المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد.
فإن إخواننا المسلمين الذين يعيشون في دول الكفر سواء أكانوا من أهلها الأصليين أم من الوافدين عليها في أشد الحاجة إلى معرفة الأحكام الفقهية في النوازل التي تمر بهم ليعلموا ما هو أرضى لله وأحب إليه، ويعملون بما يستطيعون من ذلك والتوجيه إلى الأخذ بالحلول الممكنة لمواجهة المشكلات، ولأن غالب تلك المسائل هي من النوازل، فإن معرفة الحق فيها وأقرب الأقوال إليه يتطلب - بعد الإلمام بالنصوص الشرعية المتعلقة بتلك المسائل- معرفة القواعد الشرعية، وتصور الوقائع المراد التطبيق عليها تصوراً دقيقاً لشدة التشابه، ودقة الفوارق بين تلك المسائل، واختلاف الحال بين شخص وآخر، وتغير الفتوى بتغير الحال في المسألة الواحدة والشخص الواحد، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومن علم الله من نيته الحرص على مرضاة الله، ألهمه الصواب ووفقه له، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ... [البقرة:٢٨٢].
стр. 2
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد]، وقال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنيَّاتِ» (١).
وإن مما يعين على معرفة فقه النوازل التي يعانيها إخواننا المسلمون في بلاد الغربة الرجوع إلى سيرة النبي ﷺ وأصحابه في مكة إذ كانوا يعيشون غرباء قليلين وسط مجتمع كافر، ناصبهم العداء، وحاربهم في كل شيء، قال النبي ﷺ : «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء» (٢).
ومن القواعد الشرعية التي يُستعان بها في هذا الباب:
١ - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: ومثال ذلك: أن الله أمر الولد ببر والديه وإن كانا كافرين، فإذا كان برهما يفضي إلى فتنة الولد في دينه، فهذه مفسدة كبيرة مراعاتها مقدم على برهما عند التعارض.
٢ - جاءت الشريعة الإسلامية بتكثير المصالح وتقليل المفاسد، وترجيح أعظم المصلحتين: مثال ذلك: أن المسلم الذي يعيش في بلاد الكفر وله بلد إسلامي، فإنه يجب عليه الرجوع إلى بلده، فإن كانت مصلحة بقائه في
стр. 3
تلك الدولة الكافرة أعظم، كان بقاؤه أولى ما دامت تلك المصلحة راجحة.
٣ - من أصول الإسلام وقواعده بغض الكافر، وإظهار العداوة له: وقد استثنى من هذه القاعدة الكفار الذين لا يظهرون العداوة للمسلمين، ولا يقاتلونهم ولا يظاهرون عليهم، بل ربما كانوا عوناً لهم في بعض الأحوال، وذلك بالبر والقسط كما قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة].
وفي السيرة النبوية أن قبيلة خزاعة كانت عبية نصح لرسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم، وأذن النبي ﷺ لأصحابه أن يهاجروا إلى الحبشة، وهي دار كفر، قائلاً: «إِنَّ فِيهَا مَلكَاً لَا يُظْلَم أَحَدٌ عِنْدَهُ» (١).
ولما طرد أهل الطائف رسول الله ﷺ لم يستطع دخول مكة إلا بدخوله في إجارة المطعم بن عدي وكان كافراً، وقد عرف له النبي ﷺ هذه النعمة، فقال في غزوة بدر حين جمع له الأسرى «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» (٢).
стр. 4
٤ - أن جميع أوامر الشرع إنما تجب على العبد بالاستطاعة لها والقدرة على فعلها، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال النبي ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). ونتج عن هذه القاعدة قاعدة أخرى عظيمة المنافع هي:
٥ - المشقة تجلب التيسير، قال النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٢). وقال تعالى فيمن يشق عليه الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
٦ - من المفيد جداً أن تعلم فروض العين وفروض الكفاية، حتى إذا تعارضت قُدِّم فرض العين على فرض الكفاية.
مثال ذلك: امرأة تريد أن تدرس نوعاً من العلم لتخدم به أخواتها المسلمات، ولكن لا تتمكن من هذا التخصص إلا بالاختلاط والسفور، وهنا يقال إن المحافظة على العفاف والحشمة فرض عين، وتلك الدراسة فرض كفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، والنتيجة المنع من دراسة ذلك التخصص .. وغير ذلك من القواعد الشرعية التي تعين على فهم مقاصد الشرع.
٧ - من المعلوم بالاستقراء - من قواعد الشريعة- وأصولها
стр. 5
أن الأحرى بالمسلم الأخذ بالاحتياط في المسائل المختلف فيها الذي يكون الخلاف فيها سائغاً، وذلك حين يكون للخلاف حظٌ من النظر، بمعنى أن لكل قولٍ من الأدلة الشرعية ما يؤيده، وسيأتي لذلك أمثلة في فتاوى أهل العلم المرفقة.
٨ - من القواعد الشرعية التي تفيد المسلم في المسائل المشكوك فيها الأخذ بما غلب على ظنه ولا تبرأ ذمته إلا بذلك؛ فالصائم مثلاً إذا شك في غروب الشمس ولم يتيقن ذلك، وغلب على ظنه أنها لم تغرب فلا يحل له الفطر حتى يغلب على ظنه أنها غربت، ومثل ذلك دخول وقت الصلاة وغيرها من المسائل الكثيرة، وسيأتي لها أمثلة في الفتاوى المرفقة.
وقد اقتصرت في بعض المسائل على الفتاوى ثقةً في أصحابها، وأشرت إلى المراجع لمن يريد التوسع والمزيد من التفاصيل، وقد كُتبت في الموضوع رسائل مطولة ومفصلة، أحببت كتابة هذه الرسالة المختصرة كنموذج للدخول منها إلى الكتب المطولة .. هذا وإن من أهم الكتب التي اطلعت عليها في هذا الباب رسالة الدكتوراه لأخينا د. محمد يسري. وقد امتازت هذه الرسالة بالتأصيل والسير على آثار السلف مع قوة في العبارة، ووضوح في التعبير، نقلت منها بعض المواضع، وأحلت القارئ عليها للاستزادة، فجزاه الله عن الإسلام
стр. 6
والمسلمين خير الجزاء.
وبعد التأمل في المسائل التي يحتاجها إخواننا المسلمون الذين يعيشون في دول الكفر وجدت أنها ترجع إلى ثلاثة أصول (١):
الأول: الجنسية والإقامة.
الثاني: التحاكم واستيفاء الحقوق.
الثالث: الولاء والبراء.
وقد اقتصرت في هذا الكتاب على ما يقارب خمسين مسألة على أمل العون من الله تعالى على جمع المسائل التي لم تذكر في طبعات قادمة.
وأفضل ما أختم به الصلاة والسلام على نبي الرحمة المهداة، والنعمة المسداة محمد بن عبدالله ﷺ .
المؤلف
الرياض: ١٨/ ٠٥/١٤٣٦ هـ
стр. 7
الأصل الأول
الجنسية والإقامة
стр. 8
ومن المسائل التي تتعلق بهذا الأصل ما يلي:
أولاً: الجنسية.
ثانياً: الإقامة.
ثالثاً: إسلام الكافر.
رابعاً: حجاب المرأة المسلمة.
خامساً: الاختلاط.
سادساً: القروض.
سابعاً: التأمين.
ثامناً: البطاقات الائتمانية.
تاسعاً: تربية الأسرة.
عاشراً: اللباس.
الحادي عشر: اقتناء الكلاب.
الثاني عشر: أحكام الأطعمة، وفيه مسائل:
(أ) الذبائح.
(ب) دخول المحرمات في المأكولات أو المشروبات.
(ج) الأكل في أواني الكفار.
(د) الأكل في مطاعم الكفار.
стр. 9
الثالث عشر: بناء المساجد في بلاد الكفر.
الرابع عشر: صرف أموال الزكاة في الدعوة إلى الله.
الخامس عشر: صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم من الكفار.
السادس عشر: زكاة الفطر.
السابع عشر: صلاة الجمعة، وفيه مسائل:
(أ) العدد المطلوب لصلاة الجمعة.
(ب) أداء المرأة لصلاة الجمعة.
(ج) ترجمة خطبة الجمعة.
(د) صلاة الجمعة قبل الزوال.
(هـ) إقامة الجمعة على دفعتين لضيق المسجد.
الثامن عشر: قبول المسلمين من الكفار التبرعات لمشاريع خيرية.
التاسع عشر: السكن.
العشرون: الزواج الصوري.
الحادي والعشرون: أوقات الصلاة، وفيها مسائل:
(أ) في حال استمرار الليل أو النهار أربعاً وعشرين ساعة فأكثر.
(ب) في حال قصر الليل أو النهار قصراً مفرطاً مع بقاء العلامات الفلكية الشرعية.
стр. 10
الثاني والعشرون: أوقات الصيام، وفيها مسائل:
(أ) الرؤية في دخول شهر رمضان وخروجه.
(ب) الصيام يوم عرفة، هل هو يوم اجتماع الناس في عرفة؟ أو اليوم التاسع بحسب كل بلد؟
(ج) تحديد زمن الإمساك في رمضان في حال الغيم.
(د) فتاوى متفرقة في الصيام.
الثالث والعشرون: خوف المسلم من إظهار دينه.
الرابع والعشرون: الصلاة في المساجد التي فيها قبور.
الخامس والعشرون: الصلاة خلف الإمام المبتدع.
السادس والعشرون: دفن المسلم في مقابر الكفار.
стр. 11
أولاً: الجنسية
قد كتب د. محمد يسري إبراهيم في كتابه (فقه النوازل) للأقليات المسلمة تأصيلاً وتطبيقاً بحثاً مطولاً عن الجنسية والتجنس، أفاد فيه وأجاد، أنقل منه بتصرف واختصار، قال حفظه الله: "جرى عمل فقهائنا المتقدمين على تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، وأما في الواقع المعاصر فقد انقسم الناس باعتبار الجنسيات، وصار من الممكن للإنسان أن يتجنس بجنسية بلد غير بلده الأصلي الذي نشأ فيه هو وآباؤه وفق شروط معينة تختلف من دولة إلى أخرى.
وسعى كثير من أبناء هذا الزمان إلى الحصول على جنسيات غير جنسيات بلادهم الأصلية، تدفعهم إلى ذلك دوافع شتى؛ فمن لاجئ سياسي، ومن باحثٍ عن حرية وساعٍ إلى الحصول على حقوق أو مميزات لم يجدها في قومه .. إلى غير ذلك من المآرب.
ولكن الأمر ليس قاصراً على الميزات التي يُعطاها المرء فحسب، بل ثمة حقوق وواجبات عليه؛ من الالتزام بقوانين تلك البلد، والتحاكم إلى أنظمتها، والدفاع عنها، والانخراط في سلك المدافعين عنها من أبنائها، وبذل الجهد والوسع في تقويتها ورفعة شأنها، وعقد الولاء لها والبراء من غيرها .. إلى غير ذلك من مفردات منظومة كبيرة تسمى بـ "المواطنة".
стр. 12
ومن هنا مسّت الحاجة اليوم إلى معرفة حكم التجنس بجنسيات الدول غير الإسلامية؛ لشدة الدوافع والمقتضيات إلى ذلك.
المفهوم الاصطلاحي للجنسية والتجنس:
يعرف القانونيون "الجنسية" بأنها: (الرابطة القانونية والسياسية التي تربط بين الفرد والدولة، والتي بمقتضاها يعتبر الفرد جزءاً في شعب الدولة يتمتع بالحقوق المترتبة على تمتعه بجنسية الدولة والتي لا يتمتع بها الأجنبي كأصل عام، ويلتزم أيضاً بالالتزامات التي تترتب على وصف الوطني والتي لا يلتزم بها الأجنبي).
وعرّفها بعض القانونيين بقوله: (رابطة سياسية وقانونية بين الفرد والدولة)، وهناك من يضيف إلى هاتين الرابطتين رابطةً ثالثة؛ هي الرابطة الاجتماعية، خاصة إذا كان شعب الدولة مكوناً من أمة واحدة.
أما "التجنس" فهو: (طلب انتساب إنسان إلى جنسية دولة من الدول وموافقتها على قبوله في عداد رعاياها، وينشأ عن ذلك التجنس خضوع المتجنس لقوانين الدولة التي تجنَّس بجنسيتها، وقبوله لها طوعاً أو كرهاً، والتزام الدفاع عنها في حال الحرب).
وللتجنس شروط تشترطها الدول، فمنها العام، ومنها الخاص ببعض الدول.
آثار التجنس:
إن أهم أثر يترتب على التجنس هو كسب صفة الوطني، والتي
стр. 13
تستوجب التمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها الوطني الأصلي والالتزام بكافة الواجبات التي يُلزم بها، ولعل من أهم هذه الحقوق والواجبات ما يلي:
أولاً: الحقوق:
يكون المتجنس مساوياً في الحقوق للوطني في الجملة، وإن استثنيت بعض الأمور كالتقدم لوظائف حساسة، ومن بين هذه الحقوق:
١ - الحصول على حق المواطنة.
٢ - التمتع بالإقامة الدائمة.
٣ - تكفل الدولة الحماية الدبلوماسية للمنتسب إليها، وتتولى القنصليات رعاية أحواله الشخصية خارج البلد.
٤ - التمتع بالحقوق السياسية كحق الانتخاب بعد اجتياز فترة الاختبار، وبممارسة الحريات الأساسية.
ثانياً: الواجبات:
١ - خضوع المتجنس لقوانين الدولة والاحتكام إليها.
٢ - المشاركة في جيشها والتزام الدفاع عنها في حالة الحرب.
٣ - تمثيل الدولة خارجياً.
٤ - مشاركته في بناء صرح الدولة.
стр. 14
حكم التجنس بجنسية الدولة غير المسلمة:
البحث في هذه المسألة يختلف عن البحث في مسألة الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام من حيث إن الهجرة أمر قديم بقِدم الإسلام، وتناوله العلماء في كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث وغيرها.
وأما التجنس فمسألة حادثة ونازلة لم تكن على عهد السلف والأئمة، وإنك لواجد في كتب الأئمة الفقهاء التفصيل الواضح في أحكام الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأحكام الأقليات غير المسلمة في المجتمع المسلم، أما فقه الأقليات المسلمة في البلاد غير المسلمة فنادر في كتب الفقه؛ لأنه نادرٌ ما كان يحتاج المسلم للإقامة الدائمة هنالك؛ لوجود الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها المسلم ويتفيأ ظلالها، ولانعدام الحدود بين الدول الإسلامية، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلاده لا يحس بغربة ولا وحشة، وكذا العزة الإسلامية التي يتمتع بها المسلم فهو ليس بحاجة للإقامة في بلاد الكفر فضلاً عن التجنس بجنسياتها، ذلك أن التجنس بجنسية الدول الكافرة موطئ للإقامة في بلاد الكفر، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على خلل أو ضعف حلَّ بالمسلمين والخلل العظيم في هويتهم، إذ المهزوم والضعيف هو الذي يريد أن يشابه المنتصر والقوي فيقتدي به.
ومن نظر في التاريخ وجد أن هذا أمر مطَّرد، فوقت أن كانت الدولة للمسلمين كان المشركون حريصين على تعلم لغتهم
стр. 15
والعيش في بلادهم؛ ليتمتعوا بالأمن والعدل ورغد العيش الذي كانت بلادهم قفراً منه.
ثم إنه بعد سقوط الخلافة الإسلامية وانتشار الغزو الصليبي لبلاد الإسلام، أو ما سُمي زوراً بـ (الاستعمار)؛ فتحت دول الكفر باب التجنس لمن يرغب في ذلك من المسلمين؛ لطمس هويتهم، وإخماد روح الإيمان والجهاد في قلوبهم، وذلك في أوائل القرن الميلادي المنصرم، وهي نتيجة طبيعية لضعف المسلمين وقوة شوكة عدوهم.
يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: (المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده؛ والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط من أن انقيادها ليس لغالب طبيعي إنما هو لكمال الغالب وتشبُّهه به، وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه - والله أعلم - من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة ناس وإنما هو بما انتحل من العوائد والمذاهب.
ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها؛ بل وفي سائر أحواله) (١).
والحاصل أن التجنس بجنسية الدول الكافرة مسألة حادثة،
стр. 16
وقد اختلف فيها فقهاء العصر على أربعة أقوال:
القول الأول:
قول أكثر الفقهاء المعاصرين وهو المنع، وممن قال به العلامة الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ علي محفوظ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والشيخ محمد عبدالباقي الزرقاني، والشيخ إدريس الشريف محفوظ مفتي لبنان، والشيخ يوسف الدجوي عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن، والعلامة عبدالحميد بن باديس، والعلامة البشير الإبراهيمي، وكل أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والعلامة الشيخ ابن عثيمين .. وغيرهم.
القول الثاني:
قول بعض فقهاء العصر وهو الجواز، ومنهم د. يوسف القرضاوي، ود. وهبة الزحيلي، بشرط المحافظة على الدين والتمسك به، وعدم الذوبان في المجتمع الكافر.
القول الثالث:
جواز التجنس بجنسية الدولة الكافرة عند الضرورة؛ كما لو كان مضطهداً في دينه في بلده المسلم ولم يقبله أحد سوى الحكومة الكافرة، وهو رأي بعض أعضاء مجمع الفقه الإسلامي، وقد وضع الشيخ الخليلي ثلاثة شروط للجواز، وهي:
стр. 17
١ - انسداد أبواب العالم الإسلامي في وجه لجوئه إليهم.
٢ - أن يضمر النية على العودة متى تيسَّر ذلك.
٣ - أن يختار البلد التي يمارس فيها دينه بحرية.
القول الرابع:
التفصيل في المسألة؛ فالناس في طلب الجنسية على ثلاثة أقسام:
١ - التجنس بجنسية الدولة الكافرة من غير مسوِّغ شرعي، بل تفضيلاً للدولة الكافرة وإعجاباً بها وبشعبها وحكمها، وهذه ردة عن الإسلام عياذاً بالله.
٢ - التجنس للأقليات المسلمة التي هي من أصل سكان تلك البلاد؛ فهو مشروع وعليهم نشر الإسلام في بلادهم، وتبييت النية للهجرة لو قامت دولة الإسلام واحتاجت إليهم.
٣ - تجنس الأقليات المسلمة التي لم تكن من أهل البلد الكافرة، ويعتريه الحالات التالية:
(أ) أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد ويلجأ لهذه الدولة؛ فهو جائز بشرط الاضطرار الحقيقي للجوء، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر.
стр. 18
(ب) أن يترك المسلم بلده قاصداً بلاد الكفر لأجل القوت؛ فلو بقي في بلاده لهلك هو وأهله، فله أن يتجنس إذا لم يستطع البقاء بغير جنسيته.
(ج) التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة، وهو جائز.
(د) التجنس لمجرد أغراض دنيوية بلا ضرورة ولا مصلحة للإسلام وأهله، وهو محرم.
وهذا التفصيل رجّحه بعض الباحثين وأصحاب الرسائل الجامعية.
أدلة المانعين:
استدل المانعون بأدلة كثيرة، وعمومات ومقاصد شرعية نوردها فيما يلي:
- قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
- وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة].
стр. 19
ففي هاتين الآيتين النهي عن اتخاذ ذوي القربى أولياء إن كانوا كفاراً؛ فكيف باتخاذ الأباعد أولياء وأصحاباً، وإظهار الموافقة لما هم عليه والرضا به؟
- وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء].
- ومن السنة ما رواه أبو داود من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» (١).
-وقوله ﷺ : «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه لِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٢).
- وبما رواه النسائي من حديث جرير بن عبدالله قال: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَعَلَى فِرَاقِ الْمُشْرِكِ (٣).
-وروى النسائي في سننه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه
стр. 20
عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلاً، أَوْ يُفَارِقُ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ» (١).
- وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ كان إذا بعث أميراً على سرية أو جيشاً أوصاه بأمور؛ فذكرها، ومنها: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ» (٢).
وجه الدلالة من الآيات والأحاديث السابقة:
لقد استفاضت النصوص الشرعية السابقة في التحذير من موالاة الكافرين، ومحبتهم ومودتهم، والرضا عنهم وعن منكراتهم، وأوضحت أن ذلك مناقض لأصل الإسلام وهادم لعقيدة الولاء والبراء والحب والبغض في الله التي لا يصح إسلام عبدٍ إلا بها.
ولما كان التجنس يلزم منه - لا محالة - ولاء المرء للدولة التي يحمل جنسيتها وخضوعه لنظامها وقوانينها، ويصير المتجنس واحداً من المواطنين له ما لهم وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام ملتهم في الأحوال الشخصية والمواريث، وعدم تدخله في شؤون أولاده إذا بلغوا السن القانونية عندهم سواء الذكور والإناث .. ، لمّا كان الأمر كذلك كان طلب التجنس بجنسية الدول
стр. 21
الكافرة من غير إكراه عليها بل طلباً من المتجنس أو موافقة على قبولها صورة من صور الردة عن الإسلام عياذاً بالله، وخروجاً عن سبيل المؤمنين ودخولاً في معية الكافرين؛ الذين حذرنا الله تعالى منهم ومن اتباع سبيلهم، والمقام بين أظهرهم، وموالاتهم والركون إليهم، كما دلت على ذلك النصوص السابقة.
ثم ختم حفظه الله البحث في هذه المسألة بقوله: (والذي يظهر بعد عرض أدلة المختلفين وردَّها إلى الكتاب والسنة والمقاصد المرعية المعتبرة، أن مذهب المحرِّمين هو الصحيح، وأدلتهم قوية سالمة من المعارض المساوي فضلاً عن الراجح.
إلا أنه قد تعتري المسألة أحوال وملابسات تبيح التجنس لضرورة ملجئة فتقدَّر بقدرها، وغنيٌّ عن البيان أن الكلام ليس على من تجنَّس رغبة في الكفر وتفضيلاً لأحكامه واعتزازاً وافتخاراً بتلك الجنسية، ولا الكلام عمّن يتجنس لتحصيل مصالح دنيوية ليست ضرورية، بل غايتها أن تكون من التحسينيات؛ فالأول مرتد قطعاً، ولا يتوقف في هذا عالم، والثاني على خطر عظيم وهو ممن استحبَّ الحياة الدنيا على الآخرة، ويشمله قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة].
стр. 22
وقوله جل ذكره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى].
وإنما الكلام في ثلاث حالات، وبيانها كالآتي:
١ - الأقليات المسلمة التي هي من سكان تلك البلاد أصلاً؛ فهؤلاء تثبت لهم الجنسية بمجرد ولادتهم، ولا خيار لهم في ذلك؛ فهم مكرهون عليها ولا إثم على مكره، ولا تستقيم لهم حياة بدون جنسية؛ فهي في حقهم ضرورة، لكن مع ذلك لابد أن يلتزموا بأحكام الإسلام جُهدهم ويُظهروا دينهم وإلا وجب عليهم التحول ولزمتهم الهجرة، والهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، ومن اختار البقاء، أو ضاقت به السبل فليعمل على إظهار دينه ما استطاع، أو ليعزم على الهجرة لبلاد المسلمين متى ما أمكنه ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
٢ - من اضطر إلى التجنس بسبب اضطهاده في بلده الأصلي، أو للتضييق عليه في نفسه أو عِرضه أو قوته، أو كان لا يحمل جنسية أصلاً ومُنع من الإقامة إلا بالتجنس؛ فهؤلاء إن لم يمكنهم دفع ضرورتهم بالإقامة فقط وكان لابد من التجنس وتعيَّن لدفع ضرورتهم الواقعة المعتبرة؛ فلهم التجنس من باب "الضرورات تبيح
стр. 23
المحظورات" قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقد أباح الشرع النطق بكلمة الكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان. قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال سبحانه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
ولكن لابد أن تُقدر الضرورة بقدرها بعد تحقق كونها ضرورة ملجئة، وتعين التجنس مزيلاً لها؛ بشرط أن لَاّ تذوب شخصيته في شخصية الكفار، وأن يأمن على نفسه وأهله وأولاده الفتنة، وأن يستشعر انتماءه للإسلام وأهله، وينوي الرجوع إلى بلاد المسلمين متى زال عذره، وأن ينكر المنكرات بقلبه إن لم يمكنه ذلك بيده ولسانه، وأن يتخير البلد الذي يستطيع فيه إظهار دينه بلا غضاضة عليه.
٣ - أن يتجنس المسلم لتحقيق مصالح كلية كبرى للإسلام وأهله؛ كالدعوة إلى الله، وتحصيل علوم ضرورية يحتاجها المسلمون ولا يمكن تحصيلها بدون ذلك، مع أمنه على نفسه، ودينه، وأهله وولده، وانتفاء المفاسد التي ذكرناها آنفاً في حقه أو في حق أهله، فهذا باب يسوغ فيه النظر والاجتهاد والموازنة بين المصالح
стр. 24
والمفاسد، والله يعلم المفسد من المصلح، والله عند قلب المرء ولسانه ولا يخفى عليه شيء من أمره.
وهذه الصورة من التجنس قد تلحق بالتجنس الإجباري ظاهراً، ولكنها من الاضطراري حقيقة وحكماً في حين أن الصورتين الأوليين من التجنس الاضطراري من غير خلاف .. والله أعلم" (١).
стр. 25
ثانياً: الإقامة
١ - "كلام أهل العلم المتقدمين وبحوثهم بوجوب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وما يستحب من ذلك أو يباح كان في واقع غير الواقع المعاصر، فقد كانت الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها كل مسلم قائمة، وبلاد المسلمين كلها بلد واحد، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلده لا يحس بغربة ولا يشعر بوحشة.
أما اليوم فإن بعض المسلمين يفر بدينه من بلده لما يقع عليه من الاضطهاد في دينه ودنياه، وربما وجد في تلك البلاد حياة كريمة وتمتعاً في الحقوق وحرية في إقامة شعائر دينه قد لا توجد في غالب الدول الإسلامية" (١)، فإلى الله المشتكى من غربة الدين، وقلة الناصرين، وتسلط الظالمين.
٢ - إن هذه المسألة وما شابهها لا يمكن تنزيل حكمها على العموم لاختلاف أحوال الناس، فلكل فرد حكمه الذي يخصه بحسب واقعه وحاله على حد قوله تعالى: ﴿لَا
стр. 26
يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء]. فواجد الحيلة غير فاقدها، والقوي غير الضعيف، والغني غير الفقير، وذو العصبة غير الكلالة .. وهكذا تختلف الأحكام باختلاف الأحوال، وتختلف من جانب آخر وهو أنها ترجع إلى قواعد تحتاج في تطبيقها على الوقائع إلى النظر الدقيق والفهم الثاقب، والإلمام التام مثل قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" وقاعدة "دفع أعظم الضررين بفعل أدناهما" .. وغيرها.
٣ - مما يعين على الوصول إلى معرفة القول الصائب، المقارنة بين حال الشخص في تلك البلاد الكافرة، وحاله في بلده، فيرجح منهما أكثر الحالين نفعاً وأقلهما ضرراً.
٤ - مما يعين على ذلك معرفة حال تلك الدول الكافرة، فمنها دولٌ المسلمون فيها كثير لهم ثقلهم واعتبارهم، مساجدهم عامرة، وشعائرهم ظاهرة، ومنها دول بخلاف ذلك.
٥ - النظر الدقيق والفهم العميق للنصوص الشرعية والسيرة النبوية يقضي بالتفريق بين من كان من تلك البلاد الكافرة أصلاً ومولداً، وبين الطارئ عليها، فلا يستوي من إذا خرج من تلك البلاد رجع إلى بلده بين أهله وذويه، وبين
стр. 27
من إذا خرج فإنما يخرج من بلده إلى بلاد أخرى لا يمكنه دخولها، فضلاً عن الإقامة فيها إلا بشروط والتزامات لا تتهيأ إلا للقليل.
فمن لاحظ ما تقدم وأمعن النظر لم يفته الصواب إن شاء الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت].
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
ولدت في فرنسا وأعيش فيها إلى الآن، حيث أبلغ من العمر (٢٦) سنة، أبواي تونسيان وأنا الآن متزوج ولي طفلان، الأول (أربع) سنوات، والثاني (تسعة) أشهر، أريد الهجرة إلى بلاد عربية من أجل مستقبل أبنائي خاصة، وللحفاظ على دينهم ولغتهم، كنت أنوي الاستقرار في تونس لأن جميع عائلتي هناك، وأبواي ينويان الرجوع إلى هناك، لكن المشكلة أن الحجاب هناك ممنوع منعاً باتاً على المرأة المسلمة حتى في الشارع، وجميع أفراد عائلتي هناك قد استكرهوا على نزع الحجاب، كما أنه لا يجوز هناك اللقاءات أو الاجتماعات ذات الصبغة الدينية، حتى ولو كان ضمن حفلة زواج أو غيرها، والمسلمون هناك خاصةً الشباب منهم مضطرون للعيش فرادى وفي خوف دائم، حتى لمجرد الصلاة الدائمة في المسجد.
لذلك فالعيش هناك بالنسبة لي ولزوجتي التي ترتدي
стр. 28
الحجاب يعتبر مستحيلاً؛ لأنه حتى بالنسبة لأبنائي لا أضمن لهم أن يتعلموا دينهم هناك على قواعد صحيحة، وعندما أرجع وأفكر في وضعي الحالي وكيف أني أعيش في بلاد الكفار أجد نفسي معلقاً بين الأرض والسماء، ولا عندي حل يريحني؛ لأني لا أعرف هل الهجرة في هذه الحال واجبة أم لا؟ أرجو إفادتي جزاكم الله كل خير بأحاديث وآيات قرآنية أتخذ على أساسها القرار السليم، حتى لا أندم بعد ذلك أو أحس أنني أخطأت؟.
الجواب: نشكرك أيها الأخ على هذا الإحساس والشعور الديني الذي هو واجب على كل مسلم يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، ونوصيك بتقوى الله تعالى في جميع أمورك، كما نفيدك بأن الإقامة في بلاد الكفار محرمة في الشريعة الإسلامية إلا لحاجة معتبرة شرعاً، كعلاج لا يوجد عند المسلمين أو دعوة إلى الإسلام .. ونحو ذلك، وعليك بالاجتهاد وبذل الأسباب التي تخلصك من البقاء في بلاد الكفار والانتقال إلى بلاد المسلمين، ولو إلى غير بلدك التي هي مسقط رأسك، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وإذا كان حالك في فرنسا وتونس كما ذكرت ولم تتيسر لك الهجرة، فعليك تقوى الله في نفسك والتمسك بدينك والثبات عليه والمحافظة على شعائر الدين كالصلوات الخمس وغيرها، ودوام الالتجاء إلى الله أن يثبت قلبك، وعليك البعد عن مشاركة أهل السوء ومجالستهم، وإن وجدت أحداً من المسلمين فلازم صحبته، كما عليك الدعوة إلى الله
стр. 29
حسب الاستطاعة. نسأل الله الكريم لك التوفيق وأن ييسر لك الخير أينما كنت إنه ولي ذلك والقادر عليه (١).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز
كما سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀، يقول السائل: ما هي نصيحتكم للإخوة والأخوات المقيمين في انجلترا ولا يعملون ويتلقون معونة مالية من الحكومة؟ وأحياناً هم يحصلون على عمل ولكن لا يخبرون الحكومة، فهل عملهم هذا يعتبر عملاً صحيحاً؟
الجواب: الواجب على جميع المسلمين المقيمين في بلاد الكفر، أن يهاجروا إلى البلاد الإسلامية التي تقام فيها شعائر الله إذا استطاعوا ذلك، فإن لم يتيسر ذلك فإلى البلاد التي هي أقل شراً، كما هاجر جماعة من الصحابة﴾ بأمر النبي ﷺ من مكة إلى الحبشة؛ لأن بلاد الحبشة ذاك الوقت أقل شراً مما يقع على المسلمين في مكة من الشر قبل فتح مكة، فإن لم يستطيعوا فعليهم أن يتقوا الله في محلهم، وأن يحذروا ما حرم الله
стр. 30
عليهم، وأن يؤدوا ما أوجب الله عليهم، ولا حرج عليهم في قبول المعاونة والمساعدة من الدولة الكافرة، إذا لم يترتب على ذلك ترك واجب أو فعل محظور، وليس لهم أخذ المساعدة إلا على الطريقة الرسمية التي قررتها الدولة، وليس لهم أن يكذبوا للحصول عليها، وعليهم جميعاً أن يتقوا الله في كل شيء، وأن يحذروا ما نهى الله عنه، وأن يتفقهوا في القرآن والسنة فيما بينهم وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم، ولو بالمكاتبة أو من طريق الهاتف، أصلح الله أحوال المسلمين جميعاً وحفظ عليهم دينهم ومنحهم الفقه فيه، وكفاهم شر أنفسهم وشر أعدائهم إنه جواد كريم (١).
стр. 31
ثالثاً: إسلام الكافر
إن طريقة الرسول ﷺ في دعوة الكفار إلى الإسلام أن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوه إلى ذلك دعاهم إلى بقية شرائع الإسلام حسب أهميتها وما تقتضيه الأحوال.
ومما ورد في ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ .. الحديث» (١).
وقال النبي ﷺ لعلي: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيِه، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (٢).
стр. 32
وعلى ذلك يقال أن من أسلم من الكفار يُطلب منه أن ينطق الشهادتين، ويُشرح له معناها، أي لا معبود بحق إلا الله، وأن النبي ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، أُرسل إلى العرب والعجم، فتؤمن به وتطيعه فيما يأمر به، وتجتنب ما نهى عنه، ثم يؤمر بالاغتسال، فقد روى الترمذي في سننه من حديث قيس بن عاصم قال: «أَتَيْتُ النَّبِي ﷺ أُرِيدُ الإِسْلامَ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (١).
ثم بعد ذلك يُبين له أن التوبة تجبُّ ما قبلها، والإسلام يجبُّ ما قبله، وأن أعظم نعمة أنعم الله بها عليه هدايته لهذا الدين، ونجاته من النار، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» (٢).
ثم بعد ذلك توضح أركان الإسلام والإيمان، ومعنى الإيمان باليوم الآخر والقدر، ويبين له بطلان قول النصارى في عيسى أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، والصحيح أن عيسى عبدالله ورسوله، وهو بشر مثله كمثل إخوانه من الرسل، وليس له شيء من خصائص الألوهية والربوبية، وأنه لم يُقتل ولم يُصلب، بل رفعه الله إلى السماء حين أراد اليهود قتله، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
стр. 33
وسوف ينزل في آخر الزمان، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يأتي بشرع جديد، بل يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يموت كسائر البشر.
وإن كان الذي يريد الإسلام وثنياً أو على غير دين، أو يصرف العبادات لأهل القبور .. أو غير ذلك، فيبين له أن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، المستحق للعبادة، وأن عليه أن يخلص جميع العبادات لله كالدعاء، والنذر، والذبح، والاستغاثة .. وغيرها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٤].
وأن يبرأ من الشرك وأهله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وفي الختام توصيه بتقوى الله، والثبات على الدين، وأن يسأل الله دائماً الثبات على دينه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وتوصيه بدعوة زوجته، وأبنائه، ووالديه، وأقاربه، وأن يحرص على الرفقة الصالحة التي تعينه على الخير، وأن يتفقه في دينه، ثم إن هناك أمراً مهماً وهو أنه قد يرى تصرفات سيئة من بعض المسلمين من كذب، أو أخلاق سيئة .. أو غير ذلك، فهذه التصرفات لا يقرها الدين الإسلامي، فالإسلام يأمر بكل خير وينهي عن كل شر، والأخطاء تُنسب للأشخاص وليس للإسلام.
أما بالنسبة للختان، فواجب على الرجال، ومكرمة في حق
стр. 34
النساء، لكن لو أُخر الختان بعض الوقت حتى يتمكن الإسلام في قلبه، ويطمئن إليه، لكان حسناً، خشية أن تكون المبادرة إلى دعوته إلى الختان منفرة له من الإسلام.
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: ما حكم الكافر الذي في فراش المستشفى وهناك سمعناه يقول: لا إله إلا الله محمداً رسول الله ﷺ حتى وافاه الأجل. هل نحكم عليه بأنه أسلم أم لا؟
الجواب: من نطق بالشهادتين قبل بلوغ الروح الحلقوم، ولم يكن يقولها في صحته ويتعاطى أنواع الشرك الأكبر، ثم مات فإنه يعد بذلك مسلماً، ويعامل معاملة المسلمين من حيث التغسيل والصلاة عليه، والدفن والدعاء له بالمغفرة والرحمة، يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (١) رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
وكذلك قصته ﵊ مع عمه أبي طالب، وعرضه الشهادة عليه وهو على فراش الموت، لكنه أبى النطق بها كما في الصحيح. وفي الصحيح أيضاً أن النبي ﷺ عاد غلاماً يهودياً في مرضه، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج النبي ﷺ
стр. 35
وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» (١).
أما من كان ينطق بالشهادتين في حال صحته، ويعبد غير الله، كسؤال الأموات والاستغاثة بهم، وينذر ويذبح لهم، فإن هذا لا يعتبر مسلماً بمجرد نطقه بالشهادتين عند الموت، إلا إذا صرح بتوبته من شركه السابق (٢).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز
стр. 36
رابعاً: حجاب المرأة المسلمة
حجاب المرأة هو عنوان عفتها وطهارتها، فرضه الله على نساء الأمة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب].
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور]. والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة، قالت أم سلمة: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية (١).
"وفي هذه الآيات الكريمة دليل واضح على أن رأس المرأة وشعرها وعنقها ونحرها ووجهها مما يجب عليها ستره عن كل من ليس بمحرم لها، وأن كشفه لغير المحارم حرام، ومن أدلة السنة أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد قلن: «يَاَ رَسُول الله إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابهَا، فَقَالَ النبَّيِ ﷺ : لتُلْبِسْهَا
стр. 37
أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» (١)، فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة ألا تخرج المرأة إلا بجلبابها، فلم يأذن لهن رسول الله ﷺ بالخروج بغير جلباب.
روى أبو داود من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مُحْرِمَات مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِذَا حَاذَوا بِنَا، سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ رَأْسِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» (٢)، فمعنى قولها: فإذا حاذوا بنا، تعني الركبان، سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه دليل على وجوب ستر الوجه، لأن المشروع في الإحرام كشفه، فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذ لوجب بقاؤه مكشوفاً" (٣).
وقد شنت بعض الدول الغربية حملة على المحجبات، ففي فرنسا مُنعت الطالبات المسلمات من ارتداء غطاء الرأس في مقاعد الدراسة، وكذلك في الشارع العام، وفرضت غرامة مالية على كل امرأة متحجبة.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
стр. 38
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: ما الزي الإسلامي بالنسبة للمرأة؟
الجواب: الزي الإسلامي بالنسبة للمرأة: أن تستر جميع بدنها عن الرجال غير المحارم، بثياب ضافية واسعة غير شفافة، ليس فيها زينة، وأن تغطي وجهها عن الرجال؛ لأن وجهها هو موضع الفتنة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والمراد بالحجاب الستر الذي يحصل به ستر جميع بدن المرأة عن الرجال، بما في ذلك وجهها، وقال تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. والخمار: غطاء الرأس، أمر الله سبحانه بإضفائه على النحر، وهو: فتحة الجيب على الصدر، ويلزم من ذلك أن يمر بالوجه ويستره، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب الحجاب (١).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
أعضاء ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد/ عبدالعزيز آل الشيخ/ صالح الفوزان/ عبدالله بن غديان/ عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز
стр. 39
كما سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، سائلة تقول: امرأة مسلمة أمريكية ليس لها من يعولها وتضطر للعمل في أماكن مختلفة وبدون حجاب، ولكن تلبس الحجاب خارج وقت العمل، فما الحكم؟
الجواب: لا يجوز للمسلمة أن تعمل في مكان فيه اختلاط بالرجال، والواجب الالتزام بالحجاب الشرعي، والبعد عن مجامع الرجال، والبحث عن عمل مباح ليس فيه شيء مما حرم الله، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، والله جل شأنه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (١).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز
стр. 40
خامساً: الاختلاط
اختلاط النساء بالرجال من البلايا والفتن العظيمة التي وقعت بالمجتمعات الإنسانية سواء المجتمعات الكافرة منها، أو المسلمة.
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: (وكان النساء في عهد النبي ﷺ لا يختلطن بالرجال لا في المساجد، ولا في الأسواق، الاختلاط الذي ينهى عنه المصلحون اليوم، ويرشد القرآن والسنة وعلماء الأمة إلى التحذير منه حذراً من فتنته، بل كان النساء في مسجده ﷺ يصلين خلف الرجال في صفوف متأخرة عن الرجال، وكان يقول: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (١)، حذراً من افتتان آخر صفوف الرجال بأول صفوف النساء، وكان الرجال في عهده ﵊ يؤمرون بالتريُّث في الانصراف، حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد، لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المسجد، مع ما هم عليه جميعاً رجالاً ونساءً من الإيمان والتقوى، فكيف بحال من بعدهم؟!
وكان النبي ﷺ ينهاهن أن يمشين في سط الطريق، ويؤمرن