← Адаб

Адаб · id 629

نضرة الإغريض في نصرة القريض

المظفر بن الفضل

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فزادَ تشبيهاً هو من تَمامِ المعنى، فتساويا؛ هذا بقِدمَتِه، وهذا بزيادته، ومثلهُ كثير. التاسع: المماثلةُ في الكلام حتى لا يفضل نِظامٌ على نظام. قال حسّان بن ثابت: يُغْشَوْن حتى ما تهِرُّ كِلابُهم ... لا يسألونَ عن السّوادِ المُقبِل أخذَهُ الحَكميّ فقال: الى بيتِ حانٍ لا تهِرُّ كلابُه ... عليّ، ولا يُنْكِرْنَ طولَ ثوائي لا فرق بين المعنيين ولا الكلامين فقد تماثلا. العاشر: رُجحانُ لفظِ الآخذ على المأخوذ منهُ وتفضيلُ معناه على معنى أصدره عنه. قال النابغة: سقَطَ النّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فتناولَتْهُ واتّقَتْنا باليَدِ أخذَه أبو حَيّة النُميريّ فقال: فألْقَتْ قِناعاً دونَه الشمسُ واتّقَتْ ... بأحسَنِ موصولين: كفٍ ومِعصمِ فلم يزِدْ النابغةُ على الإخبارِ باتقائها بيدِها لمّا سقطَ نصيفُها، فزادَ عليهِ أبو حيّة بقوله: دونَه الشمسُ، وخبّر عن الاتقاء بأحسن خبر، من حُسْنِ كفٍّ وحُسْنِ معصَمٍ، فرجَحَ كلامُه وعَلا نِظامُه. وأما المذمومُ من السّرقةِ فعشرةُ وجوه أيضاً: الأول: نقلُ اللفظِ القصيرِ الى الطويل الكثير. قال الحَكَميّ: لا تُسْدِينّ إليّ عارِفةً ... حتى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا أخذَه دِعْبل فقال: تركتُكَ، لم أتركْكَ كُفْراً لنعمةٍ ... وهل يُرتَجى نيْلُ الزّيادةِ بالكُفْر ولكنني لما رأيتُكَ راغِباً ... وأفرطتَ في برّي عجَزْتُ عن الشُكر الشعرُ جيدُ المعنى واللفظ، ولكنه أتى به في تطويل وتضمين، فنقل القصيرَ الى الطويل، وذلك مذمومٌ في السّرقَة. الثاني: نقْلُ الرصين الجَزْل الى المُسْتَضْعفِ الرّذْل. قال الأول: ولقد قتَلتُك بالهجاء فلم تَمُتْ ... إنّ الكِلابَ طويلةُ الأعمارِ ما زالَ ينبَحني ليَشْرُفَ جاهِداً ... كالكلبِ ينبَحُ كامِلَ الأقمارِ أخذَه ابنُ طاهر فقال: وقد قتلناكَ بالهجاءِ ... ولكنّك كلبٌ معَقَّفٌ ذَنبُه فجمَع بين قُبحِ السّرقة، وضعْفِ العبارة، ولا وجهَ لذكر التعقيفِ في الذنَب، لأنه غيرُ دالٍ على طول العمر، وهذا ظاهرٌ ومثلُه كثير. الثالث: نقْلُ ما حسُنَ معناهُ ومبناهُ الى ما قَبُح مبناهُ ومعناه. قال الكندي: ألمْ تَرَ أنّي كلما جِئْتُ طارِقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ أخذه بشار فقال: وإذا أدْنَيْتَ منها بَصَلاً ... غلبَ المِسكُ على ريحِ البَصَل وهذا أنزلُ شعرٍ في الرذالةِ، كما أنّ بيتَ الكندي أرفعُ بيتٍ في الجَوْدَة والجزالة، وقد أخذ كُثيِّرٌ المعنى، فطوّل وضمّن وقصّر، وزعمَ أنهاإذا تبخّرَتْ كانت كالروضة في طيبها. ولا يُعدَم هذا في أسهَكِ البشرِ جسماً وأوضَرهم حالاً، وشعرُهُ معروف. الرابع: عكس ما يصيرُ بالعكس هجاءً بعدَما كان ثناءً. قال حسّان بن ثابت: بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم ... شُمُّ الأنوفِ من الطّرازِ الأوّلِ أخذَه ابنُ أبي فنن فعكسه فقال: سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابُهم ... فُطْسُ الأنوفِ من الطراز الآخر الخامس: نقْلُ ما حسُنَتْ أوزانُه وقوافيه الى ما قبُحَ وثَقُل على لسان راويه. قال الحكمي: دعْ عنكَ لَوْمي فإنّ اللومَ إغراءُ ... وداوِني بالتي كانتْ هيَ الداءُ أخذَه الطائي فقال: قدْكَ اتَئِبْ أربَيْتَ في الغُلَواءِ ... كمْ تعذِلونَ وأنتُم سُجَرائي فالحكَمي زَجَر عذولَه زجْراً لطيفاً، أعلمَه أن اللّومَ إغراء، وشغل عجُزَ بيتِه بمعنى آخر، بكلامٍ رطْبٍ، ومعنىً عذْبٍ والطائي زجَرَ عذولَه بلفظٍ مُتعسّفٍ تصعُبُ راويتُهُ، وتُستكرَهُ قافيتُه. السادس: حذفُ الشاعر من كلامِه ما هو من تَمامه. قال الكِنْدي: نظَرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍ ... حوْراءَ حانِيةٍ على طِفْلِ أخذَهُ المُسيّبُ بن علَس فقال: نظرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍ ... في ظِلِّ فاردةٍ من السِّدْرِ

стр. 37

لم يُقنعْهُ قُبحُ هذا الأخذ لفظاً ومعنى حتى أتى فيه بما لا حاجةَ له إليه، لأنّ حُسْنَ أعيُنِ الظِّباءِ لا تعَلُّقَ له بظلِ السِّدرِ، وليس في ذلك ما ليس له في غيره. والكندي لمّا وصفَ عينَها بعينِ الجازئة، وهي الظبيةُ التي قد اجتزأَتْ بالرَّطْب عن الماء ذكرَ أنها حوراءُ ثم وصَفها بأنها حانيةٌ على طفل، وفي حُنُوّها على ولدها اكتسابُ طرفِها بتروّعها عليهِ وخوفِها مما ينالُه معنى لا يوجَدُ عند سكونِها وأمنه، وقد سَرَقَ المُسيَّبُ شيئاً وتركَ ما هو من تمام الكلام، فاعرِفْهُ. السابع: رُجحانُ كلامِ المأخوذِ عنه على كلام الآخذِ منه. قال مُسْلِم: أما الهجاءُ فدَقّ عِرْضُكَ دونَه ... والمدحُ عنك كما علِمتَ جَليلُ فاذهبْ فأنتَ طليقُ عِرضِك إنّه ... عِرْضٌ عَزَزْتَ به وأنت ذَليلُ أخذه الطائي فقال: قال لي النّاصحونَ وهو مقالٌ ... ذمُّ من كان جاهِلاً إطراءُ صَدَقوا، في الهجاءِ رِفْعَةُ أقوا ... مِ طَغامٍ فليسَ عندي هِجاءُ وبين الكلامين بوْنٌ بعيدٌ لا تحتاجُ الى إيضاحِه لارتفاعِ الشكّ في بيانه. الثامن: نقلُ العَذْبِ من القوافي الى المُستكرهِ الجافي. قال المتلمّس: فأطرَقَ إطراقَ الشجاعِ ولو يرَى ... مَساغاً لِنابَيْهِ الشُّجاعُ لصَمّما أخذَه عمرو بنُ شأس بجملته وختَمَه بقافيةٍ مُستكرهةٍ، فقال: فأطرقَ إطراقَ الشُجاعِ ولو يَرى ... مَساغاً لنابَيْهِ الشُجاعُ لقد أزَمّْ أزمّ: اشتدّ وعضّ، وهي لفظة غير عَذْبة. التاسع: نقلُ ما يعودُ على البحث والانتقاد الى تقصير ظاهرٍ أو فساد. قال أبو العتاهية: إنّي أعوذُ من التي شَعَفَتْ ... مني الفؤادَ بآيةِ الكُرْسي وآيةُ الكُرسي إنما تهرُبُ منها الشياطين ويُحتَرَس بها من الغِيلان فهل التي شعَفَتْ فؤادَه كانت من هذا القبيل؟ وقال الأعشى: فرَمَيْتُ غَفْلَةَ عينهِ عنْ شاتِه ... فأصَبْتُ حبّةَ قلبِه وطِحالَها أما ذِكرُ القلب والفؤاد فلا ريبَ أنه يتردد كثيراً في الشعر عند ذِكر الهَوى والمحبّةِ والشوقِ، وما يجدُه المغْرَمُ في هذه الأعضاء من الألم والحرارة والكَرب. وأما الطّحالُ فما رأينا أحداً استعملَ ذِكرَه في هذه الأحوال، إذ لا صُنْعَ له فيها ولا هو ممّا يُنسبُ الى حركة في حزن أو عِشق، ولا الى سُكون عندَ فرَجٍ أو ظَفَرٍ، ففسادُ ذِكر الطحال ظاهر في هذه الحال. وقال الآخر: لمّا تخايلْتُ الحُمولَ حسِبْتُها ... دَوْماً بأيْلَةَ ناعماً مَكْموما ذكرَ أن الدَّوْمَ، وهو شجَرُ المُقلِ، مكمومٌ وإنما تُكمّم النخلُ. وفي هذا الباب للعرب وغيرهم أشعارٌ لا يُحيطُ بجملتها باحثٌ ولا مُختار. العاشر: أخذُ اللفظِ المُدَّعى هو ومعناه معاً. وهو أقبح وجوهِ السّرِقات وأشنعُها وأدناها منزلةً وأوضعها فمن ذلك قول الكنْديّ: وعنْسٍ كألواحِ الإرانِ نسَأتُها ... على لاحِبٍ كالبُردِ ذي الحِبَراتِ أخذَه طَرَفة - الذي قال: وشَرُّ الناس منْ سَرَقا - فقال: أمونٍ كألواحِ الإرانِ نسأتُها ... على لاحِبٍ كأنه ظَهرُ بُرجُدِ وقال الحطيئة: إذا حُدِّثَتْ أنّ الذي بيَ قاتلي ... من الحُبِّ قالتْ ثابتٌ ويَزيدُ أخذَه جميل فقال: إذا قلتُ ما بي يا بُثينةُ قاتلي ... من الحُبِّ، قالَتْ ثابتٌ ويزيدُ وقال مُسلم بن الوليد: يقولُ صَحْبي وقد جدّوا على عجَلٍ ... والخيلُ تسْتَنُّ بالرُّكْبانِ في اللُجُمِ أمَطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلتُ كلاّ ولكنْ مطلِعَ الكَرَمِ أخذهُ أبو تمام فقال: يقولُ في قُومسٍ صحْبي وقد أخذَتْ ... منّا السُّرى وخُطى المَهْريّةِ القُودِ أمطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلتُ كلا ولكن مطلِعَ الجودِ

стр. 38

فهذه وجوهُ السّرِقاتِ قد حدَرْتُ لك لِثامَها، وألقيتُ إليك زمامَها، فقلّ أن تجِد من يعرفُ أقسامها، أو يستمطر غمامَها، ولا تجدُ إلا مَنْ إذا ظفِرَ ببيتٍ مسروقٍ لم يدْرِ أمِنَ المحمودِ هو أمْ من المذموم، وهلْ شاعرُهُ بالمعذورِ فيه أم بالمَلوم، فاعرفْهُ. وأما التوارد فهو اتفاقُ الخواطرِ في البيتِ والبيتين، وإنّما سمّوهُ توارداً أنفَةً من ذكرِ السّرقَةِ وتكبراً عن السّمة بها. قال عَلقمةُ بن عَبَدَة: أمْ هلْ كبيرٌ بَكى، لم يقْضِ عَبْرَتَهُ ... إثْرَ الأحبةِ، يومَ البيْنِ مَشكومُ وقال أوس بن حَجَر: أمْ هل كبيرٌ بكى لم يقْضِ عَبْرَتهُ ... إثرَ الأحبةِ يومَ البينِ معذورُ وقال طرفة: فلولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفتى ... وجدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوَّدي وقال نُهَيك: ولولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفَتى ... وجَدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامسي وقال مُزاحم العُقيلي: تكادُ مَغانيها تقولُ من البِلى ... لسائِلها عن أهلِها لا تَعمَّلِ وقال ضابئ: تكادُ مغانيها تقولُ من البِلى ... لسائِلها عن أهلِها ولا تَعَمّلا وقال عَديّ بن زَيْد: وعاذلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُني ... فلما غلَتْ في اللوْمِ قُلتُ لها اقصِدي وقال عمرو بن شأس: وعاذِلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُني ... فلما غَلَتْ في اللّومِ قُلتُ لها مَها وقال أوس بن حَجر: حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجّنَةٍ ... وعمُّها خالُها قوداءُ مِئشيرُ وقال كعب بن زهير: حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجَّنةٍ ... وعمُّها خالُها قوداءُ شِمْليلُ وقال كعب الأشقري: لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هَرِموا ... فهُمُ ثِقالٌ على أكتافِها مِيلُ وقال جرير: لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هرِموا ... فهم ثِقالٌ على أكتافِها عُزُفُ ومثلُ هذه الأبيات في أشعار العرب أكثرُ من أن تُحصى وأعظمُ من أن تُسْتَقصى، وأنا لا أعدُّ ذلك توارداً اتفقَتْ عليه الخواطرُ، وتشابَهَتْ فيه الضمائر، بل أعُدُّه سرِقَةً مَحْضَة وإغارةً على الأشعارِ مُرفَضّة. وقد أوردَ ابنُ السِّكيت قولَ امرئ القيس: وقوفاً بها صحبي البيت، وقولَ طرفة في باب السَرِقات، والذي ذهب إليه هو الصحيح، وإنّما يتّفق للشاعرين معنىً ويلزمان أن يَنْظماهُ على قافيةٍ واحدة فربما تَواردا في بعض الكلام. من ذلك ما حكاه أبو القاسم الأندلسي وغيرُه في أشعار المَغارِبَة، قال: كان بين يدي محمد بن عبّاد صاحب الغَرب جاريةٌ في يدها كأسٌ وهي تَسقيه، فلمع البرق فارتاعتْ له فسقط الكأس من يدها فقال مُرتَجِلاً: روّعها البرقُ وفي كفِّها ... برْقٌ من القهوةِ لمّاعُ يا ليْتَ شِعري وهي شمسُ الضُحى ... كيفَ من الأنوارِ ترْتاعُ ثم قال لبعض خدمه: مَنْ على باب القصر من الشعراء؟ فقال: عبد الجليل بن وهبون، فأمَه بإحضاره. فلمّا مثُلَ بين يديه قصّ عليه القصّة وأنشدَه البيتَ الأول وقال له: أجِزْه فأنشأ: ولنْ ترى أعجبَ من آنِسٍ ... من مثلِها ما يُمْسِكُ يرتاعُ ومثل هذا يمكن أن يقع ولا يُنكَر ولا يُدفَع. وحكى الأندلسي قال: حدّثَني محمد بن شرف القيرواني قال: أمرَني المُعِز بن باديس وأمرَ حسنَ بنَ رشيق في وقت واحد أن نصِفَ الموزَ في شعرٍ على حرف الغَيْن، فجلس كل واحد منا بنَجْوَةٍ عن صاحبهِ بحيثُ لا يقفُ أحدُنا على ما يصنَعُهُ الآخر، فلمّا فرَغنا من الشعرِ عرَضْناه عليه، فكان الذي صنعتُه أنا: يا حبّذا الموزُ وإسعادُه ... من قبل أن يَمْضغه الماضِغُ لانَ فما نُدرِكُ جَسّاً لهُ ... فالفَمُ ملآنُ بهِ فارِغُ سِيّانَ قُلنا مأكَلٌ طيّبٌ ... فيهِ وإلاّ مشْرَبٌ سائِغُ وكان الذي صنعه ابنُ رشيق: موزٌ سريعٌ سوْغُهُ ... من قَبلِ مضْغِ الماضِغِ مأكلَةٌ لآكلِ ... ومشرَبٌ لسائِغِ فالفمُ من لينٍ به ... ملآنُ مثلُ فارغِ

стр. 39

هذا هو المُمكن في التّوارد، واتفاق الخواطر. وحكى القيرواني قال: ثم أمرنا للوقت أن نعملَ فيه أيضاً على حرف الذال فعملنا على القاعدةِ الأولى، فكان ما عملتُه أنا: هلْ لكَ في موزٍ إذا ... ذُقناهُ قُلنا حبّذا فيه شَرابٌ وغِذا ... يُريكَ كالماء القَذا لو ماتَ مَنْ تلذَّذا ... بهِ لَقيلَ ذا بِذا وكان ما عملَهُ ابنُ رشيق: للهِ موزٌ لذيذُ ... يُعيذُهُ المستَعيذُ فواكِهٌ وشَرابٌ ... بهِ يُفيقُ الوقيذُ يُرى قذى العينِ فيه ... كما يُريها النبيذُ الشعرُ ضعيفٌ جداً، وما أرَدْنا بإيراده إلا تمثيل الموارِد كيف تكون، وفي هذا التمثيل كفاية. ٣١ - وأما النقدُ فإنّه في الشعر يدلّ على فِطْنَة العالم وضياء حِسّه وتوقُّد ذَكائه. وللعُلماء في ذلك أقوالٌ حسنة وكلامٌ مفيد، وهو كثيرٌ غزير، وإنما نذكرُ منه اليسيرَ ونجعله دليلاً على الكثير. قِيل: تنازعَ علقمةُ بن عَبَدة وامرؤ القيس في الشعر وأيُّهُما أشْعَر من الآخر، فقال علقمة: قد رضيتُ بزوجتكَ أمِّ جُنْدَبٍ حَكَماً بيني وبينَك، فقالت أمّ جُندب: قولا شعراً وصِفا فيه فرَسَيْكُما على قافيةٍ واحدة ورَويّ واحد. فقال امرؤ القيس: خليليّ مُرّا بي على أمِّ جُندَبِ ... نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المُعذَّبِ وقال علقمة: ذهبتَ من الهجرانِ في غيرِ مَذْهَبِ ... ولم يكُ حقاً طولُ هذا التّجَنُّبِ وأنشداها القصيدتَين فقالت لامرئ القيس: علقمةُ أشعر منك، قال لها: وكيف ذاك؟ فقالت: لأنك قلت: فللزّجْرِ أُلهوبٌ وللساقِ دِرّةٌ ... وللسّوْطِ منهُ وقْعُ أخرجَ مُهْذِبِ الأخرج: الظليمُ وهو ذَكَرُ النعام، والأنثى خرجاء. والأخرج: الرماد، ومنه شَبّه، ومُهْذِب أي مسرع في عَدْوِه. قالت: فجَهَدتَ فرسَكَ بزجرِكَ ومَرَيْتَه فأتعبتُه بساقِك وسوطِك، وقال علقمة: فأدركَهُنَّ ثانياً من عِنانِه ... يمُرُّ كمَرِّ الرّائحِ المتَحلِّبِ فأدركَ فرسَهُ ثانياً من عنانهِ ولم يضربْهُ بسَوْطٍ ولم يُتعبْهُ. فغضِبَ عليها امرؤ القيس وطلّقها، فتزوجَها علقمة فسُمّي الفحل لميزتِهِ في باقي الشُعراء كميزةِ الفحل على باقي الإبل. وأنشد الأصمعي قولَ امرئ القيس: رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مُخْرِجٍ زَنديهِ من سُتَرِهْ فقال: أما علِمَ أنّ الصائدَ أشدُ خَتْلاً من أن يُظهرَ شيئاً منه! ثمّ قال: فكفّيْه، إن كان لابدّ، أصلحُ. فترك الرُواة زَنْديهِ ورووا كفّيه على ما فيه. وقيل: كان النابغة الذبياني تُضرَب له قُبّةٌ حمراء من أدَم بسوقِ عُكاظ فتأتيه الشعراء فتعرِضُ عليه أشعارَها. فأوّلُ من أنشده الأعشى ميمون بن قيس، ثم أنشدَه حسّان بن ثابت الأنصاري قولَه: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافُنا يقْطُرنَ من نجْدَةٍ دَما ولَدْنا بني العَنقاءِ وابْنَيْ مُحرِّقٍ ... فأكرِم بنا خالاً واكرِمْ بنا ابْنَما فقال له النابغة: أنت شاعرٌ ولكنّك أقللْتَ جفانَك وأسيافَك وفخرت بمن ولدْتَ ولم تفخر بمَن ولدَك. هذا هو النقد الجليل الذي يدُلُّ عليه نقاء كلام النابغة. والمعنى أنّه قال له: أقللْتَ أسيافَك، وأسيافٌ جمْع لأدنى العدد، والكثير سُيوف، والجَفَنات لأدنى العدد، والكثيرُ جِفان. وقال: فخَرْتَ بمن ولَدتَ؛ لأنه ترك الفخرَ بآبائه وفخرَ بمن ولدَ نساؤه. وقيل في رواية غير موثوقٍ بها: إنه قال له: وقلت: لنا الجفناتُ الغُرّ، والغُرّة لُمْعَة بياضٍ في الجَفْنة، ولو قلت: لنا الجفناتُ البيضُ، كان أحسن لكثرة الدّسَم عليها، ولو قلت: يلمعنَ بالدُّجى، لكان أبلغَ، ولو قلت: وأسيافُنا يَجرينَ لكان أبلغَ من يقطرْنَ لأنّ الجريَ أعظم من القَطْر. وأقول إنّ هذه الزيادة عليها اعتراض. والصحيح ما قاله النابغة أولاً. وذكر ابنُ عبّاد أبو القاسم رحمَهُ الله تعالى ورضيَ عنه أن أبا الفضل بن العميد كان يتجاوزُ نقدَ الأبيات الى نقد الحُروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى واللّفظِ حتى يُطالِبَ بتحبير القافية والوزن، وقال: أنشدتُ يوماً بحضرته كلمةَ أبي تمام التي أوّلها:

стр. 40

شهِدْتُ لقد أقْوَتْ مغانيكُمُ بعْدي ... ومحَّتْ كما محّتْ وشائِعُ من بُرْدِ حتى انتهيتُ الى قوله: كريمٌ متى أمدَحْهُ أمْدَحْه والوَرى ... معي ومتى ما لُمْتُه، لُمْتُه وحدي فقال: هل تعرِفُ في هذا البيت عيباً؟ قلت: نعم، قابلَ المدحَ باللّوم فلم يوفِ التطبيقَ حقَّهُ إذ حقُّ المدحِ أن يقابَلَ بالهجو والذّمِ، فقال: غيرَ هذا أردتُ، قلت: ما أعرفُ، قال: أحدُ ما يُحتاجُ إليه في الشعرِ سلامةُ حروفِ اللفظِ من الثِقل، وهذا التكريرُ في أمدحْهُ، أمدحْه مع الجمعِ بين الحاء والهء مرتين، وهُما من حُروف الحلْق، خارِجٌ عن حد الاعتدال، نافِر كلَّ النِفار. قلت: هذا لا يدركُه إلا من انقادَتْ وجوهُ العِلْمِ له وأنهضَهُ الى ذُراها طبعُه. قيلَ: وسمعَ الأصمعي قولَ الأعشى: كأنّ مِشيَتَها من بيتِ جارَتِها ... مرُّ السّحابةِ لا ريْثٌ ولا عجَلُ فقال: لقد جعلها خَرّاجةً ولاّجَةً، هلاّ قال كما قال الآخر: ويُكرِمُها جاراتُها فيَزُرْنَها ... وتعتلُّ عن إتيانِهنَّ فتُعذَرُ وأقول: إنّ نقدَ الشعر صناعةٌ لا يعرفها حقَّ معرفتِها إلا مَنْ قد دُفع الى مضائِقِ القريض وتجرّع غُصَصَ اعتياصِه عليه، وعرَفَ كيف يتقحّمُ مهاويَهُ ويترامى إليه. قال أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد: قال لي عُمارةُ بن عقيل بن بلال بن جرير قال لي مروان بن أبي حفصة: إنّ المأمونَ لا بصيرةَ له بالشعرِ، قلت له: وكيفَ ذاك، وإنّا لَنُنشدُهُ صدْرَ البيت فيسبقُنا الى عجُزِه ولم يكن قد سمِعَه من قبل؟ قال: إنّي قلت فيه شِعراً جيداً فلم يهتزَّ له، قال: فقلت له: وما الذي قلت فيه؟ فأنشدني: أضْحى إمامُ الهُدى المأمونُ مُشتَغِلاً ... بالدينِ والناسُ بالدنيا مشاغيلُ قال: فقلتُ له: ما صنعتَ شيئاً، وما زِدْتَ على أنْ جعلتَه عجوزاً في محرابها بيدِها سُبْحَتُها، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان الخليفةُ مشغولاً عنها، وهو المطوَّقُ أمرَها؟ هلاّ قُلتَ كما قال عمُّك جرير في عبدِ العزيز بن الوليد بن عبد الملك: فلا هُوَ في الدُنيا مُضيعٌ نصيبَهُ ... ولا عَرَض الدنيا عن الدينِ شاغِلُهْ وهذا نقْدٌ حسَن. وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: طلبتُ علمَ الشعر عند الأصمعيّ فوجدتُه لا يعرفُ إلا غريبَه، فرجعتُ الى الأخفش فوجدته لا يتقنُ إلا إعرابَه، فعطفتُ على أبي عبيدة فرأيته لا ينفُذُ إلا فيما اتّصل بالأخبار وتعلّق بالأيام والأنساب، فلمْ أظفَر بما أردتُ، إلا عند أدباء الكتاب؛ كالحسَن بن وهْب ومحمد بن عبد الملك الزّيات، فلله درُّ أبي عثمان، لقد غاص على سرِّ الشّعر، واستخرجَ أدقَّ من السِّحر، والشاعرُ يُحكَم له على الشاعر ببَيت واحد، والبيتُ يُفضَّل على البيت بكلمة واحدة، ألا ترى الى قول امرئ القيس: وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مطيَّهمْ ... يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ وقول طرَفة البيت بجملته، ثم ختمه بقوله: وتجَلَّدِ، وهما شاعران مُفْلِقان، وقدّرنا أنهما قد تواردا، ولم نحْكُم على طرَفَة بالسّرِقة، ودُعينا الى الحُكم بينهُما، وتفضيل أحد البيتَيْن على الآخر، وليس فيهما من الاختلاف سوى التجمّل والتجلُّد. فمن النَقْدِ الحسَن تفضيلُ التجمُّل على التجلّد، والحكم بالبيت لصاحبِه، لأنّ التجمل إبداءُ تحسُّنٍ عن قوة ومادة متصلة منَ المَكِنَة. والتجلّد إبداُ تحسُّنٍ عن ضعفٍ، ومادةٍ متصلةٍ من العجْزِ، وبين اللفظتين بوْنٌ بَعيد. ولو دُعينا الى الحُكم بين لَقيط بن زُرارة ومن حَذا حَذوَه في قوله: فتىً يشتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِه ... ليَبْقى وما أبقيتَ مثلَ المَحامِدِ وقول الحكميّ: فتىً يشْتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِه ... ويعلمُ أنّ الدائراتِ تَدورُ وقول الآخر: فتىً يشتري حسنَ الثناءِ بمالِه ... إذا السَّنةُ الشهْباءُ قلّ قِطارُها

стр. 41

لأوجَبَ النقدُ أن يُحْكَمَ باستحقاق التفضيل لصاحب البيت الأخير، وذاك أنّ لقيطَ بن زُرارة ختم بيته بمَثَلٍ جيّد، وأبا نواس ختم بيتَه بتأكيد الكَرَم، ومعناه: أن الممدوحَ يشتري الثناءَ بمالِه على عِلمٍ أنه يجوز أن يفتقرَ، أو يحتاج الى غيره، كما احتاج غيرُه إليه. وأما الآخر فذكَر أنه يُعطي ماله ويشتري به الثّناءَ في الوقت الشديد الذي يجب أن يحفظَ الإنسان فيه مالَه لشدّة الحاجة إليه، وإذا كان يُعطيه في مثل هذا الوقت الصّعب ويبذُلُه أيامَ القَحْط والجَدْب، فكيف يكون في زمانِ الخِصب وتوفّرِ الخيرِ والمَيْرِ. وبمثل هذه الخَصلةِ حُكِمَ لحاتم بن عبد الله الطائي بالجود. وكان حاتم ظَفِراً: إذا قاتَلَ غلبَ، وإذا سُئِلَ وهَبَ، وإذا غنِمَ أنْهَبَ، وإذا أسرَ أطلقَ، وإذا أثْرى أنفق. وكان قد أقسمَ بالله تعالى ألا يقتلَ واحدَ أمّه. وحدّث محمد بن حبيب عن موسى الأحْوَل عن الهيثَم عن مَلحان ابن أخي ماوية امرأة حاتم عن عمّتِه ماوية قالت: أصاب الناسَ سَنَةٌ أذهبت الخُفَّ والظِلْفَ، فبتنا ذات ليلة بأشد جوع ولسنا نملكُ شيئاً، فأخذ حاتم عَدياً وأخذت سَفّانة، فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ حاتم يُعللني بالحديث لأنام، فرَقَقْتُ لما بِه من الجهد، فأمسكتُ عن كلامِه وأوهمْتُه أني قد نِمت لينامَ، فنظر من فُتْقِ الخِباء، فإذا شخصٌ مقبلٌ، فرفع رأسَه فإذا امرأة تقول: يا أبا سَفّانة، أتيتُك من عند صِبيَةٍ جِياع، فوثَب مُسرِعاً، وقال: هاتيهم، فوالله لأُشبعنّهم، فلما جاءتْ بهم وأنا مفكّرةٌ فيما يريد أن يصنع، قام عجِلاً الى فرسِه ولم يكُنْ يملك سواه، فذبحَه واشتوى فأشبعهم، ثم قال: والله، إنّ هذا لهُو اللّوم، كيفَ تأكلون وأهل الصِّرم حالهم كحالكم، فجعل يأتي الصِّرْم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النارَ، فاجتمعَ عليه عددٌ لم يتركوا منه شيئاً وهو متقنّعٌ بكسائه قد قعدَ حَجْرةً، فوالله ما ذاق منه لَماظا. فهذا والله الكرمُ المَحْضُ، والجودُ الخالِصُ، وإذا كان جودُه في مثل تلك الحالةِ هكذا فكيف يكون في سواها. هذا آخِر الفصل الأول، ولعلّ الناظرَ فيه يستطيلُ أبوابَه ويستعظمُ إسهابَه، خصوصاً وقد اشترَطْنا في أوّله الاختصارَ ووعَدْنا أن نتجنّب الإكثار، ولو علِمَ الناظرُ فيه ما قد خلّفناهُ بعدَنا ونبَذْناهُ وراءَنا من المعاني الغريبة، والأشعارِ العجيبةِ، لعرَفَ موضِعَ الاختصار، ووفاءَ ما وعَدْنا به من الاقتصار. هذا مع الإعراضِ عن كثير من أشعار المُحدَثين والمُتَقدمين من المجيدين. واللهُ الموفِّقُ للصّوابِ. الفصل الثاني فيما يجوزُ للشاعر استعمالُه وما لا يجوز وما يُدركُ به صواب القولِ ويجوز الذي يجوز للشاعر المولّد استعمالُه في شعره من الضرورة هو جميع ما استعملَتْه العرب في أشعارها من الضرورات سوى ما أستَثنيه لك، وأبيّنُه لدَيْك. والمولّد في ضرورات شعره وارتكاب صعابها أعذرُ من العربيّ الذي يقول في لغته بطبعه. أما الذي لا يجوز للمولّد استعمالُه، ولا يُسامَح في ارتكابِه فهو جميعُ ما يأتي عن العرب لَحْناً لا تسيغُه العربيةُ ولا يجوّزه أهلُها سواء كان في أثناء البيت أو في قافيتِه، فإنّ اللحنَ لا يجوزُ الاقتداءُ به، ولا النزولُ في شُعَبِه. فمن ذلك اللحنُ الذي سمّوْهُ جرّاً على المجاورة. قال الشاعر: فيا معشرَ الأعرابِ إنْ جازَ شُرْبُكم ... فلا تشربوا ما حَجّ للهِ راكبِ شَراباً لغزوانَ الخبيثِ فإنّه ... يناهيكُم منه بأيْمانِ كاذِبِ وهذا لَحْن قبيح، وصوابُه ما حجّ لله راكبُ. وقال آخر: أطوفُ بها لا أرى غيرَها ... كما طافَ بالبَيْعَةِ الراهِبِ جعل الراهبَ مروراً على الجوار وهو لحْنٌ قبيح، وصوابه: كما طاف بالبيعةِ الراهِبُ. وقال آخر: كأنّ نسْجَ العنكبوتِ المُرْمَلِ وصوابه المُرْمَلا وأما قول الآخر: كأنّ ثَبيراً في عرانينِ وَبْلِهِ ... كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزمَّلِ فله وجهٌ قد ذكرهُ أبو الفتح وهو أنه أراد مُزَمَّلٍ فيه، فحذفَ حرف الجرِّ فارتفع الضميرُ فاستتر في اسم المفعول، وقد وردَ من هذا شيء كثير، كقول الآخر:

стр. 42

كأنّما ضرَبَتْ قُدّامَ أعيُنِها ... قُطناً بمُسْتَحْصِدِ الأوتارِ محلوجِ وصوابه محلوجاً. وكل ذلك إنما أتوا به بناءً على ما ورد عن العرب من قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وليس الخَرِبُ من صفة الضَبّ قال الخليل بن أحمد: قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، إنما ورد عنهم من طريق الغلط، والدليل على ذلك أنهم ثَنَّوا لم يقولوا إلا جُحرا ضَبٍّ خَربان، لأن الغلط ههنا يَبينُ، وإنما وقع في الواحد لاجتماع الجحر والضبّ في الإفراد. وكذلك إذا جمعوا فإن الغلطَ يرتفعُ نحو قولِك: هذه جُحْرَة ضِبابٍ خَرِبَة. والمُحقِقون من أهل العلم لا يُجيزونَ العمل على الجوار، وما نحنُ بالمُغَلِّبين قولاً على قول، ولا لنا في ذلك غرَضٌ، وإنما المُولَّدُ من الشعراء لا يجوز له العمل على المجاورة، ولا ود ذلك لأحد من المولّدين المُجيدين، ولا أجاز العلماءُ بالشعر لهم ذلك، سواء كانت العرب أصابَتْ فيه أو أخطأَتْ، المقصودُ أنه محظورٌ على المولّدين. ومما لا يجوز للمولَّدين استعمالُه، ما استعملَتْه العربُ من التقديم والتأخير، والفصل الذي لا وجهَ لشيء منه، ولا يجوز للمولّد الحذوُ عليه، ولا الاقتداء به، فإنّه لحنٌ مُستَقبَح، كقول الشاعر: لها مُقلتا حَوراءَ طُلَّ خميلةً ... من الوحشِ ما تنفكُ ترْعى عَرارُها أراد: لها مُقلتا حوراء من الوحش ما تنفكُ تَرعى خميلةً طُلَّ عُرارُها. وقال الآخر: فقدْ والشَّكُ بيّن لي عَناءٌ ... بوَشْكِ فِراقِهم صُرَدٌ يصيحُ أراد: فقد بيّن لي صُرَدٌ يصيحُ بوشْكِ فراقِهم والشّكُ عناءٌ. وقال الآخر: فأصبحتْ بعد خَطِّ بهجتِها ... كأنّ قفراً رُسومَها قَلَما أراد: فأصبحتْ بعدَ بهجتِها قفراً كأنّ قلَماً خطّ رسومَها ومثل ذلك كثير. وقد ترى ما في هذه الأبيات من الفصول والتقديم والتأخير، ومثل هذا لا يجوز للأعراب المتقدمين فضلاً عن المولّدينَ المتأخرين. ولا يجوز لأحدٍ أن يتخذهُ رسْماً يعملُ عليه. ومما لا يجوز للمولّدين الاقتداءُ به ولا العملُ عليه لأنه لحنٌ فاحشٌ الإقواء في القافية، وذاك أن يعمل الشاعرُ بيتاً مرفوعاً وبيتاً مجروراً، كقول النابغة: أمِن آلِ ميّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ ... عجْلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزوَّدِ زعم البوارحُ أنّ رِحلتَنا غداً ... وبذاك خبّرَنا الغُرابُ الأسودُ ويا للعجب كيف ذهب ذلك عن النابغة مع حُسْنِ نقدِه للشّعر وصحّة ذوقِه وإدراكِه لغوامض أسرارِه، وقد عرَفْتَ ما أخذه عن حسان بن ثابت مما تحارُ الأفكارُ فيه، ولمّا نُبِّه على موضعِ الخطأ لم يصل الى فهمِه ولم يأبَه له حتى غنّت به قَينَةٌ وهو حاضر، فلمّا مدّدَتْ، خبّرَنا الغرابُ الأسودُ، وبيّنت الضمة في الأسود بعد الدال فطِنَ لذلك وعلِم أنّه مُقْوٍ فغيّره وقال: وبذاك تنعابُ الغُرابِ الأسودِ. وكقول مُزرِّد بن ضِرار من أبيات: ألم تعلمِ الثعلاءُ لا دَرَّ درُّها ... فَزارةُ أنّ الحقَّ للضّيفِ واجبُ ومنه: تشازَرْتُ فاستشرفْتُه فرأيتُهُ ... فقلتُ له: آأنتَ زيدُ الأرانبِ؟ وكقول حسان بن ثابت: لا بأسَ بالقَوْمِ من طولٍ ومن عِظَمٍ ... جِسمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ كأنهم قصبٌ جُوفٌ أسافِلُه ... مثَقَّبٌ نفخَتْ فيه الأعاصيرُ ولا يكون النصب مع الجرّ ولا مع الرفع في الإقواء. ولعمري إن الجميع لحْنٌ مردود، ولا وردَ عنهم شيءٌ من ذلك، وإنما يجتمع الرفعُ والجرُّ لقربِ كل واحد منهما من صاحبِه. ولأنّ الواوَ تُدغَم في الياء، وأنهما يجوزان في الرِّدفِ في قصيدة واحدة، فلما قرُبَت الواو من الياء هذا القُرب تخيّلوا جَوازَها معها وهو خطأ وغلط، وليس للمُقيَّدِ مَجْرى، أعني حركة حرف الروي، وإنما هو للمطلق، وأظنّ أنّ من ارتكبَ الإقواءَ من العرب لم يكنْ ينشِدُ الشِّعرَ مطلقاً، بل ينشدُهُ مُقيَّداً ويقف على قافيتِه، كقول دريد بن الصّمّة: نظرتُ إليه والرماحُ تنوشُهُ ... كوقعِ الصّياصي في النسيجِ المُمَدَّدْ فأرهبتُ عنه القومَ حتّى تبددوا ... وحتى علاني حالِكُ اللون أسْوَدُ

стр. 43

وفي الجملة فهو عُذر لا بأس به. وروى لي بعضُ مشايخِنا، يرفَعه الى أبي سعيد السيرافي قال: حضرتُ في مجلس أبي بكر بن دُرَيد، ولم أكن قبلَ ذلك رأيتُه، فجلست في ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين بيتَين يُعزَوان الى آدم ﵇ لما قتلَ ابنُه قابيل أخاه هابيل وهما: تغيّرتِ البلادُ ومَنْ عليها ... فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قبيحُ تغيّر كل ذي حُسْنٍ وطيبٍ ... وقَلّ بشاشةُ الوجهِ المليحُ فقال أبو بكر: هذا شعرٌ قد قيل في صدْر الدنيا وجاء فيه الإقواء، فقلت: إنّ له وجهاً يُخرجه من الإقواء. فقال: ما هو؟ فقلت: حذفُ التنوين من بشاشة لالتقاء الساكنين ونصبُها على التفسير، ورفعُ الوجه بإسناد قَلّ إليه. ولو حُرِّك التنوين لالتقاء الساكنين لكان: وقلَّ بشاشةً الوجهُ المليحُ. فقال لما سمع هذا: ارتفعْ، فرفعَني حتى أقعدَني الى جنبه. ومما لا يجوز للمولّدين استعمالُه، ولا وردَ لأحد رخصةٌ في مثلِه: الإكفاء، وهو اختلاف حرفِ الرّوي، ومثال ذلك قول الراجز: بُنَيّ إن البِرَّ شيءٌ هيِّنُ ... المَنْطِقُ الطَيِّبُ والطُعَيِّمُ وقول آخر: إنْ يأتِني لصٌّ فإنّي لصُّ ... أطلسُ مثل الذِئبِ إذْ يعْتَسُّ سَوْقي حُدائي وصفيري النّسُّ ومما لا يجوز للمولد استعماله الإيطاء: وهو أن يُقفّي الشاعرُ بكلمة في بيت ثم يأتي بها في بيت آخر يكون قريباً من الأول، فإن تباعدَ ما بين البيتَيْن بما قَدْرُه عشْرةُ أبيات فصاعداً، كان الذّنْبُ مغفوراً، والعيبُ مستوراً، وانتقل من المحظور الى الكراهية فإن كان إحدى القافيتين معرفَةً والأخرى نكرة فقد زالت الكراهية وكان الى الجواز أقرب من الامتناع وقد أوطأتِ العربُ كثيراً. قال النابغة الذبياني: أو أضعُ البيتَ في خَرساءَ مُظلمةٍ ... تُقيِّدُ العَيْرَ لا يَسْري بها الساري ثم قال بعد أبياتٍ يسيرة: لا يخفِضُ الرِّزَّ عن أرضٍ ألمّ بها ... ولا يضِلُّ على مِصْباحِه السّاري وقال ابن مُقبِل: أو كاهتزاز رُدَيْنيٍّ تداولهُ ... أيْدي التِّجارِ فزادوا مَتْنَه لِينا ثم قال بعد أبيات: نازَعْتُ ألبابَها لبّي بمقتَصَر ... من الأحاديثِ حتى زِدنَني لينا ومما لا يجوز للمولد استعماله السّناد: وهو اختلاف كل حركة قبل حرف الرويّ، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي: ألم تَرَ أنّ تغلِبَ أهْلُ عِزٍّ ... جِبالُ معاقلٍ ما يُرْتَقَيْنا شرِبْنا من دماءِ بني سُلَيْمٍ ... بأطرافِ القَنا حتى رَوينا ففتحةُ القاف وكسرةُ الواو سِناد لا يجوز، لأنّ أحدَ الحَذوَين يتابع الرِدْفَ والآخر يخالفُه. وقد أجاز الخليلُ الضمةَ مع الكسرة ومنع من الضمة مع الفتحة، فإن كان مع الفتحة ضمّة أو كسْرةٌ فهو سِناد. فأم الذي جوّزه فكقول طرَفة: أرّقَ العينَ خيالٌ لم يَقِرْ ... عافَ والرَّكبُ بصحراءَ يُسُرْ فهذه ضمّة مع كسرة وهو جيد. وأما الذي منع منه وذكر أنه سنادٌ فكقول رؤبة: وقاتِمِ الأعماقِ خاوي المُخْتَرَقْ ثم قال: ألّفَ شتّى ليس بالراعي الحَمِقْ فجمع بين الفتحة والكسرة. ثم قال: مَضْبورةٍ قرواءَ هِرجابٍ فُنُقْ فأتى بالضمة مع الفتحة والكسرة، وهو سِناد قبيح لا يجوز استعمالُ مثلِه، ومثلُه في القبح والجمع بين الكسرة والفتحة والضمة وقول الأعشى: غَزاتُكَ بالخيلِ أرضَ العَدْ ... وِ فاليومَ من غَزْوَةٍ لم تَخِمْ وجيشُهُم ينظرونَ الصبا ... حَ وجذعانُها كلفيظِ العَجَمْ قعوداً بما كان من لأْمَةٍ ... وهُنّ قِيامٌ يلُكْنَ اللُّجُمّ وحكى أبو عمر الجَرْمي أنّ الأخفش لم يكن يرى ذلك سِناداً ويقول: قد كثُر مجيء ذلك من فصحاء العرب. والمعوّلُ على ما قاله الخليل لا غير. وأجاز الخليل مجيءَ الياء مع الواو في مثل مَشيبٍ وخطوب، وأميرٍ ووعورٍ، فإن أردفْتَ بيتاً وتركتَ آخر فهو سِناد وعيب لا يُنسَجُ على منوالِه كقول الشاعر: إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسِلاً ... فأرسِلْ حكيماً ولا توصِه

стр. 44

وإنْ بابُ أمرٍ عليكَ التوَى ... فشاوِرْ لبيباً ولا تَعصِه فالواو التي في توصِه رِدفٌ، والصاد حرف الروي، وابيت الثاني لي بمُردَف، فهذا سِناد، وهو عيب قبيح قلّما جاء. وقال الخليلُ بن أحمد: رتَّبْتُ البيت من الشعر ترتيب البيت من الشَّعَر يريد الخِباء، قال: فسمّيْتُ الإقواء ما جاء من المرفوع في الشِّعر والمخفوض على قافية واحدة. وإنما سمّيتُه إقواءً لمخالفته، لأن العرب تقول: أقوى الفاتلُ إذا جاءت قوّةٌ من الحبل تخالفُ سائِرَ القُوى. قال: وسمّيْت تغيُّرَ ما قبل حرفِ الرَويّ سِنادا؛ من مساندة بيت الى بيت إذا كان كلُّ واحدٍ منهما مُلقىً على صاحبه، ليس هو مستوياً كهذا، قال: وسمّيْتُ الإكفاءَ ما اضطربَ حرفُ رَويّه فجاء مرةً نوناً ومرة ميماً ومرة لاماً، وتفعل العرب ذلك لقُربِ مَخْرج الميم من النون، كقوله: بناتُ وطّاءٍ على خدِّ الليلْ ... لا يشتكينَ ألماً ما انْقَيْنْ مأخوذ من قولهم: بيت مُكفأ إذا اختلفَتْ شِقاقُه التي في مؤخَّره والكفاء: الشقة في مؤخر البيت. والإيطاء ردُّ القافية مرتين، كقوله: ويُخزيكَ يا ابنَ القَيْنِ أيامُ دارِمِ ... وعمرو بنُ عمروٍ إذ دَعا يالَ دارِمِ أوطأ قافيةً على قافيةٍ سماهُ إيطاء. وأما التَضمين فهو أن يُبنى البيتُ على كلامٍ يكون معناه في بيت يتلوهُ من بعدِه مُقتضِياً له. كقول الشاعر: وسعْدٌ فسائِلْهُم والرِّبابُ ... وسائلْ هَوازنَ عنّ إذا ما لَقيناهُمُ كيف تعلوهُمُ ... بَواتِرُ يَفْرينَ بَيْضاً وهاما وكل هذه العيوب لا يجوز للمولدين ارتكابُها لأنهم قد عرَفوا قُبْحَها، وشاهَدوا في غيرهم لذْعها ولَفْحَها، والبدوي لم يأبَه لها. ومما لا يجوز للمولّد استعمالُه كسْرُ نونِ الجمع في مثل قول جرير: عَرينٌ من عُرَينَةَ ليس منا ... برِئْتُ الى عُرَيْنَةَ من عَرينِ عرَفْنا جعفراً وبني عُبَيدٍ ... وأنكرْنا زعانفَ آخرينِ وهذا لحْن، وصوابه آخرين، مفتوح النون. وقال سُحَيم بن وَثيل: عذَرْتُ البُزْلَ إنْ هيَ خاطرَتْني ... فما بالي وبالُ ابْنَيْ لَبونِ وماذا يَدَّري الشُّعراءُ منّي ... وقد جاوزْتُ رأسَ الأربعينِ والصواب فتحُ نون الأربعين. وقال الفرزدق يخاطبُ الحجاج بن يوسف لمّا أتاه نَعْي أخيه محمد في اليوم الذي مات فيه ابنُه محمد: إنّي لَباكٍ على ابني يوسفٍ جزَعاً ... ومثلُ فقدِهِما للدين يُبْكيني ما سدّ حيٌّ ولا ميْتٌ مسَدَّهُما ... إلا الخلائِفُ من بعْدِ النبيين فكسر نون النبيين، والصواب فتحها. وللمبرّد على ذلك كلام. وكل هذا لا يجوز للمولّد الحذو عليه ولا الاحتجاجُ به. ولذلك يقول السيّد الحِمْيَري: وإنّ لساني مِقْوَلٌ لا يخونُني ... وإني لما آتي من الأمرِ مُتْقِنُ أحوكُ ولا أقْوي ولستُ بلاحِنٍ ... وكم قائلٍ للشعرِ يُقْوي ويَلْحَنُ وقال عديُّ بن الرِّقاع: وقصيدةٍ قد بتُّ أجمَعُ بينَها ... حتى أقوِّمَ مَيْلَها وسِنادَها نظرَ المثقِّفِ في كُعوبِ قَناتِه ... حتى يُقيمَ ثِقافُه مُنْآدَها وأنشد أبو بكر الصولي قال: أنشدني عون بن محمد الكندي لبعضِهم وملّح: لقد كان في عينيكَ يا عمروُ شاغِلٌ ... وأنفٌ كَثيلِ العَوْدِ عمّا تتَبَّعُ تتبّعتَ لحناً في كلامِ مُرَقِّشٍ ... ووجهُكَ مبنيٌّ على اللحنِ أجمعُ فعيناكَ إقواءٌ وأنفُكَ مُكْفأٌ ... ووجهُك إيطاءٌ فأنتَ المُرقّعُ ويُروى: أذناكَ إقواءٌ وأنفُك مُكْفأ ... وعيناكَ إيطاءٌ فأنتَ المُرقَّعُ وقال ابن جُريْج في سوّار بن أبي شُراعة: وذكرُكَ في الشّعرِ مثل السنا ... دِ والخَرْمِ والخزْمِ أو كالمُحالِ وإيطاءُ شعرٍ وإكافؤهُ ... وإقواؤهُ دون ذِكرِ الرُّذالِ وما عيبَ شِعْرٌ بعَيْبٍ له ... كأنْ يُبْتَلى برِجالِ السَّفالِ

стр. 45

يُتاحُ الهِجاءُ لهاجي الهِجا ... ءِ داءً عُضالاً لداءٍ عُضالِ وقد أورَدْنا هذه الأبيات لموضِعِ استقباحِ عُيوبِها وتشبيهِ أحوالِ المَهْجوّ به تأكيداً لقُبْحها في النفسِ وتحريضاً على اجتنابِها لرَفْعِ اللَّبس. ومما يجوزُ للشاعرِ المولّد ارتكابُه من الضرورة في شعرِه أن يصرفَ ما لا ينصرف لأن أصل الأسماء كلِّها الصرفُ، وإنما طرأتْ عليها عِللٌ منعَتْها من الصَرف، فإذا صرَفَ الشاعرُ ما لا ينصرِف فقد ردّه الى أصله. قال الشعر: لم تتلفّعْ بفَضْلِ مِئْزَرِها ... دعْدٌ ولم تُغْذَ دعدُ بالعُلب العُلَب جمع علبة وهي قدَحٌ من خشب ضخم يُحلَبُ فيه، فصرَفَ دعداً وترك الصّرْفَ في بيت واحد. وأما أن يأتي الشاعرُ الى ما ينصرفُ فيتركُ صرفَه فلا يجوز لأنه إخراجُ الشيءِ عن أصله، وإخراجُ الأشياءِ عن أصولِها يُفسِدُ مقاييس الكلام فيها. واحتجّ الأخفشُ على جَواز ذلك بقولِ العباس بن مرداس السُّلَميّ وهو: فما كان حِصْنٌ ولا حابِسٌ ... يفوقانِ مِرداسَ في مَجْمَعِ فترك صرفَ مرداسٍ وهو اسمٌ منصرف. وقال أبو علي: هذا لا يقاس عليه، وأقول: إنّ هذا لا يجوز فعله لأنّه لحن قبيح. ومما يجوزُ للشاعر المولّد استعماله ضرورةً قصْرُ الممدود ولا يجوز له مدُّ المقصور لأنه خروج عن الأصل، وأماقصْرُ الممدود فهو ردّ الشيء الى أصله. قال الشاعر: بكَتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها ... وما يُغني البُكاءُ ولا العويلُ فقصَرَ البكاءَ ومدّه في بيت واحد. ومما لا يجوز الاحتجاجُ به في مدِّ المقصور؛ لأنه على غير أصل الوضع الذي اتفقَ العلماءُ عليه قول الفرزدق: أبا حاضرٍ مَنْ يَزْنِ يظْهَرْ زِناؤهُ ... ومن يَشْرَبِ الخُرطومَ يُصبحْ مُسَكَّرا فمدّ الزِّنى وهو ممدود في لغة أهل نجد، والقَصْر فيه لأهل الحجاز وهي لغة القرآن وعليها الاعتماد وعلّة من مدّ الزِنى أنه جعلَه فعلاً من اثنين، كقولك راميتُه رماء وزانيتُه زناء، ومن قصَرَهُ ذهب الى أنّ الفعل من أحدِهما؛ وفي الجملة فإنّه منقول مقول لا يُقاس غيرُه عليه، ويُكتَبُ الزنى في القصر بالياء لأنّه من: زَنى يَزني. فأما قول الآخر: سَيُغنيني الذي أغناكَ عني ... فلا فَقْرٌ يدومُ ولا غِناءُ فالرواية الصحيحة أن يكون أوّلُه مفتوحاً لأنّ معنى الغِنى والغَناء واحد، والشعرُ إذا اضطرّ الى مدِّ المقصورِ غيّر أولَه ووجّهَهُ إلى ما يجوز استعمالُه، كقول الراجز: والمرءُ يُبليه بَلاءَ السِّربالِ ... كرُّ الليالي وانتقالُ الأحوال فلمّا فتح الباء من البلى ساغ له المدّ. ومثلُ هذا كثير. ويجوز للشاعر الاجتزاء بالضمة عن الواو ضرورة كقول الشاعر: فبَيْناهُ يَشْري رَحْلَه قال قائلٌ ... لمنْ جمَلٌ رِخْوُ المِلاطِ ذَلولُ؟ كان الأصل: فبينا هو، فلما اجتزأ بالضمة حذف الواو. ويجوز للشاعر المولّد أن يرُدّ المنقوص الى أصله في الإعراب ضرورةً، فيضمّ الياءَ في الرفع ويكسرها في الجرِّ، كما تُفْتَح في النصب لأنّ الضمّة والكسرة منويتان مقدرتان في الياء وإنْ سقطَتا، فيقول في قاضٍ في حال الرفع قاضيٌ وفي حال الجرِّ قاضيٍ، غيرَ مهموز، وكذلك في جواري وغواني. قال الشاعر: تراهُ وقد فاتَ الرُماةَ كأنّه ... أمامَ الكلابِ مُصْغيُ الخَدِّ أصْلَمُ فضمّ ياءَ مُصغ. وقال عُبيد الله بن قيْسٍ الرُّقيّات: لا باركَ اللهُ في الغواني هل ... يُصبِحْنَ إلا لهنّ مُطَّلَبُ فكسر الياءَ في الغواني. وقال الآخر: ما إنْ رأيتُ ولا أرى في مدّتي ... كجواريٍ يلعبْنَ في الصحراءِ فاستعملَ ضَرورتين: إحداهما كسرُ الياء، والأخرى صرفُ ما لا ينصرف. فأما قول الفرزدق: فلو كان عبدُ اللهِ مولىً هجَوْتُه ... ولكنّ عبدَ اللهِ مولى مَوالِيا فتقديرُه أنه وقفَ على الياء على مذْهَبِ من يقِفُ عليها من العرب. فلما تمّ الاسمُ برجوع لامِه امتنع حينئذ من الصّرف لأنّ وزنَه صار بالياء مفاعل بعد ما كان مفاعٍ، فلما اضطر الى حركته لإقامة الوزن فتحه في موضع الجرّ كما تُفتحُ مساجِدُ. فأما قول الراجز: يحْدو ثماني مولَعاً بلِقاحِها

стр. 46

فإنّ الشاعر شبّه ثمانٍ بجوارٍ لفظاً لا معنىً فلم يصرفْهُ. ويجوز للمولّد أن يسَكِّنَ الياء في حال النصب فيُلحِقَ المنصوبَ بالمرفوع والمجرور، كما جاز له أن يحرِّكَ الياءَ في حال الرفع والجرّ فيُلحِقَ المرفوعَ والمجرورَ بالمنصوب. قال أبو العباس المبرد: هذا من أحسن الضرورات لأنهم شبّهوا الياء بالألف، يعني أنهم إذا أسكَنوها في الأحوال الثلاث جَرى المنقوص مَجْرى المقصور فصارَت الياء كالأف؛ إذ الألفُ ساكنةٌ في جميع أحوالها قال الشاعر: مَهْلاً بني عمِّنا مهْلاً مَوالينا ... لا تَنبُشوا بَينَنا ما كان مدْفونا أسكن الياء في موالينا وهي في موضع نصبٍ. وقال الآخر: كأنّ أيديهنّ بالقاع القَرِقْ ... أيدي جَوارٍ يتعاطيْنَ الورِقْ أسكن الياءَ في أيديهنّ وهي في محل النصب وأسكنها في أيدي وهي في محلّ الرفع. قال الحطيئة: يا دارَ هندٍ عفَتْ إلا أثافيها وقال الفرزدق: يقلِّبُ رأساً لم يكنْ رأسَ سيِّدٍ ... وعيْناً له حَولاءَ بادٍ عُيوبُها أراد بادياً عُيوبُها فأسكن الياءَ وحذفَها لالتقاء السّاكنين. ويجوز في قول الآخر وقد تقدّم ذكرُه: يحدو ثماني مُولعاً بلِقاحِها أن تُسكَّن الياءُ ثم تحذَفَ لأجلِ التنوين فيكون محمولاً على هذه الضرورة فتقول: يحْدو ثمانٍ مولَعاً بلِقاحِها ومما يجوز للشاعر المولّدِ استعمالُه، إثباتُ الواو والياء في مثل لم يغْزُ ولم يرْمِ فيقول عند الضورة: لم يغزوَ ولم يرميَ، كأنّه أسْكنَ الواو والياء بعد وُجوب الحَرَكة لهما قال الشاعر: ألمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنمي ... بما لاقَتْ لَبونُ بني زِيادِ كان أصلُه: يأتيُك فحذف الضمة وأسكن الياء كما عرّفتُك. ومما يجوز استعمالُه، وهو كثيرٌ فاشٍ في الاستعمال، حذفُ التنوين لالتقاء الساكنين. فمن ذلك قول الشاعر: حُمَيْدُ الذي أمَجٌّ دارُه ... أخو الخمرِ ذو الشَيبَةِ الأصْلَعُ كان ينبغي أن يقول حُمَيدٌ فأسقط التنوين. والأمَجُ الحرُّ والعطش، وأمَجٌ موضع. وقال الآخر: لتَجِدَنّي بالأميرِ بَرّا ... وبالقَناةِ مِدْعَساً مِكَرّا إذا غُطيفُ السُّلَميُّ فَرّا كان يجب أن يقول: إذا غُطَيْفٌ، فحذفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين. وقال عُبيدُ الله بن قيس الرُقيّات: كيف نومي على الفراشِ ولمّا ... تشملِ الشّامَ غارةٌ شعْواءُ تُذهِلُ الشيخَ عن بَنيه وتُبدي ... عن حِذامِ العقيلةُ العذراء أراد وتبدي العقيلةُ العذراءُ عن حِذام، والخِدام الخلخال أي ترفع ثوبها للهرب، وقال الشاعر: فألفَيْتُه غيرَ مُستَعْتِبٍ ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا حسُنَ حذفُ التنوين من ذاكر ونصَبَ اسم الله تعالى به ليوافقَ المعطوفَ عليه في التنكير. وقال: وحاتِمُ الطائيُّ وهّابُالمِئي وكان الواجبُ أن يقول وحاتمٌ فحذفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين. وقد رُويَ عن أبي عمرو في بعضَ طُرُقِه: (قُلْ هو الله أحدُ اللهُ الصَّمَدُ) ، فحذف التنوينَ من أحدٍ لالتقاء الساكنين، وكذلك حُذف التنوين لالتقاء الساكنين في قراءة من قرأ: (وقالتِ اليهودُ: عُزَيْرُ ابنُ الله) على أنه مبتدأ، وابن الله خبرُه، كقراءةِ مَنْ أثبتَ التنوين، ولا يكون حذف التنوين منه لامتناع الصّرف لأنّ عُزَيْراً ونحوَه ينصرفُ عربياً كان أو عجمياً، وإنما حسُنَ حذفُ التنوين لالتقاء الساكنين كما حسُن حذفُ حروف اللين لذلك. ألا ترى أنه قد جرى مجراها في: لم يكُ زيدٌ قائماً، وقولِه تعالى: (وإن يكُ كاذباً فعليهِ كذِبُه) . وقد أثبتَ الشّاعرُ نونَ مئتي دِرْهمٍ ضرورةً، فقال: عندي لها مأَتانِ ثوْباً مُعْلَما ويجوز للمولّد حذفُ نون مِن إذا وليَتْها اللام الساكنة، كقول الشاعر: أبلِغْ أبا دَختنوشَ مألُكَةً ... غيرَالذي قد يُقال مِلْ كذِبِ أراد أن يقول: من الكذب، فحذف النونَ لسكونها وسُكون اللام بعدها. قال المرقَّش الأكبر: لم يشْجُ قلبي مِلحوادث إ ... لاّ صاحِبي المتْروكُ في تَغْلَمْ وقال الآخر:

стр. 47

كأنّما مِلآنَ لم يتغيَّرا ... وقد مرّ للدارَيْنِ منْ بعدِنا عصْرُ أراد: من الآن، فحذف. وكذلك حذف النجاشيّ النون من لكن لالتقاء الساكنين فقال: ولستُ بآتيه ولا أستطيعُهُ ... ولاكِ اسْقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فضْلِ وإنّما حذَفوا هذه النون تشبيهاً بالياء المحذوفة للتخفيف في لا أدرِ وقوله تعالى: (ذلكَ ما كنا نبْغِ) لمضارعتِها حروفَ المدِّ واللين، وقال الراجز: لم يكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكا فأمّا قول المُتنبي: جلَلاً كما بي فلْيَكُ التبريحُ وقد ذكرنا شرْحَ هذا البيت في الرسالة العلوية، واستوفينا أقسام ما فيه من العُيوب، وإنما نذكر هاهنا وجهَ قُبح حذْفِ النون من فليكن ووجه العُذْرِ له وإنْ كان ضعيفاً. قال أبو الفتح: وليس حذفُ النون من يكن وهي ساكنة قد ضارعَتْ في المخرج والزيادة والسّكونِ والغُنّة حروفَ المدِّ فحُذِفَتْ كما يُحْذَفْنَ، وهي في فليكن التبريح قويّةٌ بالحركةِ، وكان ينبغي ألا يحذفَها انقضى كلامُه. ومعنى هذا القول أنها لو لم تُحذَفْ وجبَتْ حركتُها لسكونها وسكونِ التاء المبدلة من لام التعريف، وإنما حُذِفَت في نحو (وإنْ يكُ كاذِباً فعليهِ كذِبُه) وفي قول الراجز: لم يكُ شيءٌ يا إلهي قبْلَكا لمضارعتِها حُروفَ المدِّ واللين والسّكون والغُنّة، فحذَفوها تشبيهاً بالياء المحذوفة للتخفيف في لا أدرِ و (ذلك ما كنا نبغ) و (يومَ يأتِ لا تكلَّمُ نفسٌ) فإذا زال السكون الذي يوجِب شَبَهها بحروف المدّ وجبَ ثباتُها كقوله تعالى: (لم يكنِ اللهُ ليغفرَ لهم) وقبُح حذفُ النون من فليَكُن من جهة أخرى وهو أنه حذَفَ النون مع الإدغام وهذا لا يُعرَف، لأنّ من قال في بني الحارث: بَلْحارِث، لم يقلْ في بني النجار: بنّجّار. ووجهُ العُذرِ عن المتنبي أن يقال: أما صواب الكلام فإثباتُ النون متحركةً، ولكنّ ضرورة الشعر دعَتْه الى ذلك. وقد حكى أبو زيد في النوادِر عن العرب مثل هذه الضرورة فيما أنشدَه لحُسَيْل بن عُرْفُطَة، قال: لم يكُ الحقُّ على أن هاجَهُ ... رسْمُ دارٍ قد تعفّى بالسَرَرْ غيّر الجِدّةَ من عِرفانها ... خُرُقُ الريحِ وطوفانُ المطرْ وقد حذف النجاشيّ نون لكنْ الخفيفة وهي في موضع حركة في قوله: فلسْتُ بأتيهِ ولا أستطيعُه ... ولاكِ اسْقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فضلِ وإذا كانت لكن وأصلُها لكنّ قد سوّغت الضرورةُ حذفَ نونها بعد حذف النون الأخرى، فحذفُ النون من قوله: فليَكُ التبريح مُسامَحٌ فيه للضرورة. وأما حذفُها مع الإدغام فإننا نحكُمُ بأنه حذفَ النون من فليكن لغيرِ التقاء الساكنين بل، كما حذِفَت في قول القطامي: ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَداعا وأدخلَ الساكن المُدْغَم بعدَ حذفِها. ومثلُه في الرجزِ القديم: ومن يكُ الدّهرُ له بالمَرصَدِ فهذا وجه اجتهاد من يُحاوِل الاعتذار له، وعليه نقْضٌ يُدحِضُ حُجّتَه ويطمِسُ مَحجَّته، وليس هذا موضع الكلام فيه. والأصل أنّ أبا الطيّب أخطأ في ذلك وسلك منه ما ليس للمولّد سلوه، والواجب أن يُتجنَّبَ ما سلكَه من هذه الضرورة. ويجوز حذفُ الياء من الأيدي والنواحي ومن هي للضرورة. وقال الشاعر: دارٌ لسُعْدى إذهِ من هَواكا فحذفَ الياءَ من هي لأنّه أرادَ: إذْ هيَ من هَواكا. وقال الشعر: وطِرتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلاتٍ ... دوامي الأيْدِ يخبطنَ السّريحا فحذفَ الياءَ من الأيدي، كقول الآخر: كنَواحِ ريشِ حمامةٍ نجْديّةٍ ... ومسَحْتَ باللّثَتَيْن عصْفَ الإثْمِدِ فأسقط الياءَ من نواحي، ومثلُه: كفّاكَ كفٌّ لا تليقُ دِرهما ... جوداً وأخرى تُعْطِ بالسّيفِ الدَّما يريد: تعطي، فحذف الياء، وعليه بيتُ الكتاب: وأخو الغوانِ متى يشأْ يصْرِمْنَهُ وقد حذفت الواو مع الضمّ كقول الشعر: إنّ الفقيرَ بيننا قاضٍ حكَمْ ... أنْ نرِدَ الماءَ إذا غابَ النُجُمْ يريدُ النجومَ فحذفَ الواو واكتفى بالضمة. وقوله: حتى إذا بُلَّتْ حلاقيمُ الحُلُقْ يريد الحُلُوق، وقال الأخطل:

стр. 48

كلَمْعِ أيدي مثاكيلٍ مسَلَّبةٍ ... يُبْدينَ ضَرْسَ بناتِ الدهرِ والخُطُبِ يريدُ الخطوبَ فحذفَ الواو واجتزأ بالضمة. ويجوز تسكين الحروف التي يليها الضّمّاتُ والكسراتُ نحو: عضُد وفَخِذ، فيقال: عضْدٌ وفَخْذٌ، قال الأخطل: أنتم خِيارُ قرَيشٍ عند نسبتِها ... وأهلُ بَطْحائِها الأثْرَوْنَ والفَرَعُ أراد الفَرْعَ فحرّك الراء. وقال الأُقَيشِر الأسدي: إنّما نشربُ من أموالنا ... فسَلوا الشُرْطيَّ ما هذا الغَصَبْ أراد الشُرَطيَّ بتحريك الراء. ويقال في علِمَ: عَلْمَ، وفي كرُمَ: كَرْمَ، وفي رَجُل: رَجْلٌ، وفي ضُرِبَ: ضُرْبَ، وفي عُصِرَ عُصْرَ. قال الشاعر: لو عُصْرَ منها البانُ والمِسكُ انعصَرْ ويقال في مثلا انطَلِقْ: انطَلْقَ، تنقُل حركة اللام الى القاف وسكون القاف الى اللام، كقول الشاعر: ألا رُبّ مولودٍ وليس له أبٌ ... وذي ولدٍ لمْ يلْدَهُ أبوانِ فحرّك الدالَ بالفتح لما أسْكنَ اللام. فأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب: قواطناً مكّةَ من وُرْقِ الحَمي ويروى أوالِفاً فإنّه أرادَ الحمامَ فحذفَ الألفَ فبقي الحمَمْ، فاجتمعَ حرفان من جنس واحدٍ فأبدَلَ الميمَ الثانيةَ ياءً كما قالوا: تظنّيْتُ بأدَلوا الياءَ من النون. وهذا إنما يجوز استعمالُه ضرورةً في الحِمام خاصّةً نقلاً، ولا يجوز القياسُ عليه في الحمار ولا فيما أشبَه ذلك لأنه شاذّ. ومما حُذِف الألفُ فيه وهو في المفتوح قليلٌ لخفّةِ الألف، قول الشاعر: مثلُ النَقا لبَّدَهُ صَوْبُ الطِلل يريدُ الطِلالَ فحذفَ الألِفَ. وقال أبو عثمان في قوله تعالى: (يا أبَتَ) أراد: يا أبتاهُ، فحذفَ الألِف. وقد ضاعف الشاعرُ ما لا يجوزُ أن يُضاعَفَ في غير الشعرِ للضرورة، قال قَنْعَب: مَهْلاً أعاذِلَ قد جرّبْتِ من خُلُقي ... أنّي أجودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِفوا وقال الراجز: الحمدُ لله العليِّ الأجْلَلِ وإنما الوجهُ الصحيح ضنّوا والعليُّ الأجَلُّ. وكل هذه الضرورات إنما يُرَخَّصُ للشاعر في استعمالها عند مضايقِ الكلام واعتياصِ المَرام، لأن الشعرَ مُحِلُّ ارتكابِ الضرورات، واستعمال المحظورات. وقد ألحقَ الشاعرُ نونَ الجمع مع الاسمِ المُضمَر، وهو من الضرورات التي لم تُستَحسَن، فقال في مثل الضّارِبوهُ الضّاربونَه، والخائِفوه: الخائِفونَه، والآمِروهُ الآمِرونَه. قال الشاعر: همُ القائلون الخيْرَ والآمِرونَهُ ... إذا ما خَشُوا من مُحْدَثِ الأمرِ مُفظِعا فأما حذفُ الإعراب فلا يجوز للعربيّ فضْلاً عن المولّد قال الراجز: إذا اعوجَجْنَ قلتُ صاحبْ قَوِّمِ ... بالدّوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ وأنشد سيبويه: فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُستَحْقِبٍ ... إثْماً من الله ولا واغِلِ يريدُ: أشربُ، فحذفَ الضمّة وهو لحْن، والروايةُ الصحيحة فيه: فاليوم فاشْرَبْ غيرَ مُستَحْقِبٍ. وأما قطعُ ألِف الوصْلِ فلا يجوز للشاعر المولّدِ استعماله لأنه لحْنٌ وإن كان العربي قد فعل ذلك. قال جميل: ألا لا أرى إثنينِ أحسَنَ شيمةً ... على حَدَثانِ الدّهْرِ مني ومن جُملِ فقطعَ ألِفَ اثنين وهي ألِفُ وصلٍ. ويجوز زيادةُ الياءِ فيما كان على وزن مفاعِل فيصير فاعيل مثلُ مساجد ودراهِم فقالوا: مساجيد ودَراهيم. وسبب ذلك أن الشاعر إذا احتاجَ الى إقامة الوزن بطّلَ الحركة فأنشأ عنها حرْفاً من جِنسِها. قال الشاعر يصفُ ناقةً: تنْفي يَداها الحَصا في كلِّ هاجِرةٍ ... نفْيَ الدّراهيمِ تنْقادُ الصياريفِ وكذاك قولُ ابن هَرْمة: يمُنْتَزاحٍ، يريدُ بمُنْتَزَحٍ من النَزْحِ وقول الآخر: فانظُورُ، أي فانظُرُ. وقد بيّن النحويون ذلك وشرحوه، وقد جاء في مثل المِفْتاح: المِفْتَح، وفي مثل التأميل: التأمال، وفي مثل الكَلْكَل: الكَلْكال. وهذا يجوز للشاعر المولّد استعماله إذا نقله نقلاً لأنها لغة القوم ولهم التصرُّف فيها، وليس لنا القياس عليها بل نستعمِل ما ورد عنهم نقْلاً. قال الراجز: أقولُ إذْ خرّت على الكَلْكالِ ... يا ناقتي ما جُلتِ من مَجالِ

стр. 49

ويجوز للشاعر المولّد التّصغير في الشّعر من غيرِ ضرورة لمعان في التصغير نذكرُها. أما التّصغيرُ فعلى أربعة أقسام: قسْمٌ للتحقير كقولَك: رُجَيْلٌ، وقسمٌ للتقليل في المجموع كقولَك: أُجَيْمالٌ، وقسمٌ للتّعظيم كقول عمر ﵁ كُنَيْفٌ مُلئَ علماً. وقال حُباب: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقها المُرجَّب. وقال لَبيد: دُوَيْهيّةٌ تصْفَرُّ منها الأنامِلُ وقسم للتقريب وذلك في الظروف نحو قولك: فُوَيْقٌ وقُدَيدِمة وقال امرؤ القيس: ضَليع إذا استَدْبَرْتَه سدّ فرْجَه ... بضافٍ فوَيْقَ الأرضِ ليسَ بأعزَلِ وقال الأعشى: أبلِغْ يزيدَ بني شيبانَ مألُكةً ... أبا ثُبَيْتٍ أما تنفَكُّ تأتَكِلُ وقال زهير: فأمّا ما فُويْقَ العِقْدِ منها ... فمِنْ أدْماءَ مرْتَعُها خلاءُ وقال أبو زُبيد الطائي: يا ابنَ أمّي ويا شُقَيِّقَ نفْسي ... أنتَ خلَّيْتَني لأمرٍ شديدِ وربما حقّروا فعلَ التعجُّبِ للَحاقِه بالأسماءِ إذ عدم تصرُّفُه، ومعنى التَحقير المبالغة في الاستحسان، كما قال: يا ما أحَيسِنَ غِزْلاناً عرَضْنَ لنا ويجوز استعمالُ غَدْوٍ في موضِع غدٍ، كقول الشاعر: وما الناسُ إلا كالدّيارِ وأهلِهابها يومَ حلّوها وغَدْواً بلاقعُويجوز استعمال ليْتي في موضع ليتني كقول الشاعر: كمُنْيَةِ جابرٍ إذ قال لَيْتي ... أصادِفُه وأفقِدُ بعضَ مالي ويجوز استعمال عِمْ صباحاً في موضع أنعِمْ صباحاً كقول الشاعر: أتَوْا ناري فقلت مَنونَ أنتُمْ ... فقالوا: الجِنُّ، قلت: عِموا ظَلاما ويجوز التّرخيمُ في غير النداءِ للضرورة كما قال الشاعِر: لَنِعمَ الفتى تعْشو الى ضوءِ نارِه ... طَريفُ بنُ مالٍ ليلةَ الجوعِ والخَصَرْ يريد طريفَ بنَ مالكٍ فرخّم في غير النداء، كما قال الآخر: وهذا رِدائي عندَه يَستعيرُه ... ليَسْلُبَني عِزّي أمال بنَ حنْظَل أراد حنظلة فرخّم وهو غيرُ مُنادى. وأما الترخيم في النداء فقد جاء منه في أشعارهم ما لا يُحيط به الإحصاءُ. قال الشاعر: يا مَرْوَ إنّ مطيّتي محْبوسةٌ ... ترجو الحِباءَ وربُّها لمْ ييأسِ يريد يا مروانُ. وقال آخر: فقُلتُم تعالَ يا يَزي بنَ مخَرّمِ ... فقلتُ لكمْ إني حَليفُ صُداءِ يريدُ يا يزيد. وقال آخر: يا حارِ لا أُرْمَيَنْ منكُم بداهيةٍ أراد يا حارِث، وقد جاءَ عنهم إبدالُ الحرف المتحرك بحرف لا تجري فيه الحركة، وهو من الضرورات التي لا تجوز للشاعر المولّدِ ولا هي بالمستحسنة. قال الشاعر: له أشاريرُ من لحْمٍ تُتَمِّرُه ... من الثّعالي ووخْزٌ من أرانيها أراد الثعالب فأبدلَ من الباء ياءً، وكذلك أراد أرانبها فأبدل الياء من الباء. ومثله: ومَنْهَلٍ ليس به حَوازِقُ ... ولضَفادي جمِّهِ نَقانِقُ يريد الضفادع. ويجوز للشاعر المولّدِ استعمالُ الماضي في موضع المُستقبل واستعمال المستقبل في موضع الماضي. فأما استعمال الماضي في موضع المستقبل فكقوله تعالى: (ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنّةِ أنْ أفيضوا علَيْنا من الماء) والمعنى وإذْ ينادي أصحابُ النارِ. وأما استعمالُ المستَقبل في موضع المضي فكقوله تعالى: (ففريقاً كذّبْتُمْ وفريقاً تقتلون) ، أراد فريقاً قتلْتُمْ. ومثله (ما يَعبدونَ إلا كما يعبُدُ آباؤهُم من قَبلُ) أوقعَ يعبد موضِعَ عَبدَ. وقال الطِّرمّاح: وإني لآتيكُم تشَكُّرَ ما مضَى ... من الأمسِ واستيجابَ ما كان في غَدِ وضع كان في موضع يكون. وقال زيادٌ الأعْجَم: وانْضَحْ جوانبَ قبرِه بدِمائِها ... فلقَدْ يكونُ أخا دَمٍ وذبائِحِ وضع يكونُ في موضع كان.

стр. 50

وقال أبو الفتح: قال أبو عليّ: سألتُ أبا بكرٍ عن الأفعالِ يقَع بعضُها موقعَ بعض فقال: كان ينبغي للأفعال كلِّها أن تكون مِثالاً واحداً لأنها لمعنىً واحد، ولكن خُولِفَ بين صِيغها لاختلاف أحوالِ أزمنَتِها، فإذا اقترنَ بالفعل ما يدلُ عليه من لفظٍ أو حالٍ جازَ وقوعُ بعضِها موقعَ بعضٍ. قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبي بكر عالٍ سديدٌ فاعْرفْهُ. وقال أعشى باهِلة: فإنْ يُصِبْكَ عدوٌّ في مُناوأةٍ ... فقد تكونُ لك المَعْلاةُ والظَّفَرُ وضع تكون في موضع كانت. وقال آخر: قالتْ جُعادةُ ما لجسمِكَ شاحباً ... ولقد يكونُ على الشبابِ نَضيرا أي: ولقد كان. ويجوز للشاعر المولّدِ تأنيثُ المذكّرِ وتذكيرُ المؤنث على المعنى وهو أفشى في العُرْفِ والاستعمال من أن يُؤتى عليه بشاهدٍ أو مثالٍ، قال الشاعر: أتَهجُرُ بيتاً بالحجازِ تلفّعَتْ ... به الخوفُ والأعداءُ من كلّ جانبِ أنّث الخوفَ لأنه ذهب به الى المخافة. ومثله بيتُ الحماسة: يا أيها الراكِبُ المُزْجي مطيّتُه ... سائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصّوتُ أنّث الصوت لأنه ذهب به الى الاستغاثة، وإذا جازَ تأنيثُ المذكر في كلامِهم حمْلاً على المعنى، وهو منهم حمْلُ الأصْل على الفرْعِ، كان تذكيرُ المؤنث أجدرَ بالجَوازِ من حيثُ كان الأصلُ هو التذكير. ومنالحسَنِ الجميلِ ردُّ الفروعِ الى الأصول. ومن تذكير المؤنث قوله تعالى: (السماءُ مُنفَطِرٌ به) . لأنه تعالى أراد بالسماء السّقْفَ لقوله تعالى: (وجعلنا السّماءَ سَقْفاً محفوظاً) . قال الشاعر: فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها فذكّر لما عَنى بالأرضِ المكانَ، غير أنه ردّ الهاءَ على لفظِ الأرض. وقال زهير: لَها أداةٌ وأعوانٌ غدَوْنَ لها ... قِتْبٌ وغرْبٌ إذا ما أُفْرغَ انْسَحَقا غدَوْنَ مؤنثٌ، وإن كان للأعوانِ، لأنه أنّثَ على معنى الجماعة كما تقول: هذه رجال، والقِتْبُ قِتْبُ السّانية، وانسحقَ انصبّ. وأنشد المفضَّل: فلو كنتُ بالمغلوبِ سيفِ بن ظالمٍ ... فتكتُ لعادت قبرَ عوفٍ قرائبُه ولكن وجدتُ السّهمَ أهونَ فُوقَةً ... عليكَ فقد أودى دمٌ أنتَ طالبُه جعل الفُوق مؤنثاً؛ لأنه أراد ذروته وهي أعلاه، ومثل ذلك كثير. ومما يجوزُ للشاعر المولّدِ استعمالُه حذف الهمزة عند الضرورة. أنشد سيبويه لعبد الرحمن بن حسّان: فكنتَ أذَلَّ من وَتِدٍ بقاعٍ ... يُشجِّجُ رأسَهُ بالفِهْرِ واج يريد واجئ. وقال ابنُ هَرْمة: ليتَ السِّباعَ لنا كانت مجاوِرَةً ... وأنّنا لا نرى ممّن نرى أحَدا إنّ السِّباعَ لتهدا عن فرائِسِها ... والناسُ ليسَ بهادٍ شرُّهُم أبدا يريد ليس بهادئ. وقال آخر: تقاذَفَهُ الرُوّاد حتى رَمَوْا به ... ورَا طَرفِ الشامِ البلادَ الأقاصيا أراد: وراءَ طَرفِ الشامِ، فقَصرَ الكلمةَ وكان ينبغي ألا يقصُرَها؛ لأن الهمزة أصليةٌ فيها. إلا أن الضرورة ألزمته فقلبها ياءً. وأنشد أبو علي: إنْ لم أُقاتِل فالبسوني بُرْقُعا ويجوزُ للشاعر المولّد حذفُ همزةِ الاستفهام للضرورة مع دلالةِ الكلام عليها، كما قال الكُمَيْت: طَربْتُ وما شوْقاً الى البيض أطْرَبُ ... ولا لعِباً مني وذو الشَيْبِ يلعَبُ أراد: أو ذو الشيب يلعبُ. وقال عِمران بن حِطّان: وأصبحتُ فيهم آمِناً لا كمَعْشَرٍ ... أتوْني فقالوا من ربيعة أو مُضَرْ أراد: أمِنْ ربيعةَ أو مُضر. وقال ابن أبي ربيعة: ثمّ قالوا تحبُّها قلت بَهْراً ... عدَدَ القَطْرِ والحَصا والتُرابِ أراد: أتُحِبُها. وقيلَ في قوله تعالى (نِعمةٌ تمُنُّها عليّ) إنّ المُراد: أوَتلكَ نعمةٌ، وإذا صحّ ذلك فقد زالَتِ الضرورة من الشِّعر.

стр. 51

ومما يجوزُ للشاعر المولّد استعمالُه عندَ الضرورة في شعرِه الخَرْم، بخاء مُعجَمة وراء غير مُعجمة، وهو حذفُ أوّل متحرّك من الوتِد المجموع في أول البيت، والوتِدُ المجموع حرفانِ متحركان بعدهما ساكنٌ مثل: غَزا، رمَى، ولا يدخلُ الخَرْمُ على بيت أولُه سبَبٌ أو فاصلة، وأكثرُ ما يجيءُ في أوّل البيت من القصيدة وربما جاء في غيره من الأبيات. قال الشاعر: كُنا حسِبْنا كلَّ بيضاءَ شحْمةً ... لياليَ لاقَيْنا جُذامَ وحِمْيَرا أراد أن يقول: وكنا فحذفَ الواو. وقال الآخر: كانت قناتي لا تلينُ لغامِزٍ ... فألانَها الإصباحُ والإمساءُ وأكثرُ ما يُحذَف للخَرْمِ حروفُ العطفِ مثل الواو وأخواتِها وإنْ كان الخرْمُ يجيءُ بغير ذلك. وقد أجاز بعضُ العروضيين الخرمَ في أول النصف الثاني من البيت وشبّهه بأوّل البيت وأنشد عليه قولَ امرئ القيس: وعَينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقّتْ مآقيها من أُخَرْ أراد أن يقول: وشُقّتْ. وأنشدوا في خَرْمِ أول البيت وفي أول النصف الثاني منه، وهو غير مُستحسَن ولا ينبغي العمل به، قول الشاعر: أبْدَلَني بتَيْمِ اللاتِ رَبي ... حنظلةَ الذي أحيا تميما أراد أن يقول: وأبدَلَني بحنظلة فحذفَ الواوَ من أوّل النصف الأول، والباءَ من أول النصف الثاني. وحديثُ أبي تمام مع أبي سعيد المَكفوف، لمّا عُرِضَتْ عليه قصيدتُه البائية التي مدحَ بها عبدَ الله بن طاهر، وإنكارُه الخرْمَ في أول البيت منها معروفٌ لأنّ العلماءَ بالشعرِ لا يستحسِنونَهُ وإنْ كان مُجَوَّزاً مُستعملاً وهو قوله: هُنَّ عوادي يوسفٍ وصواحِبُهْ ... فعَزْماً فقِدْماً أدركَ الثأرَ طالبُهْ وأما الخزْمُ بخاءٍ معجمة وبراءٍ معجمة فما يجوز للشاعر المولدِ استعمالُه ولا يُسَوَّغُ له تعاطيه أبداً، وهو زيادةُ كلمةٍ يأتون بها في أوائل الأبيات يُعتدّ بها في المعنى ولا يُعتدّ بها في الوزن، وإذا أُريدَ تقطيعُ البيت حُذِفَتْ تلك الكلمةُ الزائدة وهي تُستعملُ في جميع البحور كما قال الشاعر: أُشْدُدْ حيازيمَك للموتِ ... فإنّ الموتَ لاقِيكا والبيت من الهَزَج ولا يستقيمُ إلا بإسقاطِ أُشْدُدْ. وقال الآخر: المُسيَّبُ بنُ شَريكٍ اليومَ عالمٌ من العلماءِ لا يستقيم تقطيعُه حتى يُحذَفَ من أوله المسيّب. وربما كان الخزمُ في أول البيت حرْفاً أو حرفين كما قال الكندي: وكأنّ ثَبيراً في عَرانين وبْلِه ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزمّلِ ألا ترى أنّ الوزنَ لا يستقيم حتى تسقُطَ الواو، وعلى ذلك يُروى. والأصل في الرواية الصحيحة ثُبوت الواو، وكذلك أنشدَه العروضيون واحتجوا به. وقد جاء من طريق الشذوذ الخزْم في نصف البيت كقول الشاعر: يا نفسِ أكْلاً واضطجا ... عاً يا نفسِ لسْت بخالدَة والبيتُ من مجزوءِ الكامل متفاعلن أربع مرّات ولا يصحّ إلا بإسقاط يا من نصف البيت ويُجْتَزأ بحرفِ النداء في أول البيت فاعرفْ ذلك. وقد جوّزوا أن تُحذفَ من القافية الياءُ في مثل قول الشاعر: وقَبيلٌ من لُكَيْزٍ شاهِدٌ ... رهْطُ مرجومٍ ورهطُ ابنِ المُعَلْ وهو يريدُ المُعَلّى. وقد جوّزوا أيضاً تخفيفَ المُشَدّد في مثل قول الشاعر: دعَوْتُ قومي ودعوْتُ معْشَري ... حتى إذا ما لمْ أجِدْ غيرَ الشّرِ كنتُ امرءاً من مالِكِ بنِ جعْفَرِ فخفّف الراءَ من الشّرّ. وقال المُبرد: لم يرِدْ الشّر وإنما أراد السّريَّ بسين غير معجمة وهو اسمُ رجلٍ شُبِّهَ بالسَّريِّ وهو نهرٌ فحذفَ إحدى الياءين فبقي السَّري فخفّف الياءَ. فهذه نُبذةٌ في هذا الفصل يُستَغْنى بها عن غيرِها، ولُمعَةٌ يُكْتَفى بها عن سِواها، فربَّ قبَسٍ أغْنى عن مِصباح، وغلَس اجتُزِئَ به عن صَباح. الفصل الثالث في فضلِه ومنافِعِه وتأثيرهِ في القلوبِ ومواقعِه

стр. 52

أما الشعرُ فإنه ديوان الأدب، وفخر العرب، وبه تُضرَب الأمثال، ويفتَخِر الرّجالُ على الرجال، وهو قيدُ المناقبِ ونظامُ المحاسنِ، ولولاهُ لضاعَتْ جواهرُ الحِكَم، وانتثرت نجومُ الشّرَفِ، وتهدّمتْ مباني الفضل، وأقوَتْ مرابِعُ المجدِ، وانطمسَتْ أعلامُ الكرمِ، ودرَستْ آثارُ النِّعَم. شرَفُه مخلّدٌ، وسُؤدُدُه مجدّدٌ، تَفْنى العصورُ وذِكرُه باقٍ، وتهوي الجبالُ وفخرُه الى السماء راقٍ، ليس لما أثْبَتَه ماحٍ، ولا لمَن أعذَرَه لاحٍ. مات سُحَيمٌ عبدُ بني الحَسْحاس، وله ذِكر أضْوَع من المسكِ وأنضرُ من الآسِ، ولولا الشعرُ لما عُرِف، ولا بالإجادةِ وُصِفَ، وكم في بني حامٍ، من مجهول طَغامٍ، ولا يُذكَر ولا يُشْكَر. وقد قيل: إنّ إبراهيم بن المهدي لما اعتذر الى المأمون، وكلامُهُ معروف، قال للمأمون في جوابِ قوله له: أنتَ الخليفةُ الأسودُ: وأما كوني أسودَ فقد قال عبدُ بني الحَسْحاس: أشعارُ عبد بني الحَسْحاسِ قُمْنَ له ... يومَ الفَخارِ مقامَ الأصلِ والوَرِقِ إنْ كُنتُ عبداً فنفسي حُرّةٌ كرَماً ... أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ فقال المأمون: لوَدِدْت أنهما لي بجميع مُلكي، يعني البيتين. ولولا زهير لما ذُكِر هَرِمٌ، ولا جرى بمدحِه قلَم. ماتا وبَلِيا، وتمزّقت أوصالُهما وفَنِيا، وذِكرُهما غضٌ جديدٌ، وصيتُهما باقٍ مديدٌ، هذا لفضلِه وهذا لإفضالِه، ولولا الشعرُ لما ذُكِرا ولا عُرِفا. وحكى الرُّهني في كتابهِ الذي سماهُ ذخائر الحكمة، يرفعُهُ الى سالم بن عبدِ الله بن عمر عن أبيه عبد الله أنه قال: كنا ذات يومٍ عند عمرَ بن الخطاب ﵁ إذْ قال: من أشعرُ الناس؟ فقلنا: فلانٌ وفلان، فبينما نحن كذلك إذْ طلَعَ عبدُ اللهِ بنُ عباسفسلّم وأجلسَهُ الى جنبهِ ثم قال: قد جاءَكُم ابنُ بَجْدَتِها. من أشعرُ الناس يا بنَ عبّاس؟ قال: ذاك زهيرُ بن أبي سُلمى، قال: فأنشِدْنا شيئاً من شعرِه نستدلُّ به على ما تقول، قال: امتدحَ قوماً من غطَفان يُقالُ لهم بنو سِنان فقال: لوْ كان يَقْعُدُ فوقَ الشمسِ من بشَرٍ ... قوم بأوّلِهم أو مجدِهِم قعَدوا قومٌ سِنانٌ أبوهم حين تَنسُبُهمْ ... طابوا وطابَ من الأولادِ ما ولدوا إنسٌ إذا أمِنوا جِنٌ إذا فزِعوا ... مُرزَّؤونَ بَهاليلٌ إذا جُهِدوا مُحسَّدونَ على ما كان من نِعَمٍ ... لا ينزِعُ اللهُ عنهم ما له حُسِدوا فقال عمر ﵁: قاتَلَهُ الله يا بنَ عباس لقد قال كلاماً حسناً ما كان يصلُحُ إلالأهل هذا البيتِ من بني هاشم لقرابَتِهم من رسول الله ﷺ ، واستعظمَ ما مدَحَ به بني سنان وطلب له مُستَحِقاً فما رأى إلا بني هاشم. وهذا جريرُ بنُ الخطَفى مع لُؤم أصله، وضِعَة بيتِه، وقِلّة أهْليهِ، وخُمولِ جدّه وأبيه، قد رفعَهُ شعرُه، وعمّرَه قولُه، فهو مخلّدٌ باقٍ، وعليه من الفناء بشعرِه واقٍ، ولقد شُيِّدَ بذكره ذكرُ يربوع، وشُهِر اسمُهُ بين المحافلِ والجموعِ، وضاهى الفرزدقَ وناواهُ، وجاهرَهُ بالأهاجي وعاداهُ، مع شَرَفِ الفرزدق وكرَمِ أصلِه. ولولا الشعرُ لكان بنَجْوَةٍ عن مُجاراةِ مثلِه، حتى ذكر الفرزدقُ آباءه، وقال: أولئكَ آبائي فجئني بمثلِهم ... إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المجامِعُ ولقد ذهب امرؤ القيس وأبوه، وملكُه وأهلوه، وغبَرَ شعرُه وكلامُه، وعُمِّرَ قولُه ونظامُه. وكم من ملِكٍ في كِندة ذهبَ وذهبَتْ منه العُدَد والعِدّةُ فما تُحَسُّ نبأتُه، ولا يُعرَفُ اسمُه ولا سمَتُه. ولقد ذهبَ مُلْكُ التبابعةِ والأكاسرة، وزالَ سُلطانُ المَقاوِلِ والأساورَة ولم يبْقَ لهم سوى بيتٍ سائرٍ، من مديح شاعرٍ، ولولا مدائحُ زياد الذُبياني لما عُرِفَ الملِكُ ابنُ الجُلاح، ولا ضاعَ له أرَجُ ثناءٍ ولا فاح، وكذاك أبوه الجُلاح فلولا أبو أُمامة، لما كان عليه من سِمَةِ الذِّكر علامة: ماتَ الجُلاحُ ولم يمُتْ ... ما قالَ فيه أبو أمامه ولقد كانت العربُ تَعُدُّ الشّعرَ خطيراً، وترى الشاعرَ أميراً، فإذا نبغَ في القبيلة شاعرٌ هُنِّئَتْ به، وحُسِدَتْ من سبَبه، لأنه ينافِح عن أنسابِها، ويكافِح ويناضلُ عن أحسابها.

стр. 53

كمْ كان في الأوْسِ من أميرٍ ... ماتوا جميعاً سِوَى عَرابهْ أحْياهُ بعدَ المماتِ بيتٌ ... لشاعِرٍ إذْ دَعا أثابَهْ لعلّه كان في الذُنابَى ... فردَّهُ الشِّعرُ في الذُّؤابهْ ألا ترى الى أبي دُلَف العِجْليّ كيفَ رفعَه، على ضَعَةِ بيتِه ودناءَةِ بني عِجْلٍ، فإنكَ لا تجدُ فيهم ممدوحاً سواه، قول ابن جبلة: إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بنَ باديهِ ومُحتَضَرِهْ فإذا ولّى أبو دُلَفٍ ... ولّتِ الدُنيا على أثَرِهْ وكان أبو الصّقْر بنُ بُلبلٍ لا يُعدّ من ذوي الأصول الثابتة، ولا ذوي الفروعِ النابتةِ، حتى مدحَه ابنُ جُريج بقوله: قالوا أبو الصّقْرِ من شيبانَ قلتُ لهم ... كلاّ لعَمْري ولكن منهُ شيبانُ وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ ... كما عَلا برسولِ اللهِ عدنانُ ولم أقصِّرْ بشيبانَ التي بلغَتْ ... بها المبالغَ أعراقٌ وأغصانُ فصار في سَرواتِ الممدوحين، وبمدحِه يتمثّلُ المتمَثِّلون. وكان بنو قُرَيْع يُدعَون أنفَ الناقةِ فيَغضَبون لذلك، ويسخَطون منه، فلمّا مدحَهم الحُطيئة بقوله: قومٌ هُمُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم ... ومَنْ يُسوّي بأنفِ الناقةِ الذّنَبا رضوا به وصار من أكبر مفاخرِهم، ولولا الشعرُ لعدّوه من أقبحِ ألقابِهم. وخبَرُ الحُطيئة مع الزِّبرِقان بن بدْرٍ وما كان من زوجته أمِّ شَذْرَة وتقصيرها في حقّه ومراسلة بني أنفِ الناقة له حتى استفْسَدوه ونَقلوه إليهم، مشهورٌ مذكور. ولمّا خُيِّرَ الحُطيئة اختار بني أنفِ الناقة على الزِبرِقان فشقّ ذلك عليه، وأرسل الزبرقان الى رجل من النَّمِر بن قاسطٍ يُقال له دِثار بن شيبان وأمرهُ أن يهجوَهم فقال النَّمَري من أبيات: وقد ورَدَتْ مياهَ بني قُرَيْعٍ ... فما وصَلوا القرابَةَ مُذْ أساؤوا فاحتاج الحُطيئة عند ذلك أن يهجوَ الزبرِقان بن بدر فهجاهُ بأبياتٍ منها: دعِ المكارمَ لا تنهَضْ لبُغيَتِها ... واقعُدْ فإنّك أنتَ الطاعِمُ الكاسي فلمّا بلغتِ الزبرقان استعدى عليه عُمرَ بن الخطاب ﵁ وقال: هجاني، فلما استنشَدَه قال عمر: لا بأس بذلك، فقال أرسِل الى حسان بن ثابتٍ وسلْهُ أهجاني أم لا، فقال حسان: نعم هجاهُ وسلَحَ عليه، فحبسَه عمر، فكتب إليه الحطيئة من الحبس أبياتاً منها: ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرَخٍ ... حُمْرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجَرُ ألقيْتَ كاسِبَهُم في قعْرِ مُظلمةٍ ... فامْننْ عليهِ هداكَ اللهُ يا عُمَرُ فأثّر الشعرُ عند عمر فاستتابَه وأطلقَه. ولو أن الحطيئة قد شتم الزبرقان بغير الشعرِ لما تأثّر بشتمِه، ولما كان شعراً رآه بقوله: فأنت الطاعمُ الكاسي، قد جنى عليه وأساءَ إليه. ولمّا هَجا الحطيئة بني العجلان استعدوا عليه عمرَ بن الخطاب فقالوا هَجانا وشعّث من أعراضِنا، قال عمر: وما قال؟ قالوا: قال فينا: إذا اللهُ عادَى أهلَ لُؤمٍ ودِقّةٍ ... فعادى بني العجلانِ رهطَ ابنِ مُقبِلِ قال عمرُ دَعا عليهم. قالوا إنه قال: قُبيّلَةٌ لا يغدِرون بذِمّةٍ ... ولا يظلِمون الناسَ حبّةَ خردَلِ قال عمر: هؤلاء قوم صالحون ليتَني منهم وليست آل الخطاب كانوا منهم. قالوا إنه قال: ولا يرِدون الماءَ إلا عشيةً ... إذا صدرَ الوُرّادُ عن كلِّ منهَلِ قال عمر: ذاك أخفُّ للزِحام وحينئذ يصفو الماء ويطيب الوِرْدُ. قالوا إنه قال: وما سُمّي العجْلانُ إلا لقِيلهم ... خُذِ القَعْبَ واحْلُبْ أيها العبدُ واعجَلِ فقال عمر: سيّدُ القومِ خادِمُهم وأصغَرُهم شَفْرَتُهُم. قالوا إنه قال: تعافُ الكلابُ الضارياتُ لحومَهُم ... ويأكُلْنَ من كعبِبن عوفٍ ونَهْشَلِ فقال عُمر: كفى ضَياعاً من تأكُلُ الكِلابُ لحمَه، قالوا: يا أمير المؤمنين ليس هذا من عملِكَ فلو أرسلت الى حسّان بن ثابت فسألته، فأرسل الى حسّان فسألهُ: أهَجاهُم؟ قال لا يا أمير المؤمنين ولكنْ سلحَ عليهم.

стр. 54

وتهدد رسول الله ﷺ من حفِظ قصيدة الأفوَه الأوْديّ وضمِن له النار، أنفَةً من الهجاء وغضباً من مواقعِ نبْله. وسمع ﷺ رجلاً يُنشد: كانتْ قُريشٌ بيضَةً فتفلّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ الدارِ فغضبَ رسول الله ﷺ ، وقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: أهكذا قال الشاعر؟ قال لا يا رسولَ الله إنما قال: يا أيها الرجلُ المُحَوِّلُ رحْلَهُ ... هلاّ نزلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ الضاربينَ الكبْشَ يبْرُقُ بيضُهُ ... والقائِلينَ هلُمَّ للأضْيافِ الخالطينَ فَقيرَهُم بغنيِّهم ... حتى يعودَ فقيرُهُم كالكافي عَمْرو العُلَى هشَمَ الثريدَ لقومِه ... ورجالُ مكةَ مُسْنِتون عجافُ كانت قُريْشٌ بيضةً فتفلّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ منافِ ففرح ﷺ حتى برقَتْ أساريرُ وجهه وقال: هكذا قال. وبلغة ﷺ أن كعبَ بن زُهير هجاهُ فنذرَ دمَه، فجاءَه متنكِّراً حتى دخل المسجِدَ واستأذنه في إيراد مدحته فأذِنَ فقام بين يديه وأنشد: بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متْبولُ ... متيّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ فلما بلغَ الى قوله: نُبّئتُ أنّ رسول الله أوعدَني ... والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ فقال: عفَى الله عنكَ، وخلعَ عليه بُردَتَه وطيّبَ نفسه وأمنَه ولولا شِعرُهُ لطاحَ دمُه وكان مآلُه جهنّم. وحدّث أبو يعلى الأشْدَق قال: سمِعْتُ النابغةَ يقول: أنشدتُ النبي ﷺ : بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجُدودُنا ... وإنّا لنَرْجو فوقَ ذلك مَظْهَرا فغضب وقال: أين المَظهَرُ يا أبا ليلى؟ قلت: الجنةُ يا رسولَ الله، قال: أجلْ إن شاءَ الله تعالى وتبسّم فقلت: ولا خيْرَ في حِلمٍ إذا لم تكُنْ له ... بوادرُ تحمي صَفوَهُ أن يُكَدّرا ولا خيرَ في جهْلٍ إذا لم يكُنْ لهُ ... حليمٌ إذا ما أوردَ القومُ أصْدَرا فقال النبي ﷺ : أجَدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ تعالى فاكَ مرّتين، فعاش أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغراً. وحدّث أبو غزيّةَ الأنصاري قال: لما أنشدَ حسانُ بن ثابت رسول الله ﷺ كلمَتَه حتى وصل الى قوله: هجَوْتُ محمّداً فأجبتُ عنهُ ... وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ تبسّم ﷺ وقال له: جَزاكَ اللهُ الجنةَ على ذلك. ثم أنشده: فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضي ... لعِرْضِ محمّدٍ منكم وِقاءُ فقال ﷺ : وقاكَ اللهُ حرَّ النار. وحدّث هشامُ بنُ عروة قال، حدّثني أبي قال: حدّثتني عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ قاعِداً يخصِفُ نعلاً وأنا قاعدَة أغزِلُ، فجعلتُ أنظرُ الى سالفتِه وخدُّه قد عرِقَ، فجعلَ يتولّدُ عرقُه نوراً فبُهِتُّ. فرفع رأسَه فنظر إليّ فقال: يا عائشة، إلى ماذا تنظرين، قد بُهِتِّ؟ فقلت: ما أنظرُ الى شيء منكَ إلا تولّد في عيني نوراً، أمَا والله لو رآكَ أبو كَبير الهُذَليّ لعلِمَ أنك أحقُّ بشِعره من غيركَ، قالت: فقال: وأي شيء قال أبو كبير؟ فقلت: قال: ومبرّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حَيضَةٍ ... وفسادِ مُرضِعَةٍ وداءٍ مُغيلِ وإذا نظرْتَ الى أسرّةِ وجهه ... برَقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّلِ قالت: فوضع رسول الله ﷺ ما كان في يده وقام إليّ فقبل ما بين عينيّ وقال: جزاك اللهُ تعالى يا عائشة خيراً، فما أذكرُ متى سُرِرْت كسُروري بكلامك. وروى هشام بن عروة أنّ رسول الله ﷺ أمر عبدَ الله بن رَواحة أن يرتجِلَ شعراً فقال من أبيت: أنتَ النبيُّ ومن يُحْرَم شفاعَتَهُ ... يومَ الحِسابِ فقد أزْرى به القدرُ فثبّتَ اللهُ ما آتاكَ من حسَنٍ ... تثبيتَ موسى ونصْراً كالذي نُصِروا

стр. 55

فقال ﷺ : وأنت فثبّتك الله يا بنَ رواحة. قال راوي هذا الحديث: فثبّته الله أحسنَ الثبات فقُتِلَ شهيداً، ومضى سعيداً. وحدّث عمر بنُ هِزّان بنُ سعيد الرُّهاوي عن أبيه أنّ رجلاً من قومِه يقال له عمرو بنُ سُبَيْعٍ وفد على النبي ﷺ فأنشده: إليكَ رسولَ الله أعمَلْتُ نصَّها ... تجوبُ الفَيافي سَمْلَقاً بعد سمْلَقِ على ذات ألواحٍ متى أُرِدِ السُّرى ... تخُبُّ برحْلي تارةً ثم تعنِقُ فما لكِ عندي راحةٌ أو تلَحْلَحي ... ببابِ النبيّ الهاشميّ الموَفَّقِ سلِمتُ إذا من رِحلةٍ بعد رِحلةٍ ... وقطْعِ دياميمٍ وليلٍ مروَّقِ ففرحَ رسولُ الله ﷺ بشعره وعقد له لواءً. تلحْلَحي: أصلُه تلحّحي من الإلحاح، فأبدلوا من الحاء المُدغَمة لاماً كراهيةً من اجتماعِ الحاءات. ولما أتى النبيَّ ﷺ وفدُ هوازن بالجِعِرّانَة أنشدَهُ أبو جَرْوَلٍ الجُشَميُّ قصيدةً منها: أُمْنُن علينا رسول الله في كرمٍ ... فإنك المرء نرجوه وندّخرُ أمنن على بيضةٍ إعتاقُها قدَرٌ ... ممزِّقٌ شملَها في دهرِها غِيَرُ فلما سمِعَ شعرَه عطفَ عليهم وردّ إليهم أنباءَهُم ونساءَهم. والحديث مشهور. ولما قتلَ النبيُّ ﷺ النّضْرَ بن الحارث أنشأَتْ ابنتُه قُتيلة تقول من أبيات: أمحمدٌ ولأنتَ نجلُ نجيبةٍ ... في قومها والفَحْلُ فحْلٌ مُعْرِقُ ما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما ... منّ الفتى وهو المَغيظُ المُحنِقُ فلما سمع ﷺ شِعرَها قال - وما ينطقُ عن الهوى -: لو سمعْتُه قبل قتلِه لما قتلتُه. ومدحَهُ ﷺ العباسُ بنُ مرداس السُلَميّ بأبيات منها: رأيتُكَ يا خيرَ البريّةِ كلّها ... نشَرْتَ كتاباً جاءَ بالحقِّ مُعْلَما شرَعْتَ لنا دينَ الهُدى بعد جَيْرِنا ... عنِ الحقِّ لمّا أصبحَ الحقُ مُظلِما فمنْ مُبلِغٌ عني النبي محمداً ... وكل امرئٍ يُجْزى بما كان قدّما أقمْتَ سبيلَ الحقّ بعدَ اعوجاجهِ ... وكان قديماً رُكنُه قد تهدّما فخلعَ حُلّتَه عليه، وقطع لسانَه بإحسانه إليه، ولولا الشعرُ، لما شمِلَه من النبي البِرُّ. وقد سمِعَ ﷺ الشعرَ من جماعة غير هؤلاء مُقبلاً بالإصغاء عليهم، ومائِلاً بالاستحسان إليهم. فمنهم أعشى بني مازِن، وضِرار بن الأزْوَر، وقِردة بن نُفاثَة السّلوليّ، وممّا سمِعَ منه: بانَ الشبابُ ولم أحفِلْ به بالا ... وأقبلَ الشّيبُ والإسلامُ إقبالا فالحمدُ للهِ إذْ لم يأتِني أجَلي ... حتى اكتَسَيْتُ من الإسلامِ سِربالا فقال ﷺ : الحمدُ لله. وسمعَ من عبد الله بن كُرْز اللّيْثي، ومن حُمَيْد بن ثَوْر ومن النَّمر بن تَوْلَب العُكْلي، ومن لبيد بن ربيعة، ومن فَرْوَة بن عامرِ الجُذاميّ، ومن عَمرو بن سالمٍ الكعبي. ولمّا قصده ميْمون بنُ قيْس الأعشى وامتدحه، لقِيَه أبو جهل فقال: أين قصْدُك يا أبا بصير؟ قال: محمد رسولُ الله. قال: وهل قلتَ فيه شيئاً؟ قال: نعَمْ وأنشده: ألمْ تغْتَمِضْ عيناكَ ليلةَ أرْمَدا ... وبِتَّ كما باتَ السليمُ مُسهَّدا حتى انتهى الى قوله: وآليْتُ لا أرثي لها من كَلالها ... ولا من حَفا حتى تزورَ محمّدا متى ما تُناخي عندَ بابِ ابن هاشمٍ ... تُراحي وتلْقَيْ من فواضِلِه يَدا نَبيٌّ يرى ما لا تَرونَ وذِكْرُهُ ... أغارَ لعَمري في البلادِ وأنجَدا فحسدَه أبو جهلٍ على مديحِ الأعشى، فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرِّك عليك الخمرَ، ولم يزَلْ به حتى صدّهُ عنه، فقال الأعشى: سآتيه من قابِل، فمات وحالتِ المنيّةُ، دون الأمنيّة.

стр. 56

وشَكا إليه الناسُ الجدْبَ فاستسْقى لهم فسُقُوا، فلما كان الجُمُعَة الثانية جاءَهُ رجلٌ يسعى فقال: يا رسول الله تهدّمتِ الدورُ وسقطَتِ الجُدُر، فتبسّم ﷺ ضاحكاً من قوله، وقال: أيُّكُم يروي كلمَةَ عمي أبي طالب؟ فقام أبو بكر فقال: أنا يا رسولَ الله، قال: أنشِدْ، فأنشده: كذَبْتُمْ وبيتِ اللهِ يُبْزَى محمّدٌ ... ولمّا نُصرَّعْ حولَهُ ونُقاتلُ فلما انتهى الى قوله: وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بوجهه ... غياثُ اليَتامى عِصمَةٌ للأرامِلِ فرحَ رسولُ الله ﷺ وتهلّل وجهُه. ولما قتلَ هشامُ بنُ الوليد بن المغيرة أبا أُزَيْهِر الدَّوْسيّ بذي المجاز، وكانت في هشام عجَلَة، اجتمعَ الناسُ وتهيّئوا للقِتال، فجاء أبو سفيان فقال: ما أسرعَ الناس الى دماء هذا الحيِّ من قُريش! وقال لأصحابه: لا تَشاغَلوا بالحرب بينكم عن حربِ محمدٍ، يريدُ النبي ﷺ ، وقال رسولُ الله لحسان بن ثابت: حرِّض أبا سفيان في دَمِ أبي أُزَيْهِر، فقال حسّانُ من أبيات: كساكَ هشامُ بنُ الوليدِ ثيابَه ... فأبْلِ وأخْلِفْ مثلَها جُدُداً بعْدُ قَضى وطَراً منه فأصبحَ ماجداً ... وأصبحْتَ رِخْواً ما تَخُبُّ وما تغدو فما منعَ العَيْرُ الضّروطُ ذمارَهُ ... وما منَعتْ مَخْزاةَ والدِها هِنْدُ فلوْ أنّ أشياخاً ببَدْرٍ تشاهدوا ... لَبلّ نِعالَ القومِ معْتَبَطٌ ورْدُ وإنما أراد ﷺ أن ينْتَخيَ أبو سفيان ويهزَّهُ الشعرُ على عادةِ العرب فيتَشاغل عن حربه بحرْبِ بني مخزوم ويقع الخلافُ بينهم فيقْوى أمرُه ﷺ ويَضْعَفون عنه في عادة العرب في الحَميّة. ألا ترى أن جسّاسَ بنَ مُرّة قتلَ كُلَيْبَ وائِلٍ في غِرّةٍ بناقةِ جارِ خالتِه لأبياتٍ قالتْها وهي: لعَمرُ أبي لو كُنتُ في دارِ مِنْقرٍ ... لما ضِيمَ سعْدٌ وهْو جارُ أُبَيّاتي ولكنني أصبحتُ في دار غُربةٍ ... متى يغْدُ فيها الذّئْبُ يغْدُ على شاتي فَيا سعْدُ لا يغْرُرْكَ قوميَ وارتحِلْ ... فإنّك في حيٍّ عن الجارِ أمواتِ ودونَك أذوادي فسُقْها فإنني ... لَخائِفَةٌ أن يغْدِروا ببُنَيّاتي فلما سمع جسّاسٌ الأبيات حرّكتْه وهزّتْه وأغضبتْهُ وقال أقلّي عليكِ أيتها العجوزُ فلأقْتُلنّ بناقةِ جارِكِ أعظمَ فحلٍ للعرب، فظنّتْه يقتلُ بعض إبل كُلَيْب، فخرجَ من وقته فطعنَ كُلَيْباً فقتلَه. ولكنّ أبا سُفيان لما سمعَ أبياتَ حسّان، وكان خبيثاً ترك حربَ مخزوم خوفاً مما حسبَه النبيُّ ﷺ وحاولهُ. وقالت صفيّة بنتُ عبد المطّلب تحضُّ أبا سفيان على أخذِ ثأرِ أبي أُزَيْهِر من بني مخْزوم، وتعرِّضُ له بالنار التي أوقِدَتْ له بالغدرِ، وذلك أن العرب كانت إذا غدَر الرجلُ أوقَدُوا له ناراً على جبل، وقيل: هذه غَدْرَة فلان، فلمّا قُتِلَ أبو أُزيهر وهو صِهْر أبي سُفيان فلم يأخُذ بثأرهِ أوقِدتْ النار على أبي قُبَيْس بالموسِمِ وقيل: هذه غَدْرة أبي سفيان، وهي أبياتٌ منها: ألا أبْلِغْ بني عمّي رَسولاً ... ففيم الكيْدُ فينا والأمارُ وسائِلْ في جُموعِ بني عليٍّ ... إذا كثُرَ التّناشُدُ والفَخارُ تُريدُ بني عليّ بن بكر بن كِنانة، منها: ونحنُ الغافرون إذا قَدِرْنا ... وفينا عندَ غدْوَتِنا انتصارُ ولم نبدأْ لذي رَحِمٍ عُقوقاً ... ولمْ تُوقَدْ لنا بالغَدْرِ نارُ فلم يحرِّكْهُ ذلك لِما كان في نفسه من حرْبِ رسول الله ﷺ . ورُوي أنّ معاوية قال لعُروة بنِ الزُبير: أتنشد قولَ جدَّتِك صفيّة: خالَجْتُ آبادَ الدّهورِ عليكُمُ ... وأسماءُ لم تشْعُرْ بذلِكَ أيِّمُ فلو كان زيراً مُشرِكاً لعذَرْتُه ... ولكنّه قد يزْعُمُ الناسُ مُسْلِمُ

стр. 57

وإنما أراد معاويةُ أن يحرِّكَ عُروةَ بذلك، فقال عُروةُ: نعم، وأروي قولَها: ألا أبلِغْ بني عمي رسولا ... الأبيات، فخجِلَ معاويةُ حتى عرِقَ جبينُه لذِكر غَدْرةِ أبيه والنارِ التي أوقِدَتْ له على أبي قُبَيْس. ولما مات رسول الله ﷺ وارتدّت العربُ، كان الحُطيئة أكبرَ دواعيهم الى الرِّدّة بقوله: أطعنا رسولَ اللهِ ما كان بيننا ... فوا عَجَباً ما بالُ مُلْكِ أبي بكرِ أيورِثُها بكراً إذا مات بعدَهُ ... فتِلكَ لعمْرُ اللهِ قاصمةُ الظّهرِ فانتَخَتْ العربُ لقول الحُطيئة وأنِفَتْ من طاعةِ أبي بكر. ومن تأثير الشعر أن ابن هشام بنَ الوليد كان قد ولّى عبدَ الرحمن بنَ حزْم الأنصاري المدينة، فقال الأحْوَص: لا تَرْحَمَنّ لحَزْميٍّ مررْتَ به ... يوماً ولو أُلقِيَ الحَزْميُّ في النارِ الناخِسينَ بمروانٍ بذي خُشُبٍ ... والداخلينَ على عثمانَ في الدّارِ فلمّا سمعَ هشامٌ شِعْرَ الأحوَص عزَل عبد الرحمن عن المدينة وأمر بقبض ضِياعِهم وأموالهم. فلما ولِيَ المنصورُ دخل عليه بعضُ أولادِ بني حَزْم فقال: يا أمير المؤمنين لنا ستّون سنةً ما أخذْنا عَطاءً ولا وصلنا الى شيء من أموالنا لقول الأحوصِ وأنشدَه البيتَيْن فتأثرَ لهُما وقال: إذاً واللهِ تحْمَدُ العاقبةَ عندَ بني هاشمٍ، اكتُبوا بردِّ ضياعهم والقبض على ضِياع بني أميّةَ وتسليمها إليهم ليستَغلّوها ستينَ سنة، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار صِلة. ودخل سُدَيْفٌ على السّفّاح وعندَه بنو أميّة على مراتِبِهم فأنشده: لا يغُرّنْكَ ما ترى من أناسٍ ... إنّ تحْت الضُلوعِ داءً دَويّا فضَعِ السيفَ وارفعِ السّوطَ حتى ... لا ترى فوقَ ظهرِها أُمَويّا وأنشدَه سُدَيف أيضاً: أصبحَ المُلكُ ثابتَ الآساسِ ... بالبَهاليلِ من بَني العبّاسِ حتى انتهى الى قوله: واذكُروا مصْرَعَ الحُسين وزَيدٍ ... وقتيلٍ بجانبِ المِهْراسِ تأثّر السّفاح بذلك تأثّراً بانَ في صفَحاتِ وجهه وكان سَبباً لقتل بني أمية، مع ما كان في النفس منهم: والقوْلُ يفعلُ ما لا تفعَلُ الإبَرُ وأمر بضربِ رِقابِهم عن آخرهم، وقصّتُهم مشهورة. وحدّث المدائنيّ أنّ المنصورَ قال: صحِبْتُ رجلاً ضريراً الى الشام وكان يريد مروانَ بن محمّد في شعرٍ قاله فيه. قال المنصور: فسألته أن يُنشدني الشّعرَ فامتنع وقال: لا يسمعُهُ إلا مَنْ قِيلَ فيه، فلم أزَل أُلاطِفُه وأؤانسهُ الى أن أنشدَنيه، فمنه: ليتَ شِعْري أفاحَ رائِحةُ المِس ... كِ وما إنْ أخالُ بالخَيْفِ إنْسي حينَ غابَتْ بنو أميّةَ عنهُ ... والبَهاليلُ من بني عبدِ شمْسِ خُطَباءٌ على المنابرِ فُرسا ... نٌ عليها، وقالَةٌ غيرُ خُرْسِ لا يُعابون قائِلينَ وإنْ قا ... لوا أصابوا ولمْ يقولوا بلَبْسِ بحُلومٍ إذا الحُلومُ استُخِفّتْ ... ووجوهٍ مثل الدّنانيرِ مُلْسِ قال المنصور: فواللهِ ما فرَغَ من شعرهِ حتى ظننْتُ أنّ العمى قد أدرَكَني، ولقد والله حسدتُ مروانَ على الشعر أكثر من حسَدي له على الخِلافة. فلما أفضى الأمرُ إليّ خرجتُ حاجّاً سنَةَ إحدى وأربعين ومائةٍ فنزلتُ عن الجَمّازة في جبَليْ زَرودٍ أمشي في الرمل لنذْرٍ كان عليّ، وإذا أنا بالضرير، فأومأْتُ الي من كان معي فتأخّروا، ودنَوتُ منه فأخذتُ بيده وسلّمُ عليه، فقال: منْ أنت؟ جُعِلتُ فِداك، فما أُثْبِتُك معرفةً، قلت: أنا رفيقُك الى الشام في أيام بني أميةَ وأنتَ متوجهٌ الى مروان بن محمد الجَعْدي. فسلّم عليّ وتنفّس الصُّعداء وأنشد: آمتْ نساءُ بني أميةَ منهمُ ... وبناتُهُم بمَضيعَةٍ أيْتامُ نامتْ جُدودُهُمُ وأُسْقِطَ نجمُهمْ ... والنّجمُ يسقطُ والجدودُ تنامُ خلَتِ المنابِرُ والأسرّةُ منهمُ ... فعليهمُ حتى المماتِ سَلامُ

стр. 58

قال المنصور: فقلت له: كمْ كان مروانُ أعطاك؟ قال: أغناني غِنى الأبَد، فما أسألُ أحداً بعدَه، قال: فهمَمْتُ بقتله، ثم ذكرْتُ حقّ الاسترسال، وحُرمَةَ الصُحبة، فأطلقْتُه، وبدا لي فأمرتُ بطلبهِ فكأنّ البيداء أبادَتْهُ ورُويَ أنّ يزيدَ بنَ رُوَيْمٍ الشَيْباني، وكان رجلاً مِسْياعاً فأراحَ إبلَهُ ذات ليلةٍ من المَرْعى على أبيه، فقال له أبوه: لمْ تُعَشّها؟ فقال: بَلى قد فعلتُ، فدفعَ أبوه ثوبَه في وجوهِ الإبل فنفّرها وصرفَها الى المرعى وقال: أحسِنْ عَشاءها، فقال الغلام: إني لأحسِبُ غيرَك سيَبيتُ ربَّها. فلما صار الى الموضع الذي يُعَشّي إبلَهُ فيه، مرّ به سِرْحانُ بن أرطأة السّعْدي في مِقْنَبٍ له، فساق الإبلَ وأخذَ الغلامَ فأوثقَهُ شدّاً على بعض تلك الأباعر فرفعَ الغلام عقيرته وأنشد: يا ويْحَ أمٍّ لي عليّ كريمةٍ ... فقْدي لَها شجَنٌ من الأشجانِ إنّ الذي ترْجينَ نفْعَ إيابِه ... سقَطَ العشاءُ به على سِرحانِ سَقَطَ العشاءُ به على مُتقَمِّرٍ ... ثَبْتِ الجَنانِ مُعاودِ التّطْعانِ فلما سمع سرحانُ بنُ أرطأة شِعرَه قال له: أشاعر؟ قال: نعم، قال: خلّوا عنه، فأطلقَه وردّ عليه إبلَه. وقولهم في المثل: وقعَ العشاءُ به على سِرحان، قيل: السرحانُ هاهُنا الذّئب، وقال قوم: بل هو سرحانُ بنُ معتَّب الغنَويّ، وكان قد أغار على إبلِ نُصَيْحَةَ الأسَديّ، فقال أخوه هزيلةُ بنُ معتَّب: أبْلِغْ نُصَيحةَ أنّ راعي إبْلهِ ... سقطَ العشاءُ به على سِرْحانِ سقَطَ العشاءُ بهِ على مُتَقمِّرٍ ... لمْ يُثْنِهِ خوفٌ من الحدَثانِ والرواية الصحيحة ما ذكرناه أولاً. ولولا الشعرُ والشاعرُ، لذهبَتِ النفس والأباعرُ. وقال المفضّلُ الضّبيّ: كنتُ الى جنب إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵁ يوم لقائِه عسكرَ المنصور، فالتفتَ إليّ وقال: يا مفضّل أنشدني شيئاً، فقلت: إنّه يريدُ مني ما أحرِّكُهُ به، فأنشدْته أبياتَ عُوَيْفٍ الفَزاريّ: أقول لفِتيانٍ كِرامٍ ترَوّحوا ... على الجُرْدِ في أفواهِهنّ الشكائِمُ قِفوا وَقْفَةً مَنْ يَحْيَ لا يخْزَ بعدها ... ومن يُخْتَرَمْ لا تتّبعْه اللوائِمُ وما أنت باعَدتَ نفسَك عنهُمُ ... لتَسلمَ منها، آخرَ الدّهر سالِم فقال: يا مفضَّل أعِدْ. فأعدتُ ثلاثاً، فتمطّى في رَكْبه حتى قلت تقطّعَتْ، وحملَ مرّةً بعد مرة يقتلُ في كل واحدة النفس والعشْرَة الى أن حملَ فلم يعُد. وقيل: جاءَهُ سهمٌ عائر فذبحَه. وحكَى شُرَحْبيل بنُ معن بن زائدة قال: كنتُ بطريقِ مكةَ فسِرْتُ تحتَ قُبّةِ يحْيى بن خالد، وعديله أبو يوسُف القاضي إذ أقبلَ رجلٌ على نجيب، فأنشدَ شِعْراً لم يرْضَهُ يحيى، وقال له: ألم أنْهَكَ عن قول مثله؟ هلاّ قلتَ كما قال الشاعر: بَنو مطَرٍ يومَ اللّقاءِ كأنّهمْ ... أسودٌ لها في غِيلِ خفّانَ أشبُلُ لَهاميمُ في الإسلام سادوا ولم يكُنْ ... لأوّلهم في الجاهليةِ أولُ همُ يمنعون الجارَ حتى كأنّما ... لجارِهِمُ بينَ السِّماكَيْنِ منزلُ همُ القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعوا ... أجابوا وإن أَعْطَوا أطابوا وأجزَلوا ثلاثٌ بأمثالِ الجبالِ حُلومُهمْ ... وأحلامُهمْ منها لدى الرّوعِ أثقَلُ وما يستطيعُ الفاعِلونَ فَعالَهُم ... وإنْ أحسَنوا في النّابياتِ وأجْمَلوا فقال أبو يوسف ليحيى: لله درُّ قائله! لمَنْ هذا الشعر؟ فقال يحيى: لمروان بن أبي حفْصَة في والد هذا الفتى، ورمَقَني بطَرْفِه، فالتفتَ أبو يوسف إليّ وقال: من أنت يا فتى؟ فقلت: شُرَحْبيلُ بنُ معن بن زائدة. قال شُرَحْبيل: فوالله ما أعرفُ دخلَ على قلبي سُرور أعظم من سروري بذلك، ولا مرّتْ عليّ ساعةٌ أطيبُ من تلك الساعة. وقيل لمّا بلغَ علقمَةَ قولُ الأعشى: تَبيتون في المشتى مِلاءً بُطونُكم ... وجاراتُكم غَرْثَى يبِتْنَ خمائصا

стр. 59

بكى، ولعله لم يبْكِ عندَ حلول النوائبِ وقراعِ المصائب، ولو عاينَ الموتَ في الحروب، ومُنازلةَ الأبطال عند الكروب. وقيل: إنّ المنصور مرّ بقَبْرِ الوليد بن عُقبَة بن أبي مُعَيْط فأكثرَ من لعنتهِ وقال: هو أوّلُ من شبّ الحربَ بينَ بني عبدِ مناف بقوله: بني هاشمٍ رُدّوا ثيابَ ابن أُختِكُم ... ولا تَنْهَبوه، لا تحِلُّ مناهِبُهْ بني هاشمٍ كيفَ الهوادةُ بيننا ... وعندَ عليٍّ دِرْعُهُ ونجائِبُهْ همُ قتلوهُ كي يكونوا مكانَه ... كما غدرَتْ يوماً بكِسْرى مرازِبُهْ ولم يكن معاوية بالذي يحدِّث نفسَه بخلاف عليّ ﵁ ولا يهُمّ بمنازعتِه ولا يُدانيه في مَفْخَرٍ الى أن كاتبَه هذا، وأشر بيده الى قبر الوليد بن عُقبة، بقوله: ألا أبلِغْ معاويةَ بنَ حرْبٍ ... فإنّك من أخي ثِقَةٍ مُليمُ قطعتَ الدهر كالسّدمِ المعنّى ... تهدّرُ في دمشقَ وما تريمُ وإنّك في الكتابِ الى عليٍّ ... كدابغةٍ وقد حلِمَ الأديمُ فلو كُنتَ القتيلَ وكان حيّاً ... لشمّر، لا ألَفُّ ولا سَؤومُ فهزّه بهذا الشعر وحرّكَه، وهيّجَه به وهجْهَجه، الى أن شمّر عن ساقِه، وصرّح بعد نِفاقِه. هذا آخرُ كلام المنصور. وروى جماعة من الشيعة أن علياً ﵁ لم يطالَب بدمِ عثمان، مع براءتِه منه، وقوله: والله ما قتلتُ عثمانَ ولا مالأتُ على قتله، إلا بتحريضِ حسّان بن ثابت وقوله: يا ليتَ شِعري وليْتَ الطيرَ تُخبرُني ... ما كان بينَ عليٍّ وابنِ عفّانا لتسمَعَنّ وشيكاً في ديارِهمُ ... اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عُثمانا وقيل: كان سبب خروج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان قول الشاعر: أفي الله أمّا بحْدَلٌ وابنُ بحدَلٍ ... فيَحْيا وأمّا ابنُ الزُبَيْرِ فيُقتَلُ فقال لا والله وطلبَ دمَ آلِ الزبير وكان منه ما كان. ومن طريف ما وقفتُ عليه من تأثير الشعر ما حدّثني به بعضُ المشايخ، يرفَعُه الى يَعْلى بن محمد الأعرج، قال الراوي عنه: حدّثنا إملاءً من حفظِه في يوم الأربعاء رابع عشر من ذي القعدة من سنة أربعين وخمسمائة، قال: لمّا خرجَ الوليد بن طريفٍ الشاري الشّيباني وعاثَ في نواحي العراق، أرجفَ أهل بغداد به، وتحدّث الناسُ فأكثروا ولم يكن له كُفؤٌ في ردّ شعبِه وسدِّ خلَلِه إلا ابنُ عمِهِ وهو يزيد بن مَزيد الشّيباني ابن أخي أبيهِ بغير فصلٍ، فاستحضَره وزيرُ الخلافة وأنشدَه على عادةِ العرب يُنخّيهِ، ويستَنْصِرُ به، فكان ما أنشده: إذا دُعيت فما تُدْعى لهَيّنةٍ ... إلا لمُعضِلَةٍ توفي على العُضَلِ إنّ الخلافةَ مُرساةٌ الى جبلٍ ... وأنتَ وابنُكَ رُكنا ذلك الجبلِ إفخَرْ فما لك في شَيبان من مثلٍ ... كذاك ما لبَني شَيْبانَ من مثَلِ وشرعَ الوزيرُ في كلام يرغِّبُه فيه، ويعِدُه، بما يكون في مطاويه، فقال له يزيد: كُفَّ يا مولانا فقد كفَيْتَ وكُفيتَ، ونهض وقد حرّكه الشرُ وهزّه طربً يجرّ أذيالَه، وبرزَ في جماعته لوقته الى قتال الوليد، فلقِيَه ووقع الطِرادُ، وارتفع العَجاج، فنصره الله على الوليد فتقله، بعد ما كان الوليد يكُرّ على الخيل ويردّ هواديها على أعجازِها ويرفع عقيرتَه ويُنادي: أنا الوليدُ بن طريفِ الشّاري ... قَسْوَرَةٌ لا يُصْطَلى بناري جَوركُمُ أخرَجَني من داري ولمّا وقع الى الأرض ركبتْ أختُه ولبسَت دِرْعَها وخرجت مُبارزةً، فنظر إليها يزيد قاتِلُ أخيها وابنُ عمّها فناداها: يا هناةُ ألْقي الرُمحَ من يدكِ وارجعي الى خِبائِكِ، هتَكْتِ الحرائرَ، ليس هذا بمقامٍ للنساء، فركزَتْ رمحها في الأرض وأسندَتْ رأسَها إليه واستعْبَرَتْ، وأنشدت ترثي أخاها: لئِنْ كان أرداهُ يزيدُ بنُ مَزْيدٍ ... فرُبَّ زَحوفٍ يُبْتَلى بزَحوفِ أيا شجرَ الخابور مالكَ مورِقاً ... كأنّك لم تحزَنْ على ابنِ طريفِ فقدْناهُ فِقْدانَ الربيعِ فلَيتَنا ... فديْناه من دَهْمائِنا بألوفِ

стр. 60

فتىً لا يعُدُّ الزّادَ إلا من التُقى ... ولا المالَ إلا من قَنا وسيوفِ ولا الخيلَ إلا كلَّ جرداءَ شَطْبةٍ ... وكلَّ حِصانٍ باليدينِ عَسوفِ ثم رجعَتْ الى خِبائها تنوحُ وتندبُ أخاها مع نسائِها. وأقول: لله دَرُّ ثلاثة أبيات حملَتِ الرجلَ على قتلِ ابن عمه، وقطع رحمِه، ولو كان الكلامُ الذي في الشعرِ منثوراً لما هزّه، ولا حملَ من أجلِه بزَّهُ، ولا قتلَ ابنَ عمِه ولا ابتزّه، والله يعفو عن المذنبين. وقال يحيى بنُ خالد: سألني رجلٌ من بني أمية أنْ أوصلَهُ الى الرشيد، فقلتُ له: إنّ أميرض المؤمنين منحرِفٌ عن كل منتسِبٍ الى أميّة، وحنَقُه عليهم وسوءُ اعتقادِه فيهم مشهور، فإنْ كانت لك حاجةٌ غيرُ هذه فأنا أقضيها لك، فأبى إلا إيصالَه إليه. فعرّفتُ الرشيدَ ما كان من التماسه وجوابي له، فأمر بإحضاره، فلمْ أرْتَبْ أن يُمْسي مقْتولاً، فلما مثُل بين يديه أنشده: يا أمينَ اللهِ إني قائِلٌ ... قولَ ذي عقْلٍ ودينٍ وأدَبْ لكُمُ الفضلُ عليْنا ولنا ... بكُمُ الفضلُ علي كلِّ العرَبْ عبدُ شمسٍ كان يتلو هاشِمً ... وهم بعْدُ لأمٍ ولأبْ فصِلوا الأرحامَ منّا إنّما ... عبدُ شمسٍ عمُّ عبدِ المطّلِبْ فقال له الرشيد: صدَقْتَ، متأثراً بقوله، وقد عمِلَ الشعرُ في نفسه، وأمرَ له بأربعين ألف درهَم. قال يحيى: ولولا الأبياتُ لأمرَ بأخذ رأسه. وحكى مروان بن أبي حَفْصة قال: خرجتُ أريدُ معنَ بنَ زائدة، فضمّني الطريقُ وأعرابياً فقلت له: أين تريد؟ قال: هذا الملك الشَيباني، قلت: فما أهدَيْتَ إليه؟ قال: بيتين، قلت: فقط! قال: إني قد جمَعْتُ فيهما ما يسرُّه، فقلت: هاتهما، فأنشدني: معْنُ بنُ زائدةَ الذي زيدَتْ به ... شرَفاً على شرَفٍ بنو شَيْبانِ إنْ عُدّ أيامُ الفَعالِ فإنّما ... يوْماهُ يومُ ندىً ويومُ طِعانِ قال: ولي قصيدةٌ قد حُكْتُها بهذا الوزن، فقلتُ: يا هذا، تأتي رجلاً قد كثُرَتْ غاشيتُه وكثُرَ الشُعراءُ ببابِه، فمتى تصِلُ إليه؟ قال: فقُلْ، قلت: تأخذُ مني بعضَ ما أمّلت بهذين البيتين وتنصرفُ الى رحلِك، قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسينَ دِرهَماً، قال ما كنتُ فاعِلاً ولا بالضِّعْفِ، قال: فلم أزَلْ أرْفُقُ بهِ حتى بذلتُ له مائةً وعشرين دِرهماً فأخذَها وانصرف. فقلت: إني أصْدُقُكَ، قال: والصّدقُ بك أحسنُ، قلتُ إني حكتُ قافيةً توازنُ هذا الشعر وإني أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها، قال: سبحان الله، قد علِمُت ولقد خِفْتَ أمراً لا يبلغُكَ أبداً. فأتيتُ معنَ بنَ زائدة وجعلتُ البيتين في وسطِ الشعر وأنشدتُهُ فأصغى نحوي، فوالله ما هو إلا أن بلغْتُ البيتين فسمِعَهما فما تمالكَ أن خرّ عن فُرُشِهِ حتى لصِقَ بالأرض ثم قال: أعِدِ البيتين، فأعدتُهما، فنادى: يا غُلامُ، ائتِني بكيسٍ فيه ألفُ دينار، فما كان إلا لفظُهُ وكيسُه، فقال: صُبَّها على رأسه، ثم قال: هاتِ عشرينَ ثوباً من خاصِّ كُسْوَتي، ودابّتي الكذا وبغلي الكذا، فانصرفتُ بحباءِ الأعرابي لا حِباء معن. ولمّا مدح أبو تمام الطائيُّ أحمدَ ولدَ المُعتصمِ بكلمتهِ التي أولها: ما في وقوفِكَ ساعةً من باسِ ... تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراسِ فلما وصل الى قوله: إقدامُ عَمروِ في سَماحة حاتِمٍ ... في حِلْمِ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسِ قال له بعضُ الحاضرين، وهو يعقوبُ الكِنديّ: كيفَ تُشبِّهُ ولد أمير المؤمنين بأعرابٍ أجلافٍ وهو أشرفُ منزلةً وأعظمُ محلّةً؟ فانقطع وأطرقَ ثم رفع رأسَهُ وأنشدَ مُرتَجِلاً: لا تُنكِروا ضَرْبي لهُ مَنْ دونَه ... مثَلاً شَروداً في النّدى والباسِ فاللهُ قد ضربَ الأقلَّ لنورِه ... مثَلاً من المِشكاةِ والنِّبْراسِ فاهتز لذلك طرَباً وبُهِتَ له متعجِّباً ووقّعَ له بالموصِل إجازةً.

стр. 61

وقد وهب الموصِلَ شرفُ الدولة مُسلم بن قريش لبعض شعرائه وارتحلَ عنها فقيلَ للشّاعر إنها لا تبقَى عليك فلو بعْتَها لنوّاب الأمير لكنتَ موَفقاً، فابْتاعوها منه بعشرينَ ألفِ دينار. فلما بلغ شرفَ الدولةِ ذلك قال: ائتوني به، فلزِمَ أذنَهُ وقال: قبضتَ المالَ؟ قال: نعم، قال: وأنت راضٍ؟ قال: أجَل والله، فعرَك حينئذ أذنَهُ وقال له: يا ديّوث لقد بعتَ رخيصاً هلاّ لزمتَ يدكَ وطلبتَ مائةَ ألفِ دينار، فما كان لهم غَناءٌ عن دفعِ المالِ إليك. وهذه الحكاية هكذا رَواها لي والدي ﵁، ولم يذكرْ لي الشِّعْرَ ولا الشاعر. قال ﵀: حدّثني بذلك عمُّ والدتي محمّدُ بنُ عُبَيْدِ الله العلويّ الحُسيني قال: حدَّثني المهذّبُ أبو الحسَن عليّ بنُ مُسْهِرٍ الكاتب بذلك في شُهور سنةِ إحدى وثلاثين وخمسمائة، وكان ابنُ مُسْهِر يمدحُ بني مُسلِم ابن قريش ويخدمُهم، وروى لي أنّ أبا القاسمِ الحسَن بن هانئ المغربيّ الأندلسيّ كان شاعراً لبني مروانَ بالأندلس، فلما سمِعَ المُعزُّ العلَويّ شِعرَه، أنفذَ إليه فأوفدَه عليهِ رغبةً في الأدبِ، ومنافَسةً على شرفِ الرُّتَب، فلما اتّصل بخدمته مدحَه بمدائحَ منها: الحبُ حيثُ المعْشَرُ الأعداءُ ومنها: تقَدّمْ خُطا وتأخّرْ خُطا ومنها: أقولُ دُمًى وهيَ الحِسانُ الرّعابيبُ ومنها: هلْ كان ضمّخَ بالعبيرِ الريحا ومنها: سَرى وجَناحُ الليلِ أسحمُ أفتحُ ومنها: ألا طَرَقَتْنا والنّجومُ رُكودُ ومنها: أقوى المُحَصَّبُ من هادٍ ومن هيدِ ومنها: ألؤلؤٌ دمْعُ هذا الغَيْثِ أم نُقَطُ ومنها: قد سارَ بي هذا الرِّكابُ فأوْجَفا ومنها: قُمْنَ في مأتمٍ على العُشّاقِ ومنها: أريّاكِ أم رَدْعٌ من المِسكِ صائِكُ ومنها: قد مرَرْنا على مغانيكِ تلكِ ومنها: أتظنُّ راحاً في الشّمالِ شَمولا ومنها: يومٌ عريضٌ في الفَخارِ طويلُ ومنها: قامَتْ تَميسُ كما تدافَعَ جَدْوَلُ ومنها: أصاخَتْ فقالتْ وقعُ أجردَ شَيْظَمِ ومنها: سَقَتْني بما مجّتْ شُدوقُ الأراقِمِ ومنها: هل من أعِقّةِ عالجٍ يَبْرينُ فكان كلّما مدحَه بقصيدةٍ أعطاهُ ضَيعةً، فلما خرج مملوكُه جوهَرُ وأخذ مصرَ خرجَ المُعزُّ، فلما جلَسَ للهناء دخل عليه ابنُ هانئ واستأذَنَهُ في الإيراد فأذِن له فأنشدَ قصيدةً يقول منها: ألا إنّما الأيامُ أيامُكَ التي ... لكَ الشّطْرُ من نَعْمائِها ولنا الشّطْرُ التفتَ الى وزيره وقال: اكتبوا له بالاسكندرية وسلّموها إليه بمَنْ فيها فهيَ شطْرٌ قد خصصناهُ به. هكذا كانت جوائز الشعراء. وأُعْطِيَ الأحْوَصُ عشرينَ ألف دينار لقوله: وما كانَ مالي طارِفاً من تِجارةٍ ... وما كان ميراثاً من المالِ مُتلَدا ولكنْ عَطاءٌ من إمامٍ مُبارَكٍ ... مَلا الأرضَ مَعروفاً وجوداً وسُؤدَدا وهي أبيات مشهورةٌ وما أظنّ أحداً من مُقصِّري شُعراء الوقت يعجز عن قول مثلِها. وكان زهير قد بلغ الغايةَ في مدحِ هرِم بنِ سِنان بن حارثة حتى ضربَتِ العربُ المثلَ بهرمٍ في الجودِ لقول زِهير: إنّ البخيلَ مَلومٌ حيثُ كان ول ... كنّ الجوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ هو الجوادُ الذي يعطيك نائِلَهُ ... عفواً ويُظْلَمُ أحياناً فيَظَّلِمُ وأجمع أهل العلم بالشّعر أنّ أمْدَح ما قالته العرب قولُ زهير: قد جعلَ المُبْتَغونَ الخَيْرَ من هَرِمٍ ... والسائِلونَ الى أبوابِه طُرُقا إن تلْقَ يوماً على عِلاّتِه هَرِماً ... تلْقَ السّماحةَ منه والنّدى خُلُقا فأفرطَ هرِمٌ في عطائه والبذل له حتى أنّ هرِماً أقسم أنه زُهيراً لا يُسلِّمُ عليه إلا أعطاه المالَ والإبلَ، فترك زُهير السّلام على هرمٍ إبقاءً وحَياءً من إفراطِه في العطاء، كان زهيرٌ يمُرُّ بالنادي فيقول: ألا أنعِموا صباحاً ما خَلا هَرِماً وخيرَكُم تركتُ. هكذا كان الشعراء يستَحْيون من صلاتِ الممدوحين وإحسانِ المُنعمين كما قال المعرّي:

стр. 62

لو اختَصَرْتُم من الإحسانِ زُرتُكُمُ ... والعذْبُ يُهْجَرُ للإفراطِ في الخَصَرِ ولما دخلَ أبو الحسَن عليُّ بنُ محمد التِهامي على حسّان بن جرّاح الطائي صاحب الشام أنشده كلمته التي يقول في أوّلها: هلِ الوجْدُ إلا أن تلوحَ خيامُها ... فيَقْضي بإهداءِ السّلامِ ذِمامُها فلما بلغَ الى قوله: ألا إنّ طيّاً للمكارمِ كعبةٌ ... وحسّانُ منها ركنُها ومَقامُها تقِلُّ لك الأرضونُ مُلْكاً وأهلُها ... عبيداً فهل مُسْتَكثَرٌ لك شامُها وهبَه مدينة حَماة وأعمالها. ومن تأثير الشعرِ في الأنفُس الأبيّة أن الظّاهرَ بمصرَ كان قد عزلَ عن وزارته أبا القاسم ابن المغربيّ، وانفصلَ عن البلاد المصرية واتصل ببلاد مَيّافارقين، واستوزر بعدَ المغربي عليَّ بن أحمد الجَرْجَرائيّ، فكان المغربيُّ يواصلُ التِّهاميّ بالصّلات والملاطفاتِ حتى قدِم عليه ومدحَهُ بقصيدةٍ أولُها: فؤادي الفِداءُ لَها من قُبَبْ ... طَوافٍ على الآلِ مثل الحَبَبْ ثم قال فيها: فمَنْ مُبْلِغٌ مِصْرَ قولاً يعُمُّ ... ويختصُّ بالملِك المُعتَصَبْ لقد كنتَ في تاجِهِ دفرّةً ... فعُوِّضَ مَوضِعَها المُختَلَبْ فإنْ سُدّ موضِعُه لم يُسَدَّ ... وإن نيبَ عن مثلِها لمْ يُنَبْ إذا اغتربَ الليثُ عن خِدرِه ... غدا الشاءُ فيه يَلُسُّ العُشُبْ أتيتكَ مُمْتَدِحاً للوداد ... ولمْ آتِ ممْتَدِحاً للنّشَبْ فبلغ الجرجرائيّ قولُه فما زال يُعمِل الحيلةَ حتى قدِم التهامي مصرَ فحبسه وطال حبسه. وله أشعارٌ كثيرة قالها في مَحبَسِه متَندِّماً على قدومه معتذراً من بادرة منظومِه، فمن ذلك: لنَفسِكَ لُمْ لا عُذْرَ قد نفِدَ العُذْرُ ... بِذا حَكَمَ المقدورُ إذ قُضيَ الأمرُ يقول فيها: جنَيْتُ على نفسي بسَعْيي إليهِمُ ... وماليَ من أوفى مواثيقِهم عُذْرُ وماليَ من ذنْبٍ سوى الشّعْرِ إنّني ... لأعلَمُ أنّ الذّنْبَ في نكبتي الشّعْرُ أسيرٌ لدى قومٍ بغير جنايةٍ ... ألا في سبيل الله ما صنع الأمرُ وله من أخرى: أيا مَنْ نَعاهُ لسانُ القَريضِ ... وكالنَّدِّ ينشُرُ منْ عَرْفِهِ يعِزُّ على الدّهْرِ ما أنتَ فيه ... وإنْ جلَّ ما بك من صَرْفِهِ وضاعفَ وجْديَ لمّا سُجنْتُ ... مقالةُ مَنْ لَجّ في عُنْفِهِ يقولُ وبعضُ كلامِ السفي ... هِ يقتُلُ إنْ هوَ لمْ يُخْفِهِ أهَذا التِهاميّ من مكةٍ ... برِجْلَيْه يسعى الى حتفِه ألمْ يكفِه أنّ ثوبَ الحيا ... ةِ ضافٍ عليهِ ألمْ يكْفِهِ أرادَ يَطيرُ مطارَ المُلوكِ ... وظنّ الأسنّةَ من زِفِّهِ أبالشِّعْرِ ويْلَك تبغي العَلاء ... وأنتَ تُقصِّرُ عن رصْفِهِ ولم تكُ أهْلاً بأن تستقرَّ ... على مِنبرِ المُلكِ أو طرْفِهِ لأنّكَ أنْزَرُ من شاعرٍ ... علي خِسّةِ الشِّعرِ في وصْفِه أرَقتَ دَماً طالما صُنْتَهُ ... وأشعَلْتَ جمْراً ولم تُطْفِهِ وأشفَيْتَ مُنتظِراً للبَوارِ ... وصدرُك حرّانُ لم تشْفِهِ إذا نشِفَ العودُ من مائِهِ ... فذلكَ أدْعى الى قصْفِهِ فلما طالَ حبسُه أشار الجَرْجَرائيُّ الى غُلامِه لبيب أن يقتلَهُ في مَحْبَسِه فدخل إليه لبيبٌ ليلاً فخنَقَه. ولولا الشعرُ لما تأثّر به تأثّراً حمَلَه على قتلِ النفس والخلودِ في نار جهنّم.

стр. 63

ولم يزلْ ابنُ نَصْرٍ صاحبُ حلبَ يراسِلُ ابنَ حَيّوس الدمشْقيَّ ويواصلُه بالصّلات والأعطِياتِ والمُلاطَفات حتى أقدمَهُ إليه وأوفدَه عليه، فلما قاربَ حلبَ خرجَ في موكبِه وتلقّاهُ، وأكرمَه وحيّاهُ، وأنزلَهُ دارَ ضيافَتِه. وبعد أيامٍ جلس في قلعة حلبَ جلوساً عامّاً وأذِنَ لنوّابِه وأمرائِهِ وأصحابِه ووزرائِهِ، فلما استقرّ الناسُ على مراتبِهم استحضرَهُ وأجلسَهُ بين يديهِ فأنشده قصيدته التي يقولُ في أوّلها: قِفوا في القِلَى حيثُ انتَهَيْتُمْ تذَمُّما ... ولا تقتَفوا مَنْ جارَ لمّا تحكّما فاستدعى بكيس فيه ألفُ دينار فصبّه عليه فالتقطَه الحاضرون ثم استدعى بكيسٍ آخر فيه ألفُ دينار، وعشرين ثوباً، وخِلعةً سَنيّةً، وفَرَساً بطَوقِ ذهب وسِرْفسارِ ذهَبٍ فأعطاهُ وكتبَ له ضيعةً من أمّهاتِ القُرى بحلب. فهذه كانت جوائز الشعراء. ولقد اجتهد فخْرُ المُلْكِ أبو غالب بن خلَفٍ الواسطيّ لما دخل بغدادَ أيّامَ وزاراتِه لبهاء الدولة بنِ عَضدِها، على أن يمدَحَه ابنُ نُباتَة السّعدي فلم يفعلْ وقال له: إنّ أحمد بن إسحاقَ - يعني القادر بالله - حظّر عليّ أن أمدَح أحداً سواه. فلما بلغ القادرَ كلامُه وكونُه لم يعبّر عنه بالإمام ولا بأمير المؤمنين، ولا زاد على أن سمّاهُ ونسبَه، احتمل له ذلك مع امتناعه على ما كان عنده من المنافسة والمُحاقَقة في مثلِه. ثم توصّل فخرُ المُلكِ الى القادر وتقرّب إليه بأنواع التقرّب، وسأله أن يأذَن لابن نُباتة في مدحِه فاعتذرَ إليه وأبى عليه وقال: ما كان لشاعر الخلافة أن يمدحَ سواها، فلما اعتاصَ على فخر المُلك مرامُه، وضع ابنَ حاجب النعمان فزوّر على ابن نُباتة وقال: قد رسم لك أميرُ المؤمنين أن تمدحَ الوزير فخْرَ المُلْكِ، فحضَر امتثالاً للأمر، فلما رآه فخرُ المُلك نهضَ له قائماً ورفع مجلسَه وأحسنَ جائزتَه وأعطاه من الثياب والذهب ما لمْ يُعْطَ شاعرٌ مثلُه. فانظرْ الى منافسةِ هذا الوزير في اكتساب الثّناءِ، واحتيالِه على تحصيلِ الحمدِ من الأدباء، وعزَّةِ ذلك عند الأئمة الخُلفاء، رضوانُ الله عليهم. هكذا كانت رغباتُ الرؤساء في الأدباء. وحدّثني والدي ﵁ قال: حدّثني محمدُ بنُ محمد بن عبيد الله العلويّ الحُسَيْنيّ قال: حدّثني أبو المَفاخِر الأبهريُّ قال: حدّثني أبو يَعْلَى ابن الهَبّارِية الهاشميّ قال: حدّثني أبو سعْد العَلاءُ بنُ الحسن بن موصلايا كاتب حضرةِ الخِلافة قال: كنتُ إذا كتبت عن رئيس الرؤساء كتاباً تحفّظْتُ وتحرّزْت واجتهدتُ، وما أكاد أسلمُ من نقده، ومأخذه وردّه. وقد صِرْتُ إذا كتبتُ كتابا عن ابن جَهير فإني أسترسِلُ فيه ولا أراعي شيئا من ألفاظه ومعانيه، فإذا عرضتُه عليه أخذَه ورزَنَه بيدِه، فإن وجدَه ثقيلاً كبيراً قال: يا بني، باركَ اللهُ فيك، هذا كتابٌ حسَنٌ قد بجّلْتَه فيه وعظّمتَه. وإن استصغَر حجمَه، واستقلّ سطورَه ورقمَه نظر إليّ شزْراً وقال: لعلّك غيرُ راضٍ، أو أنّ هذا لعدم البياض؟ وأنشد ابن الهَبّارية لنفسه: فقُلْ لوزيرٍ نقْدُهُ لكتابِه ... بأوْراقِه وزْناً وعدِّ سُطورِه لعلّ زماناً قد شكَوْنا وزيرَهُ ... يُعيدُ علينا اليومَ مثلَ وزيرِه فانظُرْ كم بينَ فخرِ المُلْكِ وهمّته، وبين ابن جَهير وعاميّته وصَنعتِه. وكان بشرُ بنُ أبي خازمٍ الأسديّ قد هَجا أوسَ بنَ حارثة المَلك ظلماً، حمَلَه على هجائه بنو بدرٍ الفَزاريّون. ثم إن بِشْراً غَزا طيّئاً في خيلٍ من قومه، فأغار على بني نبهان فجُرح فأُثخِنَ وهو يومئذ يحمي أصحابَه، فأسرَه بنو نبهان وخبّؤوه كراهيةَ أن يبلغَ خبرُه أوساً. وسمعَ أوسٌ أنه عندهم فراسلَهُم في تسليمه إليه فكتموه، فآلى أن يدفعوه إليه، وكانوا يخافون أن يقتُلَه، فلما أبَوْا أعطاهم مائتي بعير، فدفعوهُ الى رُسلهِ، فقال له بعضُهم وهو مشدودٌ على بعير: يا بِشْر غنِّنا، فكأن قد تغنّى الناسُ بما يصنَعُ بك أوس، فبَيْنا هم يتهدّدونَه إذ زجَر الطيرَ والوحشَ فرأى ما يحبّ فقال: أمَا ترى الطيرَ الى جنب النَّعَمْ ... والعيرَ والعانةَ في وادي سَلَمْ سَلامةٌ ونِعمةٌ من النِّعَمْ فأجاب بعضُ الرُسُل:

стр. 64

إنّك يا بِشْرُ لَذو وهمٍ وهمّْ ... في زَجْرِكَ الطّيْرَ على إثْرِ النّدَمْ أَبْشرْ بوقْعٍ مثلِ شُؤبوبِ الرِّهَمْ ... وقطْعِ كفّيكَ ويُثْنى بالقَدَمْ وباللسان بعدَها وبالأشَمّْ ... إنّ ابنَ سُعْدى ذو عِقابٍ ونِقَمْ فلما أتوا به قال له أوسٌ: هجَوْتَني ظالماً، فاختَر بين قطْع لسانِك وحبسِك في سَرَبٍ حتى تموت، وبين قطعِ يديك ورجليْك وتخليةِ سبيلك. ثم دخل على أمِّه سُعْدى وقد سَمِعَتْ كلامه فقالت له: يا بُنيّ لقد مات أبوك فرَجوْتُك لقومِك عامةً، وقد أصبحتُ - والله - لا أرجوك لنفسِك خاصةً، ويحكَ أزَعَمْتَ أنّك قاطِعٌ رَجُلاً شاعِراً؟ ومتى كانت الشعراءُ تُعامَل بغير الإحسان؟ فإنْ كنتَ زعمتَ أنّه هجاك، فمَنْ يمحو إذاً ما قالَه فيك؟ قال: فما أصنَعُ به؟ قالت: تكسوهُ حُلَّتَكَ وتحْمِلُهُ على راحلتِك وتأمُرُ له بمائة ناقة، عساهُ يغسِلُ بمديحِهِ هجاءَهُ. فخرج من عندِها فخلّى سبيلَه وأحسنَ إليه وفعل أضعافَ ما أمرتْهُ به أمّه. فامتدحَه بِشْرٌ فأكثر، ورَحضَ عنه الدَّنَس والوَضَر. قال الأخفش: مدحَ بِشْرٌ أوساً وأهلَ بيتِه مكان كلِّ قصيدةٍ هجاهم بها قصيدةً، وكان قد هجاهُم بخَمسٍ فمدحَهُم بخمس. فمن ذلك كلمته المختارة: كَفى بالنّأي من أسماءَ كافِ ... وليسَ لحُبّها إذ طالَ شافِ فكان الأمرُ كما قالَتْهُ أمّه، إذ مَحا بِشْرٌ بمدحِه ذَمَّه. وفي هذا الباب من تأثير الشِّعْرِ وزَماجِرِ أسودِ الغِضابِ، ما يكثرُ منه العجبُ العُجاب، وفيما أوردناهُ كفاية لذوي الألباب. الفصل الرابع في كشفِ ما مُدِحَ به وذُمّ بسببه وهل تعاطيهِ أصلح، أم رفضه أوفر وأرجح أمّا مدْحُ الشّعرِ على لسان النبيّ ﷺ وألسُنِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ تعالى عليهم أجمعين فكثيرٌ غزير، لا يُنْكِرُ ذلك إلا غمْرٌ من الأدبِ فقير. وفي الاقتداء بهِم والاقتفاء لمنهجِهم رشادٌ لا يضِلُّ سالكُه، ومِهادٌ لا يُزَحْزَح مالِكُه، وزَنْدٌ لا يُصلِدُ قادِحُه، وإمدادٌ لا يُنزَفُ ماتِحُه. فمن ذلك قولُه ﷺ : ( ... منَ الشعرِ لَحِكمة) ، وفي موضع آخر (إنّ من الشعرِ لحِكما) . هذا قولُه، وهو ﷺ لا ينطبقُ عن الهَوى بعدَ أن قال الله تعالى في شأن داودَ ﵇: (وآتَيْناهُ الحِكمةَ وفصْلَ الخِطابِ) . وقال تعالى: (ولوطاً آتَيناهُ حُكْماً وعِلْماً) ، فجعل ﷺ بعضَ الشِّعر جُزْءاً من الحكمةِ التي خصّ اللهُ تعالى بها أنبياءَه ووصفَ بها أصفياءَه، وامتنّ عليهم بذلك إذ جعلَهم مخصوصينَ بها من قِبَلِه، ومغمورينَ بفخرِها من جهَتِه، وناهيكَ بذلكَ فضيلةً للشعرِ والشعراء، ومَزيّةً عظُمَ بها قدرُ الأدبِ والأدباء. وقال ﷺ لحسّان بن ثابت: (أنت حسّانُ ولسانُك حُسام) ، وهذا الكلام من بابِ الجِناس المُطْمِع. ولولا الشعرُ لما جعلَ لسانَه حُساماً على المجاز، لمضائِه في القول والرَّهْبَة من قوارصِه، كما يمضي الحُسامُ في الضريبةِ ويُخاف من غُروبِه عند المُصيبة. وقالصلى الله عليه وسلم لحسّان أيضاً: (أجِبْ عني، اللهُمَّ أيّدُهُ بروح القُدُس) . وقالَتْ عائشةُ ﵂: وضع رسول الله ﷺ لحسّان منبراً في المسجد ينافحُ عنه بالشعرِ عليه. ويقول رسولُ الله ﷺ (إنّ اللهَ تعالى ليؤيد حسّانَ بروحِ القُدُس) وقال له: (أُهْجُهُم) أو قال: (هاجِهِم وجبريلُ معَك) . وحدّثتْ عائشةُ أنها سمِعَتْ رسول الله ﵊ يقولُ لحسان: (إنّ روحَ القُدُسِ لا يزالُ يؤيّدُك ما نافَحْتَ عن الله تعالى وعن رسولهِ ﵇ . وروى ابنُ أبي بُرَيْدَة فيما أسنَدَه قال: أعان جبريل ﵇ حسّانَ بنَ ثابت في مديحهِ لرسولِ الله ﷺ بسبعينَ بيْتاً، وفيهَ نظَرٌ. وفي غيرِ خبرٍ أنّه ﷺ قال لحسّان: (هيِّج الغطاريفَ على بني عبد مُناف، واللهِ لَشِعرُكَ أشدّ عليهم من وقْعِ السِّهام في غلَسِ الظّلام) .

стр. 65

ورُويَ أن قُرَيشاً لما هجَتِ الأنصارَ أتَوْا رسول اللهِ ﷺ واستأذنوهُ في هِجائِهِمْ فأذِن لهم، فأتَوْا كعبَ بنَ مالكٍ وكان وصّافاً للحَربِ، فعمِلَ شِعراً فقال لهُم رسولُ الله ﷺ : (ما صنَعَ شيئاً) . فأتوا عبدَ الله بنَ رَواحة وكان وصّافاً للجنّة، فقال شعراً، وأتَوْا به النبيّ ﷺ فقال: (ما صنَعَ شيئاً) ، فأتَوْا حسّانَ بنَ ثابت فقال: ما كنتُ لأفعلَ حتى يأمرَني رسولُ الله ﷺ ، وكان حسّان أعرفَ الناسِ بهجاءِ قُرَيشٍ في الجاهلية، فقال له رسولُ الله ﷺ : يا حسّانُ إنّ أبا سُفيان قد هَجاني وقرابَتُه مني ما قد عرَفْتَ، فكيفَ تصنعُ؟ فقال: يا رسولَ الله لأسُلّنَّكَ منهُ كما تُسَلُّ الشّعْرَةُ منَ العجينِ، فقال له: هلْ عندَكَ من شِعرٍ يا حسّان؟ فأخرجَ لسانَه فإذا هو مثلُ ذنبِ الحيّة. فقال لهُ: اذْهَبْ فإنّ جبريلَ معكَ. فكان ممّا هجا حسّان به أبا سُفيان قولُه: وأنتَ منوطٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ ... كما نِيطَ خلفَ الرّاكبِ القَدَحُ الفرْدُ وقال ﷺ : (أمرتُ عبدَ الله بن رَواحة فقالَ وأحسنَ، وأمرتُ كعبَ بنَ مالك، فقال وأحسنَ، وأمرتُ حسّانَ بنَ ثابت فشَفَى واشْتَفى) . وقال عبدُ الله بنِ عبّاس: تعلّموا الشِّعرَ فإنّه أولُ عِلْم العربِ وهو ديوانُ الأدب، وعليكم بشعرِ أهلِ الحجاز، فإنّه شِعرُ الجاهليّة وقد عُفيَ عنهُ. وقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: تحفّظوا الأشعارَ وطالِعوا الأخبار، فإنّ الشِّعرَ يدعو الى مكارم الأخلاقِ ويعلِّمُ محاسِنَ الأعمالِ، ويبعثُ على جميلِ الأفعالِ، ويفتُقُ الفِطْنةَ، ويشحَذُ القريحةُ، ويحدو على ابتناءِ المناقبِ وادّخار المكارمِ، وينهى عن الأخلاقِ الدنيئةِ، ويزجُرُ عن مُواقَعَةِ الريَبِ، ويحضُّ على معاني الرُتَبِ. وقال أبو بكرٍ الصديق ﵁: علِموا أولادَكم الشعرَ فإنّهُ يعلّمُهم مكارمَ الأخلاقِ. وأوْصَى الرشيدُ الكسائيَّ بالأمينِ والمأمون، فكانَ من جملةِ وصيتِه: ورَوِّهِما من الشِّعرِ فإنّهُ أوفى أدبٍ يحُضُّ على معالي الرُتَب. وقالَ معاوية: علّموا أولادَكم الشِّعرَ فإنّي أدركتُ الخِلافةَ ونلتُ الرئاسةَ ووصلتُ الى هذه المنزلةِ بأبياتِ ابنِ الإطنابةِ، فإنني يومَ الهرير كُلّما عزمتُ على الفِرارِ أنشدتُ قولَه: أبَتْ لي عِفّتي وأبى بَلائي ... وأخْذي الحمدَ بالثَّمنِ الرّبيحِ وقولي كُلّما جشَأَتْ وجاشَتْ ... مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتَريحي فأثبتُ وأقول: مكانكِ تُحمَي أو تستَريحي. ولمّا قدِمَ الحجاجُ بنُ يوسفَ العراقَ جَفا الشُعَراءَ جفاءً اتصلَ خبرُهُ بعبدِ الملكِ بنِ مروان فكتب إليه: بسمِ اللهِ الرّحمن الرّحيم، من عبدِ اللهِ عبدِ المَلك الى الحجّاج بنِ يوسف، أمّا بعدُ: فقد بلغَني عنك أمرٌ كذّبَ فَراستي فيك، وأخلفَ ظنّي عندَك، وهو إعراضُكَ عن الشِّعْرِ والشُعراء؛ فإنّكَ لا تعرِفُ فضيلةَ الشِّعْرِ ولا تعْلَمُ مواضِعَ كلامِ الشُعراءِ ومواقِعَ سهامِهِم، أوَ ما علِمتَ يا أخا ثقيف أنّ بالشعرِ بقاءَ الذِكْرِ ونماءَ الفخْرِ، وأنّ الشعراءَ طُرُزُ المملكةِ، وحُليّ الدولة، وعناوينُ النِّعمةِ، وتمائِمُ المَجْدِ، ودلائِلُ الكرمِ، وأنهم يحُضّونَ على الأفعالِ الجميلةِ، وينهوْنَ عن الخلائِقِ الذميمةِ، وأنهم سَنّوا سبيلَ المكارِمِ لطُلاّبِها ودلّوا بُغاةَ المحامِد على أبوابِها، وأنّ الإحسانَ إليهم كرَمٌ، والإعراضَ عنهم لُؤمٌ وندَمٌ، فاسْتَدْرِكْ فارِطَ تفريطِكَ، وامْحُ بصوابِك وحْيَ أغاليطِك.

стр. 66

ومن فضيلة الشِّعرِ أنّ العُلَماءَ بالأدبِ لا يستطيعونَ نظْمَ البيتِ الفَذِّ منه، مع عدَمِ الطبيعةِ في نظمِهِ والمِنْحَةِ من اللهِ تَعالى في تأليفِه لقولِه تعالى: (وما علّمناهُ الشّعرَ وما ينْبغي له) ، فعَزى تعليمَهُ إليهُ سُبحانَه وجعلَه من جُملةِ هِباتِه للمخلوقِ وزينتِه التي يكسوها من يشاءُ، كما قال تعالى: (يَزيدُ في الخَلْقِ ما يشاءُ) . ولولا أن تكون هذه المَزيّةُ، والفضيلةُ السَّنِيَّةُ، مَوْهِبةً من اللهِ تعالى لما تعسَّرَتْ على العُلماءِ مع معرفَتِهم بأدواتِها وقبضِهم على أزِمّةِ آلاتِها، وتسهّلَتْ على الخِلْوِ من الأدبِ، والنِّضْوِ في مسارح ذلكَ الصَّبَبِ حتى يقولَ ما لا يعرفُ تعليلَهُ، وينظمَ ما يجهلُ فروعَهُ وأصولَهُ. ومن فضيلةِ الشعرِ أنّ الكلامَ المنثورَ، وإنْ راقَتْ ديباجتُهُ ورَقّتْ بهجَتُهُ، وحسُنَتْ ألفاظُهُ، وعَذُبَتْ مناهلُهُ، إذا أنشدَه الحادي، وأوردَه الشادي، ومدّ به صوتَهُ المطرِبُ، ورفَعَ به عقيرتَهُ المنشدُ، لا يُحرّكُ رزيناً، ولا يُسلي حزيناً، ولا يُظهِرُ من القلوبِ كميناً، ولا يخَوِّنُ من الدّمْعِ أميناً. فإذا حُوِّلَ بعينِهِ نظماً، ووُسِمَ بالوزنِ وَسْماً، ولَجَ الأسماعَ بغيرِ امتناع، ومَلَكَ القلوبَ كما تُملَكُ الإماء في الحروب، وقبضَ على الجوارحِ قبْضَ الجبائِرِ على الجرائِحِ، فكمْ من نَفْسٍ استعادَتْ بهِ نفسَها، وكمْ من مُهْجَةٍ ذهبَ بها واختلَسها، وكم من كريمٍ أحياهُ ومن لئيمٍ أرداه، وكم من فقيرٍ أغناهُ، وكم من غنيٍّ أخلاه، فضيلةٌ لم تكنْ إلا لهُ أبداً. والشِّعرُ معدِنُ تفضيلٍ وإعجازٍ يُشَجِّعُ الجبانَ الوَكِل، فلا فرار عندَهُ ولا نَكَل. ويسمَحُ البخيلُ وإنْ برِمَ، ويسْتَصبي الشّيْخَ وإنْ هرِم. فمُعْجزاتُه باديةٌ، وآياتُه رائحةٌ غاديةٌ. وأما من ذهبَ الى ذَمِّه وتنَقُّصِه لسوءِ فهمِه، فإنّما هو مُتَمسِّكٌ بشُبَهٍ لم يعْرِفْ تأويلَها، مُسْتَنِدٌ الى حُجَجٍ لم يعلمْ تعليلَها، خابِطٌ في عشواءَ مُظلِمَةٍ، مُتورِّطٌ في خوْضِ وعْثاءَ مُؤلمة. والذي تمسّكَ به الذامُّ قولُه ﵇: (لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدِكم قَيْحاً حتى يَرِيَهُ خيرٌ لهُ من أنْ يمتلئَ شِعْراً) . القَيْحُ: المِدّة لا يُخالطُها دَمٌ، ويَرِيَه: من الوَرْي والاسم الوَرى بالتحريكِ، ومنهُ الدُّعاء: سلّطَ اللهُ تعالى عليهِ الوَرى وحُمّى خَيْبَرى. يُقالُ ورَى القَيْحُ جوفَهُ يَرِيَهُ وَرْياً إذا أكلَهُ. قال عبدُ بن الحَسْحاس: وراهُنَّ رَبّي مثْلَ ما قدْ ورَيْنَني ... وأحْمى على أكبادِهِنّ المكاوِيا وهذا حديثٌ يشهدُ لنفسِه بأنهُ ﷺ قصدَ به زماناً مُعَيَّناً، وخصّ به قوماً مُعَيّنينَ، ولم يُجِزْه على الإطلاق؛ دليلُ ذلك ما مدحَ الشّعرَ به وأعظمَهُ بسببه، وكونُه ﵇ سمِعَ الشِّعْرَ في الرّجزِ والقصيد، واستَنْشدَهُ وتمثّلَ به مكسورَ الوزنِ، وفي رِواية: صحيحَ الوزنِ، وأمرَ شراءَه بهجاء مَنْ هجاهُ، وحثّ عليه ودعا إليه. ولهُ شعراءٌ معروفونَ من الأنصار وغيرهِم، ولم يبْقَ أحدٌ من صحابتهِ إلا وقال الشِّعْرَ قليلاً أو كثيراً، وأنشدَ واسْتنشدَ وتمثّل به واحتجّ، وكاتَبَ وراسلَ. وإذا ثبَتَ أنه لقومٍ مخصوصين، وبطَلَ أنه للعمومِ والإطلاقِ، كانَ في تأوُّلهِ ضرْبٌ من التّكَلُّفِ. ولا بأسَ بذكرِ شيءٍ مما قد تأوّلهُ بهِ العلماءُ. فمن ذلك ما رواهُ الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: (لأن يمتلئَ جوفُ أحدِكم قيْحاً حتى يَرِيَهُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شِعراً هُجيتُ به) ، وفي حديث عائشةَ رضيَ الله تعالى عنها من مهاجاةِ رسولِ الله ﷺ . قُلنا: هذا حديثٌ لا يَصِحُّ من وجوهٍ: منها: أنّ الكلبيّ قد طعَنَ عليهِ أصحابُ الحديثِ، وقولُه غيرُ موثوقٍ به عندَهم. ومنها أنّ حِفْظَ البيت الواحد مما هُجِيَ النّبيُّ ﷺ به، يَري قَيْحُهُ ولا يَتوارى قُبْحُه فضلاً أن يمتلئَ الجوفُ به.

стр. 67

ومنها أنّهُ لو أراد بهِ هِجاءَ نفسِه الشريفةِ لصرّحَ بكُفْرِ المُتَلفِّظ به فضلاً عن المتحفِّظِ له المالئِ بطنَه به؛ إذ لا خِلافَ بينَ المسلمين أنّ مَنْ سَبّ رسولَ الله فقد كفَر، والسبُّ جزء من الهَجْو. وإذا بطَلَ ذلك كان المرادُ به ذمَّ من جعلَ دأبَهُ تحفُّظَ الأشعارِ الرقيقةِ، والأهاجي الدقيقةِ حتى شغلَهُ ذلك عن معرفة ما يجبُ عليه من أمر دينه وإصلاحِ دنياه. وقيل: إنّما عنَى شُعراءَ أعداء اللهِ وأعداءِ رسولِه الذين هجَوْا وثلّموا أعراضَ أصحابِه، ورَثَوْا قتلَى المُشركين ببَدْرٍ وغيرِه، وأبّنوهُم وذَكروا فضلَهم. ولما كان حفظُ ذلك من الأوضارِ الدنيئة، قابلَهُ ﷺ بالقَيْحِ الذي تعافُه النفسُ وتنفرُ منهُ الطبيعةُ مُبالغةً في قَذارتِه. وقال أحمدُ بنُ حنبل رحِمَه اللهُ تعالى: إنّما يُكْرَه من الشِّعرِ الهجاءُ والرقيقُ الذي يُتَشبَّبُ فيهبالنساء فتَهيجُ له قلوبُ الفتيان. فأما سوى ذلك فما أنفَعهُ. وقال النضْرُ: كيفَ تمتلئُ أجوافُنا - يعني بالشِّعرِ - وفيها القرآنُ والفِقْهُ والحديثُ وغيرُ ذلك. وإنما كان هذا في الجاهلية، فأما اليومَ فلا، وتمسَّكَ الذامُّ للشِّعرِ والشُعراء بقوله تعالى: (والشعراءُ يتّبِعُهم الغاوُونَ، ألَمْ ترَ أنّهم في كلِّ وادٍ يَهيمون وأنهم يقولون ما لا يَفعلونَ) . والجوابُ عن ذلك أنّ المتمسِّكَ بذلكَ المُحْتَجّ به لا عِلْمَ له بمعاني القرآن المجيد، فإن هذه الآية مختصةٌ بشعراء الجاهلية. ورُوي عن عِكرمة أنه قال: معنى هذه الآية أنّ شاعرَيْن تَهاجَيا بالجاهلية، فكان مع كلّ واحدٍ منهما فريقٌ من الناس يتّبعُهُ، ويحفظُ عنه ما يختَرِعهُ. ورُوي عن الحسنِ في قوله تعالى: (ألمْ تَرَ أنهم في كلّ وادٍ يهيمون) أنه قال: قد رأينا أودِيَتَهم التي كان يهيمونَ فيها مرّةً في مديحٍ ومرّةً في هجاء. ورُويَ عن ابن مجاهدٍ أنه قال: إنّما يَهيمونَ في كلّ فنٍّ يَفْتَنّونَ فيه من فنونِ الشعرِ. وقيل في قوله تعالى: (وأنّهم يقولونَ ما لا يَفعلون) ، أي يدّعونَ على أنفسهم أنهم قتَلوا وما قتَلوا، وزَنَوْا وما فعلوا، وما شابَه ذلك ... وأقوالُ المفسّرينَ في ذلك كثيرةٌ شهيرة، ولا نزاعَ في اختصاصِ الآية بشعراء الجاهلية حتى نُبسِّطَ القولَ في ذلك. ثم مِنْ جهْلِ المحتجّ على الشُعراء بهذهِ الآية كونهُ لم يعلمْ بمَنْ استُثْني فيها، وتَلا أوَّلها ونسِيَ آخرَها وهو قولُه تعالى: (إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ وذكَروا اللهَ كثيراً وانتصَروا من بعدِ ما ظُلِموا) . الذين آمنوا هُمُ المُخضرمونَ كانوا جاهليةً وأدركَهُم الإسلامُ فحسُنَ إيمانُهم، ثمّ وصفَهم تعالى بعمَلِ الصالحات لما أجابوا مُنادي الرسولِ واتّبَعوا سُنّتَهُ القويمةَ ووقفوا عندَ أوامرهِ ونواهيهِ، وأثنى عليهم بكثرة ذكرِهم لله تعالى، وذَكَر حُلومَهُم الرزينةَ بقوله: (وانتصَروا من بعدِ ما ظُلِموا) . فإنّهم لما هجَتْهُمْ قُريشٌ وهيّجَتْهُم، وبدأتْهُم بالأذى وأحفظَتْهم، استأذنوا الرسول ﷺ ، فأذِن لهم في الانتصارِ منهم، فكيفَ تركَ ذكْرَ هؤلاءِ وما قد وصفَهُم اللهُ تعالى به، واحتجّ بذكرِ شعراء الجاهلية، لوْلا العدولُ عن الحقّ والحَيرَة في تلكَ الطُرق.

стр. 68

وتمسّك الذّامُّ للشِّعر والشُعراء بقول مَنْ قال: الشعرُ أخبثُ طُعمة تؤْكَل، وأفحشُ صِناعةٍ تفعمَل، وأرجسُ قِدْحٍ يُلْمَس، وأبخسُ ثوبٍ يُلبَس، لأن قولَ شاعرِه زُورٌ وثناءهُ غُرورٌ، ولفظهُ فُجور، وهو مُستثْقَلٌ مهجور، إنْ بعُدَ خِيفَ شَذاهُ، وإن قرُبَ لم يُومَنْ أذاه، وإنما غايةُ الشاعر إذا اسحنفرَ في مَيدانِه، وأطلقَ عِنانَ لسانِه، وتبوّعَ في القولِ بجُهدِه، وتدرّع في الوصفِ بجدِّه، واحتفلَ لبلوغِ شأوهِ عندَ من يجتديهِ، وترامَى الى أقصى بُغْيَتِه عندَ من يعتريه ويعتفيه، أن يُفرِّقَ في وصفِ جمَلٍ ويُطنِبَ في مساءلة طَلَل، ويبكي على رسْمٍ داثرٍ، ويقِفَ ويستوقفَ على رُمادٍ ثائر، ويرحِّل النوقَ والجمالَ، ويصفَ قطْعَ المفاوزِ وتعسُّفَ الرمالِ، ويذكرَ ورودَ المياهِ الأواجنِ، ومصاحبةَ الغِلانِ والسَّعالى في تلك المخارمِ. وأيُّ عقْلٍ أقلُّ، ورأيٍ أجوَرُ وأضلُّ، من عقلِ رجُل انتصبَ لسماعِ ذلك، ورأي شاعرٍ أتعبَ نفسَه وكدّ حِسّهُ في وصفِ بقَرٍ وسؤالِ حجرٍ. ثم إنّ الشاعرَ إذا نظمَ قِطعةً، واختطفَ معنىً، استصغرَ من الشعراء الصّدْرَ الأوّل، واستحقرَ من العلماءِ الخليل والمفَضَّل، وليس عنده سوى لُمَع قد أخذها من بطون الكُتبِ وصحّفها من مُتونِ الصُّحُف، ولم يتدرّجْ الى معرفة أدبٍ بطولِ صُحْبَة ولا بقديمِ رياضةٍ، وإذا لم تَطُلِ الصُحبةُ لم تُعرَفِ المظَنّةُ، وللعِلمِ سرٌّ، مَنْ قصّر عن مكانِه لم يُعَدَّ من إخوانِه. وكم من شاعرٍ قد ابتُلي به مَنْ أنعمَ عليه وأحسنَ إليه، فقابلَ الإحسانَ بالإساءةِ، والإنعامَ بالانتقام، وحُسْنِ الصنيع بقُبحِ التضييع، حتى أذاقَه بعدَ حلاوةِ مدائحهِ ومرارةَ هجائه، وجرّعهُ غُصَص ثَلبه ومضضَ ذمّه، ناقِضاً لما أبرَم، هادِماً لما شيّدَ، ومكذِّباً نفسه فيما قدّم، لا تصْرِفُه عنهُ أنَفَةٌ، ولا يرْدَعُهُ حياءٌ، ولا يقذُعُه دينٌ، ولا يزَعُهُ تُقَى. وكم من كريمِ الطرفينِ، عالي الجدَّيْن، صريح النسب، صحيحِ الحسَب، عظيم الرُتَب، شريفِ الأم والأب، قد قذَفَه بهَجْو، زَنيمٌ في نسبهِ، لئيمٌ في ادّعاءِ أبٍ غيرِ أبيه، وضيعٌ قدْرُه، حقيرٌ أمرُه. وكم من حُرّةٍ كريمةٍ وعفيفةٍ مأمونةٍ، ومخَدَّرةٍ مصونةٍ، قد هتَك الهجوُ خِدرَها، وكشفَ عنها سِتْرَها، فشمِلَها العارُ، وحلّ بها الشَّنار؛ فهي لا تطيقُ لذلك دِفاعاً ولا تجدُ منه امتناعاً. وأيّ مصيبةٍ أعظمُ ورزِيّةٍ آلمُ من شاعرٍ رمَى حُرمةَ مُحسنٍ إليه بقَذْعِه، ووسمَ جهةَ مُنعمٍ عليه بقذفِه، فلزمَهُ عارُ هجائهِ لزومَ طوْقِ الحمامةِ، الى يومِ القيامة، وإنما يُكرَمُ الشاعرُ مخافةً من شرِّه، وحَذَراً من بذيء لسانِه وقلِّ دينِه وعدمِ مُروءَتِه. وقد قال ﵇: (إنّ شرّ الناسِ من أُكرِمَ مخافةً من شرِّه) . ومتى أنشدَكَ شاعرٌ هِجاءً قد مزّق به عِرْضَ مُسلمٍ أو عَرَضَ عليكَ سبّاً قد قذَفَ به حُرمةَ بريءٍ مُستسْلِمٍ، فإنما قصدَ بذلك أن يُريَك حُمّتَه، ويذيقَكَ سِمامَهُ، ويعرِّفَكَ كيف يفوِّقُ سِهامَهُ، ويخوِّفَك ميسَمَهُ، ويحذِّرَكَ مِكواتَهُ. فكم من كريمٍ جعلَهُ الشعرُ بخيلاً، وصريحٍ في قومهِ تركَه دخيلاً، وشُجاعٍ صيرهُ جباناً، وأمين غادرَه خَوّاناً. ألا ترى الى أبي نواسٍ وإحسنِ بني برْمَكٍ إليه، وإقبالِه بالمدائِحِ عليهم، وإقبالِهم بالصِّاتِ عليه؛ فمن جملةِ قوله فيهم: سَلامٌ على الدُنيا إذا لم يكُنْ بها ... بَنو برْمَكٍ من رائِحينَ وغادِ وقد عرفَ الناسُ كافةً اشتهارَ بني برمَكٍ بالجودِ واختصاصَهم ببذلِ الموجودِ، فلم يستحي أبو نواس من إحسانِهم إليهِ وتكذيبِ الناس له حتى وسمَهُمْ بالبُخلِ، ودعاهُم بالشح، خارقاً للإجماعِ فيهم، وجاحداً لاصطناعِهم له، حتى قال من جُملة هجائِه فيهم: بني برْمَكٍ باللّؤْمِ والبُخْلِ أنتُمُ ... حقيقونَ لكِنْ قد يُقالُ مُحالُ وقد يهجو جعفراً: ولو جاءَ غيرُ البُخْلِ من عندِ جَعْفَرٍ ... لما أنزلوهُ منه إلاّ على حُمْقِ أرى جعفراً يزدادُ لؤماً ودقّةً ... إذا زادَهُ الرحمنُ في سَعَةِ الرِّزْقِ وكذلك صنع أبو نواس مع الخَصيب فإنّه بعد قوله فيه:

стр. 69

إذا لم تزُرْ أرضَ الخصيبِ رِكابُنا ... فأيُّ فتىً بعدَ الخصيبِ تزورُ يقول: خُبْزُ الخصيبِ مُعلَّقٌ بالكَوْكَبِ ... يُحْمى بكلِّ مثقّفٍ ومشَطَّبِ وهذا أبو الطّيِّبِ وفدَ على كافورٍ الإخشيديّ مُستَميحاً، وقدِمَ عليه يوسِعُه ثناءً ومديحاً، فمِنْ جُملةِ قوله فيه: قواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غيرِه ... ومَنْ قصَدَ البحْرَ استقلّ السواقِيا فلما واصلَهُ كافورٌ بصلاتِهِ وأسرفَ في بذْلِ أموالِه لهُ وأعطياتِهِ، كرّ راجعاً عليه بذَمِّه، نافثاً في فَمِ عِرضِهِ قواتِلَ سمِّه. وقد قال ﵇: (حرامٌ على النفسِ الخَبيثَةِ أنْ تخرجَ من دارِ الدُنيا حتى تُسيءَ الى مَنْ أحسنَ إليها) . ولما سُئِلَ أبو الطيبِ عن موجِبِ ذمِّه كافوراً زعمَ أنه منعَهُ من قصدِ المُلوكِ، وإراقةِ ماءِ محيّاه لدى الغني والصُّعلوك، وضمِنَ له على نفسهِ العوَضَ عمّا خيّلتْهُ المطامعُ في ذلكَ الغرَض. ولم يقدرْ على الاحتجاجِ بتقصيرٍ صدرَ من كافور، فهل هذا ذنبٌ استحقّ بهِ أن يقولَ بعدَ ذلك المدح فيه: من علّمَ الأسودَ المَخْصيَّ مَكرُمَةً ... أقَوْمُهُ البيضُ أمْ آباؤهُ الصِّيدُ ولو عدَدْنا مَنْ فعلَ ذلك من الشُعراء، ومن قابَلَ منهم الإحسانَ بالذّمِّ والهجاءِ، لصنَّفْنا في ذلك كُتُباً، وأوردْنا منه طريفاً عجَباً. هذا زُبدَةُ من مَخَّضَ وِطابَهُ في ذمِّ الشعرِ والشُعراء، ونبذِه ونبْذِهمْ من الجَفوةِ بالعَرا والعراء. وسنذكُرُ الجوابَ عن ذلك مختصراً إن شاءَ اللهُ تعالى. الجوابُ وبالله التوفيق: اعْلَمْ أيّها الذامُّ، أصلحكَ اللهُ تعالى، أنّ الحقّ غيرُ ما توخّيْتَ، والصِّدقَ غيرُ ما آخيْتَ، ومَنْ نازَعَ في أمرٍ ولم ينافِرْ الى حاكمٍ غيرِ نفسِه، لم يظْفَرْ بمحجّةٍ حُجَجِه وكشْفِ لَبْسِه، ومن سوّلَ لهُ الشيطانُ في خلواتِه أمْراً فرضيَ بهِ، وأطْباهُ هواهُ لغرَضٍ فقادَه الجهلُ إليه، لم يزَلْ في مضَلّةٍ عن الحقِّ وحَيْرةٍ مظلمةٍ في تلك الطُرُق؛ والعُجْبُ بالرأي آفةُ العقلِ، والقلوبُ مع الأهواءِ سريعةُ التقلُّبِ؛ سيّما إذا لم يكنْ لَها قائدٌ من الإنصافِ بصير، ولا معينٌ من الإرشادِ نصير. ولم يكُنْ لأوَدِها مثقِّفٌ ولا مُقوِّمٌ، ولا في مُجْهِلها هادٍ ولا معلِّم، ومن رضيَ شيئاً شَنِئَ ضدّهُ، واحتجّ لباطلِه جُهْدَه، وتسخّطَ ما خالَفَه، وأنكرَ منه ما عرَفَه، وكان لِما انهدَم منه مُشيِّداً، ولما شرَدَ من محاسنِهِ مقيّداً، وعمّا عرضَ عن مساوئِهِ حَيوداً مُعْرِضاً. وليسَ من العدلِ ما أنتَ عليهِ، ولا من الإنصافِ ما ذهبتَ إليه، والعِلمُ غير ما توهّمتَ، والأدبُ ليسَ كما زعمتَ. وإنّما العِلمُ مَنيعُ الحِمى، صعْبُ المُرتَقى، لا يُنالُ بالمُنى، ولا يُدرَك بالهُوَيْنا، ولن يَحْظى به إلا مَنْ أحبّهُ لنفسِه ونفاستِه، وطلبَهُ لذاتِه ولَذاذتِه، وتعشُّقَه لعَيْنِه ومزيّتِه، وكانَ مُؤْنِسَهُ في الوحشَةِ، وثانيه عندَ الوَحْدةِ، يتكثّرُ به لدى القِلّةِ، ويعتزُّ بهِ في حالِ الذِلّةِ. ولن يُعطيكَ بعضَهُ حتى تُعطِيَهُ جملتَك، ولا يُصحِبُ إليكَ حتى تُلقيَ نفسكَ عليه، وربّما كان مع ذلك عزيزاً عليك مرامُه، بعيداً من يَدِكَ منالُه. ألا تراهُ لمّا دخلَ فيه مَنْ ليسَ هو منه، واقتنعَ باسمِه دونَ عَيْنِه وجسمِه، كيفَ ذهبَ بهاؤه، وغاضَ رونقُه، واستحالَتْ نضارتُه، وتعطّلَتْ سُنَنُه وطُمِسَ سَنَنُه، واستُخِفَّ بقدرِهِ واستُهينَ بأمرِه، ونُبِذَتْ رسومُه، وأقْوَتْ رُبوعُه، ونُقِضَتْ شروطُه، واستُحْدِثَتْ فيه البِدَعُ، وظهرتْ فيه الشُنَعُ، كقولِ الأول: لمّا ادّعى العِلْمَ أقوامٌ سواسيةٌ ... مثل البهائمِ قدْ حُمِّلْنَ أسفارا غاضَتْ بشاشَتُهُ واغتاضَ حاملُهُ ... وصوِّعَ الروضُ منه واكتسى عارا

стр. 70

ويجبُ، أيها الذامُّ أن تعلمَ أنّ الشعرَ كلامٌ، وفي الكلام الجيِّدُ والرديءُ، وما يُكتسَب به الثوابُ، وما يُجتَلَبُ به العقابُ، وما تُبتاعُ به الجنان، وما تُشْتَرى به النيرانُ. فكيفَ يُطلَقُ الذّمُّ على الجميع، ويُؤْخَذ الرفيعُ بالوضيعِ، ويُلحِقُ بالشعرِ كلِّه كراهيةً تختصُّ ببعضِه. وقد قال ﵇: (الشّعرُ كلامٌ، حسنُهُ كحَسَنِ الكلامِ، وقبيحُه كقبيحِ الكلام) . واعْلَمْ أنّ الشُعراءَ بشَرٌ وفي البشر الصالِحُ والطالِحُ، والعاقِلُ والجاهلُ، والمحمودُ والمذموم. وليس من العقل والعدْلِ أن نجِدَ في رجلٍ خَلّةً مذمومةً فنَذُمَّ من أجلِها كلَّ من تسمّى باسمِه، وكلَّ منْ انتسبَ الى أصلهِ وجِذْمِه، وكلَّ داخلٍ في صناعتِه، وكلَّ معدودٍ من جماعتِه. وهل يَحسُنُ باللبيبِ العاقلِ أن يَرى كاتِباً لحّاناً، رديئاً خطُّه، مُخطِئاً شكلُه ونَقْطُه، فيَذُمَّ من أجلِه كلَّ كاتبٍ، ويُبْعِدَ لبُغضِه كلَّ ضابطٍ وحاسِب؟ هل يُعَدُّ فاعلُ ذلك في جملةٍ المكلّفين؟ كلاّ واللهِ ولا في زُمرةِ المحَصِّلين. وكذلك كلُّ صِناعةٍ إذا برّز واحدٌ فيها وأجادَ، فما يستحقُّ جميعُ أهلِها المدْحَ، كما أنه إذا قصّر واحدٌ فيها وأخطأ لا يُلْحَقُ بكلّ أهلِها الذّمُّ، وإنما من العدلِ والإنصافِ، وشِيَمِ الكُرَماءِ الأشرافِ، أنْ يُعْطى كلُّ شيءٍ قِسطَه، ويوفَّى كلُّ ذي قسمٍ حقَّهُ، فيُلْحَقُ المدحُ بأربابِه والذمُّ بأصحابه، كما قال فيمن يستحقُّ المدحَ: (نِعْمَ العبدُ إنّهُ أوّابٌ) . وقال تعالى فيمن يستحقّ الذّمَّ: (عُتُلٍّ بعد ذلك زَنيم) ولا يفجَرُّ الإنسانُ مع هَواهُ، الى غايةٍ تهوي به في رَداه. واعلَمْ أيُّها الذامُّ أنّ الشِّعرَ صِناعةٌ عزيزة شريفةٌ يخْلُدُ ذكرُها خُلودَ الدّهرِ، ويَبْقى فخرها بقاءَ الأبدِ. ومن لم يجْرِ في مَيْدانِ النّظْمِ، ولم يبرِّز في رِهانِ الحِذْقِ والفَهْمِ، ولم تَرُضْ قَريحتَهُ رياضةُ القَريض، ولم يدْعَكْ خاطرَهُ تنافُرُ القوافي دعْكَ الأديمِ، وتأبى عليه المعاني إباءَ الصّعْبِ الجَموحِ، وتعْتاصُ عليه الألفاظ العذبةُ الحلوةُ اعتياصَ البطيءِ الطليحِ، ويصعُبُ عليه ردُّ الشواردِ من مقاصدِه، ويمتنعُ عليه الخروجُ من النّمَطِ الموضوعِ والحدِّ المحدود الى غيرِه من التّفنُّنِ في الصّفاتِ والتشبيهاتِ، لم يعلمْ بحقائقِ الشِّعْرِ ودقائقِ المعاني، ولم يعرفْ هل يستحقُّ قائلُهُ المدحَ أو الذمَّ، اللهمّ إلا إن كان مُقلِّداً لا مُنتقِداً. وأما صفةُ العربِ للديارِ والآثارِ، ووقوفُهم على الرسومِ والأطلالِ، وتشبيهُ النّساءِ بالظِّباءِ والآجالِ، الى غيرِ ذلك من صفاتِ المخارمِ والفِجاجِ، والتهويمِ والإدلاجِ، فإنهم في ذلك مَعْذورونَ غيرُ ملومينَ، لأنهمْ جَرَوْا فيه على سُنن السّلَفِ ورسمِ من تقدّم منهم. ولم يصِفوا وينْعَتوا ويشبّهوا ويمْدَحوا ويذمّوا إلا ما هو تِجاهَ أعينهِم لا يُعاينون غيرَهُ، ولا يُعانون سِواه، ولكلِّ قوْمٍ سُنّةٌ بها يَستنّونَ، ووتيرةٌ عليها يَحومون وإليها يَرْمون. فمن أضاعَ ذلك منهم كان خارِجاً عن مذهبِه، مخالِفاً لطبيعتِه، ساقِطاً من وراءِ حدّه. كما أنّ المولَّدَ من الشُعراء إذا ترَكَ صفاتِ القدودِ القويمةِ والخدودِ الوسيمةِ والألحاظِ الرطبة، والألفاظ العذبة، والتشبيهِ بالوردِ والندِّ والكثيب، والغصنِ الرطيب وما أشبهَ ذلك، وتعاطى صفات الديار، والآثارِ والمذانبِ والآبارِ، والسانيةِ والغرْبِ، والرِّشاءِ والعِناج والكَرَبِ، وغير ذلك، كان خارجاً عن حالِه، مُخالِفاً لمَذْهَبِه ورجالِه، مُستَهْجَناً فيما يورِدُهُ من ذلك، متكلِّفاً لما يُلفِّقُهُ منه. ولكلّ قومٍ مذهبٌ يليقُ بهم ويُسْتَحْسَن منهم. وأوّل مَنْ شرَع ذلك واستنّه للعربِ فاتبعوهُ، وفتَح لهم بابَهُ فاقتحموهُ ووَلَجوهُ، امرؤ القيس بن حُجْرٍ، فاستحسنَتِ الأعرابُ صفاتِه وتشبيهاتِه، وسلكوا سبيلَه، وتقبّلوا مذْهبَه وقِيلَهُ.

стр. 71

فاعرفْ أيّها الذامُّ ذلك، وإياكَ أن تتعرَّضَ لذمِّ فضيلةٍ جليلةٍ قد مُدِحَتْ على لسانِ سيّدِ البَشَر، وأشرَفِ مُضَرَ، أو تنالَ من أديبٍ ذي خصيصةٍ لا تُرتَقى درَجَتُها ولا تُتقَى فِراسَتُها، فكم من رفيعٍ اتّضعَ، وعزيزٍ ذَلّ وخضَعَ، بتعدِّيه على الأدباءِ وتنقُّصِهِ منازلَ الفُضَلاء، ومن بُنيانٍ انهدم، وسُلطانٍ عُدِمَ، وقِرانٍ عبَرَ، وشَرْعٍ نُسِخَ، وعَقْدٍ مُحْكَم فُسِخَ، ومعالِمُ الشِّعرِ قائمةٌ لا تُلوى، وأعلامُه منشورةٌ لا تُطوى، ورياضُهُ مونِقَةٌ غيرُ خاويةٍ، وأغصانُه مورِقةٌ غيرُ ذاويةٍ، يُحلِّمُ السفيهَ، ويُجمِلُ النبيهَ، ويُريقُ الدماءَ ويحقُنُها، ويذيلُ الأعراضَ ويحصِّنُها، يقرِّبُ المآربَ الشاسعةَ ويُنئيها، ويبعدُ المطالبَ الواسعةَ ويدنيها، وينفعُ ويضرُّ، ويسوء ويسرُّ، ويعزِلُ ويولّي، ويُفقِر ويُغني: فمن ذا رأى في الوَرى خَصْلةً ... تقرِّبُ نأياً وتُنْئِي قريبا تُميتُ وتُحيي بأقوالِها ... وتُفقِرُ خصماً وتُغني حَبيبا وأما قولُنا في أول الفصل: وهل تعاطيه أصلَحُ أم رفضُه أوفر وأرجحُ، فالجواب: كيفَ يكون ترْك الفضائلِ خيراً من تعاطيها، واجتنابُ المناقِبِ أصلحَ من مواصلَةِ مَعالِيها، وما علِمْنا أنّ أحداً من البشَرِ استطاعَ نظمَ الشِّعرِ وكان فيه مُجيداً، وتركَ ذلك، ولم يكنْ يشتهرُ به وينتسبُ إليه، إلا أن يكونَ فيه مُقَصّراً، وعن السوابقِ سُكَيتاً آخِراً، فيجوزُ أن يتركَهُ لعجزِه عنه، ونفوذِ جيّدِه منه. كما نُقِلَ عن المأمونِ لمّا قيلَ له: هلاّ نظمتَ شِعراً، فقال: يأْباني جيّدُه وآبى رَديئَه، وله مع هذا أشعارٌ كثيرة مشهورة. ولو عدّدْنا مَنْ تعاطى نظْمَ الشِّعرِ من الخُلفاءِ، والملوكِ والأمراءِ والوزراءِ، والقُضاةِ والزُهّادِ، والقوادِ والعلماء والأشْرافِ، لأفرَدْنا له كِتاباً يجِلُّ رقمُهُ ويثقُلُ حجمُه. حتى إنّ جماعةً من ملوكِ بني بُوَيْه رَشَوْا جماعةً من الشُّعراءِ حتى نظَموا لهم أشعاراً فنَسبوها الى أنفسهِم، ودوّنوها على ألسنتِهم؛ لِما في ذلك من المنزلةِ الرفيعةِ، والخَلّةِ الجميلةِ، والمَنْقَبَةِ الجليلةِ، والفضيلةِ النبيلة. ولولا ذلك لما تحلّوْا بحُلِيّه ولا تزَيّنوا بجلابيبِه.

стр. 72

وقد رُويَ عن جماعةٍ من الصّحابةِ أشعارٌ كثيرةٌ حتى دوّنوا لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ ديواناً، ورَوَوْا فيه أشعاراً حِساناً. فأما النبي ﷺ فقد قال اللهُ تعالى فيه: (وما علّمناهُ الشِّعرَ وما ينْبَغي له) ليكونَ ذلك أبلغَ في الحُجّةِ على من زعَم أنه كاهِنٌ، ومرةً ساحِرٌ، ومرة (شاعرٌ نتربّصُ به ريْبَ المنون) ، (وقالوا أساطيرُ الأوّلينَ اكتَتبَها) ، وقالوا (أضغاثُ أحلامٍ بل افتراهُ بل هو شاعِرٌ) . فمنعَهُ الله تعالى من الشعر تكْرِمَةً له لمّا كان الشّعرُ ديْدَنَ أهلِ عصرِه الذي بُعِثَ فيه، وحُظِرَ عليه ذلك دَلالةً على صِدقِه وشهادةً على بُطلانِ قوْلِ المُبْطلينَ في حقِّه، وتنزيهاً له من افترائِهم عليه، وزيادةً في الحجّةِ له. وأنزلَ عليه القرآنَ المجيدَ الذي (لا يأتيه الباطلُ من بين يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِه) الذي لو اجتمَعَتِ الإنْسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِه، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً ما أتَوْا. فأقبل ﷺ يتحدّاهُم فريقاً فريقاً بأن يأتُوا بمثلِه، فلا يَقْدِرونَ عليه. ولو كان شعْراً وطالبَهم بمثلِه لسهُلَ عليهم، وكان موجوداً لديهم. وما كان منْعه ﷺ من الشعر إلا فضيلةً ومصلحةً وإكراماً وتطهيراً. وليس على الشعرِ بذلك نقيصةٌ ولا عارٌ، ولو كان كلُّ ما منَعَهُ الله تعالى منه حتى لا يرتابَ المُبطلونَ نقيصةً لذلك الفنِّ لكانَتِ الكتابةُ نقيصةً لمّا جعلَهُ اللهُ أمِّياً لا يكتبُ ولا يقرأ؛ ليكونَ أوْكَدَ سبباً، وأعلى شأناً، وأشهرَ مكاناً، ولذلك قال الله تعالى: (وما كنتَ تتْلو من قبْلِه من كتابٍ ولا تخُطُّه بيَمينِكَ إذاً لارتابَ المُبْطلونَ) . فإن كان منْعُه من الشِّعرِ مذمةً ونقيصةً للشعرِ والشُعراءِ، فمنْعُهُ من الكتابةِ مذمّةٌ ونقيصةٌ للكتابةِ والكتّابِ، ومعاذَ اللهِ أن يقولَ ذلك عاقلٌ، والله تعالى يقول: (اقرأْ وربُّكَ الأكْرَم الذي علّمَ بالقلَم) وقال تعالى: (كِراماً كاتِبين) يعني الملائكةَ. وقد جعلَ اللهُ تعالى أهلَ بيتِ رسولِه ﷺ وأصحابه وإخوانه كُتّاباً وحُسّاباً، كما جعلَ منهم شُعراء ورُجّازاً. وكان من أزواجِه ﷺ مَنْ يكتبُ ويقرأ؛ وهنّ حَفْصَةُ بنتُ عُمر، وعائشةُ بنتُ أبي بكر، وأمُّ سَلَمة، رحِمَهُم الله تعالى جميعاً. ورَوَوْا عنه ﷺ أنه كان يومَ الأحزابِ ينقلُ الترابَ ويقول: اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنا ... ولا تصَدّقْنا ولا صلَّيْنا ورووْا عنه ﵇ أنه كان يومَ حُنَيْن على بغلتِه البيضاءَ وهو يقول: أنا النّبيُّ لا كَذِبْ ... أنا ابنُ عبدِ المطّلِبْ ورووْا أنه ﷺ أصابَ إصْبَعَهُ الشريفةَ حجَرٌ فدَمِيَتْ، فقال: هل أنتِ إلا إصبَعٌ دمِيتِ ... وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيتِ وأقول: إنّ هذه الأخبارَ إذا صحّتْ فإنه ﷺ كان يتمثّل بها ولا يُقيمُ وزْنَها تصديقاً وتسليماً لِما أخبرَ الله تعالى به وهو أصدقُ قيلاً. فإنهُ يمكنُ أنهُ قد كان يقول: اللهمّ ما اهتدَيْنا لولا أنتَ ولا صلّيْنا ولا تصدّقْنا، ويقول: أنا النبيّ لا كَذِبا، أنا ابنُ عبدِ المُطّلِب، ويقول: هل أنتِ إلا إصبعٌ دمِيَتْ، وفي سبيل الله ما لقِيَتْ. أو ما يقاربُ هذا، وإنْ كانت هذه الأخبارُ غيرَ متَّفَقٍ عليها، فقد سقط التعليلُ.

стр. 73

وقيل: دخل أبو علي المَنْقَريُّ على المأمونِ وكان متّكئاً على فُرُشِه، قال له المأمون: بلغَني أنكَ أمِّيٌّ، وأنك لا تقيمُ الشِّعرَ، وأنّكَ تَلْحَنُ، فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا اللّحنُ فربما سبَقَ لساني بشيء منه، وأما الأمّيّةُ وكسرُ الشعرِ فقد كان رسول الله ﷺ لا يكتبُ ولا يُقيمُ الشِّعرَ. فاستوى المأمون جالساً وقد ظهرَ الغضبُ على وجهه وقال: ويلَك. سألتُك عن ثلاثةِ عيوبٍ فيكَ فزدْتَني رابعاً؛ وهو جهلُك وحمقُك، يا جاهل! إنّ ذلك كان في النّبي ﷺ فضيلةً، وهو فيكَ وفي أمثالِك نقيصةٌ ورذيلةٌ، وإنما مُنِع النبي من ذلك لنفي الظِّنةِ عنهُ، لا لِعيبٍ في الشِّعر والكتابةِ، ولا لنَقْصٍ لحِقَهما. فلما سمِعَ المنقريُّ ذلك قال: صدقتَ يا أميرَ المؤمنين، رُبَّ ظنٍّ عثَرَ على وهْنٍ. وقيل: من شرفِ ولَدِ فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ أنّ ما مِنْ أحدٍ وإنْ عظُمَ بيتُه وشرُفَ محتِدفه إلا ويودّ أنه فاطميٌّ. وكذلك أقول أنا: إنّ ما مِنْ أحدٍ وإنْ غلا قدرُه وعلا ذكرُه إلا ويودُّ أنه يحسِنُ قولَ الشِّعر، ويستطيعُ نظمَه، ليتجمّلَ به ويتزيّنَ بنسبه. وقال بعضُ النّاس: فما تقولُ في قوله ﷺ : (امرؤ القيسِ حاملُ لواءِ الشُّعراءِ يقودُهم الى النار) ، وهلْ هذا مدْحٌ للشعرِ أم ذمّ؟ قلت: إذا تأملتَ المقصدَ وحقّقْتَ المُرادَ وجدتَ المعنى ينساقُ الى مدحِ الشعرِ، وذلك أنه ﷺ أرادَ حاملَ لواءِ شعراءِ الجاهلية والكفارِ، الذي هجَوا رسول الله وهجوا المُسلمين واستحقّوا النار بكُفْرِهم لا بشعرِهم، ولا خِلافَ ولا نِزاعَ بين العُلماءِ في ذلك. ولو أراد العمومَ لدخلَ تحت ذلك أصحابُه المقطوعُ لهم بالجنّةِ، وأولياؤه المؤمنونَ به، والمهاجرونَ والأنصارُ والتابعون. ومعاذَ الله أنْ يذهبَ الى ذلكَ مسلِمٌ أو يقول به عاقلٌ أو عالِم. وإنما كان مقصِدُه ﷺ تفخيمَ حال امرئ القيسِ وتعظيم أمرِه وتقديمَ شِعرِه على أكفائِهِ ونُظرائِه، وأنهُ استحقّ عليهم التقديمَ والتفضيلَ بجَوْدَةِ شعرِه، وحُسْنِ معانيهِ وواقعِ تشبيهاتِه، فجعلَهُ لذلك عميدَهُم وسيِّدَهم والمتقدِّمَ عليهم وقائدَهُم. ولم يكنْ يستحقّ بكفرِه إلا النارَ وبحسنِ شِعره إلا التقدّمَ على الشُعراءِ، فكانت هذه الصّفةُ بهِ خليقةً، وسمَتُها به حقيقةً. فقدْ ظهرَ لك مدحُ الشِّعرِ في مَطاوي هذا الذمِّ. ومثْلُ ذلكَ ما حكاهُ الأصمعيُّ أنّ أعرابياً أتى ابنَ عمٍّ لهُ، فسألهُ في مهْرٍ لزِمَهُ فلم يعْطِهِ شيئاً وردّهُ خائباً، فأتى رجلاً من المجوسِ وشكى إليهِ ما كان من ابن عمّه، فأعطاهُ المجوسيُّ ما التمسَه، وأطلقَ لهُ ما كان ابنُ عمه عنه حبَسَه، فأنشأ قائلاً: كفاني المجوسيُّ مَهْرَ الرّبابِ ... فِدىً للمجوسيِّ خالٌ وعمّْ شُهِدْتُ عليكَ بطيبِ المُشاشِ ... وأنّكَ أنتَ الجَوادُ الخِضَمّْ وأنّكَ سيّدُ أهلِ الجحيمِ ... إذا ما تردّيْتَ فيمَنْ ظَلَمْ تُجاورُ فرعونَ في قعْرِه ... وهامانَ والمكتَني بالحَكَمْ لا ريبَ في أن الأعرابيَّ لم يُرِدِ الغضَّ والوضْعَ من المجوسيّ مع إحسانِه إليه عندَ حرمانِ ابن عمّه له، سيما وقد فدُ بطرفَيْه: خالِه وعمهِ، ولكنّه أرادَ تفخيمَ أمرِ المجوسيّ فجعله سيّدَ أهلِ الجحيمِ ومجاوِراً لفرعونَ وهامانَ وأبي جَهْل بن هشام، إذ لم يكن المجوسيُّ يستحقُّ إلا النّارَ، ولو كان مستَحقّاً للجنةِ لجعلَهُ مع أبرارها وأشرافِها، والمعنى ظاهر. وقيلَ لمّا سمِعَ حسّانُ قولَ رسولِ الله ﷺ في حقِّ امرئ القيس قال: وَدِدْتُ أنه قال ذلك فيَّ وأنا المُدَهْدَهُ في النار، حِرْصاً على بلوغِ الغاية القُصوى التي أوجبَتْ تفضيلَ امرئ القيس على سائر نُظرائِه، وتقديمَه على جميع أكفائِه. وسأل بعضُ الناس عن قولِ الرضيِّ الموسويّ: ما لكَ ترْضى أن يُقالَ شاعرٌ ... بُعْداً لها من عدَدِ الفَضائِلِ قُلنا: الرضيُّ كان طالِبَ منزلةٍ عظيمةٍ، ومحدِّثاً نفسَه بأمورٍ جسيمة: مُنىً إنْ تَكُنْ حقاً تكن أحسنَ المنى ... وإلا فقدْ قضّى بها زمناً رغْدا

стр. 74

فكلّ فضيلةٍ نبيلةٍ ومَنقَبة جليلةٍ عندَ بُغْيَتِه مُستَصْغَرةٌ، وكلُّ درجةٍ رفيعةٍ، وحوزةٍ منيعةٍ، عندَ طلبتِه نازلةٌ سهلةٌ، فمرادُه أن يقول: كيفَ ترضى لنفسِكَ أن يُقالَ عنك: هذا شاعِرٌ، مقتصراً على هذه السّمةِ، ومقتنعاً بهذه المنزلة، وواقِفاً على هذه الغاية، وتترك الجِدَّ والاجتهادَ في إدراكِ الرتبة التي أنت مؤمِّلُها، وتحصيلِ الأمنيّةِ التي أنتَ طالبُها. ثم قال: بُعْداً لها من عدَدِ الفضائِلِ، أي بُعْداً لهذه الفِعْلَةِ مما يعدَّدُ في الفضائلِ التي خُصصتَ بها، حثّاً لنفسِه وتحريضاً لها في طلَبِ أمْرٍ هو من الشِّعْرِ أعْلى محَلاًّ، وأغلى حِليّآً، وأوفى شرَفاً، وأوفرُ قيمةً، وأعزُّ موضِعاً، ولم يقصِدْ أنّ الشِّعرَ خَصلةٌ مرذولةٌ وخَلّةٌ مذمومةٌ. وكيف يذهبُ الى ذلك أو يدّعيهِ أو يقولُه، وبالشِّعرِ شُهِرَ اسمُهُ وأضاءَ نجمُهُ، وتوفّرَ من الأدبِ قِسْمُه، وأغرضَ في الفَخْرِ سهْمُه، وأفنى فيه عمرَهُ، وقضّى بمصاحَبتهِ دهرَهُ، ولو ادّعى أنّ الشِّعرَ خَلّةٌ رذيلةٌ ومنزلةٌ وضيعةٌ، لم يُلْتفَتْ إلى زعمِه، ولا اتّسَقَ له أن يحُجَّ بذلك حُجّةَ خصمِه، ولا قولُه فيه مقبول ولا مُسلّم إليه. وقد تقدّم من قولِ الرسول ﷺ في مدحِه ووصفِه وأقوالِ صحابتِه ما يدْحَضُ كلَّ حجةٍ، ويوضحُ في الفُلْجِ كلَّ محَجّةٍ. ومما يدُلّ على أن الرضيَّ كان يحدِّثُ نفسَهُ بما تُسْتَصْغَرُ معه المراتبُ الجليلةُ، والفضائلُ النبيلةُ، ما كاتَبَهُ به أبو إسحاق الصابئ الكاتب، إمّا مُستهزِئاً بهِ لاهياً، أو صادِقاً في مدحِه متناهياً، وهو: أبا حسَنٍ لي في الرّجالِ فِراسةٌ ... تعوّدْتُ منها أن تقولَ فتَصْدُقا وقد خبّرَتْني عنكَ أنّك ماجِدٌ ... ستَرقَى من العَلياءِ أبعَدَ مُرْتَقى فوفّيْتُك التعظيمَ قبلَ أوانِه ... وقُلتُ: أطالَ اللهُ للسيِّدِ البَقا وأضمرتُ منهُ لفظةٍ لم أبُحْ بها ... إلى أن أرى إظْهارَها ليَ مُطْلَقا يعني: السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين. فإنْ عِشْتُ أو إنْ مِتُّ فاذكرْ بِشارَتي ... وأوْجِبْ بها حَقّاً عليكَ مُحَقِّقا وكنْ ليَ في الأولادِ والأهْل حافِظاً ... إذا ما اطمأنّ الجَنْبُ في مَضْجَعِ النّقا لا ريبَ عندي أنّ أبا إسحاقَ لاهٍ في قولهِ، وأنّ باطنَهُ فيه ضدُّ ظاهرِه، وإنما أتاهُ بما يوافِقُ غرَضَهُ وتحدّثُه به نفسُه؛ ليحرِّكَ بمجونهِ ساكنَ منْجَنونهِ، كما قيلَ في المثلِ حرِّكْ لَها حُوارَها تحِنّ. وأعجبُ من هذا قبولُه لقولِه، وإجابتُه له بقصيدةٍ، منها: لَئِنْ برَقَتْ مني مَخائِلُ عارِضٍ ... لعَيْنَيْكَ تقضي أنْ يجودَ ويُغدِقا فليسَ بساقٍ قبلَ رَبْعِكَ مَربعاً ... وليسَ براقٍ قبلَ جوِّكَ مُرْتَقى وإنْ صدّقَتْ منه الليالي مَخيلةً ... فكُنْ بجديدِ الماءِ أوّلَ من سَقى وإنْ تَرَ ليْثاً لابداً لفريسةٍ ... يُراصِدُ غِرّاتِ المقاديرِ مُطْرِقا فما ذاكَ إلا أنْ يوفِّرَ طُعْمَها ... عليكَ إذا جلّى إليها وحقّقا فإنْ راشَني دهْرٌ أكنْ لكَ بازِياً ... يسُرُّكَ محصوراً ويُرضيكَ مُطلَقا أشاطِرُكَ العِزَّ الذي أستَفيدُه ... بصَفْقَةِ راضٍ إنْ غَنِيتَ وأمْلَقا فتَذهبُ بالشّطرِ الذي كلُّهُ غِنىً ... وأذهبُ بالشطرِ الذي كلُّه شَقا فغَيْري إذا ما طارَ غادرَ صَحْبَهُ ... دُوَيْنَ المعالي واقعينَ وحلّقا لعلّ الليالي أنْ يبلِّغْنَ مُنْيَةً ... ويقْرَعَنْ لي باباً من الحظِّ مُغْلَقا نَظارِ ولا تَسْتَبْطِ عزْمي فلَنْ تَرَى ... عَلوقاً إذا ما لَمْ تَجِدْ مُتَعلَّقا وإن قعَدَتْ بي السِّنُّ عنها فإنهُ ... سينهضُ بي مَجْدي إليها مُحَقِّقا فمَنْ في نفسِه مثلُ هذا كيفَ يَرى الاقتناعَ بمرتَبةِ الشعرِ ولا يقول: بُعْداً لها من عدَدِ الفضائل.

стр. 75

وفي هذا الجواب كفايةٌ، فقدْ أخذَ الفصلُ بحقِّهِ، واللهُ تعالى الموفِّقُ لسلوكِ طُرُقِه، إن شاءَ اللهُ تعالى. الفصل الخامس فيما يجب أنْ يتوخاهُ الشّاعرُ ويتجنَّبَه ويطّرحَه ويتطلّبَه يجب على الشّاعر أن يتجنّبَ سَفْسافَ الكلامِ، وسخيفَ الألفاظ، ونازلَ المعاني المسترَدَةِ، ووحشيَّ اللغةِ المتكلَّفَة، ولا يستعملُ التشبيهاتِ الكاذبةَ، ولا الإشاراتِ المجهولةَ، ولا الأوصافَ البعيدةَ، ولا العباراتِ الغثّةَ، ولا يختصر في موضع البَسْطِ، ولا يبسُطُ في موضع الاختصار. فإذا أراد أن يبني قصيدةً أو ينظم قطعةً صوّرَ المعنى في قلبه، ومثّلَهُ في نفسه كلاماً منثوراً، ثم أعدّ له ألفاظاً تُطابقه، واختار له من القوافي ما يوافقه، وجعله على وزنٍ يسْلسُ القولُ عليه، وينقاد المعنى إليه. فإذا نظم بيتاً تأمّلَهُ تأمُّلَ غيرِ راضٍ عن نفسه، ولا مغالطٍ لفهمه وحسِّهِ، وانتقدَه انتقاد متعنِّتٍ فيه، فإنْ وافق الصحّةَ، وجرى على منهاجِ الاستحسانِ، وإلا فالواجب عليه إسقاطُه. وإنِ اتّفقَ له بيتان على قافيةٍ واحدة، اختار الأوقعَ منهما وأبطلَ الآخرَ. ويجبُ على الشاعر أنه لا يُظْهِرَ له شعراً إلا بعد ثِقتِه بجودتِه وسلامتِه من العيوب التي نبّه عليها العُلماءُ وأمروا بالتحرُّزِ منها. ولا يسلكُ سبيلَ الأعرابِ فيما نَهَيْنا عنه في صدر الكتاب. وأمّا ارتكابُ الضروراتِ غير المحظوراتِ فيجوزُ استعمالُها وإن كانت عند المحققينَ عيباً، وقائلُها عندهم مسيئاً، إلا أنّ اجتنابَها مع جَوازها أحسنُ. ولا ينبغي الاقتداءُ بمن أساءَ من الشُعراءِ القدماءِ بل بمن أحسنَ منهم وأجاد. ولا يحذو إلا حذْوَ الشِّعر الجيّد، والنظم المختار، والطريقة الحسنة، والسُنّة الهادية، واللّفظ الرشيق، الحُلو اللطيف السّهلِ، الآخذِ بمجامع القلوب، المستولي على قُوَى النفوس، الواصلِ الى الأفهام من غير حجاب، الهاجمِ على العقول بلا مِطْرَقٍ ولا بوّاب، المُشاكلِ للأرواح لفظاً ورقّةً، وللسّحرِ حلاوةً ودقّةً. ويجبُ على الشاعر أن يتنكّبَ سرِقةَ الأشعارِ ويتجنّبَ الإغارةَ على المعاني، فإذا حاولَ النظرَ الى شيءٍ من ذلك جعل خاطرَهُ كوادٍ مُطمئِنٍ قد مدّتْهُ سيولٌ جاريةٌ من شِعابٍ مختلفة، أو كمَنْ ركّبَ طيباً من أخلاطٍ متغايرةٍ من الطيبِ، فلا يُعرَفُ أرَجُ ما ركّبَهُ من أي طيبٍ هو. ومما يُحكى في مثلِ ذلك أنّ خالدَ بنَ عبد الله القَسْري قال: حفّظني أبي ألفَ خطبةٍ ثم قال لي: تناسَها فتناسَيْتُها فغاضَتْ ثم فاضَتْ، فواللهِ ما أردتُ بعد ذلك شيئاً من الكلامِ إلا سهُلَ عليّ وعْرُه ولانَ لخاطري صعبُه. وينبغي للشّاعرِ أنه إذا نظمَ شِعراً يردِّده برفيعٍ من صوته، فإنّ الغِناءَ فيه يكشفُ عيوبَه، ويبيّنُ متكلَّفَ ألفاظِه؛ ألا ترى الى قولِ حسّان بن ثابت: تغنَّ في كلِّ شِعْرٍ أنتَ قائلُهُ ... إنّ الغِناءَ لهذا الشِّعْرِ مِضْمارُ وينبغي للشاعر أن يتأمّل مصراعَ كل بيْتٍ حتى يُشاكل ما قبلَه ويطابقَ ما تقدّمه، فقد عاب العلماء على خَلْقٍ من الشُعراء القدماء مثلَ ذلك، كقول الأعشى: أغَرُّ أبيضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بهِ ... لو قارعَ الناسَ عن أحسابِهمْ قَرَعاً فالمِصْراعُ الثاني غيرُ مُشاكِلٍ للأوّل، وإنْ كان كلُّ واحدٍ منهما قائماً بنفسِه، وهذا معنىً ينبغي مراعاتُه والوقوفُ عندَه. ومثله قول امرئ القيس: كأنّي لم أرْكَبْ جَواداً للذّةٍ ... ولم أتبطّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخالِ ولم أسْبأِ الزّق الرّويَّ ولم أقلْ ... لخَيْليَ كُرّي كرّةً عندَ إجْفالِ قال محمد بنُ أحمد بن طباطبا العلَوي: هذان بيتان حسنان، ولو وُضِعَ مصراعُ كلِّ واحدٍ منهما في موضع الآخر كان أشكلَ وأدخل في استواء النسج، فكأنْ يُقال: كأني لم أركبْ جواداً ولم أقُلْ ... لخيليَ كُرّي كَرّةً بعدَ إجفالِ ولم أسبأِ الزِّقَّ الرّويَّ للذّةٍ ... ولم أتبطّنْ كاعباً ذاتَ خَلخالِ وينبغي للشاعر أن يتجنّب الحشوَ الذي يفسُدُ به البيت، كقول الأعشى لمّا مدح قيْساً: ونُبّئْتُ قيْساً ولم آتِه ... وقد زعَموا، سادَ أهلَ اليَمَنْ
следующие страницы →