← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6299

مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول

أبو شامة المقدسي

Полный текст (50 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

خطْبَة الْكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على أشرف الْمُرْسلين سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأمين وعَلى آله الطيبين الطاهرين وَأَصْحَابه نُجُوم الدّين وَبعد ١ - فَهَذَا مُخْتَصر من كتاب المؤمل للرَّدّ إِلَى الْأَمر الأول تصنيف الإِمَام الْعَلامَة مُحي السّنة شهَاب الدّين أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِأبي شامة قدس الله روحه قَالَ أما بعد ٢ - فَإِن الْعلم قد درست أَعْلَامه وَقل فِي هَذَا الزَّمَان إتقانه وإحكامه وَأدّى بِهِ الاهمال إِلَى أَن عدم احترامه وَقل إجلاله وإعظامه وَكَاد يجهل حَلَاله وَحَرَامه هَذَا مَعَ حث الشَّارِع عَلَيْهِ وَوصف الْعلمَاء القائمين بخشيتهم إِيَّاه وَرَفعه درجاتهم وضمه لَهُم مَعَ اللائكة فِي شهاداتهم قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الْكَثِيرَة ولأحاديث المستنيرة ٣ - وَقد كَانَ من مضى من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قَائِمين بنشر عُلُوم الِاجْتِهَاد فِي جَمِيع الْآفَاق وهم فِي ذَلِك متفاضلون فَمنهمْ الْمُحكم لأمر الْكتاب وَمِنْهُم الْقَائِم بِأَمْر السّنة وَمِنْهُم الممعن فِي استنباط الْأَحْكَام وَقل من اجْتمع فِيهِ الْقيام بِجَمِيعِ ذَلِك

стр. 2

فصل فِي مَنَاقِب الإِمَام الشَّافِعِي ٤ - وَكَانَ من أجعهم وأقومهم بِهِ إمامنا أَبُو عبد الله الْقرشِي المطلبي الشَّافِعِي ﵁ جمع النّسَب الطَّاهِر وَالْعلم الباهر وَكَثْرَة المآثر وَجل المفاخر كَانَ فِيهِ من المناقب والفضائل مَا فرق فِي كثير من الْأَئِمَّة الأفاضل وَيشْهد لَهُ بذلك من كل فِئَة سادة أفاضل ٥ - قَالَ الْمُزنِيّ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول حفظت الْقُرْآن وَأَنا ابْن سبع سِنِين وحفظت الْمُوَطَّأ وَأَنا ابْن عشر ٦ - وَقَالَ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى كَانَ الشَّافِعِي إِذا أَخذ فِي التَّفْسِير كَأَنَّهُ شهد التَّنْزِيل ٧ - وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن بنت الشَّافِعِي سَمِعت أبي وَعمي يَقُولَانِ كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِذا جَاءَهُ شَيْء من التَّفْسِير والفتيا يسئل عَنْهَا الْتفت إِلَى الشَّافِعِي وَقَالَ يَقُول سلوا هَذَا الْغُلَام ٨ - وَقَالَ لَهُ شَيْخه مُسلم بن خَالِد وَهُوَ مفتي مَكَّة يَا أَبَا عبد الله أفت فقد آن لَك أَن تُفْتِي وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة

стр. 3

٩ - وَقَالَ الرّبيع كَانَ الشَّافِعِي يُفْتِي وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة وَكَانَ يحي اللَّيْل إِلَى أَن مَاتَ ١٠ - وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بنت الشَّافِعِي يَقُول كَانَت الْحلقَة فِي الْفتيا بِمَكَّة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام لِابْنِ عَبَّاس وَبعده لعطاء بن أبي رَبَاح وَبعده لعبد الْملك بن جريج وَبعده لمُسلم بن خَالِد وَبعده لسَعِيد بن سَالم وَبعده لمُحَمد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَهُوَ شَاب ١١ - قَالَ ابْن مهْدي سَمِعت مَالِكًا يَقُول مَا يأتيني قُرَيْش أفهم من هَذَا الْفَتى يَعْنِي الشَّافِعِي ١٢ - قَالَ أَبُو عبيد بن سَلام مَا رَأَيْت قطّ أَعقل وَلَا أورع وَلَا أفْصح من

стр. 4

الشَّافِعِي ١٣ - قَالَ هِلَال بن الْعَلَاء الرقي أَصْحَاب الحَدِيث عِيَال على الشَّافِعِي فتح لَهُم الأقفال ١٤ - قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لَقِيَنِي أَحْمد بن حَنْبَل بِمَكَّة فَقَالَ تعال أريك رجلا لم تَرَ عَيْنَاك مثله فَأرَانِي الشَّافِعِي قَالَ فتناظرنا فِي الحَدِيث فَلم أر أعلم مِنْهُ ثمَّ تناظرنا فِي الْفِقْه فَلم أر أفقه مِنْهُ ثمَّ تناظرنا فِي الْقُرْآن فَلم أر أَقرَأ مِنْهُ ثمَّ تناظرنا فِي اللُّغَة فَوَجَدته بَيت اللُّغَة وَمَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثله قطّ قَالَ فَلَمَّا فارقناه أَخْبرنِي جمَاعَة من أهل الْفَهم بِالْقُرْآنِ أَنه كَانَ أعلم النَّاس فِي زَمَانه وَأَنه كَانَ قد أُوتِيَ فهما فِي الْقُرْآن ١٥ - قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ الْفُقَهَاء والمحدثون صيادلة فجَاء الشَّافِعِي طَبِيبا صيدلانيا مَا رَأَتْ الْعُيُون مِثَاله ١٦ - وَقَالَ يرْوى فِي الحَدِيث إِن الله يقيض للنَّاس فِي رَأس كل مائَة سنة من يعلمهُمْ السّنَن وينفي عَن رَسُول الله ﷺ الْكَذِب فَنَظَرْنَا فَإِذا فِي

стр. 5

رَأس الْمِائَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَفِي رَأس الْمِائَتَيْنِ الشَّافِعِي ١٧ - وَقَالَ إِذا سُئِلت عَن مَسْأَلَة لَا أعرف فِيهَا خَبرا قلت فِيهَا بقول الشَّافِعِي لِأَنَّهُ إِمَام عَالم من قُرَيْش وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَالم قُرَيْش يمْلَأ الأَرْض علما ١٨ - وَقَالَ كَلَام الشَّافِعِي فِي اللُّغَة حجَّة ١٩ - وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني الشَّافِعِي عندنَا حجَّة فِي النَّحْو ٢٠ - وَقَالَ أَبُو ثَوْر إِبْرَاهِيم بن خَالِد كَانَ الشَّافِعِي من معادن الْفِقْه

стр. 6

وجهابذة الْأَلْفَاظ ونقاد الْمعَانِي ٢١ - قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد بن صباح الزَّعْفَرَانِي كَانَ أَصْحَاب الحَدِيث رقودا حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فأيقظهم فتيقظوا ومناقبه كَثِيرَة قد ألفت فِيهَا المؤلفات العديدة فصل فِي صفة أهل الْعلم ٢٢ - قَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَيْسَ الْعلم بِكَثْرَة الحَدِيث وَلَكِن الْعلم خشيَة الله ٢٣ - قَالَ مَالك بن أنس لَيْسَ الْعلم بِكَثْرَة الرِّوَايَة وَلكنه نور يَجعله الله فِي قلب من يَشَاء من خلقه ٢٤ - وَفِي رِوَايَة الْعلم وَالْحكمَة نور يهدي بِهِ الله من يَشَاء وَلَيْسَ بِكَثْرَة الْمسَائِل

стр. 7

٢٥ - قَالَ الْأَوْزَاعِيّ كَانَ هَذَا الْعلم كَرِيمًا يتلقاه الرجل بَينهم فَلَمَّا كتب ذهب نوره وَصَارَ إِلَى غير أَهله ٢٦ - وَفِي رِوَايَة كَانَ هَذَا الْعلم سنيا شريفا إِذْ كَانَ النَّاس يتلقونه بَينهم الخ ٢٧ - قَالَ إِذا أَرَادَ الله بِقوم شرا فتح عَلَيْهِم الجدل ومنعهم الْعَمَل ٢٨ - وَقَالَ مَالك لَيْسَ الجدل من الدّين فِي شَيْء ٢٩ - وَقَالَ أَيْضا المراء فِي الْعلم يقسي الْقُلُوب وَيُورث الضغائن ٣٠ - وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن أبي أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل ثمَّ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ٣١ - قَالَ بل كَانَ الْعلمَاء من السّلف الصَّالح أهل نسك وَعبادَة وورع وزهادة أرضوا الله تَعَالَى بعلمهم وصانوا الْعلم فصانهم وتدرعوا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة بِمَا زانهم وَلم يشنهم الْحِرْص على الدُّنْيَا وخدمة أَهلهَا بل أَقبلُوا على طَاعَة

стр. 8

الله الَّتِي خلقُوا لأَجلهَا ٣٢ - فَأُولَئِك هم الَّذين عناهم الشَّافِعِي بقوله مَا أحد أولى بخلقه من الْفُقَهَاء وَفِي رِوَايَة إِن لم يكن الْفُقَهَاء الْعَامِلُونَ أَوْلِيَاء الله فَمَا لله ولي ٣٣ - قَالَ ابْن عَبَّاس لَو أَن الْعلمَاء أخذُوا الْعلم بِحقِّهِ لأحبهم الله وَالْمَلَائِكَة والصالحون من عباده ولهابهم النَّاس لفضل الْعلم وشرفه ٣٤ - قَالَ وهب بن مُنَبّه إِن الْفُقَهَاء فِيمَا خلا حملُوا الْعلم فَأحْسنُوا حمله فاحتاجت إِلَيْهِم الْمُلُوك وَأهل الدُّنْيَا وَرَغبُوا فِي عَمَلهم فَلَمَّا كَانَ بِأُجْرَة فَشَتْ عُلَمَاء فحملوا الْعلم فَلم يحسنوا حمله فطرحوا علمهمْ على الْمُلُوك وَأهل الدُّنْيَا فاهتضموهم واحتقروهم ٣٥ - وَقَالَ أَيْضا كَانَ الْعلمَاء قبلنَا قد استغنوا بعلمهم عَن دنيا غَيرهم فَكَانُوا لَا يلتفتون إِلَى دنياهم وَكَانَ أهل الدُّنْيَا يبذلون دنياهم فِي علمهمْ فَأصْبح أهل الْعلم منا الْيَوْم يبذلون لأهل الدُّنْيَا علمهمْ رَغْبَة فِي دنياهم وَأصْبح أهل الدُّنْيَا قد زهدوا فِي علمهمْ لما رَأَوْا من سوء مَوْضِعه عِنْدهم ٣٦ - اللَّهُمَّ فجنبنا طَريقَة قوم لم يقومُوا بِحَق الْعلم وَأَرَادُوا بِهِ الدُّنْيَا وأعرضوا عَمَّا لَهُم بِهِ فِي الْآخِرَة من الدرجَة الْعليا فَلم يهنئوا بحلاوته وَلم يتمتعوا بنضارته بل خلقت عِنْدهم ديباجته ورثت حَاله ٣٧ - وَعرف مِقْدَاره جمَاعَة من السَّادة فعظموه وبجلوه ووقروه واستغنوا بِهِ ورأوه بعد الْمعرفَة أفضل مَا أعطي الْبشر واحتقروا فِي جنبه كل مفتخر وتلو ﴿فَمَا آتَانِي الله خير مِمَّا آتَاكُم﴾

стр. 9

٣٨ - وَكَيف لَا يكون الْأَمر كَذَلِك وَالْعلم حَيَاة وَالْجهل موت فبينهما كَمَا بَين الْحَيَاة وَالْمَوْت وَلَقَد أحسن من قَالَ وَفِي الْجَهْل قبل الْمَوْت موت لأَهله وأجسامهم قبل الْقُبُور قُبُور ... وَإِن امْرَءًا لم يحيى بِالْعلمِ ميت وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النشور نشور ٣٩ - وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر من قَرَأَ الْقُرْآن فَكَأَنَّمَا أدرجت النُّبُوَّة بَين جَنْبَيْهِ إِلَّا أَنه لَا يُوحى إِلَيْهِ وَمن قَرَأَ الْقُرْآن فَرَأى أَن أحدا من الْخلق أعطي أفضل مِمَّا أعطي فقد حقر مَا عظم الله وَعظم مَا حقر الله فصل فِي قبض الْعلمَاء وفشو الْجَهْل ٤٠ - وَصَحَّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من النَّاس وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم يبْق عَالما اتخذ النَّاس رؤوسا جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا ٤١ - وَمَا أعظم حَظّ من بذل نَفسه وجهدها فِي تَحْصِيل الْعلم حفظا على النَّاس لما بقى فِي أَيْديهم مِنْهُ ٤٢ - فَإِنَّهُ فِي هَذِه الْأَزْمِنَة قد غلب على أَهلهَا الكسل والملل وَحب الدُّنْيَا وَقد قنع الْحَرِيص مِنْهُم من عُلُوم الْقُرْآن بِحِفْظ سوره وَنقل بعض قراءاته وغفل عَن علم تَفْسِيره ومعانيه واستنباط أَحْكَامه الشَّرِيفَة من مَعَانِيه وَاقْتصر من علم الحَدِيث على سَماع من بعض الْكتب على شُيُوخ أَكْثَرهم

стр. 10

أَجْهَل مِنْهُ بِعلم الرِّوَايَة فضلا عَن الدِّرَايَة وَمِنْهُم من قنع بزبالة أذهان الرِّجَال وكناسة أفكارهم وبالنقل عَن أهل مذْهبه وَقد سُئِلَ بعض العارفين عَن معنى الْمَذْهَب فَأجَاب أَن مَعْنَاهُ دين مبدل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ ٤٤ - أَلا وَمَعَ هَذَا يخيل إِلَيْهِ أَنه من رُؤُوس الْعلمَاء وَهُوَ عِنْد الله وَعند عُلَمَاء الدّين من أَجْهَل الْجُهَّال بل بِمَنْزِلَة قسيس النَّصَارَى أَو حبر الْيَهُود لِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَا كفرُوا إِلَّا بابداعهم فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع ٤٥ - وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ (لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ) الحَدِيث فصل فِي حَالَة السّلف الصَّالح فِي تدافع الْفَتْوَى عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة ٤٦ - وَالْعلم بِالْأَحْكَامِ واستنباطها كَانَ أَولا حَاصِلا للصحابة ﵃ فَمن بعدهمْ فَكَانُوا إِذا نزلت بهم النَّازِلَة بحثوا عَن حكم الله تَعَالَى فِيهَا من كتاب الله وَسنة نبيه وَكَانُوا يتدافعون الْفَتْوَى وَيَوَد كل مِنْهُم لَو كَفاهُ إِيَّاهَا غَيره

стр. 11

فصل فِي السُّؤَال عَن الْحَادِثَة وَالْكَلَام فِيهَا قبل وُقُوعهَا ٤٧ - وَكَانَ جمَاعَة مِنْهُم يكْرهُونَ الْكَلَام فِي مَسْأَلَة لم تقع وَيَقُولُونَ للسَّائِل عَنْهَا أَكَانَ ذَلِك فَإِن قَالَ لَا قَالُوا دَعه حَتَّى يَقع ثمَّ نجتهد فِيهِ ٤٨ - كل ذَلِك يَفْعَلُونَهُ خوفًا من الهجوم على مَا لَا علم لَهُم بِهِ واشتغالا بِمَا هُوَ الأهم من الْعِبَادَة وَالْجهَاد فَإِذا وَقعت الْمَسْأَلَة لم يكن بُد من النّظر فِيهَا ٤٩ - وَقَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ وَقد كره بعض السّلف للعوام الْمَسْأَلَة عَمَّا لم يكن وَلم يمض كتاب وَلَا سنة وكرهوا للمسئول الِاجْتِهَاد فِيهِ قبل أَن يَقع لِأَن الِاجْتِهَاد إِنَّمَا أُبِيح للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة قبل الْوَاقِعَة فَلَا يغنيهم مَا مضى من الِاجْتِهَاد وَاحْتج فِي ذَلِك بِمَا روى عَن النَّبِي ﷺ من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه

стр. 12

٥٠ - وَعَن طَاوُوس قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَهُوَ على الْمِنْبَر أحرج الله على كل امْرِئ مُسلم سَأَلَ عَن شَيْء لم يكن فَإِنَّهُ قد بَين مَا هُوَ كَائِن ٥١ - وَفِي رِوَايَة لَا يحل لكم أَن تسألوا عَمَّا لم يكن فَإِن الله ﵎ قد قضى فِيمَا هُوَ كَائِن ٥٢ - قلت هَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ ٥٣ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يَقُول إيَّاكُمْ وَهَذِه العضل فَإِنَّهَا إِذا نزلت بعث الله لَهَا من يقيمها ويفسرها ٥٤ - قلت إِنَّمَا يضْطَر إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام الْحُكَّام وَلم يَأْتِ الِاجْتِهَاد لغير الْحُكَّام لحَدِيث معَاذ (إِن لم أجد فِي كتاب الله تَعَالَى فبسنة رَسُول

стр. 13

الله وَإِن لم أجد فِي سنة رَسُول الله أجتهد برأيي) لِأَنَّهُ كَانَ حَاكما ٥٥ - وَقَوله ﷺ (أَقْْضِي بَيْنكُم برأيي فِيمَا لم ينزل عَليّ فِيهِ شَيْء) وَهُوَ حَاكم ٥٦ - وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث﴾ وَكَانَا حاكمين ٥٧ - فالاجتهاد بِمَنْزِلَة الْميتَة قَالَ الثَّعْلَبِيّ وَالشَّافِعِيّ وَلَا يحل تناولهما إِلَّا عِنْد المخمصة وَالَّذِي لَيْسَ بحاكم ويجتهد بِرَأْيهِ فَمثله كَمثل رجل قعد فِي بَيته وَيَقُول إِنَّمَا جَازَ أكل الْميتَة لفُلَان وَيجوز أكلهَا لي أَيْضا ٥٨ - فَكَذَلِك لَا يجوز لأحد أَن يحْتَج بقول الْمُجْتَهد لِأَن الْمُجْتَهد يُخطئ ويصيب فَإِذا كَانَ شَيْء يحْتَمل أَن يكون صَوَابا وَخطأ فَتَركه أولى مثل الشُّبُهَات من الطَّعَام تَركه لَهَا أولى من تنَاوله ٥٩ - وَعَن الصَّلْت بن رشد قَالَ سَأَلت طاوسا عَن شَيْء فَانْتَهرنِي فَقَالَ أَكَانَ هَذَا قلت نعم قَالَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ قلت الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ قَالَ إِن أَصْحَابنَا حدثونا عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس لَا تعجلوا بالبلاء قبل نُزُوله فَيذْهب بكم هَهُنَا وَهَهُنَا وَإِن لم تعجلوا قبل نُزُوله لم يَنْفَكّ الْمُسلمُونَ أَن يكون فيهم من إِذا سُئِلَ سدد ٦٠ - وَعَن النَّبِي ﷺ لَا تستعجلوا بالبلية قبل نُزُولهَا فَإِنَّكُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك لَا يزَال مِنْكُم من يوفق ويسدد وَإِنَّكُمْ إِن استعجلتم بهَا قبل نُزُولهَا تفرقتم

стр. 14

٦١ - وَكَانَ ابْن عمر إِذا سُئِلَ عَن الْفَتْوَى يَقُول إذهب إِلَى هَذَا الْأَمِير الَّذِي تقلد أُمُور النَّاس ووضعها فِي عُنُقه إِشَارَة إِلَى أَن الْفَتْوَى والقضايا وَالْأَحْكَام من تَوَابِع الْولَايَة والسلطنة ٦٢ - قلت بِهَذَا السَّبَب أخذُوا سنَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَزَادُوا عَلَيْهِم حَتَّى صَارُوا اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وَحكم عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ أَنهم من أَصْحَاب النَّار كَمَا شهد للعشرة أَنهم من أَصْحَاب الْجنَّة ٦٣ - وَقَالَ مَسْرُوق سَأَلت أبي بن كَعْب عَن شَيْء قَالَ أَكَانَ بعد قلت لَا قَالَ فاصبر حَتَّى يكون فَإِن كَانَ اجتهدنا لَك رَأينَا ٦٤ - وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى أدْركْت مائَة وَعشْرين من الْأَنْصَار من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ مَا مِنْهُم أحد يحدث بِحَدِيث إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاه وَلَا

стр. 15

يستفتى عَن شَيْء إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاه وَفِي رِوَايَة يسْأَل أحدهم الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَّا هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول فصل فِي التنفير من القَوْل بِالرَّأْيِ ٦٥ - ثمَّ بعد الصَّحَابَة أَرَادَ الله أَن يصدق نبيه فِي قَوْله تفترق أمتِي على بضع وَسبعين فرقة أعظمها فرقة على أمتِي قوم يقيسون الْأُمُور برأيهم فيحللون الْحَرَام ويحرمون الْحَلَال وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن جُبَير بن نفير عَن عَوْف بن مَالك عَنهُ ﷺ ٦٦ - فكثرت الوقائع والنوازل فِي التَّابِعين وَمن بعدهمْ واجتهدوا بآرائهم لمن اضْطر وَمن لم يضْطَر ووصلت إِلَى من بعدهمْ من الْفُقَهَاء ففرعوا عَلَيْهَا وقاسوا واجتهدوا فِي إِلْحَاق غَيرهَا بهَا فتضاعفت مسَائِل الْفِقْه وشككهم إِبْلِيس ووسوس فِي صُدُورهمْ ٦٧ - وَاخْتلفُوا اخْتِلَافا كثيرا من غير تَقْلِيد فقد نهى إمامنا الشَّافِعِي عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره كَمَا سَنذكرُهُ فِي فصل ٦٨ - وَكَانَت تِلْكَ الْأَزْمِنَة مَمْلُوءَة بالمجتهدين فَكل صنف على مَا رأى وَتعقب بَعضهم بَعْضًا مستمدين من الْأَصْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة وترجيح الرَّاجِح من أَقْوَال السّلف الْمُخْتَلفَة بِغَيْر هوى وَلم يزل الْأَمر على مَا وصفت إِلَى أَن اسْتَقَرَّتْ الْمذَاهب الْمُدَوَّنَة ٦٩ - ثمَّ اشتهرت الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وهجر غَيرهَا فقصرت همم أتباعهم إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فقلدوا بَعْدَمَا كَانَ التَّقْلِيد لغير الرُّسُل حَرَامًا بل صَارَت أَقْوَال أئمتهم عِنْدهم بِمَنْزِلَة الْأَصْلَيْنِ وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾

стр. 16

٧٠ - فَعدم المجتهدون وَغلب المقلدون وَكثر التعصب وَكفر بالرسول حَيْثُ قَالَ يبْعَث الله فِي كل مائَة سنة من يَنْفِي تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين ٧١ - وحجروا على رب الْعَالمين مثل الْيَهُود أَن لَا يبْعَث بعد أئمتهم وليا مُجْتَهدا حَتَّى آل بهم التعصب إِلَى أَن أحدهم إِذا أورد عَلَيْهِ شَيْء من الْكتاب وَالسّنة الثَّابِتَة على خِلَافه يجْتَهد فِي دَفعه بِكُل سَبِيل من التآويل الْبَعِيدَة نصْرَة لمذهبه وَلقَوْله وَلَو وصل ذَلِك إِلَى إِمَامه الَّذِي يقلده لقابله ذَلِك الإِمَام بالتعظيم وَصَارَ إِلَيْهِ وتبرأ من رَأْيه مستعيذا بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَحمد الله على ذَلِك ٧٢ - ثمَّ تفاقم الْأَمر حَتَّى صَار كثير مِنْهُم لَا يرَوْنَ الِاشْتِغَال بعلوم الْقُرْآن والْحَدِيث ويرون أَن مَا هم عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ فبدلوا بالطيب خبيثا

стр. 17

وبالحق بَاطِلا ﴿اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ فصل فِي كَلَام الْعلمَاء فِي الرَّأْي وَالْقِيَاس ٧٣ - ثمَّ نبغ قوم آخَرُونَ صَارَت عقيدتهم فِي الِاشْتِغَال بعلوم الْأَصْلَيْنِ يرَوْنَ أَن الأولى مِنْهُ الِاقْتِصَار على نكت خلافية وضعوها وأشكال منطقية ألفوها ٧٤ - وَقد قَالَ عمر بن الْخطاب اتهموا الرَّأْي على الدّين ٧٥ - وَقَالَ سهل بن حنيف اتَّقوا الرَّأْي فِي دينكُمْ ٧٦ - وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود يحدث قوم يقيسون الْأَمر برأيهم فيهدم الْإِسْلَام ويثلم ٧٧ - مَا عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بِالرَّأْيِ وَلَا قَالَت النَّصَارَى وَلَا أَن الله هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم وَلَا اتخذ الله ولدا أَلا بِالرَّأْيِ وَكَذَلِكَ كل من عبد شَيْئا من دون الله إِنَّمَا عَبده بِرَأْيهِ فَانْظُر إِلَى قَول السامري ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلت لي نَفسِي﴾ ٧٨ - وَقَالَ عبد الله بن عمر لَا يزَال النَّاس على الطَّرِيق مَا اتبعُوا الْأَثر

стр. 18

٧٩ - روى الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عمر إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء السّنَن أعيتهم الْأَحَادِيث أَن يحفظوها فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا ٨٠ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ عَلَيْك بآثار من سلف وَإِن رفضك النَّاس وَإِيَّاك ورأي الرِّجَال وَإِن زخرفوه لَك بالْقَوْل ٨١ - وَقَالَ أَيْضا إِذا بلغك عَن رَسُول الله حَدِيثا فإياك أَن تَقول بِغَيْرِهِ فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ مبلغا عَن الله ﵎ ٨٢ - وَقَالَ أَيْضا الْعلم مَا جَاءَ عَن أَصْحَاب مُحَمَّد وَمَا لم يَجِيء عَن أَصْحَاب مُحَمَّد فَلَيْسَ بِعلم يَعْنِي مَا لم يَجِيء أَصله مِنْهُم ٨٣ - قَالَ الشّعبِيّ إِذا جَاءَك الْخَبَر عَن أَصْحَاب مُحَمَّد فضعه على رَأسك وَإِذا جَاءَك عَن التَّابِعين فَاضْرب بِهِ أقفيتهم ٨٤ - وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ الْعلم كُله بالآثار ٨٥ - وَقَالَ ابْن مبارك ليكن الَّذِي تعتمد عَلَيْهِ الْأَثر وَخذ من الرَّأْي مَا يُفَسر لَك الحَدِيث ٨٦ - وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل سَأَلت الشَّافِعِي عَن الْقيَاس فَقَالَ عِنْد

стр. 19

الضرورات وَكَانَ أحسن أَمر الشَّافِعِي عِنْدِي أَنه إِذا سمع الْخَبَر لم يكن عِنْده قَالَ بِهِ وَترك قَوْله ٨٧ - وَقَالَ الشّعبِيّ الْقيَاس كالميتة إِذا احتجت إِلَيْهَا فشأنك بهَا ٨٨ - قلت مَا احسن قَول الْقَائِل تجنب ركُوب الرَّأْي فَالرَّأْي رِيبَة عَلَيْك بآثار النَّبِي مُحَمَّد ... فَمن يركب الآراء يعم عَن الْهدى وَمن يتبع الْآثَار يهدي ويحمد ٨٩ - وَقَول بعض المغاربة لَا ترغبن عَن الحَدِيث وَأَهله فَالرَّأْي ليل والْحَدِيث نَهَار ٩٠ - وَقَول الْقَائِل انْظُر بِعَين الْهدى إِن كنت ذَا نظر فَإِنَّمَا الْعلم مَبْنِيّ على الْأَثر ... لَا ترْضى غير رَسُول الله مُتبعا مَا دمت تقدر فِي حكم على خبر فصل فِي وجوب الرُّجُوع إِلَى الْكتاب وَالسّنة ٩١ - وَلم يخْتَلف الْمُفَسِّرُونَ فِيمَا وقفت عَلَيْهِ من كتبهمْ فِي أَن قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ تَقْدِيره إِلَى قَول الله وَقَول الرَّسُول ٩٢ - فَيجب رد جَمِيع مَا اخْتلف فِيهِ إِلَى ذَلِك فَمَا كَانَ أقرب إِلَيْهِ اعْتمد صِحَّته

стр. 20

وَأخذ بِهِ ٩٣ - وَلذَلِك قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ ردوا الجهالات إِلَى السّنة وَفِي رِوَايَة يرد النَّاس من الجهالات إِلَى النَّاس ٩٤ - وَهَذِه كَانَت طَريقَة الْعلمَاء الْأَعْلَام أَئِمَّة الدّين وَهِي طَريقَة إمامنا أبي عبد الله الشَّافِعِي ٩٥ - وَلِهَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل مَا من أحد وضع الْكتاب حَتَّى ظهر خطأه أتبع للسّنة من الشَّافِعِي ٩٦ - ثمَّ ان الشَّافِعِي ﵀ احتاط لنَفسِهِ وَعلم أَن الْبشر لَا يَخْلُو من السَّهْو والغفلة وَعدم الِاحْتِيَاط فصح عَنهُ من غير وَجه أَنه أَمر إِذا وجد قَوْله على مُخَالفَة الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ أَن يتْرك قَوْله وَيُؤْخَذ بِالْحَدِيثِ ٩٧ - أَنبأَنَا الْفَاضِل أَبُو الْقَاسِم عَمَّن أخبرهُ الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن

стр. 21

الْبَيْهَقِيّ أَنبأَنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بسنته ودعوا مَا قلت ٩٨ - وَقَالَ صَاحب الشَّافِعِي الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره اختصرت هَذَا الْكتاب من علم مُحَمَّد بن ادريس الشَّافِعِي ﵀ وَمن معنى قَوْله لأقربه على من أَرَادَهُ مَعَ اعلاميه نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره لينْظر فِيهِ لدينِهِ ويحتاط فِيهِ لنَفسِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَي مَعَ إعلامي من أَرَادَ علم الشَّافِعِي نهى الشَّافِعِي عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره ٩٩ - قَالَ الْمَاوَرْدِيّ صَاحب الْحَاوِي قَوْله ويحتاط لنَفسِهِ أَي كَطَلَب السّلف الصَّالح يتبعُون الصَّوَاب حَيْثُ كَانَ ويجتهدون فِي طلبه وَينْهَوْنَ عَن التَّقْلِيد فصل فِي الرُّجُوع إِلَى كتب السّنة وتمييز الطّيب من الْخَبيث من الْأَحَادِيث ١٠٠ - ثمَّ إِن المصنفين من أَصْحَابنَا المتصفين بِالصِّفَاتِ الْمُتَقَدّمَة من الاتكال

стр. 22

على نُصُوص إمَامهمْ معتمدون عَلَيْهَا اعْتِمَاد الْأَئِمَّة قبلهم على الْأَصْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة قد وَقع فِي مصنفاتهم خلل كثير من وَجْهَيْن عظيمين ١٠١ - الأول إِنَّهُم يَخْتَلِفُونَ كثيرا فِيمَا يلقونه من نُصُوص الشَّافِعِي وَفِيمَا يصححونه مِنْهَا وَصَارَت لَهُم طرق مُخْتَلفَة خراسانية وعراقية فترى هَؤُلَاءِ ينقلون عَن إمَامهمْ خلاف مَا يَنْقُلهُ هَؤُلَاءِ والمرجع فِي هَذَا كُله إِلَى إِمَام وَاحِد وَكتبه مدونة مروية مَوْجُودَة أَفلا كَانُوا يرجعُونَ إِلَيْهَا وينقون تصانيفهم من كَثْرَة اخْتلَافهمْ عَلَيْهَا وأجود تصانيف أَصْحَابنَا من الْكتب فِيمَا يتَعَلَّق بنصوص الشَّافِعِي كتاب التَّقْرِيب أثنى عَلَيْهِ أخبر الْمُتَأَخِّرين بنصوص الشَّافِعِي وَهُوَ الإِمَام الْحَافِظ ابو بكر الْبَيْهَقِيّ ١٠ - (الْوَجْه الثَّانِي) مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة والْآثَار المروية من كَثْرَة استدلالهم بالأحاديث الضعيفة على مَا يذهبون إِلَيْهِ نصْرَة لقَولهم وينقصون من أَلْفَاظ الحَدِيث وَتارَة يزِيدُونَ فِيهِ وَمَا أَكْثَره فِي كتب أبي الْمَعَالِي وَصَاحبه أبي حَامِد نَحْو اذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وترادا

стр. 23

١٠٣ - وَمن العجيب مَا ذكره صَاحب الْمُهَذّب فِي أول بَاب إِزَالَة النَّجَاسَة قَالَ وَأما الْغَائِط فَهُوَ نجس لقَوْله ﷺ لعمَّار إِنَّمَا تغسل ثَوْبك من الْغَائِط وَالْبَوْل والمني وَالدَّم والقيء ثمَّ ذكر طَهَارَة مني الْآدَمِيّ وَلم يتَعَرَّض للجواب عَن هَذَا الحَدِيث الَّذِي هُوَ حجَّة خَصمه وَلم يكن لَهُ حَاجَة إِلَى ذكره أصلا فَإِن الْغَائِط لَا ضَرُورَة إِلَى الِاسْتِدْلَال على نَجَاسَته بِهَذَا الحَدِيث الضَّعِيف المنتهض حجَّة عَلَيْهِ فِي أَمر آخر ١٠٤ - وَمن قَبِيح مَا يَأْتِي بِهِ بَعضهم أَن يحْتَج بِخَبَر ضَعِيف وَهُوَ دَلِيل خَصمه عَلَيْهِ فيوردونه معرضين عَمَّا كَانُوا ضَعَّفُوهُ وَفِي كتاب الْحَاوِي والشامل وَغَيرهمَا شَيْء كثير من هَذَا

стр. 24

وهم مقلدون لامامهم الشَّافِعِي فَهَلا اتبعُوا طَرِيقَته فِي ترك الِاحْتِجَاج بالضعيف وعقبه على من احْتج بِهِ وتبيين ضعفه ١٠٥ - ثمَّ إِن مذْهبه ترك الِاحْتِجَاج بالمراسيل إِلَّا بِشُرُوط وَلَو ذكر سَنَد الحَدِيث وَعرفت عَدَالَة رِجَاله إِلَى التَّابِعِيّ وَسقط من السَّنَد ذكر الصَّحَابِيّ كَانَ مُرْسلا ويوردون هَؤُلَاءِ المصنفون هَذِه الْأَحَادِيث محتجين بهَا بِلَا إِسْنَاد أصلا فَيَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ويظنون أَن ذَلِك حجَّة

стр. 25

وإمامهم يرى أَنه لَو سقط من السَّنَد الصَّحَابِيّ وَحده لم يكن حجَّة وَكَذَا لَو سقط غير الصَّحَابِيّ من السَّنَد ١٠٦ - فليتهم إِذا عجزوا عَن أَسَانِيد الْأَحَادِيث وَمَعْرِفَة رجالها عزوها إِلَى الْكتب الَّتِي أخذوها مِنْهَا وَلَكنهُمْ لم يَأْخُذُوا تِلْكَ الْأَحَادِيث إِلَّا من كتب من سبقهمْ من مشايخهم مِمَّن هُوَ على مثل حَالهم فبعضهم يَأْخُذهُ من بعض فَيَقَع التَّغْيِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِيمَا صَحَّ أَصله ويختلط الصَّحِيح بالسقيم وَهَذَا كُله غير مُسْتَقِيم فصل فِي بَيَان أَن الْأَحْكَام تثبت بالأدلة من دواوين السّنة الْمُعْتَبرَة ١٠٧ - بل الْوَاجِب فِي الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام وَبَيَان الْحَلَال وَالْحرَام أَن من يسْتَدلّ بِحَدِيث يذكر مُسْتَنده وَيتَكَلَّم عَلَيْهِ بِمَا يجوز الِاسْتِدْلَال بِهِ أَو يعزوه إِلَى كتاب مَشْهُور من كتب أهل الحَدِيث الْمُعْتَبرَة فَيرجع من يطْلب صِحَة الحَدِيث وسقمه إِلَى ذَلِك الْكتاب وَينظر فِي سَنَده وَمَا قَالَ ذَلِك المُصَنّف أَو غَيره فِيهِ ١٠٨ - وَقد يسر الله تَعَالَى وَله الْحَمد الْوُقُوف على مَا يثبت من الْأَحَادِيث وتجنب مَا ضعف مِنْهَا بِمَا جمعه عُلَمَاء الحَدِيث فِي كتبهمْ من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد

стр. 26

١٠٩ - فالجوامع هِيَ الْمرتبَة على الْأَبْوَاب من الْفِقْه والرقاق والمناقب وَغير ذَلِك ١١٠ - فَمِنْهَا مَا اشْترط فِيهِ الصِّحَّة إِذْ لَا يذكر فِيهِ إِلَّا حَدِيث صَحِيح على مَا اشْتَرَطَهُ مُصَنفه ككتابي البُخَارِيّ وَمُسلم وَمَا الْحق بهما واستدرك عَلَيْهِمَا ١١١ - وكصحيح إِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَكتاب أبي عِيسَى الترميذي وَهُوَ كتاب جليل مُبين فِيهِ الحَدِيث الصَّحِيح وَالْحسن والغريب والضعيف

стр. 27

وَفِيه عَن الْأَئِمَّة فقه كثير ١١٢ - ثمَّ سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَمن بعدهمْ سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ والتقاسيم لأبي حَاتِم بن حبَان وَغَيرهمَا ١١٣ - ثمَّ مَا رتبه وَجمعه الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى من الْأَوْسَط وَالصَّغِير الَّتِي اتى بهَا على تَرْتِيب مُخْتَصر الْمُزنِيّ وقربها إِلَى الْفُقَهَاء بِجهْدِهِ ١١٤ - فَلَا عذر لَهُم وَلَا سِيمَا الشَّافِعِيَّة مِنْهُم فِي تجنب الِاشْتِغَال بِهَذِهِ الْكتب النفيسة المصنفة فِي شروحها وغريبها بل أفنوا زمانهم وعمرهم بِالنّظرِ فِي أَقْوَال من سبقهمْ من الْمُتَأَخِّرين وَتركُوا النّظر فِي نُصُوص نَبِيّهم الْمَعْصُوم وآثار أَصْحَابه الَّذين شهدُوا الْوَحْي وعاينوا الْمُصْطَفى ﷺ وفهموا مُرَاد النَّبِي فِيمَا خاطبهم بقرائن الْأَحْوَال إِذْ الْخَبَر لَيْسَ كالمعاينة فَلَا جرم لَو حرم هَؤُلَاءِ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وبقوا مقلدين

стр. 28

عذر الْعلمَاء فِي الصَّدْر الأول لَا يُوجد الْآن لتوفر كتب الحَدِيث ١١٥ - وَقد كَانَ الْعلمَاء فِي الصَّدْر الأول معذورين فِي ترك مَا لم يقفوا عَلَيْهِ من الحَدِيث لِأَن الْأَحَادِيث لم تكن حِينَئِذٍ بَينهم مدونة إِنَّمَا كَانَت تتلقى من أَفْوَاه الرِّجَال وهم متفرقون فِي الْبِلَاد ١١٦ - وَلَو كَانَ الشَّافِعِي وجد فِي زَمَانه كتابا فِي أَحْكَام السّنَن أكبر من الْمُوَطَّأ لحفظه مُضَافا إِلَى مَا تَلقاهُ من أَفْوَاه مشايخه فَلهَذَا كَانَ الشَّافِعِي بالعراق يَقُول لِأَحْمَد بن حَنْبَل أعلموني بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح أصر عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة إِذا صَحَّ عنْدكُمْ الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَقولُوا لي حَتَّى أذهب إِلَيْهِ ١١٧ - ثمَّ جمع الْحفاظ الْأَحَادِيث المحتج بهَا فِي الْكتب ونوعوها وقسموها وسهلوا الطَّرِيق إِلَيْهَا فبوبوها وترجموها وبينوا ضعف كثير مِنْهَا وَصِحَّته وَتَكَلَّمُوا فِي عَدَالَة الرِّجَال وجرح الْمَجْرُوح مِنْهُم وَفِي علل الْأَحَادِيث وَلم يدعوا للمشتغل شَيْئا يتعلل بِهِ وفسروا الْقُرْآن والْحَدِيث وَتَكَلَّمُوا على غريبها وفقهها وكل مَا يتَعَلَّق بهَا فِي مصنفات عديدة جليلة فالآلات متهيئة لطَالب صَادِق وَلِذِي همة وذكاء وفطنة

стр. 29

١١٨ - وأئمة الحَدِيث هم المعتبرون الْقدْوَة فِي فنهم فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَيْهِم فِي ذَلِك وَعرض آراء الْفُقَهَاء على السّنَن والْآثَار الصَّحِيحَة فَمَا ساعده الْأَثر فَهُوَ الْمُعْتَبر وَإِلَّا فَلَا نبطل الْخَبَر بِالرَّأْيِ وَلَا نضعفه إِن كَانَ على خلاف وُجُوه الضعْف من علل الحَدِيث الْمَعْرُوفَة عِنْد أَهله أَو بِإِجْمَاع الكافة على خِلَافه ١١٩ - فقد يظْهر ضعف الحَدِيث وَقد يخفى وَأقرب مَا يُؤمر بِهِ فِي ذَلِك أَنَّك إِذا رَأَيْت حَدِيثا خَارِجا عَن دواوين الْإِسْلَام كالموطأ ومسند أَحْمد والصحيحين وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَنَحْوهَا مِمَّا تقدم ذكره وَمِمَّا لم نذكرهُ فَانْظُر فِيهِ فَإِن كَانَ لَهُ نَظِير فِي الصِّحَاح والحسان قرب أمره وَإِن رَأَيْته يباين الْأُصُول وارتبت بِهِ فَتَأمل رجال إِسْنَاده وَاعْتبر أَحْوَالهم من الْكتب المصنفة فِي ذَلِك ١٢٠ - وأصعب الْأَحْوَال أَن يكون رجال الْإِسْنَاد كلهم ثِقَات وَيكون متن الحَدِيث مَوْضُوعا عَلَيْهِم أَو مقلوبا أَو قد جرى فِيهِ تَدْلِيس وَلَا يعرف هَذَا إِلَّا النقاد من عُلَمَاء الحَدِيث فَإِن كنت من أَهله فبه وَإِلَّا فاسأل عَنهُ أَهله ١٢١ - قَالَ الْأَوْزَاعِيّ كُنَّا نسْمع الحَدِيث فنعرضه على أَصْحَابنَا كَمَا نعرض الدِّرْهَم الزيف فَمَا عرفُوا مِنْهُ أخذناه وَمَا أَنْكَرُوا تَرَكْنَاهُ ١٢٢ - فالتوصل إِلَى الِاجْتِهَاد بعد جمع السّنَن فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة إِذا رزق الْإِنْسَان الْحِفْظ والفهم وَمَعْرِفَة اللِّسَان أسهل مِنْهُ قبل ذَلِك لَوْلَا قلَّة همم الْمُتَأَخِّرين وَعدم المعتبرين وَمن أكبر أَسبَاب تعصبهم تقيدهم بِرِفْق الْوُقُوف وجمود أَكثر المتصدرين مِنْهُم على مَا هُوَ الْمَعْرُوف الَّذِي هُوَ مُنكر مألوف

стр. 30

فِي نُصُوص الْأَئِمَّة فِي الرُّجُوع إِلَى الْكتاب وَالسّنة والنهى عَن تقليدهم ١٢٣ - فَإِذا ظهر هَذَا وتقرر تبين أَن التعصب لمَذْهَب الإِمَام الْمُقَلّد لَيْسَ هُوَ بِاتِّبَاع أَقْوَاله كلهَا كَيْفَمَا كَانَت بل الْجمع بَينهَا وَبَين مَا ثَبت من الْأَخْبَار والْآثَار وَالْأَمر عِنْد المقلدين أَو أَكْثَرهم بِخِلَاف هَذَا إِنَّمَا هم يؤولونه تَنْزِيلا على نَص إمَامهمْ ١٢٤ - ثمَّ الشافعيون كَانُوا أولى بِمَا ذَكرْنَاهُ لنَصّ إمَامهمْ على ترك قَوْله إِذا ظفر بِحَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ على خِلَافه فالتعصب لَهُ على الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ امْتِثَال أمره فِي ذَلِك وسلوك طَرِيقَته فِي قبُول الْأَخْبَار والبحث عَنْهَا والتفقه فِيهَا

стр. 31

نُصُوص الإِمَام الشَّافِعِي فِي اتِّبَاع السّنة ١٢٥ - وَقد نقلت مَا روى عَنهُ فِي تَرْجَمته فِي تَارِيخ دمشق قَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي قد أَعطيتك جملَة تغنيك إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا تدع لرَسُول الله ﷺ حَدِيثا أبدا إِلَّا أَن يَأْتِي عَن رَسُول الله سنة صَحَّ الْخَبَر فِيهَا عِنْد أهل النَّقْل بِخِلَاف مَا قلت فتعمل بِمَا قلت لَك فِي الْأَحَادِيث إِذا اخْتلفت ١٢٦ - وَفِي رِوَايَة إِذا وجدْتُم عَن رَسُول الله ﷺ سنة خلاف قولي فَخُذُوا السّنة ودعوا قولي فَإِنِّي أَقُول بهَا ١٢٧ - وَفِي رِوَايَة إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بهَا ودعوا مَا قلت ١٢٨ - وَفِي رِوَايَة كل مَسْأَلَة تَكَلَّمت فِيهَا بِخِلَاف السّنة فَأَنا رَاجع عَنْهَا فِي حَياتِي وَبعد مماتي ١٢٩ - قَالَ وَسمعت الشَّافِعِي يَقُول وروى حَدِيثا قَالَ لَهُ رجل تَأْخُذ بِهَذَا يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ وَمَتى رويت عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا صَحِيحا فَلم آخذ بِهِ فأشهدكم أَن عَقْلِي قد ذهب وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى رَأسه

стр. 32

١٣٠ - وَفِي رِوَايَة روى حَدِيثا فَقَالَ لَهُ قَائِل أتأخذ بِهِ فَقَالَ لَهُ أَترَانِي مُشْركًا أَو ترى فِي وسطي زنارا أَو تراني خَارِجا من كَنِيسَة نعم آخذ بِهِ آخذ بِهِ آخذ بِهِ وَذَلِكَ الْفَرْض على كل مُسلم ١٣١ - وَقَالَ حَرْمَلَة قَالَ الشَّافِعِي كل مَا قلت وَكَانَ قَول رَسُول الله ﷺ خلاف قولي مِمَّا يَصح فَحَدِيث النَّبِي ﷺ أولى فَلَا تقلدوني ١٣٢ - وَفِي كتاب ابْن أبي حَاتِم عَن أبي ثَوْر قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول كل حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فَهُوَ قولي وَإِن لم تسمعوه مني ١٣٣ - وَفِيه عَن الْحُسَيْن الْكَرَابِيسِي قَالَ قَالَ لنا الشَّافِعِي إِن أصبْتُم الْحجَّة فِي الطَّرِيق مطروحة فاحكوها عني فَإِنِّي الْقَائِل بهَا ١٣٤ - وَقَالَ الرّبيع سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول مَا من أحد إِلَّا وَتذهب عَلَيْهِ سنة لرَسُول الله ﷺ وتعزب عَنهُ فمهما قلت من قَول أَو أصلت من أصل فِيهِ عَن رَسُول الله ﷺ خلاف مَا قلت فَالْقَوْل مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ قولي قَالَ وَجعل يردد هَذَا الْكَلَام ١٣٥ - قَالَ وَقَالَ الشَّافِعِي من تبع سنة رَسُول الله ﷺ وافقته وَمن غلط

стр. 33

فَتَركهَا خالفته صَاحِبي اللَّازِم الَّذِي لَا أفارقه الثَّابِت عَن رَسُول الله ﷺ ١٣٦ - قَالَ الزَّعْفَرَانِي كُنَّا لَو قيل لنا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ قُلْنَا هَذَا مَأْخُوذ وَهَذَا غير مَأْخُوذ حَتَّى قدم علينا الشَّافِعِي فَقَالَ مَا هَذَا إِذا صَحَّ الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَهُوَ مَأْخُوذ بِهِ لَا يتْرك لقَوْل غَيره قَالَ فنبهنا لشَيْء لم نعرفه يَعْنِي نبهنا لهَذَا الْمَعْنى ١٣٧ - قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم كُنَّا عِنْد الْبُوَيْطِيّ فَذكرت حَدِيث عمار فِي التَّيَمُّم فَأخذ السكين وحته من كِتَابه وَجعله ضَرْبَة وَقَالَ هَكَذَا أوصانا صاحبنا إِذا صَحَّ عنْدكُمْ الْخَبَر فَهُوَ قولي ١٣٨ - قلت وَهَذَا من الْبُوَيْطِيّ فعل حسن مُوَافق للسّنة وَلما أَمر بِهِ إِمَامه ١٣٩ - وَأما الَّذين يظهرون التعصب لأقوال الشَّافِعِي كَيْفَمَا كَانَت وَإِن جَاءَت سنة بِخِلَافِهَا فليسوا بمتعصبين فِي الْحَقِيقَة لأَنهم لم يمتثلوا مَا أَمر بِهِ إمَامهمْ بل دأبهم وديدنهم إِذا ورد عَلَيْهِم الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي هُوَ مَذْهَب إمَامهمْ الَّذِي لَو وقف عَلَيْهِ لقَالَ بِهِ أَن يحتالوا فِي دَفعه بِمَا لَا يَنْفَعهُمْ لما نقل لَهُم عَن إمَامهمْ من قَول قد أَمر بِتَرْكِهِ عِنْد وجدان مَا يُخَالِفهُ من السّنة هَذَا مَعَ كَونهم عاصين بذلك

стр. 34

لمخالفتهم ظَاهر كتاب الله وَسنة رَسُوله ١٤٠ - وَالْعجب أَن مِنْهُم من يستجيز مُخَالفَة نَص الشَّافِعِي لنَصّ لَهُ آخر فِي مَسْأَلَة أُخْرَى بِخِلَافِهِ ثمَّ لَا يرَوْنَ مُخَالفَته لأجل نَص رَسُول الله ﷺ وَقد أذن لَهُم الشَّافِعِي فِي هَذَا ١٤١ - قَالَ الْبُوَيْطِيّ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول لقد ألفت هَذِه الْكتب وَلم آل جهدا وَلَا بُد أَن يُوجد فِيهَا الْخَطَأ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَمَا وجدْتُم فِي كتبي هَذِه مِمَّا يُخَالف الْكتاب وَالسّنة فقد رجعت عَنهُ ١٤٢ - وَفِي رِوَايَة إِنِّي ألفت هَذِه الْكتب مُجْتَهدا بِنَحْوِ مَا قبله وَفِي آخِره فَاشْهَدُوا عَليّ أَنِّي رَاجع عَن قولي إِلَى حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَإِن كنت قد بليت فِي قَبْرِي نُصُوص الإِمَام مَالك فِي اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة ١٤٣ - وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الحزامى حَدثنَا معن بن عِيسَى الْقَزاز

стр. 35

قَالَ سَمِعت مَالك بن أنس يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر أخطئ وَأُصِيب فانظروا فِي رَأْيِي فَكل مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة فَخُذُوا بِهِ وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة فاتركوه وَذَلِكَ الظَّن بِجَمِيعِ الْأَئِمَّة نُصُوص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة ١٤٤ - وَقد كره الإِمَام أَحْمد أَن يكْتب فَتَاوِيهِ وَكَانَ يَقُول لَا تكْتبُوا عني شَيْئا وَلَا تقلدوني وَلَا تقلدوا فلَانا وَفُلَانًا وخذوا من حَيْثُ أخذُوا

стр. 36

١٤٥ - وَقَالَ بَعضهم لَا تقلدوا دينكُمْ الرِّجَال إِن آمنُوا آمنتم وَإِن كفرُوا كَفرْتُمْ ١٤٦ - وَكَانَ أَحْمد لَا يُفْتِي فِي طَلَاق السَّكْرَان شَيْئا وَكَانَ يَقُول إِن أحللناه بقول هَذَا حرمناه بقول هَذَا نُصُوص الإِمَام أبي حنيفَة فِي اتِّبَاع السّنة وتأسيس مذْهبه ١٤٧ - وَقَالَ نعيم بن حَمَّاد سَمِعت أَبَا عصمَة يَقُول سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول مَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ فعلى الرَّأْس وَالْعين وَمَا جَاءَ عَن أَصْحَابه اخترنا وَمَا كَانَ غير ذَلِك فَنحْن رجال وهم رجال ١٤٨ - وروى مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ أقلد من كَانَ من

стр. 37

الْقُضَاة من الصَّحَابَة كَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي والعبادلة الثَّلَاثَة وَلَا أستجيز خلافهم برأيي إِلَّا ثَلَاثَة نفر ١٤٩ - وَفِي رِوَايَة أقلد جَمِيع الصَّحَابَة وَلَا أستجيز خلافهم بِرَأْي إِلَّا ثَلَاثَة نفر أنس بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة وَسمرَة بن جُنْدُب فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أما أنس فاختلط فِي آخر عمره وَكَانَ يُفْتِي من عقله وَأَنا لَا أقلد عقله وَأما أَبُو هُرَيْرَة فَكَانَ يروي كل مَا سمع من غير أَن يتَأَمَّل فِي الْمَعْنى وَمن غير أَن يعرف النَّاسِخ والمنسوخ ١٥٠ - وَقَالَ ابْن الْمُبَارك سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول إِذا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ فعلى الرَّأْس وَإِذا جَاءَ عَن أَصْحَابه نَخْتَار من قَوْلهم وَإِذا جَاءَ عَن التَّابِعين زاحمناهم ١٥١ - وَفِي رِوَايَة قَالَ آخذ بِكِتَاب الله فَإِن لم أجد فبسنة رَسُول الله فَإِن لم أجد فِي كتاب الله وَسنة رَسُول الله آخذ بقول أَصْحَابه ثمَّ آخذ بقول من شِئْت مِنْهُم وأدع قَول من شِئْت مِنْهُم وَلَا أخرج عَن قَوْلهم إِلَى قَول غَيرهم فَأَما إِذا انْتهى الْأَمر إِلَى إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وعد رجَالًا من التَّابِعين فقوم اجتهدوا وَأَنا أجتهد كَمَا اجتهدوا ١٥٢ - قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ لما بلغه ذَلِك عَن أبي حنيفَة

стр. 38

نتهم رَأينَا لرأيهم وَكَأَنَّهُ سوى بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي أَنهم إِذا اجْتَمعُوا فِي مسالة على قَوْلَيْنِ مثلا لم يجز لنا إِحْدَاث قَول ثَالِث وَجوز أَبُو حنيفَة ذَلِك وَأما مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة فَلَا كَلَام فِي أَنه لَا تجوز مُخَالفَته ١٥٣ - فقد وضح ذَلِك من أَقْوَال الْأَئِمَّة إِنَّه مَتى جَاءَ حَدِيث ثَابت صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ فَوَاجِب الْمصير إِلَى مَا دلّ عَلَيْهِ الظَّاهِر مَا لم يُعَارضهُ دَلِيل آخر وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يسع أحد غَيره قَالَ الله ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فنفى الْإِيمَان عَمَّن لم يحكم رَسُوله فِيمَا وَقع التَّنَازُع فِيهِ وَلم يستسلم لقضائه ١٥٤ - وَقَالَ ﴿وَإِن تطيعوه تهتدوا﴾ فضمن الْهِدَايَة سُبْحَانَهُ فِي طَاعَة رَسُوله وَلم يضمنهَا فِي طَاعَة غَيره وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾

стр. 39

١٥٥ - وأوعد على مُخَالفَته قَالَ تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ ١٥٦ - وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ نُصُوص بعض الْأَئِمَّة الآخرين فِي اتِّبَاع السّنة ١٥٧ - قَالَ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ لَيْسَ من أحد إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 40

وروى أَيْضا عَن مُجَاهِد بِإِسْنَاد آخر ١٥٨ - وروى مَعْنَاهُ عَن الشّعبِيّ ١٥٩ - وَكَذَلِكَ روى شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة ١٦٠ - وروى عَن مَالك بن أنس أَنه قَالَ إِلَّا صَاحب هَذَا الْقَبْر وَأَشَارَ إِلَى قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
следующие страницы →