Полный текст (136 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
قَالَ رَسُول الله لَا صِيَام لمن لم يؤرض الْقيام من اللَّيْل فَحمل أَبُو حنيفَة هَذَا الحَدِيث على الْقَضَاء وَحده وَقَالَ إِن التَّطَوُّع وَالْفَرْض يجزه بِصَوْم نِيَّة من النَّهَار
وَهَذَا من أفسد التأويلات فَإِن اللَّفْظ خرج مخرج الْعُمُوم والاستغراق بِحرف النَّفْي الْمُتَّصِل بالنكرة الْمُقْتَضِي للْعُمُوم لُغَة فَلَو أخرج مِنْهُ بِالْقِيَاسِ صَوْم لجَاز أَو كَاد أَن يجوز فَأَما أَن يهدم مثل هَذَا اللَّفْظ وَيسْقط جَمِيع متناولاته إِلَّا وَاحِدًا فَهَذَا لَا يجوز فِي كَلَام حَكِيم وَمن هَذَا القبيلِ
المسالة السَّابِعَة
قَالَ رَسُول الله أَيّمَا امْرَأَة نكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل فنكاحها بَاطِل فنكاحها بَاطِل فَإِن مَسهَا فلهَا الْمهْر بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا فَإِن اشتجروا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ
قَالَ أَبُو حنيفَة المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث الْأمة لِأَن الْحرَّة عِنْده تنْكح نَفسهَا وَلَيْسَ لأحد فِي ذَلِك كَلَام فَإِنَّمَا أفسد عَلَيْهِ هَذَا بِأَن لفظ أَي مَوْصُول بِمَا بموضوع للْعُمُوم وَإنَّهُ إِذا اتَّصل بنكرة كَقَوْلِك امْرَأَة تَأَكد الْعُمُوم فَكيف يظنّ بالشارع أَنه جَاءَ بِهَذِهِ الْقَاعِدَة الْعَامَّة المستغرقة
стр. 72
وَيُقَال قصد بذلك بَيَان حكم الْأمة إِذا استبدت بإنكاح نَفسهَا دون مَوْلَاهَا
وَحين حس بِهَذِهِ المضايقة قَالَ المُرَاد بذلك الْمُكَاتبَة فَبَيْنَمَا كَانَ حَامِلا للْحَدِيث على أقل الْجِنْس وَهِي الْأمة حمله على أقل الْقَلِيل وَهِي الْمُكَاتبَة من جنس الْإِمَاء وَهَذِه كلهَا مُنَازعَة فَاسِدَة التَّأْوِيل يجب عَلَيْكُم أَن تحذروها
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة
قَوْله تَعَالَى (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه) الْآيَة إِلَى آخرهَا وَهَذِه الْآيَة من أُمَّهَات الْكتاب وَقد بَينا تَأْوِيلهَا وتفصيلها فِي كتاب الْأَحْكَام بيد أَن أَبَا حنيفَة جَاءَ فِيهَا ببيضة الْعقر فَقَالَ إِن سهم ذَوي الْقُرْبَى لَا يحصل لَهُم إِلَّا بعد اتصافهم بِالْحَاجةِ وَوصف الْحَاجة قد جَاءَ مفصلا مُفَسرًا بالمساكين وَقَالَ مَالك يجوز أَن يُعْطي الْخمس لَغَنِيّ وَاحِد وَيسْقط مِنْهُ السِّتَّة الْأَصْنَاف الَّتِي سَمَّاهَا الله فِيهِ فَأَما مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك من إساقط الْأمة رَأْسا فَلَيْسَ من كتاب التَّأْوِيل الَّذِي نَحن فِيهِ وَإِنَّمَا بَيناهُ فِي الْأَحْكَام وَأما أَبُو حنيفَة الَّذِي شَرط مَعَ الْقَرَابَة الْحَاجة فَهَذَا من بَاب التَّأْوِيل الَّذِي نَحن فِيهِ وَلَكِن يفْسد مذْهبه بِمَا تقدم من أَصله الَّذِي مهده بِزَعْمِهِ وَهُوَ أَن الزِّيَادَة على النَّص نسخ فَكيف زَاد هُوَ هَاهُنَا الْحَاجة على الْقَرَابَة وَنقص أَصله وَلَا عذر لَهُ فِي هَذَا هَا هُنَا
стр. 73
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة
قَالَ الله تَعَالَى فِي كَفَّارَة الظِّهَار (فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا)
قَالَ أَبُو حنيفَة إِن أطْعم مِسْكينا وَاحِدًا قوت سِتِّينَ مِسْكينا أَجزَأَهُ فأسقط الْعدَد رأٍ سا وَقد وَقع الْبَيَان لَهُ نصا قَالَ وَتَقْدِير الْآيَة فإطعام طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا لِأَن أطْعم من الْأَفْعَال الَّتِي يتَعَدَّى إِلَى مفعولين تَقول أطعمت زيدا طَعَاما وَلَا يَصح أَن يكون تَقْدِير الْآيَة هَكَذَا لَكَانَ الحكم محملًا لِأَن الطَّعَام غير مُبين فَجَاءَت الْآيَة للْبَيَان فَوَجَبَ تقديرها كَمَا قُلْنَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَقْصُود بِالْآيَةِ بَيَان مِقْدَار الطَّعَام بأعداد الْمَسَاكِين فَأَما تَقْدِير الطَّعَام فموكول للْعُرْف وَهُوَ أحد أَدِلَّة الشَّرْع أَو إِلَى الْبَيَان الْوَاقِع فِي آيَة كَفَّارَة الْيَمين وَالْأول أولى
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة
قَالَ أَبُو حنيفَة تُؤْخَذ الزَّكَاة من الخضروات والمقاصب والنابتات انتزاعا من قَوْله فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بنضح أود إِلَيْهِ نصف الْعشْر
قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذَا الْخَبَر لم يقْصد بِهِ عُمُوم الْجِنْس وَإِنَّمَا قصد بِهِ تَقْسِيم التَّفْصِيل بَين مَا فِيهِ مُؤنَة كَثِيرَة وَبَين مَا فِيهِ مُؤنَة قَليلَة والعموم معترض عَنهُ فَكيف يَصح أَن يُؤْخَذ مِنْهُ وَلَو جَاءَ الحَدِيث مُطلقًا فِيمَا
стр. 74
سقت السَّمَاء الْعشْر لَكَانَ لَهُم فِيهِ مُتَعَلق وَأما وَقد نوع وَقسم فقد انْكَشَفَ الغطاء لِأَن الْعُمُوم لَيْسَ فِيهِ خطّ
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة
قَالَ النَّبِي فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة
فاستقرأ الشَّافِعِي من مَفْهُومه سُقُوط الزَّكَاة عَن المعلوفة والدواجن المستخدمة لِأَن النَّبِي لما ذكر الْحُبُوب والنقود ذكرهَا مُطلقَة وَلما ذكر الْغنم ذكرهَا مُقَيّدَة بالسوم وَمَا قَيده النَّبِي لَا يَصح إلغاؤه
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن هَذَا استقراء حسن واستدلال صَحِيح وَلَكِن عَارضه قَول النَّبِي فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة مُطلقًا فتعارض الْعُمُوم وَالْمَفْهُوم فَنَشَأَتْ هَاهُنَا عضلة من التَّرْجِيح فرجح الشَّافِعِي الْمَفْهُوم وَرجح مَالك الْعُمُوم وترجيح مَالك بِرَأْي الْفُقَهَاء الَّذين يَقُولُونَ بِالْعُمُومِ أولى لِأَن الدَّلِيل اللَّفْظِيّ مقدم على الْمَعْنَوِيّ اتِّفَاقًا وَبَقِيَّة الْمَسْأَلَة فِي كتاب التَّرْجِيح
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشر
قَالَ النَّبِي فِي خمس من الْإِبِل شَاة
стр. 75
فَقَالَ أَبُو حنيفَة يقوم الْمَالِك الشَّاة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ بتقويم الْوسط فيخرجه عَنْهَا فتحريه اعْتِمَادًا على مَا فهم من أَن الْمَقْصُود فِي الزَّكَاة سد الْخلَّة وَرفع الْحَاجة فَكل مَا أجزي فِيهَا جَازَ عَنْهَا
قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذَا بَاطِل من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن أَبَا حنيفَة أجْرى الْقيَاس فِي هَذِه الْعِبَادَة ونطاق الْقيَاس فِي الْعِبَادَات ضيق وَإِنَّمَا ميدانه الْمُعَامَلَات والمناكحات وَسَائِر أَحْكَام الشرعيات والعبادات مَوْقُوفَة على النَّص
الثَّانِي أَن هَذَا التَّعْلِيل الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ يسْقط الأَصْل وَمَتى أسقط التَّعْلِيل أَصله الَّذِي ينشأ عَنهُ سقط فِي نَفسه وَهَذِه نُكْتَة يجب شدّ الْيَد عَلَيْهَا
الثَّالِث أَن هَذَا التَّعْلِيل الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ يُعَارضهُ تَعْلِيل آخر أولى مِنْهُ وَأقوى وَهُوَ أَنا وَإِن سلمنَا أَن الْغَرَض من الزَّكَاة سد الْخلَّة إِلَّا أَن مِنْهَا مَعَ سد الْخلَّة غَرضا آخر وَهُوَ مُشَاركَة الْغَنِيّ الْفَقِير فِيمَا بِهِ يكون غَنِيا حَتَّى يَسْتَوِي الْحَال وَيحصل فِي أَيدي الْأَغْنِيَاء من ذهب وَحب الْحَيَوَان وعَلى مَذْهَبهم يَقع الاستئثار بالأجناس كلهَا وَهَذَا بَين لمن انصف
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشر
قَالَ الله تَعَالَى (فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
стр. 76
فقرأها نَافِع ﵀ وأرجلكم بِرَفْع اللَّام وَرُوِيَ عَنهُ فِي الْمَشْهُور أَنه قَرَأَهَا بِفَتْح اللَّام كَغَيْرِهِ من الْجَمَاعَة
وقرئت أَيْضا وأرجلكم بالخفض
فَهِيَ ثَلَاثَة صور فِي ثَلَاثَة لُغَات لَا يُمكن سواهَا
فَأَما الرّفْع وَالنّصب فباب التَّأْوِيل فِيهِ مفتتح ومنهجه متضح وَأما خفض اللَّام فسلك فِيهِ الإِمَام مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ خلاف مسلكه من فهم التَّنْزِيل وَتَحْقِيق التَّأْوِيل وَقَالَ أَنه مَحْمُول على الرَّأْس لفظا وَمعنى لقَولهم فِي الْأَمْثَال هَذَا حجر ضَب خرب
وكقول أبي كَبْشَة
(كَأَن كثيرا فِي عرانين وبلة ... كثير أنَاس فِي بجاد مزمل)
وَهَذَا من التَّأْوِيل الركيك وَقد بَينا منتحاه فِي الْكتاب المنحي والعمدة فِيهِ أَن الْخَفْض على الْجوَار فَاسد وعَلى فَسَاده إِنَّمَا يجْرِي فِي الْأَوْصَاف لَا فِي الْمَعْطُوف
وَإِمَّا الْبَاب الْعَطف فالغرض مِنْهُ التَّشْرِيك فِي الْخَبَرَيْنِ من أخبر بِهِ عَنهُ فَيجوز أَن يبْقى لفظا فِي ذَلِك التَّشْرِيك وَإِن اخْتلفَا معنى فِي حَال ذَلِك التَّشْرِيك كَقَوْلِهِم شراب ألبان وتمر وأقط وَلَا يشرب إِلَّا اللَّبن وَقَوْلهمْ وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا وَإِنَّمَا يتقلد السَّيْف وَحده
стр. 77
وَلَو لم تتظافر السّنة فِي الأرجل لحكم بِمَا اقتضته الْآيَة بِقِرَاءَة الْجَرّ على أَن بعض عُلَمَائِنَا قَالَ إِن آيَة الْجَرّ مفيدة حكم الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَقِرَاءَة النصب وَالرَّفْع مفيدة حكم غسل الرجلَيْن وَهَذِه الْأَوْجه أقوى فِي الدَّلِيل وَأولى فِي التَّأْوِيل
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشر
قَالَ رَسُول الله من اشْترى مصراة فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها ثَلَاثًا إِن رضيها أمْسكهَا وَإِن سخطها ردهَا ورد مَعهَا صَاعا من تمر
وَاخْتلف النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث على ثَلَاثَة أَقْوَال
فَمنهمْ من قضى بِهِ على ظَاهره وَأمره على لَفظه
وَمِنْهُم من رد بعضه وَهُوَ أَشهب
وَمِنْهُم من رد جَمِيعه وَهُوَ أَبُو حنيفَة
وَلَا عذر لأَشْهَب فِي رده لِأَنَّهُ قَالَ إِن ردهَا لم يرد مَعهَا شَيْئا لِأَن النَّبِي الْخراج بِالضَّمَانِ وَالْخَرَاج بِالضَّمَانِ حَدِيث صَحِيح ثَابت من طَرِيق عَائِشَة ﵂ وَحَدِيث الْمُصراة ثَابت من طَرِيق أبي
стр. 78
هُرَيْرَة وَابْن عمر لَكِن حَدِيث الْخراج بِالضَّمَانِ عَام وَحَدِيث الْمُصراة خَاص وَلَا يَصح لذِي لب الْقَضَاء بِالْعَام على الْخَاص وَلَا قَالَ بِهِ أحد
وَأما أَبُو حنيفَة فَقَالَ إِنَّمَا رددت جَمِيعه لِأَنَّهُ يُخَالف الْأُصُول وَوجه مُخَالفَته الْأُصُول إِنَّه أثبت الرَّد من غير عيب وَلَا شَرط وَالرَّدّ فِي الْمَبِيع إِنَّمَا يكون شَرط البَائِع أَو عيب يطلع عَلَيْهِ الْمُبْتَاع وَهَذَا لم يشْتَرط لبونا وَلَا فقد كَثْرَة اللَّبن عيب لِأَن فقد أَصله لَيْسَ بِعَيْب ففقد وَصفه أولى أَن لَا يكون عَيْبا
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قدر الْخِيَار بِثَلَاثَة أَيَّام وَخيَار الرَّد بِالْعَيْبِ لَا يتَقَدَّر بِوَقْت وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ضمن اللَّبن بِالطَّعَامِ وَالشَّيْء إِنَّمَا يضمن بِمثلِهِ أَو بِقِيمَتِه من النَّقْد فَإِذا خَالف الْأُصُول كَيفَ يجوز أَن يقبل
وَعند عُلَمَائِنَا إِذا جَاءَ الْخَبَر مُخَالفا لِلْأُصُولِ كَانَ أصلا بِنَفسِهِ مُسْتَثْنى من غَيره وَأَبُو حنيفَة يَقُول بالاستحسان وَهُوَ دَلِيل مستنبط يُخَالف الْأَدِلَّة فخبر مَنْصُوص يُخَالف الْأَدِلَّة أولى أَن يتبع على أَنا نقُول إِن هَذَا الحَدِيث لَا يُخَالف الْأُصُول بل هُوَ مُسْتَمر عَلَيْهَا حسب مَا بَيناهُ فِي كتاب الْإِنْصَاف
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشر
إِذا قيل للمالكي هَل تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا فَقَالَ لَا فَقيل لَهُ مَا الدَّلِيل على ذَلِك فَقَالَ قَول النَّبِي أَيّمَا امْرَأَة نكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل الحَدِيث
стр. 79
فَيَقُول لَهُ الْحَنَفِيّ هَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْك لِأَن النَّبِي قَالَ بِغَيْر إِذن وَليهَا وَأَنت لَا تجوز لَهَا النِّكَاح وان أذن لَهَا وَليهَا فَحِينَئِذٍ يتَرَدَّد جَوَاب الْمَالِكِي الْمُسْتَدلّ بَين الجدل والمفاقهة
فَأَما الجدل فَيَقُول هَذَا الَّذِي اعترضت بِهِ هُوَ إِلْزَام دَلِيل الْخطاب وَأَنت لَا تَقول بِهِ وَأَنا أَقُول بِهِ مالم يُعَارضهُ ماهو أقوى عِنْدِي مِنْهُ فَيسْقط
وَأما المفاقهة فَهُوَ أَن يَقُول الْعلمَاء إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا إِن الْمَرْأَة تزوج نَفسهَا من غير ولي
وَالثَّانِي عَن الْوَلِيّ يتَوَلَّى زواجها بِإِذْنِهَا فَأبْطل النَّبِي الْقسمَيْنِ وَهُوَ استقلالها بِالنِّكَاحِ فتعينت صِحَة الْقسم الآخر والتنويع والتقسيم الَّذِي ألزمتم لم يقل بِهِ أحد وَلَا يُقَال فَلَا فَائِدَة للتعلق بِهِ
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشر
حكم رَسُول الله كَحكم كَلَام الْبَارِي تَعَالَى فِي أَنه مَحْمُول على الْحَقِيقَة فِي الأَصْل وَلَا يحمل على الْمجَاز إِلَّا بِدَلِيل
وَالْمجَاز على قسمَيْنِ مِنْهُ مُسْتَعْمل غَالب وَمِنْه غَرِيب نَادِر فَأَما الْمُسْتَعْمل الْغَالِب
فَهُوَ الَّذِي تحمل عَلَيْهِ آيَات الْأَحْكَام وأخبارها
وَأما الْغَرِيب النَّادِر
فَإِنَّمَا يحمل عَلَيْهِ آيَات المواعظ والتذكير والتخويف والتهديد وَهَذَا أصل بديع فِي التَّأْوِيل فتقلدوه واستعملوه
стр. 80
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشر
فَقَالَ النَّبِي أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر
فَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ إِن جلد الْخِنْزِير يطهر بالدباغ أخذا من هَذَا الْعُمُوم وَهَذِه زلَّة قدم لكثير من المتأولين فَإِن الْعُمُوم وَإِن نَفَاهُ قوم وَقَالَ بِهِ آخَرُونَ أَو قَامَ الدَّلِيل على وجوب تعميمه فالقائل بِالْعُمُومِ والعموم الْمَدْلُول عَلَيْهِ إِنَّمَا يحمل على مَا يسْتَعْمل شَائِعا ويجرى عَادَة وينصرف كثيرا
وَأما مَا لَا يخْطر فِي بَال المعمم وَلَا ببال السَّامع الْمُبين لَهُ لَا يَصح لحكيم أَن يَقُول أَنه دَاخل تَحت الْعُمُوم وَهَذَا لَا يخْتَص بِهِ كَلَام الشَّارِع بل هُوَ جَار فِي كل كَلَام عَرَبِيّ مُحكم على هَذَا السَّبِيل
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة
قَالَ النَّبِي الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم وَهُوَ يَد على من سواهُم أَلا وَيقتل مُسلم كَافِرًا وَلَا ذُو عهد فِي عَهده فَلَمَّا سمع الْكُوفِيُّونَ هَذَا الحَدِيث أساؤوا فِيهِ التَّأْوِيل فَقَالُوا إِن الْمُسلم إِذا قتل ذمِّي قتل بِهِ قصاصا فَقيل لَهُم فَمَا فَائِدَة الحَدِيث فَاخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ
стр. 81
فَمنهمْ من قَالَ إِنَّمَا لَا يقتل الْمُسلم بالمستأمن وَأما الذِّمِّيّ الَّذِي صَار من أهل الدَّار وَثبتت لَهُ عصمَة الذِّمَّة على التَّأْبِيد فَهُوَ متساو للْمُسلمِ فِي الْعِصْمَة
فَمنهمْ من قَالَ يقتل بالمستأمن كَمَا يقتل بالذمي وَهُوَ الْأَقَل مِنْهُم وَأما الَّذِي يقتل بِهِ هُوَ الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَهَذَا من رَكِيك التَّأْوِيل
وَأما من قَالَ مِنْهُم إِنَّمَا لَا يقتل بالحربي فَهُوَ تلاعب بالشريعة فَإِن الْحَرْبِيّ مَأْمُور بقتْله وَكَيف يَأْمر الله تَعَالَى بقتْله وَيحْتَاج إِلَى بَيَان فِي نفي الْقصاص عَنهُ
وَأما من حمله على الْمُسْتَأْمن فَهُوَ من قبيل تَأْوِيل الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا فَإِن أهل الذِّمَّة هم المخاطبون وَهُوَ المقصودون وَهُوَ المنافسون فِي الدَّار والمتوقع مِنْهُم إِرَاقَة الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال ففيهم وَقع الْبَيَان
وَأما الْمُسْتَأْمن الَّذِي يُقيم يَوْمًا أَو شهرا أَو أقل فَلَا مُنَافَسَة مَعَه بل رُبمَا لَا يخْطر بالبال فَكيف أَن يَجْعَل مَقْصُودا فِي تَأْوِيل حَدِيث ورد قَاعِدَة
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشر
روى عُلَمَاؤُنَا أَن النَّبِي قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد فَقَالَ أَبُو حنيفَة هَذَا الحَدِيث بَاطِل وَلَو صَحَّ لما قُلْنَا بِهِ لِأَن الله تَعَالَى قد أحكم الْفَصْل بَين المتنازعين قُرْآنًا وَسنة
أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى (فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى) فَاسْتَوَى الْبَيَان
стр. 82
وَالتَّعْلِيل وَقَالَ النَّبِي ممهدا لقاعدة الْأَحْكَام لَو أعطي النَّاس بدعاويهم لادعى قوم دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ لَكِن النِّيَّة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر وَفسّر رَسُول الله للأشعث فِي خصامه فَقَالَ شَاهِدَاك أَو يَمِينه فَهَذَا مُنْتَهى معتمدهم وَهُوَ قوي جدا لكم إِمَام دَار الْهِجْرَة اهتبل بِهِ لقُوته وخف بِالرَّدِّ عَلَيْهِم من جَمِيع جوانبه وَفَارق عَادَته فِي تَعْلِيل الْكَلَام فأطنب فِي الرَّد عَلَيْهِ فِي نَحْو ورقتين ومعتمد مَا قَالَ أَن يُقَال لَهُ إِن الله تبَارك مهد سَبِيل الْأَحْكَام كَمَا قلت وأوضحها وَهِي الْبَيِّنَة أَو الْيَمين وهما الشَّاهِدَانِ أَو الْحلف فَأَنت أولى من هَدمه حِين قلت إِن الْمُنكر إِذا نكل عَن الْيَمين قضى عَلَيْهِ الْغرم بِغَيْر كتاب وَلَا سنة وَفِي أَي دَلِيل وجد هَذَا الْعَزْم بَدَلا عَن الْيَمين وَالشَّاهِد وَالْيَمِين إِلَى الشَّاهِدين أقرب من الْعَدَم إِلَى الْيَمين هَذَا لباب كَلَامه ﵁ وَهُوَ الْغَايَة فِي الْبَاب
الْمَسْأَلَة الموفية عشْرين
روى عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي نهى عَن الْغرَر وَفِي بعض أَلْفَاظه عَن بيع الْغرَر فَاخْتلف الْعلمَاء فِي بيع الْغرَر المنهى عَنهُ اخْتِلَافا متباينا وَهُوَ أصل كتاب الْبيُوع الْأَرْبَعَة والتطويل الْمُبين يجتمله هَذَا الْموضع وَلَكنَّا نشِير إِلَى نُكْتَة تكشف سَبِيل التَّأْوِيل فِي هَذَا
стр. 83
الْغَرَض فَنَقُول إِذا قَالَ الرجل لصَاحبه بِعْتُك الثَّوْب الَّذِي فِي كمي فَقَالَ مَال وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز لِأَنَّهُ غرر وَالْغرر مِمَّا تعبدنا بنفيه فِي البيع وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ جَائِز وَإِذا رَآهُ ثَبت لَهُ الْخِيَار حكما من غير شَرط وَوهم عبد الْوَهَّاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وهما بَيناهُ عَلَيْهِ فِي كتاب الْإِنْصَاف نكتته أَن مَالِكًا يَقُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّهَا جَائِز بِشَرْط الْخِيَار فراعى الشَّافِعِي تَنْزِيه العقد عَن الْغرَر وراعى مَالك ﵀ تَنْزِيه اللُّزُوم عَن الْغرَر وَأسْقط أَبُو حنيفَة المراعاة كلهَا لكنه ادّعى أَن الله ﵎ أثبت لَهُ الْخِيَار من غير شَرط اعْتِمَادًا لقَوْله من اشْترى شَيْئا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذَا الحَدِيث يرويهِ عمر بن إِبْرَاهِيم الْكرْدِي وَهُوَ يضع الحَدِيث ويكذب وَقد خرجه الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ وأبطله وَإِذ قد نجز الْمَوْعُود بِهِ من كتاب التَّأْوِيل فقد تعين الْأَخْذ فِي كتاب الْمَفْهُوم
стр. 84
= كتاب الْمَفْهُوم =
الْمَفْهُوم على ضَرْبَيْنِ
مَفْهُوم مُوَافقَة وَمَفْهُوم مُخَالفَة
فَأَما مَفْهُوم الْمُوَافقَة فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد الْعلمَاء وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى (فَلَا تقل لَهما أُفٍّ) فَهُوَ مِنْهُ تَحْرِيم الضَّرْب قطعا وَكَقَوْلِه (وَمن أهل الْكتاب من أَن تأمنه بقنطار يوده إِلَيْك) فهم مِنْهُ أَدَاء الدِّينَار قطعا على وَجه غَرِيب بَيناهُ فِي كتاب التمحيص
وَكَقَوْلِه (إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ والسلعة قَائِمَة مَوْجُودَة فَالْقَوْل بِمَا قَالَ البَائِع أَو يترادان) فَهُوَ مِنْهُ إِن ذَلِك مَعَ هَلَاك السّلْعَة
وَأما مَفْهُوم الْمُخَالفَة فَهُوَ مَا اخْتلف فِيهِ النَّاس فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِي وَمنعه أَبُو حنيفَة وَنسب أهل المقالات إِلَى مَالك أَنه يَقُول بِهِ
فَأَما الشَّافِعِي فاحتج لَهُ أَصْحَابه فَإِنَّهُ مَنْقُول عَن أَئِمَّة اللُّغَة كَأبي عُبَيْدَة وَغَيره وَذكروا أَيْضا آيَات من الْقُرْآن لَا مُتَعَلق فِيهَا وأخبار مُحْتَملَة بِخِلَاف مَا رَأَوْا مِنْهَا وَلَا بُد من تَحْقِيقه أَولا
стр. 85
فَنَقُول ذكر الْقَائِلُونَ بِهِ أَن مَفْهُوم الْمُخَالفَة هُوَ تَعْلِيق الحكم على أحد وصفي الشَّيْء فَيدل على الْأَخْذ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِه فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة فَيَقْتَضِي ذَلِك أَن المعلوفة بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ التَّخْصِيص بِالْمَكَانِ وَالزَّمَان وَالْعدَد فَيدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ أَيْضا وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر إِذا قلت الصّفة أَغْنَاك من الزَّمَان وَالْمَكَان وَالْعدَد لِأَنَّهَا كلهَا أَوْصَاف للأعيان وَالْمَقْصُود مِنْهَا لَا يتَبَيَّن إِلَّا بِذكر أَمْثِلَة فَنَقُول إِن الحكم المنوط بِالصّفةِ لَا بُد أَن يعلق بِشَرْط كَقَوْلِه إِن جَاءَك أَخَاك فَأكْرمه فَهَذَا مِمَّا يظْهر فِيهِ تعلق افكرام بالمجيء وَقد قَالَ يعلى بن أُميَّة لعمر ﵁ إِن الله سُبْحَانَهُ يَقُول (فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصلوة إِن خِفْتُمْ) وَهَا نَحن فقد آمنا فَمَا بالنا نقصر فَقَالَ لَهُ عمر سَأَلت رَسُول الله كَمَا سَأَلتنِي فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته فَهَذِهِ الصَّحَابَة وَالْخُلَفَاء ﵃ وَهُوَ أَعْيَان الفصحاء قد فَهموا تَخْصِيص الحكم الْمُعَلق على الشَّرْط بِوَصْف الشَّرْط وَأما الحكم الْمُعَلق بِالتَّعْلِيلِ كَقَوْلِك أكْرمه لإكرامه لَك فَلَا خلاف فِيهِ
فَأَما الحكم الْمُعَلق بِالْوَصْفِ كَقَوْلِه الْغنم الزَّكَاة كَقَوْلِه تَعَالَى (من فتيتكم المؤمنت) فَلَا نقُول إِن الحكم هَاهُنَا فهم من دَلِيل الْخطاب وَإِنَّمَا أَخذ من عُمُوم الشَّرِيعَة وَهُوَ قَوْله فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة وَخص السَّائِمَة لِأَنَّهَا الْأَكْثَر فِي مَوضِع آخر
стр. 86
وَقَالَ الله تَعَالَى (وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن) فَثَبت التَّحْرِيم فِي كل كَافِرَة ثمَّ جَاءَ قَوْله تَعَالَى (والمحصنت من الَّذين أُوتُوا الْكتب من قبلكُمْ) فثبتت الرُّخْصَة بِهَذَا النَّص فِي حرائر الكتابيات وَبَقِي التَّحْرِيم فِي بَقِيَّة الكافرات على ظَاهره وَأما اللقب الْمُجَرّد كَقَوْلِه فِي الْغنم الزَّكَاة فَلم يقل أحد أَن الْبَقر بِخِلَافِهَا من هَذَا اللَّفْظ إِلَّا الدقاق من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَهُوَ محجوج بِالْإِجْمَاع قبله مَعَ إِن اللُّغَة لَا تدل عَلَيْهِ
مَسْأَلَة
قَالَ الله تَعَالَى (وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا) الْآيَة فَخص الْخلْع بِحَالَة الشقاق وَاتفقَ الْعلمَاء أَنه جَائِز مَعَ الألفة وألزما من قَالَ بِدَلِيل الْخطاب وَمن نَفَاهُ قَالُوا وَكَانَت الْحِكْمَة فِي ذكر الشقاق مَعَ جَوَاز الْخلْع مَعَ عَدمه أَنه الْغَالِب من أَحْوَاله فَجرى الْكَلَام على الْغَالِب وَألْحق بِهِ النَّادِر لِأَنَّهُ مثله فِي توقع التَّقْصِير عَن إِقَامَة حُدُود الله تَعَالَى
مَسْأَلَة
قَالَ رَسُول الله تَحْرِيم الصَّلَاة التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا لَا يجوز التَّعْظِيم وَلَا التَّسْبِيح بَدَلا من التَّكْبِير وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يجوز افْتِتَاح الصَّلَاة بِكُل ذكر لِأَن ذكر التَّكْبِير لَا يَقْتَضِي أَن غَيره بِخِلَافِهِ وَحمل عُلَمَاؤُنَا هَذَا الحَدِيث على طَرِيقين
стр. 87
أما أَحدهمَا فَقَالُوا إِنَّه دَلِيل الْخطاب وردوا الْ مَسْأَلَة إِلَيْهِ
الثَّانِي أَنهم قَالُوا هَذِه عبَادَة وَقد عينت للتكبير وَعين لَهَا فإلحاق غَيره بِهِ من بَاب الْقيَاس وَلَا مدْخل لَهُ فِي الْعِبَادَات
وَالْمُخْتَار عِنْدِي أَنه من بَاب الْحصْر وَإِنَّمَا كَانَ يكون من بَاب دَلِيل الْخطاب على خلاف أَيْضا لَو قَالَ التَّكْبِير تحريهما وسنضرب لذَلِك مِثَالا لغويا صناعيا يستروح إِلَيْهِ النَّاظر فَنَقُول إِذا تعاوض قوم مَعَ رجل فِي الآخوة والصداقة فِيهِ وَإِذا قَالَ لَهُم زيد صديقي وَهُوَ قد علمُوا زيدا فَإِنَّمَا فَائِدَة إعلامهم بصداقته زيد الْمَعْلُوم لديهم وَلَو حصر الصداقة فِيهِ
مَسْأَلَة
قَالَ رَسُول الله لأَصْحَابه ﵃ وَقد بَال أَعْرَابِي فِي الْمَسْجِد صبوا عَلَيْهِ ذنوبا من مَاء فَقَالَ بعض عُلَمَائِنَا ذكره للْمَاء دلّ على أَن الْخلّ بِخِلَافِهِ وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن الْخلّ فِي مَعْنَاهُ فَبَاطِل جدا لِأَن الْخلّ لَيْسَ فِي معنى المَاء لَا صُورَة وَلَا معنى لِأَن المَاء ينظف والخل يلوث وَكَذَلِكَ يستنكف ثوبا فِيهِ خل طبعا كَمَا يستنكف ثوبا فِيهِ بَوْل شرعا
وَالدَّلِيل الْقَاطِع على ذكره ذَلِك افتراقهما فِي الْوُرُود فَإِن النَّجَاسَة إِذا وَردت على المَاء الْكثير غلبها وَإِذا وَردت على الْخلّ الْكثير غلبته
стр. 88
وَأما قَول من قَالَ من أَصْحَابنَا ذكره للْمَاء يدل على أَن الْخلّ بِخِلَافِهِ فقد بَينا فَسَاده لِأَن المَاء لقب وَلَا دَلِيل للألقاب وَإِنَّمَا اخْتلف النَّاس فِي الْأَوْصَاف كَمَا بَيناهُ ﷺ َ - بَاب حمل الْمُطلق على الْمُقَيد ﷺ َ -
حمل الْمُطلق على الْمُقَيد مِمَّا جَازَت عَادَة عُلَمَائِنَا بِذكرِهِ فِي تَخْصِيص الْعُمُوم وَلَيْسَ مِنْهُ وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام
أَحدهمَا أَن يختلفا ذاتا وسببا كَسَائِر أَنْوَاع الشَّرِيعَة فَهَذَا ممالا يخْتَلف فِي أَنه لَا يحمل أَحدهمَا على الآخر
الثَّانِي أَن يتَّفقَا ذاتا ويختلفا سَببا ككفارة الْقَتْل وَالظِّهَار
الثَّالِث أَن يتَّفقَا سَببا ويختلفا ذاتا كَالْوضُوءِ وَالتَّيَمُّم إِلَى الْمرَافِق
وَمِنْهُم من قَالَ يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا على إِطْلَاقه وتقييده حَتَّى يدل الدَّلِيل على إِلْحَاق أَحدهمَا بِالْآخرِ وَهُوَ أظهر قَول الْمَالِكِيَّة وَلَا يلقى فِي الشَّرِيعَة دَلِيل على وجوب حمل الْمُطلق على الْمُقَيد حَتَّى يكون مُطلقًا وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك فِيهِ وَإِنَّمَا يحمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه بِدَلِيل يَقْتَضِيهِ وَلِهَذَا خَالف الْخَاص الْعَام فَإِنَّهُمَا إِذا تَعَارضا حمل الْعَام على الْخَاص من غير نظر فِي دَلِيل سواهُمَا وَقد بسطنا هَذَا الْغَرَض فِي التمحيص وَهَذَا محصوله وَالله أعلم
стр. 89
= كتاب الْأَفْعَال =
أَفعَال الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم كأقوالهم فِي أَنَّهَا حق لأَنهم لَا ينطقون عَن الْهوى كَذَلِك لَا يَفْعَلُونَ بِمُقْتَضى الْهوى وَلَكِن لَا بُد من مُقَدّمَة فِي ذكر أَحْوَالهم يَنْبَنِي عَلَيْهَا ذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ أفعالهم
فَنَقُول اتّفقت الْأمة على عصمَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم عَن الْكَبَائِر وَاخْتلفُوا فِي طَرِيق ذَلِك وَفِي وقته وَاخْتلفُوا فِي الصَّغَائِر فَمنهمْ من جوزها وَمِنْهُم من منعهَا وَكَانَ ظواهر الْكتاب الْآيَات تدل على اقترافهم لصغائر الحظيات وَقد بَينا وجوب عصمتهم على الْإِطْلَاق من كل معنى وَفِي كل شَيْء وَفِي كل حَال فِي مَوْضِعه وعَلى هَذَا الَّذِي اخترناه يَنْبَنِي القَوْل فِي مسَائِل الْأَحْكَام وَهِي خمس
الْمَسْأَلَة الأولى
لَا خلاف بَين الْأمة أَن أَفعَال رَسُول الله ملْجأ فِي الْمَسْأَلَة ومفزع فِي الشَّرِيعَة وَبَيَان للمشكلة فقد كَانَت الصَّحَابَة ﵃ تبحث عَن أَفعاله كَمَا تبحث عَن أَقْوَاله وتستقريء جَمِيع حركاته وسكناته وَأكله وشربه وقيامه وجلوسه وَنَظره ولبسته ونومه ويقظته حَتَّى مَا كَانَ يشذ عَنْهُم شَيْء من سكونه وَلَا حركاته ول لم يكن ملاذا وَلَا وجد فِيهِ المستعيذ معَاذًا لما كَانَ لتتبعه معنى وَهَذَا فصل لَا يحْتَاج إِلَى الإطناب فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ كَونهَا مَحْمُولَة على الْوُجُوب أَو على النّدب وَهِي
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
اتّفق عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة الله عَلَيْهِم على تصدير هَذِه الْمَسْأَلَة بقَوْلهمْ اخْتلف النَّاس فِي أَفعَال رَسُول الله فَمنهمْ من قَالَ إِنَّهَا مَحْمُولَة على
стр. 90
الْوُجُوب وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا مَحْمُولَة على النّدب وَهَذَا يفْتَقر إِلَى تَفْصِيل فَنَقُول إِن أَفعَال رَسُول الله لَا يخلوا موردها من ثَلَاثَة أَحْوَال
إِمَّا أَن ترد بَيَانا لمجمل إِمَّا أَن ترد منشأة فِيمَا طَريقَة الْقرب إِمَّا أَن ترد منشأة فِي تقلبات الأدمِيّ ومتصرفاته الَّتِي لَا غنى عَنْهَا فِي جبلة الْآدَمِيّ
فَأَما إِن وَقعت أَفعاله بَيَانا لمجمل فَهِيَ تَابعه لذَلِك الْمُجْمل بِأَن كَانَ وَاجِبا فواجبا وَإِن كَانَ ندبا فندبا كَقَوْلِه صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فِي بَيَان الصَّلَاة وَكَقَوْلِه خُذُوا عني مَنَاسِككُم فِي بَيَان الْحَج وَنَحْو مِنْهُ قَوْله قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم ثمَّ لما رجم رَسُول الله أسقط الْجلد وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما وُقُوعه فِي منشأة الْعِبَادَات فَفِيهِ يَقع الْخلاف بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالصَّحِيح أَنه على النّدب لِأَنَّهُ الأَصْل وَالْيَقِين حَتَّى يَأْتِي مَا يدل على الزِّيَادَة عَلَيْهِ
وَأما أَفعاله الَّتِي وَقعت منشأة فِي جبلة الْآدَمِيّ فَهِيَ على النّدب فِي قَول الْمُحَقِّقين وَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا على الْوُجُوب وَهُوَ قَول ضَعِيف ورد بعض الْأَحْبَار من الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ إِنَّهَا لَا حكم لَهَا وَلَا دَلِيل فِيهَا وَهَذِه هفوة شنعاء فَإِن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجمعُوا على بكرَة أَبِيهِم على
стр. 91
الِاقْتِدَاء برَسُول الله فِي نَومه وَأكله ولباسه وَشَرَابه ومشيه وجلوسه وَجَمِيع حركاته فاعتقادها لَغوا من هَذَا الحبر الْمُتَأَخر هفوة وسهو
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
إِذا اخْتلف أَفعَال رَسُول الله فِي نازلة على وَجْهَيْن مُخْتَلفين فَصَاعِدا فَإِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي ذَلِك على ثَلَاثَة أَقْوَال
مِنْهُم من قَالَ بالتخيير وَمِنْهُم من أجْرى الْفِعْل مجْرى القَوْل فَحكم بِتَقْدِيم الْفِعْل الْمُتَأَخر على الْفِعْل الْمُتَقَدّم وَمِنْهُم من رجح أحد الْفِعْلَيْنِ بِدَلِيل آخر من قِيَاس أَو غَيره وَمِثَال ذَلِك مَا رُوِيَ عَنهُ فِي صَلَاة الْخَوْف فَإِنَّهُ صلاهَا على أَربع وَعشْرين صفة مِنْهَا سِتَّة عشر صَلَاة فَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل أَنْت مُخَيّر فِيهَا وَقَالَ بَعضهم إِذا علمنَا أخرا مِنْهَا قدمْنَاهُ على الأول وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ كلما كَانَ أشبهه بأهبة الصَّلَاة وَأقرب إِلَى هيئتها فَهُوَ مقدم على غَيره
وَالصَّحِيح عِنْدِي أَن النَّبِي مَا خَالف بَينهمَا وَإِنَّمَا أَقَامَهَا على حِسَاب مَا أَعطَتْهُ الْحَال من الْقيام بِفَرْض الصَّلَاة مَعَ الاحتراس من هجمة الْعَدو فَيكون الْعَمَل الْآن بِحَسب ذَلِك
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
إِذا تعَارض قَول وَفعل فَاخْتلف النَّاس فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ الْفِعْل أولى لِأَنَّهُ أقوى وَمِنْهُم من قَالَ القَوْل أولى لِأَن لَهُ صِيغَة وَلَا صِيغَة للْفِعْل
стр. 92
وَلِأَن القَوْل يتَنَاوَل أَشْيَاء كَثِيرَة وَالْفِعْل يخْتَص بصورته ومثاله مَا تقدم من حِكْمَة رَسُول الله فِي الثّيّب الزَّانِي الْجلد وَالرَّجم قولا ثمَّ أسقط الْجلد فعلا
وَمَالك ﵀ يخْتَلف فَتَاوِيهِ فَتَارَة يقدم القَوْل وَتارَة يقدم الْفِعْل وَذَلِكَ بِحَسب مَا يطيعه الدَّلِيل المغاير لَهما فَدلَّ على أَن مذْهبه يَقْتَضِي أَنَّهُمَا متعارضان تَعَارضا مستويا فَيجب طلب الدَّلِيل فِي غَيرهمَا وَالصَّحِيح فِي النّظر أَن القَوْل أقوى لِأَنَّهُ احْتِمَال فِيهِ وَالْفِعْل مُحْتَمل فَلَا يتْرك الصَّرِيح للاحتمال بأبهة هَيئته
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
إِذا سكت رَسُول الله عَن قَول سَمعه أَو فعل غَايَته كَانَ دَلِيلا على أَنه حق وَلَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء وَلَكنهُمْ لم يصرحوا عَن دَلِيله وَلَا كشفوا عَن سَببه وَمِثَال قَول الغيور لرَسُول الله أَرَأَيْت رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله أتقتلونه أم كَيفَ يصنع وَأما السُّكُوت على الْفِعْل فأشده مَا رُوِيَ أَنه كَانَ يفعل فِي حَضْرَة النَّبِي كإمامة معَاذ لِقَوْمِهِ بعد صلَاته مَعَ رَسُول الله وَلَا خلاف فِي صِحَة ذَلِك كُله وَإِنَّمَا ادّعى بعض الْعلمَاء فِي ذَلِك تَخْصِيصًا أَو تَأْوِيلا وَقد بَينا ذَلِك فِي مسَائِل الْخلاف وَالله أعلم
стр. 93
= كتاب الْأَخْبَار =
قد قدمنَا أَن الْخَبَر قسم من أَقسَام الْكَلَام وَهُوَ على قسمَيْنِ أَيْضا متواتر وَخبر وَاحِد فنعقد لكل قسم فصلا
الْفَصْل الأول فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر
وَفِيه أَربع مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى فِي حَقِيقَته وَحده
وَهُوَ كل خبر جَاءَ على لِسَان جمَاعَة يَسْتَحِيل عَلَيْهِم التواطؤ والتعمد للكذب وَلَا خلاف فِي ذَلِك فَلَا معنى للإطناب فِيهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي أقل عدده
وَالثَّالِثَة فِي أَكْثَره
فَأَما أَقَله فَلَا حد فِيهِ أَكثر من أَن عُلَمَاؤُنَا قَالُوا إِن كَون الْأَرْبَعَة طَرِيقا إِلَى التَّوَاتُر محَال لِأَن القَاضِي كلف الْحَاكِم بِشَهَادَتِهِم وَلم يُكَلف الْعلم قطعا وَمَا فَوق الْأَرْبَعَة إِلَّا الْقدر الَّذِي يحصل فِيهِ التَّوَاتُر من الْعدَد يتَرَدَّد فِيهِ وَلَا يقطع فِيهِ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات
стр. 94
وَأما الْكَثْرَة وَهُوَ مِمَّا اخْتلف النَّاس فِيهِ اخْتِلَافا متباينا لَا معنى لذكره فِي هَذِه الْحجَّة وَلَكِن حَال هَذَا الطّرف الْكثير كَحال الْقَلِيل لَا نقُول إِنَّه يحصره عدد لِأَن أَي عدد ذكرته لم يعْدم فِيهِ مُعَارضا بِدُونِهِ أَو بأزيد مِنْهُ وَلأَجل هَذِه الترددات أنْكرت طَائِفَة الْعلم الْحَاصِل بالْخبر الْمُتَوَاتر وَهِي
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
وَيُقَال لَهُم لم أنكرتم مَا لَا سَبِيل إِلَى إِنْكَاره فَإِن وجود مَكَّة وَالْمَدينَة وبغداد لمن لم يرهَا مَعْلُوم قطعا لَا يُمكنهُ إِنْكَاره وَهُوَ لم يره وَمَا حصل لَهُ ذَلِك إِلَّا بِكَثْرَة الْأَخْبَار
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا شككنا لِأَنَّهُ لم نقدر على ضبط عدد المخبرين
قُلْنَا عَن هَذَا جوابان
إِحْدَاهمَا إِنَّكُم شَكَكْتُمْ فِي غير مَوضِع الشَّك وَهُوَ أَيْضا شكّ مَذْكُور بِاللِّسَانِ لَا يصلح أَن يَعْتَقِدهُ الْقلب فَلَا معنى للاشتغال بِذكرِهِ
وَالثَّانِي أَنا نقُول لَو ضبط الْعدَد بِمَا لَا يحصل الْعلم وَإِنَّمَا خُرُوجه عَن حد الْحصْر أوجب حُصُول الْعلم وَهُوَ أقوى فِيهِ
стр. 95
الْفَصْل الثَّانِي فِي خبر الْوَاحِد
وَفِيه ثَمَان مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى
قَالَ عُلَمَاؤُنَا خبر الْوَاحِد على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا يُوجب الْعلم وَالْعَمَل كالخبر الْمُتَوَاتر
وَالثَّانِي يُوجب الْعَمَل وَلَا يُوجب الْعلم
وَإِمَّا الأول فَهُوَ خبر الله تَعَالَى وَالثَّانِي خير رَسُول الله
وَالثَّانِي خبر رجل وَاحِد بِحَضْرَة رَسُول الله
وَالثَّالِث خبر رجل وَاحِد بِحَضْرَة الله
وَالرَّابِع خبر رجل وَاحِد ادعِي فِيهِ الْعلم مَعَ جمَاعَة يَسْتَحِيل عَلَيْهِم التواطؤ على الْكَذِب فَلَا ينظرُونَ عَلَيْهِ
وَالْخَامِس خبر وَاحِد تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فإمَّا قَالُوا بظاهرة وَإِمَّا تأولوه وَلم يكن مِنْهُم نَكِير عَلَيْهِ
فَهَذِهِ الْأَقْسَام الْخَمْسَة توجب الْعلم وَفِي تعديدها تجَاوز وَتجوز تسامحنا بِهِ قصد الْبَيَان
وَأما الثَّانِي الَّذِي يُوجب الْعَمَل دون الْعلم فَهُوَ خبر الْوَاحِد الْمُطلق عَمَّا ينْفَرد بِعِلْمِهِ وَقَالَ قوم إِنَّه يُوجب الْعلم وَالْعَمَل كالخبر الْمُتَوَاتر وَهَذَا إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ بشبهتين دخلتا عَلَيْهِم إِمَّا لجهلهم بِالْعلمِ وَإِمَّا لجهلهم
стр. 96
بِخَبَر الْوَاحِد فَإنَّا بِالضَّرُورَةِ نعلم امْتنَاع حُصُول الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد وَجَوَاز تطرق الْكَذِب والسهو عَلَيْهِ
فَإِن قيل هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا لم يخبر عَن الشَّرِيعَة فَأَما إِذا أخبر عَنْهَا فخبره مَحْفُوظ بوعد الصَّادِق (إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون)
فَالْجَوَاب عَن هَذَا من أوجه أقربها وأخصرها وجودنا للْأَخْبَار المبينة على الشَّرِيعَة كذبا بعد طَرَأَ الصدْق بهَا وَإِنَّمَا يتَبَيَّن حَالهَا عِنْد الْبَحْث عَنْهَا وَبعد الْبَحْث بِعلم قطعا لَا يمتري فِيهِ منصف جَوَاز ظُهُور الْكَذِب فِيمَا ظن فِيهِ الْكَذِب وَهَذَا الْفِقْه صَحِيح وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى مَا ضمن حفظ الشَّرِيعَة على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا حصل الضَّمَان فِي حفظهَا فِي حالتين
أَحدهمَا الْقُرْآن وَالثَّانِي الْإِجْمَاع
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة خبر الْوَاحِد يُوجب الْعَمَل اتِّفَاقًا من الْأَكْثَر
وَقَالَ الجبائي وَغَيره لَا يقبل إِلَّا اثْنَان وَشرط على الِاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ إِلَى مُنْتَهى الْخَبَر إِلَى السَّامع وَهَذَا بَاطِل فَإنَّا قد علمنَا قطعا إرْسَال رَسُول الله عماله وولاته إِلَى الأقطار بِالْأَحْكَامِ والأعمال آحادا إِلَى جمَاعَة ونعلم أَيْضا على الْقطع قبُول الصَّحَابَة لخَبر الْوَاحِد وابتناء الْعَمَل فِيهِ كقبول عمر ﵁ لحَدِيث جميل بن مَالك بن
стр. 97
النَّابِغَة وَقبُول حَدِيث الْمُغيرَة فِي الْجدّة وَقبُول حَدِيث عبد الرَّحْمَن فِي الوباء إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
وَيجب الْعَمَل بِهِ بِمَا فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجوز لِأَن مَا تعم الْبلوى يكثر السُّؤَال عَنهُ وَمَا كثر السُّؤَال عَنهُ يكثر الْجَواب فِيهِ وَمَا كثر الْجَواب فِيهِ كثر نَقله فَإِذا انْفَرد بِهِ وَاحِد كَانَ رِيبَة فِيهِ
قُلْنَا أما قَوْلكُم إِن مَا عَمت الْبلوى أَكثر السُّؤَال عَنهُ فَصَحِيح وَكَذَلِكَ يكثر الْجَواب فِيهِ
وَأما كَثْرَة نَقله فَلَا بل إِذا نقل وَاحِد كفى وَوَقعت الإحالة عَلَيْهِ وَوَجَب الرُّجُوع إِلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
قَالَ بعض النَّاس تقل ألفظ رَسُول الله فِي الشَّرِيعَة وَاجِب لقَوْله فِي خطْبَة الْوَدَاع نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ
وألفاظ الشَّرِيعَة على قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يتَعَلَّق بِهِ التَّعَبُّد كألفاظ التَّشَهُّد فَلَا بُد من نقلهَا بلفظها
стр. 98
وَالثَّانِي مَا وَقع التَّعَبُّد بِمَعْنَاهُ فَهَذَا يجوز تَبْدِيل اللَّفْظ بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الْمُبدل مِمَّن يسْتَقلّ بذلك وَقد قَالَ وَاثِلَة بن الْأَسْقَع لَيْسَ كل مَا سمعناه من رَسُول الله نحدثكم فِيهِ بِاللَّفْظِ حسبكم الْمَعْنى
وَالدَّلِيل الْقَاطِع فِي ذَلِك قَول الصَّحَابَة ﵃ عَن بكرَة أَبِيهِم نهى رَسُول الله عَن كَذَا وَأمر بِكَذَا وَلم يذكرُوا صِيغَة الْأَمر وَلَا صِيغَة النَّهْي وَهَذَا نقل بِالْمَعْنَى
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
إِذا نقل الرَّاوِي عَن رَسُول الله بعض حَدِيث فَلَا يَخْلُو أَن يكون مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ أَو مفتقرا إِلَى مَا زَاد عَنهُ فَإِن كَانَ مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا فَإِنَّهُ مَعْلُوم على الْقطع إِن الصَّحَابَة كَانُوا يحْضرُون خطب رَسُول الله ومجالسه ويعون مِنْهَا مَا يجْرِي فِيهَا ويثبتونه فُرَادَى وَذَلِكَ مَعْلُوم على الْقطع
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
إِذا نقل الرَّاوِي حَدِيثا فِيهِ ذكر صفة مستحيلة مُضَافَة إِلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْلُو أَن يكون لَهَا تَأْوِيل لَهُ مجَال فِي الْعقل أَو لَا يكون لَهَا تَأْوِيل
стр. 99
قَالَ عُلَمَاؤُنَا فَإِن كَانَ لَهَا تَأْوِيل قبلت وأولت لقَوْله فَلَا تمتليء جَهَنَّم حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه وَكَقَوْلِه قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن
وَأما إِن لم يكن لَهَا تَأْوِيل فَهُوَ مَرْدُود كَقَوْل عُلَمَائِنَا فِيمَا رُوِيَ أَن الله ﵎ خلق خيلا فاجراها فعرقت فخلق نَفسه من عرقها وَهَذَا الحَدِيث يقبل التَّأْوِيل أَيْضا
وَالصَّحِيح عِنْدِي أَن الله ﵎ قد طمس هَذَا الْبَاب فِي أوجه الْمَلَاحِدَة فَلَا يقدرُونَ على اختراع كذب لَا يقبل تَأْوِيلا بِحَال حسب مَا بَيناهُ فِي كتاب الْمُتَوَسّط وَالْحَمْد لله
стр. 100
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الْقِرَاءَة الشاذة لَا توجب علما وَلَا عملا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة توجب الْعَمَل قَالَ لِأَنَّهُ خبر وَاحِد فأوجبت الْعَمَل كَسَائِر أَخْبَار الْآحَاد
قُلْنَا لَا يَلِيق هَذَا التَّحْقِيق بِأبي حنيفَة ﵀ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا إِن الْعَمَل بِالْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ فرع على حُصُول الْعلم بطريقة لِأَن مبناه الإعجاز وَطَرِيقَة التَّوَاتُر فَإِذا حصل هَذَا الأَصْل مُسْتَقرًّا نظر بعده فِي الْفَرْع وَهُوَ وجوب الْعَمَل
وَالثَّانِي أَن قِرَاءَة أبي كَعْب وَعبد الله بن مَسْعُود (فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام) زِيَادَة فِي الأَصْل وَالزِّيَادَة فِي الأَصْل إِذا لم ينْقل نقل الأَصْل عِنْد أبي حنيفَة سَاقِطَة فَكيف يَقُول بهَا فِي مثل هَذَا وَأَيْضًا فَإِن الزِّيَادَة عِنْده على النَّص نسخ وَنسخ الْقُرْآن لَا يجوز إِلَّا بِمثلِهِ
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة
الزِّيَادَة إِذا لم تنقل نقل الأَصْل لَكِن رَوَاهَا الثِّقَة مُنْفَردا لم يجز الْعَمَل بهَا عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهَا تهمه فِي الْقِرَاءَة وَعِنْدنَا يجب الْعَمَل بهَا لِأَنَّهُ يُمكن أَن يفوت الْبَعْض مَا حصله الْبَعْض وَكم يرى من تتبع الْأَحَادِيث من زِيَادَة بعض الروَاة على بعض وإفادتهم لما أسقط سواهُم وَقد يكون بَعضهم أقرب من بعض فَيكون بَعضهم أوعى لَهُ من بعض وَهَذَا يبين عِنْد الْإِنْصَاف
стр. 101
= كتاب الْإِجْمَاع =
وَفِيه خمس مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى فِي صُورَة الْإِجْمَاع
وَاخْتلف النَّاس فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ صورته
أَن يتَّفق أهل الْعَصْر بأجمعهم عامتهم وخاصتهم عُلَمَائهمْ وجهالهم وَقيل صورته
أَن يتَّفق أهل الْعلم والحل وَالْعقد
وَتعلق من قَالَ بالْقَوْل الأول بِأَن خلاف الْعَاميّ الْجَاهِل إِنَّمَا راعيناه لِأَنَّهُ رُبمَا سمع من عَالم فَنقل مَا يُوجد عِنْده من خلاف لَيْسَ من قبله وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا يعيه عَن غَيره مِمَّن لَهُ القَوْل وعَلى لِسَانه الْفَتْوَى وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا مُتَعَلق بِهِ لِأَن الْعَاميّ وَإِن ظن بِهِ السماع فَيتَحَقَّق مِنْهُ عدم الوعي وَقلة التَّحْصِيل فَلَا يوثق بنقله
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي مَحل الْإِجْمَاع
مطَالب الشَّرِيعَة على قسمَيْنِ
مَعْقُول ومظنون فالمطلوب فِي الْمَعْقُول الْعلم وَالْمَطْلُوب فِي المظنون بذل الوسع وَالِاجْتِهَاد فِي طلب الحكم
فَالْأول لَا يجوز أَن يكون الْإِجْمَاع عَلَيْهِ دَلِيلا وَلَا يَصح أَن يَجْعَل فِيهِ حجَّة لِأَن مَسْلَك النّظر فِيهِ مُتَيَقن فَكَانَ أقرب مِنْهُ
стр. 102
وَأما المظنون فَفِيهِ يكون الْكَلَام وَفِيه يَقع التَّقْسِيم وَالتَّفْصِيل وَعَلِيهِ يدل الدَّلِيل
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي دَلِيل الْإِجْمَاع
وَقد عول عُلَمَاؤُنَا فِيهِ على دَلِيلين
أَحدهمَا مَعْقُول وَالْآخر مَنْقُول
فَأَما الْمَعْقُول
يبعد عرفا ويستحيل عَادَة فِي مسالك الظنون وتعارض الِاجْتِهَاد أَن تتفق الخواطر وتتوارد الْأَدِلَّة على حكم وَاحِد فِي ملتطم الطنون ومزدحم المعارضات إِلَّا عِنْد اتِّفَاقهم على ظُهُور تَرْجِيح أحد الْوُجُوه والسبل الَّتِي أفضت إِلَى ذَلِك الحكم الْمُتَّفق عَلَيْهِ فيستحيل عَادَة خلاف ذَلِك فَكيف يحوز بعد هَذَا أَن يظنّ ظان أَن مسلكه أوضح من مسلكهم وترجيحه أوفي من ترجيحهم يُحَقّق ذَلِك ويوضحه أم من قَالَ لزوجته أَنْت على حرَام فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يلْزمه على نَحْو من خَمْسَة عشر قولا وَلم يكن من لدن زمَان الصَّحَابَة ﵃ إِلَى زَمَاننَا هَذَا اتِّفَاق مِنْهَا على قَول وَلَا رُجُوع مِنْهَا إِلَى وَجه وَهَذَا يدلك على قُوَّة التَّعَارُض فِيهَا كَمَا يدل الِاتِّفَاق الأول على تَرْجِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ على سواهُ من المحتملات فِيهَا
وَأما الْمَنْقُول
فَقَوْل الله تَعَالَى (وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا) على هَذِه الْآيَة عول
стр. 103
عُلَمَاؤُنَا فِي دَلِيل السّمع الْمُقْتَضِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة فَإِن الله ﵎ توعد على الْمُخَالفَة لسبيل الْمُؤمنِينَ بالنَّار وَلَا يتوعد إِلَّا على ترك الْفَرْض
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
إِذا اتّفقت الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ أَو وَقعت النَّازِلَة فِي عصر فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهَا على وَجْهَيْن فَهَل يجوز إِحْدَاث قَول ثَالِث أَو لَا
فَاخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من قَالَ بِجَوَاز ذَلِك وَمِنْهُم من يمنعهُ فَأَما من جوزه فاحتج بأدلة مِنْهَا إِن قَالَ حُصُول الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة دَلِيل على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِيهَا فيجتهد كل أحد على قدر وسعة
وَأما من مَنعه فَقَالَ أَن الظنون قد اتّفقت والخواطر قد اجْتمعت على تَرْجِيح هذَيْن الْوَجْهَيْنِ على سَائِر الْوُجُوه فَيكون نبذ مَا سواهُمَا وَاجِبا كَمَا نَبَذْنَا فِي الْإِجْمَاع سَائِر الْوُجُوه كلهَا إِلَّا الْمُجْتَمع عَلَيْهِ وَبِهَذَا أَقُول
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
إِجْمَاع أهل كل عصر فِيمَا ينزل بهم كإجماع الصَّحَابَة ﵃ فِيمَا صدر عَنْهُم لِأَن الدَّلِيل الَّذِي قدمْنَاهُ فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة لَا يخص قرنا دون قرن بل هُوَ عَام فِي كل طَائِفَة على حسب مَا تقدم بَيَانه وَالْحَمْد لله وَحده
стр. 104
= كتاب الْقيَاس = وَهُوَ عشرَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِي حَقِيقَته
وَقد اخْتلف النَّاس فِي حَده اخْتِلَافا متباينا بَيناهُ فِي التمحيص وَالصَّحِيح إِنَّه لَا يَأْخُذهُ الْحَد وَلَكِن أقرب مَا فِيهِ أَن يُقَال
إِنَّه حمل مَعْلُوم على مَعْلُوم فِي إِثْبَات حكم أَو نَفْيه بِإِثْبَات صفة أَو نَفيهَا وَقيل أقربه إِنَّه أَقْوَال مَخْصُوصَة اللُّغَة ألفت تأليفا مَخْصُوصًا ليتميز مِنْهَا رَأْي هُوَ مَقْصُود النَّاظر
مِثَاله إِن الرجل إِذا قَالَ لآخر بِعْتُك الشَّيْء الَّذِي فِي كمي فَيَقُول الْعَالم لَا يجوز ويستدل بِأَن يَقُول مَبِيع مَجْهُول الصّفة عِنْد الْعَاقِد حَال العقد فَلم يجز أَصله إِذا قَالَ بِعْتُك ثوبا فَهَذَا هُوَ الْقيَاس
وَقد تألف من أَرْبَعَة أَشْيَاء
فرع وَهُوَ الْمَطْلُوب بَيَان الحكم فِيهِ
وَوصف وَهُوَ الْعلَّة الجالبة للْحكم
وَحكم وَهُوَ الْمَطْلُوب إثْبَاته
وأصل وَهُوَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ
فَأَما الْفَرْع فَهُوَ الْمَسْئُول عَنهُ وَهُوَ بيع الشَّيْء فِي الْكمّ
وَأما الْوَصْف وَهُوَ الْعلَّة فَهُوَ قَوْلنَا مَبِيع مَجْهُول الصّفة
وَأما الحكم وَهُوَ الْمَطْلُوب فَهُوَ قَوْلك لم يجز وَجَاز
стр. 105
وَأما الأَصْل فَهُوَ قَوْلك بِعْتُك ثوبا وَهُوَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ يرجع الْفَرْع الْمُخْتَلف فِيهِ الْمَسْئُول عَنهُ
الْفَصْل الثَّانِي فِي الدَّلِيل على صِحَة الأَصْل
الْقيَاس أصل من أصُول الشَّرِيعَة وَدَلِيل من دَلَائِل الْملَّة انقرض عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رضوَان الله عَلَيْهِم وَهُوَ الْأَعْيَان والجلة على صِحَة القَوْل بِهِ حَتَّى حدثت الرافضة فأنكروه لأغراض رزية لَهُم ثمَّ نبغت نَابِغَة شقّ عَلَيْهِم بعد شقة النّظر وعسرت عَلَيْهِم مَسَافَة الِاجْتِهَاد فَقَالُوا الحكم لله وَلِرَسُولِهِ لَا فَتْوَى إِلَّا بِمَا قَالَ الله فَكَانَت فتْنَة للرعاع وَكلمَة حق أُرِيد بِهِ بَاطِل كَمَا قَالَ عَليّ ﵁ للخوارج حِين قَالُوا لَا حكم إِلَّا الله وضللوا عليا رضوَان الله عَلَيْهِ فِي التَّحْكِيم فَقَالَ لَهُم عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ إِن الله قد حكم فِي الشقاق وَجَزَاء الصَّيْد فَكيف فِي حق دِمَاء الْأمة
وَالدَّلِيل على صِحَة القَوْل بِالْقِيَاسِ لَا يُحْصى عده وَجُمْلَته إِجْمَاع الصَّحَابَة وإنكاره بهت وَقد سردنا أقاصيصهم فِي النَّوَازِل وأقيستهم فِي الوقائع مَعْدُودَة شَيْئا فَشَيْئًا وَحَالا فحالا وَلم يكن إِلَّا قَول عُثْمَان ﵁ بِحَضْرَة الْمَلأ الْكَرِيم من غير نَكِير وَلَا تَغْيِير نرضى لدنيانا من رضية رَسُول الله لديننا وأرشق عبارَة تدل على الْمَعْنى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين من الْعلمَاء حَتَّى قَالَ النُّصُوص مَعْدُودَة والحوادث غير محدودة وَمن الْمحَال تضمن الْمَعْدُود مَا لَيْسَ بمحدود لَا سِيمَا
стр. 106
الْفِتْنَة على هَؤُلَاءِ المبتدعة الاغترار بالعمومات وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَة عُمُوم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَبَيَان ذَلِك استقراؤها عُمُوما عُمُوما
الْفَصْل الثَّالِث فِي أَقسَام الْقيَاس
قَالَ عُلَمَاؤُنَا أَقسَام الْقيَاس ثَلَاثَة
قِيَاس عِلّة قِيَاس دلَالَة وَقِيَاس شُبْهَة
فَأَما قِيَاس الْعلَّة
فَهُوَ كَقَوْلِنَا فِي أَن الْمَرْأَة لَا تتولى نِكَاحهَا لِأَنَّهَا نَاقِصَة الْأُنُوثَة فَلم يجز أَن تلِي عقد نِكَاح كالأمة فاتفق الْعلمَاء على الْأمة لَا تلِي عقد نِكَاحهَا وَاخْتلفُوا فِي تَعْلِيله فَمنهمْ من قَالَ إِن الْعلَّة فِي امْتنَاع إنكاح الْأمة نَفسهَا نُقْصَان الرّقّ وَمِنْهُم من قَالَ نُقْصَان الْأُنُوثَة فَنحْن عللنا بِنُقْصَان الْأُنُوثَة وحملنا عَلَيْهِ الْحرَّة
وَأما قِيَاس الدّلَالَة
كَقَوْلِنَا عُلَمَائِنَا فِي الْخلّ مَائِع لَا يجوز بِهِ الْوضُوء فَلَا يجوز بِهِ إِزَالَة النَّجَاسَة كاللبن وكقولهم فِي الْوتر صَلَاة تفعل على الرَّاحِلَة فَلَا تكون وَاجِبَة كركعتي الْفجْر فاستدلوا فِي امْتنَاع الْوضُوء بالخل على أَنه لَيْسَ بمطهر فِي الشَّرْع وَاسْتَدَلُّوا على الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب بِفِعْلِهِ على الرَّاحِلَة وَذَلِكَ من خَصَائِص النَّوَافِل
وَأما قِيَاس الشّبَه فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ شبه خلقي وَشبه حكمي
فَأَما الشّبَه الخلقي فكإجماع الصَّحَابَة على جَزَاء الْحَمَامَة بِالشَّاة والنعامة بالبدنة لما بَينهمَا من تشابه الْخلقَة
стр. 107
وَإِمَّا الشّبَه الْحكمِي كَقَوْل عُلَمَائِنَا فِي الدَّلِيل على أَن الْوضُوء يفْتَقر إِلَى النِّيَّة خلافًا لأبي حنيفَة طَهَارَة حكمِيَّة فافتقرت إِلَى النِّيَّة كالتيمم وَقد استبعد الشَّافِعِي عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ طهارتان فَكيف يفتقران فشبهوا طَهَارَة وطهارة وَقد اخْتلف النَّاس فِي قِيَاس الشّبَه فَمنهمْ من نَفَاهُ وَمِنْهُم من أثْبته وَمِنْهُم من فَصله وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل الرَّابِع فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل
إِذا قَاس الْمُعَلل على أصل فمونع فِي الْعلَّة فِي الأَصْل وَقيل لَهُ لَيست الْعلَّة فِي الأَصْل مَا ذكرت فَفِي إِثْبَاتهَا للنَّاس ثَلَاثَة مسالك
المسلك الأول الطَّرْد
وَقد زعم بعض النَّاس إِنَّه دَلِيل على صِحَة الْعلَّة وَهُوَ قَول فَاسد لِئَلَّا أوجه
أَحدهَا كَمَا يطرد دَلِيل الصِّحَّة على زَعمه فَكَذَلِك يطرد دَلِيل الْفساد ومثاله إِن الْمَالِكِي لَو قَالَ الْخلّ مَائِع لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَلَا يجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بِهِ كاللبن لقَالَ معارضه إِن الْخلّ مَائِع مزيل الْعين فَجَاز إِزَالَة النَّجَاسَة بِهِ كَالْمَاءِ
الثَّانِي إِن الصَّحَابَة وَهُوَ الْقدْوَة لم يعولوا عَلَيْهِ
الثَّالِث إِنَّه لَيْسَ بَينه وَبَين الحكم ارتباط فَكيف يدل عَلَيْهِ
فَأَما الطَّرْد وَالْعَكْس جَمِيعًا فَإِنَّهُ دَلِيل على صِحَة الْعلَّة لِأَن ثُبُوت الحكم بِثُبُوتِهِ وَعَدَمه بِعَدَمِهِ دَلِيل على إِنَّه عَلامَة عَلَيْهِ
стр. 108
ومثاله أَن يَقُول الْقَائِل الْمَالِكِي إِن الْخمر مُحرمَة لعِلَّة الشدَّة المطربة الَّتِي فِيهَا فَيَقُول لَهُ الْحَنَفِيّ لَيست الْعلَّة الشدَّة فَيَقُول الدَّلِيل على أَنَّهَا الْعلَّة إِن الْعصير حَلَال لعدمها فِيهِ فَإِذا صَارَت خمرًا بِوُجُود الشدَّة فِيهَا كَانَت حَرَامًا فَإِذا اسْتَحَالَ خلا وعدمت الشدَّة كَانَت حَلَالا واطردت وانعكست فَيَقُول لَهُ الْحَنَفِيّ إِنَّمَا حرمت باسم أَنَّهَا خمر فَهَذَا الِاسْم هُوَ الَّذِي وجد مَعَ التَّحْرِيم وَهُوَ الَّذِي عدم مَعَ التَّحْلِيل فَيَقُول لَهُ الْمَالِكِي إِن الْأَمر كَمَا ذكرت مَعَ اطراد الْعلَّة وانعكاسها واطراد الِاسْم وانعكاسه وَلَكِن علتي أرجح لتنبيه الشَّارِع عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر) الْآيَة
المسلك الثَّانِي
أَن يَقُول الْقيَاس إِذا طُولِبَ بِصِحَّة على الأَصْل الدَّلِيل على صِحَّتهَا عجزك عَن الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا فَيَقُول لَهُ الْمُعْتَرض لَيْسَ عجزي عَنْهَا دَلِيل على صِحَة قَوْلك فَيَقُول لَهُ القائس بلَى أَو لَا ترى أَن المعرض للمعجزة دَلِيل على صِحَة المعجزة وَهَذَا فَاسد جدا فَلَيْسَ الْعَجز عَن المعرضة حجَّة فَإِن الْمَعْنى إِنَّمَا صَار إِلَى القَوْل بالحكم بِمَا ظهر لَهُ من الدَّلِيل قبل أَن يُعَارضهُ معَارض والتعلق بالمعجزة لَا معنى لَهُ وغمرات المعجزات ومجاريها لَا يحْتَمل هَذَا الْموضع الْخَوْض فِيهَا
المسلك الثَّالِث فِي الدَّلِيل الصَّحِيح على عِلّة الأَصْل
وَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع
стр. 109
النَّوْع الأول النَّص من الشَّارِع
كَقَوْلِه تَعَالَى (كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم) وَكَقَوْلِه تَعَالَى (وَذَلِكَ بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله)
وَالنَّوْع الثَّانِي الْإِيمَاء
كَقَوْلِه وَقد سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ أينقص الرطب إِذا يبس قَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذن
فَإِذا قَالَ الْمَالِكِي الدَّلِيل على إِن الْحِنْطَة الْيَابِسَة بالمبلولة لَا يجوز بيعهَا بِحَال إنَّهُمَا جِنْسَانِ تقابلا فِي الْمُعَامَلَة فآل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى النُّقْصَان فَامْتنعَ بيعهمَا أصلا كالرطب بِالتَّمْرِ فَإِذا قَالَ الْحَنَفِيّ لَيست الْعلَّة فِي الرطب بِالتَّمْرِ مَا ذكرت قيل لَهُ قد أَوْمَأ الشَّارِع إِلَيْهَا حِين سَأَلَ أينقص الرطب إِذا يبس فَلَمَّا قَالُوا نعم منع البيع وَهَذَا أَمْثَاله لَا يخفى
النَّوْع الثَّالِث الِاشْتِقَاق
وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول الْمَالِكِي إِن الْأَب يجْبر الْبكر الْبَالِغ على النِّكَاح وَالدَّلِيل عَلَيْهِ إِنَّهَا جاهلة بِحَال النِّكَاح فَلم يجز لَهَا فِي رَأْي كالصغيرة
فَإِذا قَالَ الْحَنَفِيّ لَيست الْعلَّة فِي الصَّغِيرَة جهلها بِحَال النِّكَاح
стр. 110
قَالَ لَهُ الْمَالِكِي الدَّلِيل عَلَيْهِ قَول النَّبِي الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا فَجعل النَّبِي الثّيّب أَحَق من الْوَلِيّ بِسَبَب ثُبُوتهَا وَهُوَ اختبار النِّكَاح وَمَعْرِفَة تفاصيله فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على أَن الْبكر الجاهلة بالتفاصيل فِيهِ على حكم الأَصْل وَهُوَ الْحجر
الْفَصْل الْخَامِس فِي الِاسْتِصْحَاب
وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ اسْتِصْحَاب حَال الْفِعْل واستصحاب حَال الْإِجْمَاع
فَأَما اسْتِصْحَاب الْإِجْمَاع فمثاله قَول أَصْحَابنَا فِي التَّيَمُّم إِذا صلى ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ المَاء فِي أثْنَاء الصَّلَاة فَقَالَ مَالك يتمادى وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقطع فاحتج أَصْحَابنَا بِأَن قَالُوا أجمعنا على أَن صلَاته صَحِيحه فَمن ادّعى أَنَّهَا قد فَسدتْ بِرُؤْيَة المَاء فَعَلَيهِ الدَّلِيل
وَهَذَا مِمَّا اخْتلف عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه دَلِيل يعول عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه لَيْسَ بِشَيْء
وَالصَّحِيح إِنَّه لَيْسَ بِدَلِيل لِأَن مَوضِع الدَّلِيل الْإِجْمَاع وَقد زَالَ بِرُؤْيَة المَاء فالدليل لَيْسَ لَهُ تنَاوله لمحل الْخلاف
وَإِمَّا اسْتِصْحَاب حَال الْعقل فَهُوَ دَلِيل صَحِيح مِثَاله دَلِيل قَول عُلَمَائِنَا فِي أَن الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب وَإِن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق لَا يجبان فِي غسل الْجَنَابَة وأمثالها من الْمسَائِل لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وفراغ الساحة من الْإِلْزَام وَطَرِيق اسْتِعْمَالهَا فِي الشَّرْع وَلَيْسَ فِي الشَّرْع بعد التنبه دَلِيل على وجوب الْوتر والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق فَالَّذِي يَدعِي أم
следующие страницы →