Полный текст (483 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يَقع نفلا وَيلْزم اطراده فِي الطَّائِفَة الثَّانِيَة بطرِيق الأولى وَهَذَا الْوَجْه أبداه الإِمَام احْتِمَالا وَهُوَ يُوَافق الْقَائِل بتعلق الْفَرْض بِالْبَعْضِ فتفطن لذَلِك
٣ - وَمِنْهَا إِذا سلم شخص على جمَاعَة فَرد عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد فَالْقِيَاس التحاقه بالجنازة حَتَّى يَقع الْجَمِيع فرضا على الصَّحِيح ويثاب ثَوَاب الْفَرْض
وَقد اسْتندَ الإِمَام فِي الْوَجْه الَّذِي حاوله وَهُوَ حُصُول الْفَرْض لوَاحِد إِلَى الْوَجْه بِأَن الزَّائِد فِي مسح الرَّأْس على مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم يَقع نفلا فَألْحق من يجب عَلَيْهِ بالشَّيْء الْوَاجِب
وَهُوَ مَرْدُود
فَإِن حُصُول ثَوَاب الْفَرْض لشخص غير معِين لَا يعقل بِخِلَاف الثَّوَاب على فعل من أَفعَال الصَّلَاة فَإِنَّهُ مَعْقُول
ثمَّ إِن تساءت فِي الثَّوَاب فَلَا كَلَام وَإِن اخْتلفت فيثاب على أَعْلَاهَا لِأَنَّهُ لَو اقْتصر عَلَيْهِ لحصل لَهُ ذَلِك فبالأولى إِذا أحسن وَزَاد عَلَيْهِ غَيره
فَإِن ضايق مضايق وَقَالَ إِنَّمَا يُثَاب على أدونها فَهُوَ مَعْلُوم أَيْضا
стр. 37
مَسْأَلَة ١٣
الْوُجُوب قد يتَعَلَّق بِشَيْء معِين كَالصَّلَاةِ وَالْحج وَغَيرهمَا وَيُسمى وَاجِبا معينا
وَقد يتَعَلَّق بِأحد أُمُور مُعينَة كخصال كَفَّارَة الْيَمين
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة كل وَاحِد من هَذَا وَأَمْثَاله يُوصف بِالْوُجُوب وَلَكِن على التَّخْيِير بِمَعْنى أَنه لَا يجب الْإِتْيَان بِالْجَمِيعِ وَلَا يجوز تَركه
وَقيل الْوَاجِب مُبْهَم عندنَا معِين عِنْد الله تَعَالَى إِمَّا بعد اخْتِيَاره وَإِمَّا قبله بِأَن يلهمه الله تَعَالَى إِلَى اخْتِيَاره
وَهَذَا القَوْل يُسمى قَول التراجم لِأَن الأشاعرة تنسبه إِلَى الْمُعْتَزلَة والمعتزلة تنسبه إِلَى الأشاعرة
وَمَا ذَكرْنَاهُ من كَون الْوَاجِب أَحدهَا نَقله الْآمِدِيّ عَن الْفُقَهَاء والأشاعرة وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب والبيضاوي وَغَيرهمَا وَيُسمى وَاجِبا مُخَيّرا وَفِيه بحث ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره فَقَالُوا أحد الْأَشْيَاء قدر مُشْتَرك بَين الْخِصَال كلهَا لصدقه على كل وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ وَاحِد لَا تعدد فِيهِ وَإِنَّمَا التَّعَدُّد فِي محاله لِأَن المتواطىء مَوْضُوع لِمَعْنى وَاحِد صَادِق
стр. 38
على أَفْرَاد كالإنسان وَلَيْسَ مَوْضُوعا لمعان مُتعَدِّدَة وَإِذا كَانَ وَاحِدًا اسْتَحَالَ فِيهِ التَّخْيِير وَإِنَّمَا التَّخْيِير فِي الخصوصيات وَهُوَ خُصُوص الاعتاق مثلا اَوْ الْكسْوَة أَو الْإِطْعَام
فَالَّذِي هُوَ مُتَعَلق الْوُجُوب لَا تَخْيِير فِيهِ وَالَّذِي هُوَ مُتَعَلق التَّخْيِير لَا وجوب فِيهِ وَهَذَا كَلَام مُحَقّق نَافِع
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع القَوْل الصَّحِيح وَهُوَ كَون الْوَاجِب أَحدهَا
١ - مَا إِذا أوصى فِي الْكَفَّارَة المخيرة بخصلة مُعينَة وَكَانَت قيمتهَا تزيد على قيمَة الخصلتين الْبَاقِيَتَيْنِ فَهَل يعْتَبر من رَأس المَال
فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ تأدية وَاجِب وَهَذَا هُوَ قِيَاس كَون الْوَاجِب أَحدهَا
وأصحهما اعْتِبَاره من الثُّلُث لِأَنَّهُ غير متحتم وَتحصل الْبَرَاءَة بِدُونِهِ كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوَصِيَّة قَالَ وعَلى هَذَا وَجْهَان
أَحدهمَا تعْتَبر جَمِيع قيمَة الْمخْرج من الثُّلُث فَإِن لم يَفِ بِهِ عدل إِلَى غَيره
стр. 39
وأقيسهما أَن الْمُعْتَبر من الثُّلُث مَا بَين الْقِيمَتَيْنِ لِأَن أقلهما لَازم لَا محَالة
قَالَ وَلَو اعْتِقْ من عَلَيْهِ كَفَّارَة مخيرة فِي مرض الْمَوْت قَالَ الْمُتَوَلِي لَا تعْتَبر قيمَة العَبْد من الثُّلُث لِأَنَّهُ مؤد فرضا وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْرِيع على الْوَجْه الْقَائِل بِأَنَّهُ إِذا أوصى بِهِ اعْتِقْ من رَأس المَال انْتهى كَلَام الرَّافِعِيّ وَذكر فِي كتاب الْأَيْمَان كلَاما آخر مُتَعَلقا بِالْ مَسْأَلَة ومخالفا للَّذي هُنَا
٢ - وَمِنْهَا إِذا أَتَى بالخصال مَعًا فَإِنَّهُ يُثَاب على كل وَاحِد مِنْهَا لَكِن ثَوَاب الْوَاجِب أَكثر من ثَوَاب التَّطَوُّع وَلَا يحصل إِلَّا على وَاحِد فَقَط وَهُوَ أَعْلَاهَا إِن تفاوتت لِأَنَّهُ لَو اقْتصر عَلَيْهِ لحصل لَهُ ذَلِك فاضافة غَيره إِلَيْهِ لَا تنقصه وَإِن تَسَاوَت فعلى أَحدهَا وَإِن ترك الْجَمِيع عُوقِبَ على أقلهَا لِأَنَّهُ لَو اقْتصر عَلَيْهِ لأجزأه ذكره ابْن التلمساني فِي شرح المعالم وَهُوَ حسن
مَسْأَلَة ١٤
يجوز عندنَا تَحْرِيم وَاحِد لَا بِعَيْنِه خلافًا للمعتزلة
وَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْوَاجِب الْمُخَير قَالَه الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب
مِثَاله أَن يَقُول حرمت عَلَيْك أحد هذَيْن الشَّيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِه وَلَا أحرم عَلَيْك وَاحِدًا معينا وَلَا الْجَمِيع وَلَا أبيحه
стр. 40
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا كَانَ لَهُ أمتان وهما أختَان فوطىء إِحْدَاهمَا فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ وَطْء الْأُخْرَى حَتَّى تحرم الأولى عَلَيْهِ بتزويج أَو كِتَابَة وَنَحْو ذَلِك فَإِن أقدم وَوَطئهَا قبل ذَلِك فَإِنَّهُ يتَخَيَّر فِي وَطْء من شَاءَ مِنْهُمَا وَتحرم عَلَيْهِ الْأُخْرَى
نَص عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ
وَكَأن سَببه أَن الْوَطْء قد وَقع وَقد اسْتَويَا الْآن فِي سَبَب التَّحْرِيم فَأشبه استواءهما قبل الْوَطْء وَلَا سَبِيل إِلَى تحريمهما على التَّأْبِيد فَجعلنَا تَحْرِيم إِحْدَاهمَا بِعَينهَا مَنُوطًا بِاجْتِهَادِهِ
٢ - وَمِنْهَا مالو اعْتِقْ إِحْدَى أمتيه وَجَعَلنَا الْوَطْء تعيينا وَهُوَ الصَّحِيح فَيصدق عَلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تحرم بِوَطْء الْأُخَر
وَهُوَ مُخَيّر فِي وَطْء مَا شَاءَ مِنْهُمَا فَيكون مُخَيّرا فِي تَحْرِيم مَا شَاءَ
وَهَكَذَا إِذا أسلم على خمس نسْوَة مثلا وَجَعَلنَا الْوَطْء تعيينا فَإِذا وطىء ثَلَاثًا مِنْهُنَّ بَقِي الْأَمر فِي الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الأمتين
стр. 41
مَسْأَلَة ١٥
الْأَمر بالشَّيْء هَل يكون أمرا بِمَا لَا يتم ذَلِك لشَيْء إِلَّا بِهِ وَهُوَ الْمُسَمّى بالمقدمة أم لَا يكون أمرا بِهِ
فِيهِ مَذَاهِب
أَصَحهَا عِنْد الإِمَام فَخر الدّين وَأَتْبَاعه وَكَذَا الْآمِدِيّ أَنه يجب مُطلقًا ويعبر عَنهُ الْفُقَهَاء بقَوْلهمْ مَالا يَتَأَتَّى الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب
وَسَوَاء كَانَ سَببا وَهُوَ الَّذِي يلْزم من وجوده الْوُجُود وَمن عَدمه الْعَدَم
أَو شرطا وَهُوَ الَّذِي يلْزم من عَدمه الْعَدَم وَلَا يلْزم من وجوده وجود وَلَا عدم
وَسَوَاء كَانَ ذَلِك السَّبَب شَرْعِيًّا كالصيغة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعتْق الْوَاجِب أَو عقليا كالنظر المحصل للْعلم الْوَاجِب أَو عاديا كحز الرَّقَبَة فِي الْقَتْل إِذا كَانَ وَاجِبا
وَهَكَذَا الشَّرْط أَيْضا
فالشرعي كَالْوضُوءِ والعقلي كَتَرْكِ أضداد الْمَأْمُور بِهِ والعادي
стр. 42
كَغسْل جُزْء من الرَّأْس فِي الْوضُوء للْعلم بِحُصُول غسل الْوَجْه
مِثَال ذَلِك إِذا قَالَ السَّيِّد لعَبْدِهِ كن على السَّطْح فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بِنصب السّلم والصعود فالصعود سَبَب وَالنّصب شَرط
وَالْمذهب الثَّانِي يكون أمرا بِالسَّبَبِ دون الشَّرْط
وَالثَّالِث لَا يكون أمرا بِوَاحِد مِنْهُمَا حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي الْمُخْتَصر الْكَبِير وَاخْتَارَ فِي مُخْتَصره الْمَعْرُوف فِي الشَّرْط أَنه إِذا كَانَ شَرْعِيًّا وَجب وَإِن كَانَ عقليا أَو عاديا فَلَا
стр. 43
إِذا علمت ذَلِك فيتخرج على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل
الأولى غسل جُزْء من الرَّأْس والرقبة وَنَحْوهمَا ليتيقن غسل الْوَجْه فَإِنَّهُ وَاجِب لما ذَكرْنَاهُ
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف
وَحكى الدَّارمِيّ فِي الاستذكار فِيهِ وَجْهَيْن فَقَالَ وَهل وَجب فِي نَفسه أَو لغيره على وَجْهَيْن
الثَّانِيَة إِذا اشتبهت زَوجته بأجنبيه فَيجب عَلَيْهِ الْكَفّ عَن الْجَمِيع
وَمثله إِذا اشتبهت محرمه بأجنبيات محصورات فَلَيْسَ لَهُ أَن يتَزَوَّج وَاحِدَة مِنْهُنَّ
وسنعيد الْمَسْأَلَة مبسوطة فِي الْكَلَام على التَّخْصِيص
الثَّالِثَة إِذا نسي صَلَاة من الْخمس وَلم يعلم عينهَا فَيلْزمهُ الْخمس
الرَّابِعَة إِذا اخْتَلَط موتى الْمُسلمين بموتى الْكفَّار فَيجب غسل الْجَمِيع وتكفينهم وَالصَّلَاة عَلَيْهِم ثمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ صلى
стр. 44
على الْجَمِيع دفْعَة وَاحِدَة وَيَنْوِي الصَّلَاة على الْمُسلمين مِنْهُم وَإِن شَاءَ صلى على كل وَاحِد وَيَقُول فِي نِيَّته أُصَلِّي عَلَيْهِ إِن كَانَ مُسلما
وَسَتَأْتِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ فروع تتَعَلَّق بهَا فِي آخر الْكتاب قبيل الْكتاب السَّابِع
الْخَامِسَة إِذا خرج مِنْهُ شَيْء وَلم يعلم هَل هُوَ منى أَو مذى فَقيل يجب الْعَمَل بموجبهما وَالصَّحِيح التَّخْيِير لِأَنَّهُ إِذا أَتَى بِمُوجب أَحدهمَا شككنا فِي الآخر هَل هُوَ عَلَيْهِ أم لَا
السَّادِسَة إِذا كَانَ عَلَيْهِ زَكَاة وَلم يدر هَل هِيَ بقرة أم شَاة فَإِنَّهُ يلْزمه الْجَمِيع كَمَا قَالَه الشَّيْخ عز الدّين فِي الْقَوَاعِد وقاسه على الصَّلَاة وَالَّذِي قَالَه إِن كَانَ صورته فِيمَا إِذا وَجب عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ وَأخرج أَحدهمَا وَشك فِيهِ فَمُسلم وَهُوَ نَظِير
стр. 45
الصَّلَاة وَإِن وَجب أَحدهمَا فَقَط وَشك فِي عينه فَمَمْنُوع بل يتَّجه إِلْحَاقه بِمَا إِذا شكّ فِي الْخَارِج
السَّابِعَة إِذا غصب لوحا وأدخلها فِي سفينة لَهُ واشتبهت بغَيْرهَا من سفنه فَإِنَّهُ يلْزمه نزع أَلْوَاح الْجَمِيع فَلَو كَانَت السَّفِينَة فِي اللجة وفيهَا مَال للْغَاصِب فَقَط وَلم تشتبه وَكَانَ نَزعهَا يُؤَدِّي إِلَى غرق السَّفِينَة فَفِي النزع وَجْهَان أصَحهمَا لَا بل ينْتَظر وصولها إِلَى الشط وَيغرم الْغَاصِب الْقيمَة للْحَيْلُولَة
فَإِن قُلْنَا بالنزع فاختلطت الَّتِي فِيهَا اللَّوْح بسفن أُخْرَى للغاضب أَيْضا بِحَيْثُ لَا يعرف ذَلِك اللَّوْح إِلَّا بِنَزْع الْجَمِيع فَفِي نَزعهَا وَجْهَان قَالَ فِي الرَّوْضَة من زوائده يَنْبَغِي أَن يكون أرجحهما عدم النزع
وَالَّذِي قَالَه مُشكل وَقِيَاس مَا سبق أَنه ينْزع
وَلَو كَانَت سفينة الْمَغْصُوب مِنْهُ تشرف على الْغَرق إِذا لم نجْعَل فِيهَا
стр. 46
اللَّوْح الَّتِي غصبهَا مِنْهَا فَالْمُتَّجه وجوب قلعهَا لحق الْمَالِك وَلَا يحضرني الْآن نَقله
الثَّامِنَة إِذا نذر صَوْم بعض يَوْم لم يلْزمه شَيْء على الصَّحِيح لِأَنَّهُ غير مُعْتَد بِهِ شرعا
وَقيل يجب يَوْم كَامِل لِأَن صَوْم بعض الْيَوْم مُمكن بصيام بَاقِيه وَقد الْتزم الْبَعْض فَيلْزمهُ الْجَمِيع بِنَاء على هَذِه الْقَاعِدَة وَهَذَا هُوَ الْمُتَّجه
نعم إِن قُلْنَا إِن مَفْهُوم اللقب أَي الِاسْم حجَّة فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ النّصْف دون غَيره كَأَن نذر نذرا فَاسِدا بِلَا شكّ لَكِن الْمَشْهُور أَنه لَيْسَ بِحجَّة
التَّاسِعَة إِذا اخْتَار الإِمَام رق بعض الْأَسير فَالصَّحِيح الْجَوَاز فَإِن منعنَا سرى الرّقّ إِلَى بَاقِيه
كَذَا قَالَه الْأَصْحَاب
وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيّ فَقَالَ وَكَانَ يجوز أَن يُقَال لَا يرق شَيْء
стр. 47
وَهَذِه الْمَسْأَلَة تؤيد مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة
الْعَاشِرَة إِذا غصب صَاعا من الْحِنْطَة وخلطه بآخر وَالْقِيَاس أَنه يلْزمه إِعْطَاء الصاعين لِأَن إِعْطَاء الْمَغْصُوب لَا يُمكن إِلَّا بذلك ثمَّ يُعْطي الْمَغْصُوب مِنْهُ الْغَاصِب مثل صاعه من أَي مَوضِع أَرَادَ
وَقَرِيب من هَذَا مَا إِذا نسي صَلَاة من الْخمس واشتبهت فانه يجب عَلَيْهِ الْخمس بكمالها لما ذَكرْنَاهُ ومسألتنا أولى لِأَنَّهُ يَأْخُذ عوضا عَمَّا بذله
إِلَّا أَنا لَا نعلم أحدا قَالَ بِهَذِهِ الْمقَالة بل اخْتلفُوا على وَجْهَيْن أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه أَنه يجْبر الْغَاصِب على الْإِعْطَاء من الْمَخْلُوط لِأَنَّهُ أقرب إِلَى حَقه وأصحهما أَن الْغَاصِب يُعْطي مِمَّا شَاءَ وَذكر الرَّافِعِيّ فِي بَاب إحْيَاء الْموَات صُورَة هِيَ أشكل من هَذِه الصُّور جَمِيعًا فَقَالَ إِذا بَاعَ صَاعا من صبرَة وَقُلْنَا الْمَبِيع صَاعا مِنْهَا ثمَّ صب عَلَيْهَا صَاعا آخر فَالْبيع صَحِيح وَيبقى الْمَبِيع مَا بَقِي صَاع فأوجبوا عَلَيْهِ الصَّاع هَا هُنَا مَعَ الْقطع باشتماله على غير الْمَبِيع لِأَنَّهُ أقرب إِلَى حَقه
الْحَادِيَة عشرَة إِذا نذر الصَّلَاة فِي وَقت لَهُ فَضِيلَة على غَيره فَإِنَّهُ يتَعَيَّن إيقاعها فِيهِ فَلَو قَالَ لله تَعَالَى عَليّ أَن أُصَلِّي لَيْلَة الْقدر تعيّنت إِلَّا أَنَّهَا محصورة فِي الْعشْر الْأَخير غير مُعينَة فِي لَيْلَة بِعَينهَا فَيلْزمهُ أَن يُصَلِّي كل لَيْلَة من ليَالِي الْعشْر الْأَخير ليصادفها كمن نسي صَلَاة من الْخمس فَإِن لم يفعل لم يقضها إِلَّا فِي مثله
كَذَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَنَقله عَنهُ فِي الْبَحْر وَقَالَ إِنَّه حسن صَحِيح
стр. 48
مَسْأَلَة ١٦
الْوَاجِب إِذا لم يكن مُعَلّقا بِمِقْدَار معِين بل مُعَلّقا على اسْم يتَفَاوَت بالقلة وَالْكَثْرَة كمسح الرَّأْس فِي الْوضُوء وَالْمسح على الْخُف وَنَحْوهمَا إِذا زَاد فِيهِ على الِاسْم فَهَل يَقع ذَلِك الزَّائِد نفلا أم وَاجِبا
فِيهِ مذهبان
الصَّحِيح فِي الْمَحْصُول وَالْحَاصِل وَغَيرهمَا الأول لِأَنَّهُ يجوز تَركه
وَيتَفَرَّع على الْقَاعِدَة مسَائِل مِنْهَا
١ - إِذا مسح زِيَادَة على الْوَاجِب أَو طول الْقيام أَو الرُّكُوع أَو السُّجُود أَو لَزِمته شَاة فِي الزَّكَاة فَأخْرج عَنْهَا بَدَنَة أَو نذر التَّضْحِيَة
стр. 49
بهَا فضحى ببدنة عَنْهَا وَقد اخْتلف كَلَام النَّوَوِيّ فِي ذَلِك اخْتِلَافا عجيبا أوضحته فِي الْمُهِمَّات وَغَيره فصحح فِي بَاب صفة الصَّلَاة من زَوَائِد الرَّوْضَة أَن الْجَمِيع يَقع وَاجِبا وَصحح فِي أَبْوَاب كَثِيرَة أَن الزَّائِد يَقع نفلا وَكَلَامه فِي الزَّكَاة يشْعر بِأَن الصَّحِيح أَن الزَّائِد فِي بعير الزَّكَاة يَقع فرضا وَأَن الزَّائِد فِي بَاقِي الصُّور نفل وَصرح بِتَصْحِيحِهِ هُنَاكَ فِي شرح الْمُهَذّب وَادّعى اتِّفَاق الْأَصْحَاب على تَصْحِيحه
وَالأَصَح كَمَا قَالَه فِي شرح الْمُهَذّب أَنه لَا فرق فِي مسح الرَّأْس بَين أَن يَقع دفْعَة وَاحِدَة أَو مترتبا
٢ - وَمن فروع الْمَسْأَلَة أَيْضا مَا إِذا وقف بِعَرَفَات زِيَادَة على قدر الْوَاجِب وَقد خرجه ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة على هَذَا الْخلاف
وَمثله إِذا قُلْنَا بِوُجُوب مبيت لَيْلَة مُزْدَلِفَة فَزَاد على لَحْظَة من النّصْف الثَّانِي وبالوجوب فِي ليَالِي منى فَزَاد على الْمُعظم
وَمِنْهَا إِذا زَاد فِي الْحلق وَالتَّقْصِير على ثَلَاث شَعرَات وَقِيَاسه التَّخْرِيج على مَا سبق
وَأما إِذا زَاد فِي الْكَفَّارَة على الْمِقْدَار الْوَاجِب فقد جزم الرَّافِعِيّ فِيهِ فِي أَوَائِل بَاب النّذر بِوُقُوعِهِ تَطَوّعا وَتَابعه عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة والزكوات وَالنُّذُور والديون وَنَحْوهَا بِمَثَابَة الْكَفَّارَات
стр. 50
وَالْفرق بَين هَذِه الْأَشْيَاء وَبَين مسح الرَّأْس ونظائره مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي أول الْمَسْأَلَة أَن لَهَا قدرا مَعْلُوما محدودا مَنْصُوصا عَلَيْهِ
وَقد تقدم فِي الْكَلَام على فرض الْكِفَايَة كَلَام يتَعَلَّق بِالْمَسْأَلَة فَرَاجعه
وَاعْلَم أَن الْخلاف الْمَذْكُور لَهُ ثَلَاث فَوَائِد ذكرهَا فِي التَّحْقِيق وَشرح الْمُهَذّب فِي مَوَاضِع
أَحدهَا جَوَاز الْأكل فَإِن قُلْنَا الزَّائِد فرض فَلَا يجوز أكله وَإِلَّا فَيجوز
وَهَذِه الْفَائِدَة ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي بَاب الدِّمَاء وَفِي بَاب الْأُضْحِية
الثَّانِيَة إِذا عجل الْبَعِير عَن الشَّاة وَاقْتضى الْحَال الرُّجُوع فَهَل يرجع بِخَمْسَة فَقَط أم بكله على هَذَا الْخلاف
كَذَا ذكره النَّوَوِيّ مَعَ الْفَائِدَة الْمُتَقَدّمَة وَالَّتِي ستأتي فِي بَاب صفة الصَّلَاة من التَّحْقِيق وَشرح الْمُهَذّب
الْفَائِدَة الثَّالِثَة زِيَادَة الثَّوَاب فَإِن ثَوَاب الْوَاجِب أعظم من ثَوَاب النَّفْل لقَوْله ﷺ حِكَايَة عَن الله تَعَالَى وَمَا تقرب إِلَيّ المتقربون بِمثل
стр. 51
أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِم
وَهَذِه الْفَائِدَة ذكرهَا أَيْضا النَّوَوِيّ فِي بَاب الْأُضْحِية من زيادات الرَّوْضَة
وَالْقدر الَّذِي يمتاز بِهِ الواحب هُوَ سَبْعُونَ دَرَجَة حَكَاهَا فِي الرَّوْضَة من زوائده فِي أول النِّكَاح عَن حِكَايَة الإِمَام قَالَ واستأنسوا فِيهِ بِحَدِيث وَقد أوضحت مُسْتَند ذَلِك فِي الْمُهِمَّات فَرَاجعه
قلت وَفَائِدَة رَابِعَة وَهِي الحسبان من الثُّلُث إِذا أوصى بذلك أَو فعله فِي مرض مَوته
فَإِن جَعَلْنَاهُ نفلا حسب من الثُّلُث وَإِن جَعَلْنَاهُ فرضا فَيتَّجه تَخْرِيجه على الْخلاف فِيمَا إِذا أوصى بِالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَة المخيرة هَل يحْتَسب من رَأس المَال أم لَا وَفِيه اخْتِلَاف فِي التَّرْجِيح
وَفَائِدَة خَامِسَة وَهِي كَيْفيَّة النِّيَّة فِي الْبَعِير الْمخْرج عَن شَاة
стр. 52
وَنَحْو ذَلِك
فَإِن جعلنَا الْجَمِيع فرضا فَلَا بُد أَن يَنْوِي بِالْجَمِيعِ الزَّكَاة أَو الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة
وَإِن قُلْنَا إِنَّه الْخمس كَفاهُ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ فِي النِّيَّة
مَسْأَلَة ١٧
الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ نهي عَن ضِدّه أم لَا
فِيهِ ثَلَاث مَذَاهِب حَكَاهَا إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان وَغَيره
ولنقدم على ذَلِك مُقَدّمَة وَهِي أَنه إِذا قَالَ السَّيِّد لعَبْدِهِ مثلا اقعد فَمَعْنَاه أَمْرَانِ منافيان للْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ وجود الْقعُود أَحدهمَا منَاف لَهُ بِذَاتِهِ أَي بِنَفسِهِ وَهُوَ عدم الْقعُود لِأَنَّهُمَا نقيضان والمنافاة بَين النقيضين بِالذَّاتِ فاللفظ الدَّال على الْقعُود دَال على النَّهْي عَن عَدمه أَو على الْمَنْع مِنْهُ بِلَا خلاف
وَالثَّانِي منَاف لَهُ بِالْفَرْضِ أَي بالاستلزام وَهُوَ الضِّدّ كالقيام فِي مثالنا اَوْ الِاضْطِجَاع
стр. 53
وضابطه أَن يكون معنى وجوديا يضاد الْمَأْمُور بِهِ وَوجه منافاته بالاستلزام أَن الْقيام مثلا يسْتَلْزم عدم الْقعُود الَّذِي هُوَ نقيض الْقعُود فَلَو جَازَ عدم الْقعُود لاجتمع النقيضان فامتناع اجْتِمَاع الضدين إِنَّمَا هُوَ لِامْتِنَاع اجْتِمَاع النقيضين لَا لذاتهما فاللفظ الدَّال على الْقعُود يدل على النَّهْي عَن الأضداد الوجودية كالقيام بالالتزام وَالَّذِي يَأْمر قد يكون غافلا عَنْهَا
كَذَا ذكره الإِمَام وَغَيره وَحكى الْقَرَافِيّ عَن بَعضهم أَن الْمُنَافَاة بَين الضدين ذاتيه
إِذا علمت ذَلِك فلنرجع إِلَى ذكر الْمَذْهَب فَنَقُول
أَحدهَا أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ هُوَ نفس النَّهْي عَن ضِدّه فَإِذا قَالَ مثلا تحرّك فَمَعْنَاه لَا تسكن واتصافه بِكَوْنِهِ أمرا ونهيا باعتبارين كاتصاف الذَّات الْوَاحِدَة بِالْقربِ والبعد بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْئَيْنِ
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الإِمَام وَأَتْبَاعه وَكَذَلِكَ الْآمِدِيّ أَنه غَيره وَلكنه يدل عَلَيْهِ بالالتزام لِأَن الْأَمر دَال على الْمَنْع من التّرْك وَمن لَوَازِم الْمَنْع من ذَلِك مَنعه من الأضداد فَيكون الْأَمر دَالا على الْمَنْع من الأضداد بالالتزام وعَلى هَذَا فَالْأَمْر بالشَّيْء نهي عَن
стр. 54
جَمِيع أضداده بِخِلَاف النَّهْي عَن الشَّيْء فَإِنَّهُ أَمر بِأحد أضداده كَمَا ستعرفه
وَالثَّالِث وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب أَنه لَا يدل عَلَيْهِ أصلا لِأَنَّهُ قد يكون غافلا عَنهُ كَمَا سبق ويستحيل الحكم على الشَّيْء مَعَ الْغَفْلَة عَنهُ
وَإِذا قُلْنَا بِأَنَّهُ يدل فَهَل يخْتَص بِالْوَاجِبِ أم يدل أَيْضا أَمر النّدب على كَرَاهَة ضِدّه
فِيهِ قَولَانِ حَكَاهُمَا الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا
اصحهما أَنه لَا فرق
وَيشْتَرط فِي كَونه نهيا عَن ضِدّه أَن يكون الْوَاجِب مضيقا
стр. 55
كَمَا نَقله شرَّاح الْمَحْصُول عَن القَاضِي عبد الْوَهَّاب
لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يَنْتَهِي عَن التّرْك الْمنْهِي عَنهُ حِين وُرُود النَّهْي وَلَا يتَصَوَّر الِانْتِهَاء عَن تَركه إِلَّا مَعَ الْإِتْيَان بالمأمور بِهِ فاستحال النَّهْي مَعَ كَونه موسعا
إِذا علمت ذَلِك فقد ذكر الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير فَائِدَة الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَفِي عكسها من الْفُرُوع فَقَالَ
١ - إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن خَالَفت أَمْرِي فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ لَهَا لَا تكلمي زيدا فكلمته لم تطلق لِأَنَّهَا خَالَفت نَهْيه لَا أمره هَذَا هُوَ الْمَشْهُور
وَقَالَ الْغَزالِيّ أهل الْعرف يعدونه مُخَالفا لِلْأَمْرِ
٢ - وَلَو قَالَ إِن خَالَفت نهيي فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ لَهَا قومِي فَقَعَدت
فللأصوليين من الْأَصْحَاب وَغَيرهم خلاف فِي أَن الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ نهي عَن ضِدّه أم لَا
стр. 56
فَذهب بعض من جعله نهيا إِلَى وُقُوع الطَّلَاق
وَالْأَظْهَر عِنْد الإِمَام وَغَيره الْمَنْع مُطلقًا إِذْ لَا يُقَال فِي عرف اللُّغَة لمن قَالَ قُم إِنَّه نهي
انْتهى كَلَام الشَّرْح الصَّغِير مُلَخصا وَلم يذكر الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير شَيْئا من ذَلِك مَعَ ذكر ذَلِك فِي الْوَجِيز وَكَأن نظره انْتقل حَالَة الشَّرْح أَو سقط ذَلِك من نُسْخَة الْوَجِيز الَّذِي كَانَ ينْقل مِنْهُ وَلَو ير النَّوَوِيّ خلو الرَّوْضَة عَن هَذِه الْ مَسْأَلَة فأثبتها فِيهَا نَاقِلا لَهَا من الْوَجِيز إِلَّا أَنه بسط كَلَامه وَخَالف أَيْضا مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير فِيمَا إِذا قَالَ إِن خَالَفت نهيي ثمَّ قَالَ قومِي فَقَعَدت فَإِن كَلَام الرَّافِعِيّ يَقْتَضِي أَن الْمَعْرُوف فِي النَّقْل أَنه لَا يَقع وَكَلَام الرَّوْضَة يَقْتَضِي عَكسه وَكَانَ يَنْبَغِي للنووي أَن يُنَبه على أَن هَذِه الْمَسْأَلَة من زوائده فَإِن الْوَاقِف عَلَيْهَا فِي الرَّوْضَة يتَوَهَّم أَن الرَّافِعِيّ ذكرهَا وَأَن كَلَامه قد اخْتلف على أَن بعض نساخ الرَّافِعِيّ قد أثبتها أَيْضا من الْوَجِيز
مَسْأَلَة ١٨
الْمَطْلُوب بِالنَّهْي أَي الَّذِي تعلق النَّهْي بِهِ إِنَّمَا هُوَ فعل ضد النَّهْي عَنهُ فَإِذا قَالَ لَا تتحرك فَمَعْنَاه اسكن لَا التَّكْلِيف بِعَدَمِ
стр. 57
الْحَرَكَة لِأَن الْعَدَم غير مَقْدُور عَلَيْهِ لكَونه حَاصِلا وَتَحْصِيل الْحَاصِل محَال
نعم الأعدام فعل مَقْدُور عَلَيْهِ إِلَّا أَنه مُتَوَقف على وجود الْفِعْل وَقَالَ أَبُو هَاشم وَالْغَزالِيّ الْمَطْلُوب بِالنَّهْي هُوَ نفس أَن لَا يفعل وَهُوَ عدم الْحَرَكَة فِي مثالنا لِأَن الْعَدَم الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْعَدَم الْمُطلق لَا الْعَدَم الْمُضَاف
وَهَذِه الْ مَسْأَلَة ذكرهَا الْبَيْضَاوِيّ فِي الْمِنْهَاج قبيل بَاب الْعُمُوم وَالْخُصُوص وفائدتها فِي الْفُرُوع تقدّمت فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة
مَسْأَلَة ١٩
إِذا أوجب الشَّارِع شَيْئا ثمَّ نسخ وُجُوبه فَيجوز الاقدام عَلَيْهِ عملا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْمَحْصُول فِي آخر هَذِه الْمَسْأَلَة وَصرح بِهِ غَيره
وَلَكِن الدَّلِيل الدَّال على الْإِيجَاب قد كَانَ أَيْضا دَالا على الْجَوَاز دلَالَة تضمن
стр. 58
فَتلك الدّلَالَة هَل زَالَت بِزَوَال الْوُجُوب أم هِيَ بَاقِيَة
اخْتلفُوا فِيهِ
فَقَالَ الْغَزالِيّ إِنَّهَا لَا تبقى بل يرجع الْأَمر إِلَى مَا كَانَ قبل الْوُجُوب من الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة أَو الْإِبَاحَة أَو التَّحْرِيم وَصَارَ الْوُجُوب بالنسخ كَأَن لم يكن كَذَا جزم بِهِ فِي الْمُسْتَصْفى
وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَالْجُمْهُور إِنَّهَا بَاقِيَة
ومرادهم بِالْجَوَازِ هُوَ التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَالتّرْك وَهُوَ الَّذِي صرح الْغَزالِيّ أَيْضا بِعَدَمِ بَقَائِهِ
وَحِينَئِذٍ فَيكون الْخلاف بَينهمَا معنويا على خلاف مَا ادَّعَاهُ ابْن التلمساني من أَن الْخلاف لَفْظِي وَيكون الْجَوَاز الَّذِي كَانَ فِي الْوَاجِب جِنْسا وفصله الْمَنْع من التّرْك قد صَار فَصله بعد النّسخ هُوَ التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَالتّرْك فَإِن النَّاسِخ أثبت رفع الْحَرج عَن التّرْك فالماهية الْحَاصِلَة بعد النّسخ مركبة من قيدين
أَحدهمَا زَوَال الْحَرج عَن الْفِعْل وَهُوَ مُسْتَفَاد من الْأَمر
وَالثَّانِي زَوَاله عَن التّرْك وَهُوَ مُسْتَفَاد من النَّاسِخ وَهَذِه الْمَاهِيّة هِيَ الْمَنْدُوب أَو الْمُبَاح هَكَذَا قَالَه فِي الْمَحْصُول
وتلخص من ذَلِك أَنه إِذا نسخ الْوُجُوب بَقِي النّدب أَو الْإِبَاحَة من الْأَمر مَعَ ناسخه لَا من الْأَمر فَقَط
стр. 59
وَصُورَة المسالة أَن يَقُول الشَّارِع نسخت الْوُجُوب أَو نسخت تَحْرِيم التّرْك أَو رفعت ذَلِك
فَأَما إِذا نسخ الْوُجُوب بِالتَّحْرِيمِ أَو قَالَ رفعت جَمِيع مَا دلّ عَلَيْهِ الْأَمر السَّابِق من جَوَاز الْفِعْل وَامْتِنَاع التّرْك فَيثبت التَّحْرِيم قطعا
وَهَذَا الْخلاف كثيرا مَا يعبر عَنهُ الْفُقَهَاء بقَوْلهمْ إِذا بَطل الْخُصُوص هَل يبطل الْعُمُوم
إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع
أَحدهَا تَنْزِيل الْقِرَاءَة الشاذة فِي الِاحْتِجَاج بهَا منزلَة الْخَبَر وَسَيَأْتِي إِيضَاح الْمَسْأَلَة فِي أول الْكتاب الأول الْمَعْقُود للْكتاب
الثَّانِي الْخلاف فِي كَرَاهَة الْحجامَة والفصد للصَّائِم فالمجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ هُوَ الْكَرَاهَة وَتَابعه فِي الرَّوْضَة عَلَيْهَا ثمَّ جزم أَعنِي النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب بِأَنَّهُمَا خلاف الأولى وَلم يذكر الْكَرَاهَة أصلا وَنَصّ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ على مَا يُوَافقهُ فَإِنَّهُ قَالَ وللصائم أَن يحتجم وَتَركه أحب إِلَيّ وَكَذَلِكَ فِي الْإِمْلَاء فِي بَاب نهي الْمُعْتَكف فَقَالَ وَلَا بَأْس أَن يحتجم الصَّائِم هَذَا لَفظه أَيْضا وَمن الْبُوَيْطِيّ
стр. 60
والإملاء نقلت وَنقل عَن الآم كَمَا فِي الْبُوَيْطِيّ وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب كَمَا أوضحته فِي الْمُهِمَّات
وَجه تَفْرِيع هَذِه الْمَسْأَلَة على هَذِه الْقَاعِدَة أَن قَوْله ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم يدل على التَّحْرِيم بِلَا شكّ
وَلَكِن ثَبت أَنه ﵊ احْتجم وَهُوَ صَائِم فَانْتفى التَّحْرِيم ثمَّ إِن قُلْنَا بِأَن الْمُتَكَلّم يدْخل فِي عُمُوم كَلَامه وَأَن كل مَا ثَبت فِي حَقه ثَبت مثله فِي حَقنا إِذا لم يقم دَلِيل على التَّخْصِيص وَهُوَ الصَّحِيح وَإِذا انْتَفَى التَّحْرِيم خَاصَّة بقيت دلَالَة اللَّفْظ الأول على الْمَنْع غير المتحتم وَتَقْرِيره كَمَا فِي عَكسه
الثَّالِث لَو أَشَارَ إِلَى حَيَوَان معيب عَيْبا مَانِعا من الْأُضْحِية فَقَالَ جعلت هَذَا أضْحِية أَو نذر التَّضْحِيَة بِهِ ابْتِدَاء وَجب ذبحه لالتزامه كمن أعتق عَن كَفَّارَته معيبا يعْتق ويثاب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يَجْزِي عَن الْكَفَّارَة وَيكون ذبحه قربَة وتفرقة لَحْمه صَدَقَة وَلَا يَجْزِي عَن الضَّحَايَا والهدايا الْمَنْذُورَة لِأَن السَّلامَة مُعْتَبرَة فِيهَا وَهل يخْتَص ذَبحهَا بِيَوْم النَّحْر وتجري مجْرى الضَّحَايَا فِي الْمصرف
فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهَا لَيست أضْحِية بل شَاة لحم
стр. 61
وأصحهما كَمَا قَالَه فِي أصل الرَّوْضَة وَنَقله الرَّافِعِيّ عَن تَصْحِيح الإِمَام الْغَزالِيّ نعم لِأَنَّهُ أوجبهَا باسم الْأُضْحِية وَقد بَطل الْبَعْض فثبتت بَاقِي الْأَحْكَام فَإِنَّهُ لَا محمل لكَلَامه غَيره
الرَّابِع إِذا أَشَارَ إِلَى ظَبْيَة وَقَالَ جعلت هَذِه أضْحِية فَهُوَ لاغ وَإِن أَشَارَ إِلَى فصيل أَو سخلة وَقَالَ جعلت هَذِه أضْحِية فَهَل هُوَ كالظبية أم كالمعيب
فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا الثَّانِي
الْخَامِس لَو كَانَ فِي ذمَّته أضْحِية أَو هدي بِنذر أَو غَيره فعين عَمَّا عَلَيْهِ حَيَوَانا بِهِ عيب لم يتَعَيَّن وَلم تَبرأ ذمَّته بذَبْحه وَهل يلْزمه ذبح الْمعينَة بِالتَّعْيِينِ
ينظر
إِن قَالَ عينت هَذِه عَمَّا فِي ذِمَّتِي لم يلْزمه
وَإِن قَالَ لله عَليّ أَن أضحي بِهَذِهِ عَمَّا فِي ذِمَّتِي لزمَه على الْأَصَح
وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى هَذِه الْفُرُوع الثَّلَاثَة فِي أثْنَاء الْكتاب لمدرك آخر
السَّادِس إِذا بطلت الْجُمُعَة لخُرُوج الْوَقْت أَو نُقْصَان الْأَرْبَعين وَنَحْو ذَلِك فَالْأَصَحّ انقلابها ظهرا
وَالْقَائِل بِأَنَّهَا لَا تنْقَلب إِلَى ظهر تَحْتَهُ وَجْهَان
стр. 62
أَحدهمَا انقلابها نَافِلَة
وَالثَّانِي بُطْلَانهَا بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا لَو تحرم بِالظّهْرِ قبل الزَّوَال
وَيحْتَمل مَجِيء التَّفْصِيل بَين الْعَالم بِضيق الْوَقْت وَالْجَاهِل بِهِ
وَهَذَا الْكَلَام يَأْتِي نَظِيره فِيمَا إِذا خرج من الِاعْتِكَاف الَّذِي يجب فِيهِ التَّتَابُع بِلَا عذر
وَاعْلَم أَنا لما أبطلنا الْخُصُوص فِي مَسْأَلَتنَا أبطلناه إِلَى خُصُوص آخر وَهُوَ الظّهْر وَلم نبطله إِلَى الْعُمُوم مُطلقًا وَهُوَ النَّافِلَة وَهِي دَرَجَة متوسطة
السَّابِع يتَيَمَّم للفريضة قبل الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا يَصح مُطلقًا على الصَّحِيح وَقيل يَصح للنفل
الثَّامِن إِذا نوى الْمُحدث أَو الْجنب بتيممه رفع الْحَدث فَإِنَّهُ لَا يَصح التَّيَمُّم على الصَّحِيح وَقيل يَصح لِأَن نِيَّة الرّفْع تَسْتَلْزِم الْإِبَاحَة
وَمثله إِذا نوى دَائِم الْحَدث بوضوئه ذَلِك
التَّاسِع إِذا نذر صَوْم يَوْم الْعِيد
فَقَالَت الْحَنَفِيَّة يَصح وَيلْزمهُ يَوْم آخر كَمَا لَو قَالَ لله عَليّ صِيَام يَوْم وَهَذَا قِيَاس بَقَاء الْعُمُوم كَمَا قُلْنَاهُ فِي مسَائِل تقدّمت
стр. 63
وَقد رَأَيْت فِي فروع ابْن كج فِي نَظِيره مثله فَقَالَ إِذا قَالَ لله عَليّ صِيَام يَوْم بِغَيْر نِيَّة فقد ذكرنَا أَنه على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يلْزمه صِيَامه بنية وَالثَّانِي أَن النّذر بَاطِل هَذِه عِبَارَته
وَلَكِن اتّفق الْأَصْحَاب على إبِْطَال النّذر فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة أَعنِي يَوْم الْعِيد وبالغوا فِي الرَّد على الْحَنَفِيَّة وَفِيه مَا ذَكرْنَاهُ
ثمَّ حكى ابْن كج الْوَجْهَيْنِ أَيْضا فِيمَا إِذا كَانَ بِبَغْدَاد مثلا فِي أول ذِي الْحجَّة فَقَالَ لله عَليّ أَن أحج فِي هَذَا الْعَام هَل يلْزمه حجَّة أم لَا ونباهما على مَا إِذا نذر صَوْم نصف يَوْم
وَوجه الشّبَه أَن بعض الْعِبَادَة مُمكن وَهُوَ الْإِحْرَام وَإِن حكمنَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك بالفوات وَلُزُوم حجه لكنه جزم بِبُطْلَان النّذر إِذا قَالَ لله عَليّ عتق عبد فلَان
الْعَاشِر إِذا نذر صَلَاة وَعين لَهَا مَسْجِدا غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة بَطل التَّعْيِين وَوَجَب الصَّلَاة بِلَا محَالة ويوقعها فِي أَي مَوضِع أَرَادَ
الحادري عشر إِذا قَالَ لله تَعَالَى عَليّ أَن آتِي بَيت الله الْحَرَام لزمَه قَصده بِحَجّ اَوْ عمْرَة فَلَو صرح بِنَفْي ذَلِك فَقَالَ بِلَا حج وَلَا عمْرَة فَقيل لَا ينْعَقد نَذره بِالْكُلِّيَّةِ وَقيل ينْعَقد وَيَلْغُو مَا نَفَاهُ وَصَححهُ
стр. 64
فِي الرَّوْضَة من زوائده وَالَّذِي ذكره غير مُنْتَظم كَمَا أوضحته فِي الْمُهِمَّات
الثَّانِي عشر قَالَ إِن شفا الله مريضي فَللَّه عَليّ أَن أَتصدق بِعشْرَة على فلَان فشفاه الله تَعَالَى لزمَه التَّصَدُّق عَلَيْهِ فَإِن لم يقبل لم يلْزمه شَيْء كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ قَالَ وَهل لفُلَان مُطَالبَته بالتصدق بعد الشِّفَاء يحْتَمل أَن يُقَال لَهُ ذَلِك كَمَا يُطَالب العَبْد الْمَنْذُور اعتاقه ومستحقو الزَّكَاة إِذا كَانُوا مَحْصُورين انْتهى
وَلم يَقُولُوا يبْقى عُمُوم النّذر حَتَّى يصرفهُ إِلَى غَيره وَلم يَقُولُوا أَيْضا بإجباره على الْقبُول كَمَا يجْبر المستحقون المحصورون
وَالْفرق أَن النَّاذِر هُوَ الَّذِي كلف نَفسه بذلك وَأما الزَّكَاة فأوجبها الشَّارِع ابْتِدَاء فالامتناع مِنْهَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل أحد الْأَركان الَّتِي بني عَلَيْهَا الْإِسْلَام
وَلَو أجَاب زيد بعد الِامْتِنَاع فتعبير الرَّافِعِيّ مشْعر بِأَن الْإِعْطَاء لَهُ لَا يجب وَهُوَ مُتَّجه فَإِنَّهُ إِعْرَاض عَن حق ثَبت لَهُ وَيُؤَيِّدهُ أَنه إِذا وقف على معِين ورد الْمعِين الْقبُول فَإِن الْوَقْف يرْتَد وَإِن قُلْنَا لَا يحْتَاج إِلَى الْقبُول
الثَّالِث عشر إِذا بَاعَ السَّيِّد العَبْد الْمَأْذُون أَو أعْتقهُ فَفِي انعزاله وَجْهَان أصَحهمَا كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب مداينة العبيد أَنه يَنْعَزِل فَلَو قَالَ لَهُ السَّيِّد إِن شِئْت فبع هَذَا وَإِن شِئْت فَلَا ثمَّ اعتقه أَو بَاعه فَلَا يبطل الْإِذْن بِلَا خلاف فَإِن عبر بقوله بِعْ هَذَا أَو بقوله
стр. 65
وَكلتك فِي بَيْعه فَثَلَاثَة أوجه حَكَاهَا الرَّافِعِيّ فِي الْكَبِير من غير تَرْجِيح ثَالِثهَا إِن كَانَ بِلَفْظ الْوكَالَة لم يَنْعَزِل وَإِن كَانَ بِلَفْظ الْأَمر انْعَزل وَقَالَ فِي الشَّرْح الصَّغِير إِن هَذَا الثَّالِث هُوَ أقرب الْوُجُوه وَصحح النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه انعزاله مُطلقًا وَنَقله فِي الرَّوْضَة من زوائده عَن تَصْحِيح الْمَاوَرْدِيّ والجرجاني وَسكت عَلَيْهِ
الرَّابِع عشر إِذا فرعنا على أَن الْوَقْف على نَفسه لَا يَصح وعَلى أَن الْوَقْف الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي لم يذكر مصرفه يَصح فَقَالَ وقفت على نَفسِي فَالْأَصَحّ بُطْلَانه وَقيل يَصح وَيَلْغُو التَّقْيِيد قَالَ الرَّافِعِيّ وَيَنْبَغِي اطراده فِي الْوَقْف على من لَا يجوز مُطلقًا
الْخَامِس عشر قَالَ لزوجته طَلِّقِي نَفسك فَقَالَت أَنا طَالِق إِذا قدم زيد لم يَقع بِهِ شَيْء لِأَن التَّنْجِيز لم توقعه وَالتَّعْلِيق لم يملكهَا إِيَّاه
وَقيل يَقع بعد وجود الصّفة كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ قَالَ وَكَذَا حكم تَفْوِيض الْإِعْتَاق إِلَى العَبْد وَلَو خرجوه على قاعدتنا لَكَانَ يَقع الْمُنجز على الصَّحِيح أَو على وَجه
السَّادِس عشر إِذا أعتق عبدا عَن كَفَّارَته وَكَانَ بِهِ مَا يمْنَع من الْإِجْزَاء فَإِن الْعتْق ينفذ لَا عَن الْكَفَّارَة كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي كتاب الظِّهَار حَتَّى بَالغ فَقَالَ إِذا قَالَ لمكاتبه إِذا عجزت عَن النُّجُوم فَأَنت حر عَن كفارتي
стр. 66
فعجز عتق وَلَا يَجْزِي عَن الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ حِين علق لم يكن بِصفة الْإِجْزَاء قَالَ وَكَذَا إِذا قَالَ لكَافِر إِذا أسلمت أَو علق بِخُرُوج الْجَنِين سليما
السَّابِع عشر إِذا نذر صَلَاة فَاسِدَة هَل تلْزمهُ صَلَاة صَحِيحَة فِيهِ وَجْهَان فِي بَاب الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من زَوَائِد الرَّوْضَة أصَحهمَا وَهُوَ مَا جزم بِهِ فِي كتاب النّذر عدم الِانْعِقَاد وَمثله إِذا نذر أَن يقْرَأ الْقُرْآن جنبا فَإِن نَذره لَا يَصح كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي أَوَاخِر كتاب الْأَيْمَان
الثَّامِن عشر إِذا قَالَ اعْتِقْ مستولدتك على ألف فَأعْتقهَا نفذ الْعتْق وَثبتت الْألف وَكَانَ ذَلِك افتداء من السَّائِل كاختلاع الْأَجْنَبِيّ وَلَو قَالَ أعْتقهَا عني على ألف فَقَالَ اعتقها عَنْك نفذ الْعتْق ولغت الْإِضَافَة وَهِي التَّعْبِير بقوله عَنْك وعني وَهل يسْتَحق عوضا على وَجْهَيْن أَحدهمَا نعم على إِلْغَاء الْإِضَافَة وَالصَّحِيح أَنه لَا يسْتَحق لِأَنَّهُ الْتَزمهُ على تَقْدِير حُصُول الْعتْق عَنهُ وَلم يحصل
стр. 67
- ﷺ َ - بَاب أَرْكَان الحكم وَهِي الْحَاكِم والمحكوم عَلَيْهِ وَبِه ﷺ َ -
مَسْأَلَة ١
الْأَفْعَال الصادرة من الشَّخْص قبل بعثة الرُّسُل إِن كَانَت اضطرارية كالتنفس فِي الْهَوَاء وَأكل مَا تقوم بِهِ البنية فَهِيَ غير مَمْنُوع مِنْهَا وَأما الاختيارية وَأكل الْفَاكِهَة وَنَحْوهَا فَثَلَاثَة أَقْوَال للشَّافِعِيَّة وَغَيرهم
أَحدهَا أَنَّهَا على الْإِبَاحَة
وَالثَّانِي على الْحَظْر
стр. 68
وَالثَّالِث وَهُوَ رَأْي الْأَشْعَرِيّ التَّوَقُّف بِمَعْنى عدم الْعلم وَاخْتَارَهُ الصَّيْرَفِي وَالْإِمَام فَخر الدّين
стр. 69
فَإِن قيل قد ذكر الإِمَام أَيْضا فِي آخر الْمَحْصُول وَكَذَلِكَ أَتْبَاعه أَن الأَصْل فِي الْمَنَافِع هُوَ الْإِبَاحَة على الصَّحِيح
قُلْنَا الْخلاف هُنَاكَ فِيمَا بعد الشَّرْع بأدلة سمعية
إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع مِنْهَا
١ - إِذا وَقعت وَاقعَة وَلم يُوجد من يُفْتِي فِيهَا فَحكمهَا كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَة فِي كتاب الْقَضَاء حكم مَا قبل وُرُود الشَّرْع قَالَ وَالصَّحِيح فِي ذَلِك أَنه لَا حكم فِيهَا وَلَا تَكْلِيف أصلا وَلَا يُؤَاخذ صَاحب الْوَاقِعَة بِمَا يَفْعَله
٢ - وَمِنْهَا لَو خَفِي عَلَيْهِ الْمِقْدَار المعفو عَنهُ من النَّجَاسَة أَو خَفِي عَلَيْهِ جنسه وَلم يجد من يعرفهُ فَيتَّجه بِنَاؤُه على هَذَا الأَصْل لَكِن قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي أَوَاخِر كِتَابه الْمُسَمّى بالغياثي الْوَجْه أَن يُقَال إِن كَانَ التشاغل بإزالته يُفْضِي إِلَى مشقة تذهله عَن مهمات دينه ودنياه لم تجب إِزَالَته وَإِلَّا وَجَبت
وَاعْلَم أَن الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ فِي كتاب الْقَضَاء قد بنيا على هَذَا الْخلاف أَيْضا تَقْرِير النَّبِي ﷺ غَيره على فعل من الْأَفْعَال هَل يدل على الْجَوَاز من جِهَة الشَّرْع أَو من جِهَة الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة وَكَون الأَصْل هُوَ الْإِبَاحَة
стр. 70
فان قُلْنَا أصل الْأَشْيَاء على التَّحْرِيم دلّ التَّقْرِير على الْجَوَاز شرعا
وان قُلْنَا أَصْلهَا على الْإِبَاحَة فَلَا
وَمن فَوَائِد هَذَا الْخلاف الْأَخير أَن رَفعه هَل يكون نسخا أم لَا فَإِن رفع الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة بابتداء شَرْعِيَّة الْعِبَادَات لَيْسَ بنسخ على مَا أوضحناه فِي مَوْضِعه
مَسْأَلَة ٢
هَل يَصح تَعْلِيق التَّكْلِيف بايقاع الْفِعْل مِمَّن لَا يفهم ويعبر عَنهُ بالغافل كَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُون والنائم وَغَيرهم
فِيهِ خلاف مَبْنِيّ على التَّكْلِيف بالمحال
فَإِن منعنَا ذَلِك منعنَا هَذَا بطرِيق الأولى
وَإِن جوزناه فللأشعري هَهُنَا قَولَانِ نقلهما ابْن التلمساني وَغَيره قَالُوا وَالْفرق أَن التَّكْلِيف هُنَاكَ فِيهِ فَائِدَة وَهِي ابتلاء الشَّخْص واختباره وَفرقُوا بَين التَّكْلِيف بالمحال وتكليف الْمحَال أَي بِإِسْقَاط الْبَاء فَقَالُوا
стр. 71
الأول أَن يكون الْخلَل رَاجعا إِلَى الْمَأْمُور بِهِ وَالثَّانِي ضابطه رُجُوع الْخلَل إِلَى الْمَأْمُور نَفسه كتكليف الغافل
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - أَن السَّكْرَان هَل هُوَ مُكَلّف حَتَّى تصح تَصَرُّفَاته كلهَا سَوَاء كَانَت لَهُ أَو عَلَيْهِ وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِ والتعازير وَنَحْو ذَلِك أم لَا
فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
الصَّحِيح أَنه مُكَلّف وَحكمه حكم الصاحي فِي هَذِه الْأُمُور كلهَا
وَثَانِيها لَا
وَثَالِثهَا يصلح مَا عَلَيْهِ دون مَاله مُؤَاخذَة وتغليظا
وَقد نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي بَاب طَلَاق السَّكْرَان على الأول فَقَالَ مَا نَصه فَإِن قَالَ قَائِل فَهَذَا مغلوب على عقله وَالْمَرِيض وَالْمَجْنُون مغلوب على عقله
قيل الْمَرِيض مأجور وَيكفر عَنهُ بِالْمرضِ مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم إِذا ذهب عقله وَهَذَا إِثْم مَضْرُوب على السكر غير مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم فَكيف يُقَاس من عَلَيْهِ الْعقَاب بِمن لَهُ الثَّوَاب
стр. 72
هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ وَمن الْأُم نقلته وَنَقله أَيْضا الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر
وَهَذَا النَّص الَّذِي ذكرته صَرِيح أَيْضا فِي رد مَا قَالَه الشَّيْخ عز الدّين فِي الْقَوَاعِد إِنَّه لَا ثَوَاب على حُصُول المصائب والآلام وَإِنَّمَا الثَّوَاب على الصَّبْر عَلَيْهَا أَو الرضى بهَا فَإِنَّهُ حكم بأجره مَعَ زَوَال عقله
стр. 73
وَإِذا علمت مَا ذَكرْنَاهُ علمت أَن الصَّحِيح عِنْد الْفُقَهَاء خلاف مَا صَححهُ الأصوليون
وَقد غلط النَّوَوِيّ فِي مَوَاضِع من الرَّوْضَة وَغَيرهَا غَلطا فَاحِشا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن الرَّافِعِيّ قد قَالَ فِي البيع وَالطَّلَاق وَغَيرهمَا إِنَّه يشْتَرط فِي نفوذها التَّكْلِيف فَاعْترضَ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا بُد من اسْتثِْنَاء السَّكْرَان فَإِنَّهُ غير مُكَلّف كَمَا بَينه أَصْحَابنَا فِي الْأُصُول وَمَعَ ذَلِك تصح تَصَرُّفَاته على الصَّحِيح
وَالَّذِي قَالَه ذُهُول عَجِيب وغفلة فَاحِشَة فالفقهاء قد قَالُوا بتأثيمه وَإِيجَاب الْحُدُود والتعازير عَلَيْهِ ونفوذ تَصَرُّفَاته كلهَا سَوَاء كَانَت عَلَيْهِ أَو لَهُ فَأَي معنى للتكاليف غير هَذَا
وَحَاصِله أَنه غفل فاشتبهت عَلَيْهِ طَريقَة الْفُقَهَاء بطريقة الْأُصُولِيِّينَ
стр. 74
مَسْأَلَة ٣
لَا يشْتَرط التَّكْلِيف فِي خطاب الْوَضع كجعل الْإِتْلَاف مُوجبا للضَّمَان وَنَحْو ذَلِك وَلِهَذَا تجب الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالضَّمان بفعلهما وَفعل الساهي والبهيمة بِالشّرطِ الْمَعْرُوف فِي بَابه وَيتَفَرَّع على ذَلِك أَيْضا فروع فِيهَا نظر مِنْهَا
١ - إِذا جن الْمحرم فَقتل صيدا فَإِن الْجَزَاء لَا يجب فِي أصح الْقَوْلَيْنِ فِي زيادات الرَّوْضَة
٢ - وَمِنْهَا إِذا أخرج الْوَدِيعَة من الْحِرْز فَتلفت فَإِن ظن أَنَّهَا ملكه فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن كَانَ عَالما ضمن كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَمثله الِاسْتِعْمَال والخلط وَنَحْوهمَا
٣ - وَمِنْهَا إِذا اسْتعْمل الْمُسْتَعِير الْعَارِية بعد رُجُوع الْمُعير جَاهِلا فَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ كَمَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر كتاب الْعَارِية عَن الْقفال وارتضاه
стр. 75
٤ - وَمِنْهَا إِذا أَبَاحَ لَهُ ثَمَرَة بُسْتَان ثمَّ رَجَعَ فَإِن الْآكِل لَا يغرم مَا أكله بعد الرُّجُوع وَقبل الْعلم كَمَا ذكره فِي الْحَاوِي الصَّغِير وَحكى الرَّافِعِيّ فِيهِ وَجْهَيْن من غير تَصْرِيح بتصحيح
٥ - وَمِنْهَا إِذا وهبت الْمَرْأَة نوبتها من الْقسم لضرتها ثمَّ رجعت فِي الْهِبَة فَإِنَّهَا لَا تعود إِلَى الدّور من الرُّجُوع على الصَّحِيح بل من حِين الْعلم بِهِ
٦ - وَمِنْهَا إِذا رمى إِلَى مُسلم تترس بِهِ الْمُشْركُونَ فَإِن علم إِسْلَامه وَجَبت دِيَته وَإِلَّا فَلَا
٧ - وَمِنْهَا إِذا بَاشر الْوَلِيّ الْقصاص من امْرَأَة حاملة جَاهِلا بحملها فَتلف الْحمل فَإِن الْأَصَح فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا أَن الدِّيَة على السُّلْطَان لتَقْصِيره فِي الْبَحْث ثمَّ تحملهَا الْعَاقِلَة
٨ - وَمِنْهَا إِذا قتل مُسلما بدار الْحَرْب ظَانّا كفره فَلَا قصاص قطعا وَفِي الدِّيَة قَولَانِ أظهرهمَا عدم الْوُجُوب
٩ - وَمِنْهَا إِذا أَمر السُّلْطَان رجلا بقتل رجل بِغَيْر حق والمأمور لَا يعلم فَلَا دِيَة على الْقَاتِل
следующие страницы →