنقى الْمَرْأَة اذا ولدت أُنْثَى فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين يَوْمًا بِعَدَد الْأَيَّام الَّتِي تركيبها فِيهَا ثمَّ قَالَ انما يجْرِي الدَّم من النُّفَسَاء بعد ولادها أَيَّامًا كَثِيرَة لِأَنَّهَا اذا حملت لم يحْتَج الْجَنِين أول مَا يخلق الى غذَاء كثير حَتَّى يتم فَإِذا تمّ لَهُ اثْنَان وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا اغتذى كَمَا يَنْبَغِي وَمَا اجْتمع فِي الْأَيَّام الْأَرْبَعين من الدَّم الَّذِي ينزل الى الْجَنِين بَقِي إِلَى ولاد الْمَرْأَة فَإِذا ولدت نزل أَرْبَعِينَ يَوْمًا
قلت فِي هَذَا الْفَصْل حديثان صَحِيحَانِ عَن رَسُول الله ﷺ نذكرهما
стр. 253
وَنَذْكُر تَصْدِيق أَحدهمَا للْآخر ثمَّ نتعقب كَلَام بقراط ونبين مَا فِيهِ بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق إِن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون فِي ذَلِك علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون فِي ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الله الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات بكتب رزقه وأجله وَعَمله وشقي أَو سعيد فو الَّذِي لَا إِلَه غَيره إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينهَا وَبَينه إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها
وَفِي طَرِيق أُخْرَى أَن خلق ابْن آدم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ وَفِي أُخْرَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَقَالَ البُخَارِيّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعين لَيْلَة وَفِي بعض طرقه ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وشقي أَو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح ٠٠٠ الحَدِيث
стр. 254
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ يدْخل الْملك على النُّطْفَة بعد مَا تَسْتَقِر فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَو خمس وَأَرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يَا رب أشقي أَو سعيد فيكتبان فَيَقُول إِي رب أذكر أم أُنْثَى فيكتبان وَيكْتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثمَّ تطوى الصُّحُف فَلَا يزْدَاد فِيهَا وَلَا ينقص
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنِي سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة ابْن أسيد الْغِفَارِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الْملك على النُّطْفَة بعد مَا تَسْتَقِر فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يَا رب أشقي أم سعيد فَيَقُول الله فيكتبان فَيَقُولَانِ أذكر أم أُنْثَى فَيَقُول الله فيكتبان فَيكْتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثمَّ تطوى الصَّحِيفَة فَلَا يزْدَاد على مَا فِيهَا وَلَا ينقص
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَامر بن وَاثِلَة أَنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول الشقي من شقي فِي بطن أمه والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ فَأتى رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله يُقَال لَهُ حُذَيْفَة بن أسيد الْغِفَارِيّ فحدثه بذلك
стр. 255
من قَول ابْن مَسْعُود فَقَالَ وَكَيف يشقى رجل بِغَيْر عمل فَقَالَ لَهُ الرجل أتعجب من ذَلِك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثمَّ قَالَ يَا رب أذكر أم أُنْثَى فَيَقْضِي رَبك مَا شَاءَ وَيكْتب الْملك ثمَّ يَقُول يَا رب أَجله فَيَقْضِي رَبك مَا شَاءَ فَيكْتب الْملك ثمَّ يَقُول يَا رب رزقه فَيَقْضِي رَبك مَا شَاءَ وَيكْتب الْملك ثمَّ يخرج الْملك بالصحيفة فِي يَده فَلَا يزِيد على مَا أَمر وَلَا ينقص
وَفِي لفظ آخر سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هَاتين يَقُول إِن النُّطْفَة تقع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْهَا الْملك قَالَ زُهَيْر حسبته قَالَ الَّذِي يخلقها فَيَقُول يَا رب أذكر أم أُنْثَى فَيَجْعَلهُ الله ذكرا أَو أُنْثَى فَيَقُول يَا رب أسوي أم غير سوي فَيَجْعَلهُ الله سويا أَو غير سوي ثمَّ يَقُول يَا رب مَا رزقه وَمَا أَجله وَمَا خلقه ثمَّ يَجعله الله شقيا أَو سعيدا
стр. 256
وَفِي لفظ آخر أَن ملكا موكلا بالرحم إِذا أَرَادَ الله أَن يخلق شَيْئا بِإِذن الله لبضع وَأَرْبَعين لَيْلَة ثمَّ ذكر الحَدِيث فاتفق حَدِيث ابْن مَسْعُود وَحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد على حُدُوث شَأْن وَحَال النُّطْفَة بعد الْأَرْبَعين وَحَدِيث حُذَيْفَة مُفَسّر صَرِيح بِأَن ذَلِك يكْتب بعد الْأَرْبَعين قبل نفخ الرّوح كَمَا تقدم فِي رِوَايَة البُخَارِيّ
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فأحد أَلْفَاظه مُوَافق لحَدِيث حُذَيْفَة وَإِن كَانَ ذَلِك التَّقْدِير وَالْكِتَابَة بعد الْأَرْبَعين قبل نفخ الرّوح فِيهِ كَمَا تقدم من رِوَايَة البُخَارِيّ وَلَفظه ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ ملكا بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب عمله ورزقه وأجله وشقي أَو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح فَهَذَا صَرِيح أَن الْكِتَابَة وسؤال الْملك قبل نفخ الرّوح فِيهِ وَهُوَ مُوَافق لحَدِيث حُذَيْفَة فِي ذَلِك
وَأما لَفظه الآخر فينفخ فِيهِ الرّوح وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات فَلَيْسَ بِصَرِيح إِذْ الْكَلِمَات الْمَأْمُور بهَا بعد نفخ الرّوح فَإِن هَذِه الْجُمْلَة معطوفة بِالْوَاو وَيجوز أَن تكون معطوفة على الْجُمْلَة الَّتِي تَلِيهَا وَيجوز أَن تكون معطوفة على جملَة الْكَلَام الْمُتَقَدّم أَي يجمع خلقه فِي هَذِه الأطوار وَيُؤمر الْملك بكتب رزقه وأجله وَعَمله ووسط بَين الْجمل قَوْله ثمَّ ينْفخ فِيهِ
стр. 257
الرّوح بَيَانا لتأخر نفخ الرّوح عَن طور النُّطْفَة والعلقة والمضغة وَتَأمل كَيفَ أَتَى ب ثمَّ فِي فصل نفخ الرّوح وبالواو فِي قَوْله وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات فاتفقت سَائِر الْأَحَادِيث بِحَمْد الله
وَبَقِي أَن يُقَال فَحَدِيث حُذَيْفَة يدل على أَن ابْتِدَاء التخليق عقيب الْأَرْبَعين الأولى وَحَدِيث ابْن مَسْعُود يدل على أَنه عقيب الْأَرْبَعين الثَّالِثَة فيكيف يجمع بَينهمَا قيل أما حَدِيث حُذَيْفَة فصريح فِي كَون ذَلِك بعد الْأَرْبَعين وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلَيْسَ فِيهِ تعرض لوقت التَّصْوِير والتخليق وَإِنَّمَا فِيهِ بَيَان أطوار النُّطْفَة وتنقلها بعد كل أَرْبَعِينَ وَأَنه بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة ينْفخ فِيهِ الرّوح وَهَذَا لم يتَعَرَّض لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بل اخْتصَّ بِهِ حَدثنَا بن مَسْعُود فاشترك الحديثان فِي حُدُوث أَمر بعد الْأَرْبَعين الأولى
واختص حَدِيث حُذَيْفَة بِأَن ابْتِدَاء تصويرها وخلقها بعد الْأَرْبَعين الأولى واختص حَدِيث ابْن مَسْعُود بِأَن نفخ الرّوح فِيهِ بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة واشترك الحديثان فِي اسْتِئْذَان الْملك ربه سُبْحَانَهُ فِي تَقْدِير شَأْن الْمَوْلُود فِي خلال ذَلِك فتصادقت كَلِمَات رَسُول الله ﷺ وَصدق بَعْضهَا بَعْضًا
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ أَمْرَانِ أَمر النُّطْفَة وتنقلها وَأمر كِتَابَة الْملك مَا يقدر الله فِيهَا وَالنَّبِيّ ﷺ أخبر بالأمرين فِي الحَدِيث قَالَ الإِمَام
стр. 258
أَحْمد حَدثنَا هشيم أَنبأَنَا عَليّ بن زيد قَالَ سَمِعت أَبَا عتبَة بن عبد الله يحدث قَالَ قَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن النُّطْفَة تكون فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ يَوْمًا على حَالهَا لَا تَتَغَيَّر فَإِذا مَضَت لَهُ أَرْبَعُونَ صَارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ عظاما كَذَلِك فَإِذا أَرَادَ أَن يُسَوِّي خلقه بعث الله اليه الْملك فَيَقُول الْملك الَّذِي يَلِيهِ أَي رب أذكر أم أُنْثَى أشقي أم سعيد أقصير أم طَوِيل أناقص أم زَائِد قوته وأجله أصحيح أم سقيم قَالَ فَيكْتب ذَلِك كُله فَهَذَا الحَدِيث فِيهِ الشِّفَاء وَإِن الْحَادِث بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة تَسْوِيَة الْخلق عِنْد نفخ الرّوح فِيهِ
وَلَا ريب أَنه عِنْد نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ فِي خلقه أُمُور زَائِدَة على التخليق الَّذِي كَانَ بعد الْأَرْبَعين الأولى فَالْأول كَانَ مبدأ التخليق وَهَذَا تسويته وَكَمَال مَا قدر لَهُ كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ خلق الأَرْض قبل السَّمَاء ثمَّ خلق السَّمَاء ثمَّ سوى الأَرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقهَا فَذَلِك فعله فِي السكن وَهَذَا فعله فِي السَّاكِن على أَن التخليق والتصوير ينشأ فِي النُّطْفَة بعد الْأَرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ينشأ النَّبَات فَهَذَا مشَاهد فِي الْحَيَوَان والنبات كَمَا إِذا تَأَمَّلت حَال الْفروج فِي
стр. 259
الْبَيْضَة فَإِنَّمَا يَقع الْإِشْكَال من عدم فهم كَلَام الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ فالإشكال فِي أفهامنا لَا فِي بَيَان الْمَعْصُوم وَالله الْمُسْتَعَان وَقد أَغْنَاك هَذَا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشَّارِحين فَتَأَمّله ووازن بَينه وَبَين هَذَا الْجمع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل
وَقد قَالَ بقراط فِي كتاب الْغذَاء تَصْوِير الْجَنِين يكون فِي خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وحركته فِي سبعين صباحا وكماله فِي مائَة وَعشرَة أَيَّام وَيتَصَوَّر أجنة أخر فِي خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول فِي مائَة صباح ويكملون فِي ثَلَاثمِائَة وَيتَصَوَّر أجنة أخر فِي أَرْبَعِينَ صباحا ويتحركون فِي ثَمَانِينَ صباحا ويولدون فِي مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين صباحا وَيتَصَوَّر أجنة أخر فِي خَمْسَة وَأَرْبَعين صباحا ويتحركون فِي تسعين صباحا ويولدون فِي مِائَتَيْنِ وَسبعين صباحا قَالَ فَأَما الْولادَة فَتكون فِي الشَّهْر السَّابِع وَالثَّامِن وَالتَّاسِع والعاشر
قلت الْحَرَكَة حركتان حَرَكَة طبيعية غير أرادية فَهَذِهِ تكون قبل تعلق الرّوح بِهِ وَأما الْحَرَكَة الإرادية فَلَا تكون إِلَّا بعد نفخ الرّوح وَلِهَذَا فرق بقراط بَين التحرك الأول وَالثَّانِي
قلت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْوَحْي الصَّادِق عَن خلاق الْبشر أَن الْخلق ينْتَقل فِي كل أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى طور آخر فَيكون أَولا نُطْفَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد مائَة وَعشْرين يَوْمًا
стр. 260
فَهَذَا كَأَنَّك تشاهده عيَانًا وَمَا خَالفه فَلَيْسَ مَعَ الْمخبر بِهِ عيان وَغَايَة مَا مَعَه قِيَاس فَاسد وتشريح لَا يُحِيط علما بمبدإ مَا شَاهده مِنْهُ أَو تَقْلِيد لوَاحِد غير مَعْصُوم وكل مَا جَاءَ بِهِ مَشى خَلفه فِيهِ فيعتقد فِيهِ المعتقد أَن هَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الطبائعيين وَأَصله كُله وَاحِد أَخطَأ فِيهِ ثمَّ قَلّدهُ من بعده وَالْقَوْم لم يشاهدوا مَا أخبروا بِهِ من ذَلِك
وَغَايَة مَا مَعَهم أَنهم شرحوا الحاكين أَحيَاء وأمواتا فوجدوا الْجَنِين فِي الرَّحِم على الصّفة الَّتِي أخبروا بهَا وَلَكِن لاعلم لَهُم بِمَا وَرَاء ذَلِك من مبدإ الْحمل وَتغَير أَحْوَال النُّطْفَة فَإِن ضيق مقلدهم الْفَرْض وَقَالَ نفرض أَنهم اعتبروا بكرا من حَيْثُ وطِئت ثمَّ جعلُوا يعدون أَيَّامهَا إِلَى أَن بلغت مَا ذَكرُوهُ ثمَّ شرحوها فوجدوا الْأَمر على الصّفة الَّتِي أخبروا بهَا فَهَذَا غَايَة الْكَذِب والبهت فَإِن الْقَوْم لم يدعوا ذَلِك وَكَيف يُمكنهُم دَعوَاهُم وهم يخبرون أَن بعد ذَلِك بِكَذَا وَكَذَا يَوْمًا يصير شَأْن الْحمل كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا مَعَ الْقَوْم كليات وأقيسة وَيَنْبَغِي أَن يكون كَذَا وَكَذَا والنظام الطبيعي يَقْتَضِي كَذَا وَكَذَا
وَكثير مِنْهُم يَأْخُذ ذَلِك من حركات الْقَمَر وزيادته ونقصانه وَمن حركات الشَّمْس وَمن التَّثْلِيث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنْهُم وأبطلوا ذَلِك عَلَيْهِم من وُجُوه وأحال بِهِ على الأخلق وَالْأولَى
стр. 261
والأنسب وأحال بِهِ آخَرُونَ على أَيَّام البحارين وَتغَير الطبيعة فِيهَا ورد بعض هَؤُلَاءِ على بعض وأبطل قَوْله بِمَا تَرَكْنَاهُ مَخَافَة التَّطْوِيل
وَأَصَح مَا بِأَيْدِيهِم التشريح والاستقراء التَّام الَّذِي لَا يخرم وَنحن لَا ننكر ذَلِك وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف الْوَحْي عَن خلاف الأجنة أبدا وَمِمَّا يدل على أَن الْقَوْم لم يخبروا فِي ذَلِك عَن مُشَاهدَة قَوْلهم إِن الْجَنِين الَّذِي يُولد فِي الشَّهْر السَّابِع يصير ديديا فِي تِسْعَة أَيَّام ودمويا فِي ثَمَانِيَة أَيَّام أخر ولحميا فِي تِسْعَة أَيَّام أخر وَيقبل الصُّورَة فِي أثنى عشر يَوْمًا أخر فَإِذا اجْتمعت هَذِه الْأَيَّام صَارَت خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا فجعلوه مُضْغَة فِي الْأَرْبَعين الأولى وَهَذَا كذب ظَاهر قطعا وَإِنَّمَا يصير لحميا بعد الثَّمَانِينَ وَمثل هَذَا لَا يدْرك إِلَّا بِوَحْي أَو مُشَاهدَة وَكِلَاهُمَا مَفْقُود عِنْدهم وَإِنَّمَا بِأَيْدِيهِم قِيَاس اعتبروا بِهِ أَحْوَال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جَنِين ولد فِي شهر من شهور الْولادَة على أَنه يَنْبَغِي أَن يكون ديديا أَي نُطْفَة كَذَا وَكَذَا ودمويا أَي علقَة كَذَا وَكَذَا يَوْمًا ولحميا أَي مُضْغَة كَذَا وَكَذَا يَوْمًا ثمَّ أضعفوا ذَلِك الْعدَد وجعلوه وَقت تحرّك الْجَنِين وكذبوا فِي ذَلِك على الخلاق الْعَلِيم فِي خلقه كَمَا كذبُوا عَلَيْهِ فِي صِفَاته وأسمائه فَإِن الْقَوْم لم يكن لَهُم نصيب من الْعلم الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل بل كَانُوا كَمَا قَالَ اله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم﴾ النِّسَاء ٨٣
стр. 262
وَمَا غَايَة مل يَنَالهُ الْمُنكر المعرض عَمَّا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَغَايَة مَا نالوا بِهِ علما بِأُمُور طبيعية فِيهَا الْحق وَالْبَاطِل وَأُمُور رياضية كَثِيرَة التَّعَب قَليلَة الجدوى وَأُمُور الْهَيْئَة باطلها أَضْعَاف أَضْعَاف حَقّهَا فَأَيْنَ الْعلم المتلقى من الْوَحْي النَّازِل إِلَى الظَّن الْمَأْخُوذ عَن الرَّأْي الزائل وَأَيْنَ الْعلم الْمَأْخُوذ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله إِلَى الظَّن الْمَأْخُوذ عَن رَأْي رجل لم يستنر قلبه بِنور الْوَحْي طرفَة عين وَإِنَّمَا مَعَه حدسه وتخمينه وَنسبه مَا يُدْرِكهُ الْعُقَلَاء قاطبة بعقولهم إِلَى مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل كنسبة سراج ضَعِيف إِلَى ضوء الشَّمْس وَلَا تجدو وَلَو عمرت عمر نوح مَسْأَلَة وَاحِدَة أصلا اتّفق فِيهَا الْعُقَلَاء كلهم على خلاف مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فِي أَمر من الْأُمُور الْبَتَّةَ فالأنبياء لم تأت بِمَا يُخَالف صَرِيح الْعقل الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا جَاءَت بِمَا لَا يُدْرِكهُ الْعقل فَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل مَعَ الْعقل ثَلَاثَة أَقسَام لَا رَابِع لَهَا الْبَتَّةَ قسم شهد بِهِ الْعقل والفطرة وَقسم يشْهد بجملته وَلَا يهتدى لتفصيله وَقسم لَيْسَ فِي الْعقل قُوَّة إِدْرَاكه وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ مَا يحيله الْعقل الصَّرِيح وَيشْهد بِبُطْلَانِهِ فالرسل بريئون مِنْهُ وَإِن ظن كثير من الْجُهَّال المدعين للْعلم والمعرفة أَن بعض مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل يكون من هَذَا الْقسم فَهَذَا إِمَّا لجهله بِمَا جَاءَت بِهِ وَإِمَّا لجهله بِحكم الْعقل أَو لَهما
стр. 263
فصل
فِي مِقْدَار زمَان الْحمل وَاخْتِلَاف الأجنة فِي ذَلِك
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ إحسانا حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ الْأَحْقَاف ١٥ فَأخْبر تَعَالَى أَن مُدَّة الْحمل والفطام ثَلَاثُونَ شهرا وَأخْبر فِي آيَة الْبَقَرَة أَن مُدَّة تَمام الرَّضَاع حَوْلَيْنِ كَامِلين فَعلم أَن الْبَاقِي يصلح مُدَّة للْحَمْل وَهُوَ سِتَّة أشهر فاتفق الْفُقَهَاء كلهم على أَن الْمَرْأَة لَا تَلد لدوّنَ سِتَّة أشهر إِلَّا أَن يكون سقطا وَهَذَا أَمر تَلقاهُ الْفُقَهَاء عَن الصَّحَابَة ﵃
فَذكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود الديلِي أَن عمر أُتِي بِامْرَأَة قد ولدت لسِتَّة أشهر فهم عمر برجمها فَبلغ ذَلِك عليا ﵁ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهَا رجم فَبلغ ذَلِك عمر فَأرْسل إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ الْبَقَرَة ٢٣٣ وَقَالَ ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ الْأَحْقَاف ١٥ فستة أشهر حمله وحولان تَمام الرضَاعَة لَا حد عَلَيْهِمَا فخلى عَنْهَا
стр. 264
وَفِي موطأ مَالك أَنه بلغه أَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أُتِي بِامْرَأَة قد ولدت فِي سِتَّة أشهر فَأمر بهَا أَن ترْجم فَقَالَ عَليّ لَيْسَ ذَلِك عَلَيْهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ وَقَالَ ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾ فَأمر بهَا عُثْمَان أَن ترد فَوَجَدَهَا قد رجمت
وَذكر دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول إِذا ولدت الْمَرْأَة لتسعة أشهر كفاها من الرَّضَاع أحد وَعِشْرُونَ شهرا وَإِذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرَّضَاع ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ شهرا وَإِذا وضعت لسِتَّة أشهر كفاها من الرَّضَاع أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ شهرا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ انْتهى كَلَامه
стр. 265
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ الرَّعْد ٨
قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿وَمَا تغيض الْأَرْحَام﴾ مَا تنقص عَن تِسْعَة أشهر ﴿وَمَا تزداد﴾ وَمَا تزيد عَلَيْهَا وَوَافَقَهُ على هَذَا أَصْحَابه كمجاهد وَسَعِيد ابْن جُبَير وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضا إِذا حَاضَت الْمَرْأَة على وَلَدهَا كَانَ ذَلِك نُقْصَانا من الْوَلَد وَمَا تزداد قَالَ إِذا زَادَت على تِسْعَة أشهر كَانَ ذَلِك تَمامًا لما نقص من وَلَدهَا وَقَالَ أَيْضا الغيض مَا رَأَتْ الْحَامِل من الدَّم فِي حملهَا وَهُوَ نُقْصَان من الْوَلَد وَالزِّيَادَة مَا زَاد على التسمة أشهر وَهُوَ تَمام النُّقْصَان
وَقَالَ الْحسن مَا تغيض الْأَرْحَام مَا كَانَ من سقط وَمَا تزداد الْمَرْأَة تَلد لعشرة أشهر وَقَالَ عِكْرِمَة تغيض الْأَرْحَام الْحيض بعد الْحمل فَكل يَوْم رَأَتْ فِيهِ الدَّم حَامِلا ازْدَادَ بِهِ فِي الْأَيَّام طَاهِرا فَمَا حَاضَت يَوْمًا إِلَّا ازدادت فِي الْحمل يَوْمًا
وَقَالَ قَتَادَة الغيض السقط وَمَا تزداد فَوق التِّسْعَة أشهر
وَقَالَ سعيد بن جُبَير إِذا رَأَتْ الْمَرْأَة الدَّم على الْحمل فَهُوَ الغيض للْوَلَد فَهُوَ نُقْصَان فِي غذَاء الْوَلَد وَزِيَادَة فِي الْحمل تغيض وتزداد فعلان متعديان مفعولهما مَحْذُوف وَهُوَ الْعَائِد على مَا الموصولة والغيض النُّقْصَان وَمِنْه ﴿وغيض المَاء﴾ (هود ٤٤) وضده الزياده
стр. 266
وَالتَّحْقِيق فِي معنى الْآيَة أَنه يعلم مُدَّة الْحمل وَمَا يعرض فِيهَا من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَهُوَ الْعَالم بذلك دونكم كَمَا هُوَ الْعَالم بِمَا تحمل كل أُنْثَى هَل هُوَ ذكر أَو أُنْثَى
وَهَذَا أحد أَنْوَاع الْغَيْب الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا الله كَمَا فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ مَفَاتِيح الْغَيْب خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله لَا يعلم مَتى تَجِيء السَّاعَة إِلَّا الله وَلَا يعلم مَا فِي غَد إِلَّا الله وَلَا يعلم مَتى يَجِيء الْغَيْث إِلَّا الله وَلَا يعلم مَا فِي الْأَرْحَام إِلَّا الله وَلَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِلَّا الله
فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُنْفَرد بِعلم مَا فِي الرَّحِم وَعلم وَقت إِقَامَته فِيهِ وَمَا يزِيد من بدنه وَمَا ينقص وَمَا عدا هَذَا القَوْل فَهُوَ من توابعه ولوازمه كالسقط والتام ورؤية الدَّم وانقطاعه وَالْمَقْصُود ذكر مُدَّة إِقَامَة الْحمل فِي الْبَطن وَمَا يتَّصل بهَا من زِيَادَة ونقصان
فصل
وَأما أقصاها فَقَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلف أهل الْعلم فِي ذَلِك فَقَالَت طَائِفَة أقْصَى مدَّته سنتَانِ وَرُوِيَ هَذَا القَوْل عَن عَائِشَة وَرُوِيَ عَن الضَّحَّاك
стр. 267
وهرم بن حَيَّان أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَقَامَ فِي بطن أمه سنتَيْن وَهَذَا قَول سُفْيَان الثَّوْريّ
وَفِيه قَول ثَان وَهُوَ أَن مُدَّة الْحمل قد تكون ثَلَاث سِنِين روينَا عَن اللَّيْث بن سعد أَنه قَالَ حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثَلَاث سِنِين وَفِيه قَول ثَالِث أَن أقْصَى مدَّته أَربع سِنِين هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀
قلت وَعَن الإِمَام أَحْمد ﵀ رِوَايَتَانِ أَنه أَربع سِنِين وَالثَّانيَِة سنتَانِ قَالَ وَاخْتلف فِيهِ عَن مَالك فَالْمَشْهُور عَنهُ عِنْد أَصْحَابه مثل مَا قَالَ الشَّافِعِي وَحكى ابْن الْمَاجشون عَنهُ ذَلِك ثمَّ رَجَعَ لما بلغه قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي وضعت لخمس سِنِين وَفِيه قَول آخر أَن مُدَّة الْحمل قد تكون خمس سِنِين حُكيَ عَن عباد بن الْعَوام أَنه قَالَ ولدت امْرَأَة مَعنا فِي الدَّار لخمس سِنِين قَالَ فولدته وشعره يضْرب إِلَى هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى الْعُنُق قَالَ وَمر بِهِ طير فَقَالَ هش وَقد حُكيَ عَن ابْن عجلَان أَن امْرَأَته كَانَت تحمل خمس سِنِين
وَفِيه قَول خَامِس قَالَ الزُّهْرِيّ أَن الْمَرْأَة تحمل سِتّ سِنِين وَسبع سِنِين فَيكون وَلَدهَا مخشوشا فِي بَطنهَا قَالَ وَقد أَتَى سعيد بن مَالك بِامْرَأَة حملت سبع سِنِين
وَقَالَت فرقة لَا يجوز فِي هَذَا الْبَاب التَّحْدِيد والتوقيت بِالرَّأْيِ لأَنا
стр. 268
وجدنَا لأدنى الْحمل أصلا فِي تَأْوِيل الْكتاب وَهُوَ الْأَشْهر السِّتَّة فَنحْن نقُول بِهَذَا ونتبعه وَلم نجد لآخره وقتا وَهَذَا قَول أبي عبيد وَدفع بِهَذَا حَدِيث عَائِشَة وَقَالَ الْمَرْأَة الَّتِي روته عَنْهَا مَجْهُولَة وَأجْمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم أَن الْمَرْأَة إِذا جَاءَت بِولد لأَقل من سِتَّة أشهر من يَوْم تزَوجهَا الرجل أَن الْوَلَد غير لَا حق بِهِ فان جَاءَت بِهِ لسِتَّة أشهر من يَوْم نَكَحَهَا فَالْوَلَد لَهُ وَهَذَا وَأَمْثَاله يدل على أَن الطبيعة الَّتِي هِيَ مُنْتَهى سير الطبائعيين لَهَا رب قاهر قَادر يتَصَرَّف فِيهَا بمشيئته وينوع فِيهَا خلقه كَمَا يَشَاء ليدل من لَهُ عقل على وجوده ووحدانيته وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله وَإِلَّا فَمن أَيْن فِي الطبيعة الْمُجَرَّدَة هَذَا الِاخْتِلَاف الْعَظِيم والتباين الشَّديد وَمن أَيْن فِي الطبيعة خلق هَذَا النَّوْع الإنساني على أَرْبَعَة أضْرب
أَحدهمَا لَا من ذكر وَلَا من أُنْثَى كآدم ﷺ الثَّانِي من ذكر بِلَا أُنْثَى كحواء صلوَات الله عَلَيْهَا الثَّالِث من أُنْثَى بِلَا ذكر كالمسيح ﷺ الرَّابِع من ذكر وَأُنْثَى كَسَائِر النَّوْع وَمن أَيْن فِي الطبيعة وَالْقُوَّة هَذَا التَّرْكِيب وَالتَّقْدِير والتشكيل وَهَذِه الْأَعْضَاء والرباطات والقوى والمنافذ والعجائب الَّتِي ركبت فِي هَذِه النُّطْفَة المهينة لَوْلَا بَدَائِع صنع الله مَا وجدت تِلْكَ الْعَجَائِب فِي مستقذر المَاء ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾
стр. 269
الانفطار ٦ _ ٨ ﴿إِن الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ آل عمرَان ٥ و ٦ لقد دلّ سُبْحَانَهُ على نَفسه أوضح دلَالَة بِمَا أشهده كل عبد على نَفسه من حَاله وحدوثه وإتقان صنعه وعجائب خلقه وآيات قدرته وشواهد حكمته فِيهِ
وَلَقَد دَعَا سُبْحَانَهُ الْإِنْسَان إِلَى النّظر فِي مبدإ خلقه وَتَمَامه فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب﴾ الطارق ٦ _ ٧ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء إِلَى أجل مُسَمّى ثمَّ نخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر لكيلا يعلم من بعد علم شَيْئا﴾ الْحَج ٥
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ الذاريات ٢٠ _ ٢١ وَهَذَا فِي الْقُرْآن كثير لمن تدبره وعقله وَهُوَ شَاهد مِنْك عَلَيْك فَمن أَيْن للطبيعة وَالْقُوَّة المحصورة هَذَا الْخلق والإتقان والإبداع وتفصيل تِلْكَ الْعِظَام وَشد بَعْضهَا بِبَعْض على اخْتِلَاف أشكالها ومقاديرها ومنافعها وصفاتها وَمن جعل فِي النُّطْفَة
стр. 270
تِلْكَ الْعُرُوق وَاللَّحم والعصب وَمن فتح لَهَا تِلْكَ الْأَبْوَاب والمنافذ وَمن شقّ سَمعهَا وبصرها وَمن ركب فِيهَا لِسَانا تنطق بِهِ وعينين تبصر بهما وأذنين تسمع بهما وشفتين وَمن أودع فِيهَا الصَّدْر وَمَا حواه من الْمَنَافِع والآلات الَّتِي لَو شاهدتها لرأيت الْعَجَائِب
وَمن جعل هُنَاكَ حوضا وخزانة يجْتَمع فِيهَا الطَّعَام وَالشرَاب وسَاق إِلَيْهِ مجاري وطرقا ينفذ فِيهَا فيسقي جَمِيع أَجزَاء الْبدن كل جُزْء يشرب من مجْرَاه الَّذِي يخْتَص بِهِ لَا يتعداه ﴿قد علم كل أنَاس مشربهم﴾ الْبَقَرَة ٦٠ وَمن أَخذ مِنْهَا تِلْكَ القوى الَّتِي بهَا تمت مصالحها ومنافعها وَمن أودع فِيهَا الْعُلُوم الدقيقة والصنائع العجيبة وَعلمهَا مَا لم تكن تعلم وألهمها فجورها وتقواها ونقلها فِي أطوار التخليق طورا بعد طور وطبقا بعد طبق إِلَى أَن صَارَت شخصا حَيا ناطقا سميعا بَصيرًا عَالما متكلما آمرا ناهيا مسلطا على طير السَّمَاء وحيتان المَاء ووحوش الفلوات عَالما بِمَا لَا يُعلمهُ غَيره من الْمَخْلُوقَات ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره﴾ عبس ٢٢ - ١٥
فصل
وَقد زعم طَائِفَة مِمَّن تكلم فِي خلق الْإِنْسَان أَنه إِنَّمَا يعْطى السّمع وَالْبَصَر بعد وِلَادَته وَخُرُوجه من بطن أمه وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم﴾
стр. 271
من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون) النَّحْل ٧٧ وَاحْتج أَنه فِي بطن الْأُم لَا يرى شَيْئا وَلَا يسمع صَوتا فَلم يكن لإعطائه السّمع وَالْبَصَر هُنَاكَ فَائِدَة
وَلَيْسَ مَا قَالَه صَحِيحا وَلَا حجَّة لَهُ فِي الْآيَة لِأَن الْوَاو لَا تَرْتِيب فِيهَا بل الْآيَة حجَّة عَلَيْهِ فَإِن فُؤَاده مَخْلُوق وَهُوَ فِي بطن أمه وَقد تقدم حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد وَالصَّحِيح إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وَهَذَا وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الْعين وَالْأُذن فالقوة السامعة والباصرة مودوعة فِيهَا وَأما الْإِدْرَاك بِالْفِعْلِ فَهُوَ مَوْقُوف على زَوَال الْحجاب الْمَانِع مِنْهُ فَلَمَّا زَالَ بِالْخرُوجِ من الْبَطن عمل الْمُقْتَضى عمله وَالله أعلم
فصل
فِي ذكر أَحْوَال الْجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عِنْد تَمام نصف السّنة يعرض للجنين فِي هَذَا الْوَقْت أَن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وَأَن ينْتَقل عَن مَكَانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإِن كَانَ الْجَنِين قَوِيا وَكَانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أَضْعَف تمّ الولاد وَإِن كَانَ الْجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمَّا أَن يهتكها بعض الهتك وَلَا يُولد فَيبقى مَرِيضا أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى تَمام آخر الشَّهْر الثَّامِن
стр. 272
فَإِن ولد فِي هَذِه الْأَرْبَعين يَوْمًا مَاتَ وَلم يُمكن تَرْبِيَته وَلَا بَقَاؤُهُ وَإِن هُوَ هتك أغشيته كل الهتك حَتَّى يُمكن تلافي ذَلِك وَلم يُولد مَاتَ فَإِن لم يسْقط والا قتل الْحَامِل بِهِ وَإِن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي وَلم يمت وَمكث فِي مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إِلَيْهِ عِنْد فَم الْفرج وَإِنَّمَا يعرض لَهُم الْمَرَض فِي هَذِه الْأَرْبَعين يَوْمًا إِذا لم يولدوا بعد تحركهم لأَنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله وَلِأَن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أَن يمرضن عِنْد ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة الْمُتَّصِلَة بالرحم مِنْهُنَّ وَلِأَن الْجَنِين إِذا انحل رباطه ثقل على أمه
فصل
فِي سَبَب الشّبَه لِلْأَبَوَيْنِ أَو أَحدهمَا وَسبب الإذكار والإيناث وَهل لَهما عَلامَة وَقت الْحمل أم لَا
تقدم ذكر قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء﴾ آل عمرَان ٦
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن أم سليم سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الْمَرْأَة ترى فِي منامها مَا يرى الرجل فَقَالَ ﷺ إِذا رَأَتْ الْمَرْأَة ذَلِك فلتغتسل فَقَالَ أم سليم واستحيت من ذَلِك وَهل يكون
стр. 273
هَذَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ نعم فَمن أَيْن يكون الشّبَه مَاء الرجل غليظ أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر فَمن أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة أَن الْمَرْأَة قَالَت لرَسُول الله ﷺ هَل تَغْتَسِل الْمَرْأَة إِذا حملت فَأَبْصَرت المَاء فَقَالَ نعم فَقَالَت لَهَا عَائِشَة تربت يداك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دعيها وَهل يكون الشّبَه إِلَّا من قبل ذَلِك إِذا علا مَاؤُهَا مَاء الرجل أشبه الْوَلَد أَخْوَاله وَإِذا علا مَاء الرجل ماءها أشبه أَعْمَامه
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ثَوْبَان قَالَ كنت قَائِما عِنْد رَسُول الله ﷺ فجَاء حبر من أَحْبَار الْيَهُود فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَدَفَعته دفْعَة كَاد يصرع مِنْهَا فَقَالَ لم تدفعني فَقلت أَلا تَقول يَا رَسُول الله فَقَالَ الْيَهُودِيّ إِنَّمَا نَدْعُوهُ باسمه الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اسْمِي مُحَمَّد الَّذِي سماني بِهِ أَهلِي فَقَالَ الْيَهُودِيّ جِئْت أَسأَلك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أينفعك شبى إِن حدثتك فَقَالَ أسمع بأذني
стр. 274
فَنكتَ رَسُول الله ﷺ بِعُود مَعَه فَقَالَ سل فَقَالَ الْيَهُودِيّ أَيْن يكون النَّاس حِين تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هم فِي الظلمَة دون الجسر فَقَالَ فَمن أول النَّاس إجَازَة يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين قَالَ الْيَهُودِيّ فَمَا تحفتهم حِين يدْخلُونَ الْجنَّة قَالَ زِيَادَة كبد النُّون قَالَ فَمَا غذاؤهم على إثْرهَا قَالَ ينْحَر لَهُم ثَوْر الْجنَّة الَّذِي كَانَ يَأْكُل من أطرافها قَالَ فَمَا شرابهم عَلَيْهِ قَالَ عينا فِيهَا تسمى سلسبيلا قَالَ صدقت قَالَ أردْت أَن أَسأَلك عَن شَيْء لَا يُعلمهُ أحد من أهل الأَرْض إِلَّا نَبِي أَو رجل أَو رجلَانِ قَالَ ينفعك إِن حدثتك قَالَ أسمع بأذني قَالَ جِئْت أَسأَلك عَن الْوَلَد قَالَ مَاء الرجل أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة أصفر فَإِذا اجْتمعَا فعلا مني الرجل مني الْمَرْأَة أذكر بِإِذن الله وَإِذا علا مني الْمَرْأَة مني الرجل آنثا بِإِذن الله تَعَالَى فَقَالَ الْيَهُودِيّ لقد صدقت وَإنَّك لنَبِيّ ثمَّ انْصَرف فَذهب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقد سَأَلَني عَن الَّذِي سَأَلَني عَنهُ وَمَالِي علم بِشَيْء مِنْهُ حَتَّى أَتَانِي الله بِهِ
وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه
стр. 275
عَن عبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود قَالَ مر يَهُودِيّ برَسُول الله ﷺ وَهُوَ يحدث أَصْحَابه فَقَالَ رجل من قُرَيْش يَا يَهُودِيّ إِن هَذَا يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ لأسألنه عَن شَيْء لَا يُعلمهُ إِلَّا نَبِي فجَاء حَتَّى جلس ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد مم يخلق الْإِنْسَان قَالَ يَا يَهُودِيّ من كل يخلق من نُطْفَة الرجل وَمن نُطْفَة الْمَرْأَة فَأَما نُطْفَة الرجل فنطفة غَلِيظَة مِنْهَا الْعظم والعصب وَأما نُطْفَة الْمَرْأَة نُطْفَة الْمَرْأَة فنطفة رقيقَة مِنْهَا اللَّحْم وَالدَّم فَقَامَ الْيَهُودِيّ فَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَقُول من قبلك
فتضمنت هَذِه الْأَحَادِيث أمورا أَحدهَا أَن الْجَنِين يخلق من مَاء الرجل وَمَاء الْمَرْأَة خلافًا لمن يزْعم من الطبائعيين أَنه إِنَّمَا يخلق من مَاء الرجل وَحده وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب﴾ الطارق ٧ - ٥ قَالَ الزّجاج قَالَ أهل اللُّغَة التربية مَوضِع القلادة من الصَّدْر وَالْجمع ترائب وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الترائب مُعَلّق الْحلِيّ من الصَّدْر وَهُوَ قَول جَمِيع أهل اللُّغَة وَقَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس يُرِيد صلب الرجل وترائب الْمَرْأَة وَهُوَ مَوضِع قلادتها
стр. 276
وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وسُفْيَان وَجُمْهُور أهل التَّفْسِير وَهُوَ المطابق لهَذِهِ الْأَحَادِيث وَبِذَلِك أجْرى الله الْعَادة فِي أيجاد مَا يوجده من بَين أصلين كالحيوان والنبات وَغَيرهمَا من الْمَخْلُوقَات فالحيوان ينْعَقد من مَاء الذّكر وَمَاء الْأُنْثَى كَمَا ينْعَقد النَّبَات من المَاء وَالتُّرَاب والهواء وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة﴾ الْأَنْعَام ١: ١ فَإِن الْوَلَد لَا يتكون إِلَّا من بَين الذّكر وصاحبته وَلَا ينْتَقض هَذَا بِآدَم وحواء أبوينا وَلَا بالمسيح فَإِن الله سُبْحَانَهُ مزج تُرَاب آدم بِالْمَاءِ حَتَّى صَار طينا ثمَّ أرسل عَلَيْهِ الْهَوَاء وَالشَّمْس حَتَّى صَار كالفخار ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح وَكَانَت حَوَّاء مستلة مِنْهُ وجزءا من أَجْزَائِهِ والمسيح خلق من مَاء مَرْيَم ونفخة الْملك وَكَانَت النفخة لَهُ كَالْأَبِ لغيره
فصل
الْأَمر الثَّانِي إِن سبق أحد المائين سَبَب لشبه السَّابِق مَاؤُهُ وعلو أَحدهمَا سَبَب لمجانسة الْوَلَد للعالي مَاؤُهُ فها هُنَا أَمْرَانِ سبق وعلو وَقد يتفقان وَقد يفترقان فَإِن سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة وعلاه كَانَ الْوَلَد ذكرا والشبه للرجل وَإِن سبق مَاء الْمَرْأَة وَعلا مَاء الرجل كَانَت أُنْثَى والشبه للْأُم وَإِن سبق أَحدهمَا وَعلا الآخر كَانَ الشّبَه للسابق مَاؤُهُ والإذكار والإيناث لمن علا مَاؤُهُ
стр. 277
وَيشكل على هَذَا أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن الإذكار والإيناث لَيْسَ لَهُ سَبَب طبيعي وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَند إِلَى مَشِيئَة الْخَالِق سُبْحَانَهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فَيَقُول الْملك يَا رب أذكر أم أُنْثَى فَمَا الرزق فَمَا الْأَجَل شقي أم سعيد فَيَقْضِي الله مَا يَشَاء وَيكْتب الْملك فكون الْوَلَد ذكر أَو أُنْثَى مُسْتَند إِلَى تَقْدِير الخلاق الْعَلِيم كالشقاوة والسعادة والرزق وَالْأَجَل وَأما حَدِيث ثَوْبَان فَانْفَرد بِهِ مُسلم وَحده وَالَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ إِنَّمَا هُوَ الشّبَه وَسَببه علو مَاء أَحدهمَا أَو سبقه وَلِهَذَا قَالَ فَمن أَيهمَا علاأو سبق يكون الشّبَه لَهُ
الْأَمر الثَّانِي أَن الْقَافة مبناها على شبه الْوَاطِئ لَا على شبه الْأُم وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي ولد الْمُلَاعنَة انظروها فَإِن جَاءَت بِهِ على نعت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِشَرِيك بن السمحاء يَعْنِي الَّذِي رميت بِهِ وَإِن جَاءَت بِهِ على نعت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهِلَال بن أُميَّة فَاعْتبر شبه الْوَاطِئ وَلم يعْتَبر شبه الْأُم وَيُجَاب عَن هذَيْن الإشكالين
أما الأول فَإِن الله سُبْحَانَهُ قدر مَا قدره من أَمر النُّطْفَة من حِين وَضعهَا فِي الرَّحِم إِلَى آخر أحوالها بِأَسْبَاب قدرهَا حَتَّى الشقاوة والسعادة
стр. 278
والرزق وَالْأَجَل والمصيبة كل ذَلِك بِأَسْبَاب قدرهَا وَلَا يُنكر أَن يكون للإذكار والإيناث أَسبَاب كَمَا للشبه أَسبَاب لكَون السَّبَب غير مُوجب لمسببه بل إِذا شَاءَ الله جعل فِيهِ اقتضاءه وَإِذا شَاءَ سلبه اقتضاءه وَإِذا شَاءَ رتب عَلَيْهِ ضد مَا هُوَ سَبَب لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يفعل هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة فالموجب مَشِيئَة الله وَحده فالسبب متصرف فِيهِ لَا متصرف مَحْكُوم عَلَيْهِ لَا حَاكم مُدبر وَلَا مُدبر فَلَا تضَاد بَين قيام سَبَب الإذكار والإيناث وسؤال الْملك ربه تَعَالَى أَي الْأَمريْنِ يحدثه فِي الْجَنِين وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ أَن الإذكار والإيناث وجمعهما هبة محضه مِنْهُ سُبْحَانَهُ رَاجع إِلَى مشيئه وَعلمه وَقدرته
فَإِن قيل فَقَوْل الْملك يَا رب أذكر أم أُنْثَى مثل قَوْله مَا الرزق وَمَا الْأَجَل وَهَذَا لَا يسْتَند إِلَى سَبَب من الْوَاطِئ وَإِن كَانَ يحصل بِأَسْبَاب غير ذَلِك قيل نعم لَا يسْتَند الإذكار والإيناث إِلَى سَبَب مُوجب من الْوَطْء وَغَايَة مَا هُنَاكَ أَن ينْعَقد جُزْء من أَجزَاء السَّبَب تَمام السَّبَب من أُمُور خَارِجَة عَن الزَّوْجَيْنِ وَيَكْفِي فِي ذَلِك أَنه إِن لم يَأْذَن الله باقتضاء السَّبَب لمسببه لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فاستناد الإذكار والإيناث إِلَى مَشِيئَته سُبْحَانَهُ لَا يُنَافِي حُصُول السَّبَب وكونهما بِسَبَب لَا يُنَافِي استنادهما إِلَى الْمَشِيئَة وَلَا يُوجب الِاكْتِفَاء بِالسَّبَبِ وَحده
стр. 279
وَأما تفرد مُسلم بِحَدِيث ثَوْبَان فَهُوَ كَذَلِك والْحَدِيث صَحِيح لَا مطْعن فِيهِ وَلَكِن فِي الْقلب من ذكر الإيناث والإذكار فِيهِ شَيْء هَل حفظت هَذِه اللَّفْظَة أَو هِيَ غير مَحْفُوظَة وَالْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ الشّبَه كَمَا ذكر فِي سَائِر الْأَحَادِيث الْمُتَّفق على صِحَّتهَا فَهَذَا مَوضِع نظر كَمَا ترى وَالله أعلم
فصل
وَأما الْأَمر الثَّالِث وَهُوَ اعْتِبَار الْقَائِف لشبه الْأَب دون الْأُم فَذَلِك لِأَن كَون الْوَلَد من الْأُم أَمر مُحَقّق لَا يعرض فِيهِ اشْتِبَاه سَوَاء أشبههَا أَو لم يشبهها وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الْقَافة فِي دَعْوَى الْآبَاء وَلِهَذَا يلْحق بأبوين عِنْد أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأكْثر فُقَهَاء الحَدِيث وَلَا يلْحق بأمين فَإِذا ادَّعَاهُ أَبَوَانِ أرِي الْقَافة فَألْحق بِمن كَانَ الشّبَه لَهُ إِذا لم يكن ثمَّ فرَاش فَإِن كَانَ هُنَاكَ فرَاش لم يلْتَفت إِلَى مُخَالفَة الشّبَه لَهُ فالشبه دَلِيل عِنْد عدم مُعَارضَة مَا هُوَ أقوى مِنْهُ من الْفراش وَالْبَيِّنَة نعم لَو ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ أرِي الْقَافة فَألْحق بِمن كَانَ أشبه بهَا مِنْهُمَا فعملنا بالشبه فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَنَصّ الْأَمَام أَحْمد على اعْتِبَار الْقَافة فِي حق الْمَرْأَتَيْنِ فَسئلَ عَن يَهُودِيَّة ومسلمة ولدتا فادعت الْيَهُودِيَّة ولد الْمسلمَة فَقيل لَهُ يكون فِي هَذِه الْقَافة قَالَ مَا أحْسنه وَهَذَا أصح الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيَّة
стр. 280
وَقَالُوا فِي الْوَجْه الآخر لَا تعْتَبر الْقَافة هَا هُنَا لِإِمْكَان معرفَة الْأُم يَقِينا بِخِلَاف الاب وَالصَّحِيح اعْتِبَار الْقَافة فِي حق الْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُ اعْتِبَار لشبه الْأُم وَالْولد يَأْخُذ الشّبَه من الْأُم تَارَة وَمن الْأَب تَارَة بِدَلِيل مَا ذكرنَا من حَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة وَعبد الله بن سَلام وَأنس بن مَالك وثوبان ﵃ وَإِمْكَان معرفَة الْأُم يَقِينا لَا يمْنَع اعْتِبَار الْقَافة عِنْد عدم الْيَقِين كَمَا نتعبرها بالشبه إِلَى الرجلَيْن عِنْد عدم الْفراش
وَقد روى سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد ابْن سِيرِين قَالَ حج بِنَا الْوَلِيد وَنحن سَبْعَة ولد سِيرِين فَمر بِنَا إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا دَخَلنَا على زيد بن ثَابت ﵁ قيل لَهُ هَؤُلَاءِ بَنو سِيرِين قَالَ فَقَالَ زيد هَذَانِ لأم وَهَذَانِ لأم وَهَذَانِ لأم فَمَا أَخطَأ
وَقد قَالَ بقراط فِي كتاب الأجنة وَإِذا كَانَ مني الرجل أَكثر من مني الْمَرْأَة أشبه الطِّفْل أَبَاهُ وَإِذا كَانَ مني الْمَرْأَة أَكثر من مني الرجل أشبه الطِّفْل أمه وَقَالَ الْمَنِيّ ينزل من أَعْضَاء الْبدن كلهَا وَيجْرِي من الصَّحِيحَة صَحِيحا وَمن السقيمة سقيما وَقَالَ إِن الصلع يلدون صلعا والشهل يلدون شهلا والحول حولا وَقَالَ أما اللَّحْم فَإِنَّهُ يَرْبُو ويزداد مَعَ اللَّحْم ويخلق فِيهِ مفاصل وَيكون كل شَيْء من الْجَنِين شَبِيها بِمَا يخرج مِنْهُ وَقَالَ قد يتَوَلَّد مرَارًا كَثِيرَة من العميان وَمن بِهِ شامة أَو أثر وَمن بِهِ عَلَامَات أخر مِمَّن
стр. 281
بِهِ عَلامَة مثلهَا وَكَثِيرًا مَا يُولد أَبنَاء يشبهون أجدادهم أَو يشبهون آبَاءَهُم وَقَالَ الذُّكُور فِي الْأَكْثَر يشبهون آبَاءَهُم وَالْإِنَاث يشبهن أمهاتهن
فصل
وَقد يكون قبح الْمَوْلُود وَحسنه من أَسبَاب أخر
مِنْهَا أَن أفكار الْوَالِدين وخاصة الوالدة إِذا جالت عِنْد المباضعة وَبعدهَا إِلَى وَقت خلق الْجَنِين فِي الْأَشْخَاص الَّتِي تشاهدها وتعاينها وتتذكرها وتشتاقها لِأَنَّهَا تحبها وتودها فَإِذا دَامَت الفكرة فِيهِ والأشتياق إِلَيْهِ أشبه الْجَنِين وتصور بصورته فَإِن الطبيعة نقالة واستعدادها وقبولها أَمر يعرفهُ كل أحد
وحَدثني رَئِيس الْأَطِبَّاء بِالْقَاهِرَةِ قَالَ أجلست ابْن أخي يكحل النَّاس فَمَا مكث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى جَاءَ وَبِه رمد فَلَمَّا برأَ مِنْهُ عَاد فعاوده الرمد فَعلمت أَنه من فتح عَيْنَيْهِ فِي أعين الرمد والطبيعة نقالة
وَقد ذكر الْأَطِبَّاء أَن إدمان الْحَامِل على أكل السفرجل والتفاح مِمَّا يحسن وَجه الْمَوْلُود ويصفي لَونه وكرهوا للحامل رُؤْيَة الصُّور الشنيعة والألوان الكمدة والبيوت الوحشة الضيقة وَأَن ذَلِك كُله يُؤثر فِي الْجَنِين
فصل
وَقَالَ بقراط فِي كتاب الأجنة إِذا حصل مني الرجل دَاخل الرَّحِم
стр. 282
عِنْد الْجِمَاع وَلم يسل إِلَى خَارج وَلكنه مكث فِي فَم الرَّحِم وانضم فَمه علقت الْمَرْأَة وَإِذا انْضَمَّ فَم الرَّحِم اخْتَلَط المنيان فِي جَوْفه وَتمّ الْحَبل فَإِذا توَافق إِنْزَال الرجل وإنزال الْمَرْأَة فِي وَقت وَاحِد وَاخْتَلَطَ الماءان وثبتا فِي الرَّحِم واشتمل عَلَيْهِمَا وانضم علقت الْمَرْأَة وتدبير ذَلِك يكون فِي ثَلَاثَة أَوْقَات قبل المباضعة وَمَعَهَا وَبعدهَا بإعداد الرَّحِم لقبُول النُّطْفَة وَمَعَهَا بإيصال النُّطْفَة إِلَى مستقرها فِي الرَّحِم واتفاق الإنزالين وَبعدهَا بثبات النُّطْفَة فِي الرَّحِم وإمساكه عَلَيْهَا وحفظها من الْخُرُوج وَالْفساد قلت السَّبَب الْمَذْكُور غير مُوجب وَإِنَّمَا الْمُوجب مَشِيئَة الله وَحده كَمَا بَينا وَالله أعلم
فصل
وَإِذا تكون الْجَنِين وصوره الْخَالِق البارىء المصور خلق وَرَأسه إِلَى فَوق وَرجلَاهُ إِلَى أَسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب وَيصير رَأسه إِلَى أَسْفَل فيتقدم رَأسه سَائِر بدنه هَذَا بِاتِّفَاق من الْأَطِبَّاء والمشرحين وَهَذَا من تَمام الْعِنَايَة الإلهية بالجنين وَأمه لِأَن رَأسه إِذا خرج أَولا كَانَ خُرُوج سَائِر بدنه أسهل من غير أَن يحْتَاج شَيْء مِنْهَا إِلَى أَن ينثني فَإِن الْجَنِين لَو خرجت رِجْلَاهُ أَولا لم يُؤمن أَن ينشب فِي الرَّحِم عِنْد يَدَيْهِ وَإِن خرجت رجله الْوَاحِدَة لم يُؤمن أَن يعلق وينشب فِي الرَّحِم عِنْد إِدْرَاكه وَإِن خرجت اليدان لم يُؤمن أَن ينشب عِنْد رَأسه إِمَّا أَنه يلتوي إِلَى خلف وَإِمَّا
стр. 283
لِأَن السُّرَّة تلتوي إِلَى عُنُقه أَو كتفه لِأَن الْجَنِين إِذا انحدر فَصَارَ إِلَى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُنَاكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إِمَّا أَن يجاذب السُّرَّة فتألم الْأُم غَايَة الْأَلَم ثمَّ إِن الْجَنِين إِمَّا أَن يَمُوت وَإِمَّا أَن يصعب خُرُوجه وَيخرج وَهُوَ عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الْحَاكِمين أَن يَنْقَلِب فِي الْبَطن فَيخرج رَأسه أَولا ثمَّ يتبع الرَّأْس بَاقِي الْبدن
فصل
فِي السَّبَب الَّذِي لأَجله لَا يعِيش الْوَلَد إِذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إِذا ولد لسبعة أشهر وَتِسْعَة وَعشرَة
إِذا أتم الْجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب وَالْخُرُوج فَإِن كَانَ الْجَنِين قَوِيا من الْأَطْفَال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة فِي تركيبهم وجبلتهم حَتَّى يقدر بحركته على أَن يهتك مَا يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ الْمُتَّصِلَة بالرحم حَتَّى ينفذ وَيخرج مِنْهَا خرج فِي الشَّهْر السَّابِع وَهُوَ قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الْحَرَكَة وَلم يمرضه الانقلاب وَإِن كَانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهُوَ إِمَّا أَن يعطب بسب مَا يَنَالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وَإِمَّا أَن يبْقى فِي الْبَطن فيمرض ويلبث فِي مَرضه نَحوا من أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإِذا ولد فِي حُدُود الشَّهْر الثَّامِن ولد وَهُوَ مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب وَلَا يسلم وَلَا يتربى
стр. 284
وَإِن لبث فِي الرَّحِم حَتَّى يجوز هَذِه الْأَرْبَعين يَوْمًا إِلَى الشَّهْر التَّاسِع وَقَوي وَصَحَّ وانتعش وَبعد عَهده بِالْمرضِ كَانَ حريا أَن يسلم وأولاهم بِأَن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا فِي الرَّحِم وهم المولودون فِي الشَّهْر الْعَاشِر وَأما من ولد بَين الْعَاشِر وَالتَّاسِع فحالهم فِي ذَلِك بِحَسب الْقرب والبعد
وَقَالَ غَيره الْعلَّة فِي أَنه لَا يُمكن أَن يعِيش الْمَوْلُود لثمانية أشهر أَنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبَان من الضَّرَر أَحدهمَا انقلابه فِي الشَّهْر السَّابِع فِي جَوف الرَّحِم للولادة وَالثَّانِي تغير الْحَال عَلَيْهِ بَين مَكَانَهُ فِي الرَّحِم وَبَين مَكَانَهُ فِي الْهَوَاء وَإِن كَانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن الْمَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أَن يَنَالهُ الضَّرَر الَّذِي من دَاخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض فِي جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وَعشرَة أشهر يلبث فِي الرَّحِم حَتَّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الْأَمْرَاض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وَكَذَلِكَ لَا يُمكن أَن يعِيش وَجَمِيع الأجنة فِي الشَّهْر الثَّامِن يعرض لَهُم الْمَرَض
ويدلك على ذَلِك أَنَّك تَجِد جَمِيع الْحَوَامِل والحبالى فِي الشَّهْر الثَّامِن أَسْوَأ حَالا وأثقل مِنْهُنَّ فِي مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذَا الشَّهْر وَبعده وأحوال الْأُمَّهَات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة
стр. 285
فصل
وبكاء الطِّفْل سَاعَة وِلَادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وَإِذا وضع الطِّفْل يَده أَو إبهامه أَو إصبعه على عُضْو من أَعْضَائِهِ فَهُوَ دَلِيل على ألم ذَلِك الْعُضْو وكل الْحَيَوَان بالطبع يُشِير إِلَى مَا يؤلمه من بدنه إِمَّا بِيَدِهِ أَو بفمه أَو بِرَأْسِهِ أَو بِذَنبِهِ فَلَمَّا كَانَ الطِّفْل عادما للنطق أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ أَو يَده إِلَى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم
فصل
فِي أَن الْأَطْفَال وهم حمل فِي الرَّحِم أقوى مِنْهُم بعد ولادهم وأصبر وَأَشد احْتِمَالا لما يعرض لَهُم وَكَذَلِكَ تكون الْعِنَايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أَشد فَإِن أَغْصَان الشَّجَرَة وفروعها مَا دَامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بهَا لَا تكَاد الرِّيَاح العواصف تزعزعها وَلَا تقتلعها فَإِذا فصلت عَنْهَا وغرست فِي مَوَاضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إِلَيْهَا بِأَدْنَى ريح تهب حَتَّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الْجَنِين مَا دَامَ فِي الرَّحِم فَهُوَ يقوى ويصبر على مَا يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على مَا لَا يصبر على الْيَسِير مِنْهُ بعد وِلَادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وَكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنْهَا وَأثبت بعد قطعهَا مِنْهَا
следующие страницы →