← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6281

المحصول لابن العربي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (136 стр.). Показаны 106–136 · переход к 111.

стр. 106

الْفِتْنَة على هَؤُلَاءِ المبتدعة الاغترار بالعمومات وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَة عُمُوم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَبَيَان ذَلِك استقراؤها عُمُوما عُمُوما الْفَصْل الثَّالِث فِي أَقسَام الْقيَاس قَالَ عُلَمَاؤُنَا أَقسَام الْقيَاس ثَلَاثَة قِيَاس عِلّة قِيَاس دلَالَة وَقِيَاس شُبْهَة فَأَما قِيَاس الْعلَّة فَهُوَ كَقَوْلِنَا فِي أَن الْمَرْأَة لَا تتولى نِكَاحهَا لِأَنَّهَا نَاقِصَة الْأُنُوثَة فَلم يجز أَن تلِي عقد نِكَاح كالأمة فاتفق الْعلمَاء على الْأمة لَا تلِي عقد نِكَاحهَا وَاخْتلفُوا فِي تَعْلِيله فَمنهمْ من قَالَ إِن الْعلَّة فِي امْتنَاع إنكاح الْأمة نَفسهَا نُقْصَان الرّقّ وَمِنْهُم من قَالَ نُقْصَان الْأُنُوثَة فَنحْن عللنا بِنُقْصَان الْأُنُوثَة وحملنا عَلَيْهِ الْحرَّة وَأما قِيَاس الدّلَالَة كَقَوْلِنَا عُلَمَائِنَا فِي الْخلّ مَائِع لَا يجوز بِهِ الْوضُوء فَلَا يجوز بِهِ إِزَالَة النَّجَاسَة كاللبن وكقولهم فِي الْوتر صَلَاة تفعل على الرَّاحِلَة فَلَا تكون وَاجِبَة كركعتي الْفجْر فاستدلوا فِي امْتنَاع الْوضُوء بالخل على أَنه لَيْسَ بمطهر فِي الشَّرْع وَاسْتَدَلُّوا على الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب بِفِعْلِهِ على الرَّاحِلَة وَذَلِكَ من خَصَائِص النَّوَافِل وَأما قِيَاس الشّبَه فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ شبه خلقي وَشبه حكمي فَأَما الشّبَه الخلقي فكإجماع الصَّحَابَة على جَزَاء الْحَمَامَة بِالشَّاة والنعامة بالبدنة لما بَينهمَا من تشابه الْخلقَة

стр. 107

وَإِمَّا الشّبَه الْحكمِي كَقَوْل عُلَمَائِنَا فِي الدَّلِيل على أَن الْوضُوء يفْتَقر إِلَى النِّيَّة خلافًا لأبي حنيفَة طَهَارَة حكمِيَّة فافتقرت إِلَى النِّيَّة كالتيمم وَقد استبعد الشَّافِعِي عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ طهارتان فَكيف يفتقران فشبهوا طَهَارَة وطهارة وَقد اخْتلف النَّاس فِي قِيَاس الشّبَه فَمنهمْ من نَفَاهُ وَمِنْهُم من أثْبته وَمِنْهُم من فَصله وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْفَصْل الرَّابِع فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل إِذا قَاس الْمُعَلل على أصل فمونع فِي الْعلَّة فِي الأَصْل وَقيل لَهُ لَيست الْعلَّة فِي الأَصْل مَا ذكرت فَفِي إِثْبَاتهَا للنَّاس ثَلَاثَة مسالك المسلك الأول الطَّرْد وَقد زعم بعض النَّاس إِنَّه دَلِيل على صِحَة الْعلَّة وَهُوَ قَول فَاسد لِئَلَّا أوجه أَحدهَا كَمَا يطرد دَلِيل الصِّحَّة على زَعمه فَكَذَلِك يطرد دَلِيل الْفساد ومثاله إِن الْمَالِكِي لَو قَالَ الْخلّ مَائِع لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَلَا يجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بِهِ كاللبن لقَالَ معارضه إِن الْخلّ مَائِع مزيل الْعين فَجَاز إِزَالَة النَّجَاسَة بِهِ كَالْمَاءِ الثَّانِي إِن الصَّحَابَة وَهُوَ الْقدْوَة لم يعولوا عَلَيْهِ الثَّالِث إِنَّه لَيْسَ بَينه وَبَين الحكم ارتباط فَكيف يدل عَلَيْهِ فَأَما الطَّرْد وَالْعَكْس جَمِيعًا فَإِنَّهُ دَلِيل على صِحَة الْعلَّة لِأَن ثُبُوت الحكم بِثُبُوتِهِ وَعَدَمه بِعَدَمِهِ دَلِيل على إِنَّه عَلامَة عَلَيْهِ

стр. 108

ومثاله أَن يَقُول الْقَائِل الْمَالِكِي إِن الْخمر مُحرمَة لعِلَّة الشدَّة المطربة الَّتِي فِيهَا فَيَقُول لَهُ الْحَنَفِيّ لَيست الْعلَّة الشدَّة فَيَقُول الدَّلِيل على أَنَّهَا الْعلَّة إِن الْعصير حَلَال لعدمها فِيهِ فَإِذا صَارَت خمرًا بِوُجُود الشدَّة فِيهَا كَانَت حَرَامًا فَإِذا اسْتَحَالَ خلا وعدمت الشدَّة كَانَت حَلَالا واطردت وانعكست فَيَقُول لَهُ الْحَنَفِيّ إِنَّمَا حرمت باسم أَنَّهَا خمر فَهَذَا الِاسْم هُوَ الَّذِي وجد مَعَ التَّحْرِيم وَهُوَ الَّذِي عدم مَعَ التَّحْلِيل فَيَقُول لَهُ الْمَالِكِي إِن الْأَمر كَمَا ذكرت مَعَ اطراد الْعلَّة وانعكاسها واطراد الِاسْم وانعكاسه وَلَكِن علتي أرجح لتنبيه الشَّارِع عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر) الْآيَة المسلك الثَّانِي أَن يَقُول الْقيَاس إِذا طُولِبَ بِصِحَّة على الأَصْل الدَّلِيل على صِحَّتهَا عجزك عَن الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا فَيَقُول لَهُ الْمُعْتَرض لَيْسَ عجزي عَنْهَا دَلِيل على صِحَة قَوْلك فَيَقُول لَهُ القائس بلَى أَو لَا ترى أَن المعرض للمعجزة دَلِيل على صِحَة المعجزة وَهَذَا فَاسد جدا فَلَيْسَ الْعَجز عَن المعرضة حجَّة فَإِن الْمَعْنى إِنَّمَا صَار إِلَى القَوْل بالحكم بِمَا ظهر لَهُ من الدَّلِيل قبل أَن يُعَارضهُ معَارض والتعلق بالمعجزة لَا معنى لَهُ وغمرات المعجزات ومجاريها لَا يحْتَمل هَذَا الْموضع الْخَوْض فِيهَا المسلك الثَّالِث فِي الدَّلِيل الصَّحِيح على عِلّة الأَصْل وَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع

стр. 109

النَّوْع الأول النَّص من الشَّارِع كَقَوْلِه تَعَالَى (كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم) وَكَقَوْلِه تَعَالَى (وَذَلِكَ بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله) وَالنَّوْع الثَّانِي الْإِيمَاء كَقَوْلِه وَقد سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ أينقص الرطب إِذا يبس قَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذن فَإِذا قَالَ الْمَالِكِي الدَّلِيل على إِن الْحِنْطَة الْيَابِسَة بالمبلولة لَا يجوز بيعهَا بِحَال إنَّهُمَا جِنْسَانِ تقابلا فِي الْمُعَامَلَة فآل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى النُّقْصَان فَامْتنعَ بيعهمَا أصلا كالرطب بِالتَّمْرِ فَإِذا قَالَ الْحَنَفِيّ لَيست الْعلَّة فِي الرطب بِالتَّمْرِ مَا ذكرت قيل لَهُ قد أَوْمَأ الشَّارِع إِلَيْهَا حِين سَأَلَ أينقص الرطب إِذا يبس فَلَمَّا قَالُوا نعم منع البيع وَهَذَا أَمْثَاله لَا يخفى النَّوْع الثَّالِث الِاشْتِقَاق وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول الْمَالِكِي إِن الْأَب يجْبر الْبكر الْبَالِغ على النِّكَاح وَالدَّلِيل عَلَيْهِ إِنَّهَا جاهلة بِحَال النِّكَاح فَلم يجز لَهَا فِي رَأْي كالصغيرة فَإِذا قَالَ الْحَنَفِيّ لَيست الْعلَّة فِي الصَّغِيرَة جهلها بِحَال النِّكَاح

стр. 110

قَالَ لَهُ الْمَالِكِي الدَّلِيل عَلَيْهِ قَول النَّبِي الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا فَجعل النَّبِي الثّيّب أَحَق من الْوَلِيّ بِسَبَب ثُبُوتهَا وَهُوَ اختبار النِّكَاح وَمَعْرِفَة تفاصيله فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على أَن الْبكر الجاهلة بالتفاصيل فِيهِ على حكم الأَصْل وَهُوَ الْحجر الْفَصْل الْخَامِس فِي الِاسْتِصْحَاب وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ اسْتِصْحَاب حَال الْفِعْل واستصحاب حَال الْإِجْمَاع فَأَما اسْتِصْحَاب الْإِجْمَاع فمثاله قَول أَصْحَابنَا فِي التَّيَمُّم إِذا صلى ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ المَاء فِي أثْنَاء الصَّلَاة فَقَالَ مَالك يتمادى وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقطع فاحتج أَصْحَابنَا بِأَن قَالُوا أجمعنا على أَن صلَاته صَحِيحه فَمن ادّعى أَنَّهَا قد فَسدتْ بِرُؤْيَة المَاء فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَهَذَا مِمَّا اخْتلف عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه دَلِيل يعول عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه لَيْسَ بِشَيْء وَالصَّحِيح إِنَّه لَيْسَ بِدَلِيل لِأَن مَوضِع الدَّلِيل الْإِجْمَاع وَقد زَالَ بِرُؤْيَة المَاء فالدليل لَيْسَ لَهُ تنَاوله لمحل الْخلاف وَإِمَّا اسْتِصْحَاب حَال الْعقل فَهُوَ دَلِيل صَحِيح مِثَاله دَلِيل قَول عُلَمَائِنَا فِي أَن الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب وَإِن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق لَا يجبان فِي غسل الْجَنَابَة وأمثالها من الْمسَائِل لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وفراغ الساحة من الْإِلْزَام وَطَرِيق اسْتِعْمَالهَا فِي الشَّرْع وَلَيْسَ فِي الشَّرْع بعد التنبه دَلِيل على وجوب الْوتر والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق فَالَّذِي يَدعِي أم

стр. 111

الْوتر الْوَاجِب وَأَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق يجبان فِي غسل الْجَنَابَة فَعَلَيهِ الدَّلِيل والمحققون كلهم متفقون على أَن هَذَا دَلِيل شَرْعِي إِلَّا جمَاعَة يسيرَة وهمت إِنَّه تعلق بِعَدَمِ الدَّلِيل قَالُوا والعدم لَيْسَ بِدَلِيل وَقد بَينا فِي كتاب الْأُصُول إِن الْعَدَم لَا يجوز أَن يكون فِي عِلّة وَإنَّهُ يَصح أَن يكون دَلِيلا وَلَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْعُقَلَاء الْفَصْل السَّادِس القَوْل فِي الِاسْتِحْسَان أنكرهُ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَكَفرُوا أَبَا حنيفَة فِي القَوْل بِهِ تَارَة وبدعوه أُخْرَى وَقد قَالَ بِهِ مَالك وَاخْتلف أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي تَأْوِيله على أَرْبَعَة أَقْوَال وَأما أَصْحَاب مَالك فَلم يكن فيهم قوي الْفِكر وَلَا شَدِيد الْمُعَارضَة يُبْدِهِ إِلَى الْوُجُود وَقد تتبعناه فِي مَذْهَبنَا وألفيناه أَيْضا منقسما أقساما فَمِنْهُ ترك الدَّلِيل للْمصْلحَة وَمِنْه ترك الدَّلِيل للْعُرْف وَمِنْه ترك الدَّلِيل لإِجْمَاع أهل الْمَدِينَة وَمِنْه ترك الدَّلِيل للتيسير لرفع الْمَشَقَّة وإيثار التَّوسعَة على الْخلق مِثَال الأول رد الْأَيْمَان إِلَى الْعرف وَمِثَال الثَّانِي تضمين الْأَجِير الْمُشْتَرك وَالدَّلِيل يَقْتَضِي إِنَّه مؤتمن وَمِثَال الثَّالِث فِي إِيجَاب عُمُوم الْقيمَة على من قطع ذَنْب القَاضِي

стр. 112

وَمِثَال الرَّابِع إجَازَة التَّفَاضُل الْيَسِير فِي المراطلة الْكَبِيرَة وإجازة بيع وصف فِي الْيَسِير فَهَذَا أنموذج فِي نَظَائِر الِاسْتِحْسَان وكل مَسْأَلَة مِنْهُ مبينَة فِي موضعهَا ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن قَول مَالك وَأَصْحَابه اسْتحْسنَ كَذَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وأوثر ترك مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل على طَرِيق الِاسْتِثْنَاء والترخص بمعارضته مَا يُعَارضهُ فِي بعض مقتضياته فاكتفوا بِهَذِهِ النبذة حَتَّى تفهموا تَفْسِير الْجُمْلَة فِي كتاب التمحيص وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْفَصْل السَّابِع فِي ذكر مَا يُعلل وَمَا لَا يُعلل من الْأَحْكَام اعلموا وفقكم الله أَن الْأَحْكَام العقيلة والشرعية على قسمَيْنِ مِنْهَا مَا يُعلل وَمِنْهَا مَا لَا يُعلل فَأَما القَوْل فِي تَعْلِيل الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة فقد بَين فِي مَوْضِعه وَأما القَوْل فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَهَذَا بَيَانه فَنَقُول الْغَالِب فِي أَحْكَام الشَّرْع اتساقها فِي نظام التَّعْلِيل إِلَّا نبذا شذت لَا يُمكن فِيهَا إِلَّا رسم اتِّبَاع دون أَن يعقل شَيْء من مَعْنَاهَا وَلَكِن فرض الْمُجْتَهد إِذا جَاءَ حكم وَعرضت نازلة أَن يلحظ سَبِيل التَّعْلِيل ويدخلها فِي محك السبر والتقسيم فَإِن انقدح لَهُ معنى مخيل أَو ظهر لَهُ لامع من تَعْلِيل فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يَجعله منَاط حكمه ويشد عَلَيْهِ نطاق علمه فَإِن أبهمت الطَّرِيق وَلم يَتَّضِح لَهُ سَبِيل وَلَا اتّفق ترك الحكم بِحَالَة وَتحقّق عدم نظرائه وأشكاله وَنحن نضرب لَك فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَمْثِلَة تتخذونها دستورا

стр. 113

الْمِثَال الأول الْعِبَادَات وَهِي نوع لَا يجْرِي فِيهَا تَعْلِيل بِحَال لِأَن يعقل مَعْنَاهَا بلَى إِن قِيَاس الشّبَه يدخلهَا كَقَوْل عُلَمَائِنَا رَحْمَة الله عَلَيْهِم فِي الْوضُوء عبَادَة فافتقرت إِلَى النِّيَّة كَالصَّلَاةِ وكقولهم فِي شهر رَمَضَان إِنَّه عبَادَة تشْتَمل على أَرْكَان فَجَاز وَاحِدَة أَصله الصَّلَاة وكقولهم إِن الْقيم فِي الزَّكَاة لَا تجوز لِأَنَّهَا عبَادَة فاقتصرت مورد الْأَمر دون التَّعْلِيل كَالْوضُوءِ وَالصَّوْم وأمثال ذَلِك كَثِيرَة الْمِثَال الثَّانِي مَا يجْرِي فِيهِ التَّعْلِيل قطعا كالبيوع والأنكحة وَالْقصاص والشهادات والوكالات وأمثال ذَلِك من الْمُعَامَلَات فَهَذَا كُله يجْرِي التَّعْلِيل وَيلْحق فِيهِ الْفُرُوع بالأصول الْمِثَال الثَّالِث وَهُوَ نَوْعَانِ النَّوْع الأول تَعْلِيل أصل بِأَصْل كتعليل النِّكَاح بالبيوع فَهَذَا اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء فَرَأى بَعضهم إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا أصل نَفسه مقَام عَن صَاحبه فِي أَحْكَامه مُعَلل فروعه بأصوله وَهُوَ الشَّافِعِي رَحمَه وَرَأى مَالك وَأَبُو حنيفَة إِن كَانَ وَاحِد مِنْهُمَا مَحْمُول صَاحبه فِيمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فِي التَّعْلِيل وَلَقَد قَالَ مَالك ﵁ النِّكَاح أشبه شَيْء بالبيوع وَرَأى بعضه إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَرد بِنَفسِهِ لَكِن النِّكَاح أَخذ شبها من الْبيُوع بِمَا من الْعِوَض عَن الْبضْع وَهُوَ الصَدَاق وَأخذ شَيْئا من الصَّلَاة لما يجوز من عقد النِّكَاح دون ذكر الْعِوَض وَهُوَ الصَدَاق وَهَذَا القَوْل عِنْدِي

стр. 114

أقوى الْأَقْوَال فِي الدَّلِيل وَلَعَلَّ مَالك ﵀ إِلَيْهِ أَشَارَ وإياه عَنى بالشبه وَعَلِيهِ أَيْضا يدل كثير من مسَائِل أَصْحَاب الشَّافِعِي فليعول على هَذَا القَوْل الْفَصْل الثَّامِن اخْتلف النَّاس فِي حكم الْأَعْيَان قبل الشَّرْع فَمنهمْ من قَالَ إِنَّهَا محظورة بِالْعقلِ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا مُبَاحَة بِالْعقلِ وَمِنْهُم من قَالَ لَا حكم لَهَا إِلَّا فِي الشَّرْع فَمَا قَامَ من الدَّلِيل قضى بِهِ وَقد كثر القَوْل من النَّاس فِيهَا وَعظم التَّنَازُع بَينهم فِي أدلتها ومعانيها وَالْأَمر فِيهَا قريب جدا لأَنا نقُول إِن كَانَ الْعقل يحكم فِيهَا بالحظر على الْإِطْلَاق لم يجز أَن يرد الشَّرْع بِإِبَاحَة وَإِن كَانَ يحكم فِيهَا بِالْإِبَاحَةِ على الْإِطْلَاق لم يجز أَن يرد الشَّرْع بحظر لِأَن الشَّرْع لَا يجوز أَن يرد بِخِلَاف مُقْتَضى الْعقل فصح أَنه لَا حكم لِلْعَقْلِ فِيهَا بِشَيْء حَتَّى نوعها الشَّرْع قسمَيْنِ حظر وَإِبَاحَة بلَى إِن الْمُقَصِّرِينَ فِي الْعلم يَقُولُونَ فَمَا حكمهَا بعد وُرُود الشَّرْع أحكمها الْحَظْر أم حكمهَا الْإِبَاحَة فَهَذَا سُؤال لَا يصدر إِلَّا عَن غبي وَحكمهَا فِي الشَّرْع بِحَسب وُرُوده الْمَحْظُور مَحْظُور بدليله والمباح بدليله ويستحيل خلو مَسْأَلَة عَن دَلِيل لِأَن ذَلِك إبِْطَال للشَّرْع وتعطيل فَمَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيل حكم بِهِ وَالله أعلم الْفَصْل التَّاسِع فِي تَرْتِيب الْأَدِلَّة إِذا نزلت نازلة فَلَا يَخْلُو أَن تنزل بمقلد أَو بمجتهد فَإِن كَانَ مُقَلدًا فَسَيَأْتِي حَاله إِن شَاءَ الله وَإِن كَانَ مُجْتَهدا فَعَلَيهِ أَرْبَعَة فروض

стр. 115

الْفَرْض الأول أَن يطْلبهَا فِي كتاب الله وَقد عد الْعلمَاء آيَات كتاب الله الأحكامية فوجدوها خَمْسمِائَة آيَة وَقد يزِيد عَلَيْهَا بِحَسب تبحر النَّاظر وسعة علمه فَإِن لم يجدهَا فَعَلَيهِ أَن يطْلبهَا فِي سنة رَسُول الله وَهِي نَحْو ثَلَاث آلَاف سنة فَإِن لم يجدهَا فَعَلَيهِ أَن يطْلبهَا فِي مسَائِل الصَّحَابَة وقضايا التَّابِعين إِجْمَاعًا واختلافا فَفِي ذَلِك أُمُور هدى وَمَا ضل من اقتفى أثارهم واقتدى فَإِن لم يجدهَا عِنْدهم مُتَّفقا عَلَيْهَا أَو لم يجدهَا أصلا فَعَلَيهِ فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَفِيمَا لم يسمعوه أَن يردوه إِلَى أصل من هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة إِمَّا بتعليل وَإِمَّا بشبه وَإِمَّا بِدَلِيل هَذَا إِن كَانَت من مسَائِل ذَلِك وَإِن كَانَ منشأ الِاخْتِلَاف فِيهَا أَو بَدْء إشكالها من مثار لفظ فَعَلَيهِ أَن يَطْلُبهُ فِي لُغَة الْعَرَب فَإِن وجده وَاضحا بنى عَلَيْهِ وَإِن وجده مُشكلا كشفه إِمَّا بِآيَة وَإِمَّا بِحَدِيث وَإِمَّا بتعليل يظْهر بِهِ كَون أحد الْوَجْهَيْنِ أقوى من الآخر وَإِمَّا بشبه يُقَوي أحد الِاحْتِمَالَيْنِ إِلَى وُجُوه آخر لَا تحصى فِي الْبَابَيْنِ سنشير إِلَى أُصُولهَا فِي كتاب التَّرْجِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى مِثَال الأول رجل ابْتَاعَ أمة ثَيِّبًا ثمَّ اطلع على عيب فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال فَمنهمْ من قَالَ يردهَا وَيرد مَعهَا الْمهْر وَهُوَ شُرَيْح القَاضِي وَمِنْهُم من قَالَ لَا يردهَا بِحَال وَيَأْخُذ قيمَة الْعَيْب وَهُوَ أَبُو حنيفَة وَمِنْهُم من قَالَ يردهَا وَلَا شَيْء عَلَيْهِ قَالَه مَالك وَالشَّافِعِيّ

стр. 116

فحظ الْمُجْتَهد إِذا نزلت بِهِ أَن يطْلبهَا حَيْثُ دللنا عَلَيْهَا فَأَما الْكتاب وَالسّنة فعاريان عَنْهَا عُمُوما أَو خُصُوصا فَلم يبْق إِلَّا النّظر فِي الْأُصُول اتِّبَاع طرق التَّعْلِيل والتعلق بالشبه وَالدَّلِيل ومباحث النّظر فِيهَا مَذْكُورَة بِجَمِيعِ وُجُوهًا فِي الْمسَائِل فلتطلب هُنَاكَ وَالْحَمْد لله وَمِثَال الثَّانِي إِذا لمس رجل امْرَأَة فَاخْتلف أَصْحَابنَا فِيهَا على ثَلَاثَة أَقْوَال فَمنهمْ من قَالَ ينْتَقض وضوؤه بِكُل حَال وَمِنْهُم من قَالَ لَا شَيْء عَلَيْهِ بِحَال وَمِنْهُم من قسم الْحَال فَقَالَ إِن اقترنت بِهِ لَذَّة انْتقض الْوضُوء وَإِن عرى عَنْهَا لم يلْزم فِيهِ شَيْء وَهَذِه مَسْأَلَة خبرية مَوْجُودَة فِي كتاب الله تَعَالَى مَوْجُودَة فِي سنة رَسُول الله أما كتاب الله تَعَالَى قَوْله عز من قَائِل (أَو لامستم النِّسَاء) قرئَ أَو لمستم النِّسَاء وَقُرِئَ أَو لَا مستم مفاعلة واللمس فِي لِسَان الْعَرَب مَعْرُوف وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ كِنَايَة وصريح وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ إِن الله حييّ كريم ويكنى كنى باللمس عَن الْجِمَاع وروت عَائِشَة ﵂ إِنَّهَا قَالَت فقدت رَسُول الله من فِرَاشِي لَيْلَة واتبعته بيَدي فَوَقَعت على أَخْمص قَدَمَيْهِ وَهُوَ ساجد الحَدِيث

стр. 117

وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي الملموس وَاتفقَ قَوْله فِي اللامس فتعارضت تيارات هَذِه الْأَلْفَاظ فَوَجَبَ الْبَحْث عَن اللَّمْس لُغَة وَمَعْرِفَة الْمجَاز فِيهِ والحقيقة وَالنَّظَر إِلَى عُمُومه وخصوصه وترجبح الظَّاهِر فِيهِ على الْوُجُوه الْمَذْكُور فِي الْمَسْأَلَة فبهذين المثالين يتَبَيَّن لكم سبل النّظر حَتَّى تَجدوا دَلِيل الْمعرفَة مِنْهَا على الْعين والأثر إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْفَصْل الْعَاشِر فِي الاعتراضات على الْقيَاس وَهِي على ضَرْبَيْنِ صَحِيحَة وفاسدة فالفاسد كثير وَالصَّحِيح مَحْصُور وَاخْتلف النَّاس فِي تعديده فَأَقل مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ عشرَة أَنْوَاع النَّوْع الأول الْمَنْع وَهُوَ على أَرْبَعَة أضْرب الأول منع كَون الأَصْل مُعَللا الثَّانِي منع وجود الْعلَّة فِيهِ الثَّالِث تسلم وجودهَا فِيهِ لَكِن منع كَونهَا عِلّة الرَّابِع تسلم وجود الحكم وَلكُل وَاحِد من هَذِه أَمْثِلَة مِثَال الأول قَول عُلَمَائِنَا فِي مَسْأَلَة النِّكَاح بِلَا ولي نَاقِصَة بالأنوثة فَلم يجز نِكَاحهَا كالأمة

стр. 118

فَيَقُول الْحَنَفِيّ لَا أسلم أَن امْتنَاع الْأمة من إنكاح نَفسهَا مُعَلل بل هُوَ أَمر حكم بِهِ الشَّرْع وَلم يظْهر فِيهِ معنى لِأَن الْبضْع لَا يملك السَّيِّد فِيهِ إِلَّا الِانْتِفَاع فَأَما إِبَاحَته أَو مَنعه فَلَا يجوز لَهُ وَمِثَال الثَّانِي أَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي الْمَسْأَلَة بِعَينهَا سلمت لَك أَن الأَصْل مُعَلل لَكِن لَا أسلم أَن الْأمة نقصت بالأنوثة وَلَا الْحرَّة لِأَن الشَّخْص لَا ينقص بِفعل الله وخلقه الَّذِي جبله عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ينقص بِمَا يكتسبه من خِصَال ذميمة وَمِثَال الثَّالِث أَن يَقُول الْحَنَفِيّ لَا نسلم لَك أَن الْأمة نَاقِصَة بالأنوثة وَإِنَّمَا هِيَ نَاقِصَة بالمملوكية وَمِثَال الرَّابِع أَن يَقُول الْحَنَفِيّ قَوْلك فَلم يجز نِكَاحهَا لَا نسلم أَن إنكاحها لنَفسهَا لَا يجوز بل هُوَ جَائِز عِنْدِي لَكِن للسَّيِّد أَن يردهُ وَكَذَلِكَ لَو أعتقت قبل رده جَازَ عِنْدِي النَّوْع الثَّانِي النَّقْض وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ نقض لَفْظِي نقض معنوي فَأَما النَّقْض اللَّفْظِيّ فمثاله أَن يَقُول عُلَمَاؤُنَا فِي بيع الْأَعْيَان الغائبة مَعْقُود عَلَيْهِ جهلت صفته فَبَطل بَيْعه أَصله إِذا قَالَ لَك بِعْتُك ثوبا فَيَقُول الْحَنَفِيّ هَذَا ينْتَقض بالمنكوحة فَإِنَّهَا مَعْقُود عَلَيْهِ جهلت صفته وَيصِح العقد لَكِن عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدنَا أَن نقض الْعلَّة الشَّرْعِيَّة لَا يُبْطِلهَا بل يجوز تخصيصها

стр. 119

وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة بِحَال وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِثَال النَّقْض الْمَعْنَوِيّ أَن يَقُول عُلَمَاؤُنَا فِي مَسْأَلَة بيع الْأَعْيَان الغائبة مَبِيع مَجْهُول الصّفة عِنْد التقاعد حَال العقد فَلم يجز أَصله إِذا قَالَ بِعْتُك ثوبا فَيَقُول لَهُ الْحَنَفِيّ هَذَا ينكسر بالمنكوحة فَإِنَّهُ مَعْقُود عَلَيْهِ مَجْهُول الصّفة تجوز وَإِنَّمَا قيل لهَذَا كسر لِأَنَّهُ لَيْسَ بمبيع وَإِنَّمَا هُوَ منكوح لَكِن يجمعهما إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْقُود عَلَيْهِ وَهَذَا يُقَال لَهُ نقض الْمَعْنى لِأَن اللَّفْظ سلم وَاعْترض على الْمَعْنى وَهَذَا يَدْفَعهُ الْفرق بَينهمَا فَيُقَال مثلا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْفرق بَين النِّكَاح وَبَين البيع أَن الْمَقْصُود فِي البيع الصِّفَات لِأَن الثّمن يزِيد بزيادتها وَينْقص بنقصانها بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ الصِّفَات وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهُ الْعين وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك إِنَّه لَو اطلع على عدم الصِّفَات فِي النِّكَاح لم يثبت لَهُ شَيْء فَهَذَا وَنَحْوه يرفع إِلْزَامه

стр. 120

النَّوْع الثَّالِث القَوْل الْوَاجِب وَهُوَ سُؤال صَحِيح متداول بَين الْعلمَاء ومثاله أَن المَاء إِذا لم يتَغَيَّر بالزعفران أَو بِشَيْء طَاهِر فالمخالطة لَا تمنع الْوضُوء أَصله إِذا اخْتَلَط بِالتُّرَابِ فَيَقُول عُلَمَاؤُنَا نَحن قَائِلُونَ بِهَذَا وآخذون بالحكم فَإِن المخالطة لَا تمنع الْوضُوء إِنَّمَا الْوضُوء التَّغَيُّر فَبَطل دَلِيل الْقَوْم لَكِن حذاقهم احترزوا عَن هَذَا بِأَن قَالُوا فالمخالطة لَا تكون سَببا لمنع الْوضُوء فَهَذَا يمْنَع القَوْل بِالْمُوجبِ لِأَن المخالطة إِن لم تمنع بِنَفسِهَا فَهِيَ سَبَب الْمَنْع النَّوْع الرَّابِع القَوْل بِالْقَلْبِ ومثاله قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي الْوضُوء طَهَارَة بِالْمَاءِ فَلم يفْتَقر إِلَى النِّيَّة أَصله إِزَالَة النَّجَاسَة فَيَقُول عُلَمَاؤُنَا يقلب عَلَيْهِم فَنَقُول طَهَارَة بِالْمَاءِ فَاسْتَوَى جامدها ومائعها فِي النِّيَّة أَصْلهَا إِزَالَة النَّجَاسَة فَإِن جامدها وَهُوَ الِاسْتِجْمَار لما لم يفْتَقر إِلَى النِّيَّة لم يفْتَقر مائعها وَهُوَ المَاء إِلَى النِّيَّة وَالْوُضُوء لما افْتقر جامده وَهُوَ التَّيَمُّم إِلَى النِّيَّة وَجب أَن يفْتَقر مائعه وَهُوَ الْوضُوء إِلَّا فِي النِّيَّة فَاعْترضَ عَلَيْهِم أَصْحَاب أبي حنيفَة بِأَن القَوْل لَا يَصح لِأَنَّهُ مُجمل فطال الْكَلَام فِيهِ طولا بَيناهُ فِي مسَائِل الْخلاف وَالْحَمْد لله وَحده

стр. 121

النَّوْع الْخَامِس عدم التَّأْثِير وَهُوَ سُؤال مُتَّفق على صِحَّته قَادِح فِي التَّعْلِيل مِثَاله أَن يَقُول الشَّافِعِي فِي نِكَاح الثّيّب الصَّغِيرَة ذهبت بَكَارَتهَا بِالْجِمَاعِ فَلَا تزوج إِلَّا بِرِضَاهَا أَصله الْبَالِغَة فَيَقُول عُلَمَاؤُنَا لَا تَأْثِير لقولكم بِالْجِمَاعِ فَإِنَّهَا لَو ذهبت بِغَيْر ذَلِك لم تزوج وَحَقِيقَة عدم التَّأْثِير الْمُطَالبَة بِالْعَكْسِ وَالْعَكْس فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا يلْزم فِي بَعْضهَا وَلَا فِي كلهَا بِخِلَاف الْعلم والعالمية وَشبههَا فَإِنَّهُ لَا بُد لَهَا أَن تطرد وتنعكس وَذَلِكَ لفقه صَحِيح وَهُوَ أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة لَا تتحد بل يجوز أَن يثبت الحكم الشَّرْعِيّ بعلل جمة كالحائض الْمُحرمَة الصائمة فَإِنَّهُ لَا يجوز وَطئهَا لثلاث علل فَإِذا زَالَ الْإِحْرَام بَقِي امْتنَاع الْوَطْء وَلَو اغْتَسَلت لبقي امْتنَاع الْوَطْء بِسَبَب الصَّوْم فَلَو أفطرت لجَاز الْوَطْء لارْتِفَاع الْمَوَانِع كلهَا وَكَذَلِكَ الزَّانِي الْمُحصن الْمُرْتَد وَفِي ذَلِك الْخلاف وَفِي ازدحام الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِشْكَال فَإِن تماثل الْعِلَل حَتَّى تثبيت الحكم بجمعيها أَو ترجيحها حَتَّى يثبت الحكم بَعْضهَا مزلة قدم فقد فهمتم مَا سبق من تعلق الحكم بعلل جمة وَمِثَال التَّرْجِيح أَن بيع الْغَائِب الْمَجْهُول لَا يجوز وَبيع الْخِنْزِير لَا يجوز فهاتان عِلَّتَانِ لِامْتِنَاع فَلَو اجْتمعَا فَكَانَ خنزيرا غَائِبا لم تستو العلتان فَيُقَال لم يجز بيعَة للخنزيرية والغبية مَعًا بل يمْتَنع بَيْعه لوصف الخنزيرية خَاصَّة لِأَنَّهَا أقوى وَسقط أثر الْغَيْبَة هَاهُنَا لِأَنَّهُ أَضْعَف هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي قَول الْأَكْثَر وَالصَّحِيح عِنْد أهل النّظر وَالله أعلم

стр. 122

النَّوْع السَّادِس فَسَاد الْمَوْضُوع هُوَ اعْتِرَاض صَحِيح ومثاله مَا قَالَه أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي مَسْأَلَة النِّيَّة فِي الْوضُوء طَهَارَة فَلم تفْتَقر إِلَى النِّيَّة كإزالة النَّجَاسَة فَيُقَال لَهُم هَذَا الدَّلِيل فَاسد الْوَضع فَإِن الطَّهَارَة فِي الشَّرِيعَة من أجل الْقرب وَأعظم الْعِبَادَات والعبادات والقرب مَبْنِيَّة عِلّة وجوب النِّيَّة بِالْقَصْدِ إِلَى المتقرب إِلَيْهِ والاسلاف فِي الثَّوَاب عِنْده وَفَسَاد الْوَضع قريب من تَعْلِيق ضد الْمُقْتَضى وَذَلِكَ بَين فِي آدَاب النّظر النَّوْع السَّابِع فِي فَسَاد الِاعْتِبَار وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول من يَنْفِي نِكَاح التَّفْوِيض عقد مُعَاوضَة فَلَا يجوز تفويضه إِلَى الْغَيْر أَصله البيع فَنَقُول هَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسد الِاعْتِبَار فَإِن النِّكَاح لَا يجوز أَن يحمل على البيع فِي بَاب الْعِوَض وَلِأَنَّهُ يجوز السُّكُوت عَنهُ فِي النِّكَاح وَلَا يجوز السُّكُوت عَنهُ فِي البيع وَلِأَن النِّكَاح مَبْنِيّ على المكارمة وَالْبيع مَبْنِيّ على المشاحة والمكايسة وَنَشَأ الْكَلَام من هَذَا الِاعْتِرَاض وَبني عَلَيْهِ النَّوْع الثَّامِن الْفرق وَهُوَ اعْتِرَاض صَحِيح يجمع أَربع اعتراضات وَهُوَ يبرز الْفِقْه وَيبين ويثير الدَّلِيل ويخص الْعلَّة مِثَاله أَن يَقُول عُلَمَاؤُنَا فِي أَن الْمُسلم لَا يُقَاد مِنْهُ للذِّمِّيّ مَنْقُوص بالْكفْر فَلَا يكافي دَمه دم الْمُسلم كالمستأمن

стр. 123

فَيَقُول أَصْحَاب أبي حنيفَة الْفرق بَين الْمُسْتَأْمن وَالذِّمِّيّ بَين وَذَلِكَ إِن الْمُسْتَأْمن لَيْسَ من أهل الدَّار فَلذَلِك لم تكمل لَهُ حُرْمَة وَلم يجب الْقصاص على قَاتله وَالذِّمِّيّ من أهل الدَّار فَكَانَ كَامِل الْحُرْمَة النَّوْع التَّاسِع الْمُعَارضَة وَذَلِكَ أَن يسْتَدلّ المسؤول بِدَلِيل فَلَا يتَعَلَّق السَّائِل بِشَيْء من الدَّلِيل أَكثر من أَن يذكر هُوَ دَلِيلا آخر وَقد اخْتلف النَّاس فِيهِ وَالصَّحِيح أَنه صَحِيح على مَا بَيناهُ فِي علم النّظر وَالْحَمْد لله وَحده النَّوْع الْعَاشِر جعل الْعلَّة معلولا والمعلول عِلّة وَذَلِكَ مثل قَول أَصْحَابنَا فِي النَّجَاسَة لَا تزَال بالخل مَائِع لَا يرفع الْحَدث فَلَا يزِيل النَّجَاسَة أَصله المَاء النَّجس فَيَقُول أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا نقُول أَن المَاء النَّجس لم يزل النَّجَاسَة لِأَنَّهُ لَا يرفع الْحَدث بل نقُول لِأَنَّهُ لَا يرفع الْحَدث لِأَنَّهُ يزِيل النَّجس وَهُوَ سُؤال غير ضائر لما بَيناهُ فِي علم النّظر لِأَن الشَّرْع لَا عِلّة فِيهِ وَلَا مَعْلُول على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَات فَلَا يمْتَنع أَن يكون كل وَاحِد من الْأَحْكَام دَلِيلا على صَاحبه وَإِنَّمَا يَسْتَحِيل ذَلِك فِي العقليات لِأَنَّهَا حقائق والحقيقة لَا تنْقَلب

стр. 124

= كتاب النّسخ = فِيهِ أَرْبَعَة أَبْوَاب ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي حَقِيقَة النّسخ ﷺ َ - وَقد تقطعت المهرة فِيهِ أفرادا وَهُوَ أَمر عسير الْإِدْرَاك جدا قَالَت الْمُعْتَزلَة النّسخ انْقِضَاء أمد الْعِبَادَة فَرد عَلَيْهِم بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الأمد لَيْسَ لَهُ فِي الْخطاب ذكر وَالثَّانِي أَن نسخ غير الْعِبَادَة جَائِز فَلَا معنى لتخصيص الْعِبَادَة بِالذكر وَقَالَ القَاضِي النّسخ رفع الحكم الثَّابِت وَكَيف يَصح أَن يرْتَفع حكم لِأَنَّهُ إِن ثَبت لم يرفع وَإِن رفع لم يثبت وَإِن أَرَادَ أَن الحكم ثَابت فِيمَا مضى مُرْتَفع فِيمَا يسْتَقْبل فَلم يرفع ثَابت وَالْقَاضِي ﵀ أجل مِقْدَارًا من هَذَا الْحَد وبحره عميق وأرشق عبارَة فِيهِ عدم شَرط اسْتِمْرَار الحكم وَتَحْقِيق ذَلِك فِي الْأُصُول ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي جَوَاز النّسخ ﷺ َ - أنكرته الْيَهُود لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا الْخَبَر وَالْآخر النّظر

стр. 125

فإمَّا الْخَبَر فَمَا زَعَمُوا من قَول مُوسَى ﵇ فِي التَّوْرَاة إِن هَذِه الشَّرِيعَة مُؤَبّدَة عَلَيْكُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأما النّظر فَلِأَن النّسخ فِيهِ بَدْء وَذَلِكَ لَا يجوز على الله لعلمه بالعواقب ولاستواء الْمُسْتَقْبل عِنْده والذاهب فَأَما تعلقهم بقول مُوسَى ﵇ فَهُوَ اختراعهم وأنى يتَحَقَّق مَا فِي التَّوْرَاة وَقد أحرقت مرَّتَيْنِ واجتمعوا على تلفيقها فَمَا تحصلت وَلَو ثَبت ذَلِك من قَوْله فَهُوَ عُمُوم وَهل كلامنا إِلَّا فِي نسخ الْعُمُوم إِمَّا لفظا وَإِمَّا وقتا وَأما تعلقهم بِالنّظرِ فمسلكه لائح لنا وَلَا حجَّة لَهُم فِيمَا ذَكرُوهُ من البداء لِأَن النّسخ الله تَعَالَى لَيْسَ بِمَا بدا لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا علمه وأحكمه فاقتضت الْمصلحَة أَن يَقع التَّكْلِيف بِهِ فِي وَقت وَلَا يَقع فِي آخر فإلزامه الْمُكَلف ظَاهرا وَلم يطلع على مَا فِي الْبَاطِن ثمَّ اطلع فَعلم أَن الْحِكْمَة فِي إخفائه أَولا والمصلحة فِي تبديله آخرا وَلذَلِك رد الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَبَين جهلهم فَقَالَ (إِذا بدلنا ءاية مَكَان ءاية وَالله أعلم بِمَا ينزل قَالُوا إِنَّمَا أَنْت مفتر بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ ليثبت الَّذين ءامنوا وَهدى وبشرى للْمُسلمين) ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث فِي النَّاسِخ ﷺ َ - النَّاسِخ هُوَ الله تَعَالَى فِي الْحَقِيقَة وَكَلَامه مجَاز ثَان وَنبيه مجَاز ثَالِث تركب عَلَيْهِ وَلَكِن جَازَ إِطْلَاق النَّاسِخ على غير الله تَعَالَى مَعَ معرفَة حَقِيقَة النَّاسِخ قصد الْبَيَان وَإِرَادَة التَّقْرِيب

стр. 126

فالكتاب ينْسَخ بِالْكتاب وَالسّنة تنسخ بِالْكتاب عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَأنْكرهُ أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي والأستاذ أَبُو إِسْحَاق الاسفراييني ﵏ وعمدتهم أَن الْقُرْآن معجز وَكَلَام النَّبِي غير معجز فَكيف يرد المعجز بِمَا لَيْسَ بمعجز وَهَذَا كَلَام هائل لَيْسَ وَرَاءه طائل وَيُقَال لَهُم مَا أبديتموه دَعْوَى فَمَا الدَّلِيل على صِحَّتهَا ثمَّ يعارضون بنسخ نصف آيَة لآيَة كَامِلَة وَأكْثر نصف الْآيَة غير معجز وَلَكِن ذَلِك عندنَا إِذا ثَبت طَرِيق السّنة قطعا بالْخبر الْمُتَوَاتر وَأما إِن كَانَ خبر وَاحِد فقد تعاطى بَعضهم النّسخ بِهِ وَهِي مزلة قدم لِأَن خبر الْوَاحِد مظنون وَلَا يُسَاوِي الظَّن الْيَقِين فضلا أَن يُعَارضهُ ﷺ َ - الْبَاب الرَّابِع ﷺ َ - وَفِيه ثَلَاث مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى يجوز نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة إِجْمَاعًا وَيجوز نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم عندنَا خلافًا للمعتزلة حَيْثُ قَالُوا لَا يجوز وَاحْتَجُّوا بِأَن التِّلَاوَة أصل وَالْحكم الْمُسْتَفَاد بهَا فرع لَهَا وَيجوز ذهَاب الْفَرْع نع بَقَاء الأَصْل فَأَما ذهَاب الأَصْل مَعَ بَقَاء الْفَرْع فمحال وَالْجَوَاب عَن كَلَامهم وَهُوَ الدَّلِيل أَن تَقول التِّلَاوَة حكم مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَالْحكم الْمُسْتَفَاد مِنْهَا حكم مُسْتَقل أَيْضا بِنَفسِهِ وَالدَّلِيل على كَونه مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ انْفِرَاد كثير من الْأَحْكَام عَن الْقُرْآن وَنسخ حكم الْقُرْآن بِحكم السّنة

стр. 127

وَإِذ كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا معزولا عَن صحابه مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ دون الاخر جَازَ نسخ كل وَاحِد مِنْهُمَا معزولا عَن صَاحبه ويعضد ذَلِك مَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة من أَنه كَانَ قُرْآنًا يُتْلَى الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَانيا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم فقد نسخ هَذَا اللَّفْظ كُله إِجْمَاعًا ويقي حكمه إِجْمَاعًا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة نسخ الْأَمر قبل الْفِعْل جَائِز خلافًا للمعتزلة قَالُوا فِي شبههم على ذَلِك فَائِدَة الْأَمر ابتلاء الْمُكَلف واختباره فِي الْإِقْدَام والإحجام وَالتّرْك والامتثال وَإِذا وَقع النّسخ قبل ذَلِك ذهبت الْفَائِدَة فَصَارَ الْأَمر عَبَثا وَالله تَعَالَى تجلى عَن ذَلِك الْجَواب وَهُوَ الدَّلِيل أَن نقُول فَائِدَة الْأَمر بالحكم الْمَنْسُوخ قبل الْفِعْل ابتلاء الْمُكَلّفين والاعتقاد هَل يلْزمه أم يردهُ وَلَا يقبله والابتلاء فِي الِاعْتِقَاد كفر وَمُخَالفَة الْفِعْل مَعْصِيّة وَهَذَا أَهْون من ذَلِك فَلم يعد إِذا نسخ حكم قبل الْفِعْل عَن فَائِدَة عظمى يسْتَقلّ التَّكْلِيف بهَا فِي إثارة الْفَائِدَة وإبانة الْمصلحَة على أَنا لَا نسلم أَنه يلْزم وقُوف الْمُكَلف على كل فَائِدَة يتَعَلَّق بالتكليف وَالْعلم بِوُجُوه الْمصَالح المرادة بالامتثال والزجر

стр. 128

وَقد دلّ عُلَمَاؤُنَا عَن بكرَة أَبِيهِم على وُقُوع هَذِه الْمَسْأَلَة شرعا بِقصَّة الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ أَمر بِذبح وَلَده ثمَّ نسخ ذَلِك قبل فعله وَكَانَ الْفِدَاء غير قَادِح فِي الاهتداء والاقتداء وَالَّذِي أرَاهُ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَيست من ذَلِك الْبَاب وَإنَّهُ أَمر خَفِي على عُلَمَائِنَا وَوهم واقعوه من غير قصد وَقد بَينا ذَلِك فِي التمحيص وَالْحَمْد لله وَحده الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة النّسخ لَا يثبت إِلَّا من الْبَلَاغ وَمَا رفع قبل نُزُوله وَقبل الْعلم بِهِ مَنْسُوخ قطعا لكنه مَعْفُو عَنهُ شرعا وَقَالَت طَائِفَة من الْعلمَاء لَا يُعْفَى عَنهُ وَقد كَانَ ذَلِك جَائِزا لَوْلَا إِن الله ﵎ على لِسَان رَسُوله لم يُؤَاخذ بِمَا مَاتَ عَلَيْهِ من لم يبلغهُ فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على الْعَفو فِيهِ وَقد وَقعت من ذَلِك فِي حَيَاة الرَّسُول نَوَازِل كَثِيرَة مِنْهَا مَسْأَلَة وَغَيرهَا وفيهَا غنية عَن سواهَا

стр. 129

= كتاب التَّرْجِيح = التَّرْجِيح فِي اللُّغَة عبارَة عَن وَفَاء أحد المتقابلين من أَي معنى كَانَا وَبِأَيِّ وَجه توازنا وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَة عبارَة عَن وَفَاء أحد الظنين على الآخر وَهُوَ على قسمَيْنِ رُجْحَان الْأَلْفَاظ ورجحان الْمعَانِي فَأَما رُجْحَان الْأَلْفَاظ فَأن يتعارض نصان أَو ظاهران أَو عمومان أَو دَلِيلا خطاب وَذَلِكَ بَين خمسين مِثَالا قد عددناها وبيناها فِي التمحيص وَذكرنَا قَول من زَاد عَلَيْهَا عشْرين فبلغها سبعين ورأينا من نَيف بهَا على الْمِائَة وَلَكنَّا فِي هَذِه العجالة رَأينَا أَن وجوهها سِتَّة عشر وَجها مِنْهَا عشرَة الَّتِي فِي النَّص وَمِنْهَا سِتَّة فِي الْعُمُوم أما الْعشْرَة فِي النَّص فَذَلِك فِي الأول أَن يتَبَيَّن على أَحدهمَا مخاييل التَّأْخِير إِمَّا فِي الزَّمَان وَإِمَّا فِي الْمَكَان وَإِمَّا فِي الْحَال فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا الثَّانِي أَن يكون أحد الراويين أوثق الثَّالِث أَن يكون أحد الأثرين أَكثر رُوَاة الرَّابِع أَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ أَكثر الروَاة وَالْآخر أقل مِنْهُ لكِنهمْ أوثق قدم الأوثق فِي الْوَجْهَيْنِ وَقد الْأَكْثَر فِي

стр. 130

الْخَامِس أَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ يعتضد بِعَمَل الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم فَيكون اولى وَفِي ذَلِك تَفْضِيل السُّدس أَن يعضد أحد الْخَبَرَيْنِ بِعَمَل الرَّاوِي وَيتْرك الآخر الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الَّذِي روى فَيكون المعتضد بِالْعَمَلِ أولى السَّابِع أَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ يعضده ظَاهر من كتاب أَو سنة فَيكون الحكم بِهِ أولى الثَّامِن أَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ يعضده قِيَاس الْأُصُول وَالْآخر يُخَالِفهُ فَيكون الأول أولى التَّاسِع أَن يكون أَحدهمَا يَقْتَضِي احْتِيَاطًا وَالْآخر أستر فَيكون الَّذِي يَقْتَضِي الِاحْتِيَاط أولى الْعَاشِر أَن يتَضَمَّن أحد الْخَبَرَيْنِ إِثْبَاتًا ويتضمن الآخر نفيا فَيكون الَّذِي يتَضَمَّن الْإِثْبَات أولى وَلذَلِك كُله أَمْثِلَة ونظائر كَثِيرَة أما السِّتَّة الَّتِي فِي الْعُمُوم فَأن يكون أحد العمومين أَكثر رُوَاة لم يخصص وَالثَّانِي أَن يكون أحد العمومين لم يخصص وَالثَّالِث أَن يكون أحد العمومين مُطلقًا وَالْآخر ورد على سَبَب وَالْخَامِس أَن يكون أَحدهمَا لَا يُعَارضهُ دَلِيل الْخطاب وَالسَّادِس أَن يكون أحد العمومين مَعْمُولا بِهِ فَيقدم الْأَكْثَر رُوَاة وَالَّذِي لم يخصص وَالَّذِي يظْهر فِيهِ الْقَصْد وَالَّذِي لم يرد على

стр. 131

سَبَب وَالَّذِي لم يُعَارضهُ دَلِيل وَالَّذِي اتَّصل بِهِ الْعَمَل على الَّذِي لم يتَّصل بِهِ الْعَمَل وَأما الْمُعَارضَة فِي الْمعَانِي فَهِيَ لَا تحصى عدَّة وَقد جمعهَا عُلَمَاؤُنَا إِلَى أَكثر من مائَة كَالْأولِ وَلَكنَّا نشِير لكم مِنْهَا إِلَى نبذ يسيرَة هِيَ كالأصول تكون مفتاحا لبَقيَّة الْفُصُول فَنَقُول إِن الْعِلَل إِذا تَعَارَضَت وَالَّذِي يضْبط الرجحان فِيهَا تأصيلا يدل على التَّفْصِيل ويغني عَنهُ ثَلَاث أَشْيَاء أَحدهَا أَن يعتضد بِنَصّ أَو بِوَجْه من وُجُوه الترجيحات الَّتِي قدمناها الثَّانِي أَن تسلم من الاعتراضات أَو تكون أقل اعتراضا من معارضها الثَّالِث أَن تكون إِحْدَاهمَا متعدية وَالْأُخْرَى واقفة فَتكون المتعدية أقوى وَمعنى الواقفة الَّتِي لَيْسَ لَهَا فروع

стр. 132

= كتاب الِاجْتِهَاد = فِيهِ ثَلَاث فُصُول الْفَصْل الأول فِي حَقِيقَته وَهِي بذل الْجهد واستنفاذ الوسع فِي طلب الصَّوَاب افتعال من الْجهد كَمَا تَقول استداد من السداد وَنَحْوه الْفَصْل الثَّانِي فِي الْمَطْلُوب بِهِ اخْتلف النَّاس فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ الْمَطْلُوب حكم الله وَمِنْهُم من قَالَ حكم الله يُمكن الْوُصُول إِلَيْهِ فالمطلوب هُوَ الْأَشْبَه من الْأَصْلَيْنِ وَمِنْهُم من قَالَ الْمَطْلُوب رُجْحَان الظَّن وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن حكم الله يعثر عَلَيْهِ وَالْأَشْبَه قد لَا يُوصل إِلَيْهِ الْعَوَائِق فِي النّظر فَأَما الِانْتِهَاء إِلَى دَرَجَة تغلب على الظَّن فِيهَا الْمَطْلُوب فَهُوَ مُمكن الْفَصْل الثَّالِث فِي تصويب الْمُجْتَهدين وَقد اخْتلف النَّاس فِيهِ اخْتِلَافا متبابنا عمدته أَن قوما قَالُوا إِن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب وَهُوَ قَول الْعلمَاء وَمِنْهُم من قَالَ الْحق فِي قَول بَعضهم وَإِلَيْهِ يمِيل الضُّعَفَاء بجهلهم بالطريقة وَالصَّحِيح كل مُجْتَهد مُصِيب وَاحْتج من قَالَ الْحق فِي قَول أَحدهمَا بِأَن النَّازِلَة إِذا وَقعت وَقَالَ أحد الْمُجْتَهدين هِيَ حَلَال وَقَالَ الآخر هِيَ حرَام فَلَا يجوز أَن يَكُونَا مصيبين

стр. 133

لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى محَال وَهُوَ اجْتِمَاع التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم فِي عين وَاحِدَة وَهَذِه عمدتهم الَّتِي يعتمدون قوتها وَهِي لَا تَسَاوِي أَن تسمع وَالْجَوَاب عَنْهَا أَن نقُول الدَّلِيل فِي الْمَسْأَلَة مَا قدمْنَاهُ فِي أول الْكتاب أَن التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم ليسَا بِصِفَات للمحللات وَلَا للمحرمات وَإِنَّمَا هِيَ عِبَارَات عَن قَول الشَّارِع فِيمَا شرع وَعَن قَول الْمُفْتِي فِيمَا أفتى وَذَلِكَ كالنبوة لَيست بِصفة ذاتية للنَّبِي وَإِنَّمَا هِيَ عبارَة عَن مكاشفته بِالْوَحْي فَإِذا أدّى النَّاظر النّظر إِلَى تَحْلِيل عين لم يتَعَلَّق بِالْعينِ من ذَلِك وصف وه مَطْلُوب بِالْعَمَلِ بِاجْتِهَاد وَبِمَا أدّى إِلَيْهِ نظره وَإِن نظر آخر فأداه نظره إِلَى التَّحْرِيم عمل أَيْضا على مُقْتَضى اجْتِهَاده وَلم يتَعَلَّق بِالْعينِ من قَوْله شَيْء فَإِن قيل كَيفَ يصنع الْمُقَلّد وَقد اخْتلفَا عَلَيْهِ قُلْنَا سَيَأْتِي الْجَواب عَن ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 134

= كتاب التَّقْلِيد = وَفِيه خَمْسَة فُصُول الْفَصْل الأول فِي حَقِيقَة التَّقْلِيد قَالَ قوم هُوَ قبُول القَوْل من غير حجَّة وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ الْقبُول من غير حجَّة فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَوْلَا قيام الْحجَّة على الِالْتِزَام لذَلِك لما لزم وَلَا قبل لِأَن الْأَقْوَال مَعَ عدم الْحجَّة سَوَاء الْفَصْل الثَّانِي قَالَ القَاضِي لَا تَقْلِيد بِحَال وَلَا يحل لأحد أَن يُقَلّد أحدا وَقَالَ سَائِر الْعلمَاء بِصِحَّة التَّقْلِيد لمن عجز عَن النّظر وَلَا يظنّ بِالْقَاضِي لعظم منصبه الْغَفْلَة عَن هَذَا الْمقَال وَإِنَّمَا انتحى أمرا يَأْتِي بَيَانه فِي الْفَصْل الَّذِي بعده وَهُوَ مَا يجب على الْمُقَلّد الْفَصْل الثَّالِث مَا يجب على الْمُقَلّد قَالَ عُلَمَاؤُنَا الَّذِي يجب على الْمُقَلّد يرى أَنه إِذا عجز عَن النّظر فِي دَلِيل الْأَحْكَام أَن يسْأَل اعْلَم أهل زَمَانه فَمَا افتاه بِهِ وَجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ وَبِأَيِّ شَيْء يعلم أَنه أعلم

стр. 135

قَالَ الْأُسْتَاذ بالْخبر الْمُتَوَاتر وَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا يَكْفِي أَن يعديه عِنْده رجلا ن فَإِذا قَالَ لَهُ هُوَ أَنا عَالم قَالَ بعض النَّاس يعْمل على قَوْله وَالصَّحِيح أَن يعْمل على قَول من يشْتَهر ذَلِك عَلَيْهِ فَأَما الْبلُوغ إِلَى حد التَّوَاتُر فَلَا يلْزم ذَلِك الْفَصْل الرَّابِع لَا يجوز لمن قدر على النّظر أَن يُقَلّد عَالما وَقَالَ بعض النَّاس يجوز للْعَالم أَن يُقَلّد عَالما كَمَا يقلده فِي الْقبْلَة وَهُوَ ضَعِيف فَإِن الْعَمَل بالقبلة لَيْسَ من بَاب التَّقْلِيد وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب سَماع الْخَبَر وقبوله فَأَما إِن خَافَ الْعَالم الْفَوْت فَهَل يجوز لَهُ أَن يُقَلّد الْعَالم اخْتلف النَّاس فِيهِ وَهِي مَسْأَلَة اجتهادية وَالصَّحِيح عِنْدِي جَوَازه لِأَن مَا يقتحم فِي التَّقْلِيد من الْخَطَأ أيسر من اقتحام فَوت الْوَقْت الْفَصْل الْخَامِس هَل يتَكَرَّر سُؤال الْمُقَلّد على الْعَالم بتكرير النَّازِلَة الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فَمنهمْ من قَالَ يتَكَرَّر لجَوَاز اخْتِلَاف جَوَاب الْعَالم باخْتلَاف اجْتِهَاده وَمِنْهُم من قَالَ لَا يتَكَرَّر وَإِن جَازَ اخْتِلَاف الْجَواب كَمَا كَانَ لَا يلْزم تكْرَار السُّؤَال على النَّبِي وَإِن جَازَ اخْتِلَاف الْجَواب بالنسخ

стр. 136

وَالصَّحِيح وجوب التّكْرَار لِأَن الْعَالم إِذا تغير اجْتِهَاده لَا يلْزمه أَن يَقُول للنَّاس تغير اجتهادي عَمَّا تعلمُونَ وَالنَّبِيّ إِذا طرى عَلَيْهِ النّسخ يلْزمه أَن يَقُول تغير من حكم الله تَعَالَى كَذَا وَالله أعلم وَأحكم تمّ كتاب الْمَحْصُول فِي الْأُصُول تأليف الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ﵁ وَرَضي عَن جمَاعَة عُلَمَاء الْأمة وَغفر لمن اجْتهد فِي اتِّبَاع سبيلهم آمين وَصلى الله مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَفرغ مِنْهُ بمحروسة مصر فِي الْعشْر الْأَخير من جُمَادَى الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة ١ ١