← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 626

المسلمون في بلاد الغربة

أمين الشقاوي

Полный текст (370 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الثالث عشر: قبول دعوة الكافر إلى الطعام يجوز قبول دعوة الكافر إلى الطعام في بيته أو في أي مكان آخر، فقد قبل النبي ﷺ دعوة اليهودية وأكل من طعامها الشاة كما تقدم. لكن يجب مراعاة الأمور التالية: ١ - أن لا تكون احتفالاً بعيدٍ من أعيادهم، حتى لا يكون الحضور إقراراً لهم على هذا الباطل. ٢ - أن يكون الأكل حلالاً. ٣ - ألا تشمل الدعوة على وجود منكرات كشرب الخمر، أو الاختلاط أو المعازف، أو غير ذلك. سُئلت اللجنة الدائمة، يقول السائل: الدعوة إلى الإسلام تستلزم إقامة علاقات شخصية مع الكفار أولاً لإزالة الغربة والتمهيد للدعوة، فهل إذا دعاني أحدهم إلى طعام أو شراب ليس من المحرمات، مثل: الجبن والسمك والشاي يجوز لي تناوله؟ إذا كان هناك احتمال استخدام الأوعية قبل ذلك في تناول الخنزير والخمر رغم غسلها بالماء والصابون؟

стр. 247

الإجابة: العلاقات بين الناس أنواع، فإذا كانت علاقة ود ومحبة وإخاء من مسلم لكافر فهي محرمة، وقد تكون كفراً، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة]. وما في معناها من الآيات والأحاديث، وإن كانت علاقة بيع وشراء أو إجابة دعوة إلى طعام حلال أو قبول هدية مباحة مثلاً، وتناول ما قدم من الكافر إلى المسلم من الأطعمة والأشربة الحلال جائز، ولو قُدمت في إناء سبق أن استعمل في شراب خمر، أو تناول لحم خنزير، أو نحو ذلك إذا كان قد غُسل بعد استعماله في محرمات أو نجاسات حتى زال ذلك منه تماماً، وإذا كان في ذلك إعانة على إبلاغ الدعوة إلى الإسلام كان ذلك أدعى إلى الإجابة والاتصال، وأرجى للأجر والثواب (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 248

الرابع عشر: عيادة مريضهم ورقيته اختلف العلماء في ذلك على أقوال: الأول: المنع: قياساً على ابتداء السلام. الثاني: الجواز: وأن هذا من البر الذي لم يمنع الله منه. الثالث: قول وسط: وهو الجواز إذا كان لقصد الدعوة. والراجح من أقوال أهل العلم: جواز عيادته مطلقاً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد سُئل عن قوم مسلمين مجاوري النصارى، فهل يجوز للمسلم إذا مرض النصراني أن يعوده، فقال: (وأما عيادته فلا بأس بها، فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام) (١). قال الأشرم: (سمعت أبا عبدالله يسأل عن الرجل له قرابة نصراني يعوده؟ قال: نعم، قيل له: نصراني؟ قال: أرجو ألا تضيق العيادة) (٢). ومن الأدلة على الجواز: عيادة النبي ﷺ للغلام اليهودي، روى البخاري في صحيحه من

стр. 249

حديث أنس قال: «كَانَ غُلَام يَهُودِي يَخْدم النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِم، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ، فَأَسلَم، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» (١). ومنها عيادة النبي ﷺ لعمه أبي طالب في مرض موته، روى البخاري ومسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُول اللّه ﷺ وَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ بِنْ هِشَام وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بِنْ المُغِيرَة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ بِنْ هِشَام وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟: فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ: آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» (٢). أما الرقية، فيستدل على جوازها بحديث الرقية المشهور الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد: أَنَّ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الْحِيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتَ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: أَيُّهَا

стр. 250

الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُم: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]. حَتَّى لَكَأَنَّمَا نَشَطَ مِنْ عِقَالٍ حَتَّى انْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَاَلَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُم: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: مَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ أَصَبْتُمُ، اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» (١).

стр. 251

الخامس عشر: كنائس الكفار (أ) دخولها والصلاة فيها: ذهب جمع من أهل العلم إلى جواز دخول الكنائس ومعابد الكفار من غير كراهة في ذلك، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة، قال المرداوي: (وله دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما من غير كراهة على الصحيح من المذهب) (١). وقيل: يجوز دخولها ما لم يكن فيها تصاوير، وتماثيل، وهو مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة. ومن أدلة القول بالجواز: ١ - عقد عمر ﵁ مع النصارى المشهور بالشروط العمرية وفيه: (ألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام ونطعمهم) (٢). قال ابن القيم ﵀: (وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم

стр. 252

يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها) (١). ٢ - ما ثبت من زيارة أمهات المؤمنين لكنيسة في الحبشة، حيث ذكرت بعض نساء النبي ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها (مارية) وكانت أم سلمة وأم حبيبة ﴿عندما جاءتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهُم الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله يَومَ القِيَامَة» (٢). أحوال لا يجوز فيها زيارة الكنيسة أو المعبد: ١ - عندما يوافق ذلك عيداً أو مناسبة دينية لديهم، فيكون الحضور حينئذ مشاركة في أعياد الكفار المنهي عنها شرعاً، قال عمر ﵁: «لا تدخلوا عليهم في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم» (٣). ٢ - إذا خشي الزائر على نفسه من الفتنة، وورد الشبه عليه. ٣ - إذا كان الحضور يتضمن الإقرار لما يقولونه ويفعلونه من كفر أو شرك أو معاصي في صلواتهم، أو عباداتهم، أو غير

стр. 253

ذلك، ولا يصدق الإنكار بالقلب إذا لم يخالطه مفارقة للمنكر وأهله مع القدرة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء]. قال القرطبي ﵀: «فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية» (١). سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: توجد هنا كنائس كبيرة، فهل يجوز الدخول فيها ومناقشة القساوسة الذين فيها؟ هل يجوز دخولها للنظر فيها ومعرفة ما يفعل هؤلاء؟ الجواب: (يجوز الدخول في الكنائس لأهل العلم لدعوة أهلها إلى الإسلام، أما دخولها لأجل الفرجة فقط فلا ينبغي، لأنه لا فائدة من ورائه، ولأنه يخشى على المسلم أن يتأثر بهم، لا سيما

стр. 254

إذا كان جاهلاً بأمور دينه ولا يستطيع رد الشبهة التي يوجهونها إليه) (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أعضاء ... الرئيس بكر أبو زيد/عبدالعزيز آل الشيخ/صالح الفوزان/ عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن باز (ب) الصلاة في الكنيسة عند عدم وجود المسجد: سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: لا يجد المسلمون في العديد من ولايات أمريكا أماكن مناسبة لأداء صلاة الجمعة ما عدا بعض الكنائس المؤجرة رخيصاً و مجاناً، أثار بعض الطلاب النقاش حول صحة أداء الصلاة في الكنائس معتمدين على ما روي عن ابن عمر حول منع الصلاة في الكنائس ومعابد اليهود، والمقابر، وأماكن الذبح لغير الله، نسبة لهذا الرأي فقد امتنع بعض المسلمين عن الحضور لصلاة الجمعة، فضلاً نرجو إفادتنا بالحكم الصحيح في هذه الحالة حتى نستطيع تجاوز الخلافات بين المسلمين في هذا المجتمع، وجزاكم الله خيراً.

стр. 255

الجواب: إذا تيسر وجود غير الكنائس ليصلى فيها لم تجز الصلاة في الكنائس ونحوها، لأنها معبد للكافرين يعبدون فيه غير الله، ولما فيها من التماثيل، والصور، وإلا جاز للضرورة، قال عمر ﵁ (إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها، والصور)، وكان ابن عباس ﴿يصلي في البيعة إلا بيعة فيها التماثيل والصور (١) (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز (ج) شراء الكنيسة لتكون مسجداً: سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: توجد جماعة من المسلمين في مدينة عانتا في ولاية جورجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وترغب في إقامة مسجد لأداء الصلوات الخمس والجمعة، وكانت هناك كنيسة معروضة للبيع،

стр. 256

فهل يجوز لهم شراء هذه الكنيسة وتحويلها إلى مسجد بعد إزالة الأصلبة الموجودة، وكذلك الصور المعلقة والمنقوشة؟ الجواب: نعم، يجوز شراؤها وجعلها مسجداً، وتجب إزالة الصلبان والصور المعلقة والمنقوشة فيها، وكل ما يشعر بأنها كنيسة، ولا نعلم مانعاً من ذلك (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 257

السادس عشر: الانتخابات في بلاد الكفار (أ) مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين . هذه المسألة من المسائل النازلة في هذا العصر، وأقوال العلماء فيها تختلف بين الجواز عند المصلحة وبين المنع بتاتاً؛ لأن هذه الدول الكافرة لا تُحكم شريعة الله، وقد صدرت فتوى من المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرة في الفترة من (٢٢/ ٢٧ شوال) التي يوافقها (٣ - ٨ نوفمبر ٢٠٠٧ م). "وجاء فيه: وبعد الاستماع إلى ما عرض من أبحاث وما جرى حولها من مناقشات ومداولات، قرر المجلس ما يلي: ١ - مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية من مسائل السياسة الشرعية التي يتقرر الحكم فيها في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، والفتوى فيها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال. ٢ - يجوز للمسلم الذي يتمتع بحقوق المواطنة في بلد غير مسلم المشاركة في الانتخابات النيابية ونحوها لغلبة ما تعود به مشاركته من المصالح الراجحة مثل تقديم

стр. 258

الصورة الصحيحة عن الإسلام، والدفاع عن قضايا المسلمين في بلدة، وتحصيل مكتسبات الأقلية الدينية والدنيوية، وتعزيز دورهم في مواقع التأثير، والتعاون مع أهل الاعتدال والإنصاف لتحقيق التعاون القائم على الحق والعدل وذلك وفق الضوابط التالية: أولاً: أن يقصد المشارك من المسلمين بمشاركته الإسهام في تحصيل مصالح المسلمين، ودرء المفاسد والأضرار عنهم. ثانياً: أن يغلب على ظن المشاركين من المسلمين أن مشاركتهم تقضي إلى آثار إيجابية تعود بالفائدة على المسلمين في هذه البلاد من تعزيز مركزهم، وإيصال مطالبهم إلى أصحاب القرار، ومديري دفة الحكم، والحفاظ على مصالحهم الدينية والدنيوية. ثالثاً: ألا يترتب على مشاركة المسلم في هذه الانتخابات ما يؤدي إلى تفريطه في دينه". وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١). (ب) التصويت في انتخاباتهم: هذه من مسائل الفتوى التي يختلف فيه الحكم بحسب الزمان والمكان والأحوال، فلا يطلق فيها حكم عام في جميع الصور الواقعة أو المتوقعة، ففي بعض الحالات لا يسوغ فيها

стр. 259

التصويت، كما إذا كان الأمر لا أثر له على المسلمين، أو كان المسلمون لا أثر لهم في التصويت، فإدلاؤهم وعدمه سواء. وكذلك لو كانت الحال متشابهة أو متساوية بالنسبة للمصوت لهم لاستوائهم في الشر أو الموقف من المسلمين، وعلى هذا تحمل فتاوى العلماء كما جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، يقول السائل: هل يجوز التصويت في الانتخابات والترشيح لها؟ مع العلم أن بلادنا تحكم بغير ما أنزل الله؟ الجواب: (لا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه رجاء أن ينتظم في سلك حكومة تحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير شريعة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن ينتخبه أو غيره ممن يعملون في هذه الحكومة إلا إذا كان من رشح نفسه من المسلمين ومن ينتخبون يرجون بالدخول أن يصلوا بذلك إلى تحويل الحكم إلى العمل بشريعة الإسلام، واتخذوا ذلك وسيلة إلى التغلب على نظام الحكم، على ألا يعمل من رشح نفسه بعد تمام الدخول إلا في مناصب لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية) (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 260

وقد تكون المصلحة الشرعية مقتضية للتصويت من باب تخفيف الشر وتقليل الضرر، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين، لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من الآخر، وكان تصويت المسلمين مؤثراً في الاقتراع فلا بأس بالتصويت له في مثل هذه الحال. وعلى كل حال فهذه من مسائل الاجتهاد المبنية على قاعدة المصالح والمفاسد، ينبغي أن يُرجع فيها إلى أهل العلم العارفين لضوابط هذا الأصل، وأن يعرض عليهم الأمر بتفاصيله في حال البلد الذي تعيش فيه الجالية المسلمة، وقوانينه، وحال المرشحين، وأهمية التصويت، وجدواه .. ونحو ذلك. وليس لأحد أن يتوهم أن من قال بالتصويت أنه مقرر للكفر مؤيد له، وإنما ذلك لمصلحة المسلمين لا محبة للكفر وأهله، وقد فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس، كما فرح المسلمون في الحبشة بانتصار النجاشي على من نازعه الملك كما هو معروف في السيرة، ومن أراد التورع فله ذلك، وهذا الجواب في موضوع انتخاب الأشخاص في المواقع المؤثرة" (١).

стр. 261

السابع عشر: التجارة وتشمل: - التقيد بالأنظمة. - البيع والشراء فيما لا يحل. اتفق الفقهاء على أن عقد البيع لا أثر لاختلاف الدين في صحته أو عدم صحته إذا ما تكاملت شروطه وأركانه، فلا فرق بين أن يبيع مسلم لمسلم، أو يبيع مسلم لكافر، أو كافر لمسلم (١)، والأدلة على ذلك كثيرة: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وجه الدلالة: أن الآية بينت حل البيع وحرمة الربا، وهي عامة لم تفرق بين المسلم مع المسلم، أو مع الكافر. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (٢).

стр. 262

قال النووي ﵀ في شرحه للحديث: (أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحاً أو آلة حرب) (١). ٢ - روى البخاري من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كُنَّا ... مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً، أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً، قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً (٢). "فالحديث يدل دلالة واضحة على جواز البيع والشراء من غير المسلمين، وإثبات ملكهم على ما في أيديهم" (٣)، وأن النبي ﷺ كان يباشر بنفسه البيع والشراء معهم. والإشكال هنا، إذا كانت تجارة المسلم تخضع لقوانين تلك الدول، وهذه القوانين فيها مخالفات شرعية، مثل أن يلزم بفتح المحل وقت الصلاة وعدم التوقف وقتها، أو بتوظيف النساء في المؤسسة أو غيرها من المخالفات، ففي هذه الحالة يلزمه عدم الاستجابة لهذه المطالب التي تشتمل على المخالفات السابقة، أو إذا كانت القوانين تلزمه ببيع بعض المحرمات من المأكولات أو المشروبات أو غيرها، فيقال في هذه ما يقال في السابق.

стр. 263

جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، سائل يسأل: عن حكم مشاركة الكفار في الأعمال التجارية؟ الجواب: تجوز مشاركتهم في الأعمال التجارية المباحة إذا أمن من يشاركهم من المسلمين غشهم وتعاملهم بما حرم الله من الربا، والقمار، والغرر ونحو ذلك، ولكن ترك مشاركتهم في التجارة خير وأولى، بعداً عن موارد الريبة ومواقع التهم والظنون والخطر (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 264

الثامن عشر: السكن مع العائلة الكافرة يحرص بعض المبتعثين من المسلمين والمقيمين هناك بالسكن مع العائلة الكافرة، إما لتعلم اللغة، أو للتخفيف من الأعباء المالية، أو غير ذلك من الأسباب، ولا يخلوا السكن مع العائلة الكافرة من محاذير كثيرة، منها: ١ - أن مبيت الرجل مع الكافر في منزل واحد وأكله وشربه معه أمر خطير، إذ أنه سيؤدي إلى محبة الكافر والتعلق به، وهذا ينافي البراءة من الشرك والمشركين، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. روى أبو داود في سننه من حديث سمرة أن النبي ﷺ قال: «مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» (١). وروى النسائي من حديث جرير بن عبدالله قال: بَايَعْتُ النَّبي عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَعَلَى فِرَاقِ الْمُشْرِكِ. وأصله في الصحيحين بدون الزيادة

стр. 265

(وَعَلَى فِرَاقِ الْمُشْرِكِ) (١). ٢ - عدم القدرة على تفادي الاختلاط بنسائهم، إذ أن الاختلاط محرم كما تقدم، والاختلاط بنساء الكفار شأنه أعظم، إذ أنهن لا يتورعن من الخروج أمام الرجال بملابس النوم، والملابس العارية، وهذا معروف ولا تجد امرأة كافرة تغطي رأسها، والنظر إليها في تلك الحالة محرم بإجماع المسلمين. ٣ - أن الأمر لا يقتصر على الخوف من فتنة النساء، بل الأمر يتعدى إلى ما هو أخطر من ذلك، وهي فتنة الشبهات وما قد يقع في قلب المسلم من الشكوك والمقارنات، والأسئلة التي لا يحسن لها جواباً لقلة علمه، فيشكك في دينه وعقيدته. ٤ - أن السكن معهم، والأكل من طعامهم ومعاشرتهم يؤدي إلى الإعجاب بهم والتأثر بعاداتهم، وتقاليدهم المنفتحة، وهم كما وصفهم الله كالأنعام، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم]. ٥ - كثرة المنكرات التي يشاهدها المسلم المقيم مع تلك

стр. 266

العائلة كالتبرج والسفور، وشرب الخمور، والاختلاط، وقد يصحب ذلك ممارسة طقوسهم الدينية، كل هذا والمسلم مأمور بإنكار المنكرات، أو مفارقة المكان، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. قال القرطبي ﵀: (فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية) (١).

стр. 267

التاسع عشر: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر "الأنكحة التي تعقد بين الكفار صحيحة، تقبلها الشريعة، وتقرهم عليها إذا أسلموا بشرط أن تكون المرأة ممن يجوز نكاحها في الشرع، ولا يلتفت إلى كيفية إنشاء عقد النكاح عندهم، كما لا يُنظر إلى توفر الأركان، والشروط، بل يكفي اعتباره عندهم في جملة الأنكحة وليس سفاحاً، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم. قال ابن عبدالبر ﵀: (أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معاً في حال واحدة، أن لهما المقام على نكاحهما، إلا أن يكون بينهما نسب، أو رضاع، يوجب التحريم، وأن كل من كان له العقد عليها في الشرك، كان له المقام معها إذا أسلما معاً، وأصل العقد معفي عنه؛ لأن عامة أصحاب رسول الله ﷺ كانوا كفاراً فأسلموا بعد التزويج، وأقروا على النكاح الأول، ولم يعتبر في أصل نكاحهم شروط الإسلام، وهذا إجماع وتوقيف) (١). ومما يُستدل به من القرآن الكريم على اعتبار أنكحة الكافرين قوله تعالى في أبي لهب ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ [المسد]، فإضافة المرأة إليه تقتضي لغة وعُرفاً أنها زوجته، وقد اعتبر القرآن

стр. 268

هذه الزوجية مع أنها وقعت في الكفر. "والصحابة ﵃ غالبهم إنما ولدوا من نكاح كان قبل الإسلام في حال الشرك، وهم يُنسبون إلى آبائهم انتساباً لا ريب فيه عند أحد من أهل الإسلام. وقد أسلم الجم الغفير في عهد النبي ﷺ فلم يأمر أحداً منهم أن يجدد عقده على امرأته، فلو كانت أنكحة الكفار باطلة لأمرهم بتجديد أنكحتهم، وقد كان رسول الله ﷺ يدعو أصحابه لآبائهم، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. وقد رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا، فلو كانت أنكحتهم فاسدة لم يرجمهما؛ لأن النكاح الفاسد لا يحصن الزوج" (١). وهذا إذا أسلم الزوجان الكافران معاً فهما على نكاحهما وَأُقِرا عليه، أما إذا أسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، ففي المسألة تفصيل، فإن كان الذي أسلم هو الرجل، وكانت زوجته كتابية، أقر نكاحهما؛ لأنه يجوز للمسلم أن يتزوج من كتابية، وأما إذا أسلم الرجل ولم تكن زوجته كتابية كأن تكون ملحدة، أو وثنية فهذا نكاح لا يقر عليه؛ لأن الإسلام يمنع زواج المسلم من الكافرة خلا الكتابية. وإن كان الذي أسلم هو المرأة، فلا تقر على نكاحهما؛ لأنه لا يجوز للمسلمة أن تبقى في عصمة كافر، سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم.

стр. 269

واختلف العلماء فيما إذا أسلم أحدهما - أي الزوجين - ولم يقر على نكاحه لما ذكرنا، ثم أسلم الطرف الآخر بعد حين، فهل يحتاجان لتجديد العقد؟ أم يستمران على العقد الأول؟ ولعل الراجح ما قاله ابن القيم ﵀: (ولا نعلم أحداً جدد للإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد أمرين، إما افتراقهما ونكاحها غيره، وإما بقاؤها عليه، وإن تأخر إسلامها أو إسلامه، وأما تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة، فلا نعلم أن رسول الله ﷺ قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم في عهده من الرجال وأزواجهن، وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه) (١).

стр. 270

العشرون: معاملة الرجل المسلم أو المرأة المسلمة لأهلها الكفار على الرجل المسلم أو المرأة المسلمة معاملة أهلها باللين والحسنى وخاصة الوالد والوالدة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان]. ولما جاء في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ: أَفَأَصِلُ أُمِّي؟، قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ (١). وكذلك الإحسان إليهما بالقول، والفعل، والمال، والقيام بخدمتهما، وقضاء حوائجهما، وطاعتهما في غير معصية الله؛ لعل الله أن يشرح صدورهما، وتكون هذه المعاملة الحسنة سبباً في إسلامهما.

стр. 271

الحادي والعشرون: الأحزاب والجماعات الإسلامية وماذا يتبع المسلم منها ؟ المسلم المقيم في بلاد الغرب أو غيرها، قد يواجه جماعات أو أحزاب إسلامية تشرف على المراكز الإسلامية هناك، ويسأل الكثيرون: أي جماعة أتبع من الجماعات؟ وأيها أقرب إلى منهج أهل السنة والجماعة؟ سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: بناء على قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. يقال إنه يجب التعاون مع كل الجماعات الإسلامية، وإن كانت تختلف بينها في مناهج وطريق دعوتهم، فإن جماعة التبليغ طريق دعوتها غير طريق الإخوان المسلمين، أو حزب التحرير، أو جماعة الجهاد، أو السلفيين، فما هو الضابط لهذا التعاون؟ وهل ينحصر مثلاً في المشاركة في المؤتمرات والندوات؟ وماذا عند توجيه الدعوة إلى غير المسلمين؟ حيث قد يكون هناك التباس كبير لدى المسلمين الجدد، فإن كل جماعة من هذه الجماعات سوف توجههم إلى مراكزهم وإلى علمائهم، فيكونون في حيرة من أمرهم، فكيف يمكن تفادي هذا الأمر؟

стр. 272

الجواب: الواجب التعاون مع الجماعة التي تسير على منهج الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة في الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك والبدع والمعاصي، ومناصحة الجماعات المخالفة لذلك، فإن رجعت إلى الصواب فإنه يتعاون معها، وإن استمرت على المخالفة وجب الابتعاد عنها والتزام الكتاب والسنة، والتعاون مع الجماعة الملتزمة لمنهج الكتاب والسنة يكون في كل ما فيه خير وبر وتقوى، من الندوات، والمؤتمرات، والدروس، والمحاضرات، وكل ما فيه نفع للإسلام والمسلمين (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أعضاء ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد/ صالح الفوزان/ عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز

стр. 273

الملحق الأول

стр. 274

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد .. فهذا الملحق الأول لكتاب المسلمون في بلاد الغربة للمسائل الفقهية التي يحتاجها إخواننا المسلمون هناك، وقد ذكرت في الطبعة الأولى خمسون مسألة، وفي هذا الملحق أضفت إليها ثلاثون مسألة أخرى (١)، مقرونة بفتاوى من كبار أهل العلم الموثوق بهم في دينهم وعلمهم، وحرصت على الفتاوى التي تشتمل على أحكام عامة، إذ أن وقائع الأعيان قد تختلف من شخص إلى آخر، وعلى من وقع له شيء من ذلك بسؤال أهل العلم في وقته؛ لتكون الفتوى موافقة للحال والزمان الذي وقعت فيه، وأختم هذه المقدمة بنصيحة غالية يحتاجها المسلم في بلاد الغربة. فقد سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية يقول السائل: نصيحتك الطيبة يا شيخنا الفاضل للشاب المغترب في غربته، فأفيدونا أفادكم الله، والله لا يضيع أجر عامل.

стр. 275

الجواب: على الشاب المغترب في طلب العلم تقوى الله جل وعلا في جميع أموره، بأن يفعل ما أمر الله به، ويبتعد عما نهى الله عنه حتى يسهل الله له ما يطلب، وييسر له جميع أموره، ويحفظه من كل سوء، مع المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة في المساجد قدر الاستطاعة، والحرص على مصاحبة الأخيار وأهل الدين والتقوى، وعلى الشاب المغترب الابتعاد عن مواطن الشر وأماكن المنكرات، والحذر من ارتيادها، حتى يسلم له دينه، وعليه الدعوة إلى الله بالقول والعمل، فإن المسلم يكون قدوة لغيره، ونوصيك بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم بالتدبر، والتعقل، والعمل. وفقكم الله ويسر أمركم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١) عضو ... عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد عبدالعزيز آل الشيخ صالح الفوزان عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

стр. 276

المسألة الأولى وحدة الأديان من المسائل التي أُثيرت في الآونة الأخيرة الدعوة إلى وحدة الأديان، والمقصود بها الأديان الثلاثة (الإسلام، اليهودية، النصرانية)، وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية تتضمن أن الدعوة إلى وحدة الأديان كفر صريح وردة عن الإسلام، وهذا نصها. الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من تساؤلات وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالات بشأن الدعوة إلى (وحدة الأديان): دين الإسلام، ودين اليهود، ودين النصارى، وما تفرع عن ذلك من دعوة إلى بناء مسجد، وكنيسة، ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات، والمطارات، والساحات العامة، ودعوة إلى طباعة القرآن، والانجيل في غلاف واحد .. إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة، وما يُعقد لها من مؤتمرات، وندوات، وجمعيات في الشرق

стр. 277

والغرب، وبعد التأمل والدراسة، فإن اللجنة تقرر ما يلي: أولاً: فإن من أصول الاعتقاد في الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة: والتي أجمع عليها المسلمون، أنه لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل، والشرائع، فلم يبق على وجه الأرض دين يُتعبد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]، والإسلام بعد بعثة محمد هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان. ثانيًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن كتاب الله تعالى (القرآن الكريم) هو آخر كتب الله نزولاً: وعهدًا برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتاب أُنزل من قبل من التوراة، والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبق كتابٌ يُتعبد به سوى (القرآن الكريم)، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ثالثًا: يجب الإيمان بأن (التوراة) و (الإنجيل) قد نُسخا بالقرآن الكريم: وأنه قد لحقهما التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله الكريم: منها: قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا

стр. 278

قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. وقوله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران]. ولهذا فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرَّف، أو مبدَّل، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه غضب حين رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال ﷺ : «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟! لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي» (١). رابعًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن نبينا ورسولنا محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين: كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فلم يبق رسول يجب اتباعه سوى محمد ﷺ ، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حيًّا لما وسعه إلا اتباعه - وأنه

стр. 279

لا يسع أتباعهم إلا ذلك - كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران]. ونبي الله عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعًا لمحمد، وحاكمًا بشريعته، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. كما أن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغيرها من الآيات. خامسًا: ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام: من اليهود، والنصارى، وغيرهم، وتسميته كافرًا، وأنه عدو لله ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة]. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة]. وغيرها من الآيات، وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي

стр. 280

بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار» (١). ولهذا .. فمن لم يُكفِّر اليهود والنصارى فهو كافر، طردًا لقاعدة الشريعة: «من لم يُكفر الكافر فهو كافر». سادسًا: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية: فإن الدعوة إلى (وحدة الأديان) والتقارب بينها، وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام، وتقويض دعائمه، وجر أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقوله جل وعلا: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. سابعًا: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة: إلغاء الفوارق بين الإسلام، والكفر، والحق، والباطل، والمعروف، والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء، ولا براء، ولا جهاد، ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله جل وتقدس يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة].

стр. 281

ويقول جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة]. ثامنًا: أن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم: فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن، وسنة، وإجماع. تاسعًا: وتأسيسًا على ما تقدم: ١ - فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلاً عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها والانتماء إلى محافلها. ٢ - لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردين، فكيف مع القرآن في غلاف واحد! فمن فعله أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في ذلك من الجمع بين الحق (القرآن الكريم) والمحرف أو الحق المنسوخ (التوراة) و (الإنجيل). ٣ - كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة بناء مسجد، وكنيسة،

стр. 282

ومعبد في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يُعبد الله به غير الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاث، لأهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله، تعالى الله عن ذلك، كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس (بيوت الله) وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنها عبادة غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، نعوذ بالله من الكفر وأهله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ليست - أي البيع والكنائس - بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها، فالبيوت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار" (١). عاشرًا: ومما يجب أن يعلم: أن دعوة الكفار بعامة، وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق

стр. 283

البيان، والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران]. أما مجادلتهم، واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرى الإسلام، ومعاقد الإيمان فهذا باطل يأباه الله ورسوله ﷺ والمؤمنون، والله المستعان على ما يصفون، قال تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وإن اللجنة إذ تقرر ذلك وتبينه للناس، فإنها توصي المسلمين بعامة، وأهل العلم بخاصة بتقوى الله تعالى، ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال، ودعاته، والكفر وأهله، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة (وحدة الأديان) ومن الوقوع في حبائلها، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سببًا في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين، وترويجها بينهم. نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا جميعًا من مضلات الفتن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، حماة للإسلام على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه وهو راض عنا.

стр. 284

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجميعن. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 285

المسألة الثانية ميراث الكافر إذا مات الكافر فهل يرثه المسلم أو العكس؟ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم» (١). سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: هذه رسالة من مجموعة من النساء الهولنديات، اللاتي دخلن في الإسلام بحمد الله، تحمل في طياتها كثيرًا من الأسئلة والاستفسارات حول موضوع الميراث، حيث إن آباءنا غير مسلمين، والمسلم لا يرث من الكافر، ولقد طلب منا بعض الآباء إخبارهن عن كيفية مشاركتنا لأموالهم بعد وفاتهم، وهذه الأموال تنحصر في عدة أشكال: أولاً: في شكل منزل: حيث إن المال سيتوفر حال بيع المنزل بعد
следующие страницы →