← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6291

الفوائد في اختصار المقاصد

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (126 стр.). Показаны 106–126 · переход к 111.

стр. 106

دين وَلم يقبل فِي الحكم إِلَّا فِي الْيَمين على نِيَّة المستحلف وَإِن نوى الْوَضع فَفِيهِ خلاف فصل فِيمَا بني من الْأَحْكَام على خلاف ظواهر الْأَدِلَّة وَذَلِكَ كدعوى الْبر التقي على الْفَاجِر الغوي وتحليف الْبر التقي لِلْفَاجِرِ الغوي ولحاق الْوَلَد بعد انْقِضَاء الْعدة بِالْحيضِ بِدُونِ أَربع سِنِين وَكَذَلِكَ إِلْحَاقه لسِتَّة أشهر مَعَ الندرة

стр. 107

وَكَذَلِكَ لَو زنت ثمَّ تزوجت وَولدت لتسعة أشهر من حِين الزِّنَا ولستة أشهر من حِين النِّكَاح فَإِنَّهُ يلْحق النِّكَاح وَلَو حَاضَت أمته بعد الْوَطْء ثمَّ أَتَت بِولد لتسعة أشهر من الْوَطْء فَإِنَّهُ لَا يلْحق عِنْد الشَّافِعِي وَلَو قَالَ عَليّ مَال عَظِيم أَو خطير حمل على أقل مَا يتمول وَلَو قَالَ أَنْت أزنى النَّاس أَو أزنى من زيد لم يحد لوَاحِد مِنْهُمَا وَلَو حلف بِالْقُرْآنِ يحمل على كَلَام النَّفس مَعَ شدَّة ظُهُوره فِي الْأَلْفَاظ وَكَذَلِكَ قبُول قَول الزَّوْجَة فِي نفي النَّفَقَة مَعَ المعاشرة وتشريك الزَّوْجَيْنِ فِيمَا يخْتَص بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا عِنْد التَّنَازُع وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن رَأَيْت الْهلَال فَأَنت طَالِق فَرَآهُ غَيرهَا طلقت عِنْد الشَّافِعِي حملا للرؤية على الْعرْفَان وَخَالفهُ أَبُو حنيفَة فِي ذَلِك

стр. 108

فصل فِي تَنْزِيل الدّلَالَة العادية منزلَة الدّلَالَة اللفظية وَذَلِكَ كحمل الأجور والأثمان على أُجْرَة الْمثل وَثمن الْمثل ونقود الْبلدَانِ وَحمل الْإِذْن فِي الْأَنْكِحَة على الْكُفْء وَمهر الْمثل وَإِن علق الطَّلَاق على إِعْطَاء ألف يُقيد الْإِعْطَاء بِالْمَجْلِسِ للْعُرْف وَكَذَلِكَ إبْقَاء الثَّمَرَة المزهية إِذا بِيعَتْ إِلَى أَوَان جدادها والتمكين من سقيها بِمَاء بَائِعهَا وَكَذَلِكَ الْحمل على حرز الْمثل وَحمل الصناعات على صناعات الْمثل كالطبخ وَالْخبْز والعجين والخياطة وَالْبناء وَالسير الْمُعْتَاد فِي الْأَسْفَار وَخُرُوج أَوْقَات الصَّلَوَات عَن الدُّخُول فِي الْإِجَارَات وَنذر الِاعْتِكَاف عَن أَوْقَات قَضَاء الْحَاجَات وتوزيع أعواض الْمثْلِيّ على قيم المعوضات

стр. 109

وَكَذَلِكَ دلالات اتِّصَال الْجدر ووضعها على مَالِكهَا ومستحقها وَدلَالَة الْأَيْدِي على الِاسْتِحْقَاق وَكَذَلِكَ الاستصناع وَتَقْدِيم الطَّعَام إِلَى الضيفان وَدخُول الحمامات والخانات ودور الْحُكَّام والولاة فِي أَوْقَات الْعَادَات وَكَذَلِكَ دُخُول الدّور بِإِذن الصّبيان وَكَذَلِكَ الشّرْب والتطهر من الجداول على مَا جرت بِهِ الْعَادَات وَكَذَلِكَ حمل الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة على مَا يَصح من عرف الْعِبَادَات والمعاملات كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة والبياعات والإجارات وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَال لفظ الْأَخْبَار فِي الإنشاءات فِي الْعتْق وَالطَّلَاق وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهَا من الْعِبَادَات والمعاملات وَكَذَلِكَ حمل أَلْفَاظ الْأَوْقَاف والمدارس على مَا غلب من الْعَادَات وإدراج الْأَشْجَار وَثيَاب الرَّقِيق فِي البيع الْمُطلق وَالرُّجُوع فِي الرِّكَاز إِلَى العلامات وَحمل الْإِذْن فِي الْحُدُود والتعزيرات على الضَّرْب المقتصد

стр. 110

وَإِقَامَة إِشَارَة الْأَخْرَس مقَام الْأَلْفَاظ فصل فِي فَضَائِل الْوَسَائِل فضل الْوَسَائِل مُرَتّب على فضل الْمَقَاصِد فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَسِيلَة إِلَى تَحْصِيل مصلحَة ذَلِك الْمَعْرُوف وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَسِيلَة إِلَى دفع مفْسدَة ذَلِك الْمُنكر وَالْأَمر بِالْإِيمَان أفضل من كل أَمر وَالنَّهْي عَن الْكفْر أفضل من كل نهي وَالنَّهْي عَن الْكَبَائِر أفضل من النَّهْي عَن الصَّغَائِر وَالنَّهْي عَن كل كَبِيرَة أفضل من النَّهْي عَمَّا دونهَا وَكَذَلِكَ الْأَمر بِمَا تَركه كَبِيرَة أفضل من الْأَمر بِمَا تَركه صَغِيرَة ثمَّ تترتب رتب فَضَائِل الْأَمر وَالنَّهْي على رتب الْمصَالح والمفاسد وتترتب رتب الشَّهَادَات على رتب الْمَشْهُود بِهِ من جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد

стр. 111

وَكَذَلِكَ يَتَرَتَّب تصرف الْحُكَّام والولاة على ترَتّب مَا يجلبه تصرفهم من جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد وَكَذَلِكَ الْفَتَاوَى وَكَذَلِكَ تترتب رتب المعونات والمساعدات على الْبر وَالتَّقوى على رتب مصالحها كَمَا تترتب مَرَاتِب المعاونة على الْإِثْم والعدوان على ترتبهما فِي الْمَفَاسِد فَائِدَة فِي أَسبَاب الشَّرْع لما علم الرب احْتِيَاج النَّاس إِلَى الْمَنَافِع والأعيان والمآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن أَبَاحَ الْبياعَات والإجارات وَسَائِر الْمُعَامَلَات على الْمَنَافِع والأعيان النافعات وَلما علم أَن فيهم المحتاجين العجزة عَن دفع الْحَاجَات شرع الزكوات وَالصَّدقَات وَلما علم أَن فيهم من لَا يزجره الْوَعيد والتهديد شرع الْحُدُود والتعزيرات دفعا لمفاسد أَسبَابهَا

стр. 112

وَلما علم أَن أَكْثَرهم لَا ينصفون وَأَن فيهم العجزة عَن الانتصاف لأَنْفُسِهِمْ نصب الْحُكَّام وولاة أُمُور الْإِسْلَام لإنصاف المظلومين من الظَّالِمين وَحفظ الْحُقُوق عَن الصّبيان والمجانين والعاجزين والغائبين وَكَذَلِكَ نصب الْحجَج الشَّرْعِيَّة كالأقارير والبينات وتحليف من رجح جَانِبه بِظَاهِر يَد أَو أصل أَو حلف بعد نُكُول وَلما علم الِاحْتِيَاج إِلَى الْأَنْكِحَة شرعها تحصيلا لمصالحها وَلما علم الِاحْتِيَاج إِلَى الْجِهَاد شرع جِهَاد الدّفع وَجِهَاد الطّلب وَجِهَاد الدّفع أفضل من جِهَاد الطّلب وَلما علم أَن الْوُلَاة والقضاة لَا يقدرُونَ على الْقيام بِمَا ولوه أوجب على أهل الْكِفَايَة مساعدتهم على مصَالح ولايتهم ودرء مفاسدها وَلما علم أَن الآراء تخْتَلف فِي معرفَة الصَّالح والأصلح وَالْفَاسِد والأفسد وَفِي معرفَة خير الخيرين وَشر الشرين حصر الْإِمَامَة الْعُظْمَى فِي وَاحِد كَيْلا يتعطل جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد بِسَبَب اخْتِلَاف الْوُلَاة فِي الصَّالح والأصلح وَالْفَاسِد والأفسد

стр. 113

وَشرط فِي الْأَئِمَّة أَن يَكُونُوا أفضل الْأمة لِأَن ذَلِك أقرب إِلَى طواعيتهم على المساعدة فِي جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد ولقرب طواعية الأفاضل شَرط أَن يكون الْأَئِمَّة من قُرَيْش لِأَن النَّاس يبادرون إِلَى طواعية الأفاضل ويتقاعدون عَن طواعية الأراذل بل يتقاعدون عَن طواعية أمثالهم فَمَا الظَّن بِمن هُوَ دونهم وَلذَلِك قدم فِي كل ولَايَة أعرف الْخلق بمصالحها ومفاسدها وأعرفهم بأحكامها وَإِن كَانَ قاصرا فِي معرفَة أَحْكَام غَيرهَا وجاهلا بهَا إِذْ لَا يضرّهُ ذَلِك فِي ولَايَته وَمن رَحمته بعباده أَن نفذ تصرف أَئِمَّة الْجور والبغاة فِيمَا وَافق الشَّرْع جلبا لمصَالح الرعايا ودفعا للمفاسد عَنْهُم فصل فِي تعرف الْمصَالح والمفاسد مَا أَمر الله بِشَيْء إِلَّا وَفِيه مصلحَة عاجلة أَو آجلة أَو كِلَاهُمَا وَمَا نهى عَن شَيْء إِلَّا وَفِيه مفْسدَة عاجلة أَو آجلة أَو كِلَاهُمَا وَمَا أَبَاحَ شَيْئا إِلَّا وَفِيه مصلحَة عاجلة وَلكُل من هَذِه الْمصَالح رتب مُتَسَاوِيَة ومتفاوتة فِي الْفساد وَالصَّلَاح والرجحان وأكثرها ظَاهر جلي وأقلها بَاطِن خَفِي يسْتَدلّ عَلَيْهَا بأدلتها

стр. 114

الَّتِي نصبها الله لَهَا وَمِنْهَا مَا لَا يظْهر فِيهِ مصلحَة وَلَا مفْسدَة سوى مصلحَة جلب الثَّوَاب وَدفع الْعقَاب ويعبر عَنهُ بالتعبد فَائِدَة فِي حكم الشَّرْع فِي الجدل والمناظرة لَا يجوز الجدل والمناظرة إِلَّا لإِظْهَار الْحق ونصرته ليعرف وَيعْمل بِهِ فَمن جادل لذَلِك فقد أطَاع وَأصَاب وَمن جادل لغَرَض آخر فقد عصى وخاب وَلَا خير فِيمَن يتحيل لنصرة مذْهبه مَعَ ضعفه وَبعد أدلته من الصَّوَاب بِأَن يتَأَوَّل السّنة أَو الْإِجْمَاع أَو الْكتاب على غير الْحق وَالصَّوَاب وَذَلِكَ بالتأويلات الْفَاسِدَة والأجوبة النادرة

стр. 115

فصل فِي صَلَاح الْقُلُوب والأجساد وفسادهما قَالَ ﷺ أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب وَمَعْنَاهُ إِذا صلح الْقلب بالمعارف وَالْأَحْوَال صلح الْجَسَد كُله بِالطَّاعَةِ والإذعان وَإِذا فسد بأضداد الْعرْفَان وَالْأَحْوَال فسد الْجَسَد كُله بالمخالفة والعصيان والأفراح وَاللَّذَّات تخْتَلف باخْتلَاف المفروح بِهِ والمتلذذ بِهِ فلذات الْجنان أفضل اللَّذَّات وأفراحها أفضل الأفراح كَمَا أَن غموم النَّار شَرّ الغموم وآلامها شَرّ الآلام وَكَذَلِكَ لذات الْعرْفَان أفضل من لذات الِاعْتِقَاد فصل فِي أَعمال الْقُلُوب كالمعارف وَالْأَحْوَال والنيات والقصود جعل الله لكل معرفَة حَالا ينشأ عَنْهَا

стр. 116

فَمن عرف نعْمَة الله تَعَالَى كَانَ حَاله الْخَوْف وَمن عرف سَعَة رَحْمَة الله كَانَ حَاله الرَّجَاء وَمن عرف تَوْحِيد الرب وبالنفع والضر وَالرَّفْع والخفض لم يتوكل فِي جلب النَّفْع وَدفع الضّر والإعطاء والحرمان إِلَّا عَلَيْهِ وَلم يُفَوض أمره إِلَّا إِلَيْهِ وَمن عرف عَظمته وجلاله كَانَت حَاله الإجلال والمهابة وَمن عرف اطِّلَاعه على أَحْوَاله استحيى مِنْهُ أَن يُخَالِفهُ وَمن عرف سَمَاعه لأقواله استحيى أَن يَقُول مَا لَا يرضيه وَمن عرف إحسانه إِلَيْهِ وإفضاله عَلَيْهِ كَانَت حَاله الْمحبَّة وَمن عرف جماله وجلاله كَانَت حَاله الْمحبَّة وَكَانَت محبته أفضل من محبَّة من عرف إحسانه وإفضاله وَأكْثر مَا يحضر المعارف بالاستحضار والأفكار أَو بِالسَّمَاعِ من الْأَبْرَار والأخيار

стр. 117

فَمن استحضر صفة من تِلْكَ الصِّفَات أثمرت لَهُ حَالا يُنَاسِبهَا ويوافقها وينشأ عَن تِلْكَ الْحَال من الْأَقْوَال والأعمال مَا يطابقها ويوافقها فَمن لاحظ شدَّة النقمَة حصل لَهُ الْخَوْف وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ من الْحزن والبكاء والانقباض وتخويف الْعباد وَمن لاحظ سَعَة الرَّحْمَة حصل لَهُ من الانبساط ويرجيه الْيَأْس مَا يُنَاسب مَا حصل لَهُ من الرَّجَاء وَمن لاحظ صفة الْجمال حصل لَهُ من الْحبّ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ من الشوق وَخَوف الْفِرَاق وإنس التلاق وَالسُّرُور والفرح وَمن لاحظ سَمَاعه لأقواله ورؤيته لأعماله كَانَت حَاله الْحيَاء الْمَانِع من مُخَالفَته فِي الْأَقْوَال والأعمال وَسَائِر الْأَحْوَال وَقد يَصِيح بَعضهم لغَلَبَة الْحَال إِلَيْهِ وإلجائها إِيَّاه إِلَى الصياح وَمن صَاح لغير ذَلِك فمتصنع لَيْسَ من الْقَوْم فِي شَيْء وَكَذَلِكَ من أظهر شَيْئا من الْأَحْوَال رِيَاء وتسميعا فَإِنَّهُ مُلْحق بالفجار لَا بالأبرار

стр. 118

فَائِدَة فِي المفاضلة بَين الْأَوْلِيَاء المهابة والإجلال أفضل من الْخَوْف والرجاء فَإِذا أردْت أَن تعرف فَضَائِل الْأَوْلِيَاء فَانْظُر إِلَى مَا يظْهر عَلَيْهِم من آثَار المعارف وَالْأَحْوَال فَأَيهمْ غلب

стр. 119

عَلَيْهِ أفضلهَا كالتعظيم والإجلال فَهُوَ أفضل الرِّجَال وأيهم غلب عَلَيْهِ أدناها كالخوف والرجاء فَهُوَ أدنى الرِّجَال فصل فِي بَيَان الْفَضَائِل فضل الله تَعَالَى بعض الْأَمَاكِن على بعض وَبَعض الْأَزْمَان على بعض وَلَيْسَ فضلهما براجع إِلَى أَوْصَاف قَائِمَة فيهمَا وَإِنَّمَا فضلهما بِمَا يتفضل بِهِ الرب سُبْحَانَهُ فيهمَا من إحسانه وَكَثْرَة ثَوَابه على الطَّاعَات ومغفرته الزلات وَأما تَفْضِيل بعض الجمادات فبأوصاف حَقِيقَته كتفضيل اللُّؤْلُؤ والمرجان على غَيرهمَا وتفضيل الأجرام النيرات على غَيرهَا

стр. 120

وَأما تَفْضِيل بعض الْحَيَوَان على بعض فبالعقل وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والأوصاف الْكَرِيمَة الجبلية كالرحمة والشفقة وَالْكَرم وَالْحيَاء والجود والسخاء والحلم والأناة وَأفضل المعارف معرفَة مَا يجب للرب سُبْحَانَهُ من أَوْصَاف الْكَمَال ونعوت الْجلَال وسلب كل عيب ونقصان وَجَوَاز مآله أَن يَفْعَله وَأَن لَا يَفْعَله كإنزال الْكتب وإرسال الرُّسُل والبعث والحساب وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَلكُل معرفَة من هَذِه المعارف حَال ينشأ عَنْهَا وَيُسْتَفَاد مِنْهَا وَلكُل حَال من تِلْكَ الْأَحْوَال آثَار جميلَة وأحوال فَضِيلَة وَاعْلَم أَن الْفضل يَقع بالمعارف وَالْأَحْوَال والطاعات وبكثرة إِحْسَان الْخَالِق إِلَى الْمَخْلُوق وَإِن لم يكن من المعارف وَالْأَحْوَال والطاعات وَقد أحسن الله تَعَالَى إِلَى النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وأفاضل الْمُؤمنِينَ بالمعارف وَالْأَحْوَال والطاعات والإذعان ونعيم الْجنان ورضا الرَّحْمَن وَالنَّظَر إِلَى

стр. 121

الديَّان سُبْحَانَهُ مَعَ سَماع تَسْلِيمه وَكَلَامه وتبشيره بتأبد الرضْوَان وَلم يثبت للْمَلَائكَة مثل ذَلِك وَلَا شكّ أَن أجساد الْمَلَائِكَة أفضل من أجساد الْبشر وَأما أَرْوَاحهم فَإِن كَانَت أعرف بِاللَّه تَعَالَى وأكمل أحوالا من أَحْوَال الْبشر فهم أفضل من الْبشر وَإِن اسْتَوَى الْأَرْوَاح فِي ذَلِك فقد فضلوا على الْبشر بالأجساد فَإِن أَجْسَادهم من نور وأجساد الْبشر من لحم وَدم وَفضل الْبشر الْمَلَائِكَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من نعيم الْجنان وَقرب الديَّان وَرضَاهُ وتسليمه وتقريبه وَالنَّظَر إِلَى وَجهه الْكَرِيم وَإِن فَضلهمْ الْبشر فِي المعارف وَالْأَحْوَال والطاعات كَانُوا بذلك أفضل مِنْهُم وَبِمَا ذَكرْنَاهُ مِمَّا وعدوا بِهِ فِي الْجنان وَلَا شكّ أَن للبشر طاعات لم يثبت مثلهَا للْمَلَائكَة كالجهاد وَالصَّبْر ومجاهدة الْهوى وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّبْر على البلايا والمحن والرزايا وَتحمل مشاق الْعِبَادَات لأجل الله تَعَالَى وَقد ثَبت أَنهم يرَوْنَ رَبهم وَيسلم عَلَيْهِم ويبشرهم بإحلال رضوانه عَلَيْهِم أبدا وَلم

стр. 122

يثبت مثل هَذَا للْمَلَائكَة وَإِن كَانَ الْمَلَائِكَة يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون فَرب عمل قَلِيل يسير أفضل من تَسْبِيح كثير وَكم من نَائِم أفضل من قَائِم وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ الْبَيِّنَة ٩٨ / ٧ أَي خير الخليقة وَالْمَلَائِكَة من خير الخليقة لَا يُقَال الْمَلَائِكَة من الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لِأَن هَذَا اللَّفْظ مَخْصُوص فِي عرف الشَّرْع بِمن آمن من الْبشر فَلَا ينْدَرج فِيهِ الْمَلَائِكَة الْأَبْرَار لعرف الِاسْتِعْمَال فَإِن قيل لَعَلَّ الْمَلَائِكَة يرَوْنَ رَبهم كَمَا يرَاهُ الْأَبْرَار قلت يمْنَع مِنْهُ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ الْأَنْعَام ٦ / ١٠٣ وَقد اسْتثْنِي مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ فَبَقيَ على عُمُومه فِي الْمَلَائِكَة الْأَبْرَار

стр. 123

فصل فِي مَرَاتِب الْقرب اعْلَم أَن دَرَجَات الْجنَّة مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَعْمَال فَلَيْسَ من عبد الله مُقَدرا أَنه يرى الله كمن عبد الله مُقَدرا أَن الله تَعَالَى يرَاهُ وَلَيْسَ من عبد الله على خلاف ذَلِك كمن عبد الله كَأَن الله يرَاهُ وَلِلْمُؤْمنِينَ دَرَجَات فِي الْإِيمَان عليات ودنيات ومتوسطات وللمجاهدين مئة دَرَجَة فِي الْجنَّة مترتب أَعْلَاهَا على أَعلَى رتب الْجِهَاد وَأَدْنَاهَا على أدناها

стр. 124

وَكَذَلِكَ رتب الْمُصَلِّين والصائمين والولاة المقسطين وَالشُّهُود الصَّادِقين وَالصَّابِرِينَ على الطَّاعَات والبليات وَعَن الْمعاصِي والمخالفات وعَلى بر الْآبَاء والأمهات والبنين وَالْبَنَات وعَلى هَذِه الدَّرَجَات يَتَرَتَّب سبقهمْ إِلَى الْجنان فَإِذا تساوى اثْنَان فِي الْإِيمَان والعرفان فَإِن اسْتَويَا فِي مقادير الْإِيمَان الْحَقِيقِيّ أَو الْحكمِي فدرجتهما وَاحِدَة فِيمَا اسْتَويَا فِيهِ وَإِن تَفَاوتا فِي الْكَثْرَة والقلة كَانَت دَرَجَة ذِي الْكَثْرَة من دَرَجَة ذِي الْقلَّة وَلَو اسْتَوَى اثْنَان فِي عدد الصَّلَاة فَإِن اسْتَويَا فِي كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها وَفهم أذكارها وقراءتها فهما فِي دَرَجَة وَاحِدَة وَإِن تَفَاوتا فِي ذَلِك كَانَ أكملهما أَعلَى دَرَجَة من أنقصهما وَإِن اسْتَوَى اثْنَان فِي جِهَاد الدّفع فَإِن اسْتَويَا فِي الْإِخْلَاص وَإِرَادَة إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَفِي الْمَدْفُوع عَنهُ فدرجتهما وَاحِدَة وَإِن تَفَاوتا فِي النِّيَّة وَكَثْرَة من قتل أَو فِي شرف الْمَدْفُوع عَنهُ كالدفع عَن الْأَنْبِيَاء

стр. 125

والأولياء كَانَ أشرفهما فِي الدرجَة الْعليا وَالْآخر فِي الدرجَة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله وَمعنى تفَاوت الدَّرَجَات أَن يكون لكل وَاحِد من العاملين نصِيبه من الْجنَّة دَرَجَات مرتبات على رتب أَعماله عاليات ودانيات ومتوسطات يتَرَدَّد بَينهَا على مَا تشْتَهى نَفسه وتلتذ عينه وَقد صَحَّ أَن الله أعد للمجاهدين فِي سَبيله مئة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ مئة عَام وَلَو آمن إِنْسَان قبل مَوته بلحظة لم يكن أجره كَأَجر إِيمَان من آمن قبل مَوته بِيَوْم وَلَا أجر من آمن قبل مَوته بِيَوْم كَأَجر من آمن قبل مَوته بِشَهْر وَلَا أجر من آمن قبل مَوته بِشَهْر كَأَجر من آمن قبل مَوته بعام فَلَيْسَ من طَال عمره فِي الطَّاعَات وَالْإِيمَان كمن قصر عمره وَلِهَذَا قَالَ ﷺ خَيركُمْ من طَال عمره وَحسن عمله

стр. 126

وَقَالَ ﷺ لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت لضر نزل بِهِ فَإِنَّهُ لَا يزِيد أحدكُم عمره إِلَّا خيرا إِمَّا محسن فَيَزْدَاد وَإِمَّا مسيء فيستعتب ولمثل هَذَا شح الْأَوْلِيَاء على الْأَوْقَات أَن يصرفوها فِي غير الطَّاعَات وَكَذَلِكَ يَتَرَتَّب عَذَاب جَهَنَّم على ترَتّب هَذِه الْمَفَاسِد وَكَثْرَتهَا وقلتها فالعذاب على الزِّنَا دون الْعَذَاب على الْقَتْل وَالْعَذَاب على أكبر الْكَبَائِر دون الْعَذَاب على الْكفْر وَلَيْسَ من كفر قبل مَوته بلحظة كمن أَقَامَ على الْكفْر يَوْمًا أَو شهرا أَو مئة عَام وَالله أعلم