Полный текст (136 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي مُطلق لَفْظَة افْعَل
قَالَ بعض النَّاس هِيَ مَحْمُولَة على الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ مُتَيَقن وَغير ذَلِك مَشْكُوك
وَقَالَ آخَرُونَ محملها الْوُجُوب لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِر مِنْهُ
وَقَالَ أهل الْحق يتَوَقَّف فِيهِ أَو لَا يَصح دَعْوَى بِشَيْء فِيهِ لِأَن من تعلق بِالْإِبَاحَةِ فَهُوَ من فرع الِاسْتِصْحَاب الفقهي هُوَ من أصعب الْأَدِلَّة وَلِأَنَّهُ ادّعى الْأَقَل وَلَا أقل فِي مَسْأَلَتنَا بل كل معنى مِنْهَا مُسْتَقل
وَأما من تعلق بِالْوُجُوب فَلَا يَخْلُو أَن يَدعِي ذَلِك نظرا أَو خَبرا وَالنَّظَر لَا طَريقَة لَهُ فِي مَسْأَلَتنَا لِأَن النّظر الْعقلِيّ لَا مجَال لَهُ فِيهِ وَالنَّظَر الشَّرْعِيّ وَهُوَ الْقيَاس لَا يسوغ إثْبَاته
وَأما الْخَبَر فَلَا يَخْلُو أَن يَدْعُو ذَلِك أَو شرعا أَو آحاداً أَو تواتراً وَشَيْء من الْقسمَيْنِ لم يُوجد فِي وَاحِد من الْقسمَيْنِ وَلَو وجد فِيهِ الْآحَاد لم تستقل بإثباتها فَوَجَبَ التَّوَقُّف وَآل الْأَمر إِلَى العقد الَّذِي عَقدنَا فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا وَالْمُخْتَار فِيهَا
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
فِي اشْتِرَاط الْعلم بالتمكن من الْأَمر قبل الْفِعْل قَالَ أَبُو هَاشم من الْمُعْتَزلَة لَا يجوز وَقَالَ القَاضِي ﵀ يجوز وَالْمَسْأَلَة مترددة من عبارتهم وعَلى كل حَال هِيَ رَاجِعَة إِلَى الأَصْل السَّابِق وَهُوَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق
стр. 37
وَالْقَاضِي رَحمَه إِنَّمَا صَار عدم اشْتِرَاطه خوفًا من التكاسل والتواني فِي تَحْصِيل الْعلم لَهُ فيؤول ذَلِك إِلَى اخترام الْمنية للمكلف قبل الْفِعْل فَإِذا قَدرنَا بذل المجهود فِي تَحْصِيل الْعلم وتوقي الْأَسْبَاب المعرضة للذهول عَنهُ فيكاد يرْتَفع هَذَا الْخلاف وَيبقى الْخلاف فِي
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
وَهِي أَن التَّمَكُّن من الْفِعْل هَل هُوَ شَرط فِي إلزم الْأَمر أم لَا
فَذهب أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ إِلَى أَن الْمَأْمُور بِهِ يثبت فِي ذمَّة الْمُكَلف قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل وَقد فاوضت فِي ذَلِك علماءه فَقَالَ لي الشَّيْخ من أهل مذْهبه فِي وقتنا أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَأَبُو سعد الفرذاني إِن هَذِه الْمَسْأَلَة صَحِيحَة من مَذْهَبنَا وَلكنهَا غير مَذْكُورَة الدَّلِيل لِأَنَّهَا لَا تجْرِي عندنَا فِي سنَن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَإِنَّمَا هِيَ من بَاب إِلْزَام الْمغمى عَلَيْهِ قَضَاء مَا فَاتَهُ م الصَّلَوَات فِي حَال إغمائه فَمَا لم يدْرك شَيْئا من وقته فترجع الْمَسْأَلَة فقهية وَهِي فِي مسَائِل الْخلاف مَذْكُورَة
стр. 38
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
إِذا ثَبت من مُطلق الْأَمر الْوُجُوب والإلزام فَهَل يحمل ذَلِك على التّكْرَار أم تلغى مِنْهُ فعلة وَاحِدَة
اخْتلف فِي ذَلِك أَرْبَاب الْأُصُول على قَوْلَيْنِ
فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه يَقْتَضِي التّكْرَار وأجلهم الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق ﵀ بمسلكين
أَحدهمَا أَن قَالَ إِن النَّهْي مَحْمُول على التّكْرَار فَكَذَلِك الْأَمر وعضد هَذَا بِأَن قَالَ الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه فَوَجَبَ أَن يكون حكمه حكم النَّهْي
المسلك الثَّانِي قَالَ إِن الْمُكَلف إِذا علم بِالْأَمر تَوَجَّهت عَلَيْهِ ثَلَاثَة فروض
الأول اعْتِقَاد الْوُجُوب
وَالثَّانِي الْعَزْم على الِامْتِثَال
وَالثَّالِث فعل الْمَأْمُور بِهِ
وَقد ثَبت وتقرر أَن اعْتِقَاد الْوُجُوب والعزم على فعل فرضان متكرران فَكَذَلِك يجب أَن يكون وَهُوَ فعل الْمَأْمُور بِهِ متكرراً ايضا
الْجَواب
إِن هَذَا مَا لَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ قِيَاس وَلَا يثبت مثلهَا بِالْقِيَاسِ
стр. 39
وَأما قَوْله إِن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه فَبَاطِل على مَا يَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما المسلك الثَّانِي فالتعلق بِهِ ضعف لِأَنَّهُ قِيَاس أَيْضا وَالْقِيَاس قدمنَا فرع لَا يثبت بِهِ اصل
جَوَاب آخر
وَذَلِكَ أَن اعْتِقَاد الْوُجُوب إِنَّمَا وَجب فِيهِ الدَّوَام لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على صدق الرَّسُول الَّذِي يجب أَن نعتقد دَائِما
وَأما الْعَزْم على الِامْتِثَال فَلَا نسلم أَن التّكْرَار فِيهِ وَاجِب بِدَلِيل أَنه لَو ذهل لم يَأْثَم وَالْمُخْتَار أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي فعله يَقِينا فِي الْوُجُوب وَبهَا تَحْصِيل الِامْتِثَال وَسَائِر الْأَفْعَال مُحْتَمل شَأْنهَا مَوْقُوف على الدَّلِيل بَيَانهَا
المسالة السَّابِعَة
مُطلق الْأَمر مَحْمُول على الْفَوْر عِنْد جمَاعَة من النَّاس
وَقَالَ آخَرُونَ إِن التَّرَاخِي فِيهَا جَائِز وَغلط آخَرُونَ فَقَالُوا إِنَّه يَقْتَضِي التَّرَاخِي
وَوجه الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه من قَالَ يَقْتَضِي التَّرَاخِي فَوجه غلطه بَين لِأَن مَعْنَاهُ إِن من بَادر الِامْتِثَال لَا يُجزئهُ وَذَلِكَ محَال شرعا
وَإِمَّا من قَالَ إِنَّه مَحْمُول على التّكْرَار أبدا حَتَّى يثبت التَّعْيِين فَلَا يتَصَوَّر مَعَه الْمَسْأَلَة
وَأما من قَالَ يَقْتَضِي فعلة وَاحِدَة فها هُنَا يتَصَوَّر الْخلاف
فَقَالَت طَائِفَة إِن الْمُبَادرَة إِلَى الِامْتِثَال وَاجِب لوَجْهَيْنِ
стр. 40
أَحدهمَا إِن فِي التَّأْخِير تهاونا بِالْحُرْمَةِ
وَالثَّانِي إِن فِي التَّأْخِير تغريراً بِالْعبَادَة لِأَنَّهُ رُبمَا فاجأته الْمنية أمد التَّأْخِير وَهُوَ لم يمتثل فيتعرض للعقاب بترك الْفِعْل وعضدوا ذَلِك بظواهر كَثِيرَة كَقَوْلِه تَعَالَى جده (وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم) وكقول النَّبِي بَادرُوا بِالْأَعْمَالِ فِي نَظَائِر يكثر تعدادها وَالَّذِي نعتقده إِن التَّأْخِير جَائِز وَإِن الْمُبَادرَة حزم لِأَن الْأَمر ورد مُطلقًا بإلزام الامثتال وَنسبَة الزَّمَان إِلَيْهِ كنسبة الْمَكَان وَالتَّعْيِين فيهمَا مفتقر إِلَى دَلِيل
فَأَما مَا تعلقوا بِهِ من إِن فِيهِ تركا للْحرَّة فيعارضه إِن فِيهِ أخذا بِالرُّخْصَةِ وَعَملا بِالدَّلِيلِ لَا سِيمَا وَالْحُرْمَة إِنَّمَا تثبت بالاعتقاد أَولا فَإِن اعْتقد الفوركان التَّأْخِير تهاونا بِالْحُرْمَةِ وَإِن اعْتقد التَّأْخِير فَمَا تهاون بهل بل امتثل الْوَاجِب
وَأما قَوْلهم إِن فِيهِ تعرضا للعقاب وتسيبا إِلَى التعصية فَهُوَ فصل حاد اخْتلف فِيهِ جَوَاب الْقَائِلين بالتراخي فَكَانَ شَيخنَا أَبُو حَامِد وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ يَقُولَانِ إِن التَّرَاخِي إِنَّمَا جَازَ بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة كالرامي إِلَى الهدف وَإِذا فرض رمي الْجمار وَهَذَا مِمَّا لَا نرضاه فَإِن إِلْزَام الْمُكَلف الْفِعْل مُؤَخرا بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة وَهُوَ لَا يعلمهَا وَلَا يقدر عَلَيْهَا هدم لركن التَّكْلِيف فِي بَاب الْإِضَافَة وَالْعلم وعَلى هَذَا الأَصْل يخرج مَا ألزموا ونظائره
стр. 41
وَأما الرَّمْي إِلَى الهدف فمباح لَيْسَ بتكليف وَأما الرَّمْي إِلَى الصَّفّ أَو فِي الْجمار فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِيهِ وَالْحكم بِهِ لَا يفْتَقر إِلَى الْقَصْد وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعلم
وَأما الظَّوَاهِر الَّتِي ذكروها فَلَا حجَّة لَهُم فِيهَا من وَجْهَيْن
أَحدهمَا إِن هَذِه الْمَسْأَلَة فِي أَمْثَالهَا لَا يثبت إِلَّا بالأدلة القطعية لَا بالظواهر الشَّرْعِيَّة
الثَّانِي إِنَّهَا مقترنة بقرائن اقْتَضَت حملهَا على الْبَدْر لِأَن الْمَغْفِرَة تحصل باجتناب الْمعاصِي وَاجْتنَاب الْمعاصِي يكون على الْفَوْر
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة الله عَلَيْهِم الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت وجوبا موسعا يَمْتَد إِلَى آخِره
وَقَالَ أهل الْعرَاق تجب الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت
وَهَذِه الْمَسْأَلَة فرع من فروع الَّتِي قبلهَا وَقد عظم الْخطب بَين الْعلمَاء فِيهَا وتشعب القَوْل فِي مَعَانِيهَا وَالضَّابِط لنشر رِوَايَة كَلَامهم إِن الْعِبَادَات الْمَأْمُور بهَا على ثَلَاثَة أَقسَام فِي تعلقهَا بِالْوَقْتِ
وَقد تستغرق الْعِبَادَة جَمِيع الْوَقْت لَهَا وَكَأَنَّهُ جعل حدا فِيهَا وَذَلِكَ كَالصَّوْمِ
وَالثَّانِي عبَادَة ربطت بِوَقْت يَتَقَرَّر بامتثالها ويسع أعدادا لَهَا وَذَلِكَ كَالصَّلَاةِ
وَالثَّالِث عبَادَة لم ترتبط بِوَقْت وَلَا نيطت بِمدَّة فِي مُطلق الْأَمر كالكفارات وَقَضَاء الصَّلَوَات وَالْحج على اخْتِلَاف فِي هذَيْن
стр. 42
فَأَما الصَّوْم فَلَا كَلَام فِيهِ لِأَن طَرفَيْهِ مضبوطان بوقته
وَأما الصَّلَاة فَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا تجب إِلَّا فِي آخر الْوَقْت لِأَن جَوَاز التَّأْخِير مَعَ خيرة الْمُكَلف بَين الْفِعْل وَالتّرْك يضاد الْوُجُوب
أجَاب عَن ذَلِك عُلَمَاؤُنَا بجوابين
أَحدهمَا أَن قَالُوا إِنَّمَا جَازَ التَّأْخِير بِشَرْط الْعَزْم على الْفِعْل وَبِهَذَا فَارق النَّوَافِل
الثَّانِي إِن جَوَاز التَّأْخِير إِنَّمَا يضاد وجوب الضّيق فَأَما الْوُجُوب الموسع فَلَا
وصوروا لَهُ مَسْأَلَة عقلية وَهِي لَو قَالَ لعَبْدِهِ ألزمتك خياطَة هَذَا الثَّوْب فِي هَذَا الشَّهْر وَهُوَ شغل يَوْم فَإِن الْوُجُوب ثَابت فِي الذِّمَّة والأمد أَضْعَاف الْوَظِيفَة وَهَذَا الَّذِي قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْجَواب فِيهِ نظر
أما قَوْلهم إِن الزم بدل عَنهُ فَفِيهِ أَرْبَعَة أجوبة لَهُم أقواها أَنهم لَا يسلمُونَ أَن الْعَزْم بدل بِدَلِيل تصور الذهول وَوُقُوع الْغَفْلَة وَلَا يُقَال إِن ذَلِك إخلال بِفَرْض وَأما مَا صوروه نم ضرب الْمثل بخياطة الثَّوْب فَالْخِلَاف أَيْضا فِيهِ مُتَصَوّر لأَنهم يَقُولُونَ الْوُجُوب لَا يتَحَقَّق فِي الْخياطَة إِلَّا فِي آخر الْمدَّة
وَبِالْجُمْلَةِ إِن الْمَسْأَلَة مَعَ تبَاعد أكتافها عسرة علينا جدا وَلَا عُمْدَة لنا فِيهَا إِلَّا جَوَاز الْفِعْل فِي أول الْوَقْت وَيكون ممتثلاً إِجْمَاعًا وَلَوْلَا تحقق الْوُجُوب فِي أول الْوَقْت وَيكون ممثلاً إِجْمَاعًا وَلَوْلَا تحقق الْوُجُوب فِي أول الْوَقْت لما كَانَ الِامْتِثَال فِيهِ مجزيا فدارت الْمَسْأَلَة على حرفين:
стр. 43
أَحدهمَا جَوَاز الْفِعْل وَهُوَ لنا ويعتضد ويتضح بامتناعه قبل الْوُجُوب وَوُجُوب إِعَادَته أَن وَقع حِينَئِذٍ غَلطا أَو قصدا وَلَهُم جَوَاز التَّأْخِير وينقضها الْحَج عِنْدهم وَالْكَفَّارَات إِجْمَاعًا فَصَارَت عمدتنا معتضدة بنظائر وَصَارَت عمدتهم بنظائر أَيْضا فَكَانَ التَّرْجِيح لنا
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة
الْأَمر بالشَّيْء لَا يكون نهيا عَن ضِدّه وَالنَّهْي عَن الشَّيْء لَا يكون أمرا بِأحد أضداده من غير تعْيين عِنْد الْجُمْهُور ومعظم عُلَمَائِنَا ﵏
وَمن النَّاس من قَالَ إِن الْأَمر عَن بالشَّيْء يكون نهيا عَن ضِدّه وَالنَّهْي عَن الشَّيْء يكون أمرا بِأحد أضداده من غَيره تعْيين وأجلهم الْأُسْتَاذ أ [وَإِسْحَاق ﵀
وعمدتنا فِي الْمَسْأَلَة إِن الْآمِر بالشَّيْء قد يذهل عَن الأضداد حَتَّى لَا يتَعَلَّق قَصده بِوَاحِد مِنْهَا وَإِنَّمَا مَقْصُوده مُتَعَلق بِالْأَمر
فالقائل قُم إِنَّمَا مَطْلُوبَة الْقيام وَمَا ضاده قد لَا يشْعر بِهِ حَالَة الْأَمر فَلَا يصلح ان يُقَال إِنَّه دخل تَحت قَصده وَلَا يتَعَلَّق بِهِ أمره
وَالدَّلِيل الْقَاطِع على ذَلِك أَن التَّصْوِير وَالتَّقْدِير لَو تعلق بِالْجمعِ بَين الْقيام فَجمع بَينهمَا مَا كَانَ ذَلِك قدحاً فِي الْأَمر وَهَذَا قَاطع مُقْتَض للْعلم وَتمسك الْأُسْتَاذ بِأَن الْأَمر بِالْقيامِ لَا يتَصَوَّر إِلَّا مَعَ ترك الْقعُود فَلَمَّا تلازما تضمن الْخطاب ظتهراً ومضمراً
стр. 44
أما الظَّاهِر فَهُوَ الْقيام وَأما الْمُضمر فَهُوَ ترك الْقعُود فَلَمَّا تلازما اتحدا وعضد ذَلِك بأمرين
أَحدهمَا الْعلم بِالسَّوَادِ مَعَ الْعلم بِالْعلمِ بِهِ فَإِنَّهُ لما تلازما اتحدا
الثَّانِي علم الله الْمُتَعَلّق بِكُل مَعْلُوم إِلَى غير نِهَايَة لما لازمها اتَّحد فَكَانَ علمه وَاحِدًا
أجَاب علمؤنا ﵏ عَن ذَلِك بِأَن قَالُوا
أما قَوْله بِأَن ترك الْعُقُود مُضْمر فِي الْأَمر ملازم لَهُ فقد بَينا فَسَاده من قبل جَوَاز تَقْدِير الذهول أَو غَيره وَأما مَا اعتضد بِهِ من اتِّحَاد الْعلم بِالسَّوَادِ مَعَ الْعلم بِالْعلمِ بِهِ فقد مَنعه عُلَمَاؤُنَا
وَأما مَا تعلق بِهِ من اتِّحَاد علم الله فَلَيْسَ كَمَا زعم إِذْ لَو كَانَ ذَلِك للملازمة لاتحد علم الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَقدرته لتلازمهما
والمعمول فِي اتِّحَاد علم الْبَارِي تَعَالَى عِنْد القَاضِي على الشَّرْع
وَبعد فَإِن الْمَسْأَلَة دَائِرَة عِنْدِي على حرف وَهُوَ أَن الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ أَمر بِمَا لَا يتم إِلَّا بِهِ أم لَا وَهِي
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة
وَجَرت عَادَة عُلَمَاؤُنَا بِذكر هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالُوا إِن الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ أَمر بِمَا لَا يتم إِلَّا بِهِ أم لَا
وَلَيْسَ لَهَا عِنْدِي معنى لِأَن مَا لَا يتم بِهِ لَا يَخْلُو أَن يكون شرعا أَو ضَرُورَة فِي الْفِعْل عقلا فَإِن كَانَ شرعا كَالصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَة فَإِنَّهَا وَجَبت بِأَمْر آخر بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ وَإِن كَانَ ضَرُورِيًّا فِي الْفِعْل عقلا فَهُوَ من فن
стр. 45
الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا فَلَا تَقول إِن الْأَمر تنَاوله لَكِن لما كَانَ الْمُكَلف لَا يُؤمر إِلَّا بِمَا يَسْتَطِيع وَكَانَت الِاسْتِطَاعَة فِي الْمَأْمُور لَا تتحصل إِلَّا بِهِ قيل لَهُ امتثل كَيفَ قدرت
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشر
اتّفق الْعلمَاء على انقسام أَحْكَام أَفعَال الْمُكَلّفين إِلَى الْأَقْسَام الْخَمْسَة الَّتِي مِنْهَا الْمُبَاح حَتَّى جَاءَ الكعبي فَقَالَ لَا مُبَاح فِي الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا هِيَ كلهَا فروض قَالَ لِأَنَّهُ مَا من مُبَاح يسْتَعْمل إِلَّا وَفِيه ترك الْمحرم
وَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن
أَحدهمَا إِن فِيهِ قولا بافتراض النَّوَافِل وَذَلِكَ يهتك حجاب الْإِجْمَاع فِيهَا
الثَّانِي إِنَّه يلْزمه القَوْل بِوُجُوب الزِّنَى من جِهَة إِنَّه ترك لمعصية أُخْرَى فَيصير مِنْهُ وصف الزِّنَى بِأَنَّهُ وَاجِب محرم وَذَلِكَ محَال
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشر
لَا خلاف بَين المحصلين أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ الْمُؤَقت إِذا فَاتَ لَيْسَ فِيهِ تعرض لقضائه بعد ذَلِك خلا أَن الْفُقَهَاء شغفوا بِأَن يَقُولُوا إِن الْقَضَاء بعد فَوَات الْوَقْت يجب الْأَمر الأول
وَهَذَا لَا تشهد لَهُ اللُّغَة وَلَا تَقْتَضِيه أَدِلَّة الْعُقُول
فَأَما الشَّرِيعَة فَإِن جَاءَت بِهِ لزم وَإِن سكت عَنهُ سقط وكل مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي ذَلِك من الظَّوَاهِر فَهُوَ حجَّة لنا لِأَنَّهُ أَمر ثَانِي
стр. 46
فَأَما ثُبُوت الْإِثْم مَعَ سُقُوط الْفِعْل فثابت إِجْمَاعًا الْفرْقَان بَينهمَا لِأَن الْأمة أَجمعت على وجوب التأثيم وانحتام التعصية
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشر
إِذا ورد الْأَمر بِوُجُوب وَاحِد من الْآحَاد على غير التَّعْيِين وفوض التَّعْيِين فِيهَا إِلَى خيرة الْمُكَلف فَإِن الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِد غير معِين
وَنقل أَصْحَاب المقالات عَن أبي هَاشم أَنه قَالَ إِن جَمِيعهَا وَاجِب وَالظَّن بِهِ أَنه خلاف فِي عبارَة لأَنا اتفقنا على أَنه إِذا تَركهَا أَثم بترك وَاحِد وَإِذا فعلهَا كلهَا سقط الْفَرْض بِوَاحِد وَالْبَاقِي تطوع فَلَا يبْقى لتعيين الْخلاف مَوضِع
ونكتة الْبَاب أَن الْخطاب الْوَارِد بالتخيير بَين الْأَشْيَاء لَا يَخْلُو من قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون خطاب تَكْلِيف اَوْ خطاب إِبَاحَة وَإِذا كَانَ خطاب تَكْلِيف فَلَا يَخْلُو من قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون خطاب أَمر
وَالثَّانِي أَن يكون خطاب نهي
وَفِي الْأَقْسَام خطاب طَوِيل وتفصيل لبابه عِنْد عُلَمَائِنَا أَن الْخطاب على ذها الْوَجْه يَنْتَظِم بِخَمْسَة شُرُوط
الأول أَن يتَعَلَّق بِمَا يَصح اكتسابه
الثَّانِي أَن تتسوى الْأَشْيَاء فِي وجهة التَّخْيِير وَلَا يبالى بعد ذَلِك كَانَت مُتَّصِلَة أَو مُخْتَلفَة
стр. 47
الثَّالِث أَن تكون متميزة وَذَلِكَ يَنْفِي تساويها من كل وَجه إِذْ لَا يَصح التَّخْيِير بَين متساويين من جَمِيع الْوُجُوه
الرَّابِع أَن تكون مَعْلُومَة للمخاطب
الْخَامِس أَن يكون وَقتهَا وَاحِدًا
وَالصَّحِيح أَن الشَّرْط الْمُخْتَص بِوَجْه التَّخْيِير وَاحِد وَهُوَ أَن يتساوى الْأَشْيَاء الْمُخَير فِيهَا كواجبين أَو ندبين أَو مباحين فَإِن سَائِر الشُّرُوط لَا تخْتَص بخطاب التَّخْيِير وَإِنَّمَا هِيَ مُشْتَركَة فِي جِهَة الْخطاب
فَأَما فصل اتِّحَاد الْأَوْقَات فَفِيهِ نظر عِنْدِي فَإِن الحكم لَو قَالَ قُم الْيَوْم أَو غَدا كَانَ تخييراً وَقد ورد الشَّرْع بِهِ فِي الصَّوْم فِي السّفر مَا يَنْفِي أَن يكون هَذَا شرطا فِيهِ واتحد شَرط التَّخْيِير كَمَا قدمْنَاهُ
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشر الْمَنْدُوب
قَالَ القَاضِي ﵀ إِنَّه مَأْمُور بِهِ قَالَ لِأَنَّهُ مَطْلُوب مُقْتَضى
وَالصَّحِيح أَنه غير مَأْمُور بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمطلوب طلبا جَازِمًا حسب مَا هِيَ حَقِيقَة الْأَمر
وَإِنَّمَا حَقِيقَته التحريض والتحضيض كَأَنَّهُ يَقُول إِن فعلت أثبتك وَإِن تركت لم أعاقبك وَهَذَا يَنْفِي حَقِيقَة الْأَمر بِهِ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشر
إِذا ورد الْأَمر باجتناب شَيْء من أَشْيَاء فَلَا يَخْلُو أَن يكون فِي اجْتِنَاب الْجَمِيع مشقة أَو لَا يكون فِيهِ مشقة
стр. 48
فَإِن لم تكن فِيهِ مشقة فَلَا يَخْلُو أَن يكون مختلطاً أَو مُمَيّزا فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام
مِثَال الأول اخْتِلَاط اخته بِنسَب أَو رضَاع وتشبهها بنساء مصر من الْأَمْصَار فهاهنا لَا يجب عَلَيْهِ اجْتِنَاب الْجَمِيع اتِّفَاقًا
مِثَال الثَّانِي حَظه من الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة فهاهنا يجب عَلَيْهِ الاجتناب اتِّفَاقًا
وَمِثَال الثَّالِث اخْتِلَاط إِنَاء وَقعت فِيهِ نَجَاسَة بِمَاء طَاهِر وَهَذَانِ أَيْضا قِسْمَانِ أَحدهمَا أَن يخْتَلط الطَّاهِر بِالنَّجسِ الْمُبَاح الأَصْل أَو يخْتَلط بِالنَّجسِ الْحَرَام الأَصْل
فمثال الأول من الْأَخير هُوَ مِثَال الثَّالِث فِيهِ بِعَيْنِه وَهُوَ إِذا اخْتلطت آنِية مَاء بآنية بَوْل فَأَما إِنَاء مَاء طَاهِر بِإِنَاء مَاء وَقعت فِيهِ نَجَاسَة فَلَا يَخْلُو أَن يكون عدد الْأَوَانِي الطاهرة أَكثر أَو عدد الْأَوَانِي النَّجِسَة فَلَا يَخْلُو أَن يكون الْأَوَانِي الطاهرة كثر فَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي وجوب الِاجْتِهَاد فِيهَا وَالْعَمَل بِمُوجب الِاجْتِهَاد وَإِن كَانَ عدد الْأَوَانِي النَّجِسَة أَكثر فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ يطْرَح الْكل وَمِنْهُم من قَالَ المسألتان الصَّوَاب وَهُوَ أصل من أصُول الدّين
وَالْمَسْأَلَة كَثِيرَة الْفُرُوع عَظِيمَة التشعيب والتركيب وَقد اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كتاب الْإِنْصَاف بَينا وتفصيلا ومهدناه فِي كتاب أُمَّهَات الْمسَائِل تَفْرِيعا وتفصيلا
وَقد نجز الْوَعْد السَّابِق فِي كتاب الْأَوَامِر وَهَذَا
стр. 49
= كتاب النَّهْي =
ومسائلة كمسائله كفة كفة وزنا بِوَزْن غير أَنا وَإِن تَيَقنا اكْتِفَاء المنتهي بالتركيب لَهَا مَنْهَج سَبيله للمبتدي فَنَقُول
الْمَسْأَلَة الأولى
مَسْأَلَة حَقِيقَة النَّهْي اقْتِضَاء التّرْك كَمَا سبق فِي حَقِيقَة الْأَمر اقْتِضَاء الْفِعْل وَطَلَبه الْجَازِم
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
وَلَيْسَ لَهُ صِيغَة من أَقسَام الْكَلَام الَّذِي هُوَ معنى قَائِم بِالنَّفسِ كَمَا بَيناهُ وَهِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
وكما اخْتلفُوا فِي اقْتِضَاء الْوُجُوب اخْتلفُوا فِي اقْتِضَاء النَّهْي التَّحْرِيم كَمَا بَينا أَن الْأَمر طلب جازم للْفِعْل لَيْسَ فِيهِ تعرض للعقاب على التّرْك وَإِنَّمَا يُوجد الْعقَاب على التّرْك من دَلِيل آخر كَذَلِك النَّهْي إِنَّمَا هُوَ قَول جازم فِي استدعاء التّرْك وَلَيْسَ فِيهِ تعرض للعقاب على الْفِعْل وَإِنَّمَا يُؤْخَذ الْعقَاب من ذليل آخر وَهِي مَسْأَلَة الثَّالِثَة
стр. 50
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵀ عَلَيْهِم
فِي كتاب ألأمر ن الْأَمر بالشَّيْء لَا يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ ووقوعه موقع الِامْتِثَال
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَا يدل على الْإِجْزَاء إِلَّا بِقَرِينَة وَهَذَا كَلَام لَا معنى لَهُ لِأَن من نفس الْأَمر نعلم قطعا ويقينا وُقُوع الْإِجْزَاء عِنْد الِامْتِثَال لِأَنَّهُ لَيْسَ الْأَمر معنى سواهُ وَلَا فَائِدَة غَيره
وَإِنَّمَا الَّذِي أوقعهم فِي ذَلِك وغرهم بِهِ مَسْأَلَة الْحَج الْفَاسِد فَإِنَّهُ لما أجمع الْعلمَاء على الْمُضِيّ فِيهِ مَعَ عدم الِاعْتِدَاد بِهِ ركبُوا مِنْهَا مَسْأَلَة إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ
وَهَذَا خرق لَا يرقع لِأَن الْمُضِيّ فِي الْحَج الْفَاسِد فِيهِ مَعْنيانِ يقْطَعَانِ بِهِ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة
أَحدهمَا ان الْأَمر بالمضي فِيهِ إِنَّمَا هُوَ بعد التَّلَبُّس بِهِ وَالْخلاف إِنَّمَا يجب أَن يكون فِي الْأَمر الْمُبْتَدَأ
الثَّانِي أَن الْأَمر بالمضي فِي الْحجَّة الْفَاسِدَة إِنَّمَا هُوَ عُقُوبَة لَا عبَادَة
فَأَما إِذا تبين هَذَا فَالْأَمْر الْمُبْتَدَأ بالتعبد الْمَحْض إِذا وَقع فِيهِ امْتِثَال فَلَا يتَصَوَّر فِي إجزائه خلاف
وَلَو قدر طريان امْر مثله بعده لَكَانَ أمرا مستأنفاً لعبادة ثَانِيَة وَهَذَا مَا لَا يُنَازع فِيهِ منصف
стр. 51
فَأَما النَّهْي عَن الشَّيْء فَهَل يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فَهِيَ مَسْأَلَة حَسَنَة اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا فَقَالَ قَائِلُونَ النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على فَسَاده وَعدم الِاعْتِدَاد بِهِ شرعا وَقَالَ آخَرُونَ لَا يدل على فَسَاده
وأرباب الْأُصُول من الْمَالِكِيَّة جهلوا مَالك ﵀ فَقَالُوا إِن لَهُ قَوْلَيْنِ حَسْبَمَا تقدم تَفْسِيره
وَالصَّحِيح من مذْهبه أَن النَّهْي على قسمَيْنِ
نهي يكون لِمَعْنى فِي المنتهي عَنهُ وَنهي يكون لِمَعْنى فِي غَيره فَإِن كَانَ لِمَعْنى فِي الْمنْهِي عَنهُ دلّ على فَسَاده وَإِن كَانَ لِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ فَذَلِك يخْتَلف إِلَّا أَن الْأَغْلَب فِيهِ أَنه لَا يدل على الْفساد
فَأَما اقْتِضَاء النَّهْي الْمُحَقق للتَّحْرِيم الْمُتَيَقن فَهِيَ مَسْأَلَة أصولية وَالدَّلِيل فِيهَا كالدليل على الْوُجُوب فِي الْأَمر بِعَيْنِه
وَأما القَوْل فِي الْفساد فَذَلِك من فروع الْفِقْه وَقد بَيناهُ فِي مسَائِل الْخلاف
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
كَمَا أَن الْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ عَن ضِدّه كَذَلِك النَّهْي عَن الشَّيْء لَيْسَ بِأَمْر بِأحد أضداده لما بَيناهُ وَهِي الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
قد قدمنَا القَوْل فِي التَّمْكِين مَقْرُونا بِالْعلمِ وَالْفِعْل فِي فصل لأمر فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا
стр. 52
فَأَما النَّهْي فَلَا يَخْلُو أَن يكون عَن ترك أَو عَن فعل فَإِن كَانَ النَّهْي عَن ترك رَجَعَ القَوْل إِلَى الْأَمر وَإِن كَانَ النَّهْي عَن الْفِعْل لم يكن لاشْتِرَاط التَّمْكِين وَجه ن التّرْك لَا يفْتَقر لى التَّمْكِين وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أشارة النَّبِي بقوله إِذا أَمرتكُم بامر فَأتوا مِنْهُ مَا فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوا فَشرط الِاسْتِطَاعَة فِي الْأَمر وَأطلق القَوْل فِي النَّهْي تنبياً على هَذَا الْمَعْنى
وَإِن قُلْنَا إِن الْأَمر على التّكْرَار أَو يَقْتَضِي مرّة فَلَا خَافَ أَن النَّهْي على الدَّوَام حَتَّى يرفعهُ الدَّلِيل وَكَذَلِكَ النَّهْي على الْفَوْر غير خلاف
فإمَّا إِذا نهى عَن شَيْء من الْأَشْيَاء فقد تقدم القَوْل فِيهِ فِي مَا إِذا اخْتَلَط الْمُبَاح بالمحذور وَبينا اقسامه وَأَحْكَامه
وَكَانَت عَادَة عُلَمَائِنَا قد جرت بِذكر مسالة فِي فصل الْأَمر وَهِي أَمر الْمَعْدُوم وَكَذَلِكَ أَيْضا القَوْل فِي نَهْيه
وَعند الِانْتِهَاء إِلَى هَذَا القَوْل فيتلوه كتاب الْعُمُوم
стр. 53
= كتاب الْعُمُوم =
وَفِيه اثْنَا عشر مَسْأَلَة
الْمَسْأَلَة الأولى القَوْل فِي حَقِيقَة الْعُمُوم
وَقد قدمنَا فِي الْكَلَام وَبينا أَنه معنى قَائِم بِالنَّفسِ والعموم قسم من اقسامه وَهُوَ كل قَول فِي النَّفس شَمل اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَدَلِيل هَذِه الْمَسْأَلَة دَلِيل الْمَسْأَلَة السَّابِقَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة القَوْل فِي صِيغَة الْعُمُوم
كَمَا اخْتلف عُلَمَاؤُنَا فِي صِيغَة الْأَمر كَذَلِك اخْتلفُوا فِي صِيغَة الْعُمُوم وَكَانَ الَّذِي مَال بعلمائنا الْأُصُولِيِّينَ ﵏ إِلَى نفي القَوْل بِالْعُمُومِ وحداهم إِلَى إِنْكَار صِيغَة إلحاح الْوَعيد بِهِ عَلَيْهِم بِكُل آيَة عَامَّة وَحَدِيث مُطلق يقتضيان معاقبة العصاة وَجَزَاء المذنبين
стр. 54
وَالَّذِي ندين الله بِهِ أَن الْعُمُوم لَهَا صِيغ مَعْلُومَة وألفاظ مَعْرُوفَة وَمَا تعلق بِهِ الوعيدية سَاقِط لَهُم مَعَ مساعدتهم لَهُم مَعَ مساعدتهم على أَلْفَاظ الْعُمُوم بالأدلة الْمَعْلُومَة فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة
وَصِيغَة الْعُمُوم على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا ادوات الشَّرْط وَهِي من وَمَتى وَمَا فَإِذا ربط بهَا الْعَرَبِيّ حكما اقْتضى الِاسْتِغْرَاق وَكَذَلِكَ الظروف المتضمنة لِمَعْنى الشَّرْط كَقَوْلِك حَيْثُ وَأَيْنَ وَمَا أشبه وَكَذَلِكَ أَلْفَاظ الجموع وَهِي على قسمَيْنِ جمع سَلامَة وَهُوَ مَا سلم فِيهِ بِنَاء الْوَاحِد
وَجمع تكسير وَهُوَ مَا يتَغَيَّر فِيهِ بِنَاء الْوَاحِد وَهُوَ على قسمَيْنِ فِي اللُّغَة
أَحدهمَا جمع الْقلَّة وَالثَّانِي جمع الْكَثْرَة كَقَوْلِهِم فلس وأفلس وَوقت وأوقات فَإِذا أَرَادوا جمع الْكَثْرَة قَالُوا فلوس ووقوت فَهَذِهِ مُقَدمَات تمهد لَك صِيغ الْعُمُوم
قَالَ عُلَمَاء الْكَلَام على مَا بَينا هِيَ مَوْقُوفَة على مَا يقْتَرن بهَا من الْقَرَائِن وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ هِيَ نَص
стр. 55
فَأَما التَّوْقِيف بهَا فَلَا لظُهُور الحكم بالاستغراق فِيهَا فَإِن من قَالَ من دخل الدَّار فأعطه ( ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه وَيعْمل صَالحا يدْخلهُ جنَّات﴾ وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا) (فأينما توَلّوا فثم وَجه الله) فَلَا إِشْكَال فِي إدارة الْعُمُوم فِيهَا لُغَة وَشرعا وإنكار ذَلِك قريب من البهت والوعيدية لَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء من ذَلِك كَمَا تقدم بَيَانه
وَأما قَول الشَّافِعِي إِنَّه نَص فَهُوَ ضَعِيف لِأَن النَّص هُوَ مَا وَقع الْبَيَان فِيهِ إِلَى غَايَته والعموم لم يرْتَفع فِيهِ الْبَيَان إِلَى الْغَايَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْعُمُوم نصا لَكَانَ التَّخْصِيص نسخا وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ
أما كَونهَا نصا فِي الْمُسْتَقْبل فَلِأَن رفع الْكل رفع لفائدة اللَّفْظ وَذَلِكَ لَا يجوز وَأما كَونهَا ظَاهرا فِيمَا فَوْقه فلغلبة الِاسْتِعْمَال فِيهِ حَتَّى يخص الدَّلِيل بأخص مِنْهُ وَقد بَينا ذَلِك كُله فِي التحميص
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة النِّسَاء يندرجن تَحت خطاب الرِّجَال بِحكم الْعُمُوم
خلافًا لمن قَالَ أَنَّهُنَّ لَا يدخلن تَحْتَهُ إِلَّا بِدَلِيل لِأَنَّهُ إِذا ثَبت القَوْل بِالْعُمُومِ وَثَبت صَلَاح اللَّفْظ للذكور وَالْإِنَاث لم يكن لِامْتِنَاع تنَاول اللَّفْظ لَهُم وَجه وَكَذَلِكَ
стр. 56
القَوْل فِي العبيد وَهِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
وَإِنَّمَا أخرج العبيد من هَذَا اللَّفْظ رُؤْيَة بعض النَّاس لَهُم يشذون عَن أَحْكَام كَالْحَجِّ وَيخرجُونَ عَن معَان كالحد وَلَيْسَ لَهُم فِي آيَة الْحَج لِأَن اللَّفْظ لَا يحْتَمل العبيد وَكَذَلِكَ آيَة الْحَد أخرجتهم عَنْهَا آيَة أُخْرَى وَهِي قَوْله تَعَالَى (فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب)
المسالة الْخَامِسَة
اللَّفْظ الْمُشْتَرك الَّذِي قدمنَا بَيَانه إِذا ورد مُطلقًا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ يعمم على جَمِيع متناولاته وَكَذَلِكَ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
وَقَالَ القَاضِي وَأَبُو الْمَعَالِي لَا يَصح حمله على أَنْوَاع الْمُشْتَرك وَلَا على الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لِأَن الْحَقِيقَة ضد الْمجَاز واللون مُشْتَرك من الضدين أَيْضا فَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الضدين إِنَّمَا يتضادان فِي مَحل وَاحِد فَأَما فِي اللَّفْظ أَو فِي قصد الْقَائِل فَلَا يَسْتَحِيل اجْتِمَاعهمَا فضعف مَا قَالَه القَاضِي ﵀
وَمَا قَالَه الشَّافِعِي لَا يَصح لِأَن الْعَرَبِيّ إِذا أخبر عَن اللَّفْظ الْمُشْتَرك بقضية تخص بعض متناولاته أَو تحْتَمل لم يقْصد عُمُوم الْإِرَادَة فِي الْكل وَكَذَلِكَ الْعَرَب لَا تطلق لفظ الْأسد وَهِي تُرِيدُ الشجاع والبهيمة إِلَّا أَن يَأْتِي بِلَفْظ يدل على إرادتهما مَعًا وَقد بَينا أَن هَذَا الأَصْل إِنَّمَا أنشأه خلافًا فِي فروع كَقَوْل الْعلمَاء عَن اللَّمْس ينقص الطُّهْر كَمَا ينقصهُ الْجِمَاع
стр. 57
لقَوْله الله (أولمستم) وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَصح أَن يُرَاد بقوله (أولمستم النِّسَاء) الْجِمَاع وَالْمُلَامَسَة لِأَنَّهُ جمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة وأشباهها أنشأت هَذَا الأَصْل وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُرِيد الشَّارِع باللمس الْوَطْء والقبلة وجس الْيَد وَقد بَينا ذَلِك فِي مسَائِل الْخلاف ونكتته فِي كتاب أَحْكَام الْقُرْآن وَلَو كَانَ ذَلِك عِنْد الْعَرَب أمرا منكوراً لما قَالَ سادتها من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ إِن قبْلَة الرجل امْرَأَته وجسها بِيَدِهِ من الْمُلَامسَة
المسالة السَّادِسَة
اخْتلف النَّاس قَدِيما وحديثا فِي أقل الْجمع وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي التمحيص وَبينا مَا وَقع من الْخلاف بَين ابْن عَبَّاس وَعُثْمَان ﵄ وهما رُؤَسَاء الشَّرِيعَة واللغة والمحصول من ذَلِك أَنَّك إِذا نظرت إِلَى لفظ الْجمع فالاشتقاق يُعْطي أَن الْإِثْنَيْنِ جمع وَإِذا نظرت إِلَى إِفْرَاد الْعَرَب كل وَاحِد بِلَفْظِهِ علمت أَن أَقَله ثَلَاثَة وَلم يبْق بعد هَذَا إِلَّا قَول الله سُبْحَانَهُ (فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمة) وَالأُم محجوبة بالاثنين
فَالْجَوَاب عَن هَذِه الْآيَة وأمثالها أَن حجب الثَّلَاثَة وأمثالها كَانَ قُرْآنًا وحجب الِاثْنَيْنِ كَانَ سنة بِدَلِيل خلاف ابْن عَبَّاس فِيهِ ﵁
فَالْوَاجِب عَنْهَا فِي التمحيص مَوْجُود وَلَكِن مَعَ أَن للْجمع لفظا يخْتَص بِهِ وللواحد لفظا يخْتَص بِهِ فالمختار عندنَا أَن جمع الْإِنَاث مُخْتَصّ بهم
стр. 58
لَا يدْخل فِيهِ الذُّكُور بِحَال وَجمع الذُّكُور تدخل فِيهِ الْإِنَاث وَبينا ذَلِك إِذا كَانَ الْخطاب صَالحا لَهُنَّ وَهَذَا أَمر ثَابت فِي اللُّغَة والشريعة قطعا فِي أَمْثِلَة الْجِهَتَيْنِ جَمِيعًا قطعا ويقينا
وَأما اللَّفْظ الْمُشْتَرك إِن ورد كَمَا قدمنَا مُعَلّقا بِحكم يحْتَمل المتناولات كلهَا أَو بَعْضهَا فَهُوَ عندنَا مُجمل وَقد بَينا ذَلِك كُله فِي التمحيص
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة ترك الاستفصال فِي حكايات الْأَحْوَال مَعَ الِاحْتِمَال تتنزل منزلَة الْعُمُوم فِي الْمقَال
لحَدِيث غيلَان أسلم وَتَحْته عشر نسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي أمسك أَرْبعا وَفَارق سائرهن وَلم يستفصله ﵇ عَن الْأَوَائِل والأواخرة بل أطلق الْأَمر بِالِاخْتِيَارِ إطلاقا فَكَانَ ذَلِك قولا بِالْعُمُومِ ونصا فِيهِ خلافًا لأبي حنيفَة حَيْثُ يَقُول إِن لَا يختارهن إِلَّا على تَرْتِيب نِكَاحهنَّ وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة إِذا ورد خطاب على سَبَب
اخْتلف النَّاس فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ يقصره عَلَيْهِ وَلَا يتعجى بِهِ غَيره وَقَالَ بَعضهم يحمل اللَّفْظ على عُمُومه من غير اعْتِبَار بِالسَّبَبِ
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَب مَالك أَن الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة على الْأَسْبَاب على ضَرْبَيْنِ
стр. 59
الأول أَن يكون اللَّفْظ مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ لَا يحْتَاج إِلَى معرفَة المُرَاد مِنْهُ إِلَى سَببه
الثَّانِي لَا يعرف المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بعد معرفَة سَببه
فَأَما الأول فَيحمل على عُمُومه وَأما الثَّانِي فيقصر على سَببه وَلَا يعم بِدَلِيل وَهَذَا التَّقْسِيم صَحِيح وَالظَّن فِيهِ أَنه لَو عرض على سَائِر الْمُخَالفين لم يأبوه لِأَن ذكره كَاد أَن يكون دَلِيله من غير افتقار إِلَى عضده بِدَلِيل
وَمِثَال ذَلِك أَن النَّبِي سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة قيل لَهُ يَا رَسُول الله إِن بِئْر بضَاعَة تلقى فِيهَا الْحيض والجيف وَمَا يُنجي النَّاس فَقَالَ النَّبِي خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ شَيْء وَفِي رِوَايَة إِلَّا مَا غير لَونه أَو طعمه فَهَذَا لفظ مُسْتَقل بِنَفسِهِ مَفْهُوم من ذَاته نَشأ بِسَبَب لَا يفْتَقر فِي بَيَانه إِلَيْهِ فَهَذَا مَحْمُول على عُمُومه
وَمِثَال الثَّانِي مَا روى أَن النَّبِي سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ أينقص الرطب إِذا يبس قَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذا فَهَذَا الْجَواب لَا يفهم المُرَاد بِهِ من لَفظه حَتَّى يعرض على سَببه ويناط بِهِ
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة
عزي إِلَى أبي حنيفَة أَنه قَالَ
стр. 60
السَّبَب الَّذِي وَردت الْآيَة أَو الْخَبَر لَا يتَنَاوَلهُ بيانهما وَهَذَا إِنَّمَا أَخَذُوهُ من مَسْأَلَتَيْنِ لَهُ وهما قَوْله
إِن الْحَامِل لَا تلاعن مَعَ أَن امْرَأَة الْعجْلَاني الَّتِي ورد اللّعان فِيهَا كَانَت حَامِلا وَكَذَلِكَ قَالَ إِن ولد المغربية يلْحق بالمشرقي مَعَ عدم احْتِمَال اللِّقَاء وَلَا يلْحق ولد الْأمة الْحَاضِرَة بالسيد وَإِن أقرّ السَّيِّد بِوَطْئِهَا لقَوْل النَّبِي الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر وَإِن كَانَ الْخَبَر إِنَّمَا ورد فِي أمة وَهَذِه مَسْأَلَة غَرِيبَة المأخذ جدا لِأَن الْخُرُوج جدا لِأَن خُرُوج السَّبَب عَن اللَّفْظ الْوَارِد عَلَيْهِ بعيد وَأَبُو حنيفَة لم يقل بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قصدا لما عزي إِلَيْهِ وَإِنَّمَا خرجتا بِدَلِيل آخر بَين فِي مسَائِل الْخلاف
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة
إِذا قَالَ رجل أفطر فلَان فِي رَمَضَان فَقَالَ النَّبِي يكفر تعلّقت الْكَفَّارَة بِكُل مفطر لِأَن ذَلِك السَّبَب فِي الحكم تَعْلِيل
قَالَ الله تَعَالَى ( ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا﴾ وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا) مَعْنَاهُ لزناهما وسرقتهما وَرُوِيَ أَن النَّبِي سَهَا فَسجدَ مَعْنَاهُ لجل سَهْوه وَهَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ
стр. 61
فَإِن قَالَ رجل للنَّبِي جامعت فَقَالَ النَّبِي كفر فَهَل يلْحق بِالْجِمَاعِ إفطار الْأكل أم لَا
اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على قَوْلَيْنِ
فَقَالَت طَائِفَة لَا تلْحق بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَت طَائِفَة هُوَ مثله لِأَنَّهُ إفطار على وَجه الْحُرْمَة فَوَجَبت فِيهِ الْكَفَّارَة كالجماع وَالْمَسْأَلَة مَشْهُور فِي الْخلاف
وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ شَيْء فِي معنى الْجِمَاع وَلَا يلْحق بِهِ
وَهِي الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشر
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشر اللَّفْظ الْعَام إِذا خص فِي بعض متناولاته
قَالَت الْمُعْتَزلَة يكون مُجملا لَا يتَعَلَّق بِهِ وَقَالَ القَاضِي هُوَ مجَاز وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ حَقِيقَة على أَصله
وَالصَّحِيح جَوَاز التَّعْلِيق بِهِ إِذا نسخ بعض الحكم جَازَ التَّعْلِيق بِهِ فَكيف فِيمَا خص وَلَو صرح المتلفظ بالتخصيص مَقْرُونا بِاللَّفْظِ مَا كَانَ ذَلِك مجَاز يُضعفهُ وَلَا إِجْمَالا يُبطلهُ فَكَذَلِك إِذا جَاءَ بعد حِين
وَبعد نجاز هَذِه الْمسَائِل نَخُوض فِي التَّخْصِيص الْمُنْفَصِل وَهُوَ القَوْل فِي
стр. 62
الِاسْتِثْنَاء
وَفِيه سِتّ مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى فِي حُرُوفه
وَهِي خَمْسَة
إِلَّا وخلا وَعدا وَسوى وَغير
وَأمّهَا إِلَّا وَهِي تَأتي بعد الْإِثْبَات وَالنَّفْي
فَأَما إِثْبَاتهَا بعد الْإِثْبَات فعملها النصب نقُول جَاءَ الْقَوْم إِلَّا زيدا وَقد قَالَ بعض النَّاس إِن عَملهَا الرّفْع وَالصَّحِيح الأول
وَمَا احْتج بِهِ من الشّعْر قد تكلمنا عَلَيْهِ فِي التمحيص
وَأما إِثْبَاتهَا بعد النَّفْي فقد تَأتي وَالْفِعْل بعْدهَا كَقَوْلِك مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا زيد وفيهَا لُغَتَانِ وَالْقَوْل فِي سَائِر الْحَرْف مَعْلُوم
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من شُرُوط الِاسْتِثْنَاء
أَن يكون مُتَّصِلا بالْكلَام بِخِلَاف التَّخْصِيص فَإِنَّهُ يجوز أَن يرد بعد سنة
وعزى إِلَى حبر الْأمة ابْن عَبَّاس ﵁ أَن الِاسْتِثْنَاء كالتخصيص وَاحْتَجُّوا لَهُ بقوله تَعَالَى (وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا أخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما يضعف لَهُ الْعَذَاب
стр. 63
يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهانا) نزلت هَذِه الْآيَة فَلَمَّا كَانَ بعد سنة نزل قَوْله تَعَالَى (إِلَّا من تَابَ) وَذَلِكَ بعيد وَالرِّوَايَة غير صَحِيحَة
وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك بعيد وَالرِّوَايَة غير صَحِيحَة
وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك الْقَوَاعِد الشَّرِيعَة من الْأَيْمَان والعهود فَلَو كَانَت منحلة بِالِاسْتِثْنَاءِ بعد عَام وَأكْثر مِنْهُ لما كَانَ لعقد الْيَمين مَحل وَلَا كَانَ لأخذ العهود مَوضِع وَلَا كَانَ لِلْكَفَّارَةِ إِجْزَاء وَمثل هَذِه الْقَاعِدَة لَا تنهدم بِمَا احْتَجُّوا بِهِ من تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء عَن الْآيَة لِأَنَّهَا كَانَت مَوْصُولَة فِي أم الْكتاب وَفِي الْعلم الأول وفصلت فِي إعلامنا لحكمة بَالِغَة ومثاله لَو أَن رجلا كتب يَمِينه مستثناه وَأشْهد عَلَيْهَا ثمَّ إِنَّه أخبر بهَا مفصولة عَن مَا كتبهَا لم يضرّهُ ذَلِك
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من شَرط الِاسْتِثْنَاء أَلا يرجع إِلَى جَمِيع الْكَلَام السَّابِق
فَإِن رَجَعَ إِلَى معظمه قَالَ القَاضِي لَا يجوز
وَالصَّحِيح جَوَازه وَأما رُجُوعه إِلَى الْجمع فمحال لِأَنَّهُ تناقص فِي الْكَلَام
وَقَالَ القَاضِي رُجُوعه إِلَى الْمُعظم مثله وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ قد أبقى مَا اسْتَقل بالْخبر بلَى إِنَّه قَبِيح لَكِن أَمر قبحه لَا يمْنَع جَوَازه كَقَوْلِه عِنْدِي عشرَة إِلَّا خَمْسَة وَربع ثمن وَثمن سدس عشر ثمن سدس وَمَا أشبه ذَلِك من التجزئة الرَّكِيكَة وَذَلِكَ قببيح لكنه جَائِز
المسالة الرَّابِعَة الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء جَائِز
خلافًا لبَعض النَّاس وَهُوَ إبْقَاء على الْحَالة الأولى ورد الْكَلَام إِلَى أَوله كَقَوْلِه عِنْدِي عشرَة إِلَّا أَرْبَعَة اثْنَيْنِ وَكَقَوْلِه لزوجته أَنْت طَالِق
стр. 64
ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا وَاحِدَة فَتكون ثِنْتَيْنِ وَقد اخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فَقَالَ (إِلَّا الوط إِلَّا امْرَأَته)
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من شَرط الِاسْتِثْنَاء أَن يكون من الْجِنْس
فَإِن كَانَ من غير الْجِنْس لم يفهم لُغَة وَلَا جَازَ حكما
وَقد رُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي رجل قَالَ لَهُ عِنْدِي مائَة دِينَار إِلَّا ثوب فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ ويفسر قيمَة الثَّوْب ويحط من جملَة الْمِائَة لِأَن الْمَالِيَّة تجمعهما وَهَذَا ضَعِيف فَإِن الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ من التَّثْنِيَة وَهُوَ التّكْرَار تَقول ثنيت كَذَا إِذا جعلته اثْنَيْنِ وَكَيف يَصح أَن يكون ذَلِك فِي غير الْجِنْس وَلَو سَمِعت الْعَرَب اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس لما عدته من كَلَامهَا وَلَا راجعت عَلَيْهِ مخاطبها
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
الِاسْتِثْنَاء إِذا عقب جملا اخْتلف النَّاس فِيهَا من قَالَ إِنَّهَا ترجع إِلَى الْجمل كلهَا وهم الْأَكْثَر وَمِنْهُم من قَالَ ترجع إِلَى آخر جملَة وَهُوَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه
وَيظْهر ذَلِك فِي مَسْأَلَتَيْنِ
أَحدهمَا شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ قَالَ الله تَعَالَى (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا) الْآيَة ثمَّ قَالَ (إِلَّا الَّذين تَابُوا)
стр. 65
وَكَذَلِكَ أَيْضا لَو قَالَ فِي الْوَصِيَّة ثلث مَالِي للْفُقَرَاء بني بكر وتغلب وزهرة إِلَّا من كَانَ ملحفا فِي مَسْأَلته رَجَعَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء عندنَا إِلَى الْجَمِيع وَرجع عِنْده إِلَى زهرَة خَاصَّة وَهِي مَسْأَلَة نحوية لَا حَظّ لغير النَّحْو فِيهَا وَذَلِكَ إِنَّه لَا خلاف أَن الْمَعْطُوف يُشْرك الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِيمَا وَقع الْخَبَر بِهِ عَنهُ وَظن أَبُو حنيفَة أَن ذَلِك بِمَنْزِلَة الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى اقْربْ مَذْكُور فَيخْتَص بِهِ وَمِنْهَا مَا يحْتَمل الرُّجُوع إِلَى مَا تقدم فَيحكم كَذَلِك بِهِ وَبَاب الْعَطف بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَا احْتِمَال فِيهِ لغير الِاشْتِرَاك
стр. 66
= كتاب التَّأْوِيل =
قد تقدم بَيَان أَقسَام الْأَلْفَاظ فِي الْبَيَان فَأَما النَّص فَلَا يسْقط إِلَّا بأزيد مِنْهُ وَأقوى
وَأما الظَّاهِر فَيسْقط بِمثلِهِ وَأما الْمُجْمل فَلَا اعْتِبَار بِهِ وَأما الْعُمُوم إِذا ثَبت فَهَل يَخُصُّهُ مَا هُوَ أدنى مِنْهُ أم لَا
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك على أَقْوَال كَثِيرَة وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونكشف قناع التَّأْوِيل بِالْإِشَارَةِ حَتَّى يَقع غَايَة الوضوح نِهَايَة الْعبارَة فِي عشْرين مَسْأَلَة
الْمَسْأَلَة الأولى فِي بَيَان الْمُحكم والمتشابه
وَقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك على أَقْوَال كَثِيرَة بيناها فِي كتاب المشكلين
فَمنهمْ من قَالَ إِنَّهَا آيَات الْوَعيد وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا آيَات الْقِيَامَة وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا أَوَائِل السُّور وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا الْآيَات الَّتِي تمْتَنع بظاهرها على الله تَعَالَى كآية الْمَجِيء والإتيان وَغَيرهَا
وَالصَّحِيح إِن الْمُحكم مَا اسْتَقل بِنَفسِهِ والمتشابه مَا افْتقر إِلَى غَيره مِمَّا فِيهِ شُبْهَة مِنْهُ أَو من سواهُ إِلَى الْمُحكم لِأَنَّهُ الْأُم الَّتِي إِذا رد إِلَيْهَا الْوَلَد علم نفس
قَالَ الله تَعَالَى (مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشبهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشبه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله
стр. 67
والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب)
وَقدم الله تَعَالَى من يُرِيد أَن يتبع الْمُتَشَابه بِنَفسِهِ طلبا لفهمه حَتَّى لَو رده إِلَى الْأُم وَهُوَ الْمُحكم لوجد مَعْنَاهُ فِيهِ وَكَانَ مَحْمُودًا وَبِذَلِك يكون فِي جملَة الراسخين فِي الْعلم الَّذين يُؤمنُونَ بِهِ أَولا عِنْد سَمَاعه ويعرفونه آخر عِنْد التَّذْكِرَة برده إِلَى أم الْكتاب
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة آيَة الاسْتوَاء
آيَة الاسْتوَاء اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا على ثَلَاثَة أَقْوَال
وَمِنْهُم من قَالَ تمر كَمَا جَاءَت وَلَا يتَكَلَّم فِيهَا
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه يتَكَلَّم فِيهِ
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه يتَكَلَّم فِيهَا مَعَ من يتَحَقَّق حسن معتقده وَطلب إرشاده
ويروى ذَلِك عَن مَالك بن أنس لِأَنَّهُ قَالَ لرجل سَأَلَهُ عَن الاسْتوَاء الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيفية مَجْهُولَة وأراك بدعيا
وَمِنْهُم من أطلق القَوْل فِيهِ قصدا الْبَيَان مِنْهُم سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ وَقد سُئِلَ عَن قَوْله (الرحمان على الْعَرْش اسْتَوَى) لهَذِهِ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى (ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وهى دُخان) سَوَاء.
стр. 68
وَقد جَمعنَا من أَقْوَال الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خَمْسَة عشرَة قولا أشبههَا بكم الْآن أَن معنى الْعَرْش الْمَخْلُوقَات بجملتها أَو يكون مَعْنَاهُ أَنه يكون مَعَه على الْعَرْش شَيْء مَوْجُود آخر
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
اخْتلف النَّاس فِي جَوَاز تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد فمنعت مِنْهُ الْمُعْتَزلَة لِأَن الْقُرْآن مَقْطُوع بِهِ وَخبر الْوَاحِد مظنون وَقَالَ القَاضِي أَنا أتوقف فِيهِ وَمَال الْفُقَهَاء بأجمعهم إِلَى جَوَاز تَخْصِيصه بِهِ
أما الْمُعْتَزلَة فَقَالُوا لما كَانَ الْقُرْآن مَقْطُوعًا بِهِ وَخبر الْوَاحِد مظنون لم يجز أَن يخصص المظنون وَهَذَا لَا يَصح فَإِن الْقُرْآن وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا بِأَصْلِهِ فَإِن فحواه مظنون كَخَبَر الْوَاحِد فيتساويان
وَأما القَاضِي فَقَالَ إِن خبر الْوَاحِد مظنون أَصله مَقْطُوع بفحواه وَالْقُرْآن مَقْطُوع أَصله مظنون فحواه فتعارضا فَوَجَبَ التَّوَقُّف وَهَذَا لَا يَصح فَإِن خبر الْوَاحِد مَقْطُوع على وجوب الْعلم بِهِ مَقْطُوع على فحواه
стр. 69
يَصح فِي التَّخْصِيص فَيرجع على عُمُوم الْقُرْآن وَالَّذِي يُؤَكد ذَلِك مَا روى من قبُول الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم لتخصيص عُمُوم آيَة الْمَوَارِيث بِحَدِيث أبي بكر ﵁ فِي حق النَّبِي حِين قَالَ سمعته يَقُول لَا يُورث مَا تركت بعد نَفَقَته عيالي مَعُونَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا ثمَّ تَأَوَّلَه على خلاف ظَاهره وَجب الرُّجُوع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ افهم بالمقال وأقعد بِالْحَال
فَإِن أفتى بِخِلَاف مَا روى أَو رد الحَدِيث أصلا قَالَ بو حنيفَة وَالْقَاضِي وَأحد قولي مَالك يسْقط الحَدِيث لِأَن ١ لَك تُهْمَة فِيهِ وَاحْتِمَال أَن يكون قد سمع ناسخة إِذْ لَا يظنّ بِهِ غير ذَلِك
وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك الحَدِيث مقدم على فتواه وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مِثَاله مَا روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي إِنَّه قَالَ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ ثمَّ أفتى بِأَن الْمُرْتَدَّة لَا تقل فَخص الحَدِيث فِي فتواه
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن الحَدِيث إِذا كَانَ عرضة للتأويل وَغَيره ذَلِك سَوَاء وَإِنَّمَا يتفاضلون بِصِحَّة السماع وجودة القريحة وَذَلِكَ مِمَّا لَا يقْدَح فِي النّظر وَلَا يُؤثر فِي طَرِيق الِاجْتِهَاد
стр. 70
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
قَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ الزِّيَادَة على النَّص نسخ وَقَالُوا إِن الله تَعَالَى شَرط الْإِيمَان فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَأطلق القَوْل فِي كَفَّارَة الظِّهَار فَلَو حملناه عَلَيْهِ لكَانَتْ زَائِدَة فِي النَّص وَذَلِكَ نسخ فَوَجَبَ أَن يحمل هَذَا على إِطْلَاقه ويخلى ذَلِك تَقْيِيده
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا الزِّيَادَة على النَّص لَا تكون نسخا وَنحل وَبَعض الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ القَاضِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ
إِن غيرت الزِّيَادَة حكم الأَصْل كَانَت نسخا فَإِن أبقته على حَالَة وأفادت غَيره لم يكن نسخا احْتَجُّوا بِأَن قَالُوا إِن الحكم كَانَ يَجْزِي قبل الزِّيَادَة فَإِذا جَاءَت الزِّيَادَة فمنعت من الْأَجْزَاء كَانَت تبديلا وَذَلِكَ هُوَ النّسخ
الْجَواب أَن نقُول هَذَا أَن صَحَّ يلْزم النَّبِي أَن يبين الشَّرَائِع دفْعَة وَاحِدَة وَذَلِكَ سَاقِط إِجْمَاعًا
على أَنهم قد نقضوا هَذَا فَإِنَّهُم قَالُوا لَا تجزى الْأَخْرَس فِي الظِّهَار وَذَلِكَ زِيَادَة فِي النَّص وشرطوا السَّلامَة من الْعُيُوب المنقصة المجحفة وَذَلِكَ زِيَادَة فِي النَّص وَقَالُوا بِجَوَاز إِعْتَاق الْمكَاتب فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَذَلِكَ نُقْصَان من النَّص فَمَا راعوا اللَّفْظ فِي طرق الزِّيَادَة وَلَا فِي طرق النُّقْصَان
وَفِي هَذِه المسالة بِعَينهَا يدْخل أصل آخر من أصُول الْفِقْه وَهُوَ حمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَسَيَأْتِي بعد نجاز هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 71
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
قَالَ رَسُول الله لَا صِيَام لمن لم يؤرض الْقيام من اللَّيْل فَحمل أَبُو حنيفَة هَذَا الحَدِيث على الْقَضَاء وَحده وَقَالَ إِن التَّطَوُّع وَالْفَرْض يجزه بِصَوْم نِيَّة من النَّهَار
وَهَذَا من أفسد التأويلات فَإِن اللَّفْظ خرج مخرج الْعُمُوم والاستغراق بِحرف النَّفْي الْمُتَّصِل بالنكرة الْمُقْتَضِي للْعُمُوم لُغَة فَلَو أخرج مِنْهُ بِالْقِيَاسِ صَوْم لجَاز أَو كَاد أَن يجوز فَأَما أَن يهدم مثل هَذَا اللَّفْظ وَيسْقط جَمِيع متناولاته إِلَّا وَاحِدًا فَهَذَا لَا يجوز فِي كَلَام حَكِيم وَمن هَذَا القبيلِ
المسالة السَّابِعَة
قَالَ رَسُول الله أَيّمَا امْرَأَة نكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل فنكاحها بَاطِل فنكاحها بَاطِل فَإِن مَسهَا فلهَا الْمهْر بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا فَإِن اشتجروا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ
قَالَ أَبُو حنيفَة المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث الْأمة لِأَن الْحرَّة عِنْده تنْكح نَفسهَا وَلَيْسَ لأحد فِي ذَلِك كَلَام فَإِنَّمَا أفسد عَلَيْهِ هَذَا بِأَن لفظ أَي مَوْصُول بِمَا بموضوع للْعُمُوم وَإنَّهُ إِذا اتَّصل بنكرة كَقَوْلِك امْرَأَة تَأَكد الْعُمُوم فَكيف يظنّ بالشارع أَنه جَاءَ بِهَذِهِ الْقَاعِدَة الْعَامَّة المستغرقة
стр. 72
وَيُقَال قصد بذلك بَيَان حكم الْأمة إِذا استبدت بإنكاح نَفسهَا دون مَوْلَاهَا
وَحين حس بِهَذِهِ المضايقة قَالَ المُرَاد بذلك الْمُكَاتبَة فَبَيْنَمَا كَانَ حَامِلا للْحَدِيث على أقل الْجِنْس وَهِي الْأمة حمله على أقل الْقَلِيل وَهِي الْمُكَاتبَة من جنس الْإِمَاء وَهَذِه كلهَا مُنَازعَة فَاسِدَة التَّأْوِيل يجب عَلَيْكُم أَن تحذروها
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة
قَوْله تَعَالَى (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه) الْآيَة إِلَى آخرهَا وَهَذِه الْآيَة من أُمَّهَات الْكتاب وَقد بَينا تَأْوِيلهَا وتفصيلها فِي كتاب الْأَحْكَام بيد أَن أَبَا حنيفَة جَاءَ فِيهَا ببيضة الْعقر فَقَالَ إِن سهم ذَوي الْقُرْبَى لَا يحصل لَهُم إِلَّا بعد اتصافهم بِالْحَاجةِ وَوصف الْحَاجة قد جَاءَ مفصلا مُفَسرًا بالمساكين وَقَالَ مَالك يجوز أَن يُعْطي الْخمس لَغَنِيّ وَاحِد وَيسْقط مِنْهُ السِّتَّة الْأَصْنَاف الَّتِي سَمَّاهَا الله فِيهِ فَأَما مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك من إساقط الْأمة رَأْسا فَلَيْسَ من كتاب التَّأْوِيل الَّذِي نَحن فِيهِ وَإِنَّمَا بَيناهُ فِي الْأَحْكَام وَأما أَبُو حنيفَة الَّذِي شَرط مَعَ الْقَرَابَة الْحَاجة فَهَذَا من بَاب التَّأْوِيل الَّذِي نَحن فِيهِ وَلَكِن يفْسد مذْهبه بِمَا تقدم من أَصله الَّذِي مهده بِزَعْمِهِ وَهُوَ أَن الزِّيَادَة على النَّص نسخ فَكيف زَاد هُوَ هَاهُنَا الْحَاجة على الْقَرَابَة وَنقص أَصله وَلَا عذر لَهُ فِي هَذَا هَا هُنَا
стр. 73
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة
قَالَ الله تَعَالَى فِي كَفَّارَة الظِّهَار (فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا)
قَالَ أَبُو حنيفَة إِن أطْعم مِسْكينا وَاحِدًا قوت سِتِّينَ مِسْكينا أَجزَأَهُ فأسقط الْعدَد رأٍ سا وَقد وَقع الْبَيَان لَهُ نصا قَالَ وَتَقْدِير الْآيَة فإطعام طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا لِأَن أطْعم من الْأَفْعَال الَّتِي يتَعَدَّى إِلَى مفعولين تَقول أطعمت زيدا طَعَاما وَلَا يَصح أَن يكون تَقْدِير الْآيَة هَكَذَا لَكَانَ الحكم محملًا لِأَن الطَّعَام غير مُبين فَجَاءَت الْآيَة للْبَيَان فَوَجَبَ تقديرها كَمَا قُلْنَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَقْصُود بِالْآيَةِ بَيَان مِقْدَار الطَّعَام بأعداد الْمَسَاكِين فَأَما تَقْدِير الطَّعَام فموكول للْعُرْف وَهُوَ أحد أَدِلَّة الشَّرْع أَو إِلَى الْبَيَان الْوَاقِع فِي آيَة كَفَّارَة الْيَمين وَالْأول أولى
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة
قَالَ أَبُو حنيفَة تُؤْخَذ الزَّكَاة من الخضروات والمقاصب والنابتات انتزاعا من قَوْله فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بنضح أود إِلَيْهِ نصف الْعشْر
قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذَا الْخَبَر لم يقْصد بِهِ عُمُوم الْجِنْس وَإِنَّمَا قصد بِهِ تَقْسِيم التَّفْصِيل بَين مَا فِيهِ مُؤنَة كَثِيرَة وَبَين مَا فِيهِ مُؤنَة قَليلَة والعموم معترض عَنهُ فَكيف يَصح أَن يُؤْخَذ مِنْهُ وَلَو جَاءَ الحَدِيث مُطلقًا فِيمَا
стр. 74
سقت السَّمَاء الْعشْر لَكَانَ لَهُم فِيهِ مُتَعَلق وَأما وَقد نوع وَقسم فقد انْكَشَفَ الغطاء لِأَن الْعُمُوم لَيْسَ فِيهِ خطّ
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة
قَالَ النَّبِي فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة
فاستقرأ الشَّافِعِي من مَفْهُومه سُقُوط الزَّكَاة عَن المعلوفة والدواجن المستخدمة لِأَن النَّبِي لما ذكر الْحُبُوب والنقود ذكرهَا مُطلقَة وَلما ذكر الْغنم ذكرهَا مُقَيّدَة بالسوم وَمَا قَيده النَّبِي لَا يَصح إلغاؤه
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن هَذَا استقراء حسن واستدلال صَحِيح وَلَكِن عَارضه قَول النَّبِي فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة مُطلقًا فتعارض الْعُمُوم وَالْمَفْهُوم فَنَشَأَتْ هَاهُنَا عضلة من التَّرْجِيح فرجح الشَّافِعِي الْمَفْهُوم وَرجح مَالك الْعُمُوم وترجيح مَالك بِرَأْي الْفُقَهَاء الَّذين يَقُولُونَ بِالْعُمُومِ أولى لِأَن الدَّلِيل اللَّفْظِيّ مقدم على الْمَعْنَوِيّ اتِّفَاقًا وَبَقِيَّة الْمَسْأَلَة فِي كتاب التَّرْجِيح
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشر
قَالَ النَّبِي فِي خمس من الْإِبِل شَاة
стр. 75
فَقَالَ أَبُو حنيفَة يقوم الْمَالِك الشَّاة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ بتقويم الْوسط فيخرجه عَنْهَا فتحريه اعْتِمَادًا على مَا فهم من أَن الْمَقْصُود فِي الزَّكَاة سد الْخلَّة وَرفع الْحَاجة فَكل مَا أجزي فِيهَا جَازَ عَنْهَا
قَالَ عُلَمَاؤُنَا هَذَا بَاطِل من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن أَبَا حنيفَة أجْرى الْقيَاس فِي هَذِه الْعِبَادَة ونطاق الْقيَاس فِي الْعِبَادَات ضيق وَإِنَّمَا ميدانه الْمُعَامَلَات والمناكحات وَسَائِر أَحْكَام الشرعيات والعبادات مَوْقُوفَة على النَّص
الثَّانِي أَن هَذَا التَّعْلِيل الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ يسْقط الأَصْل وَمَتى أسقط التَّعْلِيل أَصله الَّذِي ينشأ عَنهُ سقط فِي نَفسه وَهَذِه نُكْتَة يجب شدّ الْيَد عَلَيْهَا
الثَّالِث أَن هَذَا التَّعْلِيل الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ يُعَارضهُ تَعْلِيل آخر أولى مِنْهُ وَأقوى وَهُوَ أَنا وَإِن سلمنَا أَن الْغَرَض من الزَّكَاة سد الْخلَّة إِلَّا أَن مِنْهَا مَعَ سد الْخلَّة غَرضا آخر وَهُوَ مُشَاركَة الْغَنِيّ الْفَقِير فِيمَا بِهِ يكون غَنِيا حَتَّى يَسْتَوِي الْحَال وَيحصل فِي أَيدي الْأَغْنِيَاء من ذهب وَحب الْحَيَوَان وعَلى مَذْهَبهم يَقع الاستئثار بالأجناس كلهَا وَهَذَا بَين لمن انصف
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشر
قَالَ الله تَعَالَى (فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
следующие страницы →