← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 6275

الفروسية المحمدية - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (422 стр.). Показаны 386–422 · переход к 391.

стр. 386

فاستد وَكَذَلِكَ إِذا غمز السبابَة على السهْم غمزا فَاحِشا يعوج السهْم وَهُوَ فِي الْقوس لَا سِيمَا إِن كَانَ شقّ الفوق وَاسِعًا فَإِذا خرج السهْم من الْقوس رَجَعَ مستويا فِي سيره فَخفت الْعلَّة فاستد السهْم وَكَذَلِكَ من ضعف الرَّامِي وَشدَّة الْقوس تعتريه عُيُوب كَثِيرَة فليحذر الرَّامِي كل الحذر أَن يَرْمِي بقوس فَوق مِقْدَاره فَإِنَّهُ تكْثر عيوبه وتقل نكايته وتعتريه فِي نَفسه عُيُوب كَثِيرَة وَمن كَمَال حذق الرَّامِي عِنْد اهل الصِّنَاعَة أَن يَأْخُذ قوسا دون مِقْدَاره فصل فِي عقر الْإِبْهَام بِالسَّهْمِ وَقت الْجَرّ وعلاجه عقرهَا يكون فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أَحدهَا فِي عقدَة الْإِبْهَام الثَّانِي فِي الْعقْدَة الَّتِي فِي أصل الْإِبْهَام الثَّالِث فِي اللَّحْم الناتئ بَين الأصبعين السبابَة والإبهام فِي أصل القبضة فَأَما عقرهَا فِي عقدَة الْإِبْهَام [فَيكون من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن يشد اصبعه على القبضة بالإبهام] والسبابة الثَّانِي من رفع عقدَة إبهامه وَقت الْجَرّ الثَّالِث أَن يَجْعَل إبهامه على سبابته فِي الْجَرّ فَإِن تمكن من شدّ

стр. 387

أصبعيه لينهما وَإِن تمكن من تصعيد إبهامه على سبابته جعلهَا متوسطة كَأَنَّهُ عَاقد على ثَلَاثِينَ وَأما عقرهَا فِي الْعقْدَة الثَّانِيَة الَّتِي فِي أصل الْإِبْهَام فَإِنَّهُ يكون من ثَلَاثَة اسباب أَحدهَا دقة المقبض وسعة الْكَفّ الثَّانِي سوء الْقَبْض الثَّالِث قيام بَيت الْإِسْقَاط فِي قوسه [و] علوه على بَيت الرَّمْي فَإِن كَانَ من دقة المقبض اصلحه بِمَا تقدم وَإِن كَانَ من بَيت الْقوس أدناه على نَار لينَة وَإِن كَانَ من سوء المقبض فعلاجه بإصلاح ذَلِك وَأما عقرهَا عِنْد أصل الْإِبْهَام بَينه وَبَين السبابَة فَمن وَجْهَيْن أَحدهمَا فَسَاد قَبضته وإشباعها الثَّانِي من تسفل فَوق السهْم جدا فَإِن كَانَ من إشباع يَده فِي مقبضه أصلحه بِمَا تقدم وَإِن كَانَ من السهْم جعله فِي كبد الْقوس فِي نصف الْوتر وَعلم [فِي] مَوضِع عَلامَة لَا يخطئها كل رمية [فصل فِي] ذكر أَرْكَان الرَّمْي الْخَمْسَة وَصفَة كل وَاحِد مِنْهَا وَالِاخْتِلَاف قد تقدم أَن أَرْكَانه الْقَبْض وَالْعقد وَالْمدّ وَالْإِطْلَاق وَالنَّظَر

стр. 388

وَنحن نذكرها مفصلة مبينَة فَأَما الْقَبْض فَاخْتلف الرُّمَاة فِيهِ فَمنهمْ من يقبض على مقبض الْقوس بِجَمِيعِ كَفه وَيدْفَع بزنده جَمِيعًا وَهَذَا مَذْهَب طَاهِر وَمِنْهُم من يحرف المقبض فِي كَفه تحريفا شَدِيدا ويشد أُصْبُعه وَيدْفَع بزنده الْأَسْفَل وَيتْرك بَين زنده الْأَسْفَل [والقبضة] فِي الْكَفّ مِقْدَار عرض أصبعين وعَلى هَذَا جمَاعَة الْفرس كسابور ذِي الأكتاف وبهرام جور وَغَيرهمَا وَهُوَ مَذْهَب أبي هَاشم وَمِنْهُم من يتوسط بَينهمَا وَهُوَ مَذْهَب إِسْحَاق الرفاء وَيجْعَل بَين القبضة وزنده الْأَسْفَل عرض أصْبع وَهُوَ أَجود الْمذَاهب وأحسنها عِنْد حذاق الرُّمَاة وَقد ذكر عَن طَاهِر أَنه يَجْعَل مقبض الْقوس على أصُول أَصَابِعه والقبضة مستوية وَقد ذكر عَنهُ أَنه كَانَ يَجْعَل الْقوس على أصُول اصابعه وَهِي محرفة وزنده مستو وَهَذَا أحسن الْمذَاهب عِنْدهم وَعَلِيهِ الْعُمْدَة قَالَ بعض الحذاق من قَالَ باستواء القبضة شدّ جَمِيع اصابعه شدا وَاحِدًا وَدفع بزنديه جَمِيعًا وَهَذَا الرَّمْي حسن للأغراض الْقَرِيبَة وَرمي الشَّيْء الدَّقِيق من قرب غير أَن صَاحبه لَا يسلم من مس الْوتر ذراعه وَهُوَ ضَعِيف الرَّمْي وَمن قَالَ بالتحريف كَانَ أنكى لَهُ وَأطْرد للسهم وَأحسن للرمي

стр. 389

وَأقوى لَهُ وَهُوَ جيد للفارس والراجل ولرمي الْحُصُون والأسوار وَالرَّمْي العالي كُله وَهُوَ أقل إِصَابَة وَمن قَالَ بالتوسط بَينهمَا لم يشْبع كَفه فِي المقبض وَلَا يحرف كَفه أَيْضا تحريفا شَدِيدا قَالَ وَالْأَحْسَن فِي هَذَا كُله أَن تَأْخُذ الْقوس بكفك فتضع مقبضها عِنْد أصُول أصابعك وَتدْخل لحم راحتك كُله فِي المقبض وتشد الْخِنْصر والبنصر وَالْوُسْطَى شدا عنيفا على ترتيبها الْخِنْصر أَشد ثمَّ البنصر ثمَّ الْوُسْطَى وتترك أصبعيك الْإِبْهَام والسبابة لينتين فَتكون كَأَنَّك عَاقد مئتين بهما وَتدْخل زندك الْأَعْلَى وتسوي الْأَسْفَل وتترك بَين زندك الْأَسْفَل وَبَين القبضة عرض أصْبع فتزول عَنْك جَمِيع الْعِلَل بذلك وَبِالْجُمْلَةِ فالاستواء للْعَرَب والتحريف للعجم وَأجْمع أَرْبَاب الْمذَاهب أَنه لَا يَنْبَغِي للقبضة أَن يكون مِنْهَا مَوضِع خَال وَأَجْمعُوا على أَن شدَّة سير السهْم من شدَّة القبضة إِلَّا شرذمة جهلت فَقَالَت إِن استرخاء القبضة أحد للسهم وَقَالَ الْأُسْتَاذ مُحَمَّد بن يُوسُف والأجود أَن لَا يشد القبضة أَولا ويشدها آخرا وَهَؤُلَاء الَّذين اخْتلفُوا فِي ذَلِك هَل اخْتلفُوا فِي جنس وَاحِد من القسي أم فِي أَجنَاس وَفِي كف وَاحِدَة أم فِي أكف شَتَّى

стр. 390

وَلَا ريب أَنَّك تَجِد قوسا قبضتها مربعة وتجد قوسا قبضتها مُدَوَّرَة وقوسا بَين المدورة والمربعة وَأما القبضة المربعة فَهِيَ قبضات الْعَجم والتحريف لَهُم جيد والاستواء يبطل الرَّمْي بهَا وَأما القبضة المدورة فَهِيَ قبضات الْعَرَب والتحريف يبطل الرَّمْي بهَا وَأما المتوسطة فيتوسط لَهَا وَلكُل قَوس قَبْضَة وَلكُل كف قَبْضَة فَمن كَانَت كفة كَبِيرَة فالأصلح لَهُ من القبضات الدقيقة والمتوسطة للكف الْمُتَوَسّط وَاخْتِيَار المقبض فِي الْكَفّ أَن يقبض بِجَمِيعِ كَفه وَيدخل لحم رَاحَته فِي كَفه فَإِن لحقت أَطْرَاف اصابعه لكفه فالمقبض صَغِير على الْكَفّ فَلَا يصلح لَهُ بِهِ رمي ويدخله الْعَيْب إِن رمى بِهِ وَكَذَلِكَ إِن كَانَت الْقوس غَلِيظَة المقبض على الْكَفّ وَحكم القبضة أَن تقبض عَلَيْهَا بِجَمِيعِ كفك فَإِن بَقِي بَين أصابعك مِقْدَار عرض نصف اصبع فَهُوَ حسن فَإِن زَاد أَو نقص فَلَا خير فِيهِ ذكر العقد ووجوهه [أَقْوَال] النَّاس فِي العقد على الْوتر على تِسْعَة أَقسَام أَحدهَا وَهُوَ الصَّحِيح الْجيد الْقوي أَن يعْقد ثَلَاثًا وَسِتِّينَ الثَّانِي تِسْعَة وَسِتِّينَ وعَلى هذَيْن الْعقْدَيْنِ جَمِيع الأساورة والأكاسرة وَالْأول عِنْدهم أصح وَأثبت الثَّالِث أَن يعْقد ثَلَاثَة وَسبعين الرَّابِع أَن يعْقد ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ

стр. 391

الْخَامِس أَن يعْقد أَرْبَعَة وَعشْرين السَّادِس أَن يعْقد إِحْدَى وَعشْرين وعَلى هَذَا أَكثر التّرْك وَالروم لأَنهم يرْمونَ بقوس لينَة وَبِغير اصل فيعقدون كَيْفَمَا تيَسّر عَلَيْهِم [و] السَّابِع عقد يُسمى الرديف وَهُوَ أَن يعْقد اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ مُمكنَة ويلقي الْوُسْطَى مَعَ السبابَة على الْإِبْهَام وَهَذَا العقد جيد لجبذ الْقوس الصلبة لَكِنَّهَا بطيئة الْإِطْلَاق الثَّامِن أَن يَجْعَل أَصَابِعه الثَّلَاثَة الْخِنْصر والبنصر وَالْوُسْطَى فِي الْوتر وَيجْعَل السبابَة ممدودة مَعَ طول السهْم ولاحظ للابهام هُنَا وَهَذَا عقد جَمِيع الصقالبة واليهم ينْسب ويصنعون للأصابع الثَّلَاث كشتبانات الذَّهَب وَالْفِضَّة والنحاس وَالْحَدِيد والقوس على هَذِه الصّفة واقفة لَا رَاقِدَة التَّاسِع أَن يجبذ بالأربعة أَصَابِع بالسبابة وَالْوُسْطَى والخنصر والبنصر وَهُوَ مَذْهَب الْعَرَب القدماء فِي الْجَاهِلِيَّة وَمِنْهُم من [كَانَ] يجبذ بِهَذِهِ الْأَصَابِع والقوس رَاقِدَة وَيجْعَل السهْم بَين الْوُسْطَى والبنصر ويجبذون إِلَى صُدُورهمْ وَعَلَيْهَا أَكثر باديتهم وَقَالَ بعض الْأَئِمَّة وَهَذِه العقد كلهَا خطأ إِلَّا عقدَة ثَلَاثَة وَسِتِّينَ وَرُبمَا دعت الْحَاجة والضرورة إِلَى اسْتِعْمَال بَعْضهَا لحادث حدث فِي الْإِبْهَام وَغَيرهَا فَيَنْبَغِي تعلمهَا أَو بَعْضهَا وَمن أَرَادَ الْقُوَّة والشدة والسرعة فَعَلَيهِ بِعقد ثَلَاث وَسِتِّينَ ثمَّ من الرُّمَاة من قَالَ أكتم أظفاري كتمانا بَالغا وَأَجْعَل الْوتر من

стр. 392

الْإِبْهَام فِي مفصلها مستويا غير محرف وَمِنْهُم من قَالَ اكتم أظفاري كتمانا شَدِيدا وَأَجْعَل الْوتر فِي مفصل الْإِبْهَام وأحرفه قَلِيلا وَكِلَاهُمَا جيد حسن فالاستواء أقوى للمد والتحريف أسْرع لخُرُوج السهْم وَمِنْهُم من يَجْعَل الْوتر قُدَّام الْجَرّ فِي مفصل الْإِبْهَام قَلِيلا وَهُوَ أحسن الْمذَاهب وأسرع افلاتا من الأول وَالثَّانِي وَأطْرد للسهم فصل [منشأ السرعة والبعد عِنْد الرُّمَاة] وَعند الرُّمَاة [أَن الْقُوَّة] السرعة والبعد إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِبْهَام من العقد بِالْيَمِينِ وَفِي الْقَبْض بالشمال فعلَيْهِمَا مدَار الشدَّة وَلكُل أصْبع عقد كَمَا أَن لكل كف قَبْضَة فَإِذا كَانَ المتعلم للرمي طَوِيل الْأَصَابِع أَو قصيرها فاختر لَهُ من هَذِه الْمذَاهب أولاها باصابعه وأوفقها لرميه وأبعدها آفَة عَن جِسْمه فصل [أَنْوَاع تركيب السبابَة على الْإِبْهَام] تركيب السبابَة على الابهام ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا أَن تركب السبابَة فَيصير طرفها على الْوتر الثَّانِي أَن تركبها فَتَصِير خَارج الْوتر الثَّالِث أَن تركبها فَتكون دَاخل الْوتر

стр. 393

فمذهب سَابُور وبهرام جور وَغَيرهمَا أَن تكون السبابَة خَارج الْوتر [و] اخْتَارَهُ أَبُو هَاشم وَهُوَ الرَّمْي الْقَدِيم وَهُوَ جيد للأقواس الصلبة وَمذهب طَاهِر وحذاق أهل هَذِه الصِّنَاعَة أَن تكون على الْوتر وَهَذَا أحد للسهم واسرع للافلات وَمذهب إِسْحَاق أَن تكون السبابَة دَاخل الْوتر وَقَالَ بعض الرُّمَاة من قَالَ بتحريف العقد طَالَتْ سبابته وَقصرت ابهامه فَصَارَت السبابَة من دَاخل الْوتر وَمن قَالَ باستواء العقد قصرت سبابته وطالت ابهامه فَصَارَت السبابَة خَارج الْوتر وَمن توَسط بَين المذهبين صَارَت السبابَة على الْوتر وَحكم السبابَة أَن تجْعَل على ثُلثي اللَّحْم وَالثلث على الظفرة وَيكون نصفهَا على الْوتر والصنف الثَّانِي خَارج عَنهُ وَيكون فَوق السهْم مِمَّا يَلِي السبابَة وَلَا يطولها تَطْوِيلًا وَلَا يقصرها كثيرا لِأَن السبابَة إِن كَانَت من دَاخل الْوتر طَوِيلَة ضربت الْوتر فِي عرض أُصْبُعه وَقت الْإِطْلَاق وَإِن كَانَت مستوية طَوِيلَة على الْوتر ضربت الْوتر وَقت الاطلاق ايضا فعقرته وان كَانَت مطرفة جدا ضعف مده وافلت السهْم عَن أُصْبُعه قبل الْوَفَاء وَكَذَلِكَ لَا يَجْعَل السبابَة على ظفره الْإِبْهَام فَإِن الظفر يسود وَمن كشف ظفره كُله كَانَ أقوى على الْقوس الصلبة وَلكنه أَبْطَأَ أَيْضا اطلاقا

стр. 394

فصل [لَا يَنْبَغِي للرامي أَن يقلم أظافر يَده الْيُمْنَى] وَلَا يَنْبَغِي للرامي أَن يقلم أظافر يَده الْيُمْنَى بل يَتْرُكهَا موفرة لِأَنَّهُ إِذا استأصل قطعهَا ضغطها الْوتر وَقت الجبذ فَخرج الدَّم بني الظفر وَاللَّحم وَالتَّحْقِيق أَن لكل يَد عقد وَلكُل وَجه عمل وَلكُل حَال عتاد وَلكُل مقَام مقَال وكل ميسر لما هيئ لَهُ وأعين عَلَيْهِ فصل فِي القفلة بالأصابع الثَّلَاث من الْيَد الْيُمْنَى من الرُّمَاة من يستر أظافره الثَّلَاثَة حَتَّى لَا ترى وَيجْعَل داخلها مجوفا وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا غير مجوفة وَاحْمَدْ المذهبين مَذْهَب من يكتمها حَتَّى تكَاد اصابعه تقطر دَمًا من شدتها وتجوفها وَقد كَانَت حذاق الرُّمَاة تامر تلاميذها أَن يجْعَلُوا فِي أكفهم صنجة صَغِيرَة ويقفلوا عَلَيْهَا فَإِن سَقَطت من كف أحدهم أدبة عَلَيْهَا وَكَانُوا يفتخرون بذلك وَكَانُوا يأمرونهم أَن لَا يخلوا القفلة بالأصابع الثَّلَاث من الْيَد الْيُمْنَى وَلَا القبضة من الْيَد الْيُسْرَى حَتَّى يكمل رميهم فَإِذا كمل حطوا الْقوس وفتحوا أكفهم وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَن يُغير جُلُوسه إِلَّا عِنْد

стр. 395

عيب يظْهر لَهُ وشده أَصَابِع الْكَفّ الْيُمْنَى فِي القفلة واليسرى فِي القبضة اسرع للسهم وأنكى للرمي واقوى وأنفذ وَأكْثر عُيُوب الرَّامِي من الْيَد الْيُمْنَى وسداد الرَّمْي فِي الْيُسْرَى وملاحته فِي الْيُمْنَى وَحسن الرَّمْي فِي الْقعُود وَالْوُقُوف والإصابة فِي النّظر وملاك ذَلِك كُله المداومة والإدمان فَإِن التّرْك خوان ذكر الْمَدّ اخْتلفُوا فِي مد النشابة فَمنهمْ من يمدها إِلَى مشاش مَنْكِبه وَمِنْهُم من يمد إِلَى حَاجِبه الْأَيْمن وَمِنْهُم من يمد إِلَى شحمه أُذُنه وَمِنْهُم من يمد إِلَى آخر [عِظَام] لحييْهِ فَيجْرِي السهْم بَين شَفَتَيْه وَمِنْهُم من يمد إِلَى ذقنه وَمِنْهُم من يمد إِلَى نهده الْيُمْنَى هَذَا مَجْمُوع اخْتلَافهمْ فَأَما من يمد إِلَى مشاش مَنْكِبه فَهُوَ الْمَذْهَب الْقَدِيم وَذَلِكَ أَنهم يَجْلِسُونَ منحرفين فَيطول نشابهم على هَذَا الجبذ وَمن هُنَا قَالُوا إِن طول النشابة اثْنَتَا عشرَة قَبْضَة وَهُوَ كثير النكاية وَقل من يَرْمِي بِهِ أَو يُحسنهُ وَهُوَ يحدث للرامي عيوبا كَثِيرَة فصل وَأما الْمَدّ إِلَى الْحَاجِب الْأَيْمن فَهُوَ مَذْهَب إِدْرِيس وَهُوَ جيد وَبِه يطول النشابة وَفِيه قُوَّة كَثِيرَة للمد إِلَّا أَن نشابته تمر محطوطة أبدا وَهُوَ جيد لمن يَرْمِي الْحُصُون والسواء والواضع المرتفعة وَلَيْسَ بجيد للقرطاس وَهُوَ من الرَّمْي الْقَدِيم ايضا

стр. 396

فصل وَأما الْمَدّ إِلَى شحمه الاذن فَهُوَ مَذْهَب بسطَام وَهُوَ جيد جدا وَلَيْسَ فِي الْمذَاهب الْقَدِيمَة أَحْمد من هولا أحسن عَاقِبَة أَلا ان نشابته أقصر من أَن يمد إِلَى مشاش الْمنْكب والحاجب وَغير أَنه أَكثر إِصَابَة من الْأَوَّلين. وَأما من يمد إِلَى آخر عِظَام لحييْهِ وَيجْرِي السهْم على شَفَتَيْه فَهُوَ مَذْهَب أهل الاسْتوَاء وَعَلِيهِ جمَاعَة من رُمَاة خُرَاسَان وَهُوَ [أَيْضا] مَذْهَب اسحاق وطاهر وَغَيرهمَا من حذاق الصِّنَاعَة وَمعنى الاسْتوَاء أَن يكون أصل السهْم مَعَ مفرقة فِي حَال اسْتِوَاء لَا ينحط مِنْهُمَا وَاحِدًا وَلَا يرْتَفع وَلَيْسَ فِي جَمِيع الْمذَاهب أحسن مِنْهُ وَهُوَ رمي قَلِيل الْآفَات كثير الاصابة وَعَلِيهِ [حذاق] الرُّمَاة بالغرب وَغَيره وَأما الْمَدّ إِلَى الذقن أَو الصَّدْر فخطأ فَاحش لَا خير فِيهِ وَبِه تقل الْإِصَابَة وتكثر الْعُيُوب ذكر النّظر وَأَحْكَامه اخْتلف حذاق الرَّمْي فِي النّظر إِلَى المرمى اخْتِلَافا كثيرا لعلوه وشرفه وَعَلِيهِ عُمْدَة الرَّمْي وهم عَلَيْهِ على ثَلَاثَة أَقسَام ثمَّ تتفرع إِلَى سِتَّة الأول من الثَّلَاثَة النّظر من خَارج الْقوس وَالثَّانِي من دَاخل الْقوس وَالثَّالِث من داخلها وخارجها

стр. 397

وَاخْتلفُوا فِي النّظر هَل الأولى أَن يكون بالعينين جَمِيعًا أَو بِأَحَدِهِمَا فجمهور الرُّمَاة رجحوا النّظر بالعينين جَمِيعًا لِأَنَّهُ أتم وأكمل وَأقوى وَمِنْهُم من رجح النّظر بِعَين وَاحِدَة وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ إِذا كَانَ بِعَين وَاحِدَة كَانَ أجمع للنور الباصر وَأقوى لَهُ وَإِذا كَانَ بالعينين جَمِيعًا تفرق فِي وُصُوله إِلَى الْغَرَض فضعف قَالُوا فَإِن النَّاظر إِذا نظر بِعَين وَاحِدَة اجْتمع فِيهَا نور الْعَينَيْنِ مَعًا فَإِن النُّور الباصر ينزل من الدِّمَاغ على تقاطع صليبي فِي الْجَبْهَة فيفترق هُنَاكَ فِي منفذين إِلَى كل [عين] منفذ فَإِذا أغمض النَّاظر أحد عَيْنَيْهِ رَجَعَ قسطها من ذَلِك النُّور الباصر إِلَى الْعين الْأُخْرَى فيقوي نظره بهَا ضَرُورَة وَلِهَذَا تَجِد الْأَعْوَر قوي النّظر حديده وأرباب الصناعات إِذا أَرَادَ أحدهم امتحان أَمر بِالنّظرِ أغمض احدى عَيْنَيْهِ وَصوب الْأُخْرَى إِلَى المنظور اليه وَلِهَذَا كَانَت عين الْأَعْوَر فِي الشَّرْع قَائِمَة مقَام عينين فِي الديه فَإِذا فقئت عين العور فعلى الْجَانِي الدِّيَة كَامِلَة نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فَإِن قلع من لَهُ عينان عين الْأَعْوَر عمدا فَلهُ أَن يقْلع من عَيْنَيْهِ نَظِيره عينه وَيَأْخُذ مِنْهُ نصف الدِّيَة نَص عَلَيْهِ ايضا وَإِن قلع الْأَعْوَر عين الصَّحِيح الْمُمَاثلَة لعَينه الصَّحِيحَة عمدا فَلَا قَود عَلَيْهِ لِأَن الْقود يعميه وَعَلِيهِ الدِّيَة كَامِلَة وَقيل يقْلع عينه وَيُعْطِيه نصف الدِّيَة وَإِن قلع الْأَعْوَر عَيْني صَحِيح خيرناه بَين قلع عينه وَبَين أَخذ دِيَة عينه

стр. 398

فصل [النّظر من الدَّاخِل] وَالنَّظَر من الدَّاخِل يَقُولُونَ إِنَّه نظر (بهْرَام جور) وَإِن صورته الممثلة على الْجِدَار تُعْطِي كَأَنَّهُ ينظر من دَاخل الْقوس بالعينين جَمِيعًا وعينه فِي مَجِيء السهْم مَعَ الْعَلامَة لَا يُفَارق نظره ذَلِك فَإِذا رأى النصل على أُصْبُعه أطلق سَهْمه وَهُوَ رمي حسن عِنْدهم إِلَّا أَنه صَعب قَلِيل النكاية وَلَا يُمكن صَاحبه أَن يَرْمِي الرَّمْي الْقوي وَلَا يُمكن راميه أَن يجلس منحرفا بل متربعا فَتكون نشابته قَصِيرَة ورميه غير منكي وَهُوَ جيد لرمي الْأَغْرَاض الْقَرِيبَة والدقيقة فصل [أوجه النّظر من الْخَارِج] وَأما النّظر من خَارج فعلى ثَلَاثَة أوجه الْوَجْه الأول أَن يَجْعَل السهْم من خَارج الْقوس وَينظر بالعينين جَمِيعًا فِي الْعَلامَة ويعتمد بِالْعينِ الْيُسْرَى ثمَّ يختلس السهْم بِسُرْعَة فِي الْقوس الْوَجْه الثَّانِي أَن يَجْعَل النصل من خَارج الْقوس فِي الْعَلامَة وَينظر بِعَيْنِه الْيُسْرَى ويعتمد عَلَيْهَا وَيجْعَل عينه الْيُمْنَى فِي دستان الْقوس وَلَا

стр. 399

ينظر بهَا شَيْئا من الْعَلامَة مَعَ تَصْحِيحه بِالْعينِ الْيُسْرَى وعقدة أَصَابِع يَده الْيُسْرَى فِي وسط الْعَلامَة الْوَجْه الثَّالِث أَن يقلب نور عَيْنَيْهِ جَمِيعًا إِلَى عين وَاحِدَة فَتكون حدقة عينه الْيُسْرَى فِي مُؤخر عينه الْيُسْرَى وحدقة عينه الْيُمْنَى فِي مُقَدّمَة عينه الْيُمْنَى فَيصير نور حدقة عينه الْيُمْنَى إِلَى حدقة عينه الْيُسْرَى وَهَذَا النّظر يُسمى الْأَحول فَتَصِير العينان كَأَنَّهُمَا [عين] وَاحِدَة وَهُوَ مَحْمُود جدا فِي هَذَا الْمذَاهب وَهَذَا النّظر كُله جيد للفارس وَلمن يَرْمِي بِالسِّلَاحِ وَهُوَ شَدِيد النكاية لِأَن صَاحبه يجلس للعلامة منحرفا وَبِه يطول سَهْمه وتكثر نكايته وَلَا يَصح لَهُ أَن يجلس متربعا وَهُوَ النّظر الْقَدِيم وَعَلِيهِ الأكاسرة والأساورة وَأما النّظر إِلَى الْعَلامَة فَقَسمهُ النظرين جَمِيعًا بِأَن يَجْعَل النصل فِي الْعَلامَة بِالْعينِ الْيُسْرَى من خَارج الْقوس ويصحح نظره بِالْعينِ الْيُمْنَى إِلَى الْعَلامَة من دَاخل الْقوس بِحَيْثُ لَا يُفَارق النصل باليمنى وباليسرى إِلَى الْعَلامَة حَيْثُ يفلت وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يَجْعَل النصل فِي الْعَلامَة من خَارج الْقوس بالعينين فَإِذا بَقِي لَهُ من الْمَدّ قدر ثلث السهْم وَغَابَ عَن بَصَره النصل ترك عينه الْيُسْرَى فِي موضعهَا من الْعَلامَة وَينظر بِعَيْنِه الْيُمْنَى مَجِيء النصل على يَده من دَاخل الْقوس فَإِذا رأى النصل على أُصْبُعه أطلق وَهَذَا حسن جدا وَهُوَ أَكثر إِصَابَة وَأَقل آفَة وَصَاحبه يجلس بَين التحريف والتربيع فتذهب بذلك عَنهُ عُيُوب أهل التربيع وَأهل التحريف

стр. 400

مَعَ مَا فِيهِ من الْإِصَابَة ودقة النّظر فصل فِي ميزَان النّظر قَالَ بعض أَئِمَّة الرُّمَاة من أَرَادَ أَن يتَعَلَّم حَقِيقَة الْوَزْن فليأخذ سِرَاجًا يَجعله على بعد كَمَا يَجْعَل الْعَلامَة وَيَأْخُذ قوسا لينَة جدا فَهِيَ أمكن لَهُ وَيجْلس بَين التحريف والتربيع كَمَا يجلس للعلامة وَيجْعَل النصل فِي السراج وَلَا يزَال ينْزع فِي الْقوس وَيفتح عينا ويطبق أُخْرَى ويقتحهما جَمِيعًا ويمد إِلَى آخر السهْم وَينظر للسراج أبدا حَتَّى يَصح لَهُ فَإِن صَحَّ علم أَنه قد حصل على فَائِدَة جليلة وذخيرة عَظِيمَة فِي هَذِه الصِّنَاعَة فصل [المفاضلة بَين أهل التربيع وَأهل التحريف] وَاعْلَم ان خَارج الْقوس مِمَّا يَلِي الْيَسَار إِذا رميت بهَا والداخل مِمَّا يَلِي الْيَمين فَأهل التربيع يبطلون عمل أهل التحريف وَيَقُولُونَ إِنَّه يفْسد النّظر وَإِن جَمِيع السِّلَاح إِذا دخله التحريف أبْطلهُ وَأهل التحريف يبطلون عمل أهل التربيع وَيَقُولُونَ إِن التحريف أَكثر نكاية

стр. 401

وَإنَّهُ يبطل النشاب فَمنهمْ من حرف الْقوس إِحْدَى عشرَة قَبْضَة واثنتي عشرَة قَبْضَة وَأكْثر فصل فِي ميزَان آخر وَاعْلَم ان الْوَزْن على نَوْعَيْنِ فَمنهمْ من يزن أَولا وَيسْتَمر على وَزنه إِلَى حِين اطلاقه وَمِنْهُم من يزن آخرا فَأَما من يزن أَولا فعلى وَجْهَيْن ايضا أَحدهمَا أَن يَجْعَل النصل فِي الْعَلامَة ويحققه ويجبذ عَلَيْهِ من نظره إِلَى ذراعه الشمَال ومرفقه الْيُمْنَى فِي اعتدالهما واستوائهما وَهَذَا مَذْهَب طَاهِر الْوَجْه الثَّانِي أَن ينظر أَولا إِلَى الْعَامَّة فَإِذا جبذ من السهْم نصفه أَو اقل حَقَّقَهُ وَأطلق وَهَذَا أَحْمد النَّوْعَيْنِ وأعظمهما سدادا وَأما الَّذِي يزن آخرا فعلى نَوْعَيْنِ أَيْضا أَحدهمَا أَن لَا يخل بتحقيق الْوَزْن أَولا فَإِذا بَقِي لَهُم من السهْم قَبْضَة سكن تسكينه لَطِيفَة جدا واختلس السهْم بِسُرْعَة وَأطلق وَهَذَا النَّوْع حسن للحرب جدا الثَّانِي أَن يُحَقّق وَزنه [أَولا] فَإِذا بَقِي لَهُم من السهْم مِقْدَار قَبْضَة أَو أَكثر قَلِيلا حَقَّقَهُ أَيْضا ثَانِيَة واختلس سَهْمه وَأطْلقهُ بِسُرْعَة وَهَذَا النَّوْع جيد للأغراض وَغَيرهَا

стр. 402

[فصل فِي] ذكر الاطلاق ووجوهه الْإِطْلَاق على ثَلَاثَة أَنْوَاع المختلس والمفروك والمتمطي فالمختلس أَن يجبذ السهْم ثمَّ يسكن ثمَّ يختلسه اختلاسا شَدِيدا ويفلت أَصَابِعه فَيفتح الِاثْنَيْنِ السبابَة مَعَ الابهام وَهَذَا الْمَذْهَب فِيهِ سرعَة وَلَيْسَ سكونه عِنْد الافلات وَإِنَّمَا يسكن إِذا بقيت لَهُ قَبْضَة وَيفتح ذِرَاعَيْهِ جَمِيعًا ويميل وتر الْقوس إِلَى الأَرْض وَأما المفروك أَن يمد السهْم فَإِذا صَار النصل على أُصْبُعه سكن قَلِيلا بِمِقْدَار عدتين ثمَّ فرك يَده الْيُمْنَى فركة من حرف الْوتر فيحول يَده قَلِيلا فَيجْعَل الشق الَّذِي من بَين إبهامه والسبابة مَعَ خَدّه حاكا لَهُ وَأما المتمطي فَهُوَ أَن يمد السهْم فَإِذا علم بِالسَّهْمِ على أُصْبُعه سكن بِمِقْدَار عدتين وَأطلق ينفضه من الْوتر وَيكون جبذة أَولا وآخرا سَوَاء وَهَذَا الْمَذْهَب لمن ينظر من دَاخل الْقوس جيد والفركة من فَوق الْوتر لمن ينظر بالنظرين والاختلاس لمن ينظر من خَارج الْوتر وَلَا خلاف بَين الرُّمَاة أَن القبضة للوتر تكون بِشدَّة وَسُرْعَة دون تأن وَلَا لبث لِأَن فِيهَا الْقُوَّة والشدة والنفوذ فصل فِي مر السهْم على الْيَد وَهُوَ على أَرْبَعَة أَنْوَاع

стр. 403

مِنْهُم من يجريه على عقدَة إبهامه وَمِنْهُم من يجريه على سبابته ويميل إبهامه عَن السهْم وَمِنْهُم من يرفع إبهامه وَيجْعَل سبابته تحتهَا فَيصير كَأَنَّهُ عَاقد ثَلَاثَة عشر فَيجْرِي السهْم على ظفر إبهامه وَمِنْهُم من يجريها على طرفِي أصبعيه السبابَة والإبهام فَيكون كَأَنَّهُ عَاقد ثَلَاثِينَ فَمن أجراها على عقدَة إبهامه فَهُوَ عيب عِنْد الحذاق لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ان يضْربهُ فِيهِ الريش فيجرحه وَرُبمَا ضربه السهْم فعقر أُصْبُعه وَأما من يجريها على سبايته وَهُوَ أحسن قَلِيلا من الأول وَكِلَاهُمَا مَذْهَب أهل الأستواء فِي قَبضته وليسا بجيدين وَأما من يجريها على أصل ظفري أصبعيه الْإِبْهَام والسبابة كعاقد ثَلَاثِينَ فَهُوَ مَذْهَب التَّوَسُّط وَهُوَ أَحْمد الْمذَاهب واما من وقف إبهامه فيجريها على طرف ظفره كعاقد ثَلَاث عشرَة فَهُوَ مَذْهَب أهل التحريف وَهُوَ رَدِيء جدا لِأَن صَاحبه يحرف قَبضته تحريفا شَدِيدا وَيُوقف إبهامه فَإِن هُوَ أمال قوسه قَلِيلا سقط السهْم من على ظفره وَهُوَ رَدِيء فِي الْحَرْب لَا يكَاد يَسْتَقِيم لَهُ رمي لسرعة سُقُوطه سَهْمه ذكر [سَبَب] ارْتِفَاع السهْم فِي الجو ونزوله وسداده اخْتلف أهل الْعلم من الرُّمَاة فِي ذَلِك اخْتِلَافا متباينا وَنحن نذْكر أَقْوَالهم وَمَا فِيهَا ونبين الصَّحِيح مِنْهَا

стр. 404

فَقَالَت طَائِفَة سَبِيل السهْم إِذا خرج من كبد الْقوس أَن يقطع مَا بَينه وَبَين الْغَرَض فِي خطّ الاسْتوَاء بِغَيْر صعُود وَلَا هبوط بل محاذيا للموضع الَّذِي خرج مِنْهُ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ على خلاف ذَلِك فِي ارتفاعه ونزوله طلبنا عِلّة ذَلِك فرأيناه من وَاحِد من ثَلَاث إِمَّا من الْقوس وآفته فِيهِ وَإِمَّا من السهْم وَإِمَّا من الرَّامِي فَلَا بُد من آفَة خُفْيَة فِي وَاحِد من هَذِه الثَّلَاث وَردت طَائِفَة أُخْرَى هَذَا القَوْل وَقَالَت مَا رَأينَا راميا وَلَا نقل إِلَيْنَا إبدا أَنه رمي بِسَهْم فَقطع المدى فِي خطّ الأستواء محاذيا لموْضِع مخرجه لَا صاعدا وَلَا نازلا وَلم تخل الأَرْض من رام لَا آفَة فِي رميه وَلَا قوسه وَلَا سَهْمه بِحَيْثُ تجمع الرُّمَاة على اعْتِدَال الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة وسلامتها من كل عيب وَقَالَ آخَرُونَ الْعلَّة فِي الِارْتفَاع والانخفاض من جِهَة اخْتِلَاف بِنَاء الْقوس فَإِنَّهَا إِذا غلبت بَيتهَا الْأَعْلَى ارْتَفع السهْم فِي أول مداه وَإِذا غلب الْأَسْفَل ارْتَفع فِي آخر مداه ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنْهُم وَقَالُوا هَذَا لَا يَصح لأَنا نجد الْقوس المعتدلة الْبَيْتَيْنِ الصَّحِيحَة التَّرْكِيب بيد الرجل الحاذق فِي الرَّمْي يرْتَفع عَنْهَا السهْم جدا وَرُبمَا ارْتَفع أَكثر من ارْتِفَاع من هُوَ دونه وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لَيْسَ ارْتِفَاع السهْم من قبل الْقوس وَلَا الرَّامِي وَلَا من قبل السهْم فِي نَفسه بل من أَمر خَارج وَهُوَ الْهَوَاء [الْحَامِل لَهُ وَذَلِكَ أَن السهْم] إِذا كَانَ شَدِيدا [ثقيلا والقوس صلبة قطع الْهَوَاء و] مر سَادًّا وَإِن كَانَ خَفِيفا حمله الْهَوَاء فارتفع قَالَ وَالْحجّة على ذَلِك أَن الْمركب إِذا كَانَ ثقيلا غاص فِي المَاء وَإِن كَانَ خَفِيفا ارْتَفع والهواء للسهم مثل المَاء للمركب

стр. 405

ورد آخَرُونَ هَذَا القَوْل وَقَالُوا نجد السهْم الساد عَن الْقوس الصلبة فِي الْيَوْم السَّاكِن الْهَوَاء لَا بُد لَهُ من ارْتِفَاع عَن محاذاة مخرجه وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن ينصب حبلا مُعْتَرضًا فِي نصف [من] الأَرْض مُسَاوِيا لمخرج السهْم [ثمَّ يَرْمِي بِسَهْم سَاد عَن قَوس صلبة فَلَا بُد من أَن يرفع السهْم] عَنهُ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم الَّذِي صَحَّ عندنَا وكشفناه من عِلّة ارْتِفَاع السهْم ونزوله أَن سير السهْم لَا يتم إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا بدن الرَّامِي وقوته وَالثَّانِي قوسه وَالثَّالِث سَهْمه وكل وَاحِد ثلث الْعلَّة وَالدَّلِيل على هَذَا أَنَّك تَأْخُذ قوسا صلبة موترة لَا يمكنك الرَّمْي عَنْهَا فتفوق عَلَيْهَا سَهْما ثمَّ تمدها فتحنى الْوتر مَعَك يَسِيرا من غير أَن تنحني الْقوس ثمَّ تطلق فيمر السهْم أذرعا كَثِيرَة وَقد علمت أَن الْقوس لم يعْمل فِي السهْم شَيْئا لِأَنَّهَا لم تطاوعك وَإِنَّمَا خرج السهْم من الْوتر بنفضه الرَّامِي وقوته لَا بِالْقَوْسِ وَأما الثُّلُث [الَّذِي من قبل الْقوس فالدليل على اعْتِبَاره أَنَّك تَجِد السهْم فِي آخر الثُّلُث] الأول فِي ارْتِفَاع إِلَى اول الثُّلُث الثَّالِث فَيَأْخُذ فِي الهبوط وَذَلِكَ من قبل السهْم نَفسه لِأَن طبعه -[كَمَا علمت]- الهبوط وَكَانَ ارتفاعه أَولا بِالْقُوَّةِ الَّتِي أَفَادَهُ إِيَّاهَا الرَّامِي وَاعْتبر هَذَا بِالْحجرِ ترمي بِهِ إِلَى فَوق فَلَا يزَال صاعدا مَا دَامَت قُوَّة الرَّامِي تمده فاذا انتهك الْقُوَّة الَّتِي أمدته فِي الصعُود صَارَت حركته حِينَئِذٍ النُّزُول وَهِي الْحَرَكَة الطبيعية [لَهُ] وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى بل الْعلَّة الصَّحِيحَة فِي ذَلِك أَن الرَّامِي إِذا فَوق السهْم فِي قسْمَة مستوية لَا مُرْتَفعَة وَلَا منخفضة كَانَ العقد تَحت

стр. 406

الفوق أَسْفَل من ذيل الْقوس فَإِذا مد وَاسْتوْفى وَقعت شدَّة الغمز فِي الْإِطْلَاق تَحت الفوق فَلَا بُد لصدر السهْم من أَن يرْتَفع يَسِيرا بِالضَّرُورَةِ فارتفع صَدره يَسِيرا هُوَ الَّذِي أكسبه ذَلِك الِارْتفَاع الْكثير فِي طَرِيق سيره وَهَذَا وَاضح وَالله أعلم فصل فِي مدح الْقُوَّة والشجاعة وذم الْعَجز والجبن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ [الْأَنْفَال ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى فِي حق الْمُؤمنِينَ ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ [الْفَتْح ٢٩] وَقَالَ فيهم ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾ [الْمَائِدَة ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم﴾ [النِّسَاء ١٠٤] أَي لَا تضعفوا وَقَالَ ﴿وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ [آل عمرَان ١٣٩] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي [كل] خير أحرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز

стр. 407

وَكَانَ النَّبِي ﷺ يتَعَوَّذ [بِاللَّه] من الْجُبْن والجبن خلق مَذْمُوم عِنْد جَمِيع الْخلق وَأهل الْجُبْن هم أهل سوء الظَّن بِاللَّه وَأهل الشجَاعَة والجود هُوَ أهل حسن الظَّن بِاللَّه كَمَا قَالَ بعض الْحُكَمَاء فِي وَصيته عَلَيْكُم بِأَهْل السخاء والشجاعة فَإِنَّهُم أهل حسن الظَّن بِاللَّه والشجاعة جنَّة للرجل من المكاره والجبن إِعَانَة مِنْهُ لعَدوه على نَفسه فَهُوَ جند وَسلَاح يُعْطِيهِ عدوه ليحاربه [بِهِ] و [قد] قَالَت الْعَرَب الشجَاعَة وقاية والجبن مقتلة وَقد أكذب الله سُبْحَانَهُ أطماع الْجُبَنَاء فِي ظنهم أَن جبنهم ينجيهم من الْقَتْل وَالْمَوْت فَقَالَ [الله] تَعَالَى: ﴿قل لن ينفعكم الْفِرَار إِن فررتم من الْمَوْت أَو الْقَتْل﴾ [الْأَحْزَاب ١٦] وَلَقَد أحسن الْقَائِل [هُوَ قطري بن الْفُجَاءَة الساري] (أَقُول لَهَا وَقد طارت شعاعا ... من الْأَبْطَال وَيحك لن تراعي)

стр. 408

(فَإنَّك لَو سَأَلت بَقَاء يَوْم ... على الْأَجَل الَّذِي لَك لن تطاعي) (فصبرا فِي مجَال الْمَوْت صبرا ... فَمَا نيل الخلود بمستطاع) (وَمَا ثوب الْحَيَاة بِثَوْب عز ... فيطوي عَن أخي الخنع اليراع) (سَبِيل الْمَوْت غَايَة كل حَيّ ... وداعيه لأهل الأَرْض دَاعِي) (وَمن لم يعتبط يسام ويهرم ... وتسلمه الْمنون إِلَى انْقِطَاع) (وَمَا للمرء خير فِي حَيَاة ... إِذا مَا عد من سقط الْمَتَاع) وَاعْتبر ذَلِك [فِي معارك الحروب] بِأَن من يقتل مُدبرا أَكثر مِمَّن يقتل مُقبلا

стр. 409

وَفِي وَصِيَّة أبي بكر الصّديق بن الْوَلِيد احرص على الْمَوْت توهب لَك الْحَيَاة وَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد حضرت كَذَا وَكَذَا زحفا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَمَا فِي جَسَدِي مَوضِع إِلَّا وَفِيه طعنة بِرُمْح أَو ضَرْبَة بِسيف وَهَا أَنا [ذَا] أَمُوت على فِرَاشِي فَلَا نَامَتْ أعين الْجُبَنَاء وَلَا ريب عِنْد كل عَاقل أَن اسْتِقْبَال الْمَوْت إِذا جَاءَك خير من استدباره [وَالله أعلم وَقد بَين هَذَا حسان بن ثَابت قَائِلا] (ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا تقطر الدما) وَقَالَ آخر [محققا هَذَا الْمَعْنى] :

стр. 410

(مُحرمَة أكفال خيلي على القنا ... ودامية لباتها ونحورها) (حرَام على أرماحنا طعن مُدبر ... وتندق مِنْهَا فِي الصُّدُور صدورها) وَكَانُوا يفتخرون بِالْمَوْتِ على غير فرَاش وَلما بلغ عبد الله بن الزبير قتل أَخِيه مُصعب قَالَ إِن يقتل فقد قتل أَخُوهُ وَأَبوهُ وَعَمه إِنَّا [وَالله] لَا نموت حتف أنفنا [و] لَكِن حتفنا بِالرِّمَاحِ وَتَحْت ظلال السيوف [ثمَّ تمثل بقول الْقَائِل] (وَإِنَّا لتستحلي المنايا نفوسنا ... وتترك أُخْرَى مرّة مَا تذوقها)

стр. 411

[وَفِي مثل هَذَا يَقُول السموأل من كادياء وَهُوَ فِي الحماسة] (وَمَا مَاتَ منا سيد فِي فرَاشه ... وَلَا طل منا حَيْثُ كَانَ قَتِيل) (تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وَلَيْسَت على غير الظبات تسيل) (وَإِنَّا لقوم لَا نرى الْقَتْل سبه ... إِذا مَا رَأَتْهُ عَامر وسلول) (إِذا قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَا ... خطانا إِلَى اعدائنا فتطول) وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر [بن الْحُسَيْن الْخُزَاعِيّ] (لست لريحان وَلَا رَاح ... وَلَا على الْجَار بتياح)

стр. 412

(فَإِن أردْت الْآن لي موقعا ... فَبين أسياف وأرماح) (ترى فَتى تَحت ظلال القنا ... يقبض أرواحا بأرواح) وَلَو لم يكن فِي الشجَاعَة إِلَّا أَن الشجاع يرد صيته واسْمه عَنهُ أَذَى الْخلق ويمنعهم من الْإِقْدَام عَلَيْهِ لكفى بهَا شرفا وفضلا كَمَا قَالَ عَمْرو ابْن براقه [وَكَانَ فاتكا مَشْهُورا بالاقدام والثبات] (كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تأخذونها ... مراغمة مَا دَامَ للسيف قَائِم) (مَتى تجمع الْقلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك الْمَظَالِم)

стр. 413

وَقَالَ تأبط شرا [الفاتك العداء واسْمه ثَابت] (قَلِيل التشكي للمهم يُصِيبهُ ... كثير الْهوى شَتَّى النَّوَى والمسالك) (يبيت بموماة ويضحي بِمِثْلِهَا ... جحيشا ويعروري ظُهُور المهالك) (ويسبق وَفد الرّيح من حَيْثُ تنتحي ... بمنخرق من شدَّة المتدارك) (إِذا حَاص عَيْنَيْهِ كرى النّوم لم يزل ... لَهُ كالىء من قلب شيحان فاتك) (إِذا هزه فِي عظم قرن تهللت ... نواجذ أَفْوَاه المنايا الضواحك) وَقَالَ أَبُو سعيد المَخْزُومِي وَكَانَ شجاعا [مَوْصُوفا بذلك] (وَمَا يُرِيد بَنو الأغيار من رجل ... بالجمر مكتحل بِاللَّيْلِ مُشْتَمل) (لَا يشرب المَاء إِلَّا من قليب دم ... وَلَا يبيت لَهُ جَار على وَجل)

стр. 414

فصل قَالَ عَمْرو بن معد يكرب الفزعات ثَلَاثَة فَمن كَانَت فزعته فِي رجلَيْهِ فَذَاك الَّذِي لَا تقله رِجْلَاهُ وَمن كَانَت فزعته فِي رَأسه فَذَاك الَّذِي يفر عَن أَبَوَيْهِ وَمن كَانَت فزعته فِي قلبه فَذَاك الَّذِي لَا يُقَاتل والجبن والشجاعة غرائز وأخلاق فالجبان يفر عَن عرسه والشجاع يُقَاتل عَن من لَا يعرفهُ كَمَا قَالَ [الشَّاعِر] (يفر جبان الْقَوْم من أم نَفسه ... ويحمي شُجَاع الْقَوْم من لَا يُنَاسِبه) والشجاع ضد الْبَخِيل لِأَن الْبَخِيل يضن بِمَالِه والشجاع يجود بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ الْقَائِل (كم بَين قوم [إِنَّمَا] نفقاتهم ... مَال وَقوم يُنْفقُونَ نفوسا)

стр. 415

وَقَالَ الآخر (تجود بِالنَّفسِ إِن ضن الْجواد بهَا ... والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود) [و] هَذَا غير مطرد فِي بني آدم فَإِنَّهُم على ارْبَعْ طَبَقَات فَمنهمْ الْجواد الشجاع يجود بِمَالِه وَنَفسه وَمِنْهُم الْبَخِيل الجبان وَمِنْهُم الْجواد الجبان يجود بِمَالِه ويضن بِنَفسِهِ وَمِنْهُم الشجاع الْبَخِيل فَإِنَّهُ منح خلق الشجَاعَة وَحرم خلق الْجُود فَإِن الْأَخْلَاق مواهب يهب الله مِنْهَا مَا يَشَاء لمن يَشَاء ويجبل خلقه على مَا يُرِيد مِنْهَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لأشجع عبد الْقَيْس إِن فِيك خلقين يحبهما الله الْحلم والأناة قَالَ خلقين تخلقت بهما أم جبلت عَلَيْهِمَا قَالَ بل جبلت عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْحَمد

стр. 416

لله الَّذِي جلبني على مَا يحب وَمن هُنَا يظْهر أَنه لَا تلازم بَين الشجَاعَة والجود كَمَا ظَنّه بعض النَّاس وَإِن كَانَت الْأَخْلَاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غَالِبا وَكَذَلِكَ الْأَخْلَاق الدنيئة فصل [الْفرق بَين الشجَاعَة وَالْقُوَّة] وَكثير من النَّاس تشتبه عَلَيْهِ الشجَاعَة بِالْقُوَّةِ وهما متغايران فَإِن الشجَاعَة [هِيَ] ثبات الْقلب عِنْد النَّوَازِل وَإِن كَانَ ضَعِيف الْبَطْش وَكَانَ الصّديق ﵁ أَشْجَع الْأمة بعد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ عمر وَغَيره أقوى مِنْهُ وَلَكِن برز على الصَّحَابَة كلهم بثبات قلبه فِي كل موطن من المواطن الَّتِي تزلزل الْجبَال وَهُوَ فِي ذَلِك ثَابت الْقلب ربيط الجاش يلوذ بِهِ شجعان الصَّحَابَة وابطالهم فيثبتهم ويشجعهم وَلَو لم يكن [لَهُ] الا ثبات قلبه يَوْم الْغَار وَلَيْلَته وثبات قلبه يَوْم بدر وَهُوَ يَقُول للنَّبِي ﷺ يَا رَسُول الله كَفاك [بعض] مُنَاشَدَتك رَبك فَإِنَّهُ منجر لَك

стр. 417

مَا وَعدك وثبات قلبه يَوْم أحد وَقد صرخَ الشَّيْطَان فِي النَّاس بِأَن مُحَمَّدًا قد قتل وَلم يبْق أحد مَعَ [رَسُول الله ﷺ الا دون عشْرين فِي] أحد وَهُوَ مَعَ ذَلِك ثَابت الْقلب سَاكن الجأش وثبات قلبه [يَوْم الخَنْدَق وَقد زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وثبات قلبه] يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقد قلق فَارس الاسلام عمر بن الْخطاب حَتَّى إِن الصّديق ليثبته ويسكنه ويطمئنه وثبات قلبه يَوْم حنين حَيْثُ فر النَّاس وَهُوَ لم يفر وثبات قلبه حِين النَّازِلَة الَّتِي اهتزت لَهَا الدُّنْيَا أجمع وكادت تَزُول لَهَا الْجبَال وعقرت لَهَا أَقْدَام الْأَبْطَال وَمَاجَتْ لَهَا قُلُوب أهل الْإِسْلَام كموج الْبَحْر عِنْد هبوب قواصف الرِّيَاح وَصَاح [لَهَا] الشَّيْطَان فِي أقطار الأَرْض أبلغ الصياح وَخرج النَّاس بهَا من دين الله أَفْوَاجًا وأثار عَدو الله بهَا أقطار الأَرْض عجاجا وَانْقطع [لَهَا] الْوَحْي من السَّمَاء وَكَاد لَوْلَا دفاع الله لطمس نُجُوم الاهتداء وَأنْكرت الصَّحَابَة بهَا قُلُوبهم وَكَيف لَا وَقد فقدوا رسولهم من بَين أظهرهم وحبيبهم وطاشت الأحلام وَغشيَ الْآفَاق مَا غشيها من الظلام وشرأب النِّفَاق وَمد أَهله الاعناق وَرفع الْبَاطِل رَأْسا كَانَ تَحت قدم الرَّسُول ﷺ مَوْضُوعا وَسمع الْمُسلمُونَ من أَعدَاء الله مَا لم يكن فِي حَيَاته بَينهم مسموعا وطمع عَدو الله أَن يُعِيد النَّاس إِلَى عبَادَة الْأَصْنَام وَأَن يصرف وُجُوههم عَن الْبَيْت الْحَرَام وَأَن يصد قُلُوبهم عَن الايمان وَالْقُرْآن ويدعوهم إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ من التهود والتمجس والشرك وَعبادَة الصلبان

стр. 418

فشمر الصّديق ﵁ من جده عَن سَاق غير خوار وانتضى سيف عزمه الَّذِي هُوَ ثَانِي ذِي الفقار وامتطى من ظُهُور [عَزَائِمه] جوادا لم يكن يكبو يَوْم السباق وَتقدم جنود الاسلام فَكَانَ أفرسهم إِنَّمَا همه اللحاق وَقَالَ وَالله لأجاهدن أَعدَاء الْإِسْلَام جهدي ولأصدقنهم الْحَرْب حَتَّى تنفرد سالفتي أَو افرد وحدي ولأدخلنهم فِي الْبَاب الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ ولأردنهم إِلَى الْحق الَّذِي رَغِبُوا عَنهُ فَثَبت الله بذلك الْقلب الَّذِي لَو وزن بقلوب الْأمة لرجحها جيوش الْإِسْلَام وأذل بهَا الْمُنَافِقين والمرتدين وَأهل الْكتاب وَعَبدَة الْأَصْنَام حَتَّى استقامت قناة الدّين [من] بعد اعوجاجها وَجَرت الْملَّة الحنيفية على سننها ومنهاجها وَتَوَلَّى حزب الشَّيْطَان وهم الخاسرون وَأذن مُؤذن الايمان على رُؤُوس الْخَلَائق ﴿فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ [الْمَائِدَة ٥٦] هَذَا وَمَا ضعفت جيوش عزماته وَلَا استكانت وَلَا وهنت بل لم تزل الجيوش بهَا مؤيدة ومنصورة وَمَا فرحت عزائم اعدائه بالظفر فِي موطن من المواطن بل لم تزل مغلوبة مَكْسُورَة تِلْكَ لعمر الله الشجَاعَة الَّتِي تضاءلت لَهَا فرسَان الْأُمَم والهمة الَّتِي تصاغرت عِنْدهَا عليات الهمم ويحق لصديق الْأمة أَن يضْرب من هَذَا الْمغنم بأوفر نصيب وَكَيف لَا وَقد فَازَ من مِيرَاث النُّبُوَّة بِكَمَال التعصب وَقد كَانَ الْمَوْرُوث صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ أَشْجَع النَّاس فَكَذَلِك وَارثه وخليفته من بعده أَشْجَع الْأمة بِالْقِيَاسِ وَيَكْفِي أَن عمر بن الْخطاب سهم من كِنَانَته وخَالِد بن الْوَلِيد سلَاح من أسلحته والمهاجرون وَالْأَنْصَار أهل بيعَته وشوكته وَمَا مِنْهُم الا من اعْترف أَنه يستمد من ثباته وشجاعته

стр. 419

فصل فِي مَرَاتِب الشجَاعَة والشجعان أول مَرَاتِبهمْ الْهمام وَسمي بذلك لهمته وعزمه وَجَاء على بِنَاء فعال كشجاع الثَّانِي الْمِقْدَام وَسمي بذلك من الْإِقْدَام وَهُوَ ضد الإحجام وَجَاء على أوزان الْمُبَالغَة كمعطاء ومنحار لكثير الْعَطاء والنحر وَهَذَا الْبناء يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث كامرأة معطار كَثِيرَة التعطر ومذكار تَلد الذُّكُور الثَّالِث الباسل وَهُوَ اسْم فَاعل من بسل يبسل كشرف يشرف والبسالة الشجَاعَة والشدة وضدها فشل يفشل فشالة وَهِي على وَزنهَا فعلا ومصدرا وَهِي الرذالة الرَّابِع البطل وَجمعه أبطال وَفِي تَسْمِيَته قَولَانِ أَحدهمَا لِأَنَّهُ يبطل فعل الأقران فَتبْطل عِنْد شجاعة الشجعان فَيكون بَطل بِمَعْنى مفعول فِي الْمَعْنى لِأَن هَذَا الْفِعْل غير مُتَعَدٍّ وَالثَّانِي أَنه بِمَعْنى فَاعل لفظا وَمعنى لِأَنَّهُ الَّذِي يبطل شجاعة غَيره فيجعلها بِمَنْزِلَة الْعَدَم فَهُوَ بَطل بِمَعْنى مُبْطل وَيجوز أَن يكون بَطل بِمَعْنى مُبْطل بِوَزْن مكرم وَهُوَ الَّذِي قد بطله غَيره فلشجاعته تحاماه النَّاس فبطلوا فعله باستسلامهم لَهُ وَترك محاربتهم إِيَّاه الْخَامِس الصنديد بِكَسْر الصَّاد والعامة تلحن فَيَقُولُونَ

стр. 420

(صنديد) بِفَتْحِهَا وَلَيْسَ فِي كَلَامهم فعليل بِفَتْح الْفَاء وَإِنَّمَا هُوَ بِالْكَسْرِ فِي الْأَسْمَاء كقنديل وحلتيت وَفِي الصِّفَات كشمليل والصنديد الَّذِي لَا يقوم لَهُ شَيْء فصل [الْأُمُور المترتبة على الشجَاعَة] وَلما كَانَت الشجَاعَة خلقا كَرِيمًا من أَخْلَاق النَّفس ترَتّب عَلَيْهَا أَرْبَعَة أُمُور وَهِي مظهرها وثمرتها الْإِقْدَام فِي مَوضِع الْإِقْدَام والإحجام فِي مَوضِع الإحجام والثبات فِي مَوضِع الثَّبَات والزوال فِي مَوضِع الزَّوَال وضد ذَلِك مخل بالشجاعة وَهُوَ إِمَّا جبن وَإِمَّا تهور وَإِمَّا خفَّة وطيش وَإِذا اجْتمع فِي الرجل الرَّأْي والشجاعة فَهُوَ الَّذِي يصلح لتدبير الجيوش وسياسة أَمر الْحَرْب وَالنَّاس ثَلَاثَة رجل وَنصف رجل وَلَا شَيْء فالرجل من اجْتمع لَهُ إصالة الرَّأْي والشجاعة فَهَذَا الرجل الْكَامِل كَمَا قَالَ أَحْمد بن الْحُسَيْن [المتنبي] (الرَّأْي قبل شجاعة الشجعان ... هُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي)

стр. 421

(فَإِذا هما اجْتمعَا لنَفس مرّة ... بلغت من العلياء كل مَكَان) وَنصف الرجل [وَهُوَ] من انْفَرد بِأحد الوصفين دون الآخر وَالَّذِي [هُوَ] لَا شَيْء من عري من الوصفين جَمِيعًا خَاتِمَة ونختم هَذَا الْكتاب بِآيَة من كتاب الله تَعَالَى جمع فِيهَا تَدْبِير الْحُرُوف بِأَحْسَن تَدْبِير وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ [الْأَنْفَال ٤٥] فَأمر الْمُجَاهدين [فِيهَا] بِخَمْسَة أَشْيَاء مَا اجْتمعت فِي فِئَة قطّ إِلَّا نصرت وَإِن قلت وَكثر عدوها أَحدهَا الثَّبَات الثَّانِي كَثْرَة ذكره الثَّالِث طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله

стр. 422

الرَّابِع اتِّفَاق الْكَلِمَة وَعدم التَّنَازُع الَّذِي يُوجب الفشل والوهن وَهُوَ جند يُقَوي بِهِ المتنازعون عدوهم عَلَيْهِم فَإِنَّهُم فِي اجْتِمَاعهم كالحزمة من السِّهَام لَا يَسْتَطِيع أحد كسرهَا فَإِذا فرقها وَصَارَ كل مِنْهُم وَحده كسرهَا فَإِذا فرقها وَصَارَ كل مِنْهُم وَحده كسرهَا كلهَا الْخَامِس ملاك ذَلِك كُله وقوامه وأساسه وَهُوَ الصَّبْر فَهَذِهِ خَمْسَة أَشْيَاء تبتنى عَلَيْهَا قبَّة النَّصْر وَمَتى زَالَت أَو بَعْضهَا زَالَ من النَّصْر بِحَسب مَا نقص مِنْهَا وَإِذا اجْتمعت قوى بَعْضهَا بَعْضًا وَصَارَ لَهَا أثر عَظِيم فِي النَّصْر وَلما اجْتمعت فِي الصَّحَابَة لم تقم لَهُم أمة من الْأُمَم وفتحوا الدُّنْيَا ودانت لَهُم [الْعباد و] الْبِلَاد وَلما تَفَرَّقت فِيمَن بعدهمْ وضعفت آل الْأَمر إِلَى مَا آل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَهَذَا آخر [مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ] الْكتاب وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين