← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 6275

الفروسية المحمدية - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (422 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذكر الطَّبَرَانِيّ فِي كتاب فضل الرَّمْي وَذكر فِيهِ أَيْضا عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف قَالَ كتب عمر بن الْخطاب إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح أَن علمُوا غِلْمَانكُمْ العوم ومقاتلتكم الرَّمْي فَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَغْرَاض فجَاء سهم غرب فَقتل غُلَاما وَهُوَ فِي حجر خَال لَهُ لَا يعلم لَهُ أصل فَكتب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى عمر إِلَى من أدفَع علقه فَكتب إِلَيْهِ عمر إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول (الله وَرَسُوله مولى من لَا مولى لَهُ وَالْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ)

стр. 37

كتاب عمر ﵁ لعتبة بن فرقد وَشَرحه وَقَالَ عَليّ بن الْجَعْد ثَنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي قَتَادَة قَالَ سَمِعت أَبَا عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ أَتَانَا كتاب من عمر بن الْخطاب وَنحن بِأَذربِيجَان [مَعَ عتبَة بن فرقد] أما بعد فَاتَّزِرُوا وَارْتَدوا وَانْتَعِلُوا وألقوا الْخفاف وألقوا السراويلات وَعَلَيْكُم بِثِيَاب أبيكم إِسْمَاعِيل وَإِيَّاكُم والتنعم وزي الْعَجم وَعَلَيْكُم بالشمس فَإِنَّهَا حمام الْعَرَب وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشنُوا وَاخْلَوْلقُوا واقطعوا الركب وانزوا على الْخَيل نَزْوًا وَارْمُوا الْأَغْرَاض قلت هَذَا تَعْلِيم مِنْهُ للفروسية وتمرين للبدن على التبذل وَعدم الرَّفَاهِيَة والتنعم وَلُزُوم زِيّ ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم فَأَمرهمْ بالاتزاز

стр. 38

والارتداء والانتعال وإلقاء الْخفاف لتعتاد الأرجل الْحر وَالْبرد فتتصلب وتقوى على دفع أذاهما وَقَوله وألقوا السراويلات اسْتغْنَاء عَنْهَا بالأزر وَهُوَ زِيّ الْعَرَب وَبَين منفعتي الأزر والسروايل تفَاوت [من وَجه] [فَهَذَا أَنْفَع] من وَجه وَهَذَا انفع من وَجه فالإزار أَنْفَع فِي الْبَحْر والسروايل أَنْفَع فِي الْبرد والسراويل أَنْفَع للراكب والإزار أَنْفَع للماشي وَقَوله وَعَلَيْكُم بِثِيَاب أبيكم إِسْمَاعِيل هَذَا يدل على أَن لِبَاسه كَانَ الأزر والأردية وَقَوله وإياكمم والتنعم وزي الْعَجم فَإِن التنعم يخنث النَّفس ويكسبها الْأُنُوثَة والكسل وَيكون صَاحبه أحْوج مَا يكون إِلَى نَفسه وَمَا آثره من أَفْلح وَأما زِيّ الْعَجم ف [لِأَن] المشابهة فِي الزي الظَّاهِر تَدْعُو إِلَى الْمُوَافقَة فِي الْهَدْي الْبَاطِن كَمَا دلّ عَلَيْهِ الشَّرْع وَالْعقل والحس وَلِهَذَا

стр. 39

جَاءَت الشَّرِيعَة بِالْمَنْعِ من التَّشَبُّه بالكفار والحيوانات وَالشَّيَاطِين وَالنِّسَاء والأعراب وكل نَاقص حَتَّى نهى فِي الصَّلَاة عَن التَّشَبُّه بشبه أَنْوَاع من الْحَيَوَان يَفْعَلهَا أَو كثيرا مِنْهَا الْجُهَّال نهى عَن نقر كنقر الْغُرَاب والتفات كالتفات الثَّعْلَب وإقعاء كإقعاء الْكَلْب وافتراش كافتراش السَّبع وبروك كبروك الْجمل وَرفع الْأَيْدِي يَمِينا وَشمَالًا عِنْد السَّلَام كأذناب الْخَيل وَنهى عَن التَّشَبُّه بالشياطين فِي الْأكل وَالشرب بالشمال وَفِي سَائِر خِصَال الشَّيْطَان وَنهى عَن التَّشَبُّه بالكفار فِي زيهم وَكَلَامهم وهديهم حَتَّى نهى عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر وَبعد الصُّبْح فَإِن الْكفَّار يَسْجُدُونَ للشمس فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ وَنهى عَن التَّشَبُّه بالأعراب وهم أهل الْجفَاء والبدو فَقَالَ لَا تغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْعَتَمَة وَإِنَّهَا الْعشَاء فِي كتاب الله وَلعن المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء وَقَوله عَلَيْكُم بالشمس فَإِنَّهَا حمام الْعَرَب فَإِن الْعَرَب لم تكن

стр. 40

تعرف الْحمام وَلَا كَانَ بأرضهم وَكَانُوا يتعوضون عَنهُ بالشمس فَإِنَّهَا تسخن وتحلل كَمَا يفعل الْحمام وَقَوله وَتَمَعْدَدُوا أَي الزموا المعدية وَهِي عَادَة معد بن عدنان فِي أخلاقه وزيه وفروسيته وأفعاله وَقَوله وَاخْشَوْشنُوا أَي تعاطوا مَا يُوجب الخشونة ويصلب الْجِسْم ويصبره على الْحر وَالْبرد والتعب والمشاق فَإِن الرجل قد يحْتَاج إِلَى نَفسه فيجد عِنْده خشونة وَقُوَّة وصبرا مَا لَا يجدهَا صَاحب التنعم والترفه بل يكون العطب إِلَيْهِ أسْرع وَقَوله وَاخْلَوْلقُوا هُوَ من قَوْله اخلولق السَّحَاب بعد تفرقه أَي اجْتمع وتهيأ للمطر وَصَارَ خليقا لَهُ فَمَعْنَى (اخلولقوا) تهيئوا واستعدوا لما يُرَاد مِنْكُم وَكُونُوا خلقاء بِهِ جديرين بِفِعْلِهِ لَا كمن ضيع [أَرْكَان و] أَسبَاب فروسيته وقوته [فَلم يجدهَا] عِنْد الْحَاجة وَقَوله واقطعوا الركب إِنَّمَا أَمرهم بذلك لِئَلَّا يعتادوا الركب دَائِما بالركاب فَأحب أَن يعودهم الرّكُوب بِلَا ركب وَأَن ينزوا على الْخَيل نَزْوًا وَقَوله ارموا الْأَغْرَاض أَمرهم بِأَن يكون قصدهم فِي الرَّمْي الْإِصَابَة لَا الْبعد وَهَذَا هُوَ مَقْصُود الرَّمْي وَلِهَذَا إِنَّمَا تكون المناضلة على الْإِصَابَة لَا على الْبعد كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله [تَعَالَى]

стр. 41

فصل فَوَائِد النضال فَلَو لم يكن فِي النضال إِلَّا أَنه يدْفع الْهم وَالْغَم عَن الْقلب لَكَانَ ذَلِك كَافِيا فِي فَضله وَقد جرب ذَلِك أَهله وَقد روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ [مَا على أحدكُم إِذا لج بِهِ همه أَن يتقلد قوسه فينفي بِهِ همه وَهَذَا نَظِير قَوْله ﷺ ] عَلَيْكُم بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ بَاب من أَبْوَاب الله بِهِ عَن النُّفُوس الْهم وَالْغَم

стр. 42

وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين وَيذْهب غيظ قُلُوبهم وَيَتُوب الله على من يَشَاء وَالله عليم حَكِيم﴾ [التَّوْبَة: ١٤] فصل أَيْمَان الرُّمَاة لَغْو لَا كَفَّارَة فِيهَا وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث ان أَيْمَان الرُّمَّان لَغْو لَا كَفَّارَة فِيهَا وَلَا حنث وَترْجم عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فَقَالَ: بَاب سُقُوط الْكَفَّارَة فِي أَيْمَان الرُّمَاة حَدثنَا يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْعَزِيز الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ بِمصْر قَالَ حَدثنِي أبي حَدثنَا سُفْيَان بَين عُيَيْنَة عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ مر النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر برماة يرْمونَ فَقَالَ الرَّامِي أصبت وَالله فَأَخْطَأَ فَقَالَ أَبُو بكر حنث يَا رَسُول الله فَقَالَ لَا أَيْمَان الرُّمَاة لَغْو لَا حنث وَلَا كَفَّارَة

стр. 43

حَدثنَا زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِي حَدثنَا أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم الأودي ثَنَا أَبُو بكر يُونُس بن بكير ثَنَا اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ مر رَسُول الله ﷺ على قوم ينتضلون ويتحالفون أصبت وَالله فَقَالَ (ارموا وَلَا إِثْم عَلَيْكُم) قلت ينظر فِي حَال يَعْقُوب بن عبد الْعَزِيز فِي السَّنَد الأول وَيُونُس بن بكير فِي الثَّانِي وَإِن صَحَّ الحديثان لم يخالفا قَاعِدَة الْأَيْمَان فَإِن الْحلف فِي ذَلِك من بَاب لَغْو الْيَمين وَهُوَ قَول الرجل لَا وَالله بلَى وَالله وَلَيْسَ من الْأَيْمَان المنعقدة الْمُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ فصل فضل الْمَشْي بَين الغرضين وَمن مَشى بَينهمَا من السّلف الصَّالح وَقد روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 44

من مَشى بَين الغرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة حَسَنَة وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّمِيمِي عَن أَبِيه رَأَيْت حُذَيْفَة يعدو بَين الهدفين بِالْمَدَائِنِ فِي قَمِيص وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ عَن بِلَال بن سعد أدْركْت قوما يَشْتَدُّونَ بَين الْأَغْرَاض يضْحك بَعضهم إِلَى بعض فَإِذا كَانَ اللَّيْل كَانُوا رهبانا وَقَالَ مُجَاهِد رَأَيْت ابْن عمر يشْتَد بَين الهدفين وَيَقُول أَنا بهَا

стр. 45

وَقد تقدم أَن عقبَة بن عَامر كَانَ يشْتَد بَين الغرضين وَهُوَ شيخ كَبِير فصل المفاضلة بَين ركُوب الْخَيل وَرمي النشاب فَإِن قيل فأيما أفضل ركُوب الْخَيل أَو رمي النشاب وَأي الْمُسَابقَة أفضل قيل قد اخْتلف فِي ذَلِك فرجحت طَائِفَة ركُوب الْخَيل قَالَ مَالك سبق الْخَيل أحب إِلَيّ من سبق الرَّمْي ذكره أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد عَنهُ وُجُوه تَفْضِيل سبق الْخَيل على الرَّمْي وَاحْتج أَصْحَاب هَذَا القَوْل بِوُجُوه أَحدهَا أَنه أصل الفروسية وقاعدتها الثَّانِي أَنه يعلم الْكر والفر وَالظفر بالخصم الثَّالِث أَن الْحَاجة إِلَى الرَّمْي فِي سَاعَة وَأما الرّكُوب فالحاجة إِلَيْهِ من أول مَا يخرج إِلَى الْقِتَال إِلَى أَن يرجع

стр. 46

الرَّابِع أَن الرّكُوب يعلم الْفَارِس وَالْفرس مَعًا فَهُوَ يُؤثر الْقُوَّة فِي المركوب وراكبه الْخَامِس أَن النَّبِي ﷺ رَاهن على فرس يُقَال لَهُ (سبْحَة) فَسبق النَّاس ذكره الإِمَام أَحْمد وَلم يحفظ عَنهُ أَن رَاهن فِي النضال السَّادِس أَن ركُوبه ﷺ كَانَ أَضْعَاف [أَضْعَاف] رميه بِمَا لَا يُحْصى السَّابِع أَنه سُبْحَانَهُ عقد الْخَيْر بنواصي الْخَيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الثَّامِن أَنَّهَا تصلح للطلب والهرب فَهِيَ حصون ومعاقل لأَهْلهَا التَّاسِع أَن أَهلهَا أعز من الرُّمَاة وَأَرْفَع شَأْنًا وأعلا مَكَانا وَأَهْلهَا حكام [بِهِ] على الرُّمَاة وَالرُّمَاة رعية لَهُم الْعَاشِر أَنَّهَا كَانَت أحب الْأَشْيَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ بعد النِّسَاء فروى النَّسَائِيّ فِي سنَنه عَن أنس قَالَ لم يكن شَيْء أحب إِلَى رَسُول الله ﷺ بعد النِّسَاء من الْخَيل الْحَادِي عشر مَا روى مَالك فِي موطئِهِ عَن يحيى بن سعيد قَالَ رئى رَسُول الله ﷺ يمسح وَجه فرسه بردائه فَقيل لَهُ فِي ذَلِك

стр. 47

فَقَالَ (إِنِّي عوتبت فِي الْخَيل) [وَهَذَا] لكرامتها عَلَيْهِ وعَلى من عاتبه فِيهَا الثَّانِي عشر مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من فرس عَرَبِيّ إِلَّا يُؤذن لَهُ عِنْد السحر بِكَلِمَات يَدْعُو بِهن اللَّهُمَّ خولتني من خولتني من بني آدم وجعلتني لَهُ فَاجْعَلْنِي من أحب أَهله وَمَاله إِلَيْهِ المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿وَالْعَادِيات ضَبْحًا﴾ الثَّالِث عشر أَن الله أقسم بِالْخَيْلِ فِي كِتَابه وَذَلِكَ يدل على شرفها وفضلها عِنْده قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْعَادِيات ضَبْحًا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾ [العاديات: ١ - ٣] أقسم سُبْحَانَهُ بِالْخَيْلِ تعدو فِي سَبيله و (الضبح) صَوت فِي

стр. 48

أجوافها عِنْد جريها ﴿فالموريات قدحا﴾ توري النَّار بحوافرها عِنْدَمَا تصك الْحِجَارَة ﴿فأثرن بِهِ نقعا﴾ (النَّقْع) الْغُبَار تثيره الْخَيل عِنْد عدوها وَالضَّمِير فِي ﴿بِهِ﴾ قيل يعود على الْقدح وَهُوَ ضَعِيف فَإِن الْغُبَار لَا يثار بالقدح وَقيل عَائِد على المغار الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله ﴿فالمغيرات﴾ أَي أثرن بالمغار غبارا لِكَثْرَة جولاتها فِيهِ وَيجوز أَن يعود على المغار الَّذِي هُوَ مصدر أَي [أثرن] الْغُبَار بِسَبَب الإغارة وَيجوز أَن يعود على الْعَدو الْمَفْهُوم من لفظ ﴿العاديات﴾ وَالضَّمِير فِي ﴿وَبِه﴾ الثَّانِيَة مثل الأولى وَقيل عَائِد على النَّقْع أَي وسطن جمعا ملتبسات بالنقع وعَلى هَذَا ف (جمع) هُنَا مجمع الْعَدو وَهَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَقَالَ عَليّ المُرَاد بهَا إبل الْحَاج أقسم الله سُبْحَانَهُ بهَا لعدوها فِي الْحَج الَّذِي هُوَ من سَبيله و (جمع) الَّذِي وسطن بِهِ هُوَ مُزْدَلِفَة أغرن بِهِ وَقت الصُّبْح وَالْقَوْل الأول أرجح لوجوه أَحدهَا أَن الْمُسْتَعْمل بالضبح إِنَّمَا هُوَ الْخَيل وَلِهَذَا قَالَ أهل اللُّغَة الضبح صَوت أنفاس الْخَيل إِذا عدت قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالْعَادِيات ضَبْحًا﴾ وَيُقَال أَيْضا ضبح الثَّعْلَب الثَّانِي وصفهَا بِأَنَّهَا توري النَّار من الْحِجَارَة عِنْد عدوها وَهَذَا

стр. 49

مشهود فِي الْخَيل لقرع سنابكها فِي الْحَدِيد للصفا فيتولد قدح النَّار من بَينهمَا كَمَا يتَوَلَّد من الْحَدِيد والصوان عِنْد الْقدح الثَّالِث أَنه وصفهَا بالإغارة وَهِي وَإِن اسْتعْملت لِلْإِبِلِ كَمَا كَانَت قُرَيْش تَقول أشرقت ثبير كَيْمَا نغير لَكِن اسْتِعْمَالهَا فِي إغارة الْغَزْو أَكثر الرَّابِع أَنه سُبْحَانَهُ وَقت الإغارة بالصبح وَالْحجاج عِنْد الصُّبْح لَا يغيرون وَإِنَّمَا يكونُونَ بموقف مُزْدَلِفَة وقريش إِذْ ذَاك لم تكن تغير حَتَّى تطلع الشَّمْس فَلم تكن تغير بالصبح قُرَيْش وَلَا غَيرهَا من الْعَرَب فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ فِي الْغَزْو لَا يُغير حَتَّى يصبح فَإِذا أصبح فَإِن سمع أذانا أمسك وَإِلَّا أغار الْخَامِس أَنه سُبْحَانَهُ عطف توَسط الْجمع بِالْفَاءِ الَّتِي هِيَ للتَّرْتِيب بعد الإغارة وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا أغارت وَقت الصُّبْح فتوسط الْجمع بعد الإغارة وَمن الْمَعْلُوم أَن إبل الْحَاج لَهَا إغارتان إغارة فِي أول اللَّيْل إِلَى جمع وإغارة قبل طُلُوع الشَّمْس مِنْهَا إِلَى منى والإغارة الأولى قبل الصُّبْح وَلَا يُمكن الْجمع بَينهمَا وَبَين وَقت الصُّبْح وَبَين توَسط جمع وَهَذَا ظَاهر السَّادِس أَن النَّقْع هُوَ الْغُبَار وَجمع مُزْدَلِفَة وَمَا حوله كُله صفا

стр. 50

وَهُوَ وَاد بَين جبلين لَا غُبَار بِهِ تثيره الْإِبِل وَالله أعلم بمراده من كَلَامه عودة إِلَى وُجُوه تَفْضِيل سبق الْخَيل على سبق الرَّمْي الرَّابِع عشر أَن النَّبِي ﷺ أخبر أَن من ارْتبط فرسا فِي سَبِيل الله فَإِن شبعه وريه وروثه وبوله فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة الْخَامِس عشر أَنه [ ﷺ ] أَمر بارتباطها وَمسح نَوَاصِيهَا وأكفالها فَفِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وهب الْجُشَمِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ارتبطوا الْخَيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها وَلَا تقلدوها الأوتار

стр. 51

النَّهْي عَن تَقْلِيد الْخَيل الأوتار وَمَعْنَاهُ وَفِي هَذَا قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يركب عَلَيْهَا ويقلدها فِي الْأَخْذ بالأوتار الْجَاهِلِيَّة وَهِي الذحول والعداوات الَّتِي بَين الْقَبَائِل الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح أَن لَا يقلدها وترا من أجل الْعين كَمَا كَانَ [أهل] الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ وَكَذَلِكَ لَا يعلق عَلَيْهَا خرزة وَلَا عظما وَلَا تَمِيمَة فَإِن ذَلِك كُله من عمل الْجَاهِلِيَّة وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَغَيره مَرْفُوعا

стр. 52

من تقلد وترا فَإِن مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيء فصل أوجه تفضل الرَّمْي بالنشاب على ركُوب الْخَيل وَذكر منفعَته وتأثيره ونكايته فِي الْعَدو وَذَهَبت طَائِفَة ثَانِيَة إِلَى أَن الرَّمْي أفضل من الرّكُوب وتعلمه أفضل من تعلمه والسباق بِهِ أفضل وَاحْتج هَذِه الْفرْقَة بِوُجُوه مِنْهَا أَحدهمَا أَن الله سُبْحَانَهُ قدم الرَّمْي فِي الذّكر [على الرّكُوب] فَقَالَ ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ [الْأَنْفَال: ٦٠] وَثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه فسر الْقُوَّة بِالرَّمْي وَالْعرب إِنَّمَا تبدأ فِي كَلَامهَا بالأهم وَالْأولَى قَالَ سِيبَوَيْهٍ

стр. 53

كَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يقدمُونَ الَّذِي بَيَانه أهم لَهُم وهم ببيانه أعنى وَإِن كَانَا جَمِيعًا يهمانهم ويعنيانهم هَذَا لَفظه الثَّانِي أَنه سمى الرَّمْي قُوَّة وَعدل عَن لَفظه وسمى رِبَاط الْخَيل بِلَفْظِهِ وَلم يعدل إِلَى غَيره إِشَارَة إِلَى مَا فِي الرماية من النكاية وَالْمَنْفَعَة الثَّالِث أَن النَّبِي ﷺ أخبر أَن الرَّمْي أحب إِلَيْهِ من الرّكُوب فَدلَّ على أَنه أفضل مِنْهُ فَفِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عقبَة بن عَامر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة صانعه الْمُحْتَسب فِي عمله الْخَيْر والرامي بِهِ والممد بِهِ فارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا الرَّابِع أَن الرَّمْي مِيرَاث من إِسْمَاعِيل الذَّبِيح ﷺ كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن النَّبِي ﷺ مر بِنَفر ينتضلون فَقَالَ ارموا بني اسماعيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا الْخَامِس أَن النَّبِي ﷺ دخل مَعَ الْفَرِيقَيْنِ مَعًا فِي النضال وَلم يدْخل مَعَ الْفَرِيقَيْنِ فِي سباق الْخَيل فَدلَّ على فضل الرُّمَاة [والرماية] فَأَرَادَ أَن يحوز فضل الْفَرِيقَيْنِ وَأَن لَا يفوتهُ مِنْهُ شَيْء

стр. 54

السَّادِس أَنه صَحَّ عَنهُ من الْوَعيد فِي نِسْيَان الرَّمْي مَا لم يَجِيء مثله فِي ترك الرّكُوب فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عقبَة بن عَامر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تعلم الرَّمْي ثمَّ تَركه فَلَيْسَ منا (أَو قد عصى) وَعند الطَّبَرَانِيّ عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اله ﷺ من تعلم الرَّمْي ثمَّ نَسيَه فَهِيَ نعْمَة سلبها

стр. 55

وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ أَخْبرنِي أَبُو سَلام قَالَ حَدثنِي خَالِد بن زيد عَن عقبَة بن عَامر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من نسي الرَّمْي بَعْدَمَا علمه فَإِنَّهَا نعْمَة كفرها (أَو تَركهَا) السَّابِع أَن رمي السهْم يعدل عتق رَقَبَة كَمَا فِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن عَمْرو بن عبسة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَهُوَ عدل مُحَرر

стр. 56

قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي لفظ النَّسَائِيّ من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله بلغ الْعَدو أَو لم يبلغ كَانَ لَهُ عتق رَقَبَة وَقَالَ عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن أَسد بن ودَاعَة عَن عَمْرو بن عبسة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول

стр. 57

من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله وَبلغ الْعَدو فَأصَاب أَو أَخطَأ كَانَ لَهُ عتق رَقَبَة الثَّامِن أَنه دَرَجَة من الْجنَّة كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم الطَّائِف قَاتلُوا فَمن بلغ بِسَهْم فَإِنَّهَا دَرَجَة أما إِنَّهَا لَيست بِدَرَجَة أبي أحدكُم وَلَا أمه وَلكنهَا دَرَجَة فِي الْجنَّة

стр. 58

وَذكر من حَدِيث سعيد بن بشير عَن قَتَادَة عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن معدان بن أبي طَلْحَة عَن عَمْرو بن عبسة قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ محاصر الطَّائِف من رمى بِسَهْم فَلهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة فبلغت سِتَّة عشر سَهْما وَقَالَ من بلغ بِسَهْم فَهُوَ عدل رَقَبَة وَذكر أَبُو يَعْقُوب القراب من حَدِيث الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من بلغ بِسَهْم فَلهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الدرجَة

стр. 59

قَالَ مَا بَين الدرجتين خمس مئة عَام التَّاسِع أَنه نور يَوْم الْقِيَامَة كَمَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو يَعْقُوب القراب فِي كتاب فضل الرَّمْي من حَدِيث مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ رَأَيْت أَبَا عمْرَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ بَدْرِيًّا أحديا وَهُوَ يتلوى من الْعَطش ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَبلغ أَو قصر كَانَ ذَلِك السهْم نورا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَبُو يَعْقُوب وروينا بروايات مُخْتَلفَة أَكثر من عشرَة يطول بِذكر أسانيدهم الْكتاب عَن رَسُول الله ﷺ من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله كَانَ لَهُ نورا تَاما

стр. 60

الْعَاشِر أَن النَّبِي ﷺ دعاة للرماة قَالَ لسعد بن أبي وَقاص الله سدد رميته وأجب دَعوته فَكَانَ لَا يُخطئ لَهُم سهم وَكَانَ مجاب الدعْوَة الْحَادِي عشر أَن النَّبِي ﷺ فدى الرُّمَاة بِأَبِيهِ وَأمه فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ قَالَ سعد بن مَالك نثل لي رَسُول الله ﷺ كِنَانَته يَوْم أحد فَقَالَ (ارْمِ فدَاك أبي

стр. 61

وَأمي) وَفِي لفظ لَهما جمع لي رَسُول الله ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْم أحد وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ جمع لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْم أحد قَالَ كَانَ رجل من الْمُشْركين أحرق الْمُسلمين فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ارْمِ فدَاك أبي وَأمي قَالَ فنزعت لَهُ بِسَهْم لَيْسَ فِيهِ نصل فَأَصَبْت جنبه فَسقط وانكشفت عَوْرَته فَضَحكت رَسُول الله ﷺ حَتَّى نظرت إِلَى نَوَاجِذه الثَّانِي عشر للماشي بَين الغرضين بِكُل خطْوَة حَسَنَة كَمَا روى الطَّبَرَانِيّ فِي كتاب فضل الرَّمْي من حَدِيث عَليّ بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَشى بَين الغرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة حَسَنَة الثَّالِث عشر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ من حرصه على الرَّمْي يناول الرَّامِي

стр. 62

السهْم مَا لَهُ نصل يَرْمِي بِهِ وَكَانَ الرُّمَاة وقاية لرَسُول الله ﷺ كَمَا ذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي من حَدِيث سعد أَنه رمى يَوْم أحد دون رَسُول الله ﷺ قَالَ سعد وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يناولني السهْم وَيَقُول ارْمِ فدَاك أبي وَأم حَتَّى أَنه ليناولني السهْم السهْم مَا لم نصل فأرمي بِهِ الرَّابِع عشر أَنه من فَضَائِل الْقوس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يخْطب وَهُوَ متوكئ عَلَيْهَا وَيذكر عَن أنس قَالَ مَا ذكرت الْقوس عِنْد النَّبِي ﷺ إِلَّا قَالَ (مَا سبقها سلَاح إِلَى خير قطّ) وَيذكر أَن جِبْرِيل جَاءَ يَوْم بدر وَهُوَ متقلد قوسا عَرَبِيَّة الْخَامِس عشر إِن فِي الْقوس خَاصَّة وَهِي أَنَّهَا تَنْفِي الْفقر عَن

стр. 63

صَاحبهَا وَقد ورد بذلك أثر فِي إِسْنَاده نظر ذكره أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي كتاب فضل الرَّمْي من حَدِيث الرّبيع بن صبيح عَن الْحسن عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من اتخذ قوسا عَرَبِيَّة نفى الله عَنهُ الْفقر السَّادِس عشر أَن بالقسي مكن الله الصَّحَابَة فِي الْبِلَاد ونصرهم على عدوهم كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عويم بن سَاعِدَة عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ أَشَارَ إِلَى الْقوس الْعَرَبيَّة وَقَالَ بِهَذِهِ وبرماح القنا يُمكن الله لكم الْبِلَاد وينصركم على عَدوكُمْ وروى ابْن مَاجَه نَحوه عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه مَرْفُوعا السَّابِع عشر أَن النَّبِي ﷺ حرضهم عِنْد فتح الْبِلَاد عَلَيْهِم على اللَّهْو بِالسِّهَامِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث صَالح بن كيسَان عَن عقبَة بن عَامر

стр. 64

قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ستفتح لكم الأَرْض وتكفون الْمُؤْنَة فَلَا يعجز أحدكُم أَن يلهو بأسهمه الثَّامِن عشر أَن مَنْفَعَة الرَّمْي ونكايته فِي الْعَدو فَوق مَنْفَعَة سَائِر آلَات الْحَرْب فكمم من سهم وَاحِد هزم جَيْشًا وَإِن الرَّامِي الْوَاحِد ليتحاماه الفرسان وترعد مِنْهُ أبطال الرِّجَال هَذَا وَإِن السهْم تُرِيدُ ترسله إِلَى عَدوك فيكفيك مُؤْنَته على الْبعد وَقد علم بالتجربة أَن الرَّامِي الْوَاحِد إِذا كَانَ جيد الرَّمْي فَإِنَّهُ يَأْخُذ الفئة من النَّاس الَّذين لَا رامي مَعَهم ويطردهم جَمِيعًا وَلِهَذَا عِنْد أَرْبَاب الحروب إِن كل سهم مقَام رجل فَإِذا كَانَ مَعَ الرجل مئة سهم عد بمئة رجل والخصم يخَاف من النشاب أَضْعَاف خَوفه من السَّيْف وَالرمْح وَإِذا كَانَ راجل وَاحِد رام أمكنه أَن يَأْخُذ مئة فَارس لَا رامي فيهم ويغلبهم ومئة فَارس لَا يغلبُونَ راميا وَاحِدًا وَلِهَذَا ألْقى الله من الرعب لصَاحب الرَّمْي [عِنْد] خشخشة النشاب والجعبة مَا لم يلقه لصَاحب السَّيْف وَالرمْح وَهَذَا

стр. 65

مَعْلُوم بِالْمُشَاهَدَةِ حَتَّى أَن الْألف ليفزعون من رام وَاحِد وَلَا يكادون يفزعون من ضَارب سيف وَاحِد فصوت الرَّامِي الْمجِيد فِي الْجَيْش خير من فِئَة كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ صَوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من فِئَة

стр. 66

وَكَانَ أَبُو طَلْحَة من أحسن الصَّحَابَة رميا وأشدهم نزعا وَفِي الصَّحِيح أَنه لما كَانَ يَوْم أحد انهزم النَّاس عَن رَسُول الله ﷺ وَأَبُو طَلْحَة بَين يَدي رَسُول الله ﷺ مجوب عَلَيْهِ بحجفة مَعَه وَكَانَ أَبُو طَلْحَة رجلا راميا شَدِيد النزع وَكسر يَوْمئِذٍ قوسين أَو ثَلَاثًا وَكَانَ الرجل يمر بالجعبة فِيهَا النبل فَيَقُول انثرها لأبي طَلْحَة ويشرف رَسُول الله ﷺ فَينْظر إِلَى الْقَوْم فَيَقُول لَهُ أَبُو طَلْحَة لَا تشرف يصيبك سهم من سِهَام الْقَوْم نحري دون نحرك وَفِي لفظ آخر لَا تشرف يَا رَسُول الله نَفسِي لنَفسك الْفِدَاء ووجهي لوجهك الوقاء

стр. 67

وَقَالَ أنس كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو طَلْحَة [يترسان] بترس وَاحِد وَكَانَ أَبُو طَلْحَة إِذا رمى يشرف لَهُ رَسُول الله ﷺ ينظر إِلَى مواقع سَهْمه التَّاسِع عشر أَن الرَّمْي يعْمل فِي الْجِهَات كلهَا فَيعْمل فِي وَجه الْعُلُوّ والسفل وَالْيَمِين وَالشمَال وَخلف وأمام على الْبعد وَغَيره لَا يبلغ عمله ذَلِك وَلَا بعضه وَلَا يُؤثر إِلَى مَعَ الْقرب الْعشْرُونَ أَن الرَّمْي يصلح للكسب وَالْحَرب فيصاد بِهِ الطير والوحش وَهُوَ يصلح لتَحْصِيل الْمَنَافِع ولدفع المضار وَهُوَ أعظم الْآلَات تحصيلا لهذين الْأَمريْنِ وَإِن كَانَ غير الرَّامِي قد يحصل بِهِ ذَلِك إِلَّا أَن الْحَاصِل مِنْهُ بِالرَّمْي أكمل وَأتم فَهَذَا بعض مَا احْتج بِهِ الْفَرِيقَانِ قَالَ شيخ الْإِسْلَام وَقد رُوِيَ أَن قوما كَانُوا يتناضلون فَقيل يَا رَسُول الله قد حضرت الصَّلَاة فَقَالَ إِنَّهُم فِي صَلَاة فَشبه رمي النشاب بِالصَّلَاةِ وَكفى

стр. 68

بذلك فضلا فضل النزاع بَين تَفْضِيل الرَّمْي على ركُوب الْخَيل وَالْعَكْس وَفضل النزاع بَين الطَّائِفَتَيْنِ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحْتَاج فِي كَمَاله إِلَى الاخر فَلَا يتم مَقْصُود أَحدهمَا إِلَّا بِالْآخرِ وَالرَّمْي أَنْفَع فِي الْبعد فَإِذا اخْتَلَط الْفَرِيقَانِ بَطل الرَّمْي حِينَئِذٍ وَقَامَت سيوف الفروسية من الضَّرْب والطعن وَالْكر والفر وَأما إِذا تواجه الخصمان من الْبعد فالرمي أَنْفَع وأنجع وَلَا تتمّ الفروسية إِلَّا بِمَجْمُوع الْأَمريْنِ وَالْأَفْضَل مِنْهُمَا مَا كَانَ أنكى فِي الْعَدو وأنفع للجيش وَهَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْجَيْش وَمُقْتَضى الْحَال وَالله أعلم فصل رميه ﷺ بِيَدِهِ الْكَرِيمَة وَأما رميه بِيَدِهِ الْكَرِيمَة ﷺ فَقَالَ ابْن اسحاق فِي الْمَغَازِي حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن رَسُول الله ﷺ رمى عَن قوسه يَوْم أحد حَتَّى اندقت سيتها فَأَخذهَا قَتَادَة بن النُّعْمَان فَكَانَت عِنْده وَأُصِيبَتْ يَوْمئِذٍ عين قَتَادَة بن النُّعْمَان حَتَّى وَقعت على وجنته فَحَدثني عَاصِم بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ ردهَا بِيَدِهِ فَكَانَت أحسن عَيْنَيْهِ وَأَحَدهمَا

стр. 69

فصل طعنه ﷺ بالحربة وَأما طعنه بالحربة وَهِي رمح قصير فَفِي مغازي مُوسَى بن عقبَة وَابْن إِسْحَاق والأموي وَغَيرهَا أَنه لما كَانَ يَوْم أحد وَأسْندَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الْجَبَل أدْركهُ أبي بن خلف وَهُوَ يَقُول أَيْن مُحَمَّد لَا نجوت إِن نجا قَالَ ابْن إِسْحَاق

стр. 70

وَكَانَ أبي بن خلف كَمَا حَدثنِي صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف يلقى رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة فَيَقُول يَا مُحَمَّد إِن عِنْدِي (الْعود) فرسا لَهُ أعلفه كل يَوْمًا فرقا من ذرة أَقْتلك عَلَيْهَا فَيَقُول (بل أَنا أَقْتلك إِن شَاءَ الله) قَالَ مُوسَى بن عقبَة قَالَ سعيد بن الْمسيب فَلَمَّا أدْرك أبي رَسُول الله ﷺ اعْترض لَهُ رجال من الْمُؤمنِينَ فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ فَخلوا طَرِيقه واستقبله مُصعب بن عمر أَخُو بني عبد الدَّار يقي رَسُول الله ﷺ بِنَفسِهِ فَقتل مُصعب بن عُمَيْر وَأبْصر رَسُول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فُرْجَة فِي سابغة الدرْع والبيضة فطعنه بحربته فَوَقع أبي عَن فرسه وَلم يخرج من طعنته دم فَكسر ضلعا من أضلاعه فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْش وَقد خدشه فِي عُنُقه خدشا غير كَبِير فاحتقن الدَّم قَالَ قتلني وَالله مُحَمَّد قَالُوا لَهُ ذهب وَالله فُؤَادك إِنَّه مَا كَانَ بك من بَأْس قَالَ إِنَّه كَانَ قد قَالَ لي بِمَكَّة أَنا أَقْتلك فوَاللَّه لَو بَصق عَليّ لَقَتَلَنِي فَمَاتَ عَدو الله بسرف وهم قافلون إِلَى مَكَّة قَالَ ابْن عقبَة فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو كَانَ الَّذِي بِي بِأَهْل ذِي الْمجَاز لماتوا

стр. 71

أَجْمَعُونَ فصل فضل الرماح وَقد ذكر الله الرماح فِي كِتَابه فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد تناله أَيْدِيكُم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ﴾ [الْمَائِدَة: ٩٤] وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بعثت بِالسَّيْفِ بَين يَدي السَّاعَة حَتَّى يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة وَالصغَار على من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم

стр. 72

وَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ كَانَت بيد رَسُول الله ﷺ قَوس عَرَبِيّ فَرَأى رجلا بِيَدِهِ قَوس فارسية فَقَالَ (مَا هَذِه ألقها وَعَلَيْك بِهَذِهِ وأشباهها ورماح القنا فَإِنَّهُمَا يزِيد الله بهما فِي الدّين وَيُمكن لكم فِي الْبِلَاد) والرماح للمقاتلة بِمَنْزِلَة الصَّيَاصِي للوحوش تدفع بهَا من يقصدها وتحارب بهَا وَقد نَص الإِمَام أَحْمد على أَن الْعَمَل بِالرُّمْحِ أفضل من الصَّلَاة النَّافِلَة فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى الْجِهَاد

стр. 73

الْأَشْيَاء الَّتِي تظهر فِيهَا الفروسية والفروسية تظهر فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء - ركُوب الْخَيل والمسابقة عَلَيْهَا - وَرمي النشاب - واللعب بِالرُّمْحِ وَهُوَ بنود كَثِيرَة ومبناه التبطيل وَالنَّقْل والتسريح والنثل والطعن وَالدُّخُول وَالْخُرُوج ومداره على أصلين الطعْن والتبطيل فالشجاع الْخَبِير الَّذِي لَا يطعن فِي موطن التبطيل وَلَا يبطل فِي مَوضِع الطعْن بل يُعْطي كل حَال مَا يَلِيق بِهِ وَيعرف حكم ملازقة الْقرن ومفارقته ومخارجته ومضايقته وهزله وجده وَأَخذه ورده وطلوعه ونزوله وَكره وفره وَيُعْطِي كل حَال من هَذِه الْأَحْوَال كفوها وَمَا يَلِيق بهَا وَيكون عَارِفًا بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج ومواضع الطعْن وَالضَّرْب والإقدام والإحجام وَاسْتِعْمَال الطعْن الْكَاذِب فِي مَوْضِعه والصادق فِي مَوْضِعه والاستدارة عِنْد المجاولة يَمِينا وَشمَالًا وإعمال الْفِكر حَال دُخُول الْقرن على قرنه فِي الْخُرُوج مِنْهُ وَالدُّخُول عَلَيْهِ فَلَا يشْغلهُ أَحدهمَا عَن الآخر أوجه الشّبَه بَين الجلاد بِالسَّيْفِ والجدال بِالْحجَّةِ وَلما كَانَ الجلاد بِالسَّيْفِ والسنان والجدال بِالْحجَّةِ ولبرهان كالأخوين الشقيقين والقرينين المتصاحبين كَانَت أَحْكَام كل [وَاحِد] مِنْهُمَا شَبيهَة بِأَحْكَام الآخر ومستفادة مِنْهُ فالإصابة فِي الرَّمْي والنضال كالإصابة فِي الْحجَّة والمقال

стр. 74

والطعن والتبطيل نَظِير إِقَامَة الْحجَّة وَإِبْطَال حجَّة الْخصم [وَالدُّخُول] الْخُرُوج نَظِير الْإِيرَاد والاحتراز [مِنْهُ] وَجَوَاب [الْخصم] والقرن عِنْد دُخُوله عَلَيْك كجواب الْخصم عَمَّا يُورِدهُ عَلَيْك فروسية الْعلم وَالْبَيَان وفروسية الرَّمْي والطعان فالفروسية فروسيتان فروسية الْعلم وَالْبَيَان وفروسية الرَّمْي والطعان وَلما كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أكمل الْخلق فِي الفروسيتين فتحُوا الْقُلُوب بِالْحجَّةِ والبرهان والبلاد بِالسَّيْفِ والسنان وَمَا النَّاس إِلَّا هَؤُلَاءِ الْفَرِيقَانِ وَمن عداهما فَإِن لم يكن ردْءًا وعونا لَهما فَهُوَ كل على نوع الْإِنْسَان وَقد أَمر الله رَسُوله بجدال الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وجلاد أعدائه المشاقين والمحاربين فَعلم الْجِدَال والجلاد من أهم الْعُلُوم وأنفعها للعباد فِي المعاش والمعاد وَلَا يعدل مداد الْعلمَاء إِلَّا دم الشُّهَدَاء والرفعة وعلو الْمنزلَة فِي الدَّاريْنِ إِنَّمَا هِيَ لهاتين الطَّائِفَتَيْنِ وَسَائِر النَّاس رعية لَهما منقادون لرؤسائهما فصل الرِّهَان على الْغَلَبَة بِالرُّمْحِ فَإِن قيل فَإِذا كَانَ شَأْن الرمْح مَا ذكرْتُمْ فَهَلا جوزتم الرِّهَان على الْغَلَبَة بِهِ كَمَا جوزتموها فِي النضال وسباق الْخَيل

стр. 75

قيل اخْتلفت الفقاء فِي ذَلِك فَمَنعه أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وللشافعية فِي المزاريق وَجْهَان قَالَ من جوز الرِّهَان عَلَيْهَا هِيَ دَاخِلَة فِي اسْم النصل وَقَالَ المانعون المُرَاد بالنصل مَا يتَبَادَر إِلَيْهِ الأفهام وَمَا جرت عَادَة النَّاس بالتراهن عَلَيْهِ من عهد الصَّحَابَة وَإِلَى الْآن وَهُوَ السِّهَام خَاصَّة وَلَا ريب أَن من جوز الرِّهَان على الْعَدو بالأقدام والصراع فتجويزه لَهُ فِي المغالبة بِالرِّمَاحِ أولى وَأَحْرَى فصل ركُوب النَّبِي ﷺ الْفرس عُريَانا وتقلده بِالسَّيْفِ وورود ذَلِك فِي صفته فِي الْكتب الأولى وَأما ركُوبه الْفرس عُريَانا وتقلده السَّيْف فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ثَابت عَن أنس قَالَ
следующие страницы →