← Каваид фикха

Каваид фикха · id 6298

تخريج الفروع على الأصول

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (377 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على معلم الخير محمد وعلى آله وصحابته، عاش الزنجاني الفترة الأخيرة من الدور الخامس في ادوار الفقه الاسلامي الذي يمتد في رأي العلماء من القرن الرابع إلى سقوط بغداد في النصف الثاني من القرن السابع الهجري. ولئن اتسم هذا الدور بطابع التقليد - فلم نجد بعد أبي جعفر الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ إماما من أئمة الاجتهاد المطلق - لقد رأينا فيه رجالا كانوا منارات في الظلام ومعالم في طريق المعرفة، ممن لم يقفوا عند التقليد المحض، بل ساروا على بينة من الأمر. فجمعوا الآثار، ورجحوا بين الروايات، وخرجوا علل الأحكام، وحاولوا أن يردوا الفروع الى أصولها، وكانت لهم مواقف مشهودة في بيان الحق والدلالة عليه. وأبو البقاء، أو أبو المناقب محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي - نسبة إلى مدينة زنجان على حد آذربيجان من بلاد الجبل - أحد هؤلاء الاعلام، وقد قضى في كائنة بغداد سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة، بعد أن سلخ حياة زاخرة بالعلم والتأليف، وبعد أن أصبح نائب قاضي القضاة أو قاضي القضاة في العاصمة

стр. 2

التي أحرقتها نار الفتنة، فسقطت على أيدي التتار، وكانت النكبة الكبرى التي أحاطت بالكثير من ورائعنا وذخائرنا الفكرية. وأغلب الظن ان جملة من آثار الزنجاني قد فقدت فيما، فلقد ذكر العلماء في ترجمته أنه درس بالنظامية ثم بالمستنصرية، وأنه علا شأنه في اللغة، وعلم الخلاف والأصول والتفسير وألف فيها حتى قال الذهبي عنه: «كان من بحور العلم له تصانيف». وقال ابن النجار: «برع في المذهب والخلاف والأصول» ويذكر بعض المترجمين له أنه صنف تفسيرا للقرآن، وانه حدث عن الإمام الناصر لدين الله بالإجازة، وروى عنه الدمياطي (١). ولكن لم يظهر من مصنفاته إلا النزر اليسير. فقد وصلنا كتاب في العربية اختصر فيه صحاح الجوهري وأسماه - كما يقول القوطي - «ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح» (٢). أما في الشريعة: فلم نعثر حتى الآن إلا على الكتاب الذي نحن في صدد الحديث عنه وهو: «تخريج الفروع على الأصول» وقد أشار في ثناياه إلى كتاب آخر أسماه «درر الغرر» (٣). وترجع صلتي بكتاب «تخريج الفروع على الأصول» إلى ما قبل عامين اثنين حين وقعت على نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية بالقاهرة، وأنا _________ (١) طبقات الشافعية لابن السبكي (٥/ ١٥٤) طبقات الشافعية لابن شهبة الورقة ٥٣ ب من المخطوطة ١٥٦٨ بدار الكتب المصرية، المنهل الصافي (٣/ ٣٤٠) مخطوطة دار الكتب رقم ١١٤٣ تاريخ، النجوم الزاهرة (٧/ ٦٨) طبقات المفسرين للداودي، الورقة ٣١٣ من مخطوطة دار الكتب رقم ١٦٨ تاريخ، ابن الوطي ٢٣٧ - ٢٣٨، تهذيب الصحاح الزيخاني تحقيق عبد السلام هارون، عبد الغفور العطار (١/ ٥٦) الاعلام المزركلي (٨/ ٣٧) اسعد طلس في مجلة المجمع العلمي العربى بدمشق (٢٢/ ٥٠٦). (٢) نشره سنة ١٣٧١ هـ في ثلاثة أجزاء تحت اسم «تهذيب الصحاح» الشيخ محمد سرور الصبان بتحقيق عبد السلام هارون واحمد عبد الغفور العطار. (٣) ص ١٨٦.

стр. 3

أحضر لرسالة الدكتوراه، حيث اشتدت صلتي بكتب الأصول والقواعد واختلاف الفقهاء، وما ان وقع بصري على بعض مسائله، حتى استهوتني قراءته، ورأيتني مسوقا إلى الصلة بكتاب، يسير مؤلفه وفق منهج مرسوم، وخطة واضحة المعالم تخرج بقارئ الفقه وأصوله من حدود النظريات المحبوءة أحيانا، إلى التطبيق العملي الواضح. وهي طريقة لشد ماهفت إليها النفس منذ أيام الدراسة في الأزهر والحقوق. وأدركت بعد قراءة الكتاب والامعان فيه، ان من الخير أن يخرج مثل هذا المؤلف إلى عالم النور ليملأ في الجانب التشريعي من المكتبة الاسلامية فراغا يشعر به رواد الفقه الاسلامي وخصوصا أولئك الذين يرون في هذا الفقه - والحق مايرون - أهلية الإمامة فيما عرف الناس في الماضي، ويعرفون اليوم، من فقه وقانون. وعلى ضيق في الوقت استعنت الله في تحقيقه وإخراجه، آملا أن يكون لي من ملاحظات الباحثين ما يساعد في طبعة ثانية على استدراك ما يكون قد فات إن شاء الله. والكتاب محاولة منهجية ناجحة، وأنموذج رائع المخطط يرسم علاقة الفروع والجزئيات من أحكام الفقه، بأصولها وضوابطها، من القواعد والكليات ضمن إطار لتقييد الاختلاف بين المذهبين الشافعي والحنفي، وبيان الأصل الذي ترد اليه كل مسألة خلافية فيهما. وفي رد الجزئيات إلى الكليات، وبيان الأصول التي ينتمي اليها الاختلاف، تعريف بأن الاختلاف في جملته لم يكن من الاختلاف المحرم، لأنه لم ينشأ عن عبث أو هوى، وانما كان في حدود ما يحل الاختلاف فيه (١). _________ (١) قول الإمام الشافعي في باب الاختلاف من «الرسالة» أن كل ما اقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصا بينا لم يحل الأختلاف فيه لمن علمه. قال: وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويدرك قياسا، فذهب المتأول أو القايس الى معنى يحتمله الخبر أو القياس - وإن خالفه فيه غيره: - لم أقل: انه يضيق عليه ضيق الخلاف. الرسالة ص: ٥٦.

стр. 4

كما ان في ذلك تربية للملكة الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة على تفريع المسائل من قواعدها الكبرى، وامكان رد الجديد من احكام الحوادث الطارئة الى ما يثبت نسبها اليه من الأصول. لذا رأينا العلماء الاولين يعطون أهمية كبرى لمعرفة ما إليه مرد الاختلاف بين الأئمة، بحيث لا يكون طالب الفقه فقيها مالم يعرف كيف بحثوا، وكيف استدلوا، وبالتالي يعلم ان الاختلاف في الجزئيات كان ثمرة تباين الانظار أو تباعدها في الحكم على الأسس التي عنها تفرعت تلك الجزئيات (١). وفي المقدمة أشار المؤلف الى ان القدرة على التفريع لا تكون إلا بمعرفة وجه الارتباط بين الاحكام الفرعية وادلتها «فالذي لا يهتدي إلى وجه الارتباط بين احكام الفروع وادلتها - التي هي أصول الفقه - لا يتسع له المجال ولا يمكنه التفريع عليها بحال». لذلك كان طبيعيا أن لا يقصد إلى أن يكون كتابه مصنفا في اصول الفقه، او كتابا في القواعد أو الفروع. وإنما أراده كتابا يجمع بين الأصول والفروع في مسلك متميز - لم يجد من يسلكه من قبل - يبتغي الدلالة على الطريق، طريق معرفة بناء فروع الأحكام على أصولها، وذلك برد الجزئيات إلى الكليات ليتسنى التفريع وإمكان إيجاد لما يجد من حوادث لا تتناهى مع الزمن وذلك قوله: (فبدأت بالمسألة الأصولية التي ترد اليها الفروع في كل قاعدة، وضمنتها ذكر الحجة الأصولية من الجانبين، ثم رددت الفروع الناشئة منها اليها، فتحرر الكتاب مع صغر حجمه حاويا لقواعد الأصول، جامعا لقوانين الفروع). _________ (١) انظر الكثير من النصوص في ضرورة العلم بالاختلاف عند ابن عبد البر (جامع بيان العلم ٢/ ٤٦).

стр. 5

هذا: ويلاحظ المؤلف قد اقتصر في البحث على مذهبي الحنفية والشافعية - كما قدمنا - إلا ما كان من نقله مسألة في الطلاق عن الإمام مالك ﵀ (ص ١٢). وواضح انه لم يقتصر في الضوابط على مسائل أصول الفقه، بل كان للقواعد الفقهية عنده دور ملحوظ حتى انه تجوز في استعمال كلمة الأصول بعض الأحيان حتى شملت مع أصول الفقه قواعد الفقه. وما احسب ان الأمر يحتاج إلى ضرب الأمثلة، فخطوات الكتاب كلها قائمة على هذا. وقد يصادف أن تكون ضوابط الكتاب أو الباب الواحد مشتركة بين مسائل الأصول والقواعد، كما حدث في كتاب النكاح (١)؛ فقد طوى المؤلف مسائله التي أتى بها تحت خمسة من ضوابط الأصول هي: الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده. راوي الأصل ينكر رواية الفروع. متى يحمل المطلق على المقيد. حكم الشيء هل يدور مع أثره وجودا وعدما. حكم اللفظ إذا دار بين معناه الشرعي ومعناه الحقيقي. وثلاث من القواعد الفقهية هي: شهادة النساء وهل هي ضرورية أو أصلية. قرب القرابة واعتباره في الاستقلال بالنكاح. ولاية الاجبار في حق البنات هل تعلل بالبكارة أو بالصغر؟ وإن كانت هذه الأخيرة لها وجه من الأصول وآخر من القواعد. _________ (١) ص ١٢٨.

стр. 6

ومع التزام المؤلف ان لا تبتعد المسألة الواردة تحت الباب الفقهي عن نسبتها إليه - سيرا مع طريقته في تخريج مسائل ذلك الباب على أصولها - فقد سمح لنفسه - في القليل النادر - أن يورد مسألة أو أكثر من غير أسرة الكتاب أو الباب الفقهي الذي يكون مقصود البحث. فمثلا أورد تحت كتاب الطهارة مسألتي تعين لفظه التكبير، وقراءة الفاتحة في الصلاة (١) لأنه رآها مرتبطتين بقاعدة التعليل والتعبد التي كانت عماد الضبط في الكتاب المذكور. كما أتى بمسألة تعليق الطلاق بالملك في كتاب البيوع، لأن هذه المسألة تنتمي في نظره إلى قاعدة أصولية أتى بها ضابطا من ضوابط مسائل البيوع وهي «دخول الشرط على السبب هل يمنع انعقاده سببا» (٢). ويبدو أن السير ضمن الخطوط العامة للمنهج في التخريج هو الذي جعله يتسامح بمثل هذا الأمر. نقرر هذا مع اعترافنا - كما أشرنا من قبل - ان وقوع ذلك في الكتاب يتسم بطابع القلة، وهو أمر لا يخرج الزنجاني عن طريقته العامة في التزام ضبط أبواب الفقه وتخريج مسائله على أصول وقوانين. ولعل هذا الاتجاه، هو الذي يسوغ مانراه أحيانا، من دعوى ارتباط منزع الأحكام في العديد من المسائل بأصل ما، أو قاعدة من القواعد، مع ان الحكم قد يكون له أدلة غير هذا الارتباط. وذلك كالذي ذكره في مسائل الطهارة حين أصل لها بالتعليل والتعبد، فهو يقرر أن الحنفية جنحوا إلى كذا تشوفا إلى التعليل، وان الشافعية جنحوا _________ (١) ص ٧. (٢) ص ٦٦.

стр. 7

إلى كذا سيرا مع أصل التعبد، يقرر هذا مع وجود أدلة لكل من الفريقين على الذي جنح اليه من الأحكام. فأغلب الظن أنه يرى في أمثال هذه المسائل أن السلك الذي انتظم أدلة الحنفية هو التعليل، وفي مقابله التعبد عند الشافعية. فطريقة الاستدلال تسيرها روح معينة قائمة على اعتبار التعليل أو التعبد في تلك الأحكام، وهذا كاف عنده في ارتباط الفرع بالأصل، مادام لكل إمام سنده من الشرع، ولم يكن ما جنح اليه عن هوى أو تغاض عن مدلولات الشريعة وروحها العامة. ونود أن نشير إلى انه في تحريره لقواعد أصول الفقه قد نزع في عدد منها إلى غير ما اشتهر عند جمهور الأصوليين من متقدمين أو متأخرين، كما حدث في مسائل الأمر المطلق واقتضائه التكرار والفور، واقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده، ومسألة العموم في المقتضى (١). وفي مسألة المصلحة - رغم الأخذ والرد حول رأي الشافعي فيها وما يحكيه في كتاب «ابطال الاستحسان» من كلام يشمل بعضه مع استحسان الحنفية، المصالح المرسلة عند المالكية - اعتبر مؤلفنا ان من الجائز عند الشافعي التمسك بالمصلح المستندة إلى كلي الشرع، وإن لم تكن مستندة إلى الجزئيات الخاصة المعينة (٢). وهذا حين يدل على شيء فإنما يدل على ان الزنجاني على جانب يذكر من فقه النفس وفهم مقاصد الشريعه، والادراك لمرامي الأئمة في اجتهادهم، وما ذهبوا اليه عند استنباط الأحكام من حفاظ على حدود الشريعة، والتزام الجادة التي سلكها سلف هذه الأمة من قبل. _________ (١) راجع الصفحات ١٤٥، ١٢٨، ٢٢. (٢) راجع ص ١٦٩.

стр. 8

والمؤلف - وهو شافعي المذهب - يحاول في عرضه للمسائل - أصلية كانت أو فرعية - أن يعطي كل ذي حقه، ودفاعه عن وجهة النظر في المذهب كان نادرا واقتصر على بعض المسائل الأصولية. ١ - فقد رد على الحنفية قولهم بعدم جواز القياس في القياس (٥٦ - ٥٧). ٢ - كما رد على الحنفية والقدرية قولهم بأن حديث رفع الخطأ والنسيان مجمل لا يجوز الاحتجاج به (ص ١٤٨ - ١٤٩). ٣ - ودافع عن الشافعية في جواز تخصيص عموم الكتاب بالقياس (ص ١٧٦). غير انه في نقله لبعض الأقوال، تبدو له وجهة نطر معينة، كما حدث في حكم الاستنابة في الحج عند الحنفية، حيث ترك ما عليه ظاهر المذهب، وأخذ بقول محمد بن الحسن ﵀ (ص ٦١) وكما حدث في حكم غسل المرأة زوجها المتوفى (ص ٣٩) وفي مسألة رجوع الزوج على زوجته بما وهب لها إذا طلقها قبل الدخول عند الشافعية (ص ٩٦). قبل «تخريج الفروع … » وبعده والطريق التي سلكها الزنجاني قد بدأها في القرن الخامس الهجري - بعد تطور علم الاختلاف - أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي من أئمة الحنفية المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، فقد وضع كتابا في اختلاف الفقهاء أسماه «تأسيس النظر» (١) وأقامه على ثمانية أقسام شملت الاختلاف بين أبي حنيفة وبين أصحابه مجتمعين ومفترقين، وبين الحنفية وبين الإمام مالك، وبينهم وبين الامام الشافعي. وألحق بالأقسام الثمانية قسما ذكر فيه أصولا اشتملت على _________ (١) ليس في كلام الزنجاني ما يدل على علمه بهذا الكتاب، والمقدمة واضحة في هذا.

стр. 9

مسائل خلافية متفرقة. وعلى سير الكتابين في رد الفروع إلى أصولها، فإن بين الطريقين وما تثمر كل منهما، بعض الفوارق يمكن إجمالها فيما يلي: كان ملاك الأمر عند الدبوسي: بيان الأصول البي اليها مرد الاختلاف بشكل عام، كما انه لم يلتزم السير وراء أبواب الفقه بحيث يضبطها بتخريج فروعها على الأصول، وإنما كانت مهمته أن يأتي بالأصل الذي يقوم عليه الاختلاف ثم يأتي بأمثلة مما يتفرع عليه من مسائل، غير حريص على أن تكون تلك المسائل منتمية إلى باب معين من أبواب الفقه، فقد تأتي متقاربة، وقد تأتي من عدة أبواب. جاء في قسم الاختلاف بين الحنفية والشافعي: الأصل عندنا ان كل فعل استحق فعله على جهة بعينها، فعلى أي وجه حصل كان من الوجوه المستحق عليها كرد الوديعة والغصب. وعلى هذا مسائل: منها: ١ - ان من صام رمضان بنية النفل أو بنية مبهمة اجزأه عن الغرض. ٢ - من سجد في الصلاة المكتوبة سجدة يريد بها النفل كانت فرضا. ٣ - إذا وهبت المرأة صداقها لزوجها قبل القبض ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء عليها استحسانا ويرجع الزوج عليها بنصف الصداق قياسا. ٤ - من غصب طعاما ثم أطعم المغصوب منه برئ من الضمان (١). فهذه أربع مسائل من أبواب فقهية متفرقة جمع بينها ارتباطها بأصل واحد. أما الزنجاني: فقد قامت طريقته - كما تقدم - على السير وراء أبواب _________ (١) تأسيس النظر ص ٦١ المطبعة الادبية بمصر. اولى.

стр. 10

الفقه ملتزما تخريج فروعها على الأصول التي تنتمي إليها، ضمن حدود المذهبين الشافعي والحنفي. فاذا كان المهم عند الدبوسي، أن تنسب المسائل المنثورة في أبواب الفقه المختلفة إلى الأصل الذي تفرعت عنه، إن الزنجاني يسلك المنهج الذي يؤدي إلى ضبط فروع الكتاب او الباب الفقهي بضوابط من الاصول أو قواعد الفقه بحيث تصبح الفروع منتظمة في سلك يردها مجتمعة أو على انفراد لتنطوي كلها تحت ذلك الكتاب أو الباب الذي كان عنوان تلك الفروع. لذا فقد تنتمي الجزئيات ضمن الباب الفقهي الى عدة ضوابط، ولكنها - إلا في النادر - تخرج عن انتسابها الى ذلك الباب. وهكذا نجد انفسنا أمام محاولة لضبط فروع الفقه في المذهبين من جهة والتزام خط متساوق مع تقسيمات الفقهاء من جهة ثانية، ومحتوى كتاب التخريج أمثلة لما نقول. ثم ان الزنجاني قد أكثر من مسائل اصول الفقه بينما لم يأت الدبوسي إلا بعدد يسير منها (ص ٧٧، ٦٤، ٥٥، ٤٧، ٢٨). وبعد ذلك: فإن الدبوسي لا يعني بتحرير مسألة الاصول او القاعدة الفقهية من ناحية الاحتجاج لها وتأييد المعنى الذي قامت عليه، بل يكتفي - إلا على الندرة - بايراد تلك المسألة، أو القاعدة وكأنه يعتبرها من المسلمات، وعلى العكس من ذلك صنيع الزنجاني. *** أما بعد الزنجاني: فلم نجد من سلك سبيله في الجمع عند ضبط المسائل بين مسائل الاصول وقوانين الفروع - على حد تعبيره - وإنما كان العلماء على فريقين.

стр. 11

الأول - أولئك الذين ضبطوا الفروع عن طريق القواعد وذلك مانراه عند من كتبوا في قواعد الفقه - أو الأشباه والنظائر أو الفروق بدءا من العز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ هـ الى عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة ٩٣٨ هـ الذي ألف كتابا أسماه «المقاصد السنية في القواعد الشرعية» - مخطوط اختصر فيه «قواعد الزكشي» - مخطوط -. وآخر ما اطلعنا عليه في هذا الباب «الفرائد البهية في القواعد الفقهية» للسيد محمود حمزة مفتي دمشق المتوفى سنة ٣٠٥ هـ طبع دمشق سنة ١٩٢٨. الثاني - أولئك الذين حاولوا تحرير مسائل الاصول فقط، وبيان ما يمكن أن يتفرع عليها من مسائل الفقه، كالذي نراه عند الإسنوي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ في كتابه الذي سماه «التمهيد في استخراج المسائل الفروعية من القواعد الأصولية» فمثلا أتى بمسألة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» وبعد أن حررها جاء لها بفرعين من مبحثي العرايا وحكم السلام (١). ولأحد الشيعة كتاب أسماه «كشف الفوائد من تمهيد القواعد» في أصول الشيعة الإمامية - مخطوط - ذكر في مقدمته - وهو غير معروف الاسم - (٢) انه ألفه في تخريج الفروع على الأصول وفق تمهيد الإسنوي، وفي ذيله رسالة تفهرس للمسائل حسب أبواب الفقه وقد فرغ من تأليفه سنة ٩٦٨ هـ. على طريقة الإسنوي ألف محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي سنة ١٠٠٤ هـ كتابا أسماه «الوصول إلى قواعد الأصول» - مخطوط - وذكر في مقدمته انه سار به سيرة الإسنوي في التمهيد، فمثلا بعد أن أتى بمسألة «ان الحكم إذا أضيف الى مسمى خاص او علق بشرط خاص لم يكن دليلا على نفي الحكم _________ (١) التمهيد مخطوط دار الكتب المصرية رقم ٥٨٣، ص ١٢٥ من المطبوع بالمطبعة الماجدية بمكة المكرمة سنة ١٣٥٣. (٢) بعد طباعة التخريج طبعته الأولى علمنا أن الصواب في اسم الكتاب هو «تمهيد القواعد الاصولية والعربية لتفريع فوائد الأحكام الشرعية» وصاحبه هو: زين الدين علي بن احمد الشامي العاملي المشهور ب «الشهيد الثاني». هذا وقد أشرت الى ذلك في فهارس كتابي «تفسير النصوص في الفقه الاسلامي» الجزء الثاني.

стр. 12

عند عدم الوصف أو الشرط، فرع عليها عددا من المسائل منها: جواز نكاح الأمة عند طول الحرة. وان المبتوتة تستحق النفقة وإن كانت غير حامل. وان الزنى يوجب حرمة المصاهرة. النسختان المخطوطتان وعملنا في التحقيق: بعد اطلاعي على مخطوطة الكتاب في دار الكتب المصرية، وعزمي على تحقيقه حاولت جاهدا التفتيش في مظان وجود المخطوطات سواء فى البلاد العربية أو في غيرها، لعلي أجد له نسخا أخرى من اجل المقارنة - فلم اضفر إلا بنسخة مكتبة الأزهر - وعبثا جددت المحاولة والاتصال والكني لم أقف على جديد. وهكذا كان بين يدي للعمل نسختان فقط. الأولى - نسخة دار الكتب وقد رمزت لها بالحرف [د]. الثانية - نسخة الأزهر وقد رمزت لها بالحرف [ز]. وتقع نسخة دار الكتب في (٩٣) ورقة من القطع الصغير، مكتوبة بخط عادي في القرن التاسع حيث تمت كتابتها - كما ذكر في آخرها - سنة ٨١٨ هـ. ولم يختلف الخط من بدء مقدمة المؤلف حتى آخر الكتاب، غير ان ورقة واحدة قبل المقدمة - وعليها اسم الكتاب ونبذة مختصرة من ترجمة المؤلف - جاء بخط مختلف بعض الشيء. أما نسخة الأزهر: فتقع في (٥٥) ورقة من القطع الصغير ضمن مجموعة في مجلد بخطوط مختلفة، بها خروم. ومسطرتها مختلفة من ورقة ١٦٣ الى ٣١٨ والخروم تقع في ثلاثة مواضع وجاءت في المطبوعة كما يلي: الاول - يبدأ من (ص ٥٩) عند الكلام على مسألة المباح وينتهي في (ص ٨٠) أول مسألة الصلح على الانكار. الثاني - يبدأ من (ص ٨٢) في مسألة قول الصحابي وينتهي في (ص ٨٧) بمسألة الايجاب والقبول. الثالث - يبدأ من (ص ١٣٧) في مسألة الإشهاد على النكاح وينتهي في

стр. 13

(ص ١٦٦) عند رأي الحنفية في المشترك. وقد عنيت قبل كل شيء بتحرير النص لأقدم كلام المؤلف بأمانة الى القارئ وعلى الرغم من التصحيف الكثير وما يعترض من وهم الناسخين الى جانب النقص في نسخة الأزهر، فقد كانت المقارنة بين النسختين في الموجود، والعودة الى المصادر - إن لم تجد المقارنة - تحل الاشكال وتوضح المراد ولو بعد لأي وكثير من التنقيب وقد اخترت نسخة دار الكتب لتكون الأصل في التحقيق لميزتها الاساسية وهي خلوها من الخروم؛ ولكن ذلك لم يمنع من أن تكون [ز] مستندا فيما قد يسد النقص أو يهدي الى الصواب، وقد حدث مثل هذا في أكثر من موطن وأشرنا اليه في الحاشية. من ذلك ما وقع في احتجاج الحنفية لمسألة من مسائل الأمر أخذناه من [ز] وكان ساقطا من [د] (ص ٥٨) وفي مسألة شهادة النساء حصل في [د] سقط من اول العبارة وفي [ز] سقط من آخرها وبجمع الكلام منهما استقامت العبارة (ص ١٣٧). على أن في [ز] زيادات بعض الأحيان الأحيان رأيت اثباتها فى الصلب وأشرت إلى ذلك في الحاشية، كالذي حصل في جزء من مقدمة المؤلف (ص ٢ - ٣) وفي مسألة العموم وصيغته (ص ١٣٧). وقيام الكتاب على التفريع دعاني الى ترقيم المسائل الكبرى منها والصغرى تسهيلا على القارئ اذ بدون ذلك لا يخلو الامر عن مشقة وعنت. وحرصت على المخالفة بين الترقيمين ليتميز أحدهما عن الآخر، وجعلت المسألة دائما في بدء سطر جديد وكلمة «منها» التي تترد عند المؤلف حين التفريع رأيت من الفائدة إبرازها بخط أكثر وضوحا. وفي عناوين المباحث صادف سقط في [د] وجدته في [ز] كما في «مسائل التيمم» ص ٢٠، وفي ص ١٢٤ وجدنا زمرة من المسائل في موضع عنوانها بياض فأثبتنا لها عنوانا على طريقة المؤلف.

стр. 14

وجاءت فروع الأحكام في اختلاف الدارين بدون عنوان إذ وجد بياض في [د] آخر كلمة من مسائل الصداق عند قول المؤلف «من غير كفؤ» وبين اول مبحث اختلاف الدارين وكانت هذه الصفحات ضمن الخرم الثالث في [ز] فرأينا أن نضع العنوان «مسائل اختلاف الدارين» ص ١٤٣. وعلى زمرة من مسائل الرجعة في الطلاق وجدنا «كتاب الوصية» فاستبدلناه حرصا على التطابق والانسجام بين العنوان وفاتحته «بمسائل الرجعة» وأوضحنا ذلك في الحاشية هناك ص ١٥٤. وفي شأن الهمزة رأيناها مسهلة على الغالب في وسط الكلمة كما في مسايل خايض … فقطعناها تيسيرا للقارئ. وقد التزمت نسخة [د] «كلمة ﵁» للشافعي و«﵀» لأبي حنيفة ولم يلتزم ذلك في [ز] بالنسبة إلى أبي حنيفة بل كانت تستبدل «﵀» احيانا ب «﵁» فرأينا إثبات «﵁» لكل من الإمامين رحمهما الله. وفي الآيات الكريمة، كان طبيعيا أن تنسب الآية مرقمة إلى سورتها. أما الحاديث: فقد عزوتها إلى دو اوينها من السنة وحرصت على الرجوع الى مظان علوم الحديث لا تثبت مماقاله الأئمة في قيمة هذه الأحاديث وتخريجها وكنت اذكر الروايات المتعددة على وجوهها إذا وجدت حاجة لذلك. وإذ كانت مباحث المؤلف تشمل إلى جانب نصوص الآيات والأحاديث - مسائل أصول الفقه - والقواعد الفقهية وفروع الاحكام، كان لا بد من الرجوع قدر المستطاع إلى مظان ذلك كله في كتب التفسير والحديث - خصوصا ما يختص منها بنصوص الاحكام - وفي كتب أصول الفقه، ما كتب على طريقة المتكلمين، وما كتب على طريقة الحنفية - وفي كتب القواعد الفقهية والاشباه والنظائر وفي كتب الفروع في المذهبين، أو ما يعنى بالمقارنة وذكر الاختلاف

стр. 15

في غيرهما، وقد ذكرت في الحاشية عند تحرير المسائل ما يجب ذكره وإيضاح الرأي فيه مغزوا إلى مراجعه، وما لم أر ضرورة لذكره أشرت إلى موطن بحثه من المراجع في الصفحة والكتاب. على اني بعد هذا كله سأترك الإمام الزنجاني ﵀ مع القارئ الذي ما أحسب إلا أنه من أسرة هذا النوع من علوم الاسلام، وعلى معرفة بالطريقة التي تصاغ عليها تعابير أولئك الأئمة في الأصول والفقه والقواعد، وكيف تدل العبارة على معناه وتؤدي الغرض الذي يريده المؤلفون، وان كان صاحبنا يتميز بمنهجية فريدة ألمحنا اليها من ذي قبل. وإذا كنت التزمت هذه الطريق، فلأن تحقيق المخطوط في نظري ليس شرحا للكتاب، وإنما هو تقديم النص محققا بأمانة علمية، وعلم ما من شأنه خدمة هذا النص ووضعه أمام القارئ بشكل سليم ودقيق، أما الشرح: فله شأن آخر. ولعل قادمات الايام تحمل من ملاحظات القراء والباحثين ما يساعد على استكمال ما يكون قد فاتني عمله، عسى أن نسهم مع العاملين في متابعة الطريق، طريق خدمة هذه الشريعة التي ما تزال مناهل أحكامها الخالدة على مر الزمن مخبوءة من الباحثين الذين يريدون لهذه الأمة أن تحقق ذاتها فتحتكم دائما إلى ما لديها من تشريع، غير غافلة عن الافادة من ثمرات التطور الحقوقي عند الآخرين، وأن تمد العالم - كما أمدته من قبل - بأعظم ثروة فقهية عرفها الانسان، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. دمشق في ١٥ من ذي الحجة ١٣٨١ الموافق ٥/ ١٩٦٢/١٩

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله الذي له ما في السموات والأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد رسول الله وخاتم النبيين وعلى آله وصحابته ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين. وبعد: فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب «تخريج الفروع على الأصول» التي تخرج إلى النور بعد زمن من نفاد الطبعة الاولى وكانت عن نسختين مخطوطتين وإنما كان ذلك لأسباب خارجة عن إرادتي، وخيرة الله هي الخير. والذي كان يدعوني إلى إعادة طبع الكتاب مع نفاد نسخة والسؤال عنه، ما لمست من رغبة من لا تسعني مخالفتهم وتقدير أهل الاختصاص لهذا المؤلف الذي أبدع صاحبه الزنجاني ﵀ في تحقيق الغاية التي أرادها من بيان علاقة الفروع بالاصول والقواعد الفقهية، حتى كان التطابق كاملا بين العنوان والمضمون. ولقد عنيت عدة جامعات بالكتاب وأقرته الجامعة الازهرية من سنين ليكون واحدا من الكتب المقررة في الدراسات العليا لطلابها. ومن خلال التدريس والمعاناه، رأيت استكمالا لعناصر الإفادة من المؤلف ومنهج صاحبه ﵀، أن أعود إلى عملي في التحقيق من جديد، فأزيد

стр. 17

الكتاب في حواشيه ما تحصل لدي من استقصاء كامل لجميع القواعد الاصولية والقواعد الفقهية والاحكام التي تفرعت عن كل قاعدة وتحرير ذلك كله من مظانه الاولى وإثبات ذلك برقم الجزء والصفحة، مع الاشارة الى ما يمكن أن يكون من تخالف بين ما نص عليه المؤلف وبين الذي نراه في تلكالمظان من كتب الاصول وقواعد الفقه والفروع وخصوصا في شأن عزو قاعدة أصولية أو حكم فرعي للحنفية، أو الشافعية، أو للحنفية ويكون القول لبعض أثمتهم فقط. والذين عانوا مثل هذه الأمور يعلمون كم يكلف تتبع القضايا في مظانها وتمحيصها بميزان لا يعول، من الجهد والوقت … والله المستعان. وكان اجتهادي في الطبعة الأولى أن أقتصر بعد تقديم النص بأمانة، على تحرير بعض المسائل وأدع للقارئ أن يعود للباقي في المظان التي ذكرتها له في الحواشي، ولكني وجدت بعد ذلك - وقد قرر الكتاب للدراسات العليا - في بعض الجامعات كما ذكرت، أن أعاون القارئ - على وجه العموم - والطالب على وجه الخصوص بهذا التتبع الشامل، وتمحيص القضايا تمحيصا يأخذ بيده - بجانب منهج الكتاب - إلى حيث الإسهام في أن تتكون عنده الملكة القادرة على رد الفروع إلى الأصول، وإدراك اثر الاختلاف في قواعد الاصول والفقه فيما كان من الفروع، والنسبة بين كل فرع وأصله، والإحاطة ببعض وجوه الاختلاف بين الأئمة إن وقع، خصوصا وان التطلع قائم في أوساطنا العلمية هنا وهناك الى معرفة طبيعة الصلة بين الأصول والفروع، وعدم النظر إلى الأحكام مبتورة عن مصادرها. وبعد ذلك: تظلل واحدة من القضايا الكبرى التي يجليها الكتاب، إدراك العلاقة الطبيعية بين تحرير النصوص، وفقه النصوص، والنسب الواضح بين مناهج الاستنباط عند العلماء، وبين ما أثمر ذلك من أحكام. وفي تقديري: أن العناية بهذا الطراز من البحث «تخريج الفروع على لأصول» صنيع الزنجاني أجزل الله مثوبته تسهم في ردم فجوة موهومة أو

стр. 18

غير موهومة بين من تغلب عليهم العناية بسند النص ومن تغلب عليهم العناية بفقهه وينشأ عن ذلك ما ينشأ من تباعد وجهات النظر في بعض الأحيان. وأخيرا: إن النظرة الموضوعية للمناهج التي قام عليها الاستنباط، والقواعد الفقهية التي حررها العلماء، ووضع كل من النص وفقهه موضعه تصل بنا - مع العمل الجاد - إلى نتائج طيبة في هذه السبيل إن شاء الله، ليس أقلها أن يكون النص في نظرنا هو المتبوع لا التابع، وأن يكون عمل أئمة الهدى ﵏ فيما استنبطوا من الكتاب والسنة … بحسبان. وأن تستبين مدلولات كل من الاجتهاد والاتباع والتقليد. وإنى تارك للقارئ الكريم - كما ذكرت في الطبعة الأولى - أن يعيش مع المؤلف فكل ما فيه أمثلة للذي أشرت إليه في صدر هذا الكلام. وقد زودت الكتاب بمجموعة من الفهارس كانت للآيات والاحاديث والاعلام، والقواعد الاصولية، والقواعد الفقهية كل على حدة، وللأحكام الفرعية، ثم لموضوعات الكتاب بوجه عام. وأرجو أن يكون ما قدمته من بحث وتعليق في سبيل أن تتحقق الفائدة من «تخريج الفروع على الأصول» على خير ما أؤمل، زلفاي إلى مرضاة الله فإن عطاءه هو العطاء. وما يكون من تقصير بعد ذلك فهو من نفسي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. دمشق ٤ من جمادى الأولى ١٣٩٨ ١٢ من نيسان ١٩٧٨ محمد أديب صالح _________ (١) أود هنا أن أشير إلى أني أبقيت أرقام صفحات الطبعة الأولى على حالها فيما أشرت إليه في المقدمة هنا وتركت للقارئ أن يتعرف على المراد، من خلال عنوان الموضوع المذكور مع الصفحة وإن اختلفت أرقام الطبعة الثانية عن أرقام الطبعة الأولى

стр. 19

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أودع أسرار الهيبة صدور أوليائه وخص بلطائف حكمته المصطفين من علمائه والصلاة على خيرته من خلقه محمد سيد أنبيائه صلاة دائمة دوام أرضه وسمائه وبعد فإن الواجب على كل خائض في علم من العلوم أن يحيط علما كليا بموضوع ذلك العلم وغايته التي ينتهي إليها ليجد من نفسه باعثا على النظر فيه وموضوع علم الفقه هو أفعال العباد وحقيقته تهذيبات دينية وسياسات شرعية شرعت لمصالح العباد إما في معادهم كأبواب العبادات أو في معاشهم كأبواب البياعات والمناكحات وأحكام الجنايات وهو المقصد الأقصى في إبتعاث

стр. 20

المرسلين صلى الله عليهم أجمعين فإنهم لم يبعثوا إلا لتعريف العباد أحكام هذه الأفعال من الحلال والحرام والواجب والمندوب والمكروه والمباح ليتوصلوا بتهذيبها إلى العلم بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله والأدلة التي يستفاد بها هذه الأحكام هي التي تسمى أصول الفقه ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأداتها التي هي أصول الفقه لا يتسع له المجال ولا يمكنه التفريع عليها بحال فإن المسائل الفرعية على أتساعها وبعد غاياتها لها أصول معلومة وأوضاع منظومة ومن لم يعرف أصولها لم يحط بها علما وحيث لم أر أحدا من العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين تصدى لحيازة هذا المقصود بل استقل علماء الأصول بذكر الأصول المجردة

стр. 21

وعلماء الفروع بنقل المسائل المبددة من غير تنبيه على كيفية استنادها إلى تلك الأصول أحببت أن أتحف ذوي التحقيق من المناظرين بما يسر الناظرين فحررت هذا الكتاب كاشفا عن النبأ اليقين فذللت فيه مباحث المجتهدين وشفيت غليل المسترشدين فبدأت بالمسألة الأصولية التي ترد إليها الفروع في كل قاعدة وضمنتها ذكر الحجة الأصولية من الجانبين ثم رددت الفروع الناشئة منها إليها فتحرر الكتاب مع صغر حجمه حاويا لقواعد الأصول جامعا لقوانين الفروع واقتصرت على ذكر المسائل التي تشتمل عليها تعاليق الخلاف روما للاختصار وجعلت ما ذكرته أنموذجا لما لم أذكره ودليلا على الذي لا تراه من الذي ترى ووسمته بتخريج الفروع على الأصول تطبيقا للاسم على المعنى وتقربت به إلى من

стр. 22

توالت علي نعمه وتواترت لدي مننه افتخارا بولائه واستظلالا بفنائه أعني المولى الصاحب الكبير العالم العادل المؤيد المظفر المنصور ولي النعم مؤيد الدين مهد الإسلام اختيار الإمام افتخار الأنام سديد الدولة جلال الملة المعظمة صفي الإمامة المكرمة تاج الملوك والسلاطين شرف الحضرتين ذا الريا ستين أبا الحسن محمد بن محمد ابن عبد الكريم أمين أمير المؤمنين إحياء لمعالم الدين وإبقاء لجميل ذكره في العالمين ولست أطمع في القيام بشكر أياديه ولا بعض ما أولانيه لكنه طوق المجتهد ووسع المعتضد. فما تكلف نفس فوق طاقتها … ولا تجود يد إلا بما تجد أمتعه الله تعالى بدوام دولة المتقين ونائب رب العالمين المتمسك بحبل الله المتين سيدنا ومولانا الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أعز الله به الدنيا والدين ونصر الإسلام والمسلمين بخلود أيامها ونشر في الآفاق ألويتها المنشورة وأعلامها وأنفذ في المشارق والمغارب أوامرها المطاعة وأحكامها وظفرها بالباغي والمطالب

стр. 23

وخلدها تخليد الكواكب ما وخدت قلوص براكب بمنة وجوده والله الموفق

стр. 24

كتاب الطهارة مسألة ذهب الشافعي ﵁ وجماهير أهل السنة إلى أن الطهارة والنجاسة وسائر المعاني الشرعية كالرق والملك والعتق والحرية وسائر الأحكام الشرعية ككون المحل طاهرا أو نجسا وكون الشخص حرا أو مملوكا مرقوقا ليست من صفات الأعيان المنسوبة إليها بل أثبتها الله تحكما وتعبدا غير معللة لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه لا يسال عما يفعل وهم يسألون ولا تصل آراؤنا الكليلة وعقولنا الضعيفة وأفكارنا القاصرة إلى الوقوف على حقائقها وما يتعلق بها من مصالح العباد فذلك حاصل ضمنا

стр. 25

وتبعا لا أصلا ومقصودا إذ ليست المصلحة واجبة الحصول في حكمه واحتج في ذلك بأن الله تعالى إذا جاز أن يعاقب الكافر على كفره والفاسق على فسقه ولا مصلحة لأحد فيه جاز أن يشرع الشرائع وإن تعلق بها مفسدة ولا يتعلق بها مصلحة لأحد ولذلك الله تعالى كلف الإنسان ما ليس في وسعه فقال تعالى ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ ﴿فأتوا بسورة مثله﴾ وقال للملائكة ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ وكل ذلك تكليف للإنسان ما ليس في وسعه وذلك ضرر لا مصلحة فيه وسر هذه القاعدة أن الله تعالى مالك الملك وخالق الخلق

стр. 26

يتصرف في عباده كيف يشاء ولا كذلك الواحد منا فإنه إذا أضر بغيره كان متصرفا في ملك الغير بالضرر وذلك ظلم وعدوان وذهب المنتمون إلى أبي حنيفة ﵁ من علماء الأصول إلى أن الأحكام الشرعية صفات للمحال والأعيان المنسوبة إليها أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير كما أن الحسن والقبح والوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة من صفات الأفعال التي تضاف إليها غير أنهم قسموا أحكام الأفعال إلى ما يعرف بمجرد العقل والى ما يعرف بأدلة الشرع على ما سيأتي أما أحكام الأعيان فقد اتفقوا على أنها كلها تعرف بأدلة شرعية ولا تعرف بمجرد العقل وأنها كلها تثبت بإثبات الله تعالى

стр. 27

واحتجوا في ذلك بقياس الشاهد على الغائب بناء على قاعدة التحسين والتقبيح وزعموا أن شرع الحكم لا لمصلحة عبث وسفه والعبث قبيح عقلا وهو كإقدام الرجل اللبيب على كيل الماء من بحر إلى بحر فإنه يقبح منه ذلك ويستحق الذم عليه وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول الشافعي ﵁ حيث رأى أن التعبد في الأحكام هو الأصل غلب احتمال التعبد وبني مسائله في الفروع عليه وأبو حنيفة ﵁ حيث رأى أن التعليل هو الأصل بنى مسائله في الفروع عليه فتفرع عن الأصلين المذكورين مسائل منها أن الماء يتعين لإزالة النجاسة عند الشافعي ﵁ ولا يلحق غيره به تغليبا للتعبد وقال أبو حنيفة ﵁ يلحق به كل مائع طاهر مزيل للعين والأثر تغليبا للتعليل

стр. 28

ومنها أن الماء المتغير بالطاهرات كالزعفران والأشنان إذا تفاحش تغيره لم يجز التوضي به عند الشافعي ﵁ بناء على الأصل المذكور فإنه تعبد باستعمال الماء بالاتفاق والميع اسم الماء وهذا لا يندرج تحت اسم المطلق ومنها أن التوضي بنبيذ التمر عند عدم الماء في السفر ممتنع عندنا وعنده جائز

стр. 29

ومنها أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ عند الشافعي ﵁ تغليبا للتعبد بترجيح الاجتناب على الإقتراب وعندهم يطهر تشوقا إلى التعليل ومنها أن ذكاة ما لا يؤكل لحمه لا يفيد طهارة الجلد عندنا مراعاة للتعبد كما في ذكاة المجوس ونجاسة اللحم من هذا الذبيح وعندهم يطهر تشوقا إلى تعليل الطهارة بسفح الدم والرطوبات المتعفنة

стр. 30

ومنها أنه يتعين لفظة التكبير في افتتاح الصلاة عندنا ولا يقوم ما في معناها مقامها ويتعين لفظة التسليم في اختتامها ولا يقوم ما في معناها مقامها وعنده يقوم ومنها أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها في الصلاة عندنا لاحتمال التعبد بالإعجاز اللفظي والمعنوي وعنده يقوم مقامها تعويلا على المعنى

стр. 31

ومنها أنه يمتنع الإبدال في باب الزكوات ولا يجزئ إخراج القيم عندنا لظهور احتمال التعبد بالتشريك بين الفقراء والأغنياء في جنس المال وعندهم يجزئ ومنها أن تخليل الخمر حرام والخل الحاصل منه نجس عندنا تغليضا للأمر فيها

стр. 32

وعندهم جائز والخل الحاصل منه طاهر تعليلا بزوال علة النجاسة كما في الدباغ ومنها أن التغذية والتعشية في الكفارات لا تجزئ عندنا بل يجب صرف الطعام إلى المساكين ومنها انه يجب استيعاب العدد عندنا وصرف الطعام إلى المساكين وعندهم يجوز صرفه إلى مسكين واحد ستون يوما أو عشرة أيام في كفارة اليمين

стр. 33

مسألة العلة القاصرة صحيحة عندنا باطلة عند أبي حنيفة ﵁ وساعدونا في العلة المنصوصة وهي من المسائل اللفظية في علم الأصول فان معنى صحتها صلاحيتها لإضافة الحكم إليها وهذا مسلم عند الخصم ومعنى فسادها عدم اطرادها وهو مسلم عندنا وقولهم لا فائدة فيها فإنها لا تثبت حكما في غير محل النص وقد استغني عنها في محل النص باطل لأنا نقول كما أن المتعدية وسيلة إلى إثبات الحكم فالقاصرة وسيلة إلى نفيه وكلاهما مقصودان فان إثبات الحكم في محل النفي محذور كما أن نفيه في محل الإثبات محذور ثم تولد من هذا النظر مسألة أخرى لفظية في الأصول أفردها

стр. 34

الأصوليون بالنظر وهي أن الحكم في محل النص يضاف إلى النص أو العلة قال الشافعي ﵁ تضاف إلى النص وقال أبو حنيفة ﵀ تضاف إلى العلة يتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء عند الشافعي ﵁ -فإن العلة فيه مقصورة على محل النص وهو خروج الخارج من المسلك المعتاد وعنده ينقض فإن العلة في الأصل خروج النجاسة من بدن الآدمي ومنها الإفطار بالأكل والشرب في نهار رمضان فإنه لا

стр. 35

يوجب الكفارة عندنا لأن العلة فيه خصوص الجماع وعنده عموم الإفساد ومنها أن علة تحريم الربا في النقدين الثمينة المختصة بهما وعنده الوزن مع الجنسية ومنها أن علة وجوب نفقة القريب البعضية المختصة بالوالدين والمولودين وعنده عموم الرحم وفسروا الرحم المحرم بأن كل شخصين لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرم عليه نكاحه فإنه يستحق النفقة

стр. 36

مسألة الزيادة على النص ليست نسخا عندنا وذهب أبو حنيفة ﵁ إلى أنها نسخ فلا تجوز إلا بما يجوز النسخ به واعلم أن هذه المسألة أيضا من المسائل اللفظية في الأصول فان الخلاف فيها مبني على الخلاف في حقيقة النسخ وما هيته فحقيقة النسخ عندنا رفع الحكم الثابت وعندهم هو بيان لمدة الحكم فان صح تفسير النسخ بالبيان صح قولهم أن الزيادة على النص نسخ من حيث أنها بيان لكمية العبادة أو كيفيتها وان صح تفسيره بالرفع لم تكن الزيادة نسخا ويتفرع عن هذا الأصل مسائل

стр. 37

منها أن النية واجبة في الوضوء عندنا لأن أشتراطها لا يوجب نسخا وعندهم لا تجب لأن الله تعالى ذكر غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء ولم يذكر النية فمن أوجبها فقد زاد على النص ومنها أن التغريب يشرع مع الجلد عندنا وعندهم لا يشرع لأن الله تعالى ذكر الجلد ولم يذكر التغريب فمن أوجبه فقد زاد على النص والزيادة على النص

стр. 38

نسخ ومنها أن القضاء بالشاهد واليمين جائز عندنا للأخبار والآثار الواردة فيه وعندهم لا يجوز لأن الله تعالى ذكر الرجلين والرجل والمرأتين ولم يذكر الشاهد واليمين فمن عمل بهما فقد زاد على النص

стр. 39

مسألة؟ ذهب أصحاب الشافعي ﵁ إلى إن حرف الواو الناسقة للترتيب واحتجوا في ذلك بأن العرب من عادتها أن تبدأ بالأهم فالأهم ولهذا قال ﵊ ابدؤوا بما بدأ الله به حيث سئل عن البداية في قوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ وعن عمر ﵁ أنه سمع شاعرا يقول كفى الشيب والإسلام

стр. 40

للمرء ناهيا فقال عمر بن الخطاب ﵁ لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك وهذا يدل على إن التأخير في اللفظ يدل على التأخير في الرتبة قالوا ويدل على الترتيب مسألتان إحداهما لو قال في مرض موته سالم حر وغانم وكان سالم مقدار الثلث اقتصر العتق عليه دون غانم ولو كانت للجمع لو حب أن يعتق مقدار الثلث منهما جميعا الثانية قالوا لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق فإنه لا يقع إلا طلقة واحدة ولو كانت للجمع لطلقت ثلاثا كما لو قال أنت طالق ثلاثا أو طلقتين وذهب أصحاب أبي حنيفة ﵏ إلى أنها للاشتراك المطلق
следующие страницы →