ويقول جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة].
ثامنًا: أن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم: فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن، وسنة، وإجماع.
تاسعًا: وتأسيسًا على ما تقدم:
١ - فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلاً عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها والانتماء إلى محافلها.
٢ - لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردين، فكيف مع القرآن في غلاف واحد! فمن فعله أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في ذلك من الجمع بين الحق (القرآن الكريم) والمحرف أو الحق المنسوخ (التوراة) و (الإنجيل).
٣ - كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة بناء مسجد، وكنيسة،
стр. 282
ومعبد في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يُعبد الله به غير الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاث، لأهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله، تعالى الله عن ذلك، كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس (بيوت الله) وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنها عبادة غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، نعوذ بالله من الكفر وأهله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ليست - أي البيع والكنائس - بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها، فالبيوت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار" (١).
عاشرًا: ومما يجب أن يعلم: أن دعوة الكفار بعامة، وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق
стр. 283
البيان، والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران]. أما مجادلتهم، واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرى الإسلام، ومعاقد الإيمان فهذا باطل يأباه الله ورسوله ﷺ والمؤمنون، والله المستعان على ما يصفون، قال تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وإن اللجنة إذ تقرر ذلك وتبينه للناس، فإنها توصي المسلمين بعامة، وأهل العلم بخاصة بتقوى الله تعالى، ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال، ودعاته، والكفر وأهله، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة (وحدة الأديان) ومن الوقوع في حبائلها، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سببًا في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين، وترويجها بينهم.
نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا جميعًا من مضلات الفتن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، حماة للإسلام على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه وهو راض عنا.
стр. 284
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجميعن. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 285
المسألة الثانية
ميراث الكافر
إذا مات الكافر فهل يرثه المسلم أو العكس؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم» (١).
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: هذه رسالة من مجموعة من النساء الهولنديات، اللاتي دخلن في الإسلام بحمد الله، تحمل في طياتها كثيرًا من الأسئلة والاستفسارات حول موضوع الميراث، حيث إن آباءنا غير مسلمين، والمسلم لا يرث من الكافر، ولقد طلب منا بعض الآباء إخبارهن عن كيفية مشاركتنا لأموالهم بعد وفاتهم، وهذه الأموال تنحصر في عدة أشكال:
أولاً: في شكل منزل: حيث إن المال سيتوفر حال بيع المنزل بعد
стр. 286
وفاة الآباء فقط، لذلك لا يمكن لنا أخذ جزء من المال في حال حياتهم.
فهل يجوز للآباء عمل عقد هبة للأبناء أثناء حياتهم بأن يقوموا بدفع مبلغ سنوي لهم، وهذه المبالغ قابلة للدفع فقط بعد موت الآباء وبيع المنزل؟ وهل يجوز للآباء عمل عقد ملكية للأبناء بأن يكون الأبناء أصحاب المنزل أثناء حياة الأبوين، وبعد وفاتهما يأخذ كل ذي حق حقه من بيع المنزل؟ إذا كانت هناك أم كافرة عندها ابنتين، واحدة مسلمة، والأخرى كافرة، هل يجوز للأم أن توصي ابنتها الكافرة أن تهب نصف ما سترثه لأختها المسلمة؟ كما يقال: (لا وصية لوارث) فإن كان لا يجوز لنا الإرث، فهل تجوز لنا الوصية بثلث المال؟
ثانيًا: في شكل مجوهرات وأشياء ثمينة: هل يجوز للآباء الكفار توزيعها على الأبناء أثناء حياتهم على شكل هبة، على أن يستعملها الآباء أثناء حياتهم، وبعد وفاتهم تعود هذه الأشياء إلى الأبناء كما اتفق عليه في الهبة؟
ثالثًا: في شكل أشياء لا قيمة لها، وأخرى ذات قيمة بسيطة مثل: الملابس والأكواب والأثاث، هل يجوز لنا أخذها بعد وفاتهم واستعمالها؟ وهل يجوز لنا أخذها بعد وفاتهم وإعطاؤها لبعض المسلمين أو الكافرين أو التخلص منها وإلقاؤها في سلة المهملات؟
إذا توفت الأم وما زال الأب على قيد الحياة، هل يجوز للابنة
стр. 287
قبول عرض الوالد للبنت بأخذ بعض أغراض أمها كملابسها وغيره؟
الجواب: المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم؛ لقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». متفق عليه من حديث أسامة ﵁، أما قبول الأبناء المسلمين هبات وهدايا ووصايا آبائهم الكفار فيجوز، ولهم أن يعقدوا معهم عقود بيع وشراء على أي صفة كانت، وفق الضوابط الشرعية، لكن لا يجوز لهم أن يرثوا منهم، فلو امتنع الآباء الكفار أن يعطوا أبناءهم المسلمين، ورأوا أن يستأثر أبناؤهم الكفار بجميع أموالهم، فليس للأبناء المسلمين حق في المطالبة بشيء من أموالهم؛ لأن مثل هذه المطالبة لا تكون إلا في صورة الإرث، وهو الحق القهري، وقد علم أن المسلم لا يرث الكافر.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... عبدالعزيز آل الشيخ ... صالح الفوزان ... عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
стр. 288
كما سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
إذا أسلم أحد الناس، وما زال أهله غير مسلمين، ومات أبواه وتركوا له ولإخوته تركة، واضح أنه ليس له حق الميراث، ولكن إذا ما قدم له منهم ما يعتبرونه نصيبه، فهل يقبله؟ فقد قيل: يقبل على سبيل الهبة، وإذا كان له أن يقبل على سبيل الهبة، فهل لابد أن يقول لهم صراحة أنه سيقبل هذا الجزء كهبة أم لا يلزم القول الصريح ويكفي النية؟
الجواب: يجوز لذلك المسلم وأمثاله أن يأخذ ما عُرض عليه من أموال أبيه وإخوته أحياءً وأمواتًا إذا لم يكن في أخذه فتنة له باستمالته إلى دينهم ونحو ذلك، وكان الواهبون مرشدين في أمور دنياهم، وكانوا علموا أنه لا إرث له.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 289
المسألة الثالثة
إذا أسلم الكافر في أيام رمضان، فما الحكم ؟
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الكافر لا نلزمه بالصيام حال كفره، ولا بقضائه بعد إسلامه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة]. فإذا كانت النفقات وبعضها متعد لا تُقبل منهم لكفرهم، فالعبادات الخاصة من باب أولى، وكونه لا يقضي إذا أسلم، دليله قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وثبت من طريق التواتر عن رسول الله ﷺ أنه كان لا يأمر من أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات، ولكنه يعاقب على تركها في الآخرة إذا لم يسلم، وعلى ترك جميع واجبات الدين لأنه إذا كان المسلم المطيع لله الملتزم بشرعه قد يعاقب عليها، فالمستكبر من باب أولى، وإذا كان الكافر يُعذب على ما يتمتع به من نعم الله من طعام، وشراب، ولباس، ففعل المحرمات وترك الواجبات من باب أولى، والدليل ما ذكره الله عن أصحاب اليمين أنهم يقولون للمجرمين ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، فذكروا أربعة أسباب منها ترك واجبات، فإن قال قائل: تكذيبهم بيوم الدين كفر، وهو الذي أدخلهم سقر؟
стр. 290
فالجواب: "أنهم ذكروا أربعة أسباب، ولو أن لهذه المذكورات مع تكذيبهم بيوم الدين أثرًا في إدخالهم النار، لم يكن في ذكرها فائدة، ولو أنهم لم يعاقبوا عليها ما جرت على بالهم، فالسبب الأول: لم نك من المصلين (الصلاة)، والثانية: ولم نك نطعم المسكين (الزكاة)، والثالث: وكنا نخوض مع الخائضين (مثل الاستهزاء بآيات الله)، الرابع: وكنا نكذب بيوم الدين" (١).
كما سُئل ﵀: يقول السائل: لو أسلم الكافر في انتهاء النهار، فهل يلزمه الإمساك والقضاء؟ أو الإمساك دون القضاء؟ أو لا يلزمه إمساك ولا قضاء؟
الجواب: "في المسألة خلاف بين أهل العلم، والقول الراجح: أنه يلزمه الإمساك دون القضاء، فيلزمه الإمساك؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه القضاء لأنه قبل ذلك ليس من أهل الوجوب، فهو كالصبي إذا بلغ في أثناء النهار فإنه يلزمه الإمساك، ولا يلزمه القضاء على القول الراجح في هذه المسألة" (٢).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 291
المسألة الرابعة
تنظيم النسل
صدر قرار من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برقم ٤٢ وتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ يوضح الحكم الشرعي في منع الحمل، وتحديد النسل وتنظيمه، وهذا نصه: "نظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره، وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة والمقدم لها.
ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد وأهلها، وحيث أن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظن بالله تعالى،
стр. 292
وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.
لذلك كله فإن المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها.
أما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة، ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره، عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة" (١).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 293
المسألة الخامسة
التشبه بالكفار
وردت الأدلة من الكتاب والسنة في النهي عن التشبه بالكفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية]. «فأخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغياً من بعضهم على بعض، ثم جعل محمداً ﷺ على شريعة شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته، وأهواؤهم كل ما يهوونه وما هم عليه من الهدى الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويودون لو يبذلوا مالاً عظيماً لتحصيل ذلك، ولو فرض أن الفعل ليس من اتباع أهوائهم فمخالفتهم فيه أحسم لمتابعتهم في أهوائهم، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها» (١).
стр. 294
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠].
قال غير واحد من السلف: «معناه لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، فبين سبحانه أن من حكمة تنح القبلة وتغييرها، مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا أُتبع في شيء من أمره، كان له الحجة مثل ما كان، أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة» (١).
روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأقل أحواله يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم،
стр. 295
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك» (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَتَتبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، قَالوا: يَا رَسُولَ اللَّه، الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ» (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ كَفَارِسِ وَالرُّومِ؟ قَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلا أُولَئِكَ» (٣).
«ومشابهة بعض طوائف اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمه الله ورسوله وهو المطلوب، ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة - أيضاً - قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة
стр. 296
متمسكة بالحق الذي بُعث به محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير هذه الطائفة المنصورة وتثبيتها، وزيادة إيمانها، فسَأل الله المجيب أن يجعلنا منها (١). أ- هـ
وأما الإجماع، فمن ذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ وكذلك الصحابة والأئمة من بعده وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم فيما شرطوه على أنفسهم أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، كسوة أو عمامة، أو نعلين (٢) .. إلى آخر الشروط.
وروى الحافظ أبو الشيخ الأصفهاني في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر ﵁ كتب أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فيجري بينكم وبينهم المودة، ولا تُكْنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم (٣).
стр. 297
ومن ذلك ما ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: «من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة» (١). وغير ذلك من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم.
«والتشبه بالظاهر يقود إلى التشبه بالباطن؛ لأن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعوا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن اقتضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]» (٢).
стр. 298
بل إن التشبه ظاهراً دليل على التشبه باطناً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
والحال شاهد على ذلك، فمن تزيا بزي أهل العلم والصالحين وجد من نفسه قوة على الاقتداء بهم، والابتعاد عن خلاف ذلك، والعكس أن من تزيا بزي السفهاء وأهل الفسق، سهل على نفسه متابعتهم وتقليدهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام» (١).
والتشبه منهي عنه وإن لم يقصده فاعله، فعلى سبيل المثال: لو حلق لحيته ولم يقصد التشبه بالكفار، فإن فعله تشبه لقول النبي ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (٢).
كما يحصل التشبه وإن لم يكن من عمل الإنسان، ويمثل ذلك بالتشبيب، قال ﷺ : «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ
стр. 299
فَخَالِفُوهُمْ» (١). فالتشبيب من فعل الله وخلقه لا من فعل العبد، ومع ذلك فتركه وعدم تغييره من التشبه المنهي عنه، فما بالك إذن بمن يختار ما عليه أهل الكفر والفسوق على ما عليه أهل الهدى والصلاح.
وحين جاء أبو بكر الصديق بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ورأى رأسه كأنها الثغامة بياضاً، قال: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيءٍ» (٢)، وفي رواية: «واجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (٣)؛ ولذلك على المسلم أن يغير هذا الشيب بالحناء والكتم، كما ورد بذلك الحديث حتى تحصل المخالفة لليهود والنصارى.
أحكام التشبه:
قد يصل التشبه بصاحبه إلى الكفر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
قال الشنقيطي: «ذُكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين، فإنه يكون منه بتوليه إياهم» (٤).
стр. 300
وبين في موضع آخر: «أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً، وإيضاح أن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يُكتفى بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة:
ومَنْ يَأتِي الأُمُورَ عَلى اضْطِّرارٍ ... فَلَيْسَ كَمْثِلِ آتَيِهَا اختيارًا
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم» (١).
وقد يصل التشبه إلى البدعة، فكل من جاء بعبادة لم يأت بها الشرع فقد شابه اليهود والنصارى، قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «وقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ وعن السلف الصالح بعدهم التحذير من البدع، والترهيب منها، وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه
стр. 301
بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]» (١). ومثال ذلك بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وقد تشبه مبتدعوها بالنصارى حذو القذة بالقذة.
ومن التشبه ما يكون كبيرة من الكبائر، مثل تهنئة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم بأعيادهم، لما في ذلك من إعانتهم وإقرارهم على ما هم عليه من الفجور والضلال.
قال ابن القيم ﵀: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق مثل أن تهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام .. ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك وهو لا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة، أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنباً لمقت الله
стр. 302
وسقوطهم من عينه» (١). اهـ
ومن التشبه ما يدخل به المتشبه في المعصية لله ورسوله، وإن كان لا يُستطاع الجزم بوقوعه في الكبيرة، فقد روى الترمذي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ» (٢).
ومن التشبه ما لا يقطع بتحريمه إلا أن تركه أولى، والآثار على ذلك من السلف الصالح كثيرة جداً، فقد كره بعضهم الرمي بالقوس الفارسية وكان بعضهم يكره الشرب في الكأس الذي له ساق، وكان بعضهم يكره الصمت عند الأكل حتى لا يتشبه بالأعاجم .. وغير ذلك كثير.
سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: شاع في كثير من بلاد المسلمين لبس البدلة؛ ذلك اللباس المكون من جاكيت وبنطلون، وقد تقتصر الملابس على بنطلون وقميص أو فانيلا بكم أو بنصف كم في الصيف لشدة الحر، فهل لبس هذا اللباس
стр. 303
يدخل تحت باب التشبه بغير المسلمين؟ أو لا؟
الجواب: الأصل في أنواع اللباس الإباحة؛ لأنه من أمور العادات، قال تعالى: ... ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ويستثنى من ذلك ما دل الدليل الشرعي على تحريمه أو كراهته كالحرير للرجال، والذي يصف العورة؛ لكونه شفافاً يُرى من ورائه لون الجلد، أو لكونه ضيقاً يحدد العورة؛ لأنه حينئذ في حكم كشفها وكشفها لا يجوز، وكالملابس التي هي من سيما الكفار الخاصة بهم، فلا يجوز لبسها لا للرجال ولا للنساء؛ لنهي النبي ﷺ عن التشبه بهم، وكلبس الرجال ملابس النساء ولبس النساء ملابس الرجال؛ لنهي النبي ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وليس اللباس المسمى بالبنطلون والقميص مما يختص لبسه بالكفار، بل هو لباس عام في المسلمين والكافرين في كثير من البلاد والدول، وإنما تنفر النفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الألف ومخالفة عادة سكانها في اللباس، وإن كان ذلك موافقاً لعادة غيرهم من المسلمين، لكن الأولى بالمسلم إذا كان في بلد لم يعتد أهلها ذلك اللباس ألا يلبسه في الصلاة ولا في المجامع العامة ولا في الطرقات» (١).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 304
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز
ومن مظاهر التشبه بالكفار ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال: وهو كذلك «لَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا» (١).
وفي الصحيحين عنهما من حديث عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرنا لرسول الله ﷺ كنيسة، رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال الرسول ﷺ «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّه» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من
стр. 305
جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس، ثم من المعلوم ما قد ابتلى به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة» (١).
ومن مظاهر التشبه بالكفار ما يحصل من شباب وفتيان المسلمين من التشبه بالكفار في ملابسهم وهيئاتهم ولبس السلاسل، ووصل الشعر، وكذلك قصات الشعر الخاصة بهم، ومشاهدة حياتهم اليومية في الأفلام والمسلسلات، والإعجاب بهم والتحدث بلغتهم من غير حاجة إلى ذلك.
روى مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ علىَّ ثوبين معصفرين فقال: «إِنَّ هَذِهِ ثِيَابُ الْكُفَّارِ، فَلا تَلْبَسْهَا» (٢).
علل النهي عن لبسها بأنها من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك، كما في الحديث قال ﷺ : «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في
стр. 306
صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (١). ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبهاً بالكفار (٢).
ومنها التشبه بالكفار في إقامة الأعياد، فمن الاحتفال بالمولد النبوي، إلى الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وهذه كلها أحدثت محاكاة للكفار، وكذلك الأعياد الوطنية والقومية، ورأس السنة، وعيد الميلاد، ومن آخرها ما يسمى بعيد الحب، يرتدون فيها الشباب والفتيات الملابس الحمراء، ويتبادلون الورود الحمراء.
ومنها الاعتماد في التاريخ على الميلاد والأشهر الإفرنجية، أي ميلاد عيسى ﵇ متابعة للنصارى، ويريدون من المسلمين أن يتركوا التاريخ الهجري، ويعتمدون على التاريخ الميلادي النصراني.
ومنها تربية الكلاب واقتناؤها لغير حاجة، ولا شك في حرمة ذلك، إلا كلب الصيد والماشية والحرث، كما وردت بذلك النصوص، بل ويشترون هذه الكلاب بأثمان غالية كل هذا تقليداً ومحاكاة للكفار.
стр. 307
ومنها حلق اللحى، وفيه تشبه بالمشركين والمجوس واليهود والنصارى، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديثه أن النبي ﷺ قال: «جُزُوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٢).
ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار، الأمر بمخالفة الشياطين، لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَأْكُلنَّ أَحَدٌ مِنْكُم بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» (٣).
فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال، بأن الشيطان يفعل ذلك، فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره كثيرة (٤).
والمظاهر كثيرة، وما ذكرته فيض، وقليل من كثير، ومن أراد الاستزادة فعليه بمراجعة كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
стр. 308
اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، فإنه كتاب عظيم النفع والفائدة (١).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 309
المسألة السادسة
الابتعاث وخطورته
وقد صدر فيه قرار من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برقم ٨٨ في ١١/ ١١/١٤٠١ هـ، وهذا نصه: "فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة عشرة المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من يوم ٢٩/ ١٠/١٤٠١ هـ إلى نهاية يوم الأربعاء الموافق ١١/ ١١/١٤٠١ هـ استعرض بعض ما استهدفت به الأمة الإسلامية عامة من بث للمذاهب الهدامة، والمبادئ الأخلاقية المنحرفة، وما قصدت به شبيبة الدولة السعودية خاصة وما أريد لها من انحراف في الأخلاق، والعقيدة لما لهذه الدولة، وشعبها من مكانة عالية في نفوس الشعوب الإسلامية، ولما هي عليه من التمسك بعقيدة الإسلام الصافية، والتخلق بآدابه النبيلة، ولأن شعب هذه البلاد ركيزة الإسلام، فإذا أفسدوا سهل إفساد سواهم، وقد استعرض المجلس وسائل أعداء الإسلام في إفساد الشبيبة، واستمع إلى شرح كثير من الوقائع، واستعاد استعراض بعض ما سبق أن أبداه في مجال إصلاح وسائل الإبقاء على كيان الأمة، وحماية شبابها من التفسخ، والانحلال والانحراف الفكري.
стр. 310
ونظراً لأن أعظم أسباب انحراف الشباب في مسالك الرذيلة، والوقوع في شَرك أعداء الإسلام، والتنكر لما عليه أمتنا في عقيدتها، وأخلاقها، وعاداتها والانقلاب على أوضاعها الإسلامية، ومعاداة سلطاتها، والنظر إليها بالازدراء والوقوف موقف العداء إرسالهم في حال طراوتهم، وخلو أنفسهم من الحصانة الدينية بمبادئ الشريعة، وعدم التسلح بالعلم لمواجهة التيارات الفكرية، والخلقية المتربصة بهم، وإخراجهم من جوهم الإسلامي قبل بلوغهم المرحلة التي يصعب فيها على أعداء الإسلام إغراؤهم، وتحويلهم إلى أعداء لأمتهم، ودينهم، وولاة الأمر في بلادهم.
ولقد ذكر للمجلس - إضافة إلى ما سبق له معرفته - حوادث أليمة، وقضايا مزعجة، سببها خروج الشباب المتوقد حيوية، وفتوة، وقوة من جو محتشم محافظ على قيمه، وعفته إلى جو مملوء بالإغراء مشبع بالانحلال يتصيد مجتمع شباب المسلمين عن قصد، وتعمد فيدفعهم إلى إشباع رغباتهم الجنسية، وإمتاع نفوسهم بشهوات خبيثة دفعاً عنيفاً، ويسلط عليهم أنواعاً من الإغراء، ويحاول تشكيكهم بدينهم، وتضخيم عيوب السياسة في أوطانهم، فإن وجدهم بوضع من التأهيل العلمي الشرعي بحيث يتعسر عليه انحلالهم وتشكيكهم، التمس إبراز عيوب حكوماتهم، وابتعادها عن أحكام الإسلام إلا من شاء الله، واختلاق عيوب غير موجودة، واستغل حماسة الشباب المتدينين لدينهم ليتوجهوا
стр. 311
إلى التطرف فيخرجوا بأنفسهم عن العمل الإصلاحي إلى عمل تفريق الأمة، وزعزعة كيانها، وتفريق صفها، والعمل على قلب أنظمة الحكم فيها، ونظراً لأن ولاة الأمر هم الأمناء على الأمة وعليهم مسئولية الأخذ بأيدي الناس إلى الوجهة السليمة، وإصلاح ما يرونه خطراً على أمن البلاد، ودينها، ولأن الشباب هم ركيزة الأمة، ورجال غدها، وحراس كيانها، فجدير أن يحتاط لهم بكل ما يمكن من السعي في دفع أسباب انحرافهم، وجلب ما يصلحهم، ومن القواعد الشرعية الهامة أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن كثيراً ممن يخرجون من البلاد للدراسة في بلاد الغرب يفاجأون بحضارة صاخبة، ومفاتن منتشرة، وفتن متعددة، فتن الجنس، والشراب، والتشكيك وقل أن يعود الطالب إلا وفي نفسه ما فيها من تأثر بما رأى، وسمع، ومارس، كل على حسب حاله ونظره للأمور فيعود وقد احتقر أوضاع بلاده، وأحب ما عليه أهل تلك البلاد من انطلاق بلا حدود، ولا قيود، ومن تقدم في ميدان العلوم العصرية بمختلف أنواعها مع غفلتهم عما عليه أولئك من بُعد عن الأخلاق، والشيم، والعفة، والحياء، والاستمتاع بكافة ما تريده الأنفس المنحلة بلا رقيب، ولا محاسب، فيكون هذا الطالب قد جلب
على وطنه، وأمته، شراً، وجر عليهم بلاءً، ودماراً، وصار داعية سوء، ومعول هدم للأخلاق، والقيم.
стр. 312
ونظراً لأن البلاد بحمد الله قد توافر فيها التعليم في كافة مراحله ولا تفتقر إلا إلى بعض التخصصات العلمية العصرية؛ ولأن ولي الأمر عليه أن يدل رعيته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم؛ ولأن النساء يخرجن إلى الغرب يرين ما عليه النساء هناك من التهتك، والعري، والعلاقات بالرجال الأجانب، ولو كن ذوات أزواج مع ما يحصل من اختلاط في الدراسة لمن رغبت منهن في دراسة عامة أو خاصة، أما اللاتي لم يتزوجن وإنما ذهبن للدراسة فالعلاقة بين الطالب والطالبة هناك أمر غير مستنكر، ولا مستغرب، تزوره، ويزورها، وقد حدثت أمور لا يرضى الله عنها، ولا رسوله، وإذا كان سفر المرأة بدون محرم محرماً ومعصية لله ، ولو كان لحج بيت الله الحرام، فكيف بسفر يفضي إلى اختلاط وخلوات، وشرور لا نهاية لها.
ولهذا فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى أن النصح لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم يقضي بأن يتخذ ولاة الأمر وفقهم الله لإرضاء الله سبحانه، وحماية عباده من الفساد، وحماية هذه الأمة من التفكك ما يلي:
١ - منع ابتعاث البنات للخارج منعاً باتاً لا استثناء فيه، ومن كانت متجاوزة مرحلة الدراسة العالية وفي تخصصها مصلحة محققة للأمة، فإن على الدولة وفقها الله تهيئة الوسائل اللازمة لذلك في داخل المملكة، وقد منحها الله سبحانه إمكانات مادية
стр. 313
يسهل معها بإذن الله كل صعب؛ لأن سفر المرأة للدراسة في الغالب تربو مفاسده على مصالحه، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتعين عدم السماح لأي إنسان أن يبعث بنته، أو من له عليها ولاية للدراسة في الخارج، سواء في البلاد المجاورة، أو بلاد الغرب، ولو على حسابه الخاص؛ لأن الأخذ على يد مثل هؤلاء فيه نجاة الجميع كما في حديث: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ... » الحديث (١).
٢ - عدم إرسال أي طالب للدراسة في الخارج من المدنيين والعسكريين على حساب الدولة، أو على الحساب الخاص إلا بعد مرحلة الجامعة، وبعد الزواج، والخدمة مدة من الزمن حتى يصلب عوده وترسخ عقيدته، ويعرف عقيدة السلف، والمذاهب الهدامة والمنحرفة، ويعرف زيفها لئلا يسهل صده عن دين الله.
٣ - عدم إرسال أي شخص للتخصص في أعمال نظرية كالإدارة واللغات، والاقتصاد، ونحوها، أما في علوم الإسلام وتاريخه فيجب منعه في كل مرحلة، وأن يعاقب من أرسل أولاد للدراسة، وأن لا تعتبر شهادته في البلاد.
стр. 314
٤ - يجب إجراء تحريات كاملة عن كل شخص يراد ابتعاثه للتخصص ليعرف مدى حفاظه على دينه، وأخلاقه، وثباته على ولائه لدولته، وإعطاءه دورة يدرس فيها أحوال تلك البلاد التي سوف يذهب إليها.
٥ - أن يقتصر في التخصصات على ما لا يمكن حصوله في البلاد كعلوم بعض الصناعات التي لا يوجد لها نظير في بلادنا كعلوم الذرة، ومتى أمكن جلبها إلى البلاد وجب ذلك حتى يستغنى عن الابتعاث.
٦ - عدم تمكين أي جهة حكومية، عسكرية كانت أو مدنية، وأية مؤسسة حكومية، أو تجارية، بابتعاث منسوبيها سواء لدورات دراسية، أو لدراسة نظامية لنيل شهادة إلا عن طريق جهة الاختصاص في التعليم بعد توافر الشروط للتخصص وصفة المبتعث، وسنه، وأن يكون حسن السيرة معروفاً بالعقل الراجح.
٧ - أن يجلب كل من لا تتوفر فيه الشروط السابقة، ويعاد لإكمال دراسته في الداخل، سواء من كان على حساب نفسه وذويه، أو على حساب الحكومة، أو إحدى المؤسسات.
٨ - يوكل إلى جهة حق الرقابة على مخالفة ما تقدم، وجعل مخبرين في السفارات، والملحقيات التعليمية، لترفع
стр. 315
تقريراتها عن كل مخالفة، وتعمد وزارة التعليم العالي، وجميع الوزارات، والمصالح، بإبلاغ الجهة المختصة عن كل مخالفة، وإذا تم ذلك على الوجه المطلوب حصل به إن شاء الله الخير العظيم للأمة في دينها، ودنياها، والسلامة في عقيدتها، وأخلاقها، والله الموفق.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
رئيس الدورة: عبدالعزيز بن صالح
عبدالله خياط ... عبدالله بن محمد بن حميد ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
سليمان بن عبيد محمد بن علي الحركان ... عبدالرزاق عفيفي
راشد بن خنين محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبدالله بن غديان صالح بن غصون ... عبدالمجيد حسن
عبدالله بن قعود عبدالله بن منيع ... صالح بن لحيدان
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 316
المسألة السابعة
حضانة غير المسلم للطفل المسلم
لا يجوز للطفل المسلم ذكرًا كان أو أنثى أن يبقى في حضانة الأسرة الكافرة، ولا أن تتبناه، أو تتولى تربيته لما يخشى عليه من الفتنة في دينه، وقد سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: أخي تزوج من فرنسية في سنين خلت، وهذا بفرنسا وطلقها، بعد أن عاد إلى الجزائر كان قد خلف منها ولدين هما الآن يقيمان مع والدتهما بفرنسا، إلى الآن أجهل مصيرهما وحالتهما، لدي عنوانهما لكن للأسف لا أحسن اللغة الفرنسية حتى أراسلهما، فما تنصحني بعمله؟
الجواب: الذي ننصحك به ووالد الطفلين هو البحث عنهما، وبإمكانكما مراسلة أمهما بلغتهم الفرنسية والاستعانة بمن يترجم لكما ذلك ما دمتما تعرفان عنوانهما، وتحاولان إغرائهما وأمهما بالمال والكلام الطيب حتى تستطيعا في جذبهما إليكما وإشعارهما بحنانكما وأبوتكما، وترغبانهما في العيش معكما، وتشجعانهما على ذلك، وتسعيان في تربيتهما تربية إسلامية صالحة؛ لأن تركهما مع والدتهما النصرانية التي تعيش في
стр. 317
مجتمع لا يدين بالإسلام سبب في تأثرهما بدين والدتهما، والتخلق بأخلاق المجتمع الفاسد الذي يعيشان فيه، فأنتما أحق بحضانتهما من أمهما ما دام أن أمهما نصرانية والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ويقول تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [المائدة: ٢].
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 318
المسألة الثامنة
الحلف بالإنجيل
لا يجوز الحلف بغير الله سواء بالإنجيل، أو التوراة، أو الكعبة، أو غيرها، لقول النبي ﷺ : «من كان حالفًا، فليحلف بالله أو ليصمت» (١).
وقد صدرت فتوى من مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة بتاريخ ١٦/ ٤/١٤٠٢ هـ، وجاء فيها: "فإن مجلس المجمع قد اطلع على السؤال الوارد حول حكم وضع المسلم يده على التوراة، أو الإنجيل، أو كليهما عند أداء اليمين القضائية أمام المحاكم في البلاد غير الإسلامية، إذا كان النظام القضائي فيها يوجب ذلك على الحالف.
واستعرض المجلس آراء فقهاء المذاهب حول ما يجوز الحلف به، وما لا يجوز في القسم بوجه عام، وفي اليمين القضائية أمام القاضي، وانتهى المجلس إلى القرار التالي:
١ - لا يجوز الحلف إلا بالله تعالى دون شيء آخر لقول النبي ﷺ
стр. 319
قال: «من كان حالفًا، فليحلف بالله أو ليصمت» (١).
٢ - وضع الحالف يده عند القسم على المصحف، أو التوراة، أو الإنجيل، أو غيرهم، ليس بلازم لصحة القسم، لكون يجوز إذا رآه الحاكم لتغليظ اليمين ليتهيب الحالف من الكذب.
٣ - لا يجوز لمسلم أن يضع يده عند الحلف على التوراة أو الإنجيل؛ لأن النسخ المتداولة منهما الآن محرفة، وليست الأصل المنزل على موسى وعيسى ﵉؛ ولأن الشريعة التي بعث الله تعالى بها نبيه محمدًا ﷺ قد نسخت ما قبلها من الشرائع.
٤ - إذا كان القضاء في بلد ما حكمه غير إسلامي، يوجب على من توجهت عليه اليمين وضع يده على التوراة، أو الإنجيل، أو كليهما، فعلى المسلم أن يطلب من المحكمة وضع يده على القرآن، فإن لم يستجب لطلبه يعتبر مكرهًا، ولا بأس عليه في أن يضع يده عليهما أو على أحدهما دون أن ينوي بذلك تعظيمًا.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 320
المسألة التاسعة
الشهادة لليهود والنصارى وغيرهم من الكفار
لو أن نصرانيًا طلب من مسلم أن يشهد له في أمر ما، فهل هناك مانع شرعي يمنع؟
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية سؤالاً جاء فيه، يقول السائل: لو أن اثنين من اليهود والنصارى طلبا من مسلم أن يستشهداه في شيء يخصهما، فهل هناك مانع شرعي، فتوقفت عن الجواب على أمل أن أرفع لفضيلتكم هذا الأمر طالبًا الفتوى، علمًا بأن النوادي التي تُعد لحفلات الزواج غير الإسلامي هنا فيها محرمات، وخمور، واختلاط حسب العادة البرازيلية؟
الجواب: شهادة المسلم على عقود الكفار فيها تفصيل: إن كانت عقودهم باطلة كعقود الربا، والزواج من المحارم أو المحرمات، فلا يجوز للمسلم أن يشهد على هذه العقود، وإن كانت عقودًا صحيحة فلا بأس أن يشهد عليها من عقود النكاح وغيرها.