← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 6275

الفروسية المحمدية - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (422 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أَجْمَعُونَ فصل فضل الرماح وَقد ذكر الله الرماح فِي كِتَابه فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد تناله أَيْدِيكُم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ﴾ [الْمَائِدَة: ٩٤] وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بعثت بِالسَّيْفِ بَين يَدي السَّاعَة حَتَّى يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة وَالصغَار على من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم

стр. 72

وَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ كَانَت بيد رَسُول الله ﷺ قَوس عَرَبِيّ فَرَأى رجلا بِيَدِهِ قَوس فارسية فَقَالَ (مَا هَذِه ألقها وَعَلَيْك بِهَذِهِ وأشباهها ورماح القنا فَإِنَّهُمَا يزِيد الله بهما فِي الدّين وَيُمكن لكم فِي الْبِلَاد) والرماح للمقاتلة بِمَنْزِلَة الصَّيَاصِي للوحوش تدفع بهَا من يقصدها وتحارب بهَا وَقد نَص الإِمَام أَحْمد على أَن الْعَمَل بِالرُّمْحِ أفضل من الصَّلَاة النَّافِلَة فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى الْجِهَاد

стр. 73

الْأَشْيَاء الَّتِي تظهر فِيهَا الفروسية والفروسية تظهر فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء - ركُوب الْخَيل والمسابقة عَلَيْهَا - وَرمي النشاب - واللعب بِالرُّمْحِ وَهُوَ بنود كَثِيرَة ومبناه التبطيل وَالنَّقْل والتسريح والنثل والطعن وَالدُّخُول وَالْخُرُوج ومداره على أصلين الطعْن والتبطيل فالشجاع الْخَبِير الَّذِي لَا يطعن فِي موطن التبطيل وَلَا يبطل فِي مَوضِع الطعْن بل يُعْطي كل حَال مَا يَلِيق بِهِ وَيعرف حكم ملازقة الْقرن ومفارقته ومخارجته ومضايقته وهزله وجده وَأَخذه ورده وطلوعه ونزوله وَكره وفره وَيُعْطِي كل حَال من هَذِه الْأَحْوَال كفوها وَمَا يَلِيق بهَا وَيكون عَارِفًا بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج ومواضع الطعْن وَالضَّرْب والإقدام والإحجام وَاسْتِعْمَال الطعْن الْكَاذِب فِي مَوْضِعه والصادق فِي مَوْضِعه والاستدارة عِنْد المجاولة يَمِينا وَشمَالًا وإعمال الْفِكر حَال دُخُول الْقرن على قرنه فِي الْخُرُوج مِنْهُ وَالدُّخُول عَلَيْهِ فَلَا يشْغلهُ أَحدهمَا عَن الآخر أوجه الشّبَه بَين الجلاد بِالسَّيْفِ والجدال بِالْحجَّةِ وَلما كَانَ الجلاد بِالسَّيْفِ والسنان والجدال بِالْحجَّةِ ولبرهان كالأخوين الشقيقين والقرينين المتصاحبين كَانَت أَحْكَام كل [وَاحِد] مِنْهُمَا شَبيهَة بِأَحْكَام الآخر ومستفادة مِنْهُ فالإصابة فِي الرَّمْي والنضال كالإصابة فِي الْحجَّة والمقال

стр. 74

والطعن والتبطيل نَظِير إِقَامَة الْحجَّة وَإِبْطَال حجَّة الْخصم [وَالدُّخُول] الْخُرُوج نَظِير الْإِيرَاد والاحتراز [مِنْهُ] وَجَوَاب [الْخصم] والقرن عِنْد دُخُوله عَلَيْك كجواب الْخصم عَمَّا يُورِدهُ عَلَيْك فروسية الْعلم وَالْبَيَان وفروسية الرَّمْي والطعان فالفروسية فروسيتان فروسية الْعلم وَالْبَيَان وفروسية الرَّمْي والطعان وَلما كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أكمل الْخلق فِي الفروسيتين فتحُوا الْقُلُوب بِالْحجَّةِ والبرهان والبلاد بِالسَّيْفِ والسنان وَمَا النَّاس إِلَّا هَؤُلَاءِ الْفَرِيقَانِ وَمن عداهما فَإِن لم يكن ردْءًا وعونا لَهما فَهُوَ كل على نوع الْإِنْسَان وَقد أَمر الله رَسُوله بجدال الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وجلاد أعدائه المشاقين والمحاربين فَعلم الْجِدَال والجلاد من أهم الْعُلُوم وأنفعها للعباد فِي المعاش والمعاد وَلَا يعدل مداد الْعلمَاء إِلَّا دم الشُّهَدَاء والرفعة وعلو الْمنزلَة فِي الدَّاريْنِ إِنَّمَا هِيَ لهاتين الطَّائِفَتَيْنِ وَسَائِر النَّاس رعية لَهما منقادون لرؤسائهما فصل الرِّهَان على الْغَلَبَة بِالرُّمْحِ فَإِن قيل فَإِذا كَانَ شَأْن الرمْح مَا ذكرْتُمْ فَهَلا جوزتم الرِّهَان على الْغَلَبَة بِهِ كَمَا جوزتموها فِي النضال وسباق الْخَيل

стр. 75

قيل اخْتلفت الفقاء فِي ذَلِك فَمَنعه أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وللشافعية فِي المزاريق وَجْهَان قَالَ من جوز الرِّهَان عَلَيْهَا هِيَ دَاخِلَة فِي اسْم النصل وَقَالَ المانعون المُرَاد بالنصل مَا يتَبَادَر إِلَيْهِ الأفهام وَمَا جرت عَادَة النَّاس بالتراهن عَلَيْهِ من عهد الصَّحَابَة وَإِلَى الْآن وَهُوَ السِّهَام خَاصَّة وَلَا ريب أَن من جوز الرِّهَان على الْعَدو بالأقدام والصراع فتجويزه لَهُ فِي المغالبة بِالرِّمَاحِ أولى وَأَحْرَى فصل ركُوب النَّبِي ﷺ الْفرس عُريَانا وتقلده بِالسَّيْفِ وورود ذَلِك فِي صفته فِي الْكتب الأولى وَأما ركُوبه الْفرس عُريَانا وتقلده السَّيْف فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ثَابت عَن أنس قَالَ

стр. 76

كَانَ رَسُول الله ﷺ أحسن النَّاس وأجود النَّاس وَأَشْجَع النَّاس وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة لَيْلَة فَركب فرسا لأبي طَلْحَة عريا فَخرج النَّاس فَإِذا هم برَسُول الله ﷺ قد سبقهمْ الى الصَّوْت قد إستبرأ الْخَبَر وَهُوَ يَقُول لن تراعوا وَقَالَ النَّبِي ﷺ وَجَدْنَاهُ بحرا قَالَ ثَابت فَمَا سبق ذَلِك الْفرس بعد ذَلِك قَالَ وَكَانَ فرسا يبطأ وَفِي لفظ فستقبل النَّاس على فرس عري لأبي طَلْحَة وَالسيف فِي عُنُقه وَفِي صفته ﷺ فِي الْكتب الأولى عزه على عَاتِقه إِشَارَة الى تقلده السَّيْف وفيهَا أَيْضا صفته وَصفَة أمته تتقلد السيوف كَمَا فِي الزبُور فِي بعض المزامير من أجل هَذَا بَارك الله عَلَيْك إِلَى الْأَبَد فتقلد أَيهَا الْخِيَار السَّيْف لِأَنَّهُ الْبَهَاء لوجهك وَالْحَمْد الْغَالِب عَلَيْك لتركب كلمة الْحق وسمت التأله فَإِن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يَمِينك وسهامك

стр. 77

مسنونة والأمم يجرونَ تَحْتك وَلَيْسَ من الْأَنْبِيَاء من تقلد السَّيْف بعد دَاوُد وخرت الْأُمَم تَحْتَهُ وقرنت شرائعه بالهيبة سوى نَبينَا ﷺ كَمَا قَالَ نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَفِي صفة أمته فِي الزبُور وليفرح من اصْطفى الله أمته وَأَعْطَاهُ النَّصْر وسدد الصَّالِحين مِنْهُم بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم وَيُكَبِّرُونَ الله بِأَصْوَات مُرْتَفعَة بِأَيْدِيهِم سيوف ذَات شفرتين لينتقم بهم من الْأُمَم الَّذين لَا يعبدونه وَهَذِه الصِّفَات منطبقة على مُحَمَّد ﷺ وَأمته فصل أَحْكَام الرِّهَان فِي الْمُسَابقَة وصوره الْمُتَّفق عَلَيْهَا والمختلف فِيهَا اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز الرِّهَان فِي الْمُسَابقَة على الْخَيل [وَالْإِبِل] والسهام فِي الْجُمْلَة وَاخْتلفُوا فِي فصلين أَحدهمَا فِي الْبَاذِل للرَّهْن من هُوَ

стр. 78

الثَّانِي فِي حكم عود الرَّهْن إِلَى من يعود فَذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَن الْبَاذِل للرَّهْن يجوز أَن يكون أحد الْمُتَعَاقدين وَيجوز أَن يكون كِلَاهُمَا وَأَن يكون أَجْنَبِيّا ثَالِثا إِمَّا الإِمَام وَإِمَّا غَيره وَلَكِن إِن كَانَ الرَّهْن مِنْهُمَا لم يحل إِلَّا بِمُحَلل وَهُوَ ثَالِث يدخلانه بَينهمَا لَا يخرج شَيْئا فَإِن سبقهما أَخذ سبقهما وَإِن سبقاه [مَعًا] أحرزا سبقهما وَلم يغرم الْمُحَلّل شَيْئا وَإِن سبق الْمُحَلّل مَعَ أَحدهمَا اشْترك [هُوَ] وَالسَّابِق فِي سبقه ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَمر آخر فِي الْمُحَلّل وَهُوَ أَنه هَل يجوز أَن يكون الْمُحَلّل أَكثر من وَاحِد أَو لَا يجوز [أَن يكون] إِلَّا وَاحِدًا فَظَاهر كَلَامهم أَن الْمُحَلّل يكون كَأحد الحزبين إِمَّا وَاحِدًا وَإِمَّا عددا وَقَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ من أَصْحَاب أَحْمد لَا يجوز أَكثر من وَاحِد وَلَو كَانُوا مئة لِأَن الْحَاجة تنْدَفع بِهِ قَالُوا وَالْعقد بِدُونِ الْمُحَلّل إِذا أخرجَا مَعًا قمار

стр. 79

وَمذهب مَالك أَنه إِنَّمَا يجوز أَن يخرج السَّبق ثَالِث لَيْسَ من المتسابقين إِمَّا الإِمَام أَو غَيره وَلَا يجْرِي مَعَهم فَمن سبق مِنْهُمَا أَخذ ذَلِك السَّبق فَإِن جرى مَعَهُمَا الَّذِي أخرج السَّبق فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون السباق فرسين أَو أَكثر فَإِن كَانَتَا فرسين فَسبق مخرج السَّبق فالسبق طعم لمن حضر وَلَا يَأْخُذهُ السَّابِق وَإِن كَانَت خيلا كَثِيرَة وَقد سبق مخرج السَّبق أعْطى سبقه للَّذي يَلِيهِ وَهُوَ الْمُصَلِّي وَلم يَأْخُذهُ وَفقه ذَلِك أَن سبقه لَا يعود إِلَيْهِ بِحَال سَوَاء سبق أَو سبق وَلَا يجوز عِنْده أَن يخرجَا مَعًا لَا بِمُحَلل وَلَا بِغَيْر مُحَلل وَلَا أَن يخرج أحد المتسابقين وَقد روى عَن مَالك رِوَايَة ثَانِيَة جَوَاز إِخْرَاج السَّبق مِنْهُمَا بِمُحَلل كَقَوْل الثَّلَاثَة قَالَ ابْن عبد الْبر وَهَذَا أَجود قوليه وَهُوَ اخْتِيَار ابْن الْمَوَّاز قلت وَلَكِن أَصْحَابه على خِلَافه وَالْمَشْهُور عِنْدهم مَا حكيناه عَنهُ أَولا وَالْقَوْل بالمحلل مَذْهَب تَلقاهُ النَّاس عَن سعيد بن الْمسيب وَأما الصَّحَابَة فَلَا يحفظ عَن أحد مِنْهُم قطّ أَنه اشْترط الْمُحَلّل وَلَا رَاهن بِهِ مَعَ كَثْرَة تناضلهم ورهانهم بل الْمَحْفُوظ عَنْهُم خِلَافه كَمَا ذكره عَن أبي

стр. 80

عُبَيْدَة بن الْجراح وَقَالَ الْجوزجَاني الإِمَام فِي كِتَابَة المترجم حَدثنَا أَبُو صَالح هُوَ مَحْبُوب بن مُوسَى الْفراء حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق هُوَ الْفَزارِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ قَالَ رجل عِنْد جَابر ابْن زيد إِن أَصْحَاب مُحَمَّد كَانُوا لَا يرَوْنَ بالدخيل بَأْسا فَقَالَ هم كَانُوا أعف من ذَلِك والدخيل عِنْدهم هُوَ الْمُحَلّل فينافيه مَا نقل عَنْهُم أَنهم لم يَكُونُوا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا وَفرق بَين أَن لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا وَبَين أَن يكون شرطا فِي صِحَة العقد وحله فَهَذَا لَا يعرف عَن أحد مِنْهُم أَلْبَتَّة وَقَوله كَانُوا أعف من ذَلِك أَي كَانُوا أعف من أَن يدخلُوا بَينهم فِي الرِّهَان دخيلا كالمستعار وَلِهَذَا قَالَ جَابر بن زيد رَاوِي هَذِه الْقِصَّة أَنه لَا يحْتَاج المتراهنان إِلَى الْمُحَلّل حَكَاهُ الْجوزجَاني وَغَيره عَنهُ فصل إِذا عرفت مَذَاهِب النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَنَذْكُر حجج الْفَرِيقَيْنِ ومأخذ الْمَسْأَلَة من الْجَانِبَيْنِ وَإِلَى الْمنصف التحاكم وَغَيره لَا يعبأ الله بِهِ وَلَا رَسُوله وَلَا أولو الْعلم شَيْئا

стр. 81

أَدِلَّة المجوزين للتراهن من غير مُحَلل قَالَ المجوزون للتراهن من غير مُحَلل قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ [الْمَائِدَة: ١] وَهَذَا يَقْتَضِي الْأَمر بِالْوَفَاءِ لكل عقد إِلَّا عقدا حرمه الله وَرَسُوله أَو أَجمعت الْأمة على تَحْرِيمه وَعقد الرِّهَان من الْجَانِبَيْنِ لَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك فالمتعاقدان مأموران بِالْوَفَاءِ بِهِ وَقَالَ [الله] تَعَالَى ﴿وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٤] وَقَالَ [تَعَالَى] ﴿والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٧] وَقَالَ النَّبِي ﷺ الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم إِلَّا شرطا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا [حَدِيث صَحِيح] وَقَالَ [﵇] إِن من أعظم الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شَيْء لم يحرم فَحرم على النَّاس من أجل مَسْأَلته

стр. 82

وَهَذَا يدل على أَن الْعُقُود والمعاملات على الْحل حَتَّى يقوم الدَّلِيل من كتاب الله وَسنة وَرَسُوله ﷺ على تَحْرِيمهَا فَكَمَا أَنه لَا وَاجِب إِلَّا مَا أوجبه الله وَرَسُوله فَلَا حرَام إِلَّا مَا حرمه الله وَرَسُوله قالو وَقد أطلق النَّبِي ﷺ جَوَاز أَخذ السَّبق فِي الْخُف والحافر والنصل إِطْلَاق مشرع لإباحته وَلم يُقَيِّدهُ بِمُحَلل فَقَالَ لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل فَلَو كَانَ الْمُحَلّل شرطا لَكَانَ ذكره أهم من ذكر محَال السباق إِن كَانَ السباق بِدُونِهِ حَرَامًا وَهُوَ قمار عِنْد المشترطين فَكيف يُطلق رَسُول الله ﷺ جَوَاز أَخذ السَّبق فِي هَذِه الْأُمُور وَيكون أغلب صوره مَشْرُوطًا بالمحلل وَأكل المَال بِدُونِهِ حرَام وَلَا يُبينهُ بِنَصّ وَلَا بإيماء وَلَا تَنْبِيه وَلَا ينْقل عَنهُ وَلَا عَن أَصْحَابه مُدَّة رهانهم فِي الْمُحَلّل قَضِيَّة وَاحِدَة قَالُوا وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد عَن أبي لبيد لمازة بن زبار قَالَ قُلْنَا لأنس أَكُنْتُم تراهنون على عهد رَسُول الله ﷺ قَالَ

стр. 83

نعم لقد رَاهن [رَسُول الله ﷺ ] على فرس يُقَال لَهُ (سبْحَة) فَسبق النَّاس فهش لذَلِك وَأَعْجَبهُ وَهُوَ حَدِيث جيد الْإِسْنَاد [وَمن الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج بِهِ رِوَايَة هَذَا الإِمَام لَهُ وعَلى الْمَانِع إبداء مَا يُوجب عدم الإحتجاج] قَالُوا والمراهنة مفاعلة وَهِي لَا تكون إِلَّا من الطَّرفَيْنِ هَذَا اصلها وَالْغَالِب عَلَيْهَا قَالُوا وروى أَحْمد ايضا حَدثنَا غنْدر عَن شُعْبَة عَن سماك قَالَ سَمِعت عياضا الْأَشْعَرِيّ قَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة من يراهنني فَقَالَ شَاب أَنا إِن لم تغْضب قَالَ فسبقه قَالَ فَرَأَيْت عقيصتي أبي عُبَيْدَة تنقزان وَهُوَ على فرس خَلفه عري وَلم يذكر محللا فِي هَذَا وَلَا فِي غَيره قَالُوا وَمثل هَذَا لَا بُد أَن يشْتَهر وَلم ينْقل عَن صَحَابِيّ خِلَافه قَالَ شيخ الْإِسْلَام مَا علمت بَين الصَّحَابَة خلافًا فِي عدم اشْتِرَاط الْمُحَلّل

стр. 84

قَالُوا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَا جلب وَلَا جنب فِي الرِّهَان والرهان على وزن فعال وَهُوَ مُقْتَضى أَن يكون من الْجَانِبَيْنِ فَأبْطل النَّبِي ﷺ فِي عقد الرِّهَان الجلب وَالْجنب وَلم يبطل اشتراطهما فِي بذل السَّبق مَعَ أَن [بَيَان] حكمه أهم من بَيَان الجلب وَالْجنب بِكَثِير قَالُوا وَلَو كَانَ إِخْرَاج الْعِوَض من المتراهنين حَرَامًا وَهُوَ قمار لما حل بالمحلل فَإِن هَذَا الْمُحَلّل لَا يحل السَّبق الَّذِي حرمه الله وَرَسُوله وَلَا تَزُول الْمفْسدَة الَّتِي فِي إخْرَاجهَا بِدُخُولِهِ [بل تزيد كَمَا سنبينه فَإِن كَانَ العقد بِدُونِهِ قمارا فَهُوَ بِدُخُولِهِ] أَيْضا [قمار] إِذْ الْمَعْنى الَّذِي جعلتموه

стр. 85

لأَجله قمارا إِذا اشْتَركَا فِي الْإِخْرَاج هُوَ بِعَيْنِه قَائِم مَعَ دُخُول الْمُحَلّل فَكيف يكون العقد قمارا فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ وحلالا فِي الْأُخْرَى مَعَ قيام الْمَعْنى بِعَيْنِه وَلَا تذكرُونَ فرقا إِلَّا كَانَ الْفرق مقتضيا لِأَن يكون العقد بِدُونِهِ أقل خطرا وَأقرب إِلَى الصِّحَّة كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالُوا وَدخُول الْمُحَلّل فِي هَذَا العقد كدخول الْمُحَلّل فِي النِّكَاح للمطلق ثَلَاثًا وكدخول الْمُحَلّل فِي عقد الْعينَة وَنَحْوهَا من الْعُقُود الْمُشْتَملَة على الْحِيَل الربوية فَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهُم مستعار غير مَقْصُود فِي العقد وَالْمَقْصُود غَيره وَهُوَ حرف جَاءَ لِمَعْنى من غَيره وَقد ثَبت فِي مُحَلل النِّكَاح والعينة مَا ثتب فِيهِ من النَّهْي عَنهُ والإخبار عَن مُحَلل النِّكَاح أَنه تَيْس مستعار فَإِنَّهُ لم يقْصد بِالْعقدِ وَإِنَّمَا استعير دخيلا ليحل مَا حرم الله تَعَالَى قَالُوا فَإِن كَانَ إِخْرَاج السَّبق من المتراهنين حَرَامًا فدخول الْمُحَلّل ليحله كدخول مُحَلل النِّكَاح سَوَاء بِسَوَاء وَإِن كَانَ بذل السَّبق مِنْهُمَا جَائِزا مَعَه فبدونه أولى بِالْجَوَازِ قَالُوا وَأَيْضًا فالمحلل إِمَّا أَن يكون دُخُوله ليحل الْعَمَل أَو ليحل الْبَذْل أَو ليحل أكل السَّبق والأقسام الثَّلَاثَة بَاطِلَة أما بطلَان إحلاله الْعَمَل فَظَاهر فَإِن الْعَمَل حَلَال بالِاتِّفَاقِ وَأما بطلَان إحلاله الْبَذْل فَكَذَلِك أَيْضا لِأَن الْبَذْل جعَالَة عِنْد المشترطين للمحلل فِي هَذَا العقد وبذل الْجعل فِي الْجعَالَة لَا يتَوَقَّف على

стр. 86

مُحَلل سَوَاء كَانَ من أحد الْجَانِبَيْنِ أَو من كليهمَا إِذْ غايتها أَن تكون جعَالَة من الطَّرفَيْنِ وحلها لَا يتَوَقَّف على مُحَلل كَمَا لَو أبق لكل وَاحِد مِنْهُمَا عبد فَقَالَ كل مِنْهُمَا للْآخر إِن رددت عَبدِي فلك عشرَة وبذل السَّبق عِنْدهم هُوَ مثل هَذَا فَإِنَّهُم يدخلونه فِي قسم الجعالات وَأما بطلَان إحلاله لأجل السَّبق فَكَذَلِك أَيْضا لِأَن أكل هَذَا السَّبق إِن كَانَ حَرَامًا بِدُونِ الْمُحَلّل فَهُوَ حرَام بِدُخُولِهِ فَإِنَّهُ لَا تَأْثِير لَهُ فِي حل مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمَا وَإِن لم يكن حَرَامًا بِدُخُول الْمُحَلّل لم يكن حَرَامًا بِدُونِهِ فَإِنَّهُ لَا تَأْثِير لَهُ فِي عملهما وَلَا فِي دفع المخاطرة فِي عقدهم بل دُخُوله إِن لم يضرهما لم ينفعهما قَالُوا وَأَيْضًا فَالله حرم الميسر فِي كِتَابه كَمَا حرم الْخمر وَالْميسر هُوَ الْقمَار وتحريمه إِمَّا أَن يكون لنَفس الْعَمَل أَو لما فِيهِ من أكل المَال الْبَاطِل أَو لمجموع الْأَمريْنِ وَلَيْسَ هُنَا قسم رَابِع وأيا مَا كَانَ فَلَيْسَ فِي هَذَا العقد الْمُتَنَازع فِيهِ وَاحِد من الْأُمُور الثَّلَاثَة بل هُوَ خَال عَنْهَا فَإِن المغالبات فِي الشَّرْع تَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا فِيهِ مفْسدَة راجحة على منفعَته كالنرد وَالشطْرَنْج فَهَذَا يحرمه الشَّارِع لَا يبيحه إِذْ مفسدته راجحة على مصْلحَته وَهِي من جنس مفْسدَة السكر وَلِهَذَا قرن الله بَين الْخمر والقمار فِي الحكم وجعلهما فريني الأنصاب والأزلام وَأخْبر أَنَّهَا كلهَا رِجْس

стр. 87

وَأَنَّهَا من عمل الشَّيْطَان وَأمر باجتنابها وعلق الْفَلاح باجتنابها وَأخْبر أَنَّهَا تصد عَن ذكره وَعَن الصَّلَاة وتهدد من لم ينْتَه عَنْهَا وَمَعْلُوم أَن شَارِب الْخمر إِذا سكر كَانَ ذَلِك مِمَّا يصده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة ويوقع الْعَدَاوَة والبغضاء بِسَبَبِهِ وَكَذَلِكَ المغالبات الَّتِي تلهي بِلَا مَنْفَعَة كالنرد وَالشطْرَنْج وأمثالهما مِمَّا يصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة لشدَّة التهاء النَّفس بهَا واشتغال الْقلب فِيهَا أبدا بالفكر وَمن هَذَا الْوَجْه فالشطرنج أَشد شغلال للقلب وصدا عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَلِهَذَا جعله بعض الْعلمَاء أَشد تَحْرِيمًا من النَّرْد وَجعل النَّص على أَن اللاعب بالنرد عَاص لله وَرَسُوله تَنْبِيها بطرِيق الأولى على أَن اللاعب بالشطرنج أَشد مَعْصِيّة إِذْ لَا يحرم الله وَرَسُوله فعلا مُشْتَمِلًا على مفْسدَة ثمَّ يُبِيح فعلا مُشْتَمِلًا على مفْسدَة أكبر من تِلْكَ والحس والوجود شَاهد بِأَن مفْسدَة الشطرنج وشغلها للقلب وصدها عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة أعظم من مفْسدَة النَّرْد وَهِي توقع الْعَدَاوَة والبغضاء لما فِيهَا من قصد كل من المتلاعبين قهر الآخر وَأكل مَاله وَهَذَا من اعظم مَا يُوقع الْعَدَاوَة والبغضاء فَحرم الله سُبْحَانَهُ هَذَا النَّوْع لاشْتِمَاله على مَا يبغضه وَمنعه مِمَّا يُحِبهُ

стр. 88

فصل الْمصلحَة الراجحة المتضمنة لما يُحِبهُ الله وَرَسُوله تَقْتَضِي عدم إِدْخَال الْمُحَلّل بَين المتسابقين وأوجه ذَلِك الْقسم الثَّانِي عكس هَذَا وَهُوَ مَا فِيهِ مصلحَة راجحة وَهُوَ مُتَضَمّن لما يُحِبهُ الله وَرَسُوله معِين عَلَيْهِ ومفض إِلَيْهِ فَهَذَا شَرعه الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَشرع لَهُم الْأَسْبَاب الَّتِي تعين عَلَيْهِ وترشد إيه وَهُوَ كالمسابقة على الْخَيل وَالْإِبِل والنضال الَّتِي تَتَضَمَّن الِاشْتِغَال بِأَسْبَاب الْجِهَاد وَتعلم الفروسية والاستعداد للقاء أعدائه وإعلاء كَلمته وَنصر دينه وَكتابه وَرَسُوله فَهَذِهِ المغالبة تطلب من جِهَة الْعَمَل وَمن جِهَة أكل المَال بِهَذَا الْعَمَل الَّذِي يُحِبهُ الله تَعَالَى وَرَسُوله وَمن الْجِهَتَيْنِ مَعًا وَهَذَا الْقسم جوزه الشَّارِع بالبرهان تحريضا للنفوس عَلَيْهِ فَإِن النَّفس يصير لَهَا داعيان دَاعِي الْغَلَبَة وداعي الْكسْب فتقوى رغبتها فِي الْعَمَل المحبوب لله تَعَالَى وَرَسُوله فَعلم أَن أكل المَال بِهَذَا النَّوْع أكل لَهُ بِحَق لَا بباطل وَمَعْلُوم أَن دُخُول الْمُحَلّل يضعف هَذَا الْغَرَض ويفتر عزم الأقران فَهُوَ يعود على مَطْلُوب الشَّارِع بالإبطال فَإِن المتسابقين مَتى رَأيا بَينهمَا دخيلا مستعارا يَأْكُل مَالهمَا إِن غلب وَلَا يأخذان مِنْهُ شَيْئا إِن غلباه فترت عزيمتهما وَضعف حرصهما وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَا إِعَانَة فِيهِ على هَذَا الْعَمَل وَلَا تَقْوِيَة فِيهِ للرعية وَلَا هُوَ أدّى إِلَى تَحْصِيل المَال الْبَاعِث على الْعَمَل فَالْعقد بِدُونِهِ أقرب إِلَى

стр. 89

حُصُول مَا يُحِبهُ الله تَعَالَى قَالُوا والوجود شَاهد بذلك فصل وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ مضرَّة راجحة وَلَا هُوَ أَيْضا مُتَضَمّن لمصْلحَة راجحة يَأْمر الله تَعَالَى بهَا وَرَسُوله ﷺ فَهَذَا لَا يحرم وَلَا يُؤمر بِهِ كالصراع الْعَدو والسباحة وشيل الأثقال وَنَحْوهَا فَهَذَا الْقسم رخص فِيهِ الشَّارِع بِلَا عوض إِذْ لَيْسَ فِيهِ مفْسدَة راجحة وللنفوس فِيهِ استراحة وإجمام وَقد يكون مَعَ الْقَصْد الْحسن عملا صَالحا كَسَائِر الْمُبَاحَات الَّتِي تصير بِالنِّيَّةِ طاعات فاقتضت حِكْمَة الشَّرْع الترخيص فِيهِ لما يحصل فِيهِ من إجمام النَّفس وراحتها واقتضت تَحْرِيم الْعِوَض فِيهِ إِذْ لَو أباحته بعوض لاتخذته النُّفُوس صناعَة ومكسبا فالتهت بِهِ عَن كثير من مصَالح دينهَا ودنياها فَأَما إِذا كَانَ لعبا مَحْضا وَلَا مكسب فِيهِ فَإِن النَّفس لَا تؤثره على مصَالح دنياها ودينها وَلَا تؤثره عَلَيْهَا إِلَّا النُّفُوس الَّتِي خلقت للبطالة قَالُوا وَبِهَذَا التَّقْسِيم تتبين حِكْمَة الشَّرْع فِي إِدْخَاله السَّبق فِي الْخُف والحافر والنصل وَمنعه فِيمَا عَداهَا وَتبين بِهِ أَن الدخيل لَا مصلحَة فِيهِ للمتسابقين أَلْبَتَّة قَالُوا وَأَيْضًا فالشرع مبناه على الْعدْل فَإِن الله سُبْحَانَهُ أرسل رسله وَأنزل كتبه ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ وَقد حرم الله سُبْحَانَهُ الظُّلم على نَفسه وَجعله محرما بَين عباده والعقود كلهَا مبناها على الْعدْل بَين

стр. 90

الْمُتَعَاقدين عُقُود الْمُعَاوَضَات والمشاركات جائزها ولازمها وَإِذا كَانَ مبْنى الْعُقُود على الْعدْل من الْجَانِبَيْنِ فَكيف يُوجب فِي عقد من الْعُقُود أَن يبْذل أحد الْمُتَعَاقدين وَحده دون الآخر وَكِلَاهُمَا فِي الْعَمَل وَالرَّغْبَة سَوَاء وكل وَاحِد مِنْهُمَا رَاغِب فِي السَّبق وَالْكَسْب فَمَا الَّذِي جوز الْبَذْل لأَحَدهمَا دون الآخر قَالُوا وَأَيْضًا فالمحلل كأحدهم فِي الْعَمَل وَالرَّغْبَة فَمَا الَّذِي أوجب عَلَيْهَا بذل ماليهما إِن سبقهما وَحرم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمَا بذل مَاله لَهما إِن سبقاه مَعَ تساويهم فِي الْعَمَل من كل وَجه فَأَي قِيَاس أَو أَي نظر أَو أَيَّة حِكْمَة أَو أَيَّة مصلحَة توجب ذَلِك قَالُوا بل دُخُول الْمُحَلّل بَينهمَا يضرهما وَلَا ينفعهما فَهُوَ لم يزدهما إِلَّا ضَرَرا فَإِنَّهُ إِن سبقهما أكل مَالهمَا وَإِن سبقاه لم يأكلا مِنْهُ شَيْئا وَأما إِذا لم يدْخلَاهُ فَإِنَّهُ أَيهمَا سبق صَاحبه أَخذ مَاله وَإِن لم يسْبق أَحدهمَا الآخر أحرز كل وَاحِد مِنْهُمَا مَال نَفسه وَهَذَا أعدل لِأَن الْغَالِب يَأْخُذ بِعَمَلِهِ والمغلوب يغرم لِأَنَّهُ بذل المَال لمن يغلبه وَأما الْمُحَلّل فَإِنَّهُ إِن كَانَ غَالِبا غنم وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا سلم وَصَاحب المَال إِن كَانَ مَغْلُوبًا غرم قَالُوا فَمُقْتَضى الْقيَاس فَسَاد العقد بالمحلل قَالُوا وَأَيْضًا فالمحلل عنْدكُمْ على خلاف الْقيَاس وَإِنَّمَا احتملتموه للضَّرُورَة حَتَّى قَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ

стр. 91

لَا يجوز أَكثر من مُحَلل وَاحِد وَلَو كَانُوا مئة قَالُوا لِأَن الْحَاجة اندفعت بِهِ وَلَو كَانَ هَذَا الْمُحَلّل مَقْصُودا وللعقد بِهِ مصلحَة لم يكن على خلاف الْقيَاس وَكَانَ كَأحد الحزبين قَالُوا وَمن الْمَعْلُوم أَن الْمُحَلّل غير مَقْصُود بِالْعقدِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود صَاحِبَاه فَأنْتم جعلتم الْمُحَلّل الَّذِي لم يقْصد بِهَذَا العقد أحسن حَالا من صَاحِبيهِ المقصودين بِالْعقدِ وَهل هَذَا الْأَمر إِلَّا بِالْعَكْسِ أولى فَإِن رِعَايَة جَانب الباذلين المقصودين بِالْعقدِ أَحَق من رِعَايَة جَانب هَذَا الْمُحَلّل الَّذِي هُوَ غير مَقْصُود وَلَا باذل فالمحلل لَهُ مَنْفَعَة على تقديرين وسلامة على تَقْدِير وَأما الْآخرَانِ فَلِكُل مِنْهُمَا مَنْفَعَة على تَقْدِير ومضرة على تَقْدِير فَهُوَ احسن حَالا مِنْهُمَا فليلحق بهما من الْمضرَّة وَقلة الِانْتِفَاع وَدخُول ثَالِث يَأْكُل مَالهمَا مَا لم يحصل للمحلل الَّذِي هُوَ دخيل غير مَقْصُود فخصصتم بالمضرة الْمَقْصُود الَّذِي حضه النَّبِي ﷺ على الرّكُوب وَالرَّمْي وخصصتم بزوالها وَزِيَادَة النَّفْع هَذَا الْعَارِية الَّذِي هُوَ غير مَقْصُود قَالُوا وَهَذَا يتَضَمَّن أَمريْن أَحدهمَا خُرُوج هَذَا العقد عَن الْإِنْصَاف الَّذِي هُوَ مدَار الْعُقُود فَكيف يشرع الشَّارِع الْحَكِيم فِي الْعُقُود مَا يكون منافيا للعدل وَيحرم مَا يكون مُوجب الْعدْل وَمُقْتَضَاهُ الثَّانِي أَن يَجْعَل الرَّاغِب فِي الْعَمَل المحبوب لله وَلِرَسُولِهِ المريد للرمي وَالرُّكُوب ليستعين بِهِ على الْجِهَاد أَسْوَأ حَالا من هَذَا الدخيل الَّذِي لم يبْذل شَيْئا إِنَّمَا دخل عَارِية فجعلتموه مراعى جَانِبه منظورا فِي مصْلحَته معرضًا للكسب مصان الْجَانِب من الخسران وَلَيْسَ صَاحِبَاه

стр. 92

بِهَذِهِ الْمنزلَة قَالُوا وَمن تَأمل مَقَاصِد الشَّرْع وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الحكم والمصالح علم أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ أولى قَالُوا وَأَيْضًا فالعاقل لَا يبْذل الْجعل إِلَّا لعمل هُوَ مَقْصُود لَهُ لَا يبذله فميا هُوَ مَكْرُوه إِلَيْهِ فيبذله لنفع هُوَ يعود عَلَيْهِ كخياطة ثَوْبه وَبِنَاء دَاره ورد عَبده أَو نفع غَيره كفداء أَسِير أَو عتق عبد أَو خلع امْرَأَة فهذان غرضان مطلوبان فَإِذا بذل أَجْنَبِي السَّبق لمن سبق كَانَ قد بذل مَاله لغَرَض مَقْصُود لَهُ وَهُوَ الْإِعَانَة على الْقُوَّة فِي سَبِيل الله فَإِذا بذله أحد المتسابقين جَازَ لهَذَا الْمَقْصُود فَكيف يُقَال يجوز أَن يبْذل الْجعل بِشَرْط أَن يكون مَسْبُوقا مَغْلُوبًا وَأَنه إِن كَانَ سَابِقًا لَا يحصل لَهُ شَيْء وَلَا يجوز أَن يبذله إِذا كَانَ مَسْبُوقا وَإِن كَانَ سَابِقًا حصل لَهُ شَيْء بَيَان ذَلِك أَنه إِذا كَانَ الْمخْرج أَحدهمَا كَانَ مُقْتَضى الْعدْل من الْبَاذِل أَنه لَا يجوز لَهُ بذله إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا خُرُوج السَّبق عَنهُ إِن كَانَ مَغْلُوبًا وَالثَّانِي أَنه لَا يَأْخُذ شَيْئا إِذا كَانَ غَالِبا وَإِذا أخرجَا مَعًا كَانَ مُقْتَضى الْعقل أَنه يبذله إِذا كَانَ مَغْلُوبًا وَيَأْخُذ إِذا كَانَ غَالِبا فقد جوزتم بذلك الْجعل فِي الْحَال الَّذِي لَا ينْتَفع بهَا الْبَاذِل ومنعتم بذله فِي الْحَال الَّتِي يَرْجُو فِيهَا انتفاعه فجوزتهم بذلك فِي عقد لَا ينْتَفع بِهِ ومنعتم بذله فِي عقد هُوَ بصدد الِانْتِفَاع بِهِ وَمن الْمَعْلُوم أَن مَا منعتموه أولى بِالْجَوَازِ مِمَّا جوزتموه وَأَن مَا شرطتموه للْحلّ هُوَ أولى أَن يكون مَانِعا من الْحل أقرب

стр. 93

قُولُوا وَأَيْضًا فَإِن كَانَ أَحدهمَا يَأْكُل مَال الآخر بِالْبَاطِلِ إِذا أخرجَا مَعًا بِدُونِ الْمُحَلّل فَأكل الْمُحَلّل مَالهمَا بِالْبَاطِلِ أولى وَأَحْرَى بَيَانه أَن أَحدهمَا إِنَّمَا يَأْكُل مَال الآخر إِذا كَانَ غَالِبا لَهُ فيأكله بالجهة الَّتِي يَأْكُل بهَا الآخر مَاله بِعَينهَا مَعَ تسويهما فِي الْبَذْل وَالْغنم وَالْغُرْم وَالْعَمَل وَأما الْمُحَلّل فَإِنَّهُ يَأْكُل مَالهمَا إِن سبقهما وَلَا يأكلان لَهُ شَيْئا إِن سبقاه فَلَا يَأْكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَاله اذا كَانَ مَغْلُوبًا وَيَأْكُل مَالهمَا إِذا كَانَ غَالِبا فَإِن لم يكن هَذَا أكلا لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ فالصورة الَّتِي منعتموها أولى أَن لَا تكون أكلا بِالْبَاطِلِ وَإِن كَانَت تِلْكَ متضمنة للْأَكْل بِالْبَاطِلِ فَهَذَا أولى وَهَذَا مِمَّا لَا جَوَاب عَنهُ قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا أخرجَا مَعًا كَانَ كل مِنْهُمَا لَهُ مثل مَا للْآخر وَعَلِيهِ مثل مَا عَلَيْهِ ورجاؤه وخوفه كرجاء الآخر وخوفه وَهَذَا هُوَ الْعدْل الْمَحْض فهما كشريكي الْعَنَان والشريكين فِي الْمُسَاقَاة

стр. 94

والمزارعة وَالْمُضَاربَة وَلِهَذَا حرم الشَّارِع أَن يخْتَص أَحدهمَا عَن الآخر بزرع بقْعَة بِعَينهَا أَو ثَمَرَة شَجَرَة بِعَينهَا وَالْمُضَارب لَا يجوز أَن يخْتَص بِرِبْح سلْعَة بِعَينهَا بل يكونَانِ سَوَاء فِي الْمغنم والمغرم وَإِنَّمَا جوز أَن يكون الْبَذْل من أَحدهمَا لِأَنَّهُ يلْتَحق بالجعالة عنْدكُمْ وَهَذِه الْجعَالَة الْعَمَل فِيهَا مَقْصُود وحيئنذ فَيُقَال إِذا أخرجَا مَعًا كَانَ غَايَته أَنه جعَالَة من الطَّرفَيْنِ فَلَا يمْنَع جَوَازه وَإِذا علم هَذَا فَإِذا أخرجَا مَعًا كَانَ اقْربْ إِلَى عُقُود الْمُعَاوَضَات والمشاركات مِمَّا إِذا أخرج أَحدهمَا لِأَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِي الْعَمَل والاشتراك فِي الْعَمَل يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك فِي بذل الْجعَالَة بِخِلَاف مَا إِذا أخرج أَحدهمَا وَانْفَرَدَ الْبَاذِل بِالْمَالِ وَالْعَامِل بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُمَا هُنَاكَ لم يشتركا فِي الْعَمَل فَهُوَ نَظِير مَا إِذا بذل السَّبق أَجْنَبِي لم يدْخل مَعَهُمَا قَالُوا وَأَيْضًا فَلَو كَانَ تَحْرِيم هَذَا العقد الَّذِي أخرج فِيهِ المتعاقدان

стр. 95

كِلَاهُمَا من غير مُحَلل لما فِيهِ من المخاطرة بَين الْمغنم والمغرم للَزِمَ طرد ذَلِك فَيحرم كل عقد تضمن مخاطرة بَين الْغنم وَالْغُرْم وَكَانَ يلْزم تَحْرِيم الشّركَة فَإِن كل وَاحِد من الشَّرِيكَيْنِ إِمَّا إِن يغرم وَإِمَّا أَن يغنم فَإِن قُلْتُمْ بل هَا هُنَا قسم ثَالِث وَهُوَ أَن يسلم فَلَا يغنم وَلَا يغرم كَانَ جوابكم من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن السَّابِق كَذَلِك قد يسلم أَيْضا فَلَا يسْبق وَلَا يسْبق الثَّانِي أَن احْتِمَال هَذَا الْقسم لَا يزِيل المخاطرة بل كَانَت مخاطرة بَين أَمريْن فَصَارَت بَين ثَلَاثَة قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا أخرج احدهما دون الآخر كَانَ آكل المَال فِي هَذَا العقد آكلا بِوَجْه يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَهُوَ تعلم مَا يُحِبهُ من الرَّمْي والإصابة والفروسية فَإِذا اشْتَركَا فِي الْإِخْرَاج فَكل مِنْهُمَا إِمَّا معِين أَو معَان على تَحْصِيل هَذَا المحبوب المرضي لله فَكل وَاحِد مِنْهُمَا يَأْكُل بالجهة الَّتِي يَأْكُل بهَا صَاحبه فجهة أكل المَال جِهَة وَاحِدَة فَإِن حرم أكله فِي صُورَة اشتراكهما فِي الْإِخْرَاج حرم فِي صُورَة الِانْفِرَاد وَإِن أُبِيح فِي صُورَة الِانْفِرَاد لزم إِبَاحَته فِي صُورَة الِاشْتِرَاك إِذْ لَا فرق بَينهمَا يَقْتَضِي جعل إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ من الْمُبَاح بل من الْمُسْتَحبّ الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَالثَّانِي من الْقمَار وَالْميسر الَّذِي يبغضه الله وَرَسُوله فيا لله الْعجب أَي معنى وَأي حِكْمَة فرقت بَينهمَا هَذَا الْفرْقَان مَعَ أَنَّهُمَا أَخَوان شقيقان

стр. 96

قَالُوا ويوضحه أَن الْغَالِب إِنَّمَا يَأْكُل المَال بغلبه وَهَذِه الْعلَّة بِعَينهَا مَوْجُودَة فِيمَا إِذا أخرجَا مَعًا فَيجب طرد الحكم لاطراد علته قَالُوا ويوضحه أَن الْمَانِع من طرد الحكم مُنْتَفٍ لما تقدم والمقتضي مَوْجُود فَيجب القَوْل بالمقتضي السَّالِم عَن الْمعَارض المقاوم قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا كَانَت عِلّة التَّحْرِيم لاشْتِرَاكهمَا فِي الْخراج هِيَ المخاطرة لزم فَسَاد الْعلَّة لتخلف الحكم عَنْهَا فِي صُورَة الْمُحَلّل وَحِينَئِذٍ فَيُقَال لَيْسَ الحكم لفساد التَّخَلُّف الْمَذْكُور مَعَ الْمُحَلّل أولى من اعْتِبَارهَا للاقتران مَعَ عَدمه قَالُوا وَأَيْضًا فتأثير الْمُحَلّل إِمَّا أَن يكون فِي رفع السَّبَب الْمُقْتَضِي للتَّحْرِيم أَو فِي رفع الحكم وَهُوَ التَّحْرِيم مَعَ قيام سَببه كالرخصة فِي أكل الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير للْمُضْطَر وَكِلَاهُمَا بَاطِل أما الأول فَإِن السَّبَب الْمحرم عنْدكُمْ هُوَ المخاطرة وَهِي لم تزل بالمحلل وَأما الثَّانِي فَكَذَلِك أَيْضا إِذْ هُوَ مُسْتَلْزم تخلف الحكم عَن علته مَعَ قيام الْوَصْف الَّذِي جعلهَا مُؤثرَة فَإِن قُلْتُمْ العقد بالمحلل يصير من بَاب الْمُعَاوَضَات ومخرج من شبه الْقمَار فجوابكم من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن هَذَا الْفرق بِعَيْنِه حجَّة عَلَيْكُم فَإِنَّهُ إِذا صَار العقد بِهِ من عُقُود الْمُعَاوَضَات بل إِذا تعاقد الجاعلان وبذل كل مِنْهُمَا جعلا لمن يعْمل مثل عمله جَازَ بِلَا مُحَلل اتقافا الثَّانِي أَنه يلزمكم إِخْرَاج السَّبق مِنْهُمَا بِمُحَلل فِي سَائِر الْأَعْمَال

стр. 97

الْمُبَاحَة كالمسابقة على الْأَقْدَام والسباحة وَالْكِتَابَة والخياطة والنجارة وَسَائِر الصناعات الْمُبَاحَة فَإِن الْمُحَلّل إِذا جعل العقد من بَاب الجعالات الْجَائِزَة هُنَاكَ فَلم لَا يَجعله من الجعالات الْجَائِزَة هُنَا وَمَا الْفرق وَهَذَا فِي غَايَة الظُّهُور قَالُوا وَأَيْضًا فدخول الْمُحَلّل إِمَّا أَن يكون ليحل السَّبق لنَفسِهِ أَو لغيره وَكِلَاهُمَا بَاطِل أما الأول فَظَاهر الْبطلَان فَإِنَّهُ لم يدْخل إِلَّا لأجلهما لِئَلَّا يكون عقدهما قمارا عنْدكُمْ وَقد صرح جُمْهُور المشترطين بِأَنَّهُ لم يدْخل ليحل السَّبق لنَفسِهِ ووهنوا رغم من زعم ذَلِك وأبطلوه وَهُوَ كَمَا قَالُوا لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يكون إحلاله السَّبق لنَفسِهِ لأجل مَجِيئه سَابِقًا أَو لعدم إِخْرَاجه فَإِن كَانَ إحلاله لسبقه فالسبق حِينَئِذٍ هُوَ الْمُقْتَضِي للْحلّ فَمن أسعده الله تَعَالَى بسبقه فَمن تَمام السَّعَادَة تَخْصِيصه برزقه فَلَا أثر للمحلل أَلْبَتَّة وَإِن كَانَ إِنَّمَا يحله لنَفسِهِ لعدم إِخْرَاجه فَيُقَال إِذا حل لَهُ السَّبق مَعَ عدم بذله فَلِأَن يحل للباذل أولى وَأَحْرَى لِأَن بذلك الْبَاذِل زِيَادَة إِحْسَان وَخير فَلَا يكون سَببا لحرمانه وَيكون ترك بذل هَذَا سَببا لأَخذه وفوزه فَكيف يحرم على الْبَاذِل المحسن وَيحل للمستعار الَّذِي لم يبْذل وَهل يدل الشَّرْع وَالْعقل نعم وَالِاعْتِبَار إِلَّا على عكس ذَلِك قَالُوا وَأَيْضًا فبدخول الْمُحَلّل إِمَّا أَن يُقَال زَالَت المخاطرة الْمُقْتَضِيَة للتَّحْرِيم أَو بقيت على حَالهَا أَو ازدادت وَالْأول محَال لِأَنَّهَا كَانَت بَين أَمريْن فَصَارَت بَين ثَلَاثَة كَمَا تقدم

стр. 98

وَالثَّانِي يَقْتَضِي عدم اشْتِرَاط الْمُحَلّل وَالثَّالِث يَقْتَضِي بُطْلَانه وَهَذَا وَاضح لَا يحْتَاج إِلَى تَأمل قَالُوا وَأَيْضًا فَكل مِنْهُمَا بِدُونِ الْمُحَلّل كَانَ يتَوَقَّع غَرَامَة مَاله لوَاحِد فَقَط وَهُوَ خَصمه فَإِذا دخل الْمُحَلّل صَار متوقعا لغرامته للْآخر أَو للمحلل أَو لَهما فَكيف يُقَال يجوز العقد الَّذِي يتَوَقَّع فِيهِ غَرَامَة مَاله لهَذَا وَحده لهَذَا وَحده وَلَهُمَا مَعًا وَيحرم العقد الَّذِي إِنَّمَا يتَوَقَّع فِيهِ غرامته لوَاحِد فَقَط وَمن الْمَعْلُوم أَن وُقُوع قسم من ثَلَاثَة أقرب من وُقُوع وَاحِد بِعَيْنِه فَتكون جِهَات غَرَامَة كل مِنْهُمَا مَعَ الْمُحَلّل ضعْفي جِهَة غرامته بِدُونِهِ فَكيف يُبَاح هَذَا وَيحرم ذَاك وَهل كَانَ يَنْبَغِي إِلَّا الْعَكْس قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا كَانَ لَا يجوز لأَحَدهمَا أَن يَأْخُذ مَال الآخر إِذا اشْتَركَا فِي الْإِخْرَاج وَيكون أكل المَال مِنْهُ اكلا بِالْبَاطِلِ فيكف يجوز لكل مهما أكل مَال الآخر إِذا دخل هَذَا الدخيل الْمُسْتَعَار وَيكون الْأكل بِهِ اكلا بِحَق مَعَ أَنَّهُمَا لم يستفيدا بِهِ إِلَّا أكله مَالهمَا وحصولهما على الحرمان وَإِن غلباه لم يفرحا بغلب فَإِذا دخل وتناصفا فِي الْإِخْرَاج وتساويا فِي الْعَمَل وانتظر كل مِنْهُمَا مَا يخرج لَهُ بِهِ الْقدر حرمتموه قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا أخرجَا مَعًا كَانَ كل مِنْهُمَا معطيا آخِذا فَإِذا دخل بَينهمَا هَذَا الثَّالِث دخل من يكون آخِذا لَا معطيا فَإِن كَانَ أكله

стр. 99

السَّبق على هَذَا الْوَجْه أكلا بِحَق فَأكل من يكون معطيا آخِذا أحل مِنْهُ فَكيف يُقَال إِن من يَأْخُذ وَلَا يُعْطي يسْتَحق وَمن يَأْخُذ وَيُعْطِي لَا يسْتَحق مَعَ استوائهما فِي الْعَمَل قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا أخرجَا مَعًا فَأكل المَال فِي هَذِه الصُّورَة إِمَّا أَن يكون بِحَق أَو بباطل فَإِن كل بِحَق فَلَا حَاجَة فِي جَوَازه إِلَى الْمُحَلّل وَإِن كَانَ أكلا بباطل فدخول الْمُحَلّل لَا يَجعله أكلا بِحَق فَإِن الْمُحَلّل لم يزل السَّبَب الَّذِي كَانَ أكل المَال بِهِ بِدُونِهِ بَاطِلا كَمَا تقدم قَالُوا وَأَيْضًا فَإِذا سبق الْمُحَلّل مَعَ أَحدهمَا فإمَّا أَن يَقُولُوا يخْتَص الْمُحَلّل بسبق الآخر أَو يشْتَرك هُوَ وَالسَّابِق وَالْأول مُمْتَنع لِأَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِي السَّبق واستويا فِي الْعَمَل فتخصيص الْمُحَلّل بِالسَّبقِ مَعَ تساويهما فِي سَببه ظلم وَإِن قُلْتُمْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ لزمكم الْمَحْذُور الَّتِي فررتم مِنْهُ لِأَن كل مَا ذكرْتُمْ فِيمَا إِذا لم يكن بَينهمَا مُحَلل فَهُوَ هَا هُنَا بِعَيْنِه لِأَن الِاثْنَيْنِ لما سبقا الثَّالِث صَارا بِمَنْزِلَة الْوَاحِد الَّذِي سبق الآخر وَلِهَذَا اشْتَركَا فِي سبقه فَإِن لم يكن فِي هَذَا مَحْذُور لم يكن فِي الصُّورَة الَّتِي منعتموها مَحْذُور وَإِن كَانَ فِي صُورَة الْمَنْع مَحْذُور فهاهنا مثله وَلَا فرق فَإِن كَانَ عنْدكُمْ فرق فأبدوه لنا فَإنَّا من وَرَاء الْقبُول لَهُ إِن كَانَ فرقا مؤثرا وَمن وَرَاء الرَّد إِن كَانَ غير مُؤثر قَالُوا وَأَيْضًا فَكَمَا زَادَت المخاطرة بِدُخُول الْمُحَلّل فِي أَقسَام الْغنم وَالْغُرْم زَادَت أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَى المسابقين فَإِنَّهُمَا إِذا كَانَا اثْنَيْنِ

стр. 100

فَقَط فمخاطرة كل وَاحِد مِنْهُمَا مَعَ اثْنَيْنِ من قرنه وَمَعَ الْمُسْتَعَار الدخيل وَقد كَانَ قبل الْمُحَلّل كل مِنْهُمَا بصدد الْغنم إِذا غلب وَاحِد فَقَط وبدخول الْمُحَلّل لَا يغنم حَتَّى يغلب اثْنَيْنِ وَلَا ريب أَن المخاطرة كلما كَانَت أقل كَانَت أولى بِالْجَوَازِ وَكَيف يكون العقد الَّذِي زَادَت مخاطرته هُوَ الْحَلَال الْجَائِز وَالَّذِي هُوَ أقل مخاطرة مِنْهُ وَأقرب إِلَى تَحْصِيل مَقْصُود الشَّارِع والمتراهنين هُوَ الْحَرَام الْمُمْتَنع هَذَا مِمَّا لَا تَأتي بِهِ الشَّرِيعَة الْكَامِلَة قَالُوا وَأَيْضًا فَحل المَال يَسْتَدْعِي طيب نفس باذله بِهِ فَإِنَّهُ لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ والمتراهنان إِذا دخل

стр. 101

بَينهمَا مُحَلل يَأْخُذ وَلَا يُعْطي لم تطب أَنفسهمَا وَلَا تسمح لَهُ ببذل المَال لِأَنَّهُ كاسب غر غَارِم وَهُوَ عَارِية بَينهمَا دخيل لم ينتفعا بِهِ بل تضررهما بِهِ هُوَ الْوَاقِع وَهَذَا مَوْجُود فِي نفوس المسابقين لَا يحتملان الْمُسْتَعَار إِلَّا على كره ونفرة ويرينا دُخُوله غير مستحسن قَالُوا وَأَيْضًا فنفرة الطباع مِنْهُ وَعدم اسْتِحْسَان الْعُقَلَاء لدُخُوله يدل على أَنه غير حسن عِنْد الله فَإِن كل مَا هُوَ حسن عِنْد الله وَرَسُوله فالعقلاء تستحسنه طباعهم وَتشهد بحسنه وملاءمته لقضيات الْعُقُول وَلَا سِيمَا إِذا ظَهرت لَهَا مصلحَة

стр. 102

أوجه الشّبَه بَين المتسابقين والمتناضلين من جِهَة والمتناظرين فِي الْعلم من جِهَة أُخْرَى قَالُوا وَمِمَّا يبين أَن العقد بِدُونِ الْمُحَلّل أحل مِنْهُ بالمحلل وَأولى بِالْجَوَازِ أَن الْمُسَابقَة المناضلة من بَاب الاستعداد للْجِهَاد فَإِذا تعلم النَّاس أَسبَابه وتدربوا فِيهَا وتمرنوا عَلَيْهَا قبل لِقَاء الْعَدو ألفاهم ذَلِك عِنْد اللِّقَاء قَادِرين على عدوهم مستعدين للقائه وكل من المتسابقين والمتناضلين يُرِيد أَن يغلب صَاحبه كَمَا يُرِيد الْمقَاتل أَن يغلب خَصمه فَهُوَ يتَعَلَّم غَلَبَة صَاحبه ليتوصل إِلَى غَلَبَة عدوه وَهَذَا كَحال المتناظرين فِي الْعلم فَإِن احدهما يُورد على صَاحبه من الممانعات والمعارضات وأنواع الأسئلة مَا يرد على الآخر جَوَابه ليعرف الْحق فِي الْمَسْأَلَة فَإِذا جادله مُبْطل كَانَ مستعدا لمجادلته بِمَا تقدم لَهُ من المناظرة مَعَ صَاحبه فالمناظرة فِي الْعلم نَوْعَانِ أَحدهمَا للتمرين والتدرب على إِقَامَة الْحجَج وَدفع الشُّبُهَات وَالثَّانِي لنصر الْحق وَكسر الْبَاطِل وَالْأول يشبه السباق والنضال وَالثَّانِي يشبه الْجِهَاد وقتال الْكفَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾ [الْأَنْعَام: ٨٣] قَالَ مَالك

стр. 103

قَالَ زيد بن اسْلَمْ بِالْعلمِ فَعلم الْحجَّة يرفع دَرَجَة صَاحبه فَإِن الْعلم بالحجج وَالْقُوَّة على الْجِهَاد مِمَّا رفع الله بِهِ دَرَجَات الْأَنْبِيَاء وأتباعهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ [المجادلة: ١١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أولي الْأَيْدِي والأبصار﴾ [ص: ٤٥] فالأيدي القوى الَّتِي يقدرُونَ بهَا على إِظْهَار الْحق وَأمر الله وإعلاء كَلمته وَجِهَاد أعدائه والأبصار البصائر فِي دينه وَلِهَذَا يُسَمِّي الله سُبْحَانَهُ الْحجَّة سُلْطَانا قَالَ ابْن عَبَّاس كل سُلْطَان فِي الْقُرْآن فَهُوَ الْحجَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أم لكم سُلْطَان مُبين فَأتوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ [الصافات: ١٥٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان﴾ [النَّجْم: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا فَهُوَ يتَكَلَّم بِمَا كَانُوا بِهِ يشركُونَ﴾ [الرّوم: ٣٥] وَهَذَا لِأَن الْحجَّة تسلط صَاحبهَا على خَصمه فَصَاحب الْحجَّة لَهُ سُلْطَان وقدرة على خَصمه وَإِن كَانَ عَاجِزا عَنهُ بِيَدِهِ وَهَذَا هُوَ أحد أَقسَام النُّصْرَة الَّتِي ينصر الله بهَا رسله وَالْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى

стр. 104

﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ [غَافِر: ٥١] أَقسَام الْجِهَاد فَإِذا كَانَت الْمُسَابقَة شرعت ليتعلم الْمُؤمن الْقِتَال ويتعوده ويتمرن عَلَيْهِ فَمن الْمَعْلُوم أَن الْمُجَاهِد قد يقْصد دفع الْعَدو إِذا كَانَ الْمُجَاهِد مَطْلُوبا والعدو طَالبا وَقد يقْصد الظفر بالعدو ابْتِدَاء إِذا كَانَ طَالبا والعدو مَطْلُوبا وَقد يقْصد كلا الْأَمريْنِ والأقسام ثَلَاثَة يُؤمر الْمُؤمن فِيهَا بِالْجِهَادِ وَجِهَاد الدّفع أصعب من جِهَاد الطّلب فَإِن جِهَاد الدّفع يشبه بَاب دفع الصَّائِل وَلِهَذَا أُبِيح للمظلوم أَن يدْفع عَن نَفسه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا﴾ [الْحَج: ٣٩] وَقَالَ النَّبِي ﷺ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد

стр. 105

لِأَن دفع الصَّائِل على الدّين جِهَاد وقربة وَدفع الصَّائِل على المَال وَالنَّفس مُبَاح ورخصة فَإِن قتل فِيهِ فَهُوَ شَهِيد فقتال الدّفع أوسع من قتال الطّلب وأعم وجوبا وَلِهَذَا يتَعَيَّن على كل أحد يقم ويجاهد فِيهِ العَبْد بِإِذن سَيّده وَبِدُون إِذْنه وَالْولد بِدُونِ إِذن أَبَوَيْهِ والغريم بِغَيْر إِذن غَرِيمه وَهَذَا كجهاد الْمُسلمين يَوْم أحد وَالْخَنْدَق وَلَا يشْتَرط فِي هَذَا النَّوْع من الْجِهَاد أَن يكون الْعَدو ضعْفي الْمُسلمين فَمَا دون فَإِنَّهُم كَانُوا يَوْم أحد وَالْخَنْدَق أَضْعَاف الْمُسلمين فَكَانَ الْجِهَاد وَاجِبا عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ جِهَاد ضَرُورَة وَدفع لَا جِهَاد اخْتِيَار وَلِهَذَا تُبَاح فِيهِ صَلَاة الْخَوْف بِحَسب الْحَال فِي هَذَا النَّوْع وَهل تُبَاح فِي جِهَاد الطّلب إِذا خَافَ فَوت الْعَدو وَلم يخف كرته فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن الإِمَام أَحْمد وَمَعْلُوم أَن الْجِهَاد الَّذِي يكون فِيهِ الْإِنْسَان طَالبا مَطْلُوبا أوجب من هَذَا الْجِهَاد الَّذِي هُوَ فِيهِ طَالب لَا مَطْلُوب والنفوس فِيهِ أَرغب من الْوَجْهَيْنِ وَأما جِهَاد الطّلب الْخَالِص فَلَا يرغب فِيهِ إِلَّا أحد رجلَيْنِ إِمَّا عَظِيم الْإِيمَان يُقَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَيكون الدّين كُله لله

стр. 106

وَإِمَّا رَاغِب فِي الْمغنم والسبي فجهاد الدّفع يَقْصِدهُ كل أحد وَلَا يرغب عَنهُ إِلَّا الجبان المذموم شرعا وعقلا وَجِهَاد الطّلب الْخَالِص لله يَقْصِدهُ سَادَات الْمُؤمنِينَ وَأما الْجِهَاد الَّذِي يكون فِيهِ طَالبا مَطْلُوبا فَهَذَا يَقْصِدهُ خِيَار النَّاس لإعلاء كلمة الله وَدينه ويقصده أوساطهم للدَّفْع ولمحبة الظفر فصل فَإِذا تبين هَذَا فِي الغايات وَهِي الْجِهَاد فَمثله فِي الْوَسَائِل وَهِي الْمُسَابقَة والمناضلة فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم أَنه إِذا كَانَ الرَّهْن من أحد الْجَانِبَيْنِ كَانَ غَايَة مَقْصُود باذله أَن يسلم فَيكون حرصه من بَاب حرص الدَّافِع لَا الطَّالِب فَإِنَّهُ لَا يحصل هَل من الآخر شَيْء ومقصود الآخر من جنس مَقْصُود الطَّالِب فجهاد الأول جِهَاد دفع وَجِهَاد هَذَا جِهَاد طلب وَإِذا كَانَ الرَّهْن من كل وَاحِد مِنْهُمَا صَار سباق كل وَاحِد سباق طَالب مَطْلُوب وَهُوَ نَظِير جِهَاد الطَّالِب للمطلوب فَتكون الرَّغْبَة والحرص على السَّبق أقوى لِاجْتِمَاع السببين بِخِلَاف سباق الْمَطْلُوب فَقَط أَو الطَّالِب فَقَط فَكيف يحرم هَذَا الَّذِي هُوَ من أعظم الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لمصْلحَة الْمُسَابقَة وَيُبَاح مَا هُوَ دونه فِي تَحْصِيل هَذِه الْمصلحَة فليتدبر الْمنصف هَذَا ثمَّ إِلَى إنصافه التحاكم وَإِلَى عدله التخاصم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 107

تَفْسِير قَوْله ﷺ لَا جلب وَلَا جنب فِي الرِّهَان قَالُوا وَأَيْضًا فمبنى هَذَا العقد على اسْتِوَاء الحزبين فَلَا يجوز أَن يقوى أَحدهمَا على الآخر لما فِيهِ من مزِيد إِعَانَة لَهُ على الحزب الآخر وَلِهَذَا نهى النَّبِي ﷺ عَن الجلب وَالْجنب فِي السباق فالجلب أَن يَصِيح بفرسه فِي وَقت السباق هُوَ أَو غَيره ويزجره زجرا يزِيد مَعَه فِي شأوه وَإِنَّمَا الْعدْل أَن يركضا بتحريك اللجام والاستحثاث وبالسوط والمهماز وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا من غير إجلاب بالصوت هَذَا تَفْسِير الْأَكْثَرين وَقيل هُوَ أَن يجْتَمع قوم فيصطفوا وقوفا من الْجَانِبَيْنِ ويزجروا الْخَيل ويصيحوا بهَا فنهوا عَن ذَلِك والْحَدِيث يعم الْقسمَيْنِ وَأما الْجنب فَفِيهِ تفسيران أَحدهمَا وَهُوَ تَفْسِير أَكثر الْفُقَهَاء أَن يجنب المسابق مَعَ فرسه فرسا يحرضه على الجري قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر (وَإِذا تكاثر فِي الكتيبة أَهلهَا ... كنت الَّذِي ينشق عَنهُ الموكب)

стр. 108

(وأتيت تقدم من تقدم مِنْهُم ... وورا ورائك قد أَتَى من يجنب) وَالتَّفْسِير الثَّانِي أَنهم كَانُوا يجنبون الْفرس حَتَّى إِذا قاربوا الأمد تحولوا عَن المركوب الَّذِي قد كده الرّكُوب إِلَى الْفرس المجنوب فَأبْطل النَّبِي ﷺ ذَاك ذكره الْخطابِيّ وَغَيره وَفِي موطأ القعْنبِي سُئِلَ مَالك عَن قَول رَسُول الله ﷺ لَا جلب وَلَا جنب مَا تَفْسِير ذَلِك فَقَالَ بَلغنِي ذَلِك وَتَفْسِيره أَن يجلب وَرَاء الْفرس حَتَّى يدنو من الأمد ويحرك وَرَاءه الشئ يستحث بِهِ ليسبق فَذَلِك الجلب وَالْجنب أَن يجنب مَعَ الْفرس الَّذِي يسابق بِهِ فرسا آخر حَتَّى إِذا دنا تحول رَاكِبه على الْفرس المجنوب وَالْمَقْصُود أَنه نهى عَن تَقْوِيَة أحد الحزبين بِمَا يكون فِيهِ مزِيد إِعَانَة لَهُ على الآخر لما فِيهِ من الظُّلم فَإِذا كَانَ الْإِخْرَاج من أَحدهمَا كَانَ فِيهِ تَقْوِيَة للمبذول لَهُ دون الْبَاذِل وَهَذَا مَأْخَذ من لم يجوز الْبَذْل إِلَّا من أَجْنَبِي فَإِذا إِذا كَانَ الْإِخْرَاج مِنْهُمَا لم يكن فِي ذَلِك تَقْوِيَة لأَحَدهمَا على الآخر فَهُوَ أولى بِالْجَوَازِ قَالُوا وَأَيْضًا وَالْأَجْنَبِيّ إِذا بذل الْجعل لأَحَدهمَا إِن غلب وَلم

стр. 109

يبذله للْآخر إِن غلب لم يجز ذَلِك لما فِيهِ من الظُّلم فَإِن الآخر يَقُول إِن سبقت لم آخذ شَيْئا وخصمي إِن سبق أَخذ وَهَذَا بِعَيْنِه مَوْجُود فِيمَا إِذا كَانَ الْبَذْل من أَحدهمَا فَإِن الْبَاذِل يَقُول إِن سبقت لم آخذ وقريني إِن سبق أَخذ وَذَلِكَ يضعف همته وَهَذَا مَأْخَذ من منع من فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة هَذِه الصُّورَة وَأما إِذا بذله الْأَجْنَبِيّ لمن سبق مِنْهُمَا تَسَاويا فِي الْعَمَل والاستحقاق وَلِهَذَا اتّفق النَّاس على جَوَاز هَذِه الصُّورَة وَإِذا عرف هَذَا فَهُوَ نَظِير إخراجهما مَعًا فَكيف يكون إِخْرَاج السَّبق من أَحدهمَا أولى من إِخْرَاجه مِنْهُمَا بلَى إِذا امْتنع إِخْرَاج السَّبق من أَحدهمَا كَانَ أولى بِالْعَدْلِ من منع إِخْرَاج السَّبق مِنْهُمَا فَإِذا جوزتم إِخْرَاج السَّبق من أَحدهمَا فإخراجه مِنْهُمَا أولى بِالْجَوَازِ ونكتة الْمَسْأَلَة أَن الْإِخْرَاج مِنْهُمَا أقرب إِلَى الْعدْل ومقصود العقد وَطيب نفس كل وَاحِد مِنْهُمَا وحرصه على الغلب مِمَّا إِذا كَانَ الْإِخْرَاج من أَحدهمَا وَالْوَاقِع شَاهد بذلك الْمَقْصُود من السباق وَبَيَان أَن اشْتِرَاط الْمُحَلّل يناقضه قَالُوا وَأَيْضًا فالسباق إِنَّمَا يقْصد مِنْهُ التَّعْلِيم والتدريب والتمرين على الفروسية وَالرَّمْي وَلَيْسَ الْمَقْصُود من أكل المَال كَمَا يقْصد فِي البيع وَالْإِجَارَة والجعالة فَإِنَّهُ هُنَاكَ لَا قصد لأَحَدهمَا إِلَّا المَال وَهنا مَقْصُود

стр. 110

الشَّارِع بشرع هَذَا العقد الْعَمَل لَا المَال وَإِنَّمَا شرع فِيهِ المَال لِأَنَّهُ أبلغ فِي ترغيب النُّفُوس فِيهِ لِأَنَّهُ مَتى كَانَ الْبَاعِث على السباق الظفر بِالْمَالِ وَالْغَلَبَة قويت فِيهِ الرَّغْبَة وَالْمَال لَا يُؤْكَل فِي هَذَا العقد إِلَّا على وَجه المخاطرة وَمَعْلُوم أَن حُصُول هَذَا الْمَقْصُود بِدُونِ الْمُحَلّل أعظم مِنْهُ إِذا كَانَ بَينهمَا وَأَن المخاطرة مَعَ الْمُحَلّل كالمخاطرة بِدُونِهِ سَوَاء أَو أَزِيد وَهَذَا ضَرُورِيّ التَّصَوُّر وَهُوَ مِمَّا لَا يستراب فِيهِ فالمحلل دائر بَين أَمريْن إِمَّا أَنه لَا فَائِدَة مِنْهُ وَإِمَّا أَن مصلحَة السباق بِدُونِهِ أتم وَأيهمَا كَانَ فَهُوَ مُسْتَلْزم لبُطْلَان اشْتِرَاطه قَالُوا وَأَيْضًا إِذا كَانَ الْجعل من أحد المتسابقين فمقصوده منع الآخر من أَخذ الْجعل وَدفعه عَنهُ كَأَنَّهُ يَقُول أَنْت لَا تقدر على أَن تغلبني وَأَنا أبين عجزك بِأَن أبذل لَك جعلا لأقوي رهبتك ورغبتك فِي أَن تغلبني وَأَنت مَعَ ذَلِك عَاجز وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان يتْرك الشئ إِمَّا لعَجزه عَنهُ وَإِمَّا لعدم إِرَادَته لَهُ فَمَتَى كَانَ مرِيدا لَهُ إِرَادَة تَامَّة وقادرا عَلَيْهِ قدرَة تَامَّة لزم وجوده قطعا فالقادر على أَن يغلب غَيره قد يُرِيد ذَلِك لمُجَرّد محبَّة النَّفس لإِظْهَار الْقُدْرَة وَالْغَلَبَة وَقد يُرِيد ذَلِك لأخذ المَال فَإِذا اجْتمع الْأَمْرَانِ كَانَت إِرَادَته أبلغ كَمَا تقدم بَيَانه فالجاعل يَقُول أَنا أبين أَنَّك عَاجز لِأَنِّي أبذل المَال الَّذِي أحرك بِهِ رغبتك فِي الْقلب مَعَ مَا فِي النَّفس من محبَّة ذَلِك فَأَنت مَعَ كَمَال رغبتك عَاجز عني وَعَن مغالبتي فَأَنا أقدر مِنْك على هَذَا الْعَمَل هَذَا مَقْصُوده قطعا لَيْسَ مَقْصُوده أَن يبْذل الْجعل لمن يغلبه وَيَأْخُذ
следующие страницы →