← Адаб

Адаб · id 629

نضرة الإغريض في نصرة القريض

المظفر بن الفضل

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المظفّر بن الفضل العلوي الحمد لله الباهرةِ آياتُه، القاهرةِ سَطواتُه، القديمِ إحسانُه، العظيمِ سلطانُه، السابغةِ مواهبُه، السايغةِ مشاربُه، الواسعِ جودُه، القامعِ وعيدُه، الجزيلِ حباؤُه، الجميلِ بلاؤُه، الجليلِ ثوابُه، الوبيلِ عقابُه، العزيزِ كتابُه، الوجيزِ حسابُه، لا تُحيطُ به المشاهِدُ، ولا يُدرِكُه المُشاهدُ، ولا تحجبُه الحواجز، ولا يوصَفُ بأنه عاجز. أرسلَ محمداً نبيَّهُ، وصفوَته وصفيَّه، صادِعاً بالحق، وصادِقاً في النطق، وموضِحاً جَدَدَ الطرق وناصحاً لجميع الخَلْق. فقام َ وأعلامُ الهُدى دارسةٌ، ومعالمُ التُقى طامِسة، والجهالةُ جائلة، والضلالةُ شاملة، فصدَعَ بما أُمِر، وصدّ عمّا أُنكِر، وهَدى الى الرّشاد، وهدّ ما أسّس الكُفْرُ وشاد. صلّى الله عليه وعلى آله مصابيح الظُّلَم، ومفاتيح النِّعَم، وشآبيب الحِكَم، وجلابيبِ الكَرَم، وعلى أصحابه المُنْتَجبين، وأحزابِه المُنتَخَبين، صلاةً دائمةً الى يومِ الدين. وبعد: فإني كنتُ بعضَ الأيام بمجلس مولانا صدر صدورِ الأنام، ملِكِ وزراء الشرقِ والغربِ، النافذةِ أوامرُه في البُعدِ والقُربِ، مؤيّد الدين رضيّ أميرِ المؤمنين أبي طالب محمّد بن أحمد أيّدَ اللهُ دولتَه، وأيّد كلمتَهُ، فلقد سجَدَتْ لآدابِه جباهُ المناقبِ وقبّلت أخامِصَ هِمَمِهِ شفاهُ النجومِ الثواقب. هِمَمٌ مُحلِّقةٌ على هامِ السُّها ... طلباً لمركزِ عُنْصُرٍ ونِجارِ ولكلِّ شيءٍ عُنْصُرٌ يأوي الى ... غاياتِ مركزِهِ بغيرِ نِفارِ فأدبُه يُفرِجُ عن الفَقْر من أسْرِ الأفكارِ، ومواهبُه تسْتَخرجُ الدُّررَ من سُررِ البحارِ، وأسواق الفضائلِ لديه قائمةٌ على سوقها، وأيْنُقُ الفواضل من بين يديهِ تساقُ بوسوقِها، وغَلْوةُ خاطرِهِ لا تصل إليها غاياتُ الطّوق، وإذا قيسَ به سواهُ قيلَ: شبَّ عمروٌ عن الطّوْق، دارُه بأرَجِ الأدبِ دارِين، ومحلُه بحلولِ البركةِ قَمين. دارٌ تَسيلُ بها سُيولُ فضائلٍ ... وفواضِلٍ لمُسائلِ أو سائلِ فالعُذْرُ مقبوضٌ بها عن آمِلٍ ... والعِلْمُ مبسوطٌ بها للجاهِلِ وقد جرى حديثُ الشِّعر وصِفاتِه، وتولُّجِ أبوابه وقَدْحِ صَفاتِه، وما يجوزُ فيه ويمتنعُ منه، وذِكرُ الفضيلةِ التي مُدِحَ بها والرذيلةِ التي ذُمَّ بسببِها، والبحثُ عن منافِعِه ومضاره، ونقائه وأوضاره، وهل تَعاطيهِ أصلحُ، أم تركُهُ أوفرُ وأرجَحُ. فكلٌّ من الحاضرين أتى بأغربِ ما سمعه، وأعجبِ ما ابتدعَهُ، وأطرفِ ما فَهمَهُ، وألطفِ ما علِمَهُ، فكان مع الإعذار فيه أخا تعذيرٍ، وبعد الإسهاب رَذيَّ رُزوحٍ وتَقصير. فأمرَ مولانا، وأمرُه مُطاعٌ، وخلافُه لا يُستطاع، أن أُثْبِتَ له في ذلكَ أوراقاً، واستمطِرَ من سُحُبِ خواطرِ المتقدمين أرواقاً، ولا أحْوِجَ فيه الى الاسترشادِ بغيرِه، ولا الى الاستضاءةِ بسواه. فبادرتُ الى اتّباعِ مُرادِهِ، وانتجاعِ مَرادِه، " ولو شاءَ لكان زَنْدُهُ إذا استقدحَهُ وَرَى، والصيدُ كلُّ الصيد في جوْفِ الفَرا ". وقدأجَبْتُ عن ذلك في خمسةِ فصولٍ، عاريةٍ من الهذَرِ والفضولِ، مائلاً الى الاختصار، وقائلاً بالاقتصار. فإن الاستيعابَ لما وردَ فيهِ، وصُنِّفَ في معانيه، يحتاجُ الى تأليفِ كُتُبٍ عدّة، وفراغٍ له في طويلٍ من المدّة، والوقتُ عن ذلك يَضيق، والعلائقُ عنه تصُدُّ وتَعوق. وأُقسِمُ لوْ شيءٌ أتانا رَسولُهُ ... سواكَ، ولكنْ لم نَجِدْ عنكَ مَدْفَعا وقد وَسمنا هذا الكتاب بنَضرةِ الإغريضِ في نُصْرةِ القَريض إذ أصَّلناهُ على الانتصار للشعرِ والشُّعراء، ونصّلناهُ لمناضلةِ المُناظرِ والنُّظَراء، ونرجو من الله تعالى أن نوردَ في فصولِه، ونُرْهِفَ من نصوله، ما يَكونُ للغلّةِ ناقِعاً، وللعلّةِ نافعاً، وللحاسرِ من الأدبِ مُقَنِّعاً، وللناظرِ في معانيهِ مُقْنِعاً، وإن كان ذُروةً قد فُرِعَتْ، وعُذْرةً قد افتُرعَتْ، فنحن بعونِ القديمِ ﷻ نجتهدُ أن لا نُقَصِّرَ في ذلك الرهانِ، ولا نُسْتَصْغَرَ عن مواقفِ تلكَ الفُرسان، ومنه نستمدُّ التوفيق ونَسْتَدُّ الطريق، وهو حسْبُنا ونعم الوكيل. الفصل الأول: في وصفِ الشعرِ وأحكامِه، وبيانِ أحوالهِ وأقسامِهِ.

стр. 2

الفصل الثاني: فيما يجوز للشاعرِ استعمالُه وما لا يجوزُ، وما يدرَكُ به صوابُ القوْلِ ويجوزُ. الفصل الثالث: في فضلِ الشعرِ ومنافعِهِ، وتأثيرهِ في القلوبِ ومواقعِهِ. الفصل الرابع: في كشْفِ ما مُدِحَ به، وذُمَّ بسببهِ، وهل تعاطيهِ أصلح، أم رفضُه أوفرُ وأرجح. الفصل الخامس: فيما يجبُ أن يتوخّاه الشاعِرُ ويتجنّبه ويطّرِحه ويتطلبَه. الفصل الأول في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه أوّل ما أبدأ به في هذا الفصلِ فأقولُ إنّ اشتقاقَ لفظةِ الشِّعرِ من العلمِ والإدراكِ والفطنةِ تقول: ليْتَ شِعْري هلْ أصابَ صوْبُ السماءِ منازِلَ أسماءَ، أي ليت علمي. قال الشاعر - أنشده ابنُ الأعرابي: يا ليْتَ شِعْري والمُنى لا تَنْفَعُ ... هلْ أغْدونْ يوْماً وأمري مُجْمَعُ وتحتَ رَحْلي زَفَيانٌ مَيْلَعُ ... حرْفٌ إذا ما زُجِرَتْ تبَوَّعُ كأنّها نائحةٌ تفجَّعُ ... تبْكي لمَيْتٍ وسواها الموَجعُ زَفَيان: ناقةٌ تَزيفُ في مَشيِها، وميلعٌ: سريعةٌ ناجية. وسُمّي الشاعرُ شاعراً لعلمه وفطنتِهِ. وأما كونُهم سمّوا الشعرَ قريضاً فلأنّ اشتقاقه من القَرْضِ وهو القطْعُ لأنه يُقْرَضُ من الكلامِ قرْضاً، أي يقطعُ منه قَطْعاً كما يُقْرَضُ الشيءُ بالمِقْراض. قال الله تعالى: " وإذا غَرَبَتْ تَقرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمال " أي تجوزُهُم وتَدَعُهُم على أحدِ الجانبين. قال عبد العزيز بن حاتم بن النعمان ابن الأحمر، وكان يهاجي الفرزدق: أنفي قَذَى الشِّعرِ عنهُ حينَ أقْرُضُه ... فما بِشعْريَ من عيْبٍ ولا ذامِ كأنّما أصْطَفي شِعري وأغرِفُه ... من مَوْجِ بحْرٍ غزيرٍ زاخرٍ طامِ منهُ غرائِبُ أمثالٍ مُشهَّرةٍ ... ملمومةٍ، إنها رَصْفي وإحكامي وأما القصيدُ، وهو جمْعُ قصيدةٍ مثل سَفين جمع سَفينة، فإنما اشتُقّتْ لفظتها من القِصْدَة وهي القِطْعة من الشيء إذا تكسّرَ كأنها قِطعةٌ من الكلام. ومن ذلك رُمْحٌ قِصَدٌ وقد تقصّدَ إذا صار قِطَعاً. قال المُسيَّبُ بنُ عَلَس: فَلأُهدِيَنّ مع الرِّياحِ قصيدةً ... مني مُغلْغَلَةً الى القَعْقاعِ ترِدُ المياهَ فلا تزالُ غريبةً ... في القَوْمِ بين تمثُّلٍ وسَماعِ وأما تسميتُهُم القصيدةَ قافيةً فلأن القافيةَ تقفو البيتَ أي تتبعُهُ وسمّوا الجميعَ باسم واحدٍ إيجازاً واختصاراً كما سمّوا القصيدةَ بجملتها كلمةً، والكلمةُ اللفظةُ الواحدة، ميلاً الى اختصار الكلام وإخلاداً الى ما يدلُ فيه على التمام. قالت الخنساء: وقافيةٍ مثل حدِّ السِّنانِ ... تبْقَى ويهلِكُ مَنْ قالَها نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهّلْتَها ... ولمْ ينْطِقِ الناسُ أمْثالَها وأقول: إنّ الشعرَ عبارةٌ عن ألفاظٍ منظومة تدلُّ على معانٍ مفهومة، وإن شئتَ قلت: الشعرُ عبارةٌ عن ألفاظ منضودة، تدلُ على معانٍ مقصودة. فإذا قيسَ به النثرُ كان أبرعَ منه مطالِعَ، وأنْصَعَ مقاطع، وأجرى عِناناً، وأفصحَ لساناً، وأشردَ مثلاً، وأعضدَ مُنْصُلاً، وأسدَّ سِهاماً، وأشدَّ خِصاماً، وأنْوَرَ نجْماً، وأزهر نَجْماً، وأبقَى مياسِمَ، وأنْقَى مباسِمَ، وأذكى مناسِمَ، وأزكى معالِمَ، وأرشقَ في الأسماع، وأعلَقَ بالطِّباع. وقال الأصمعي: الشعرُ ما قَلّ لفظُهُ، وسهُلَ ودَقّ معناه ولَطُفَ، والذي إذا سمعْتَهُ ظننْتَ أنك تنالُه، فإذا حاولته وَجدتَه بعيداً، وما عدا ذلك فهو كلامٌ منظومٌ. وقال بعض البُلغاء: الشِّعرُ عبارةٌ عن مثَلٍ سائرٍ وتشبيه نادرٍ واستعارةٍ بلفظٍ فاخر. وروى لي الغزنويّ عن هبةِ الله المعروفِ بابنِ الشجريّ قال: حدّثني أبو زكريا التبريزي قال: كنتُ أسألُ المعرّي عن شعرٍ أقرؤُه عليه فيقول لي: هذا نظمٌ جيّدٌ. فإذا مرّ به بيتٌ جيدٌ قال يا أبا زكريا هذا هو الشِّعر. وأما الشِّعرُ فيحتاجُ الى آلات، وفيه ألقابٌ وله صفات. ونحن نذكرُ ذلك مجملاً، ونشرحُه مفَصَّلاً، ولا نقصدُ فيه الترتيب، إذ تقديمُ فصلٍ على فصلٍ غير مفتقر الى التهذيب. في الشعر:

стр. 3

١ - النحو ٢ - والبلاغة ٣ - والفصاحة ٤ - والحقيقة والمجاز ٥ - والصنعة والمصنوع ٦ - وإقامة الوزن ٧ - والقوافي ٨ - والألقاب وهي أ - الإشارة ب - والكناية وتسمى التتبيع، ٩ - والموازنة وهي المماثلة ١٠ - والتجنيس، ومنه المحض والمطلق وهو تجنيس اللفظ، والمغاير والمقارب، وتجنيس المعنى، والمُطْمِع والمُبْدَل والمُختلِف، وتجنيس الخط ويسمّى التصحيف، وتجنيس البعض، والمُتَمَّم، وتجنيس القوافي، والمماثِل وفيه ١١ - الطباق ١٢ - والتصدير وهو ردُّ أعجازِ الكلامِ على صُدورِه ١٣ - والالتفات ١٤ - والاستطراد ١٥ - والتقسيم ١٦ - والتسهيم ١٧ - والترصيع ويسمى التفويف ١٨ - والترديد ١٩ - والمقابلة ٢٠ - والاستثناء ٢١ - والإيغال ويسمى التبليغ ٢٢ - والاستعارة ٢٣ - والتشبيه ٢٤ - والحشو السديد في المعنى المفيد ٢٥ - والمتابعة ٢٦ - والمَخْلَص ٢٧ - والتضمينُ وهو التسميطُ والتوشيح ٢٨ - وتجاهلُ العارف ٢٩ - والمماتنة وهي الإنفادُ والإجازة ٣٠ - والسرقةُ وأقسامُها المحمودَةُ والمذمومة ٣١ - والنقدُ. وغير ذلك مما سنُبيِّنُهُ ونوضِحُهُ، ونعيّنُه ونشرحُه على سبيل الاختصار دونَ الإكثارِ، لافتقارِ الإسهاب الى زمانٍ طويلٍ وعُمْرٍ مديد وقوْل بسيطٍ واللهُ الموفقُ لجَدَد الهدايةِ بمشيئتِه وكرَمِه. ١ - فأما النّحو فإنه من شرائطِ المتكلمِ سواءً كان ناظماً أو ناثراً، أو خطيباً أو شاعراً، ولا يمكن أن يَستغنيَ عنه إلا الأخرسُ الذي لا يُفصِحُ بحرفٍ واحد. وكان بعضُ البُلغاء يقول: إني لأجدُ للّحنِ في فمي سُهوكةً كسُهوكةِ اللحمِ. وقال ﷺ : " رحم الله امرءاً أصلحَ من لسانه " وهذا حَثٌ على تقويم اللِّسان وتأدُّبِ الإنسان. وقال عليٌ ﵁: تعلموا النحو فإنّ بني إسرائيل كفروا بحرفٍ واحدٍ كان في الإنجيل الكريمِ مسطوراً وهو: أنا ولّدتُ عيسى بتشديد اللام، فخففوه فكفروا. وما قد ورد في الحث على تعلُّمِ النحوِ وفي شرَفِ فضيلتهِ وجلالةِ صناعتِه، لو تعاطينا حكايتَهُ لاحتجنا فيه الى كتابٍ مفردٍ، إذْ بمعرفتِهِ يُعْقَلُ عن اللهِ كتابُهُ وما استوعاهُ من حكمتِهِ، واستودَعَه من آياتِهِ المُبينةِ، وحُجَجِهِ المنيرةِ، وقرآنِهِ الواضحِ ومواعظِهِ الشافيةِ، وبهِ يُفهم عن النبي ﷺ آثارُهُ المؤديةُ لأمرِهِ ونهيهِ وشرائعِه وسُنَنِه، وبه يتسعُ المرءُ في منطقِه، فإذا قالَ أفصَحَ وإذا احتجّ أوضحَ، وإذا كتبَ أبلغَ وإذا خطب أعجبَ.

стр. 4

ومعنى النحو انتحاءُ سمْتِ كلامِ العربِ في تصرفِهِ من إعرابٍ وتثنية وجمْع وتكسيرٍ وتحقير وإضافة ونسبٍ وغير ذلك. وهو في الأصل مصدرٌ شائعٌ من قولكَ نحوتُ نحْواً، أي قصدتُ قصداً، ثم خُصّ به انتحاءُ هذا النوعِ من العِلْمِ فصار كالمقصور عليهِ دونَ غيرِهِ كما أنّ الفِقْهَ في الأصل مصدرُ فَقِهْتُ الشيءَ أي عرفتُهُ. ثم خُصّ به علم الشّريعة من التحليل والتحريم، وكما أن بيتَ اللهِ خُصّ به الكعبةُ وإنْ كانت البيوت كلها لله تعالى. ونظائرُ ما كان شائعاً ثم قُصِرَ في جنسِه على أحد أنواعِهِ كثيرةٌ. وحُكِيَ عن أعرابيٍّ أنّه قالَ إنك لتَنظُرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ فشبّهها بعُتُوٍّ وهو قليلٌ في كلامِهم. والوجهُ في مثلِ هذه الواو، إذا جاءتْ في جَمع، الياءُ كقولهم في جمْع حَقْوٍ حُقِيٌّ. وأول من نطَق بالنحوِ عليٌ رضي الله تعالى عنه والحكايةُ في ذلك معروفة، ولمّا وضحَ بمثالِه المنْهَج، واتّضحَ بمقالِه المستقيمُ والأعوجُ، تشعّبتِ السبلُ فيه، واتّسعتِ العِللُ في معانيه. والأصل ثلاثُ كلِمات: اسمٌ وخبرٌ وأداةٌ تدلُّ على معنى. فالاسمُ كلُّ موصوفٍ من الخَلْقِ. والخلقُ ثلاثةُ أشياءٍ: إما جسمٌ أو لونٌ أو فِعْلٌ. وأما الخبَرُ فكلُّ ما أثْبَتَ مجهولاً أو أقامَ وصفاً من اسمٍ أو غيره. إلا أن الكلمة التي خَصَصناها به الكلمةُ التي لا يقعُ لفظُها إلا خبراً، وهيَ كلُّ كلمةٍ دلّتْ على حدوث حركةٍ مؤقتة، من نحو قولِك فعَلَ ويفعَل، أو فُعِلَ أو يُفْعَلُ. وأما ما كان يقع مرة خبراً ومرة مُخبَراً عنه، فكرهنا أن نُسمّيهُ خبراً إذ لم تدُم حالُه. وأما الأداةُ فكل ما عَدا أن يكون اسْماً أو خَبراً. وهي كلمةٌ لا تقعُ وصْفاً ولا موصوفاً. والكلمة التي سمّيناها خبراً هي في تسمية النّحويينَ فعلٌ وذلك خطأ. لأن قولك فَعَل أو يفعَلُ أو فُعِلَ أو يفْعَلُ إنما هو إخبار بحدوثِ الفِعل ووقوعِه، والإخبارُ بحدوثِ الشيء خلاف الشيء، ولو كان فَعَلَ أو يَفْعَلُ فِعْلاً، لأمكنك أن تصِفَه فتحمدَه أو تذُمَّه كقولِكَ نِعْمَ الفِعْلُ آمَنَ وأصلح، وبِئسَ الفِعْلُ كفَرَ وأفسدَ. فهذه جملةُ تفسيرِ الكلمِ الثلاث التي حصَرَ بها عليٌ ﵁ الألفاظَ وجمعَ بها المعاني، ولكلّ ضَرْبٍ من هذه الثلاثةِ الأضربِ، ضروبٌ مختلفةٌ وشُعَبٌ متفرقةٌ ومعانٍ متباينةٌ قد فرغَ منها النحويونَ في كتبهِم. وما أورده فعليهِ اعتراضاتٌ قد أجابَ عنها أبو علي علي عللِ المنطقِ ولكلامهِ حكَيْتُ، وعنه رَوَيْتُ. والشعرُ فلا يسلمُ أديمُهُ من النَّفَلِ، ولا يصِحُّ مريضُهُ من العللِ إلا بمعرفة النحو وامتدادِ الباعِ فيه، والوقوفِ على غامضِهِ وخافيهِ، كما قال المُحْدَث: وإذا أردتَ من العلومِ أجلَّها ... فأجلُّها منها مُقيمُ الألْسُنِ وفي هذه النُّبذَةِ كفاية.

стр. 5

٢ - وأما البلاغةُ فهي الفصاحة. يُقالُ بلُغَ الرّجلُ بضم اللامِ فهو بليغٌ، ولا فرقَ بين البلاغة والبيان إلا في اللّفظِ. وسُئِلَ بعضُهم عن البلاغة فقال: كلامٌ وجيزٌ معناهُ الى قلبكَ أقربُ من لفظِه الى سَمْعِك. وقال جعفر بن محمد الصادق ﵁: إنما سُمِّي البليغُ بليغاً لأنه يبلُغُ حاجَتَهُ بأهونِ سعيهِ. وقال ابن الأعرابي: قال المفضلُ الضبّيُّ: سألتُ أعرابياً عن البلاغةِ فقال: الإيجازُ في غير عجْزٍ، والإطْنابُ في غير خَطْلٍ. وقيلَ للعتّابي: ما البلاغةُ؟ فقال: مَنْ أفهمَكَ حاجتَهُ من غيرِ إعاقةٍ ولا حُبْسةٍ ولا استعانَةٍ. وسُئِلَ بعضُ الحكماءِ عن البلاغةِ فقال: مَنْ أخذَ معانيَ كثيرةً فأدّاها بألفاظٍ قليلةٍ، وأخذَ معانيَ قليلةً فولّد منها ألفاظاً كثيرةً فهو بليغٌ. وقيلَ: البلاغةُ ما كان من الكلامِ حسَناً عند استماعِهِ، موجَزاً عند بديهتِهِ. وقيلَ: البلاغةُ لمحة دالّةٌ على ما في الضمير. وقيلَ: البليغُ الذي يبلغُ ما يريدُ، أطالَ أم قصّرَ. وقال بعضُهم: البلغةُ تصحيحُ الأقسامِ، واختيارُ الكلام. وقيلَ: البلاغةُ معرفةُ الفَصْلِ من الوَصْلِ. وأقول أنا: إن تركيبَ ب ل غ معناه إدراك ما يحاولُه الإنسان عن قوّة، وتمكُّنٍ من قدرةٍ. فمن ذلك بلَغْتَ الأمرَ والغرَضَ إذا وقفتَ على غايتِه، وأشرفتَ على نهايتِه، ولولا قوّتُك عليه لما وصلتَ إليه. ومن ذلك البلاغةُ، فإنّك إذا وقفتَ على غاياتِ الكلام ونهايات المعاني، دلّ ذلك على قُدرتِكَ في الأدب وتمكّنِك من لُغةِ العرب. فإنْ أوْجَزْتَ أو أسهبتَ كنتَ فيه بليغاً وكان ما أتيتَ به بلاغةً. ومن ذلك غ ل ب، فإنّ الغَلَب لا يكون إلا عن قوة وتمكّن وقُدرة. ومن ذلك ل غ ب اللُّغُوبُ هو التعبُ ولا يكون ذلك إلا عن دأبٍ وشدةِ حركة تدلُ على قوّةٍ وقدرةٍ على الحركات وتمكنٍ من السعي العنيفِ في سائرِ الأوقات. ومن ذلك ب غ ل يقالُ بغّلَ الفرسُ إذا سارَ بين العَنَق والهَمْلَجَة، ومنه التبغيلُ وهو مشْيٌ سريعٌ فيه اختلافٌ ولا يكون ذلك إلا عن قوة وقدرةٍ على السّعي. ومنْ أعلى درجات البلاغةِ وأرفعِها في الكلام المنثور قولُه تعالى: " وقيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعي، وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمرُ واسْتَوَتْ على الجوديِّ وقيلَ بُعْداً للقَوْمِ الظالمين ". وقوله تعالى: فاصْدَعْ بِما تُؤمَرُ) . ومن البلاغةِ في الكلام المنظوم قول امرئ القيس: قِفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... ............ فإنّه وقفَ واستوقَفَ، وبكى واسْتَبْكى، وتغزّل بذكرى الحبيبِ والمنزلِ في نصفِ بيْتٍ. وقال طرَفَة: ولستُ بحلاّلِ التِّلاعِ مَخافَةً ... ولكنْ مَتى يسْتَرفِدِ القومُ أرْفِدِ المعنى أكثر من اللفظِ. يقولُ لستُ أحُلُّ بالمواضعِ الخفيةِ مخافةَ القِرى، ولكني أحُلُّ بالمواضع الظاهرةِ التي لا تَخفى على الضّيْفِ الطارقِ. فإذا استُقريتُ قَرَيْتُ. فأوردَ كلاماً يدلّ على نفيهِ عن نفسِه نزولَ التِّلاعِ خوفاً فقط. فلما ذكرَ في النصفِ الثاني الرِّفْدَ، دلّ على أنّ المخافةَ في القِرَى، ولم يقابل اللفظَ بأن يقول: ولكن أحُلُّ باليَفاع بارزاً وأشجُعُ، فاكتفى بمعرفةِ السامِعِ وبما دلّ الكلامُ عليه. وهذه بلاغةٌ ناصِعةٌ. ٣ - وأما الفصاحةُ فإنّ الكلامَ عليها يحتاجُ الى شرحٍ طويلٍ يخرُجُ بنا عمّا نحنُ بصددِه والاقتصارُ عليه غير شاف ولا كاف. وقد استوفَيْنا أقسامَ ذلك في الرسالة العلويّة، وحَذَوْنا فيه حذْوَ عبد الله بن سِنان الخَفاجي في صدر كتابِه الموسوم بسرِّ الفصاحةِ. والفصاحةُ مشتقةٌ من الكَشْفِ وارتفاع اللَّبْسث. يُقالُ أفصحَ اللبنُ إفصاحاً إذا ذهبَ اللِّبَأ عنه، وخلَصَ اللبنُ منه. وأفصحَتِ الناقةُ فهي مُفْصِحٌ إذا انقطعَ لِبَؤُها وخلَصَ لبَنُها. وفصُحَ اللبنُ إذا كشَفْتَ رُغْوَته عنه. قال الشاعر: ............ ... وتحتَ الرُّغْوَةِ اللبنُ الفصيحُ وأفصحَ الصُبْحُ إذا انكشفَ وبَدا. وكلُّ واضحٍ مُفْصِحٌ. وعلى ذلك فكلُّ ناطق فصيحٌ، وما لا يَنطِقُ فهو أعجَمُ. فهذه نُبْذةٌ يسيرةٌ في هذا الموضع كافية.

стр. 6

٤ - وأما الحقيقةُ والمجازُ، فإن الحقيقة ما أُقِرَّ على أصل وضعِه في اللغة عند استعمالِه. والمجازُ ما كان بضدِّ ذلك. وقال علي بن عيسى الرُّماني: الحقيقةُ الدِّلالةُ على المعنى من غير جهةِ الاستعارةِ، والمجازُ تجاوزُ الأصلِ الى الاستعارة. وإنما يُعْدَلُ عن الحقيقة الى المجاز لمعانٍ ثلاثةٍ وهي: الاتساعُ، والتوكيدُ، والتشبيهُ، فإن عُدِمَتْ هذه الأوصافُ كانت الحقيقةُ أولى بالاستعمال. قال الله تعالى: " وأدْخَلناهُ في رَحْمَتِنا "، هذا مَجازٌ وفيه الأوصافُ الثلاثة. أما السَّعةُ فإنه زادَ في أسماءِ الجهات، والمحلُّ اسم وهو الرّحمة. وأما التشبيهُ فإنّهُ شبّهَ الرحمةَ، وإن لم يصِحَّ دخولُها، بما يجوزُ دخولُه، ولذلك وضَعَها موضِعَه. وأما التوكيدُ فإنه أخبَرَ عن العَرَض بما يخْبَرُ به عن الجوهر. وهذا تَعالٍ بالعَرَض وتفخيمٌ له، إذ صُيِّرَ في حيّز ما يُشاهَدَ ويُلمسُ ويُعايَنُ. ومن المجاز في أشعارِ العربِ كثيرٌ لا يُحصى. فمنه قولُ الأول: غَمْرُ الرِّداءِ إذا تبسّم ضاحكاً ... غَلِقَتْ لضِحكتِه رِقابُ المالِ وقال طَرَفة: ووْجهٌ كأنّ الشمسَ ألقَتْ رِداءَها ... عليهِ، نقيُّ اللونِ لم يتخدَّدِ جعل للشمسِ رداءً وهو جوهرٌ لأنه أبلغُ من النورِ الذي هو عَرَضٌ. وكلّ ما كان من هذه الاستعاراتِ فإنهُ داخلٌ تحت المجاز. وقال ﷻ : " فمَنْ يكْفُرْ بالطّاغوتِ ويؤمنْ باللهِ فقدِ استَمْسَك بالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انفصام لها واللهُ سميعٌ عليم ". فبدأ في الآية بحقيقة الكلام، ثم جعلَ الجوابَ مجازاً واستعارةً لوقوعِه آكَدَ منَ الحقيقة. والمرادُ تشبيه المُتَمَسكِ بشرائط الإيمان بالمتمسكِ بالعُروةِ الوثيقة من عُرى الحبْلِ لأنه يستعصِمُ بها من المزالِّ المُزْلِقة، والمهابِط الموبِقة. ثم قال تعالى: " لا انفصامَ لها "، تبعيداً لها من شِبْهِ العُرَى المعهودةِ التي ربما انفصمَتْ على طولِ الجَذْبِ أو بَلِيَتْ قواها على مرِّ الدّهر. ٥ - وأما الصَنعةُ والمَصنوع، فإن الصّنعةَ هي عبارةٌ عن الحوادِثِ في المصنوعات مثل الإصلاح والإفسادِ، والطول والقِصَر، والضخامةِ والنحافة، والخُضرةِ والحُمرةِ، والحركةِ والسكون، والأشياء التي يسمّيها المتكلمون الأعراضَ. وأما المصنوعات فهي الأشياء التي تتعاقبُ عليها هذه الأعراض. فالصّنعةُ والمصنوعات محْدَثَتان. فمن المصنوعات الحيوانُ الذي يصنعه اللهُ تعالي، وصُورٌ في الجَمادات نفعلُها نحن فالإشارات التي في الصور من حِذْقِ المصوِّرين في أفعالِهم فيها يُخيَّلُ إليكَ أن بعضها ناطقٌ وإن كان لا ينطِقُ، ومنها ما يخيَّل إليك أنّه متحرِّك وهو ساكن. فأنت تُسمي الجسمَ مصنوعاً على حقيقة اللّغة، وتُسميه صَنعةً على الاتساع والمجاز، ألا ترى أنك تقولُ هذا جسمٌ مصنوعٌ حسَنُ الصّنعةِ، أو قبيح الصنعَةِ وكاملُ الصنعةِ أو ناقصُ الصنعَةِ، وإن كان أصل اللفظتين فيهما واحداً. وإنما قدّمتُ ذلك توطئةً لتعلمَ أن الصنعةَ في الشعر عبارةٌ عن النظم الذي خلّصه من النثر، وجمع أشْتاتَه بعدَ التبدُّدِ والصّدْع. وأن المصنوعَ هو الشعر الذي عنصرُهُ الكلامُ المنثور. والمصنوع لا يُسمّى مصنوعاً حتى يخرُجَ من العدم الى الوجود. فإذا كان موجوداً سُمّي مصنوعاً لمُشاهَدَتِه والعلم بهِ، ثم يعْتَورُهُ بعد ذلك النقد فيقالُ فيه كاملٌ وناقصٌ، وحسنٌ وقبيح، وسقيمٌ وصحيح، وجيدٌ ورديء. ورأيت قوماً من المُصنّفين قد خلطوا الصنعةَ بالنقدِ والنقد بالصنعة ولم يفرقوا بين المصنوع والصنعة وهذا غلطٌ وشطَط. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقولَ في شعرٍ لم تسمعْه ولم يتصلْ بك، جيدٌ ورديء، حتى تقفَ عليه وتكرر النظرَ إليه؟. فقد عرفتَ بهذه الإشارة اللطيفة، والعبارة الخفيفة، ما الفرقُ بين المصنوع والصَنعةِ وبين الصنعةِ والنقد، واللهُ الموفق. ٦ - وأما إقامةُ الوزن فهوَ عبارةٌ عن ذوْقٍ طبيعي حفِظَ فصولَه من الزيادةِ والنُقصان وعدّلها تعديلَ القِسْطِ بالميزان. ولو أن كلّ ناظمٍ للشعر يفتقرُ في إقامة وزنهِ، وتصحيحِ كسْرِه، وتعديلِ فصولِه الى معرفةِ العَروض، والقوافي، لما نظَمَ الشِعرَ إلا قليلٌ من الناس. على أن الشاعر إذا عرَفَهما لم يستغن عنهما.

стр. 7

فأما العَروض، وهي مؤنّثة، فهي ميزانُ الشعرِ يُستخرجُ بها صحيحُه من مكسوره. والشعر كلّه مرَكّبٌ من سَبَبٍ، ووتدٍ وفاصلة والسبب سببان والوتد وتدان والفاصلة فاصلتان، وتقطيعُ الشعر على اللفظ دون الخطّ، وكلّ حرفٍ مشددٍ بحرفين: الأول ساكنٌ، والثاني متحرّك. والفرقُ بين الساكن والمتحركِ أنّ الساكنَ تتعاقبُ عليه الحركاتُ الثلاث، والمتحرك قد اختصّ بإحداهُنّ. والأمثلة التي يُقَطَّع بها الشعرُ ثمانية: اثنان خُماسيان وهما فَعولُن، فاعِلن، وستةٌ سباعية وهم: مفاعيلُن، مُسْتَفْعِلُنْ، فاعلاتُن، مُفاعَلَتُن، مُتَفاعِلن، مَفْعولاتُ، وما جاء بعد ذلك فهو زِحافٌ لهُ، أو فرْعٌ عليه. والزحافُ جائز كالأصل والكَسْر ممتنعٌ، والزحافُ لا يقعُ إلا في الأسباب، والخَرْمُ والقَطْعُ لا يقعان إلا في الأوتاد. والعروضُ اسمٌ لآخر جزء في النصف الأول من البيت، والضربُ اسمٌ لآخر جُزء في النصف الآخر من البيت. وكل بيتٍ مَصَرَّعٍ فعَروضُه على زِنَةِ ضربِه أو ما يجوز في ضربه. والتصريعُ مُشبّهٌ بمصراعي الباب، وإذا خلا البيت من التصريع سُمّي المُصْمَت. والشّعرُ كلُه أربعٌ وثلاثون عَروضاً، وثلاثة وستون ضرباً وخمسة عشر بحراً، وشرْحُ ذلك قد فرَغَ منه العَروضيون في كتبهم، فاعرفْهُ. ٧ - وأما القوافي، فإن القافية مختلَف فيها: فعند أبي الحسن الأخفش ومن تابَعَه من المُقَفّين: أن القافيةَ آخرُ كلمة في البيت. وقال: إنما سُمّيت قافيةً لأنها تقفو البيت. وعند النَّضْر بن شُمَيْل ومؤرّج وأبي عمر الجَرْمي، أنها النصفُ الأخير من البيت. وقيلَ بل هي البيت بكمالِه، وقيل بل القصيدةُ بجُملتها. وعند الخليل بن أحمد: أنّ القافية من آخر البيت الى أول ساكنٍ يليه مع المتحرِّك الذي قبل الساكن، وعلى قوله الاعتمادُ، فإن القول ما قالت حَذام. والقافية تنقسمُ الى ثلاثة أشياء: أصول، وحروف، وحركات. فالأصول: مُتكاوسٌ، مُتراكبٌ، مُتدارِكٌ، مُتواتِرٌ، مُترادِف. والحروف: الدخيلُ، والتأسيسُ، والرِّدف، والخروج، والوصل، والرويّ. والحركات: التوجيهُ، والإشباعُ، والرَّسُّ، والحَذْو، والنَّفاذُ، والمَجْرى. ويعرُضُ في القافية عيوبٌ أربعة وهي: الإكفاءُ، والإقواء، والإيطاء، والسِّنادُ، والتضمين وهو أن البيت لا يتمّ إلا بالذي يليه وهو من عيوب الشعر المكروهة. وقد نُظِمَ هذا شِعراً. قال الشاعر: القوافي مُخَمّساتٌ ثلاثٌ ... حرَكاتٌ وأحرُفٌ وفَسادُ فابتِداها رَسٌ وحَذْوٌ وإشبا ... عٌ ومجرىً، وفي النّفاذِ العَتادُ والحروف: الرّويُّ والرِّدفُ والتأ ... سيسُ والوَصْلُ والخروجُ العِمادُ والعيوب: الإيطاء والإقوا والإك ... فا وفيها التضمينُ ثمّ السِّنادُ وقال الآخر: حروفُ القوافي ستّةٌ مُستبينةٌ ... يُجمِّعُ أشتاتاً لهنّ نظامُ رَويٌّ ووصْلٌ والخُروجُ ورِدفُها ... وتأسيسُها ثمّ الدخيلُ تمامُ ويلزمها من بعدِ ذا حركاتُها ... كذلك سِتٌّ صاغَهنّ إمامُ فمَجْرًى وتوجيهٌ وحَذْوٌ ورسُّها ... وإشباعُها ثمّ النّفاذُ دِعامُ وجميع حروف المعجم تكون رويّاً إلا الواو والياءَ والألفَ، الزوائد السواكنَ اللواتي تَتْبَعْن ما قبلهنّ، فإنهنّ لا يكنّ رويّاً البتّةَ، وألِفُ التثنيةِ وواوُ الجمْعِ وياءُ ضمير المؤنث، لا يكنّ رويّاً، والألف المُبْدَلةُ من التنوين في نحو قولك رأيتُ زيداً لا يكون رويّاً والنون الخفيفة نحو قولك اضْرِبَنْ، والهمزة المُبْدَلةُ من ألِف التأنيث في الوقْف نحو قولِك هذه حُبلاء، وهاءُ الوقفِ، وهء الإضمار، وهاءُ التأنيث، كلّ هذه لا تكون رويّاً. فإن سكَن ما قبلَ هذه الهاءات كنّ رويّاً، والهاء الأصلية يجوز أن تكون روياً، سكن ما قبلها أو تحرّك، كقوْل رؤبة بن العجّاج: قتلتْ أُبَيْلَى لي ولم أُشبّهِ ... ما العيْشُ إلا غَفْلَة المُدَلّهِ لما رأتْني خلَقَ المُمَوَّهِ ... برّاقَ أصْلادِ الجَبين الأجْلَهِ بعدَ غُدافيِّ الشّباب الأبْلَهِ

стр. 8

وسُمّي حرف الرويّ روياً لأنه من الرِّواء وهو الحبْل الذي يُشَدُّ على الأحْمال والماعِ ليضُمَّها. وروى في كلامهم للضمّ والجمع والاتصال، وكذلك حرف الرويّ، تنضمّ وتجتمع إليه جميعُ حروف البيت. فالقوافي على ذلك خواتيم على عنوان الشعر جامعةٌ لأطراف معانيه، قابضةٌ على أزمّةِ مَهاريه. ٨ - وأما الألقاب، فإنها تنقسِم الى أقسام ولكل قسم منها باب، فمنها: باب الإشارة والإشارة من محاسن البديع، ومعناه اشتمالُ اللفظِ القليل على المعاني الكثيرة وإنْ كان بأدْنى لمْحٍ يُستدلّ على ما أُضمِرَ من طويل الشرحِ كقولِ امرئ القيس: على هيكلٍ يُعطيكَ قبلَ سؤالهِ ... أفانينَ جرْيٍ غير كزٍّ ولا وانِ تأمّل ما تحت لفظة أفانين، وما اقترنَ بها من جميع أصناف الجوْدة، ثم نفى عنه الكزازة والوَنى وهُما أكبر معايب الخيْلِ. وقال زهير: فلو أني لقيتُك واتّجَهْنا ... لكانَ لكلِّ منكرةٍ كفيلُ فهذا لفظٌ قليلٌ يدلّ على معنى كثير. وكما قال بعض الأعراب: جعلْتُ يدَيَّ وِشاحاً لهُ ... وبعضُ الفوارِسِ لا يعْتَنِقْ قولهُ: جعلتُ يديَّ وِشاحاً له، إشارة بديعةٌ الى المعانقةِ بغير لفظِها وهي دالّة عليها. وقال الأعشى: تسْمَعُ للحَلْيِ وسْواساً إذا انصَرَفَتْ ... كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ أشار بذلك الى دقة الخصرِ والرّشاقةِ والهَيَف لأن حركة الوُشْحِ تدلّ على ذلك. فأما الخلاخلُ والأسْورةُ والبُرى، فإنها توصفُ بالصمتِ والخرَس. وفي البيت إشارة أخرى الى شدّة الحركة وهي قولُه، كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زجِلُ، وذلك أن العِشرِقَ وهو شجرٌ شديدُ الحركة في ضعْفِ النسيم، فكيفَ إذا استعانَ بريحٍ. وقالت الخنساء: يذكّرُني طُلوعُ الشّمسِ صخْراً ... وأذكرُهُ لكلِّ غُروبِ شمسِ إشارة حسنة الى وقت الغارة، ووقت الميْسِرِ وإطعامِ الضيف. وقال القُحَيْف: أتاني بالعقيقِ دعاءُ كعبٍ ... فحنَّ النّبْعُ والأسَلُ النِّهالُ إشارة حسنة الى إغاثته بالجيش. وقال آخر: وزَيدٌ ميِّتٌ كمَدَ الحُبارَى ... لأن ظَعَنتْ سُكَيْنَةُ والرَّباب إشارة حسنة الى شدّة الهمِّ وذلك أن الطير تجتمعُ في مواضع بعيدةٍ من الأناسيّ فتطرحُ ريشها هناك وفيها الحُبارى، ثم ترتعي الى أن ينبُتَ ريشُها، فإذا نبتَ ريشُ تلك الطيرِ كلِّها تخلّف الحُبارى عنها لأن ريشَها بطيءُ الطلوع فينهضُ جميع الطير وتبقى الحُبارى فيموتُ أكثرُها كَمَداً. وأنشد ابن الأعرابي: مَشيْنا فسوّيْنا القُبورَ بعاقلٍ ... فقد حسُنَتْ بعْدَ القُبوحِ قُبورها أي قتَلْنا بقتلانا فاستوى عددُ قتلانا وقتلاهم. وهذه إشارة عجيبة لطيفةٌ الى أخذ الثأر. وفي هذا الباب سَعة وجهدُنا أن نختصِرَ. وقريبٌ من معنى الإشارة وإن تغايَرَت العبارة: باب الكناية وربما سمّاها قومٌ التتبيع لأن الشاعر يقول معنى ويأتي بلفظٍ تابعٍ له، فإذا دلّ التابعُ أبانَ عن المتبوع. فمِنْ ذلك قوله تعالى: (وبلَغَتِ القلوبُ الحَناجِرَ) ، كناية عن شدّة الأمر والحرب، ومعنى ذلك أن القلوب ارتفعَتْ عن مواضعِها فنفرتْ كأنها تريدُ الخروج عن الأجسامِ مفارقةً لها. وقولُهُ تعالى: (وما جعلْناهُم جَسداً لا يأكلون الطّعام) . في ضِمْن هذا الكلامِ كنايةٌ عن الشُرب ولم يُذكَرْ لدلالةِ الأكلِ عليه، وكنايةٌ عن النّجْو والبَول لأن من أكل احتاج أن يشرب، ومن أكل وشرِب احتاج أن ينْجو ويبول. وأنشد المبرِّد: تقول وقد أبْدى البُكاءُ بعينِه ... نُدوباً: ألا داويتَ عيْنَكَ بالكُحْلِ فقد رأيتُ الكُحْلَ يشغَلُ قَدْرُهُ ... من العينِ قدراً لم يكُنْ عنكِ في شُغْلِ كناية عن أنه لا يحِبُّ أن يشغَلَ عينَهُ عن النّظرِ إليها، لأن الزمان الذي يذهبُ في الاشتغال بالكُحْلِ لم يكن قبل الكُحْلِ مشغولاً بغير النّظر إليها فهو يكرهُ أن لا يكون على ما كان عليه من تلك الحال. وقال بَلْعاءُ بن قيس الكِناني: معي كلّ مسترخي الإزارِ كأنّه ... إذا ما مشى في أخمصِ الرِّجْلِ ظالِعُ كناية عن التّرف والنعمة. وقال المِنْهال:

стр. 9

إذا كان حَرٌّ قدّموني لحَرِّه ... وإنْ كان برْدٌ أخروني عن البَرْدِ كنّى عن الشرِّ بالحرِّ، وعن الخيرِ بالبردِ. وأنشدوا: بالمِلحِ يُدْرَكُ ما يُخشى تغيُّرُه ... فما دَوا المِلحِ إنْ حلّتْ به الغِيَرُ كنايةٌ عن الأمر الذي يُرجى لكشْفِه السلطانُ فَيُبْتَلى ذلك السلطانُ بأمرٍ يشغَلُهُ عن القيام بما يُرجى له. وقال النابغة الذبياني: سِتّةُ آباءٍ همُ ما هُمُ ... هُم خيْرُ من يشرَبُ ماءَ الغَمامِ كناية عن أنهم خيرُ الناس كلِّهم لأن الناس كلّهُمُ يشربون ماءَ الغَمام. وقال معقِّر البارقيّ: وكل طَروحٍ في الجِراءِ كأنّها ... إذا اغْتَسَلَتْ بالماء فتْخاءُ كاسِرُ يصف فرساً شبّهها، إذا عرِقَتْ من الرّكض والتعب، بالعقاب الكاسر وهي الفَتْخاءُ، والفتخُ لينٌ في الجناح محمود. وهذه كناية بالماء عن العَرَق وأراد أنها في هذه الحال التي يضعُفُ فيها أمثالها هذه حالها، فكيف تكون في ابتداء جريها! والسابقُ الى هذا المعنى امرؤ القيس حيث يقول: كأنها حينَ فاضَ الماءُ واحتفلَتْ ... صقعاءُ لاح لها بالمَرْقَبِ الذيبُ في هذا البيت زياداتٌ لم يصِلْ بيتُ معقّرٍ إليها وهو قولُه فاضَ الماءُ، والفائِضُ أعظمُ مما يُغتَسَلُ به لأن الاغتسال حصل من الفائض وزيادة وقوله احتفلت مبالغة في الجهدِ والتعب، وقولُه صقعاء لاح لها بالمرقبِ الذيبُ الصقعاءُ العُقابُ في وجهها بياض، وإذا لاح لها الذئب كان أشد لانقضاضها. وإذا كان انقضاضُها من مَرقَب كان أشدّ لانحدارِها. وقال عمر بن أبي ربيعة: بعيدةُ مَهْوى القُرْطِ إمّا لنوْفَلٍ ... أبوها، وإمّا عَبدِ شمسٍ وهاشِمِ كنى بذلك عن طول الأعناق. ومثلُه قولُ حُمَيْد الأرقَط: طوالُ مَهْوى توَمِ الأقراط وقال عمرو بن قِعاسٍ الغُطَيْفي: وسوداءِ المحاجرِ إلْفِ صخْرٍ ... تلاحظني الترقُّبَ، قد رمَيْتُ كنى بذلك عن ظبية. ولحْمٍ لم يذُقْه الناسُ قبْلي ... أكلت على خَلاءٍ وانتقَيْتُ قال الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي كنى بذلك عن لحم ولده، فإنه جاع فذبحه وأكله. وقال غيرُهم كنى بذلك عن ملِكٍ هَجاه ولم يهجُه أحد قبلَه، فكأنه أكل لحمَه ميتاً. وماءٍ ليس من عِدٍّ رَواءٍ ... ولا ماءِ السماءِ قد استَقَيْتُ كناية عن دموعه. وجاريةٍ تنازعُني رِدائي ... وراء الحيّ ليس عليّ بيْتُ كناية عن الريح. ونارٍ أُوقِدَتْ من غير زَنْدٍ ... أثرتُ جَحيمَها ثم اصْطَلَيْتُ كناية عن الحرب. وبيتٍ ليس من وبْرٍ وشعْرٍ ... على ظهرِ المطيّة قدْ بنَيْتُ كنى عن بيت شِعرٍ نظمَه على ظهر راحلتِه. وقال ذو الرُّمّة: وحاملة تسعينَ لمْ تلْقَ منهمُ ... على موْطِنٍ إلا أخا ثِقَةٍ صِفْرا كنى بذلك عن الكِنانةِ وما فيها من السِّهام يعني أنّه لم يجدْ لها ولداً إلا أخا ثقة، يَصفُ سِهامَها بالجودة والإصابة والنّفاذ. وحديثُ خَوّات بن جُبَيْر الأنصاري مع ذاتِ النِحْيَيْن لما أتاها يبتاعُ منها سَمْناً فوجدَها وحدَها فطمِعَ فيها فحلّت نِحْياً فذاقهُ ودفَعُه إليها. وحلّ آخرَ فذاقَهُ فلم يرْضَه، فقال: أمْسِكيه فقد شردَ جملي، فقالت أمْهِلْ حتى أشُدَّ رأسَ هذا النِّحْي فقال: إن أمسكتيهِ، وإلا ألقَيْتُهُ عن يدي، فأمسكَتْه فلما شغل يدَيْها ساورَها فلمْ تقدِر على دَفعِه، فقضى وطَرَهُ منها، مشهورٌ. وكان ذلك في الجاهلية، فلما أتى الإسلامُ أسلمَ خَوّاتُ وشهِدَ بدراً، فقال له يوماً رسول الله ﷺ وهو يبتسمُ: يا خَوّات ما فعلَ جملُكَ الشرود؟ فقال: يا رسول الله عقَلَهُ الإسلامُ. ورُوي أنه قال له يا خوّات كيف شِرادُك، فقال يا رسول الله قد رزقَ الله خيراً منه، وأعوذُ بالله من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ. فكنى ﷺ عما سلَف من فِعله أحسنَ كنايةٍ وألطفَها. وقول خوّات: عقلَهُ الإسلامُ، كنايةٌ حسنةٌ عن التوبة ولزوم حُدود الإسلام، والعِلم بالحلالِ والحرام. وهذا مثال في هذا الباب كاف إن شاء الله تعالى، ومنها: باب الموازنة

стр. 10

وذلك أن يأتي الشاعرُ ببيتٍ يكون عدد كلمات النصف الأول منه كعدد كلماتِ النصف الأخير وتكون الأجزاء متساويةً. ومتى تغيّر شيءٌ من أجزائه إذا تقطّع، أو زادَ فيها أو نقصَ، لم تحْصُلْ الموازنة. وكذلك إذا استوتِ الأجزاءُ وتغيرتِ الكلماتُ بزيادةٍ أو نقيصة، وهذا لا يكادُ يحصُلُ للشاعرِ إلا بعد معرفةِ العَروضِ. وأما أن يقع اتفاقاً من غيرِ قصدٍ له فغيرُ معْتَدٍّ بوقوعه وقد اتفق وقوعُ ذلك في أشعارِ العرب من غير قصد له كثيراً. قال معقّر البارقيّ: ومرّوا بأطنابِ البيوتِ فردّهُم ... رجالٌ بأطرافِ الرماحِ مساعرُ تقطيعُه: ومَرْروا بأطنابلْ بُيُوتِ فَرَْدَهُم فعولُنْ مفاعيلُنْ فعولُ مفاعِلُن رِجالٌ بأطرافِر رماحِ مساعِرُ فعُولُنْ مفاعيلُنْ فَعولُ مفاعِلُن وقال الكِنْدي: لَنا غنَمٌ نُسوّقُها غِزارٌ ... كأنّ قُرونَ جِلَّتِها عِصيُّ تقطيعهُ: لَنا غَنَمُنْ نُسَوْوِقُها غِزارُن مفاعَلَتُن مُفاعَلتُن فَعولُنْ كأن نقرو نَجِلْلَتِها عِصيْيوُ مُفاعلَتُن مفاعلتُن فعولُنْ وقال آخر: لَمِنْ دِمْنَةٌ أقْفَرَتْ ... لسَلْمى بذاتِ الغَضا تقطيعه: لَمِنْ دِمْ نَتُنْ أقْفَرَتْ فَعولُنْ فَعولُنْ فَعَلْ لسَلمى بذاتِلْ غَضا فَعولُنْ فَعولُنْ فعَلْ ومن أشجار الجِن: أشَجاكَ تشَتُّتُ شعْبِ الحيْ ... يِ فأنتَ لهُ أرِقٌ وَصِبُ هذا البيتُ قد تساوَتْ كلماتُهُ وأجزاؤهُ، إلا أن نصفَه الأول في الياء الأولى منَ الحيّ، وبقيتْ الياءُ الثانية مع النصفِ الأخير فخرجَ عن شرْطِ الموازنة. وتقطيعه: أشَجا كَتَشَتْ تُتُشَعْ بِلْحَيْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فعْلُنْ يفَأَنْ تَلَهُو أرِقُنْ وَصِبُو فَعِلُنْ فعِلُنْ فعِلُنْ فعِلُنْ ولو تساوت الكلماتُ وتماثلَ نصفا البيتِ وتغيرَ شيءٌ من الأجزاء لبطَلَتْ الموازنة كقول الشاعر: أفادَ فجادَ، وسادَ فقادَ ... وقادَ فزادَ، وعادَ فأفْضَلْ فعَولُ فعُولُ فعُولُ فَعولُ ... فَعولُ فَعولُ فَعولُ فَعولُنْ فخرج عن الشرط لانتقال فَعولُ الى فَعولُنْ، وكذلك لو تساوت الأجزاءُ وزادَ في الكلمات أو نقَصَ لبَطُلَ اشرطُ. كما قال الشاعر: إذا لم تسْتَطِعْ شيئاً فدَعْهُ ... وجاوِزْه الى ما تستطيعُ النصفُ الأول أكثرُ من الأخير بكلمة وأجزاؤه متساوية. تقطيعه: إذا لمْ تَسْ تَطِعْشَيْأَنْ فدَعْهُو مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعُولنْ وجاوِزْهُ الى ما تَسْ تَطِيعو مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ وهذا مثالٌ في هذا الباب مُقنِعٌ. ومنها: باب التجنيس وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمتين مُقترنتين متقاربتين في الوزْنِ، غير متباعدَتَيْن في النظم، غير نافرتين عن الفهْم، يتقبّلُهما السّمْعُ، ولا ينبو عنهما الطبعُ. فإن زادَ في التجنيس فثلّثَ كان ذلكَ فساداً في الصّنعةِ لأن الكلمتين تتقابلان وتنفردُ الأخرى بغير قرينة، وربما استحسنَ قومٌ من ذلك شيئاً لكثرة استعمالِه وأُنس السّمْعِ به، كقول الطائي: سلّم على الرَّبْعِ من سَلْمَى بذي سَلَمِ فقوله: سلّم وسَلَم كلمتان متقابلتان، وانفردتْ لفظةُ سَلمي بغير قرينةٍ وإنما لأُنسِ السّمعِ باسم سَلْمى والسّلام والسَّلَم صار كأنه شيءٌ واحدٌ، ولوْ ربّعَ لصحّتِ المُقابلة، وإن ثَقُلَتْ الألفاظُ على السّمْعِ والقلبِ، وعاد التكلفُ ظاهِراً عليها. مثالُ التربيعِ أنه كان يقول: سلّمْ سَلمْتَ على سَلْمى بذي سَلَمِ كما قال مسلم بنُ الوليدِ في صفةِ الخمْرِ: سُلَّتْ وسُلّتْ ثم سُلَّ سَليلُها ... فأتى سَليلُ سَليلِها مسْلولا يريدُ أنّها سُلّتْ من كرمِها عِنَباً، ثم سُلّتْ من عِنَبِها خمراً، ثم سُلّتِ الخمرُ من دنِّها. وقيلَ بل أراد رقَّتَها وأنها قد صارتْ مسلولةً من السِّلِّ الذي هو العِلّة. وليس على قُبْحِ هذا البيت زيادة. وقد كان الأصمعيّ يستَبْشِعُ قولَ الشاعر: فما للنّوَى، جَدَّ النّوى، قَطعَ النّوى ... كذاك النّوى قطّاعةٌ لوِصالِ ويقول: لو سلّط الله على هذا البيت شاةً لأكلتْ نواهُ، وأراحتِ الناسَ منه. وأنشد إسحاق المَوْصِلي الأصمعيَّ قولَه:

стр. 11

يا سَرْحَةَ الماءِ قد سُدّتْ موارِدُهُ ... أمَا إليكِ طريقٌ غيرُ مَسدودِ لِحائِمٍ حامَ حتى لا حِيامَ به ... مُحلأٍ عن طريقِ الماءِ مطرودِ فقال الأصمعي: أحسنتَ في الشعر غير أنّ هذه الحاءات لو اجتمعت في آيةِ الكُرسيّ لعابَتْها. وروَيْنا عن بعض المشايخِ أنه كان يقول: مثَلُ التجنيسِ في البيت الخالُ الواحدُ في الخدِّ، فإذا كثُرَ انتقلَ من الاستحسان الى الاستقباح، وربّما طَمَسَ محاسِنَ الوجْهِ. وفي بيت الطائيّ صنعةٌ جيدةٌ وهي ردُّ عروضِهِ على صدرِهِ. والتجنس ينقسم الى أقسام، فمنه: أ - التجنيس المَحْض. ومعنى المَحْض الخالِصُ وكأنّه من أصل واحدٍ في مسموعِ حروفِه، وسُمّي اللبنُ الحليبُ مَحْضاً لأنه لم يخالِطْهُ الماءُ. قال أبو حيّةَ البَجَليّ: يُعِدُّها للعِدَى فتيانُ عادِيةٍ ... وكلُّ كَهْلٍ رَحيبِ الباعِ صِهْميمِ قولُه: العدى وعادية تجنيسٌ محضٌ، وقولُه: يُعدُّها للعدى تجنيس مُشابِه. والصِّهميمُ الذي لا يُثنى عن مُرادِه. وقال مِسْكينُ بن نضر البَجَلي: وشُبِّهَ موضِعُ الأحْلاسِ منها ... صَفاةَ مُعَبَّدٍ جدَدِ الصَّفاءِ الصفاةُ الصخرةُ الملساءُ، والصفاءُ الطريقُ الواضحُ. وقال أيضاً: فقلتُ له طالَ الوقوفُ وسامَحَتْ ... قَرونَةُ من قارَنْتَ والظِّلُّ آلِفُ وإنْ لَقِيَ النَّعْماءَ لاقَتْ بساكِنٍ ... كريمٍ وزَوْلٍ إن ألمّ الجوارِفُ وقال الفرزدَق: وإنّ تميماً لمْ تكُنْ أمُّهُ ابتغَتْ ... لهُ صِحّةً في مهدِهِ بالتّمائِمِ وقال عنترة: كأنّها يومَ صدّتْ ما تُكَلِّمُنا ... ظَبْيٌ بعُسفانَ ساجي الطَّرْفِ مَطروفُ وقال سُدَيْف: بالصدورِ المُقَدَّماتِ قديماً ... والرؤوسِ القَماقِمِ الرُّؤاس دَعَموا الدينَ بالطِّعانِ فأضْحى ... واضحَ النّهْجِ بعدَ ميلِ الأواسي وقال يزيد بن جدعاء: وهم صَبَّحوا أخرى ضِراراً ورهْطَهُ ... وهُمْ تَرَكوا المأمومَ وهوَ أميمُ المأموم الذي يهذي من أمّ رأسه، والأميمُ حجر يُشْدخ به الرأس. وقال يزيدُ بن عبدِ المَدانِ الحارثيّ: أحالَفْتُمُ جَرْماً علينا ضَغينةً ... عَداوتُكم في غيرِ جُرْمٍ ولا دمِ كفانا إليكُم حَدُّنا وحَديدُنا ... وكَفٌّ متى ما تطلبِ الوِتْرِ تَنْقَمِ جَرْمٌ قبيلةٌ، وقولُهُ في غير جُرْمٍ أي في غير ذنْبٍ وحدّنا يعني بأسُنا مأخوذٌ من حدّ السّيفِ، وحديدُنا أي قوّتنا، وكفانا وكفّا من بابِ التجنيس المُغايرِ، وسيأتي ذكرُه. وقال آخر: بانَتْ رميمُ وأمْسى حبْلُها رِمَمَا ... وطاوَعَتْ بكَ من أغرى ومَنْ صَرَما رميمُ اسمُ امرأة. ومنه: ب - تجنيسُ اللفظِ وربما سمَّوْهُ المُطْلَق. قال جرير: حلأّتِ ذا سَقمٍ يَرى لشِفائِهِ ... وِرْداً ويمْنَعُ إنْ أرادَ وُرُودا فيه جناسٌ وطباق. وقال ذو الرُّمّة: تَرى القِلْوةَ الحَقْباءَ منها كفارِكٍ ... تصدّى لعَينَيْها فصدّتْ حليلُها حليلُها فاعل، تصدّى وصدّت تجنيسٌ باللفظِ مُطابق بالمعنى لأنّ التصدي خلافُ الصُّدود. وقال الأفْوَهُ الأوْدِيّ: وأقْطَعُ الهَوْجَلَ مُستأنِساً ... بهَوْجَلٍ عَيْرانَةٍ عَنْتَريسِ الهَوْجَلُ البَرّيةُ الواسعةُ، والهَوْجَلُ الناقةُ السّريعة. وقال النابغة: وأقْطَعُ الخَرْقَ بالخَرْقاءِ قد جعلَتْ ... بعدَ الكَلالِ تَشكّى الأيْنَ والسّأَما وقال مِسكين الدارميّ: وأقطعُ الخَرْقَ بالخَرْقاءِ لاهيةً ... إذا الكواكبُ كانت في الدِّجى سُرُجا الخَرْقُ البَرِّيةُ العظيمةُ والخَرْقاءُ الناقةُ التي تتخرّقُ في الجَري. وقال القُطاميّ: صَريعُ غَوانٍ راقَهُنّ ورُقنَهُ ... لدُنْ شَبَّ حتى شابَ سُودُ الذّوائِبِ فشبَّ، شابَ، تجنيسُ لفظ، وهو طِباقٌ لأنهما ضِدّانِ من الشَبابِ والشَّيْبِ. وقال عليُّ بنُ جَبَلة: ورَدّ البِيضَ والبيضَ ... الى الأغْمادِ والحُجُبِ

стр. 12

يقول: كَفا الحربَ بهيبتِهِ وصانَ النسوانَ بسطوتِه. وهذا بيتٌ حسنٌ المقابلةِ لأن البيضَ الأولى هي السيوفُ، فبدأ في المصراعِ الثاني بذكرِ الأغمادِ، والبيضُ الثانية هي النساءُ فأخّر ما يتعلق بِهنّ وهي الحُجُب. وقال ابن أحْمَر: لَبِسْنا حِبْرَهُ حتّى اقْتُضينا ... بأعمالٍ وآجالٍ قُضينا قيل فيه الاقتضاء طلبٌ، والقضاء أداء. فاللفظُ تجنيس، والمعنى تطبيقٌ. ويجوز أن يكون قضين قُدِّرن وعُلمْنَ، فيكون تجنيساً لفظياً فقط، وهو عندي أمْثَل من الأوّل. وقال القُحَيْف: وكيف ولا يَجري غُرابٌ بغُرْبَةٍ ... ولا تُذكَرُ الأُلاّفُ إلا تَبَلّدا وقال أسْماءُ بنُ خارجة: إني لسائِلُ كُلِّ ذي طِبِّ ... ماذا دَواءُ صَبابةِ الصَبِّ وقال أيضاً: إذ ليسَ غيرُ مَناصِلٍ نَعصا بها ... ورِحالِنا وركائِبِ الرّكْبِ وقال القُحَيْف: حياً وحَياةٌ ما تَضُرُّ جُنودُهُ ... بريئاً وتختصُّ الأثيم المُعتلا وقال سعدُ بن الغُرَيْر الأنصاري: أحُرٌّ هِجانٌ أم هَجينٌ مُعَلْهَجٌ ... تُغادي الشروبَ أمُّهُ وتُراوِحُ وقال أبو جِلدة: وتجنّيْتُمُ الذُّنوبَ ضَلالاً ... وبكَيْتُمْ للظّالِم المظلومِ الظالم ضد المظلوم وهُما مُشتقانِ من الظُّلمِ تجنيسٌ وطباقٌ. وقال القُطاميّ: وعليكِ أسماءَ بنَ خارجةَ الذي ... علِمَ الفَعالَ وعلّم الفِتيانا علِمَ وعلّمَ تجنيسٌ باللّفظ مُطابقٌ من أجل أنّ علِمَ قبولُ شيءٍ وعلّم بذْلُه، والبذلُ ضدُّ القبول لأن هذا أخذ وهذا أعطى. وقال عُقال بن هاشمي القَيْني: فجهدُ الناسِ غيرُ بنى عَليٍّ ... علَيّ إذا رمى الضَرَمُ الشَرارا ومنه: ج - التجنيسُ المغايرُ: وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمتين: إحداهما اسمٌ والأخرى فعلٌ، كقوله تعالى: " وأسْلَمْتُ معَ سُلَيْمان "، وكقولهِ تعالى: " إني وجّهتُ وجهي " وقوله تعالى: " أزِفَتِ الآزِفَة "، وقوله تعالى: " أنا آتيكَ به قبْلَ أن تقومَ من مَقامِكَ "، وقوله تعالى: " فلا نُقيمُ لهُم يومَ القِيامةِ وَزْنا "، وقوله تعالى: " وإذا أنْعَمْنا على الإنسانِ أعْرَضَ ونأى بجانبِه وإذا مسّه الشرُّ فذو دُعاء عريض ". فأعرضَ وعريض تجنيسٌ مُغايرٌ. وهذا التجنيس يستحسنُه أهلُ البديعِ في الشِّعرِ وهو كثيرٌ جداً، وإنما نذكرُ منهُ طَرَفاً يسيراً للتأنُّسِ به والاستراحةِ إليه. وقال امرؤ القيس: لقد طمِحَ الطَمّاحُ من بُعْدِ أرضِهِ ... ليُلْبِسَني من دائِهِ ما تلَبَّسا وقال الشّنْفَرى: فَبِتْنا كأنّ البيتَ حُجِّرَ فوْقَنا ... بريحانةٍ رِيحَتْ عِشاءً وطُلَّتِ وقال الأقرعُ بنُ مُعاذ: وأنتَ رَهينُهُنّ وكلُّ حَيٍّ ... الى أجلٍ ستشَعبه شَعوبُ شَعوبٌ اسمٌ من أسماء المنيّةِ. وقال ذو الرّمّة: كأنّ البُرَى والعاجَ عِيجَتْ مُتونُه ... على عُشَرٍ نَهّى بهِ السَّيْلَ أبطَحُ وقال عَمرو بن خالد التّغلبيّ: لحِقوا على لُحُقِ الأياطلِ كالقَنا ... قُودٍ تُعَدُّ لكل يومِ غِوارِ وقال عِقالُ بنُ هاشم القَيْنيّ: الشّيْبُ يَنْهى من يكونُ له نُهىً ... والحِلْمُ يزْجُرُ جهلَهُ فيوقَّرُ وقال أيضاً: حَوْراءُ مثلُ مَهاةِ وحشٍ صارَها ... بمكانِسِ الصِّيرانِ طفلٌ أحْوَرُ صارَها أمالَها، صُرْتُ الشيءَ أصُورُه، وأصَرْتَهُ أمَلْتهُ، والاسم الصَّوَر. والصيران بقرُ الوحش. وقال العَرْجي: وأسري إذا ما ذو الهَوى هالَهُ السُّرَى ... وأُعمِلُ ليلَ الناجياتِ العواملِ وقال دُرَيْد بن الصِّمّة: أُقَدِّمُ العُودَ قُدّامي فأتْبَعُهُ ... وقد أراني ولا يَمشي بي العُودُ وقال الآخر: جَرّى الخيول ابنُ ليلى وهي ساهِمةٌ ... حتى أغَرْنَ مع الظلماءِ إذ ظُلِما وقال الآخرُ وهو من بني عبس: أبلغْ لديكَ أبا سعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... أنّ الذي بينَنا قدْ ماتَ أو دَنِفا

стр. 13

وذلكم أنّ ذُلَّ الجارِ حالَفَكُمْ ... وأن أنْفَكُمُ لا تأنَفُ الأنَفا وقال آخر: وقد باكَرَتْنا أمُّ بكْرٍ تلومُنا ... وليسَ علينا اللومُ فيه كبيرُ وأنشدَ ثعلبُ عن عما بن أبي تمام الأعرابي: تَفَقْعَسَ حتى فاتَهُ المجدُ فَقْعَسٌ ... وأعْيا بنو عَيّا وضَلّ المُضَلِّلُ هذه قبائل. ومنه: التجنيسُ المُقارب ومعناهُ أنه يُقاربُ التجنيسَ وليس بتجنيس، كما قال محمدُ بن عبد الملِك الأسَديّ: ردَّ الخليطُ أيانِقاً وجِمالا ... وأرادَ جيرتُك الغَداةَ زِيالا ردّ وأراد يُشبهُ التجنيس للتقارب وليسَ بتجنيس. وقال القِطاميّ: كأنّ الناسَ كلَّهُمُ لأمٍّ ... ونحنُ لعلّةٍ علَتِ ارتفاعا وقال الأعرابي: أخو شُقّةٍ يشتاقُه المجدُ فُرصةً ... الى أهلِهِ أو ذمةً ليس تُخْفَرُ وقال أبو قيسٍ بن الأسلت: أعدَدْتُ للأعداءِ فَضْفاضَة ... مَوضونَةَ كالنّهْي بالقاعِ ومثلُهُ قولُ قيس بن زهير: يُعدّونَ للأعداءِ كُلَّ طِمِرّةٍ ... وأجردَ محبوكِ الخصائلِ صِلْدِمِ وقال لبيد: لو كان غيري، سُلَيْمى، اليومَ غيّرهُ ... وقعُ الحوادثِ إلا الصّارمُ الذَّكَرُ سُلَيمى، اسم امرأة وهو مُنادَى، ومعناهُ: لو كان غيري، غيْر الصارم الذكر، غيّرَهُ وقعُ الحوادث. فرفع الصارمَ الذّكرَ على الصفة. كما قيل: وكلُّ أخٍ مُفارقُهُ أخوهُ ... لعمرُ أبيكَ، إلا الفَرْقَدانِ وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان: تلافيت عثْرَتَه بعد ما ... تمالى الموالي على قَتْله وقال كعبٌ الأشقريّ: ودُرْنا كما دارَتْ على قُطبِها الرَّحا ... ودرّتْ على هامِ الرجالِ الصفائحُ وقال زهيرُ بن أبي سُلمى: كأنّ عيني وقد سالَ السَّليلُ بهِمْ ... وجيرَةٌ ما هُمُ لو أنّهُمْ أمَمُ هذا البيت أدخلَهُ ابنُ المعتز في المجنَّس المَحْضِ. وأنا ما رأيته من ذلك الباب لأن السّليل من الانسلالِ وهو الخروج من الشيء، كما تقول انسلّ الرجلُ من ثوبِه إذا خرج منهُ، وسالَ الماءُ يسيلُ من السيلان وهو الجَرْي، ومنه السّيْلُ وهو الماءُ المُتدافِع. وهذا التجنيسُ متقاربٌ متشابهُ غير محضٍ. وابن قُدامة تبعَ ابن المعتز في ذلك. وقال ركّاضٌ الأسدي: رأتْكَ تُسيرُ العِيرَ في سَوْرَةِ الضُّحى ... إليها فقالتْ سمْعُ أذنيَ قائِلُهْ تسيرُ وسَوْرة مُقارِبٌ للتجنيس ومنه: تجنيس المعنى وهو أن يأتي الشياعر بألفاظٍ يدلّ معناها على الجناس وإن لم يذكره. قال الشاعر يمدحُ المُهلَّب: حَدا بأبي أمِّ الرِّيال فأجفلتْ ... نَعامتُه من عارِضٍ يتهلَّبُ يذكرُ فِعْلَ المهلَّبِ بقَطريّ بن الفُجاءةَ، وكان قَطَريّ يلقبُ أبا نعامة فأراد أن يقول: حَدا بأبي نعامة فأجْفَلتْ نعامتُهُ أي روحُه فلم يستقِمْ له فقال بأبي أم الرئال النعامة، وهو جمع رأْل. وقال حُريثُ بن مُحَفِّض المازني: فإنْ يأتِنا يرجِعْ سُوَيْدٌ ووجهه ... عليهِ حِبابا غُبرَةٍ وقَتامِ أراد أن يقول: سَواد فلم يمكنه فقال غُبْرَةٌ وقَتامُ، وهما أسودان. وقال الشّمّاخ: وما أرْوى وإنْ كرُمَتْ علينا ... بأدنى من موقّفةٍ حَرونِ ويُروى حَزون أي هي بالحَزَن من الأرضِ وهو ما غلُظَ وارتفع من الأرض، وأرْوى امرأة، والموقَّفةُ الحَرون أروى من الوحشِ وبها سُمّيت المرأةُ، فلم يمكنْهُ أن يأتي باسْمها فأتى بصفتِها كأنّه قال: وما أروى هذه بأدنى من أرْوِيّة الوحشِ. وقال الكندي: قولا لدودانَ عَبيدِ العَصا ... ما غرّكُمْ بالأسدِ الباسلِ دُودان من بني أسد، يُقال لهم عَبيدُ العَصا فكأنه أرادَ قُولا لبني أسد، ما غرّكُم بالأسَدِ البايل. وقال المطرودُ الخُزاعي: الضاربينَ الكَبشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ ... والمانعينَ البيضَ بالأسيافِ

стр. 14

هذا البيتُ فيه عدةُ وُجوه: منها التلميعُ وهو الضاربين والمانعين، ومنها تجنيسُ اللفظ وهو البَيْضُ والبِيضُ، وتجنيس المعنى وهو البِيض يعني النساء، والأسيافُ جمع سَيْف في القلةِ، والأسياف البيضُ. فكأنه أراد أن يقولَ: والمانعين البِيضَ بالبيض فلم يَسْتَوِ له فقال: والمانعينَ البيض بالأسيافِ. ومنه: المُجَنَّسُ المُطْمع وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمة ثم يبدأ في أختها على وفْقِ حُروفِها فيُطمِعَ في أنه يجيءُ بمثلِها فيُبدِل في آخرِها حرفاً بحرف، وهو حسَنٌ في التجنيس. قال الحطيئة: مطاعينُ في الهَيْجا مطاعيمُ في الدُّجى ... بَنى لهُمُ آباؤهمْ وبنى الجدُّ وقال مُزَرِّد: تُراوِحُ سَلْمى دارَها كلُّ رَعْلَةٍ ... غَرابيبُ كالهندِ الحوافي الحَوافِدِ وقال أبو كَدْراء العِجْلي: نهضتُ الى حديدٍ مَشْرَفيٍّ ... حديثِ الصّقلِ مأثورٍ حُسامِ وقال الخَطيمُ المحرزيّ: لَياليَ شهرٍ ما أُعرِّسُ ساعةً ... وأيامَ شهرٍ ما أعرِّجُ دائِبِ أطمَعَ أنه يُجنس أعرِّس فقال أعرِّج فأبدلَ الجيمَ من السّين. فاللفظ تجنيسٌ ممُطمِع، والمعنى تطبيق، لأن التعريسَ في آخر الليلِ والتعريجَ في آخر النهار. وقال أبو بكر بن حَنظَلة العَنْزيّ: مُفيدٌ مُفيتٌ ما تجيءُ دراهمي ... إذا جِئنَ إلا عابراتِ سبيلِ هذا مُجنَّسٌ مطمِع مطابِقُ المعنى واللفظ، وذلك أنّ المفيد الجامع والمفيت المفرِّق، ومنه: التجنيس المُبذَل وهو قريب من المُطْمِع. قال الزِّبْرَقان بن بدر: فُرْسانُ صِدْقٍ في الصباحِ إذا ... كثُرَ الصِّياحُ ولُجَّ في النَّفْرِ أبدلَ الياءَ من الباء. وقال علْقَمةُ بن عَبَدَة: أطعْتَ المُشاةَ والوُشاةَ بصَرْمِها ... فقد وهنتْ أسبابُها للتّقَضُّبِ أبدلَ الواوَ من الميم. وقال العُدَيْل: أخا شُقّةٍ قد شفّهُ دَلَجُ السُّرَى ... يَبيتُ يرومُ الهَمَّ كلَّ مَرامِ أبدلَ الفاء من القافِ. وقال خُفافُ بن نَدْبَة: بالضّابِطِ الضابعِ تقريبُهُ ... إذْ وَنَتِ الخيلُ وذو الشاهِدِ أبدلَ العينَ من الطاء. وقال جوّاسُ بنُ القَعْطَل: شهدتُ لها وغابَ أبو بُرَيْدٍ ... مجالسَ لو رآها الشيخُ غارا غابَ وغارَ أبدلَ الراءَ من الباء. وقال عمرو بن شَأس: نحنُ الذينَ لحِلْمِنا فضْلُ ... قِدْماً وعندَ خطيبنا فَصْلُ أبدل الصادَ من الضادِ. وقال عِمْران بن حِطّان: إنْ تَقُدْهُ تقُدْ شَديداً سَديداً ... فهو يمشي كمِشْيَةِ المُخْتالِ أبدلَ السّينَ من الشين. وقال كعبُ بن جُعَيْل: فتسْمَحُ لي بالدمعِ حُزْناً لذكرِهِ ... وتسفحُ منه لا بكيئاً ولا نَزْرا أبدلَ الفاءَ من الميم. وقال أبو حيّة النُّمَيْريّ: وكأنّما جُعِلَتْ لهُنّ رَوادِفاً ... كُثُبٌ رواجفُ من سَماءِ جُرادِ جُرادُ اسمُ رملةٍ. أبدلَ الجيمَ في رواجف منَ الدال في روادف. وقال المُلَيْحُ الهذليّ: أفي أربُعٍ فيهنّ للريحِ مَدْرَجٌ ... ومَغْدًى على معروفهِنّ ومَدْلَجُ أبدلَ اللامَ في مَدْلجٍ من الرّاء في مَدْرَجٍ. وقال معْنُ بن أوسٍ: وقد قُلتُ إذ قامَتْ وقالتْ فأعْرَضَتْ ... تجُرُّ قَشيباً من حَبيرٍ ومِجْسَدا أبدل اللامَ في قالت من الميم في قامَتْ. والشعرُ في هذا الباب كثيرٌ وفيما نذكرُه من الأمثلةِ وفي غيره مَقْنَعٌ لمن أراد، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ومنه: المجنس المختلف أنشدَني اليَزيديّ: بكرومٍ وبدورٍ وقَنا ... تتثنّى فوقَ كُثْبانِ النَّقا قنا ونقا مجنَّس مختلف. وقال الحارثُ بن خالد المخزومي: وكَلِفْتُ منهنّ الغَدةَ بغادةٍ ... ممْكورةٍ جُدِلَتْ كجَدْلِ عِنانِ وقال أبو دَهْبَل: قد كانَ في آلِ موسى قبْلَهُ جسَدٌ ... عِجْلٌ إذا خارَ فيهم خَوْرَةً سَجَدوا وقال حُمَيْد بنُ ثوْرٍ: نضعُ الزيارةَ حيثُ لا يُزري بنا ... شَرَفُ المُلوكِ ولا يَخيبُ الزُوَّرُ

стр. 15

قِيلَ للأصمعي: إن أبا تمام الأعرابي قال: إنما هو سَرفُ الملوك بسين غير معجمة، قال الأصمعي: أخطأ الرجلُ، أما تعلَم أنّه يكونُ شرفٌ دون شرفٍ دونَ أزرى بنا، قلت هذا شرحٌ كما تراه. والذي ذهب إليه أبو تمام الأعرابي وجْهٌ مقبول. ومن أجودِ ما يُروى في هذا الباب قول الطائي وهو: بِيضُ الصفائِحِ لا سودُ الصحائِفِ في ... مُتونِهِنَّ جلاءُ الشكِ والرِّيَبِ ومنه: تجنيسُ الخَطّ ويُسمى التصحيف وهو أن تردَ الكلمتان فلا يفَرَّق بينهما إلا بالنقْط. قال الله تعالى: (وهُمْ يحسَبون أنهم يُحسِنون صُنْعاً) وقال عُرْوةُ بن جَندل الفَقْعَسي: لياليَ أسبابُ المودةِ بيننا ... على البُخْل أحلى عندنا من جَنى النَحْلِ البُخْل والنَحْل تجنيسُ الخَط. وقال الفرزدق: عزَفْتَ بأعشاشٍ وما كِدْتَ تعزِفُ ... وأنكرْتَ من حَدراءَ ما كنتَ تعرِفُ تعزفُ وتعرفُ تجنيس الخط. وقال أبو دُؤاد الإيادي: ورَدْتُ بعَيْهامةٍ جَسْرةٍ ... فغبَّتْ سِمالاً وهبّتْ شِمالا وقال الأفْوَهُ الأوْدي: حتى حنَى منّي قَناةَ المطا ... وقنّعَ الرأسَ بلَوْنِ خَليس وقال ابنُ قيس الرُّقَيّات: رَجَعوا منكَ لائمينَ فكلٌ ... راحَ من عندِكم حزيناً حَريبا وقال بَلعاءُ بنُ قيس: إلى رَوْضٍ به نفَلٌ وبقْلٌ ... يُغنّي في أسرّتِه الذُّبابُ نفلٌ وبَقْل تجنيس الخط. وقال عبَيْدُ بنُ ماوِيَةَ الطّائي: ونُعْمُ بما أرْسَلَتْ بالَها ... ونالَ التّحيّةَ مَنْ نالَها وإني لَذو مِرّةٍ مُرّةٍ ... إذا ركِبَتْ حالةٌ حالَها وقال الفرزدق: وما وجدَ الشّافونَ مثلَ دمائِنا ... شِفاءً ولا الساقون من عسَلِ النّحلِ ومنه تجنيس البَعْض: قال القُطاميّ: بأحسنَ من جُمانةَ يومَ رَدّوا ... جِمالَ البَيْنِ واحْتَملوا نهارا جُمانة وجِمال تجنيسُ البَعض. وقال أيضاً: وكانتْ ضَرْبةً من شَدْقَمِيٍّ ... إذا ما اسْتنّتِ الإبلُ استِناعا استنّتْ واستناعاً مُجنَّس البعض. وقال الطمّاح العُقَيْلي: مَخَبُّ مَخاضِ ابنَيْ قُشَيْرٍ كأنّها ... نَعامٌ بجِزّان الحَزابيِّ توسَقُ وقال عبدُ الله بن عبد الأعلى: وكمْ منْ حديدٍ قدْ تخوَّنَهُ البِلى ... ومنْ مَعْقِلٍ خانتْ قِواهُ القَواعدُ وقال مالك بنُ عوفٍ النَّصْري: مِخْرادِ دَلٍّ فلا عِيٌّ ولا سَنَةٌ ... والخَلْقُ مثلُ عَسيبِ الغابةِ الغادي وقال العُجَيْرُ السَّلوليّ: تَروّى منَ البَحْرَيْنِ ثم تروّحَتْ ... بهِ العينُ يُهديهِ لظَمياءَ ناقِلُهْ تروّى وتروّحَتْ مُجنَّسُ البعض، وتروّى وظَمْياء تطبيق. وقال أبو الجُويريَة: ومُسْتأسِرٍ للبَردِ قوّمْتُ رأسَهُ ... مُكارهةً والليلُ مستأنفٌ طِفْلُ مُستأسِرٌ ومستأنفٌ مجنّس البعض. وقال أبو الطَّمَحان القَيْني: ألا ليتَني أوْدَيْتُ إذ أنا صالِحٌ ... وإذْ أنا جانٍ للعدوِّ وجارِحُ جانٍ وجارحٌ مجنَّسُ البعض. وقال أسدُ بنُ كُرْزٍ البَجَليّ: صناديدُ أيْسارٌ مداعيسُ بالقَنا ... مساعيرُ في الهَيْجا مَسافيكُ للدَّمِ مساعيرُ ومسافيكُ مجنسُ البعض. وقال القُطامي: حتى تَرَى الحُرّةَ الوجْناءَ لاغِبَةً ... والأرْحَبيَّ الذي في خَطْوِهِ خَطَلُ خطوه وخطلُ مُجنس البعض. ومنه المجنسُ المُتَمَّم وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمة ثمّ يأتي بأُخْتِها إلا أنه يتمِّمُها بحرف أو حرفين من غير حُروفهما. قال حمَلُ بنُ بَدْر: لَقينا ولاقَونا بجُرْدٍ معَدَّةٍ ... تكنَّفُ فيهنَّ القَنا والقَنابلُ القَنا والقَنابلُ مجنسٌ متمَّم. وقال حسّان في مثلِه: وكنّا متى يَغْزُ النبيُّ قبيلةً ... نصِلْ حافَتَيْهِ بالقَنا القَنابِلِ وقال عمرو بنُ شأس: تذكّرتُ ليلى والرِّكابُ كأنّها ... قَطا مَنْهَلٍ أمَّ القَطاطَ فلَعْلَعا وقال عُقبةُ بنُ كعب بن زهير:

стр. 16

وكَرّتْ بألحاظِ المَها وتبسّمَتْ ... بعَجْفاءَ عن غُرٍّ لهُنّ غُروبُ غرٌّ وغروبٌ تجنيسٌ مُتمم. وقال النابغةُ الجَعْدي: لها نارُ جِنٍّ بعْدَ إنسٍ تحوّلوا ... وزال بهم صرْفُ النّوى والنوائِب وقالت الخنساء: إنّ البُكاءَ هوَ الشِّفا ... ءُ منَ الجَوى بيْنَ الجوانِحْ وقالت أيضاً: فقَدْ فقَدَتْكَ رَعْلَةُ واستراحَتْ ... فليْتَ الخيلَ فارسُها يَراها وقال الأخنسُ بنُ شِهاب: وحامي لواءٍ قد قتَلْنا، وحامِلٍ ... لواءَ منَعْنا، والرماحُ شَوارعُ فقولُه حامي وحامِل جناسٌ متمَّم، وفي البيت ترصيع. وقال كعبُ بن زهير: ولقَدْ علِمْتِ وأنتِ غيرُ حَليمةٍ ... ألاّ يُقرِّبُني الهَوى لهَوانِ ومن مَليحِ هذا القِسْم من التجنيس قولُ الطائي؛ أخْبَرني عبدُ الرحمن الواسطي بقراءتي عليه قال: أنبأَني ابنُ خَيْرون عن الجَوْهَري وابنِ المُسْلمة قالا: أخبرَنا المرزباني عن شُيوخه قال: استَنْشَدَ عُمارةُ بن عَقيل بن بلال بن جرير أصحابَ أبي تمّام شيئاً من شِعْرِه فأنشَدوه: إذا ألْجَمَتْ يومً لُجيْمٌ وحولَها ... بنو الحِصْنِ نجْلُ المُحصَناتِ النّجائِبِ فإنّ المَنايا والصّوارِمَ والقَنا ... أقاربُهُم في الرّوعِ دونَ الأقاربِ إذا الخيلُ جابَتْ قسْطَلَ النّقعِ صدّعوا ... صُدورَ العَوالي في صُدورِ الكتائبِ يمدّون من أيْدٍ عَواصٍ عَواصمٍ ... تَصولُ بأسْيافٍ قَواضٍ قواضِبِ فقال عُمارة: لله دَرُّه! كأنّ ردّاتِه ردّاتُ جرير، فسمّى التجنيس ردّاتٍ. قوله: عواصٍ وعواصم، وقواضٍ قواضِب من مستحسن التجنيس المُتمم. ومنه: تجنيسُ القَوافي قال النابغة الذبياني: ترى الراغبينَ العاكفينَ ببابِه ... على كل شِيزَى أُترِعَتْ بالعَراعِرِ لهُ بفناءِ البيت دهماءُ جَوْنَةٌ ... تلَقّمُ أوصالَ الجَزورِ العُراعِرِ العَراعر الأسْنمة، والعُراعر الضّخْمَة الكبيرة. وقال قيسُ بن زهير: أظنُّ الحِلْم دلّ عليّ قومي ... وقد يُسْتَجْهَلُ الرّجلُ الحليمُ وكم مارَسْتُ في دهري رِجالاً ... أُباةً لا تُغِبُّهُمُ الحُلومُ الحليمُ: الرجلُ ذو الحِلْمِ، والحُلوم: جمع حِلْم، ولما اختلفَ المعنى حسُنَتْ المُقاربةُ بين الكلمتين. وقال العَرْجيّ: سمَّيْتَني خَلَقاً لحُلّةٍ خلقَتْ ... ولا جديدَ إذا لم يُلبسِ الخَلَقُ ارجِعْ الى الحَقِّ إمّا كُنتَ قائِلَهُ ... إنّ التخلُّق يأتي دونَهُ الخُلُقُ وقال أعشى بني أبي ربيعة: أبو العِيصِ والعاصي وحرْبٌ ولم يكنْ ... أخٌ كأبي عَمروٍ يُشَدُّ به الأَزْرُ صَفَتْ منهمُ الأعراضُ من كلِّ ريبةٍ ... تُخافُ وطابت في معاقدِها الأُزْرُ وقال عمرو بن امرئ القيس الأنصاري: خالَفْتُ في الرأيِ كلَّ ذي فجَرٍ ... يا مالِ والحقُّ غيرُ ما نَصِفُ نمشي الى الموتِ من حفائِظِنا ... مَشْياً ذَريعاً وحُكمُنا نَصَفُ نصِفُ من الوصف، ونَصَفٌ من النَّصَفة. وقال أشيمُ بن شَراحبيل: إذا سألتَ تميماً عن شِرارِهِمِ ... فاطلُبْ أُسيِّدَ حتى تُدرِكَ السَّلَفا مثل الإماءِ إذا ما جُلْبةٌ أزِمَتْ ... لا يَيْسَرون ولا تَلْقى لهم سُلَفا السَّلَفُ الماضي والسُّلَفُ الطعام اليسيرُ يُقدَّم قبلَ الغَداء، واحِدتُهُ سُلَفَة بالضم، ومن ذلك قولهم سلَّفْتُ الرَّجُلَ تَسْليفاً، وإذا أطعَمْتَهُ شيئاً معَجَّلاً قبلَ غدائِهِ. وقال ابنُ عبْدَلٍ الأسَدي: وإنّي لأستَغْني فما أبْطَرُ الغِنَى ... وأعرِضُ معْروفي على مُبْتَغي عَرْضي وأُعْسِرُ أحياناً فتَشْتَدُّ عُسْرَتي ... وأدرِكُ ميْسورَ الغِنى ومعي عِرْضي وقالت جُمانةُ العَبْسيّة: أبي لا يَرى أن يُسلَبَ اليومَ دِرْعَهُ ... وجَدّي يَرى أنْ يأخُذَ الدِرعَ من أبي

стр. 17

فرأيُ أبي رأيُ البخيلِ بمالِهِ ... وشيمةُ جدّي شِيمةُ الحالفِ الأبي وأنشدَ ابنُ الأعرابي: شِرابُه كالحَزِّ بالمَواسي ... ليسَ برَيّانَ ولا مُواسِ أراد بشِرابِهِ مُشاربَتَه. وقال أبو دهْبَل: أليس عزيزاً أن تكوني ببَلدَةٍ ... كِلانا بها ثاوٍ ولا نتكلّمُ مُنعَّمَةٌ لو دبَّ ذَرٌّ بجِلْدِها ... لكادَ دَبيبُ الذَرِّ بالجِلْدِ يُكْلَمُ وقال عمرو بن قَميئة: أولئكَ قومي آلُ سعْدِ بنِ مالِكٍ ... تمالَوْا على ضِغْنٍ عليّ وإلغافِ فكلّ أناسٍ أقربُ اليومَ منهُمُ ... إليّ ولو كانوا عُمانَ أولي الْغافِ الإلغاف الجَوْر والظلم، وقوله: أولي الغاف أي أصحاب الشجر وأنشدَ المدائني للخليل بن أحمد: يا وَيْحَ قلبي من دواعي الهوى ... إذْ رحَلَ الجيرانُ عندَ الغُروب أتْبَعْتُهم طَرْفي وقدْ أمْعَنوا ... وفَيْضُ عيْنيَّ كفيْضِ الغُروبْ بانوا وفيهم حُرّةٌ طَفْلَةٌ ... تفْتَرُّ عن مكنونِ حَبِّ الغُروبْ الغروبُ الأول غروبُ الشمس، والثاني جمْعُ غَرْب وهو الدلو الكبيرة، والثالثُ الكُفُرَّى وهو الطّلْع. وأنشد أبو العبّاس ثعْلَب: أتعرِفُ أطلالاً شَجَوْنَكَ بالخالِ ... وعيْشَ زمانٍ كان في العُصُرِ الخالي لياليَ ريْعانُ الشبابِ مسلَّطٌ ... عليّ بعِصْيانِ الأمارَةِ والخالِ وإذْ أنا خِدْنٌ للغَويّ أخي الصِّبا ... وللغَزل المرّيحِ ذي اللهوِ والخالِ ليالي تُكْنَى تسْتَبيني بِدَلِّها ... وبالنّظرِ الفتّان والخدّ والخالِ إذا سكنَتْ رَبْعاً رَئِمْتَ رِباعَها ... كما رَئِمَ المَيْثاءَ ذو الرَّيْثةِ الخالي ويقتادني منها رخيمٌ دلالُهُ ... كما اقتادَ مُهْراً حين يألفُه الخالي الخالُ الأول موضع، والثاني الماضي، والثالث العُجْب، والرابع الذي لا زوجةَ له، والخامس النّقطةُ السوداء، والسادسُ الذي ليسَ له مُعين، والسابع الذي يسوسُ الدّوابّ. ومنه: التنجيسُ المماثل وهو أن تكونَ الكلمتان اسْمَيْن أو فِعلين كما قال الله تعالى: " فَرَوْحٌ ورَيْحان "، اسمان، وكقوله تعالى: " وجنا الجنّتَيْن دانٍ "، وقوله تعالى: " يا أسَفي علي يوسفَ " وكقول النبي ﷺ : " الظُّلْمُ ظُلماتٌ يوم القيامة "، وقوله ﷺ : " لا يكونُ ذو الوجهين وجيهاً يوم القِيامة " وقال جرير: فما زالَ معقولاً عِقالٌ عن النّدى ... وما زالَ محبوساً عن الخيرِ حابسُ وقال النابغة الذبياني: قالتْ أراكَ أخا رَحْلٍ وراحِلةٍ ... تَغْشى مَتالِفَ لنْ ينظِرْنَكَ الهَرَما وقال سُحَيْم بنُ وَثيلٍ الرِّياحيّ: وإنّي لا يعودُ إليّ قِرْني ... غَدةَ الغِبِّ إلا في قَرينِ أي ومعَهُ آخر. وقال آخر: لياليَ ليْلَى لم يُشَبْ عذْبُ مائِها ... بمَلْحٍ وحَبْلاها متينٌ قُواهُما يعني حبْلَ مودّتِها له وحَبْل مودّته لها. وقال العجّاج: وابنةُ عبّاسٍ قريعِ عبْسِ ... في قِنْسِ مجْدٍ فوقَ كلِّ قِنْسِ القِنْس مَنبتُ كل شيء وأصلُهُ. وقال العُدَيْل بن الفَرْخ العِجْليّ: بخالَةَ زارَتْنا فهاجَ خيالُها ... وزارَتْ بحُوّارينَ وهو شآمُ وقال يزيدُ بنُ حُذَيْفَة الأسديّ: دفَعْنا طَريفاً بأطْرافِنا ... وبالرّاحِ عنّا ولمْ يدْفَعونا قد أوردنا من أقسامِ الجِناس ما فيه كفايةٌ واستدلالٌ به على غيرِه، فقِسْهُ واقتبِسْهُ إن شاءَ اللهُ تعالى. ومن الألقاب التي قدّمْنا ذِكرَها في الشِّعر: باب المطابقة قد اختلفَ العُلماءُ في الطِّباق. قال الأخفشُ وقد سُئِلَ عنه: أجدُ قوْماً يختلفون في الطِّباق، فطائفةٌ، وهي الأكثر، تزْعُمُ أنّه ذِكرُ الشيء وضدِّه يجمعُهُما اللفظُ بهما لا المعنى. وطائفةٌ تخالِفُ ذلك فتقول: هو اشتراكُ المعنيين في لفْظٍ واحد كقول زياد الأعجَم:

стр. 18

ونُبِّئْتُهُمْ يسْتَنْصِرون بكاهِلٍ ... وللُّؤمِ فيهم كاهِلٌ وسَنامُ فقولُه بكاهل: يعني القبيلة، وقولُه كاهل للعُضْوِ هو المطابقة عندهم. وقال: هذا هو التجنيس. وقال: من ادّعى أنه طِباقٌ فقد خالفَ الأصمعيَّ والخليل. فقيلَ له: أفكانا يعرفان هذا؟ فقال: سُبحان الله وهل مثلهما في عِلْمِ الشعرِ وتمييز خَبيثه من طيّبِهِ!. وقد أدخلَ قومٌ في الطباقِ نوْعاً من التقسيم، كقوْلِ كعبِ بن سعد: لقدْ كان أمَّا حِلْمُهُ فمُرَوَّحٌ ... عليْنا وأمّا جهْلُه فعَزيبُ لما رأوا ذكرَ الحِلم والجهلِ، ومروّح وعزيب، جعلوه في المطابق ولم يكن ببعيد منه، ولكنّه الى باب التقسيم أقرب. وقال الأصمعي: أصلُ الطِّباق أنْ يضعَ الفرَسُ رجلَهُ في موضِعِ يدِه وأنشد: وخيْلٍ يُطابِقْنَ بالدارعي ... نَ طباقَ الكلابِ يطأنَ الهَراسا وقال الخليل: طابقتُ بين الشيئين إذا جمعَهُما على حَذْوٍ واحدٍ وألصقَهُما. وأقول: إنّ الطِّباقَ من أحسَن محاسِن البديع؛ وهو أن يأتي الشاعر في البيت بالشيء وضدِّه. قال عبد الله بن الزبير الأسَدي: رمَى الحدَثانُ نِسوَةَ آلِ حرْبٍ ... بمِقْدارٍ سمَدْنَ له سُمودا فردّ شُعورَهُنّ السّودَ بِيضاً ... وردّ وجوهَهُنّ البيضَ سُودا وقال زُهير: ليثٌ بعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما اللّيثُ كذّبَ عن أقرانِه صَدَقا وقال الفرزدق: لعنَ الإلهُ بني كُلَيْبٍ إنّهمْ ... لا يغْدِرونَ ولا يَفونَ لِجارِ يَستَيقِظونَ الى نُهاقِ حَميرِهِمْ ... وتنامُ أعينُهُمْ عنِ الأوْتارِ أخذَهُ الفرزدق من قول ثُمامة الذُهلي: قوْمٌ تنامُ عن الأوتارِ أعينُهمْ ... ولا تُنوَّمُ نوْكاهُمْ عن السَّرَقِ وقال عمرو بن كلثوم: بأنّا نورِدُ الرّاياتِ بِيضاً ... ونُصْدِرُهُنّ حُمْراً قد رَوينا لو قال عمرو: منَ الأسَلِ الظِّماءِ يرِدْنَ بيضاً ... ونُصْدِرُهُنّ حُمْراً قد رَوينا لكان مُجيداً مُبدعاً في الطِباق بينَ الإيراد والإصدار، والبَياض والحُمْرةِ، والظِّماء والرِّيّ. وقد أخذ أبو الشّيصِ معنى بيت عمرو فتمّمَ منهُ ما نقصَ وقال: فأوْرَدَها بِيضاً ظِماءً صُدورُها ... وأصْدرَها بالرِّيِّ ألوانُها حُمْرُ فصار أخذهُ مُسْتَحْسَناً بكمالِ معناهُ وزيادةٍ بالجناسِ في: صُدورِها وأصدرَه. وقال الغطَمّشُ الضَبّيّ: إذا نحنُ سِرْنا بينَ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... تحرّكَ يقْظانُ الترابِ ونائِمُهْ وقال الكُمَيت بن زيد: وأرى الشَيْبَ والشَبابَ رِدائَي ... نِ مصوناً وبِذْلَةً مَنْشورا الشّيْبُ والشبابُ، والمَصونُ والمبتذلُ تطبيقٌ، وفيه استعارةٌ واحدة. وقال أبو صخْر الهُذَليّ: أمَا والذي أبْكى وأضحكَ والذي ... أماتَ وأحْيى والذي أمْرُهُ الأمْرُ وقال أوسُ بنُ مَغْراء: فأخلَقَ حبْلُ الوُدِّ بيني وبينَها ... وكلُّ جديدٍ سوفَ يُصبِحُ بالِيا وقال أبو دَهْبَل: وصارَتْ قناةُ الدّينِ في كفِّ ظالِمٍ ... إذا اعْوَجّ منها جانِبٌ لا يُقيمُها فيه طِباقٌ واستعارَةٌ حسَنة. وقال أبو جِلْدة اليَشْكُري: إذا عدَلَتْ بالصّرْمِ والوَصْلِ عاقَها ... عن الصّرْمِ ميزانٌ من الحُبِّ راجِحُ فيه طِباقٌ واستعارة. ولمّا جعلَ للحُبِّ ميزاناً جعلَ القرينةَ لفظيةً، وهي قوله راجِح. وهذا القِسم واسعٌ كثيرٌ يدلُّ عليه القليلُ اليَسير. ومنها: باب التصدير ويُلَقِّبُه قومٌ: ردَّ إعجازِ الكلامِ على صُدورِه، وهو أن يَبْتَدئ الشاعرُ بكلمة في البيت ثم يُعيدَها في عَجْزِه، أو نِصْفِه ثم يرُدّها في النصفِ الأخير. وإذا نُظِمَ الشعرُ على هذه الصّفةِ، تيسّرَ استخراجُ قوافيه قبلَ أن تطرُقَ أسماعَ مُسْتَمعيه. قال الأصمعي: من حسَنِ التصدير قولُ عامر بن الطُّفَيْل، وكذا قال جماعةٌ من نُقّاد الشِعر: فكنتَ سَناماً في فَزارَةَ تامكاً ... وفي كلِّ حيٍّ ذِرْوَةٌ وسَنامُ وقال قومٌ: بل من جيّدِ التصدير قول جرير:

стр. 19

سَقى الرّمْلَ جوْنٌ مُستَهِلٌّ رَبابُهُ ... وما ذاكَ إلا حُبُّ مَنْ حَلّ بالرَّمْلِ وقال آخرون: بل قولُ الأول من حسَنِ التّصدير: سَريعٌ الى ابنِ العمِّ يشْتُمُ عِرضَهُ ... وليسَ الى داعي النّدَى بسَريعِ وقال أناسٌ: قول ابنِ أحمر من جيّدِ ما قيلَ في التصدير وهو: تغمَّرتُ منها بعدَ ما نفِدَ الصِّبَى ... ولمْ يَرْوَ من ذي حاجةٍ من تَغَمَّرا التغَمّر الشُّرب القليل. وقال الفرزدق: أصْدِرْ هُمومَكَ لا يقْتُلْكَ واردُها ... فكلُّ واردَةٍ يوماً لَها صدَرُ ومنها: باب الالتفات وهو انصِرافٌ عن مخاطبةٍ الى إخبارٍ وعن إخبارٍ الى مخاطبة، وهو من بديع البديع. وقال جرير: متى كان الخيامُ بذي طُلوحٍ ... سُقيتِ الغَيثَ أيَّتُها الخيامُ أتذكرُ يومَ تصْقُلُ عارضَيْها ... بعُودِ بَشامةٍ، سُقِيَ البَشامُ ويُروى: أتَنْسى إذْ تُودِّعُنا سُلَيْمَى ... بعودِ بَشامَةٍ، سُقِيَ البشامُ ومن الالتفات البارع قول النابغة: ألا زَعَمَتْ بنو عَبْسٍ بأنّي ... ألا كَذَبوا، كبيرُ السنِّ فانِ وقال آخر: فإني إن أفُتْكَ يَفُتْكَ مني ... فلا تُسْبَقْ به، عِلْقٌ نفيسُ وقال كُثَيِّر: لوَ انّ الباخِلينَ، وأنتِ منهُم، ... رأوْكِ تعلّموا منكِ المِطالا ومن هذا القِسْمِ اعتراضُ كلامٍ في كلامٍ لم يتمّ معناه، ثم يعود الشاعرُ إليه فيُتمُّهُ مرّة واحدة، وهو من جيّد الالتفات. قال طَرَفة: فسَقى ديارَكِ، غيرَ مُفسِدِها، ... صوْبُ الربيعِ ودِيمةٌ تَهْمي فقدْ تمّ المعنى بقولِه: غيرَ مُفسِدِها. وقال نافع بن خليفة الغَنَويّ: رِجالٌ، إذا لمْ يُقْبَلِ الحقُّ منهمُ ... ويُعْطَوْهُ، عاذوا بالسيوفِ القواضِبِ فتمّم المعنى بقوله: ويُعْطَوْهُ. ومنها: باب الاستطراد ومعنى الاستطراد خروج الشاعر من ذمٍّ الى مدحٍ أو من مدحٍ الى ذمّ. وللمُحدَثين في هذا الباب أشعارٌ كثيرة عجيبة. قال زهير: إنّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ول ... كنَّ الجَوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ استطردَ الكلامَ الي مدْحِ هرِم. وقال الفرزدق: كأنّ فِقاحَ الأزْدِ حوْلَ ابنِ مِسْمَعٍ ... إذا عَرِقَتْ، أفواهُ بكرِ بنِ وائِلِ استطرد الكلام الى ذمّ بكرِ بن وائل. وقد حَثا جريرٌ التّرابَ في وجه السابقِ الى هذا المعنى فضلاً عمّن تلاهُ، فإنّه استطرد باثنين في بيتٍ واحد وهو: لمّا وضَعْتُ على الفرزدقِ ميسَمي ... وضَغا البَعيثُ جدَعْتُ أنفَ الأخطلِ الضَّغُو والضُّغاءُ صوتُ الذليلِ المقهور وقال آخر: أنتَ ابنُ بِيضٍ لعَمْري لستُ أُنكِرُهُ ... حقّاً يقيناً، ولكن مَنْ أبو بِيضِ؟ وقال بكرُ بنُ النطّاح في مالِك بن طَوْق وهو استطرادٌ من مدحٍ الى مدح: عرضْتُ عليها ما أرادَتْ من المُنى ... لتَرْضَى فقالَتْ قُمْ فجِئْني بكَوْكَبِ فقُلتُ لها: هذا التّعَنُّتُ كلُّهُ ... كمن يتَشهّى لحمَ عَنقاءَ مُغرِبِ سَلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلابُه ... ولا تَذْهَبي يا دُرُّ، في كل مذْهَبِ فأُقْسِمُ لو أصبحتُ في عِزِّ مالكٍ ... وقُدْرَتِهِ أعْيا بما رُمْتِ مَطْلَبي فتىً شَقِيَتْ أموالُهُ بنَوالِهِ ... كما شَقِيَتْ قيسٌ بأرماحِ تغْلِبِ وشبيهٌ بهذه الأبيات ما ذكرَهُ الأصفهاني في كتابه قال: قال أحمدُ بن عُبيد اللهِ بن عمّار: كنا عندَ المُبرِّد يوماً وعندَه فتىً من وُلْدِ أبي البَختريّ وهْب بن وهب القاضي، أمردُ حسَنُ الوجه، وفتىً من وُلْدِ أبي دُلَف القاسم بن عيسى العِجْلي شبيهٌ به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البَختري: أعرفُ لجَدِّكَ قِصةً طريفةً من الكرَم حسنةً لم يُسْبَقْ إليها، فقال الفتى: وما هي؟ قال: دفعِيَ رجُلٌ من أهلِ الأدبِ الى بعض المآدبِ فسقَوْهُ نبيذاً غير الذي كان يشربون، فقال: نَبيذانِ في مجلسٍ واحدٍ ... لإيثارِ مُثْرٍ على مُقْتِرِ

стр. 20

فلو كانَ فِعلُكَ ذا في الطّعامِ ... لَزمتُ قياسَكَ في المُسْكِرِ ولو كنتَ تفعَلُ فِعْلَ الكِرامِ ... صنعتَ صَنيعَ أبي البَخْتَري تتبّعَ إخوانَهُ في البلادِ ... فأغْنى المُقِلَّ عن المُكثِرِ فبلغتِ الأياتُ جدَّكَ فبعث الى الرّجل خمسمائة دينار. قال ابن عمّار: فقلت: وقد فعلَ جدُّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسنُ من هذا، قال المُبرّد: وما هو؟ قلت: بلغني أن ابنَ أبي فَنَنٍ افْتَقَر بعد ثروةٍ، فقالت له امرأته: افْتَرِضْ في الجُنْدِ، فأنشأ يقول: إليكِ عني فقد كلَّفْتِني شَطَطاً ... حَمْلَ السِّلاحِ وقوْلَ الدّارِ عينَ قِفِ تمشي المنايا الى قومٍ فأكرَهُها ... فكيف أمشي إليها عاريَ الكتِفِ حَسِبْتُ أنّ نفاد المالِ غيّرني ... أو أن قلْبيَ في جَنْبَيْ أبي دُلَفِ فأحضرهُ أبو دُلَف وقال له: كم أمّلَت امرأتُكَ أن يكون رزقُك؟ قال: مائةَ دينار، قال: وكمْ أمّلْتَ أن تعيشَ؟ قال: عشرين سنة، قال: فلكَ عليّ الذي أمّلْتَ وأمّلَتِ امرأتُك في مالي دون مالِ السلطان. وأمرَ بدفعِ ذلك إليه. قال: فرأيتُ وجهَ ابن أبي دُلَف يتهلّل، وانكسر ابن أبي البَختري. وقال الآخر: أسَرْنا كما قد عوّدَتْنا رِماحُنا ... لدَى مَعْرَكِ الخيلينِ، والنَّقْعُ ثائِرُ أخبر أنه أسَرَ عدواً واستطرد الكلامَ الى أنه معوَّدٌ لذلك. ومنها: باب التقسيم قال نُصَيْب: ولمْ أرضَ ما قالتْ، ولم أُبدِ سَخْطَةً ... وضاقَ بما جَمْجَمْتُ من حُبِّها صدري فقال فريقُ الحيِّ لا، وفريقُهُم ... نعَمْ، وفريقٌ قال ويْحَك ما نَدري وليس في جوابِ من سألَ عن شيء غير ما ذكرَهُ. وهذا البيتُ رواهُ الأخفشُ على ما أثبتُّه وأعرِفُه من شِعرِه: فقال فريقُ القومِ لمّا نشدتُهم ... نعَمْ وفريقٌ لَيْمُنُ اللهِ ما نَدري وقال الشمّاخ يصفُ صلابةَ سنابِكِ الحمارِ وشدةَ رهْصِهِ الأرض: متى ما تقَعْ أرساغُهُ مُطمَئنّةً ... على حجَرٍ يرفضُّ أو يتدحْرَجُ وليس في وصفِ الوطء الشديد إلا أن يكون الذي يوطأ رخْواً فيرفَضُّ، أو صُلباً فيتدحرج. وقال زهير: يطْعَنُهُمْ ما ارتَمَوْا، حتى إذا اطّعنوا ... ضارَبَ، حتى إذا ما ضارَبوا اعْتَنَقا وقال عنترة: إنْ يَلْحقوا أكرُرْ، وإن يسْتَلْحِموا ... أشْدُدْ، وإن يُلْفَوْا بضَنْكٍ أنزِلِ وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: تَهيمُ الى نعمٍ، فلا الشملُ جامعٌ ... ولا الحبْلُ موصولٌ، ولا الحبُّ مُقْصِرُ ولا قُرْبُ نُعْمٍ، إنْ دنَتْ، لك نافِعٌ ... ولا نأيُها يُسْلي، ولا أنتَ تَصْبِرُ فأخذ الخارجيّ هذا المعنى فقال: وكذّبتُ طَرْفي فيكِ والطرفُ صادِقٌ ... وأسمَعْتُ أذني فيكِ ما ليس تسمعُ ولم أسكُنِ الأرضَ التي تَسْكُنينَها ... لكَيْلا يقولوا: صابِرٌ ليس يجْزَعُ فلا كمَدي يفْني، ولا لكِ رحمةٌ ... ولا عنكِ إقْصارٌ، ولا فيكِ مطْمَعُ وقال قيسُ بن ذَريح: فإنْ تكُنِ الدُّنيا بلبْنى تقلّبَتْ ... فللدّهْرِ والدنيا بطونٌ وأظْهُرُ لقد كان فيها للأمانةِ موضِعٌ ... وللقلبِ مُرْتادٌ وللعينِ منْظَرُ وللحائمِ الصَّدْيانِ رِيٌّ بقُرْبِها ... وللمَرحِ الذّيّالِ طِيبٌ ومَسْكَرُ وقد استحسن أهلُ الصناعةِ في هذا الباب قوْلَ بشّار بن برد، وهو: بضَرْبٍ يَذوقُ الموْتَ من ذاقَ طعْمَهْ ... وتدركُ من نجَّى الفِرارُ مثالِبُهْ فراحوا، فريقٌ في الإسار، ومثلُهُ ... قتيلٌ، ومثلٌ لاذَ بالبحرِ هارِبُهْ وقالوا: ليسَ في وصفِ من وقع به الظّفرُ ودارَتْ رحَى الحربِ عليه زيادةٌ على ما ذكرَهُ، ومنها: بابُ التسهيم

стр. 21

سُئِلَ جماعةٌ ممن يتعاطى علمَ البديع ونقد الشعر الصنيع عن التسهيم، فما منهم من أجاب بجوابِ التفهيم، ولمْ يحصَلُ من إشاراتِهم إليه، ونصوصِهم عليه، سوى أنّ المُسهَّم هو الذي يسبِقُ السامعُ الى قوافيه قبلَ أن ينتهي إليها راويه. قلت: ليس هذا اللقبُ دالاً على هذا المعنى، فإن كان الملَقِّبُ قصدَ الإغراب به فقد أبعَدَ المَرمى وزلّ عن النهج الأقوم. وإنما التسهيمُ التخطيطُ، والبُرْدُ المسَهَّمُ: المخططُ. وكان الأجدرُ أن يُقال: إن التسهيم في الشعر هو التحسينُ له، والتنقيحُ لألفاظِهِ ومعانيه تشبيهاً بالبُرد المحَسَّنِ بالتسهيم، حتى يكون هذا النوعُ من الشِّعر معناه الى قلبِكَ أسرَعَ من ألفاظِه الى سمْعِكَ. ولو سُميَ المُطمِعُ، أي من سَمِعَهُ يطْمَع في قول مثلِه - وهو من ذاك بعيد - لجاز، وقد أوردناهُ كما سمعْناهُ وروْيناهُ. قال الأخفش: ومن أبرعِ ما قيلَ في التسهيمِ ما قالتْهُ الجنوب أخت عمرو ذي الكَلْب: فأقسَمْتُ يا عمرو لو نَبّهاك ... إذَنْ نبَّها منكَ داءً عُضالا إذن نبَّها ليْثَ عِرّيسةٍ ... مُفيتاً مفيداً نُفوساً ومالا وخَرْقٍ تجاوزْتَ مجهولَهُ ... بخَرْقاءَ حرفٍ تشَكّى الكَلالا فكنتَ النّهارَ بها شَمْسَهُ ... وكنتَ دُجى الليلِ فيها الهِلالا ثم قال: انْظُر الى ديباجةِ هذا الكلام ما أصفاها، والى تقسيماتِه ما أوفاها، وانظر الى قولها مفيتاً مفيداً، والى وصْفِها إيّاهُ في النهار بالشمسِ وفي الليل بالهلال، تجد البعيدَ المُطمِعَ المُمْتَنِع، وفي هذه البُلْغَةِ اليسيرةِ من هذا الباب كِفايةٌ إن شاء الله تعالى. ومنها: باب الترصيع ويُسمّى التفويف والترصيعُ في اللغةِ التركيب، ومنه تاجٌ مرصعٌ بالجوهرِ، وسيفٌ مرصّعٌ أي محلّى بالرصائِعِ، وهي حلَقٌ يُحلى بها، الواحدة رَصيعة، والبيت المرصَّعُ الذي تتتالى فيه القرائنُ كما يُرَصَّعُ التاجُ بالجوهرِ. ومن الترصيع في القرآن المجيد قولُه تعالى: " وما لَكم ألاّ تأكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه وقدْ فصّلَ لكم ما حُرِّمَ عليكم إلا ما اضطررتُم إليه "، وقولُه تعالى: " أو لَمْ يهْدِ للذينَ يرِثون الأرضَ من بعدِ أهلِها أن لو نشاء أصَبْناهُم بذنوبهم ونطْبَعُ على قلوبهم ". ومن حسَنِ الترصيع قول الخنساء: الحمدُ خُلَّتُهُ، والجودُ عِلَّتُهُ، ... والصِدْقُ حوْزَتُه، إنْ قِرْنُهُ هابا سدّادُ أوْهِبَةٍ، شهّادُ أندِيةٍ، ... قطّاعُ أوديةٍ، للوِتْرِ طَلاّبا حمّالُ ألويةٍ، ضرّابُ أبنية، ... وَرّادُ مُسنيةٍ، في الحَرْبِ غَصّابا سُمُّ العُداةِ، وفكّاكُ العُناةِ، إذا ... لاقى الوغَى لم يكُنْ للموت هُيّابا الخيرُ يفعلهُ، والقولُ يَفْضُلُه، ... والمالُ يُنْهبُهُ في الحقِّ إنهابا يهدي الرعيلَ إذا جارَ السبيلُ بهم ... نهْدُ التليلِ لزُرْقِ السُّمرِ ركّابا وقالت أيضاً: آبي الهَضيمة، حمّالُ العظيمةِ، ... متلافُ الكريمةِ، لا سِقْطٌ ولا وانِ حامي الحقيقةِ، نسّالُ الوديقةِ، ... مِعْتاقُ الوسيقةِ، جَلْدٌ غيرُ ثُنْيانِ هبّاطُ أوديةٍ، حمّالُ ألويةٍ ... شهّادُ أنديةٍ، سِرْحانُ فِتيانِ وقالت أيضاً: حَديدُ السِّنانِ، ذَليقُ اللّسانِ ... يُجازي المُقارِضَ أمثالَها وقالت أيضاً: حَمّالُ مُثقِلَةٍ، ركّابُ معضِلَةٍ ... وهّابُ مفضِلَةٍ، للعَظْمِ جبّارُ وقالت أيضاً: حامي الحقيقةِ، محمودُ الطريقة ... شلاّلُ الوَسيقةِ، نفاعٌ وضَرّارُ وقال امرؤ القيس: الماءُ مُنْهَمِرٌ، والشّدُّ مُنْحَدِرٌ ... والقُصْبُ مُضْطَمِرٌ، والمتْنُ ملْحوبُ وقال زياد: سُودٌ ذوائِبُها بيضٌ ترائِبُها ... دُرْمٌ مرافِقُها في خَلقِها غَمَمُ فيه مع الترصيع طِباقٌ، وقال ذو الرّمّة: بيضاءُ في دَعَجٍ صفراءُ في نَعَجٍ ... كأنّها فضّةٌ قد مسّها ذهَبُ

стр. 22

هذا بيت قد جمعَ المُطابَقةَ والترصيعَ والتشبيه. وقال بَشامةُ النّهشَلي وتُروَى لغيره: بيضٌ مفارِقُنا تَغْلي مراجِلُنا ... نأسُو بأموالِنا آثارَ أيدينا رأيتُ بخطّ الشيخ أبي زكريا التبريزي كتاباً قد خرّجَ فيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب ما يُوفي على مِئَتي وجْهٍ في قوله بيضٌ مفارِقُنا حسْبُ، وقد شيّد بناء تلك المعاني بأشعار عربية وألفاظ مقبولة. وقال آخر: طويلُ النِّجادِ، رفيعُ العِمادِ ... كثيرُ الرّمادِ، والليلُ قُرّ وقال الحارثي: ألمّتْ فحيّتْ ثمّ قامَت فودَّعتْ ... فلما تولّتْ كادتِ النفسُ تزْهَقُ والترصيعُ في الشِّعرِ أكثرُ من عدَد القطْرِ. ومنه: باب الترديد وهو أن يُعَلِّقَ الشاعرُ لفظةً في البيت بمعنى ثم يردِّدُها فيه بعينِها ويعلِّقُها بمعنىً آخر. وأجمع أهل النقدِ أنّ أبا حيّة النُّمَيْري سبقَ الى هذا الإحسان جميعَ مَنْ تقدَّمَه وتأخّر عنه بقوله: ألا حَيِّ من أجلِ الحبيبِ المغانيا ... لبِسْنَ البِلى مما لبِسن اللّيالِيا إذا ما تقاضَى المرْءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاهُ شيءٌ لا يمَلُ التقاضِيا ابتدأ في المِصراع الأول فأحْسنَ الابتداءَ وردّدَ في المصراع الثاني فأحسنَ الترديد. وقال أبو تمام الطائي: لا أعرف أحداً أحسنَ صنعةً في الترديد من قوْلِ زُهير وهو: مَنْ يلْقَ يوماً على عِلاّتِه هرِماً ... يَلْقَ السّماحةَ منهُ والنّدَى خُلُقا ويُروى: إن تلقَ ... وتلقَ السّماحةَ. قال الأصمعي: هذا أمدحُ بيتٍ قالتْهُ العرَب. وقال أبو علي الحاتميّ: لقد أحسنَ أبو نواس في الترديد بقوله: صفراءُ لا تنزِل الأحزانُ ساحتَها ... لو مسّها حجَرٌ مسّتْهُ سرّاءُ وقال أيضاً: ظنّ بي مَنْ قد كلِفْتُ به ... فهوَ يجْفوني على الظّنَنِ قال الحاتمي: ولقد أجاد عليُّ بنُ جبَلَة مع تأخُّرِ زمانِه في صِفة فرس حيث يقول: مُضْطَربٌ يرْتَجّ من أقطارِهِ ... كالماءِ جالَتْ فيه ريحٌ فاضطَرَبْ إذا تظنّيْنا به صدّقَنا ... وإنْ تظَنَّى فوْتَهُ العيْرُ كذَبْ والترديد في أشعار المتأخرينَ كثيرٌ ولكن لم نصْرِفْ إليه هِمّة، ففيما أتيْنا به من المثال كفاية. ومنها: بابُ المُقابلة قال عليُّ بن الحُسَيْن القُرَشيّ: سألتُ جعفر بن قُدامة الكاتب، وكان من جهابِذَةِ الشعر، عن المُقابلة فقال: سألت أبي عنها فقال: هو أن يضع الشاعر معانيَ يعتمدُ التوفيق بين بعضِها وبعض، أو المخالفة، فيأتي بالموافق مع ما يوافِقُه، وفي المخالفِ بما يخالِفُه على الصِّحّة، أو يشترطَ شروطاً، ويعدِدَ أحوالاً في أحدِ المعنَيَيْن فيجب أن يأتي فيما يوافقُه بمثل الذي شرَط فيما يُخالفُه بأضدادِ ذلك. قال: فقُلتُ له: فأنشدني أحسنَ ما قيلَ فيه فقال: لا أعرفُ أحسنَ من قول الأول: أيا عجَباً كيفَ اتّفقْنا فناصِحٌ ... وفيٌّ ومَطْويٌّ على الغِلِّ غادِرُ فجعل بإزاء ناصح مطوياً على الغِلِّ، وبإزاء وفيّ غادراً. قال: وقول الطِّرِمّاح بن حَكيم الطائي في ذلك حسن أيضاً، وهو: أسَرْناهُمْ وأنْعَمْنا عليهمْ ... وأسقَيْنا دِماءهُم التُّرابا فَما صبَروا لبأْسٍ عند حرْبٍ ... ولا أدّوا بحُسنِ يَدٍ ثَوابا يقولُ: لمّا سَقَيْنا التراب دِماءَهُم لم يكن لهم صبْرٌ على ما نزل بهم منا لفشَلِهم وضعْفِ نُفوسِهم، ولمّا أنعمْنا عليهم وأحسنّا إليهم لم يجازوا بالثناء علينا، فجعل بإزاء أن سَقَوا دماءَهم التُرابَ وقاتلوهم، أن يصبروا، وبإزاء أن أنعَموا عليهم، أن يُثْنوا، وقال هذه المقابلة. وقال عليّ بن هارون: كان يحيى بن علي يزعُم أن أحسن ما قيل في المقابلة قولُ النابغة: فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُ ... على أنّ فيه ما يَسوءُ المُعادِيا فجعل بإزاء السرورِ الإساءةَ وبإزاء الصديق المعادي. وهذه نُغْبَة في هذا الباب كافية. ومنها: باب الاستثناء

стр. 23

وقد عبّر عنه جماعةٌ فكان أقربَ أقوالهم الى القلب ما ذكرَه عبد الله بن المُعتز، فإنه قال: الاستثناء في الشعر تأكيد مدحٍ بما يُشبهُ الذمَ. فمن ذلك قولُ النابغة: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنّ سُيوفَهُمْ ... بهِنّ فُلولٌ من قِراع الكتائِبِ وأما النّحويّون فالاستثناء في الكلام عندهم استخراجُ بعضٍ من كلٍ في حكم شاملٍ بمعنى إلا. وقال أيضاً: فتىً كمُلَتْ أخلاقُه غيرَ أنّه ... جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا وقال أيضاً: فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُ ... على أنّ فيه ما يسوءُ الأعاديا فقوله في البيت الأول غير أنه وفي البيتِ الثاني على أنّ فيه من أبرعِ الاستثناء وأحسنه. وقالوا: أحسنُ ما ورد في هذا النوع قول الربيع بن ضَبّة: فَنيتُ ولا يَفْنى حديثي ومنطقي ... وكلّ امرئٍ إلا أحاديثَهُ فانِ وقال قوم: بل قول الآخر: فلا تَبعُدَنْ إلا من السوءِ إنّني ... إليكَ وإن شطّتْ بيَ الدارُ نازِعُ وقال آخرون: بل قول بعض الأعراب: خَرْقاءُ إلا أنها صَناع. وقد أحسن وأجاد في هذا الباب أبو هِفّان المِهْزَميّ العبدي حيث يقول: فإن تسألي عنّا فإنّا حُلَى العُلى ... بني عامرٍ، والأرضِ ذاتِ المناكبِ ولا عيبَ فينا غيرَ أنّ سماحَنا ... أضرّ بنا، والبأسُ من كل جانِبِ فأفنى الرّدى أعمارَنا غيرَ ظالمٍ ... وأفنى النّدَى أموالَنا غيرَ عائبِ أبونا أبٌ لو كان للناسِ كلِّهمْ ... أبٌ مثلُهُ، أغناهُمُ بالمناقِبِ ومنها: باب الإيغال ويسمّى التبليغ، وهو أن يأتي الشاعرُ بالمعنى في البيت تاماً قبل انتهائه الى قافيته، ثمّ يأتي بها لحاجة الشعر إليها، لأن بها يصيرُ الشعرُ شعراً، فيزيدُ البيت رونقاً، والمعنى بلوغاً الى الغاية القُصوى. وقال التّوّزيّ: قلتُ للأصمعي: مَنْ أشعرُ الناس؟ قال: من يأتي الى المعنى الخَسيس فيجعلُه بلفظه كبيراً، أو يقصِد المعنى الكبير فيجعلُه بلفظهِ خسيساً، أو ينقضي كلامُهُ قبل القافية، فإذا احتاج إليها أتى بها وأفاد معنى لم يكن قبلَها، كما قال الأعشى: كناطِحٍ صخْرَةً يوماً ليَفلِقَها ... فلم يضِرْها وأوْهى قرنَهُ ... فقد تمّ المثلُ ثم احتاج الى القافية، فقال الوعل فزادَ معنىً. قال: قلت له: فكيف صار الوعلُ مفضّلاً على كلِّ ناطحٍ، قال: لأنّه ينحطُّ من قُلّةِ الجبل على قرنِه فلا يَضُرُّه. وقال ذو الرمّة: قِفِ العيسَ في أطْلالِ ميّةَ نسْألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداءِ ... فتمّ كلامُه، ثم احتاج الى القافية فقال: المُسَلْسَل، فزاد معنى. ثم قال: أظنّ الذي يُجْدي عليْكَ سؤالها ... دُموعاً كتفْصيلِ الجُمانِ ... فتمّ كلامُه، ثم احتاج الى القافية فقال المُفَصَّلِ فزاد شيئاً لم يكُنْ في البيت. وأبرعُ ما قيلَ في هذا الباب قول امرئ القيس: كأنه عيونَ الوحْشِ حولَ قِبابِنا ... وأرْحُلِنا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّبِ فأتى بالتشبيه قبل القافية، ثم لما جاءَ بالقافية بلّغها الأمدَ البعيدَ في التأكيد للمعنى، لأنّ عيون الوحش تشبه الجزْعَ، خصوصاً إذا ماتت وتغيّرت هيئاتُها، ثم لما أتى بالقافية قال: الجَزْعُ الذي لم يثَقَّب، فزاد المعنى إيضاحاً؛ لأنها بالجزعِ الذي لم يثقب أوقعُ بالتشبيه. وقال أيضاً: إذا ما جرى شأوينِ وابتلّ عِطْفُه ... تقولُ هزيزُ الرّيحِ ... فقد تمّ العرْضُ والتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها زادتْ القافية المعنى براعةً ونصاعة وهي قوله: مرّت بأثْأَبِ، وذلك أنّ الأثأب شجرٌ يكون للريح في أضعاف أغصانه حفيفٌ شديد. ومنها: بابُ الاستعارة

стр. 24

الاستعارة من أشرف صنعة الكلام وأجلّها، وكان القدماء يسمّونها الأمثالَ فيقولون: فلان كثير الأمثال. ولقبُها بالاستعارة ألزمُ لأنه أعَمّ، ولأن الأمثالَ كلَّها ليس تجري مجرى الاستعارة، ألا ترى قول السُّلَيْك بن السُّلَكَة وقد وقع عليه رجلٌ وهو نائم فضغطَه السُلَيكُ، فحبَقَ الرجل، فقال السليك: أضرطاً وأنتَ الأعلى! فأرسلها مثلاً، وقد أورد الشيءَ على حقيقته. ومن أبرع ما قيل في الاستعارة قول ذي الرّمّة: أقامتْ به حتى ذوى العودُ في الثّرى ... وساقَ الثُّريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ قال أبو عمرو بن العلاء: كانتْ يدي في يد الفرزدق فأنشدته بيت ذي الرمة، فقال: أُنشِدُكَ أم أدعُك؟ قال: قلت: بل أنشِدْني، فقال: أقامَت به حتى ذوى العودُ والثّرى، ثم قال: العود لا يذوي مهما أقام في الثرى، ثم قال: ولا أعلمُ كلاماً أحسنَ من قوله: وساقَ الثريّا في مُلاءَته الفجْرُ، ولا مُلاءَة له وإنما هي استعارة. وقال ابن المعتزّ: العود لا يذوي ما دام في الثّرى. قال الصّولي: اجتمعتُ وجماعةً من فرسان الشعر عند عبد الله بن المعتز، وكان بعِلمِ البديع محقِّقاً ينْصُرُ دعواه لسانُ مذاكرتِهِ، فلم يبقَ مسلَكٌ من مسالكِ الشر إلا وسلكناه، وأوردْنا أحسن ما قيل في معناه، الى أن قال ابنُ المعتز: ما أحسنُ استعارةٍ للعرب اشتملَ عليها بيتٌ من الشر؟ فقال الأسدي: قول لبيد: وغداةَ ريحٍ قد كشَفْتُ وقرّةٍ ... إذْ أصبَحتْ بيدِ الشّمالِ زمامُها فجعل للشمال يداً وللغداةِ زِماماً، فقال ابن المعتزّ: هذا حسن وغيرُه أحسن منه، وقد أخذَه من قول ثعْلَبة بن صُعَيْر المازني يصفُ نَعامةً وظَليماً: فتذكّرا ثَقَلاً رثيداً بعدَما ... ألْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِرِ الثَّقَل: بيضُ النعام، والرثيد: المنضود بعضُه على بعض، وذُكاء: الشمس، وكافر: الليل، جعل للشمس يميناً ملقاةً في الليل. قال: وقول ذي الرّمة أعجب إليّ منه وإنْ تأخّر زمانُه، حيث يقول: ألا طرَقَتْ مَيٌّ هَيوماً بذِكْرِها ... وأيْدي الثُريّا جُنَّحٌ في المغاربِ وقال بعضُنا: قولُ لبيد أحسن: ولقد حَمَيْتُ الحيَّ تحمِلُ شكَّتي ... فُرُطٌ، وشاحي إذ غدَوْتُ لجامُها يقال: فرسٌ فُرُط إذا تقدّم الخيلَ وسبقها. قال ابنُ المعتز: هذا حسن، وانظروا الى قول الهُذَليّ: ولو أنني استودَعْتُهُ الشّمسَ لارتَقَتْ ... إليه المنايا عينُها ورسولُها ثم قال: هذا بديع، وأبدعُ منه في استعارة لفظ الاستيداع قولُ الحُصَيْن بن الحُمام المُرّي حيث يقول: نُطاردُهُم نستودِعُ البيضَ هامَهُمْ ... ويستودعونا السَّمْهَريَّ المُقَوَّما في هذا البيت معنىً لطيف يدلّ على إقدامهم وتأخّر خصومهم، فاعرِفْه من لفظه، وقال بعضُنا: قول ذي الرمة أحسن: أقامت به حتى ذَوى العودُ في الثّرى ... وساق الثريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ فقال ابنُ المعتز: هذا هو الغاية، وذو الرمة أبدعُ الناس استعارة. قال الصّولي: فكأنه والله نبّهني على ذي الرمّة، فقلت: بل قوله أحسن: ولما رأيتُ الليلَ والشمسُ حيّةٌ ... حياةَ الذي يقضي حُشاشةَ نازِعِ فقال ابن المعتز: اقتَدَحْتَ زنْدَك فأوْرَى يا أبا بكر، هذا بارعٌ جداً، ولكن قد سبقَه الى هذه الاستعارة جرير وأجاد بقوله: تُحْيي الرّوامِسُ رَبْعَها فتُجِدُّهُ ... بعدَ البِلَى، وتُميتُهُ الأمطار قال: وهذا بيت حسن قد جمع الاستعارة والمُطابقة، لأنه جاء فيه بالإحياء والإماتة والبِلى والجِدّة، ولكنْ ذو الرّمة قد استولى ذِكرَ الإحياء والإماتة في موضع آخر فأحسنَ بقوله: ونَشْوانَ من طِولِ النُعاس كأنّهُ ... بحَبْلَين في أنشوطةٍ يترجّحُ إذا ماتَ فوق الرّحْلِ أحْيَيْتُ روحَه ... بذِكْراكِ والعيسُ المراسيل جُنَّحُ قال الصّولي: وانصرفْنا وما من الجماعة إلا من قد غمرَهُ بحْرُ ابنِ المعتز في عِلم الشعر، وحُسْن تصرّفهِ في الكلام. وأقول: إنّ أوّل مَن استعارَ في الشِّعر امرؤ القيس، فمن استعاراته قولُه:

стр. 25

وليلٍ كموْجٍ اليَمِّ مُرْخٍ سُدولَه ... عليّ بأنواع الهمومِ ليَبْتَلي فقلت له لما تمطّى بجَوْزِه ... وأردف أعْجازاً وناءَ بكَلكَلِ وقال زهير: صَحا القلبُ عن سَلْمى وأقصرَ باطلُهْ ... وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورَواحلُهْ قال الأصمعي: أول من عرّى أفراس الصِّبى طُفَيل بقوله: فأصبحتُ قد عنّفْتُ بالجهلِ أهلَه ... وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورواحِلُهْ وقال العُدَيْل بن الفَرْخ: تكون لنا بيضُ السيوف مَعاذَةً ... إذا طِرْن بالأيدي كلَمْحِ العقائِقِ وقال أيضاً: مَن الطاعِنُ الجبّار، والخيلُ بينها ... عجاجٌ تهادى نقْعُهُ بالسّنابِكِ الاستعارة تَهادى، والقرينةُ بالسنابك. وقال مُزاحم العُقَيْلي: سجَنْتُ الهوى في الصّدْرِ حتى تطلّعَتْ ... بناتُ الهوى يُعْوِلْنَ من كلِّ مُعْوِلِ جعل صدرَه سِجناً للهوى، وجعل للهوى بناتٍ، وإنما يعني همومَه، وجعلها متَطلِّعةً، وجعلها مُعْوِلَةً، وهذه من الاستعارات الحسَنةِ. وقالت الخنساء: لدى مأزِقٍ بينها ضيِّقٍ ... تجُرُّ المنيةُ أذْيالَها جعلتْ للمنية أذيالاً وجعلَتْها مجرورةً والقرينة لفظية. وقال مُزاحم العُقيلي يصِف فَلاةً: تموتُ الرياحُ الهُوجُ في حَجَراتِها ... وهيهاتَ من أقطارِها كلُّ مَنْهَل وقال جرير: ورأيت راحلةَ الصِّبا قد قصّرتْ ... بعدَ الذّميلِ وملّتِ التَّرحالا وقال أيضاً: غداةَ ابتَقرْنا بالسيوفِ أجِنّةً ... من الحرْبِ في مَنْتوجَةٍ لم تُطَرَّقِ ابتقرنا، افتعلنا من البَقر وهو شقُّ البطن للحُبْلى وغيرها، فاستعار للحرب بطناً وأوجب عليها بَقْراً، واستخراج جنينها. والتطريق أن يعْسُرَ خروج الولد، وهذه استعارة للحرب حسنة. وقال العائذي: ونحنُ بنو حربٍ غذَتْنا بثَدْيِها ... وقد شمِطَتْ أصداغُها وقرونُها وقال حاجب بن زُرارة: ومِثلي إذا لم يُجْزَ أكرَمَ سعيهِ ... تكلّمُ نُعْماه بفِيها فتَنطِقُ ومن هذا البيت أخذ نُصَيْب قولَه: فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنتَ أهلُهُ ... ولو سكَتوا أثنَتْ عليكَ الحقائِبُ وقال الفرزدق: والشيبُ ينهضُ في الشبابِ كأنّهُ ... ليلٌ يَصيحُ بجانبَيْهِ نهارُ أخذهُ ابنُ هَرْمة فقال: وقد صاحَ في الليلِ النّهارُ كأنّه ... خِلافَ الدُجى أقرابُ أبْلَقَ أقْرَحا وقال ابن مُقْبِل: لدُنْ غُدْوَةً حتى نزَعْنَ عشيّةً ... وقد مات شطرُ الشّمْسِ والشطْرُ مُدْنِفُ وقال سليمان بن عمّار السُلَميّ: وموْلًى كداءِ البطنِ ليسَ بزائلٍ ... تدِبُّ أفاعيه لَنا والعقارِبُ أقام قوارصَ كلامِه مقامَ الأفاعي والعقارب، وهذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية وهي قوله: تدِبُّ. وقال جَحْشُ بن زيدٍ الحَنَفي: فَطَمْنا بني كعبٍ عن الحرب بعدَها ... ولاقَوْا من الأبطال وقعاً غَشَمْشَما القرينةُ في هذا البيت معنويّة، وذلك أنه قد استقرّ عندَهُم تشبيهُ الحرب بالناقة على صِفاتٍ مختلفة، وأنهم يذكرون أخلافها وأنها تدِرُّ وتُحلب، فلما استقرّ عندَهم وكثُرَ بينهم كان اطِّراحُه وإيرادُه عندهم واحداً، وهذا معنى لطيف فاعْرفْهُ. وقال عجلان بنُ لأيٍ الثّعلبي: عجِبْتُ لداعي الحرب والحربُ شامِذٌ ... لَقاحٌ بأيْدينا تُحَلُّ وتُرْحَلُ الشامِذُ: الناقةُ شَمذت تشْمِذُ بالكسر شِماذاً إذا لُقِحَتْ فشالَت بذنَبِها. وقال صابرُ بنُ صفوان الهُذَلي الحنَفيّ: وقدأشعلَتْ نيرانَها الشمسُ واصْطَلى ... بها غَضْوَرُ البيداءِ حتى تلهّبا وقال المُحْرِز بن المُكعبِر الضّبّي: سالتْ عليهِ شِعابُ العِزِّ حين دَعا ... أصحابَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ هذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية، وهي قولُه: سالتْ عليه شعابُ العِزِّ فذكر السّيْلَ مع الشِعاب، ولو قال: سالَ عليه العزُّ لم يكُ حسَناً. وقال رجلٌ من بَلْعنبر:

стр. 26

قومٌ إذا الشرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لهُمْ ... طاروا إليه زَرافاتٍ ووِحدانا وأنشد الأصمعي: وما زِلتُ أرْشو الدّهرَ صَبْراً على التي ... تَسوءُ الى أن سرّني فيكُمُ الدّهْرُ جعل الصبْرَ رِشوةَ للدهر ليُعينَه وهي استعارة حسنة. وقال قُرْطُ بن حارثة العامري الكلبي: إنّما شيّبَ الذُؤابةَ مني ... وشجاني تناصرُ الأحزانِ الاستعارةُ في تناصر. وقال أبو دَهْبَل الجُمَحي: أقول والرّكْبُ قد مالَتْ عمائِمُهمْ ... وقد سَقى القومَ كأس النّشوةِ السّمَرُ وقال ذو الرمة: سقاهُ الكَرى كأسَ النُعاسِ فرأسُهُ ... لدِين الكَرى من آخِر الليل ساجِدُ وقال حمزة بن بَيْض الحنَفيّ: وأقام في رأسي المشيبُ فراعَني ... ضيفٌ لَعَمْرُ أبيكَ ليسَ برائِمِ وحنَى قناتي ثمّ وتّر قوسَه ... ورَمى بأسْهُمِهِ فشكّ قوائِمي وقال الأفوهُ الأْوديّ: إنما نِعْمةُ قومٍ مُتعَةٌ ... وحياةُ المرءِ ثوْبٌ مُستعار جعل الحياةَ ثوباً وجعله مُسْتعاراً. وقال ابنُ ميّادة يصف الألحاظ: وبَرَيْنَ، لمّا أن أردْنَ نِضالَنا ... نَبْلاً بلا ريشٍ ولا بِقداحِ لما استقرّ النبلُ للحظ استعار النضال والريشَ، والقرينة هنا لفظيّة. وقال الآخر: أخذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا ... وسالَتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ وقال عمر بن أبي ربيعة المخْزومي: وهْيَ مكنونةٌ تحيّرَ منها ... في أديمِ الخدّيْنِ ماءُ الشّبابِ وأنشد ثعْلَب: إذا ما أتاهُ السائِلونَ توقّدَتْ ... عليهِ مصابيحُ الطّلاقَةِ والبِشْرُ وقال مِحْجَن بن عُطارِد العنْبري: تُحدّثُني أنّ البليّةَ قد أتَتْ ... وأنّ سِنينَ المحْلِ قد صاحَ هامُها وهذه استعارة حسنة. والاستعاراتُ في المنظوم والمنثور تتجاوز حدَّ كل حدٍ محصور، فيما أتينا به مَقْنَع. ومن الألقاب المقدّم ذكرها: باب التشبيه قال أبو عمرو بن العلاء: وقال الأصمعي: أحسنُ التشبيه ما كان فيه تشبيهان في تشبيهين، كقول امرئ القيس: كأنّ قلوبَ الطّيرِ رطْباً ويابِساً ... لدى وَكْرِها العُنّابُ والحشَفُ البالي وإنما خصّ قلوبَ الطير لأنها أطيبُها، وقيل: إن الجارحَ إذا صاد الطائرَ أتى بقلبه الى فِراخِه طُعْماً دون باقي لحمِه، فلا يزالُ في وَكْرِه من قلوب الطير طريٌّ وقديمٌ لكثرة صيدِه، كما قال أبو زبيد الطائي: يظَلُّ مُغِبّاً عندَه من فرائِسٍ ... رُفاتُ حُطامٍ أن أو غريضٌ مُشَرْشَرُ رفاتٌ قديمة، وغريضٌ طري. وقال الأصمعي: إنّ الجارحَ يأتي بالصّيد الى وَكره فيأكلُ لحمَه ويتركُ قلبَه فما يبْرَح في وَكره من قلوب الطير رطبٌ ويابس، لهذه العلّة خصّ قلوبَ الطيرِ دون غيرها. وقال بشارُ بن برد: ما زلت منذ سمعت بيتَ امرئ القيس أحاول أن أقارب تشبيهين بتشبيهين فلا أستطيعُ حتى قلت: كأنّ مُثارَ النّقْعِ فوقَ رؤوسِهمْ ... وأسيافنا، ليلٌ تهاوَتْ كواكِبُهْ أخذَه بشّار من قول كُلثوم العتّابي: تبْني سنابِكُها من فوقِ هامِهمُ ... سَقفاً كواكِبُهُ البيضُ المَباتيرُ وحكى الأصمعيُّ قال: استدعاني الرشيدُ بعضَ الأيامِ فراعني رُسُلُه، ولم أفتأْ أنْ مثُلْتُ بحَضرتِه، وإذا في المجلس يحيى بن خالد وجعفر والفضل. فاستدناني فدنوتُ، وتبيّن ما عَراني من الوجَل فقال: ليُفْرِخْ روْعُك، فما أردْناكَ إلا لما يُراد له أمثالُك. فمكثتُ الى أن ثابَتْ إليّ نفسي، ثمّ بسَطني وقال: إني نازعتُ هؤلاء، وأشار الى يحيى وجعفر والفضل، في أشعَر بيت قالَتْه العربُ في التشبيه، ولم يقعْ إجماعُنا على بيت يكون الإيماءُ إليه دون غيره، فأردناك لفصْلِ هذه القضية واجتناء ثمَرةِ الخِطار فقلت: يا أمير المؤمنين، إن التعيينَ على بيت واحد في نوع واحد قد توسّعَتْ فيه الشعراء ونصبَتْهُ مَعْلماً لأفكارها ومَسرَحاً لخواطرِها، لَبَعيدٌ أن يقعَ النصُّ عليه، ولكنّ أحسن الشعراء تشبيهاً امرؤ القيس. قال: في ماذا؟ قلت: في قوله:

стр. 27

كأنّ عُيونَ الوحشِ حول قِبابِنا ... وأرْحُلِنا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّبِ وقوله: كأنّ قلوبَ الطّيْرِ رَطْباً ويابساً ... لدى وَكرِها العُنّابُ والحشَفُ البالي وقوله: سَمَوْتُ إليها بعدَ ما نامَ أهلُها ... سُموَّ حَبابِ الماء حالاً على حالِ قال: فالتفَت الرشيدُ الى يحيى وقال: هذه واحدة، فقد نصّ على امرئ القيس أنه أبرعُ الناس تشبيهاً، قال: فقال يحيى: هي لك يا أميرَ المؤمنين، ثم قال الرشيد: فما أبْرَعُ تشبيهاتِه عندَك؟ قلت: قوله في صفة فرس: كأنّ تشَوُّفَهُ في الضُحى ... تشوُّفُ أزرقَ ذي مِخْلبِ إذا بُزَّ عنه جِلالٌ له ... تقولُ سَليبٌ ولم يُسلَبِ قال الرشيد: هذا حسَن، وأحسنُ منه قوله: فرُحْنا بِكابْنِ الماءِ يُجنَبُ وسْطَنا ... تصَوَّبُ فيه العيْنُ طوراً وتَرْتَقي فقال جعفر: هو التحكيم يا أميرَ المؤمنين، قال: كيف؟ قال: ليَذْكُرْ أميرُ المؤمنين ما كان وقع اختيارُه عليه ونحن نذكر ما اخترناه ويكونُ الحُكْمُ واقعاً من بعد، فقال الرّشيد: أغْرَضْتَ، قال الأصمعي: فاستحسنتُها منه، يقال: أغْرَضَ الرجلُ إذا قارب الصوابَ. ثم قال الرشيد: ليبدأ يحيى، فقال يحيى: أحسنُ الناس تشبيهاً النابغةُ في قوله: نظَرَتْ إليكَ بحاجةٍ لم تَقْضِها ... نظَرَ المريضِ الى وجوهِ العُوَّدِ وقوله: فإنّك كالليلِ الذي هو مُدرِكي ... وإنْ خِلتُ أنّ المُنْتَأى عنكَ واسعُ وقوله: مِنْ وحْش وَجْرَةَ مَوْشيٌّ أكارِعُهُ ... طاوي المَصير كسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ قال الأصمعي: فقلتُ: أما تشبيهُ مرَضِ العين فحسَنٌ، إلا أنه هجّنَهُ بذكرِ العِلّة وتَشبيهِ المرأة بالعليل، وأحسنُ منه قولُ عَديّ بن الرِّقاع: وسْنانُ أقصَدهُ النُّعاسُ فرنّقَتْ ... في عينِه سِنةٌ وليس بنائِمِ وأما تشبيه الإدراك بالليل والنهار فيما يُدركانِهِ فقد كان من سبيله أن يأتي بما ليس له قسيمٌ حتى يأتيَ بمعنىً ينفردُ به، ولو شاءَ قائِلٌ أن يقول: إنّ قولَ النَّمِريّ في هذا المعنى أحسن، لوجدَ مساغاً، وهو: ولو كنتُ بالعَنْقاءِ أو بأُسومِها ... لَخِلتُكَ إلا أن تصُدَّ تَراني وأما قولُه: كسَيْفِ الصيقل الفرِد، فالطِّرمّاح أحقُّ بهذا المعنى منه، لأنه أخذَه فجوّدَه وزاد عليه، وإنْ كان النابغةُ افترَعَه، قال الطّرمّاح: يبدو وتُضمِرُهُ البلادُ كأنّه ... سيفٌ على شرفٍ يُسَلُّ ويُغْمَدُ فقد جمع في هذا البيت استعارةً لطيفةً بقوله: تُضمِرُهُ، وشبّه شيئين بشيئين، بقولِه: يبدو ويَخْفى، ويُسَلّ ويُغْمَد، وهو طِباقٌ حسَن، وفيه حسْن التفسير وصحّة المُقابلة. قال الأصمعي: فاسْتَبْشرَ الرشيدُ حتى برَقَتْ أساريرُ وجهه، فخِلْتُ برْقاً ومضَ منها، وقال ليحيى: فضَلْتُك وربِّ الكعبة، وامتقع لوْن يحيى فكأنّ المَلَّ ذُرَّ عليه فقال الفضلُ: لا تعجَلْ يا أمير المؤمنين حتى يمُرّ ما قلته بسَمْعِه. فقال: قل، قال الفضل: أحسنُ الناس عندي تشبيهاً طرَفَةُ بقوله: يشقُّ حَبابَ الماءِ حيْزومُها بها ... كما قسَم التُّرْبَ المُفايلُ باليدِ المفايلُ الذي يجمع الترابَ ويقسمه نصفين أو ثلاثاً ويجعلُ فيه خبيئاً، والفَيالُ الاسم بغير همز. فشبّه شَقَّ السفينة الماءَ بصدرِها بشَقِّهم التُّرابَ، وقوله: لعَمْرُكَ إنّ الموتَ، ما أخطأ الفتى، ... لكالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ وقوله: ووَجهٍ كأنّ الشمسَ ألقَتْ رداءَها ... عليه، نقيَّ اللونِ لمْ يتخدّدِ

стр. 28

قال الأصمعي: هذا حسنٌ كلّه وغيرُه أحسن منه، وقد شرِكَهُ في هذه المعاني جماعة من الشعراء. وبعدُ فطرَفَة صاحبُ واحدة، لا يُقْطَع بقوله على البُحور، وإنما يُعَدّ مع أصحاب الواحدة. قال: ومَنْ أصحاب الواحدة؟ قال: الحارث بن حِلِّزة، والأسْعَرُ الجُعَفي، والأفْوَهُ الأوديّ، وعلقمَةُ الفحْل، وسُويد بن أبي كاهِل، وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن مَعْديكرِب. قال الأصمعي: فاسْتخَفّتِ الرشيدَ الأريحيّة فقال: ادْنُ، فإنّك جَحيشُ وحدَك، قال: فزاد في عيني نُبْلاً. فقال جعفر متمثِّلاً: لبِّثْ قليلاً يلحَقِ الهَيْجا حمَلْ. يعرِّضُ بأنه يجوز أن يلحَقَ هو ما يحاوله. فقال الرشيد: فاتَتْك واللهِ السوابِقُ في المَدى ... وجئْتَ سُكَيتاً ذا زوائد أرْبَعا قال: ورأيت الحميّةَ في وجهه. فقال جعفر: على شَريطةِ حِلمِك يا أمير المؤمنين، فقال: أتراه يسع غيرَك ويضيقُ عنْك!؟ فقال جعفر: لستُ أنصّ على شاعر واحد أنه أحسن الناس تشبيهاً في بيت واحد، ولكنّ قول امرئ القيس من أحسن التشبيه حيث يقول: كأنّ غُلامي إذْ عَلا حالَ مَتْنِه ... على ظَهْر بازٍ في السّماءِ محلِّقِ وقال عَديُّ بن الرِّقاع: يتعاوَرانِ من الغُبار مُلاءَةً ... غبْراءَ مُحْكَمَةً هما نَسَجاها تُطوى إذا علَوا مكاناً ناشِزاً ... وإذا السنابكُ أسْهَلَتْ نَشَراها وقول النابغة: فإنّك شمسٌ والملوكُ كواكِبٌ ... إذا طلَعَتْ لم يَبْد منهنّ كوْكَبُ من هذا المعنى أخذ نُصَيْبٌ قولَه: هو البدرُ والناسُ الكواكبُ حولَهُ ... وهل تُشبِهُ البدرَ المُضيءَ الكواكبُ قال الأصمعي: هذا كلّه ناصعٌ بارع وغيرُه أبرع منه، وإنما يحتاج أن يقع التعيين على ما اخترعه قائلُه فلمْ يتعرّض له، أو تعرّض له شاعرٌ فوقَع دونه. فأما قول امرئ القيس: على ظهر بازٍ في السماء محلقِ، فمن قول أبي داؤد: إذا شاءَ راكبُه ضمَّهُ ... كما ضمّ بازٌ إليه الجَناحا وأما قول عديّ: يتعاوران من الغبار مُلاءة، فمن قول الخنساء: جارَى أباهُ فأقْبَلا وهُما ... يتعاوَران مُلاءَةَ الحُضْرِ وأول من نطق بهذا المعنى شاعرٌ جاهلي من بني عُقيل، قال من أبيات: قِفارٌ مَرَوْرات يَحارُ بها القَطا ... ويُضحي بها الجأبانِ يعتَركانِ يُثيرانِ من نسجِ العَجاج عليهما ... قَميصَيْنِ أسْمالاً ويرتديانِ وأما قول النابغة: فإنّك شمسٌ البيت، فقد تقدّمه فيه شاعر قديم من شعراء كِندة يمدحُ عمرو بن هند وهو أحقّ به من النابغة إذ كان أبا عُذْرَتِه: تكادُ تميدُ الأرضُ بالناس أن رأَوْا ... لعمرو بنِ هِنْدٍ غضبةً وهو عاتبُ هو الشمسُ فاقَتْ يومَ سعْدٍ فأفضلَتْ ... على ضوءٍ والملوكُ كواكبُ قال: فكأنني والله ألقَمْتُ جعْفَراً حجراً، واهتزّ الرشيد من فوق سريره أشَراً فكاد يطيرُ عجباً وطرباً وقال: يا أصمعيّ اسمَعْ ما وقع اختياري عليه الآن. فقلت: ليَقُلْ أمير المؤمنين، أحسنَ الله توفيقَه. قال: قد عيّنْتُ على ثلاثة أشعارٍ أُقسم بالله إني أملِكُ قصَبَ السَّبْقِ بأحدِها؛ فهل تعرفُ يا أصمعيُّ تشبيهاً أفخم وأعظم في أحقر مشبَّهٍ وأصغرِه في أحسن مَعْرِضٍ من قول عنترة: وخَلا الذُّبابُ بها فليس ببارِحٍ ... غَرِداً كفعلِ الشّاربِ المترَنِّم غرِداً يسِنُّ ذِراعَهُ بذراعِهِ ... قَدْحَ المُكبِّ على الزِّنادِ الأجذَمِ ثم قال: يا أصمعيّ، هذا من التشبيهات العُقم، فقلت: هو كذلك يا أمير المؤمنين، وبمجدِك آليتُ ما سمعتُ أحداً وصف في شعرٍ شيئاً أحسن من هذه الصفة، ولا استطاع بلوغ هذه الغاية. قال: مهْلاً لا تعجَلْ، أتعرِفُ أحسنَ من قولِ الحُطيئة في وصف لُغام ناقتِه أو تعلم أحداً قبلَه أو بعده شبّه تشبيهَهُ حيث يقول: ترى بين لَحْيَيْها إذا ما تبغّمَتْ ... لُغاماً كبيتِ العنكبوتِ المُمَدَّدِ قال: فقلت: ما علِمْتُ أحداً تقدّمه أو أشار الى هذا المعنى بعدَه، قال: أفتعرفُ أبرعَ وأوقَع من تشبيهِ الشَّماخ لنعامةٍ سقط ريشُها وبقي أثرُهُ في قوله:

стр. 29

كأنّما مُنْثَني أقماعِ ما مَرَطَتْ ... منَ العَفاءِ بِلِيتَيْها الثآليلُ فقلت: لا والله، فالتفت إلى يحيى وقال: أوَجَبَ؟ قال: وجَبَ. قال: أفأزيدُك؟ قال: وأيُّ خيرٍ لم يزدني منهُ أميرُ المؤمنين؟ قال: قول النابغة الجَعْدي: رَمى ضِرْعَ نابٍ فاستهلّ بطَعْنَةٍ ... كحاشيةِ البُرْدِ اليَماني المُسَهَّمِ ثم التفت الى الفضْل فقال: أوجبَ؟ قال: وجب، فقال: أأزيدُك؟ قال: ذاك الى أمير المؤمنين، قال: قول الأعرابي: بها ضرْبُ أنْدابِ العَفايا كأنّه ... ملاعِبُ وِلدانٍ تخُطُّ وتصْمَعُ ثم التفتَ الى جعفَر فقال: أوجَبَ؟ قال: وجبَ. قال: أفأزيدك؟ فقال: لأمير المؤمنين عُلوّ الرأي، قال: قول عديّ بن الرِّقاع: تُزْجي أغَنَّ كأنَّ إبرةَ رَوْقِه ... قلمٌ أصابَ من الدَّواةِ مِدادَها قال: ثم أطرقَ الرّشيد، ورفعَ طرْفَه وقال: يا أصمعي، أتُراك، تغبُنُني عقلي بانحطاطِك في هواي؟ فقلت: كلا والله يا أمير المؤمنين إنّك لتَجِلُّ عن الحَرْش قال: انظرْ حسناً، قلت: قد نظرتُ، قال: فالسبق لمَنْ؟ قلت: لأمير المؤمنين. قال: قد أسهَمْتُك منه العُشُر، والعُشُر كثير، ثم رمى بطرفِه الى يحيى فقال: المالَ، تهَدُّداً ووعيداً، فما كان إلا كلا ولا، حتى نُضّدت البِدرُ بين يديه فكادَت تحولُ بيني وبينه، ورأيتُ ضوءَ الصبح قد غلبَ ضوءَ الشمعِ، فأشار الى خادمٍ على رأسه فدفعَ إليّ من المال، وهو ثلاثة ألف ألف دِرهَم، ثلاثين بَدْرة، فانصرفتُ بها الى المنزل، ونهض عن مجلسه. فكانت أسعدَ ليلةٍ ابتسمَ بها صباحٌ عن ناجزِ الغنى. قال بشار: ولما نظمتُ قولي كأنّ مثار النّقْعِ البيت وقد تقدم ذكرُه، عُدتُ أوردتُ المعنى في أقرب لفظٍ فقلت: من كلِّ مُشتَهِرٍ في كفِّ مُشتهرٍ ... كأنّ غُرَّتَهُ والسّيفَ نجْمانِ فشبّهْتُ غُرّةَ الرجل والسيفَ بنجمين. وتبعهُ مسلم بن الوليد فقال: في جحَلٍ تُشرقُ الأرضُ الفضاءُ به ... كالليلِ أنجمُهُ القُضْبانُ والأسَلُ وأخذَه منصور النَّمِريّ فقال: ليلٌ من النّقْعِ لا شمسٌ ولا قمرٌ ... إلا جَبينُك والمَذْروبةُ الشُّرعُ ولرجلٍ من بني أسد يقول: حلَقَ الحوادثُ لمّتي فترَكْنَني ... رأساً يصِلُّ كأنّهُ جُمّاحُ وزَكا بأصداغي وقَرْنِ ذُؤابَتي ... قبَسُ المَسيبِ كما زكا المِصباحُ جُمّاح: وجمعه جَماميح، وهو سهمٌ صفر لا زُجَّ له، يُجعلُ في رأسه طين كالكتلة يلعبُ بهاالصبيان. وقريب من هذا التشبيه قول الآخر وله حكاية: ورُحْتُ برأسٍ كالصُخَيْرةِ أشرفَتْ ... عليها عُقابٌ ثمّ طارَ عُقابُها وراح بها ثوْرٌ ترِفُّ كأنّها ... سلاسِلُ برقٍ وبْلُها وانسكابُها وأنشد أبو زيد: كأنّ مُلْقى زِمامٍ عندَ ركبتها ... على الجَدالةِ أيْنٌ غيرُ مُنسابِ وقال أبو دؤاد الإيادي: تنازعُ مَثْنى حضْرَميٍّ كأنّهُ ... حُبابُ نقاً يتلوهُ مُرتَجِلٌ يرمي وقال النابغة الذُبياني: مَقذوفةٌ بدخيسِ النّحضِ بازِلُها ... له صريفٌ، صَريفَ القَعْوِ بالمَسَدِ هذا يسمّونه أهلُ البديع التشبيهَ المُعرّى، فإذا شبّهوا ما لهُ حركة وجرسٌ نَصَبوا كما قالوا: صريفٌ صريفَ، نصباً، وإذا لم يكن كذلك رفَعوا كما يقول القائلُ: له رأسٌ رأسُ الأسدِ، رفعاً. ومنه تشبيهٌ بالفِعْلِ وهو قولُهم: هو يفعَلُ فِعْلَ الكرامِ، ويحْلَمُ حِلمَ الأحنف. والمعنى: يفعَلُ فِعْلاً كفعلِ الكرامِ، ويحْلُم حِلْماً كحِلْمِ الأحْنَفِ. ومنه قوله تعالى: (وترى الجِبالَ تحسَبُها جامدةً وهي تمرُّ مرّ السّحابِ) . وقال عنترة في تشبيه الألوية: كتائبُ تُزْجى، فوقَ كلِّ كَتيةٍ ... لواءٌ كظِلِّ الطّائِرِ المتصرِّفِ وله في تشبيه القتلى: كأنّهم بجَنْبِ الشِّعْبِ صرْعَى ... تساقَوْا بينهم كأسَ المُدامِ وله في تشبيه الدّمعِ: أفَمِنْ بُكاءِ حمامةٍ في أيْكةٍ ... فاضَتْ دُموعُك فوقَ ظهْرِ المحْملِ كالدُرِّ أو نظْمِ الجُمانِ تقطّعَتْ ... منهُ مَعاقِدُ سِلْكِه لم يوصَلِ

стр. 30

وقال أبو نَضْلَة يموتُ بن المُزَرِّع: والبدرُ يجنحُ للغروبِ كأنّما ... قد سَلّ فوقَ الماءِ سيفاً مُذهَبَا وله: لم أنْسَ دِجلةَ والدُجى مُتصرِّمٌ ... والبدرُ في أفقِ السماءِ مغَرِّبُ فكأنّها فيهِ رِداءٌ أزرقٌ ... وكأنه فيه طِرازٌ مُذْهَبُ قال أبو محَلِّم يصفُ الشمسَ: مُخبَأَةٌ أمّا إذا الليل جنّها ... فتَخْفى وأمّا بالنهارِ فتَظْهَرُ وقال الكندي يصف الثُريّا: إذا ما الثُريّا في السّماءِ تعرّضتْ ... تعَرُّضَ أثناءِ الوِشاحِ المُفَضَّلِ وقال ذو الرّمّة: ورَدْتُ اعتِسافاً والثُريّا كأنّها ... على قمّة الرأسِ ابنُ ماءٍ محَلِّقُ وقال قيسُ بنُ الأسْلَت، وأجاد: وقد لاحَ في الصُبحِ الثُريّا لمنْ رأى ... كعُنْقودِ مُلاّحيّةٍ حينَ نوّرا وقال يزيد ابن الطّثْريّة: إذا ما الثُريّا في السماءِ كأنّها ... جُمانٌ وهَى من سِلْكهِ فتبدّدا وقال بعضهم: فاغتنمْ شُربَها فقد فضحَ الليْ ... لَ هلالٌ كأنّه فِتْرُ زَنْدِ والثُريّا خفّاقَةٌ في رِواق ال ... غربِ تهْوي كأنّها رأسُ فهدِ وقال الحِمْيَريّ في قتْلى عليّ ﵇: ترى الطّيرَ مثلَ النِّسا حولَهُ ... غدَوْنَ الى مُدنَفٍ عُوَّدا وقال أعرابي في تشبيه الدُروع: عليها كالنِّهاءِ مُضاعَفاتٍ ... من الماذيِّ لم تَؤُدِ المُتونا وقال أبو دؤاد الإيادي: وأعدَدْتُ للحَرْبِ فَضْفاضةً ... تضاءلُ في الطّيِّ، كالمِبْرَدِ وقال كعبُ بن سعدٍ الغَنَوي: وقومٍ يجُرّونَ الثيابَ كأنّهم ... نَشاوَى وقد نبّهْتَهم لرَحيلِ يصفُهم بالنُعاس. وقال زهير في تشبيهِ آثارِالديارِ بالنقوش في الأكفِ والمعاصم: ودرٌ لها بالرَّقْمَتَيْنِ كأنّها ... مراجِعُ وشْمٍ في نَواشِرِ مِعْصَمِ وقال عنترة في تشبيه حَنَكِ الغُراب: خرِقُ الجَناحِ كأنّ لَحْيَيْ رأسِهِ ... جلَمانِ بالأخْبارِ هشٌ مولَعُ وقال الراعي يصفُ قانصاً جَعْدَ شعرِ الرأس: فكأنّ ذروةَ رأسِهِ من شعرِه ... زُرِعَتْ فأنبتَ جانباها الفُلْفُلا وقال ذو الرُّمّة: وليلٍ كجِلْبابِ العروسِ ادّرَعْتُهُ ... بأربعةٍ والشّخْصُ في العين واحدُ قال مضرِّس بن رِبْعي يصفُ نعامة: صَعراءُ عاريةُ الأخادِعِ رأسُها ... مثلُ المِدَقِّ وأنفُها كالمِسْرَدِ وقال النابغة يصفُ النسورَ: تَراهُنّ خلْفَ القومِ زُوراً عيونُها ... جُلوسَ الشّيوخِ في مُسوكِ الأرانِبِ وقالت أختُ عمرو ذي الكلْب وأحسنتْ: تمشي النسورُ إليه وهيَ لاهيةٌ ... مشْيَ العَذارَى عليهنّ الجَلابيبُ وقال ذو الرّمّة في تشبيه الرّملِ بأوراكِ العَذارَى: ورمْلٍ كأوراكِ العَذارى قطَعْتُه ... إذا لبسَتْهُ المظلِماتُ الحَنادِسُ ولقد أبدعَ السّيِّدُ الحِميريّ وأحسنَ في وصفِ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ ﵁، وتشبيهه بريح عادٍ ولم يُسْبَقْ الى ذلك: لكِنْ أبو حسَنٍ، واللهُ أيّدَهُ ... قد كان عندَ اللِقا للطّعْنِ مُعتادا إذا رأى معْشَراً حرباً أنامَهُمُ ... إنامَةَ الرِّيحِ في أبياتها عادا وقال الكِنْدي: جمعْتُ رُدَيْنيّاً كأنّ سِنانَه ... سَنا لهَبٍ لم يتّصِلْ بدُخانِ وأنشد الحامض: كأنّ ما يسقطُ من لُغامِها ... بيْتُ عَكْنَباتٍ على زِمامِها هذا كبيت الحطيئة وقد تقدّم ذكرُه، والمعنى أنه شبّه اللُّغام ببيتِ العنكبوت لاجتماعِهما في النحافة، وبُعدِهما عن الكثافة. يُقال: عَنْكَبوتٌ وعَكَنْباةٌ كما قالوا: عقابٌ وعقنباة ويقال: عنكباء، وفي هذا تعليلٌ يطول شرحُه وليس هذا موضِعُه. وقال معقِّرُ البارقي في تشبيهه الجيوش: وقد جمَعا جمْعاً كأنّ زُهاءَهُ ... جَرادٌ سَفا في هَبْوَةٍ مُتطايرُ وقال أيضاً:

стр. 31

فباكَرَهفمْ عندَ الشّروقِ كتائِبٌ ... كأرْكانِ سَلْمى سيْرُها مُتواتِرُ وقال الحَكَميّ يصفُ سفينةً: فكأنّها والماءُ ينطحُ صدرَها ... والخَيْزُرانةُ في يدِ المَلاّحِ جَوْنٌ من العِقْبانِ تبْتَدِرُ الدُجَى ... تهْوي بصوتٍواصطفاقِ جَناحِ وهذا بابٌ وسيعُ الأرجاء، بعيدُ الانتهاءِ، كالبحر لا تُحصى أمواجُه، ولا يُسْتَقصى منهاجُه، وفيما أوردناه فضلٌ على الكفاية. ومنها: باب الحشو السديد في المعنى المفيد قال أبو الشّيص الخُزاعي: إنّ الثمانين، وبُلِّغْتَها، ... قد أحوَجَتْ سمْعي الى تُرْجُمانِ قولُه: وبُلِّغْتَها، حشْو سَديد وقد أفادَتْ من الدّعاء معنى جَيداً. وأنشد اليزيديّ: فمَنْ ليَ بالعيْنِ التي كنتَ مرّةً ... إليّ بها، نفْسي فِداؤكَ، تنظُرُ قولُه: نفسي فداؤكَ، كقولهِ: وبُلِّغْتَها، في الدُعاء. وقال أبو الوليد عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي: فلَوْ بِكَ ما بي، لا يكُنْ بكَ، لاغتدَى ... وراحَ إليكَ البِرُّ بي والتّقَرُّبُ قولُه: لا يكُنْ بكَ حشْوٌ حسن. وأنشد أبو عمرو بن العلاء الجاهلي: وعَوْدٌ، قليلُ الذَّنْبِ، عاوَدْتُ ضرْبَهُ ... إذا هاج شوقي من معاهدِها ذِكْرُ وقلتُ له ذَلفاءُ، ويحَك، سبّبَتْ ... لك الضربَ فاصْبرْ إنّ عادتَك الصّبْرُ أخذ ابنُ المعتزّ هذا المعنى فقال: وخَيْلٍ طواها القَوْدُ حتّى كأنّها ... أنابيبُ سُمْرٌ من قَنا الخَطِّ ذُبَّلُ صَبَبْنا عليها، ظالمينَ، سِياطَنا ... فطارَتْ بها أيدٍ سِراعٌ وأرْجُلُ قوله: ظالمين مثل قوله: قليل الذنب فهذا هو الحشْو السّديد، في اللفظ المُفيد. أما إذا كان الحشو كقولِ أبي العيال الهُذَلي: ذكرتُ أخي فعاودَني ... صُداعُ الرأسِ والوَصَبُ فالصداعُ لا يكون إلا في الرأس، وذكرُ الرأس حشْوٌ غيرُ سديد، ومثله قول ديك الجن: فتنفّسَتْ في البيت إذ مُزِجَتْ ... بالماءِ واسْتلّتْ سَنا اللهَبِ كتنفُّسِ الرَيْحانِ خالَطَهُ ... من ورْد جُورٍ ناضِرُ الشُّعَبِ فذِكْرُهُ المزج يغني، وذِكْرُهُ الماءَ زيادةٌ لا يحتاج إليها، ولقد قصّر عن قول أبي نواس: سَلّوا قِناع الطينِ عن رمَقٍ ... حيّ الحياة مُشارِفِ الحتْفِ فتنفّسَتْ في البيت إذ مُزجَتْ ... كتنفُّسِ الرّيْحانِ في الأنْفِ وهذا مثالٌ في هذا الباب كافٍ. ومنها: باب المتابعة المُتابعة في الكلام المنثور الشعر المنظوم أن يأتي المتكلمُ بالمعاني التي لا يجوز تقديمُ بعضها على بعض، لأن المعاني فيها مُتتالية، فالأولُ يتلوه الثاني والثاني يعقُبُه الثالث، الى أن ينتهي المتكلمُ الى غاية مُرادِه. ولا يجوز تقديمُ الثاني على الأول، ولا الثالث على الثاني، مثالُ ذلك قولُه تعالى: (هو الذي خلقَكُم من تُرابٍ ثمّ من نُطْفَةٍ ثمّ من علَقَة، ثمّ يُخرجُكُم طِفلاً ثم لتَبْلُغوا أشُدَّكُم ثمّ لتكونوا شُيوخاً) . وقال ﵎: (فناداها من تحتِها ألاّ تحزَني قد جعلَ ربُّكِ تحتَكِ سَرِيّاً. وهُزّي إليك بجِذْعِ النّخلةِ تُساقِط عليكِ رُطَباً جَنِيّاً. فكُلي واشْرَبي وقَرّي عيْناً) . فهذا من أحسنِ صِناعةِ الكلامِ في هذا الباب فسُبْحانَ المتكلم به وتعالى عُلُوّاً كبيراً. وأنشد الأصمعي: لكنّها خُلّةٌ قد سِيطَ من دمِها ... فجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ الفجْعُ: الغَدْرُ، والولْعُ: الكذِب. وقولهم: الدنيا لا تؤمَن فجائعُه، أي غَدراتُها، ووجهُ المتابعةِ أنّ الغدرَ إذا وقعَ تبيّن الكذِبُ، وإذا وقع التبديلُ ظهر الخلافُ. وقال زهير: يؤخَّرْ، فَيوضَعْ في كتابٍ، فيُدَّخَرْ ... ليومِ حسابٍ، أو يعجَّلْ فيُنْقَمِ وقال الشّنْفَرى: بعَيْنَيّ ما أمسَتْ، فباتَتْ، فأصبحَتْ ... فقضّتْ أموراً، فاستقلّتْ، فولَّتِ وقال أرْطاةُ بن سُهَيّة: أكلتفمْ دَماً وشَرِبْنا دَماً ... فلم نُرْوَ منهُ ولم تَشْبَعوا وقال ابنُ سُليمان الكِلابي:

стр. 32

فما زالَ منهم ذامرٌ ومُطاعِنٌ ... على حالةٍ أو ضارِبٌ ومُطاعِنُ وقال أعشى عُكْل: وَقَفْنا بها حتى مضَتْ سَورَةُ الضُحى ... نُقَضّي لُباناتٍ ونَبكي تَصابِيا ونُهْدي تَحَياتٍ ونُبدي صَبابةً ... ونُخفي من الوجْدِ الذي ليسَ خافيا أما البيت الأول فلا شاهِد فيه ولكنْ أثبَتْناهُ لوضوحِ البيت الثاني، ويجوز فيه التقديم والتأخير. وأما البيتُ الثاني فوجْهُ المتابعةِ فيه أنّ التحياتِ هي التي يُبدأ بها، ثمّ تبدو الصّبابةُ ويختفي بعضُه، وإنْ كان لا يَخفى كما ذكر. وقال زيادٌ الأعجم: يالَ لُكَيْزٍ دعوةً غيْرَ ندِمْ ... أعَنَزيٌّ سبّني ثمَّتَ لمْ يُلْطَمْ ولمْ يفجْدَعْ ولم يُخْضَبْ بدَمْ وقال عمرو بن الحارث: فقد يعتَري قِدري وأغْرِفُ لحْمَها ... فأصبحُ ندْماني فأكْسَبُ محمدي الاعتراء يكون أولاً ثم الغرْف، ثم السّقي وبعد ذلك يُكتسب الحمد. وقال الجَوْنُ النَّمري: مَنْ مُبلغٌ شيبانَ أن ... ني لم يكُنْ أمري خفِيّا رامَيْتُه حتى إذا ... ما كان نَبلاناً نفِيّا طاعَنْتُه حتى إذا ... ما كان رُمحانا شَظيّا ضاربتُه حتى إذا ... ما كان سَيْفانا حنِيّا أثْخَنتُه غلَباً وكا ... نَ مُمَنَّعاً قِدْماً أبِيّا أعطيتُه رَحْلي ورا ... حلتي وكُوراً حِمْيرِيّا أرأيتَ لو لدَغَتْ أخا ... كُم حيّةٌ في الأرضِ قَيّا أو نالَهُ مرضُ المنو ... نِ فما عليَّ وما لدَيّا ولهذه الأبيات حكايةٌ يطولُ شرحُها، وإنما نذكرُ اليسيرَ منه: وذاك أنه لما كان يومُ أوارَة، أسرَ الجَوْنُ النَمَريّ حارثةَ بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فغلب الملكُ المنذر على الجَوْن، وأخذ منه حارثةَ فقتله وادّعَتْ بنو شيبان أنّ الجَوْنَ قتلَه، فقال هذا الشِعرَ يصف حالَه معه، فابتدأ بذكرِ الرِّماءِ الذي هو أوّلُ الحرب، وثنّى بذكرِ الطِّعان، ثم بذكرِ الضّربِ، ثم الغلَبَة لأحدِ الفريقَيْن تكون؛ فإمّا مَنٌّ أو قتلٌ، فلما استوفى ذلك، أتْبَعَهُ بعتابٍ كالمعتذِر إليهم، وفي هذا المثال كفاية. ومنها: باب المَخْلَص المليح إلى الهجاء والمديح قال عليٌ بن المنجم: سألت أبي، وكان من فرسانِ العِلم بالشعر، عن أحسن مَخْلَص تخلّصَ به شاعر الى مدح أو هجو فقال: يا بُنيّ، هذا مذهبٌ تفرّد به المُحدَثون، فقلّما يتّفق الإحسان فيه لمتقدم. فأما ما وجدتُ أهلَنا ومجمعين عليه منذلك فقول محمد بن وُهَيب: ما زاليُلْثِمُني مَراشِفَهُ ... ويعلُّني الإبريقُ والقدَحُ حتى استردّ الليلُ خِلْعتَهُ ... وبدا خِلالَ سوادِهِ وضَحُ وبدا الصّباحُ كأنّ غُرّتَه ... وجْهُ الخليفةِ حينَ يُمتدَحُ وإنما نظر من هذا المعنى الى قول الأعرابي: أقولُ والنّجْمُ قد مالَتْ مياسِرُهُ ... الى الغُروبِ تأمَّلْ نظْرةً حارِ ألَمْحَةً من سَنا برْقٍ رأى بصَري ... أم وجْهُ نُعْمٍ بدا لي أم سَنا نارِ بلْ وجهُ نُعْمٍ بدا والليلُ مُعتكِرٌ ... فلاحَ من بيْنِ حُجّابٍ وأستارِ وقال حسّان في الهجاء: إن كنتِ كاذبةَ الذي حدّثْتِني ... فنَجَوْتِ منْجَى الحارث بن هِشامِ تركَ الأحبّةَ أن يقاتِلَ دونَهم ... ونَجا برأسِ طِمِرّةٍ ولِجامِ وللمُحدَثين في هذا الباب أشعارٌ حسنةٌ كثيرة لا حاجةَ بنا الى الإطالة بذكرها ففيما أوردناهُ كفاية، واللهُ الموفِّقُ للصّواب. ومنها: باب التضمين ويُسمّى التسميطُ والتوشيحُ، وهذا في شعار العرب قليلٌ جداً، وقد استعملَ المُحدَثون من ذلك ما لا يأتي عليه الإحصاءُ كثرةً وعدّاً، واليسيرُ منه دليلٌ على الكثير. قال الأخطل: ولقدْ سَما للخُرَّميِّ فلمْ يَقُلْ ... بعدَ الوَنى لكنْ تضايَقَ مُقْدَمي ضمّنَ قول عنترة: إذْ يتّقونَ بيَ الأسنّةَ لم أخِمْ ... عنها ولكنّي تضايَقَ مُقْدَمي وقال آخر من أبيات:

стр. 33

متى أبكِ إفلاساً وبؤساً وفاقةً ... يقولون لا تهلِكْ أسىً وتجمَّلِ لقد طالَ تَردادي وحبسي عليكمُ ... فهلْ عندَ رسمٍ دارسٍ من معَوَّلِ خَلُقْتُ على بابِ الأمير كأنني ... قِفا نبْكِ من ذِكرى حَبيبٍ ومنزلِ وقال آخر: قال لي عَمرُها وقد غازَلتْني ... لا تُعرّجْ بدارساتِ الطُّلولِ ومنها: باب تجاهل التعارف ومعنى تجاهُل التعارفُ أن الشّاعر أو الناثر يسألُ عن شيءٍ يعرفُهُ سؤالَ من لا يعرفُه ليعلمَ أن شدة الشَّبَهِ بالمُشبّه قد أحدثَتْ عنده ذلك، وهو كثير في أشعار العرب وخُطَبِهم. قال ذو الرّمّة: أقولُ لأُدْمانيّةٍ عوْهَجٍ جرَتْ ... لنا بينَ أعْلى عُرْفَةٍ فالصرائِمِ أيا ظَبيةَ الوَعْساءِ بيْنَ جُلاجِلٍ ... وبينَ النَّقا آأنتِ أمْ أمُّ سالِمِ وأنشد ابنُ دريد لبعضِهم: أعَنِ البدرِ عِشاءً ... رُفِعَتْ تلكَ السُّجوفُ أمْ عنِ الشّمْسِ تسرّى ... مَوْهِناً ذاك النَّصيفُ أمْ على لِيتَيْ غَزالٍ ... عُلِّقَتْ تلك الشُّنوفُ أم أراكَ الحَيْنُ ما لَمْ ... يَرَهُ القومُ الوُقوفُ فأمّا قوله تعالى: (وما تلك بيَمينِكَ يا موسى؟ قال: هي عصاي) . فالمراد بهذا السؤال مع العلم به، إظهارُ المُعْجزِ الذي لم يكُنْ موسى يعلمُهُ في العَصا، وقد سمّاه أهلُ الصّنعةِ سؤالَ التقرير، وكذلك قولُه تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بنَ مريمَ أأنتَ قُلتَ للناس اتّخذوني وأمّيَ إلَهَيْنِ من دون الله) ، وقد علِم الله تعالى أنه لم يقُلْ ذلك، والمرادُ به توبيخُ من ادّعى ذلك وتكذيبُ من قال به، فهو سؤالُ مُقرِّرٍ لا سؤال مستخبرٍ فاعرفه. ومنها: باب المماتنة والإنفاد والإجازة أما المماتنة فهي تنازعُ الشّاعِرَيْنِ بينهما بيتاً، يقولُ أحدُهما صدرَه والآخر عجُزَه. وأما الإنفادُ والإجازة، فالإنفاد، بالدّال غير المعجمة، هو من قولهم: خصْمٌ مُنافِد إذا خاصم حتى تنفَدَ حُجّتَه. وتقول: نافدتُ الرّجُلَ، مثل حاكمتُه. وفي الحديث: إن نافَدْتَهُمْ نافَدوك. وهو أن يقول الشاعرُ بيتاً تاماً ويقول الآخرُ بيتاً. وأما المماتَنة فقد رُويَ أنّ غلاماً من بني جَنْب يُقال له رِفاعة، ويقال: إنّه المحترشُ، نبغ في الشِّعر وماتَنَ شُعراءَ قومِه حتى أبرَّ عليهم. فلمّا وثِقَ من نفسِه بذلك قال لأبيه: لأخرُجَنّ في قبائلِ اليمن؛ فإنْ وجدتُ من يماتِنُني رجعتُ الى بلادي، وإنْ لم أصادفْ من يماتنُني تقرَّيْتُ قبائلَ العرب كلَّها. فنزل بصِرْمٍ من بني نهْد، والحيُّ خُلوف، فأناخ حَجْرةً عن الحِواء فإذا عجوز حَيْزبون قد أقبَلَتْ تتوكأ على مِحْجَن فقالت: عِمْ ظلاماً، فقال: نعم ظلامُك، فقالت: ممّن الرجل؟ فقال: من مَذْحِج، قالت: من أيّهم؟ قال: من جَنْب، قالت: أضَيْفٌ؟ قال: نَعَمْ، قالت: فلا رحِمَكَ الله، ما عدَوْتَ أن بخَّلتَنا وأسأتَ أحدوثتَنا، ثم أثارتْ راحتلَه وقالت: قُم الى قُبة أضيافنا. فما ملّكتْهُ راحلتَه حتى أتت بها القبة فأناخَتْها ثم حطّت رحلَهُ وكفَتتْهُ في خبائها وأمرت وليدةً لها فجاءتْ بمُدْيَة وعَتود يمْرَحُ في إهابِه سِمَناً وقالت: اذبحْ أيّها الرجل، واعتجنَتْ وامتلّت وطبخَتْ، وقرّبتْ طعاماً، فجلسَ الرجلُ والعجوزُ والوليدةُ يأكلون. فقالت له العجوز: ما رَمى بك هذه البلاد؟ فأخبرَها بخبره، فضحكَتْ وقالت: بِتْ ناعماً أجِئْكَ غداً بعشر خرائدَ يُماتِنَّك دون الرجال، فإنْ غُلبْتَ فارجعْ الى بلادِك. فلما أصبح أقبَلَتِ العجوزُ ومعها ثلاثُ فتيات كالمهرات، فانتبَذْن حَجْرةً، ثم أشارت الى واحدة منهنّ فأقبلتْ كالعَيْدانةِ يُميلها الصِّبا فقالت: أأنتَ المُتحدّي بالمُماتنة؟ فقال: نعم، فقالت: قُل أسمَعْ، فقال: سَوامٌ تداعَتْ بالحَنينِ عشارُها فقالت: حوامل أثقالٍ تنوءُ فتدلحُ فقال: إذا أيّهت في حَجْرَتَيْها رِعاؤها فقالت: سمَتْ فُرَّقٌ منها شوامذ لُقَّحُ فقال: إذا وطِئَتْ أرضاً سقَتْها بدَرِّها فقالت: أفاويقُ مِسْكٍ محضه لا يُضيَّحُ فقال:

стр. 34

إذا انسفَحَتْ أخلافُها خِلتَ ما جَرى فقالت: على الأرضِ منها لُجّةٌ تتَضَحْضَحُ فقال الرجل للعجوز: أمطلقةٌ هذه الجارية أم ذات بعلٍ؟ فقالت: عِقالٌ لعَمْرُ اللهِ لو شئت بتَّهُ ... شِرادي ولكنّ التكرُّمَ أجْدَرُ قال الرجل: فعُجْتُ الى رَحْلي، فقالت العجوز: روَيْداً أجْلبْ لك الأخرى، فقال: أروَتْني الأولى، فقالت: إلْحَقْ الآن بأرضك. قال الرجل: فخرجتُ أريدُ الرجوعَ الى قومي ثمّ أبى لي اللَّجاجُ إلا قصْدَ ما خرجت له، فدُفِعْتُ الى صِرْمٍ من جَرْمٍ، وإذا أُصَيْبيةٌ يلعبون على غديرٍ فنزلتُ أنظر إليهم، وإذا هم يرتجزون، فدعوتُ غلاماً من أنشَزهم فقلت: يا غلام هل في صِرْمِكم هذا من يماتنُني فإني قد أبْرَرْتُ على شعراء العرب، فقال: أنا أماتنك، فقلت: أنت أيها القُصَيْعِل! فقال: قُلْ ودَعْ عنك ما لا يُجدي عليك. فقلت: أوابِدُ كالجَزْعِ الظَفاري أرْبَعُ فقال: حَماهُنّ جَوْن الطُرَّتَيْنِ مولَّعُ فقلت: يرودُ بهنّ الروضَ والأمنُ جارُهُ فقال: وأخلى لهُنّ المُنْتَضى والمُودَّعُ فقلت: أولى لكَ، وامتطيتُ راحلتي حتى دُفِعتُ الى شيخ يرعى غُنيمات له فاستقريْتُه، فقام مُبادراً الى قَعبٍ فاحْتلبَ غُبَّر ما في ضروعِهنّ، ثم جاءني به فشربتُ، فلما اطمأننت قال لي: ما رمى بكَ هذا القُطر؟ فأخبرته، وكتمتُه ما لاقيتُ، فكشّر الشيخُ ثم صاح بغِلْمةٍ يرعَون قريباً منه، فأقبل غلامٌ منهم فقال: ادعُ عَشْرَقَة، فما لبثَ أن جاءَتْ جُوَيْريَةٌ عُجيفاء كأنّها وبيلةُ خَيْسَفوجٍ حتى وقفت بين يديهِ فقال: إنّ ابنَ عمّك هذا خرج من بلادِه يتحدّى بالمُماتنةِ فهل عندكِ شيء؟ فقالت: قلْ أيّها المتحدي، وإنها لتُقَلِّبُ عينَيْها كعينَيْ أرقمِ، فقلت: ما نطفةٌ زرقاءُ في ظلِّ صخرةٍ فقالت: ذخيرةُ غَرّاءِ الذُرى جَوْنة النَضَدْ فقلت: نفى سَيلانُ الريحِ عن متنها القَذى فقالت: وذادَتْ غصونُ الأيْكِ عن صَفْوها الوَقَدْ فقلت: يُشابُ مُجاجٌ أخلص الدّبْرُ أرْيَهُ فقالت: بِصَهْباءَ صِرْفٍ جيبَ عن مَتْنِها الزَّبَدْ قال: فتركتُ ما قصدتُه ومِلت الى وجهةٍ أخرى، ووصفت ناقةً فضحِكَتْ وقالت: أعْوَصْت؟ فقلت: إذا انْشَبَحَ الحِرباءُ في رأس عودِه فقالت: وألجأ أمَّ الحِسْلِ في مَكْوِها الصَّخَدْ قال رِفاعة: فرجعت الى أهلي وآليْت على نفسي أن لا أماتِنَ بعدَها أحداً ما عشت. فهذا مثال في المُماتنة كافٍ، ولولا الإطالة لأوردتُ من هذا النوع أشياء طريفةً عجيبةً. وأما الإنفادُ والإجازة فرُويَ أنّ كعبَ بن زهير لما تحرّك بالشِّعر كان أبوه زهير ينهاه عنه؛ مخافةَ ألا يكون استحكم شعرُه، فيُروى عنه ما يُعابُ به. وكان يضربُه على ذلك، فغلبَهُ وطالَ ذلك عليه فأخذَه وسجنَهُ وقال: والذي أحْلِف به لا تتكلّمُ ببَيْتِ شعر ولا يبلُغُني أنك تُريغُ لشعرٍ إلا ضربتك ضرباً يُنكِلك عن ذلك. فمكَثَ محبوساً أياماً ثم أخبِر أنه تكلم به فضربَه ضرباً مبرِّحاً، ثم أطلقَه وسرّحَه في بَهْمةٍ وهو غُليِّمٌ صغير، فانطلقَ فرعاها ثم راح بها وهو يرتجز: كأنّما أحدو ببَهْمي عِيرا ... من القُرى مُوقرةً شعيرا فخرج زهيرٌ إليه وهو غضبان، فدَعا بناقةٍ فركِبها وتناوله فأردفَه خلفَه، ثم حرّك ناقتَه وهو يريد أن يتعنّتَ كعباً، ويعلَم ما عندَه، ويطّلعَ على شعره، فقال حين فصَلَ من الحيّ: وإنّي لتَغْدو بي على الهمِّ جَسْرَةٌ ... تخُبُّ بوَصّالٍ صَرومٍ وتُعْنِقُ ثم ضربَه وقال: أجِزْ يا لُكَعْ، فقال: كبُنْيانَةِ القاريِّ موضعُ رحْلِها ... وآثارُ نِسْعَيْها من الدَفِّ أبْلَقُ فقال زهير: على لاحِبٍ مثلِ المَجَرّةِ خِلْتَهُ ... إذا ما عَلا نشْزاً من الأرض مُهْرَقُ ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال: منيرٌ هُداهُ ليلُهُ كنهارِهِ ... جميعٌ إذا يعْلو الحُزونةَ أفْرَقُ فقال زهير: تظَلُّ بوَعْساءَ الكثيبِ كأنّها ... خِباءٌ على صَقْبَيْ بُوانٍ مُروَّقُ ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:

стр. 35

تَراخَى به حُبُّ الضّحاءِ وقد رأى ... سماوةَ قشراء الوظيفَيْنِ عَوْهَقِ فقال زهير: تحِنُّ الى مِثلِ الحَبابيرِ جُثَّمٍ ... لدَى مُنْهَجٍ من قَيْضِها المُتَفَلِّقِ ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال: تحطّمَ عنها قيْضُها عن خَراطِمٍ ... وعن حدَقٍ كالنَّبْخِ لم يتَفَلَّقِ فأخذ زُهير بيد كعْب وقال له: قدْ أذِنْتُ لك في الشِعر. ومنها: باب السّرقة والسَّرقة في الأشعارِ تنقسمُ الى قِسمين: محمود ومذموم. وكانت فحول شعراء العرب تستقبحُ سَرِقَةَ الشعرِ كما قال طَرَفة: ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُها ... عنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقا ومع هذا فلهم سَرِقاتٌ مُستَقْبَحةٌ، وإغاراتٌ بزنادِ الإكثارِ مُستَقْدَحة. فأما المحمود من السَرِقة فهو عشرةُ وجوه: الأول: استيفاءُ اللفظِ الطويل في الموجز القليل. قال طرفة: أرى قبرَ نحّامٍ بخيلٍ بمالِه ... كقَبْرِ غَويٍّ في البِطالةِ مُفْسِدِ اختصَرَهُ ابنُ الزِّبَعْرى فقال: والعَطِيّاتُ خِساسٌ بيْنَنا ... وسواءٌ قبرُ مُثْرٍ ومُقِلّ فشغَل صدرَ البيتِ بمعنىً وجاء ببيتِ طَرَفة في عَجز بيت أقصرَ منه بمعنىً لائح، ولفظٍ واضح. الثاني: نقْلُ الرَّذْل الى الرصينِ الجَزْل. قال أعرابي يتمنى موْتَ زوْجَته: ألا إنّ موتَ العاميّةِ لو قَضى ... بهِ الدّهرُ لابن الوائليِّ حياةُ المعنى لطيفٌ واللفظُ ضعيفٌ، أخذَه أخو الحارث بن حِلِّزة فقال: لا تكُنْ مُحتقِراً شأنَ امرئٍ ... رُبما كان من الشأنِ شُؤون ربما قرّتْ عُيونٌ بشَجاً ... مُرْمضٍ قد سخِنَتْ منه عُيونُ الثالث: نقْل ما قبُحَ مبناهُ دون معناهُ الى ما حَسُن مبناهُ ومعناه. قال الحكميّ: بُحَّ صوْتُ المالِ ممّا ... منكَ يشكو ويَصيحُ معناه صحيحٌ ولفظُهُ قبيحٌ، أخذَه سَلْمٌ فقال: تظلَّمَ المالُ والأعداءُ من يدِه ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظَلاّما فجمعَ بين تظلُّمَيْن كريمين، ودعا للممدوحِ بدوامِ ظُلمِه للمالِ والأعداء، وجوّدَ الصَنعةَ في لفظِه وأخذِه. الرابع: عكْسُ ما يصير بالعكس ثناءً بعد أن كان هِجاء. ما شئت من مالٍ حمىً ... يأوي إلى عِرْضٍ مُباحِ فعكَسهُ القائلُ فقال: هوَ المرءُ أمّا مالُه فمُحلّلٌ ... لِعافٍ وأما عِرْضُهُ فمحرَّمُ الخامس: استخراج معنىً من معنىً احتذى عليه وإن فارقَ ما قصَدَ به إليه. قال الحَكَميّ في الخَمْر: لا ينزِلُ الليلُ حيثُ حلّتْ ... فدَهْرُ شُرّابِها نهارُ احتذَى عليه البحتري، وفارقَ مقصدَ الحكمي فجعلَهُ في محبوبةٍ فقال: غابَ دُجاها وأيُّ ليلٍ ... يدجو عليْنا وأنتِ بدرُ!؟ السادس: توليدُ كَلامٍ من كلام لفظُهما مفترِقٌ ومعناهما متّفِق، وهو ممّا يدُل على فطنة الشاعر، أنشد الأصمعي لبعضهم: غُلامُ وغىً تقحَّمها فأوْدَى ... وقد طحَنَتْهُ مِرداةٌ طحونُ فإنّ على الفَتى الإقدامَ فيها ... وليسَ عليه ما جَنَتِ المَنونُ أخذَه أبو تمام فقال: لأمْرٍ عليهم أن تتمّ صدُورُه ... وليس عليهم أن تتِمَّ عواقِبُهْ المعنى متفق واللفظُ مفترقٌ، وهذا من أحسَنِ وجوهِ السّرِقات. السابع: توليدُ معانٍ مُستحسناتٍ في ألفاظٍ مختلفاتٍ، وهذا قليلٌ في الأشعارِ، وكان من أجدَرِ ما كَدّ الشاعرُ فطنتَهُ فيه، إلا أنّه صعبٌ. قال الشاعر: كأنّ كؤوسَ الشَّرْبِ والليلُ مُظلِمٌ ... وجوهُ عَذارى في ملاحفَ سودِ اشتقّ ابنُ المعتزّ منه قوله: وأرى الثُريّا في السّماءِ كأنّها ... قدَمٌ تبدّتْ من ثيابِ حِدادِ الثامن: المساواةُ بين المسروق منه والسارِق، بزيادة ألحَقَتِ المسبوقَ بالسابِقِ. قال الديك: مُشَعْشَعةٌ من كفِّ ظبيٍ كأنّما ... تناولَها من خَدِّه فأدارَها أخذَه ابنُ المعتز فقال: كأنّ سُلافَ الخَمرِ من ماءِ خدّه ... وعنقودَها من شَعْرِهِ الجَعْدِ يُقْطَفُ

стр. 36

فزادَ تشبيهاً هو من تَمامِ المعنى، فتساويا؛ هذا بقِدمَتِه، وهذا بزيادته، ومثلهُ كثير. التاسع: المماثلةُ في الكلام حتى لا يفضل نِظامٌ على نظام. قال حسّان بن ثابت: يُغْشَوْن حتى ما تهِرُّ كِلابُهم ... لا يسألونَ عن السّوادِ المُقبِل أخذَهُ الحَكميّ فقال: الى بيتِ حانٍ لا تهِرُّ كلابُه ... عليّ، ولا يُنْكِرْنَ طولَ ثوائي لا فرق بين المعنيين ولا الكلامين فقد تماثلا. العاشر: رُجحانُ لفظِ الآخذ على المأخوذ منهُ وتفضيلُ معناه على معنى أصدره عنه. قال النابغة: سقَطَ النّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فتناولَتْهُ واتّقَتْنا باليَدِ أخذَه أبو حَيّة النُميريّ فقال: فألْقَتْ قِناعاً دونَه الشمسُ واتّقَتْ ... بأحسَنِ موصولين: كفٍ ومِعصمِ فلم يزِدْ النابغةُ على الإخبارِ باتقائها بيدِها لمّا سقطَ نصيفُها، فزادَ عليهِ أبو حيّة بقوله: دونَه الشمسُ، وخبّر عن الاتقاء بأحسن خبر، من حُسْنِ كفٍّ وحُسْنِ معصَمٍ، فرجَحَ كلامُه وعَلا نِظامُه. وأما المذمومُ من السّرقةِ فعشرةُ وجوه أيضاً: الأول: نقلُ اللفظِ القصيرِ الى الطويل الكثير. قال الحَكَميّ: لا تُسْدِينّ إليّ عارِفةً ... حتى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا أخذَه دِعْبل فقال: تركتُكَ، لم أتركْكَ كُفْراً لنعمةٍ ... وهل يُرتَجى نيْلُ الزّيادةِ بالكُفْر ولكنني لما رأيتُكَ راغِباً ... وأفرطتَ في برّي عجَزْتُ عن الشُكر الشعرُ جيدُ المعنى واللفظ، ولكنه أتى به في تطويل وتضمين، فنقل القصيرَ الى الطويل، وذلك مذمومٌ في السّرقَة. الثاني: نقْلُ الرصين الجَزْل الى المُسْتَضْعفِ الرّذْل. قال الأول: ولقد قتَلتُك بالهجاء فلم تَمُتْ ... إنّ الكِلابَ طويلةُ الأعمارِ ما زالَ ينبَحني ليَشْرُفَ جاهِداً ... كالكلبِ ينبَحُ كامِلَ الأقمارِ أخذَه ابنُ طاهر فقال: وقد قتلناكَ بالهجاءِ ... ولكنّك كلبٌ معَقَّفٌ ذَنبُه فجمَع بين قُبحِ السّرقة، وضعْفِ العبارة، ولا وجهَ لذكر التعقيفِ في الذنَب، لأنه غيرُ دالٍ على طول العمر، وهذا ظاهرٌ ومثلُه كثير. الثالث: نقْلُ ما حسُنَ معناهُ ومبناهُ الى ما قَبُح مبناهُ ومعناه. قال الكندي: ألمْ تَرَ أنّي كلما جِئْتُ طارِقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ أخذه بشار فقال: وإذا أدْنَيْتَ منها بَصَلاً ... غلبَ المِسكُ على ريحِ البَصَل وهذا أنزلُ شعرٍ في الرذالةِ، كما أنّ بيتَ الكندي أرفعُ بيتٍ في الجَوْدَة والجزالة، وقد أخذ كُثيِّرٌ المعنى، فطوّل وضمّن وقصّر، وزعمَ أنهاإذا تبخّرَتْ كانت كالروضة في طيبها. ولا يُعدَم هذا في أسهَكِ البشرِ جسماً وأوضَرهم حالاً، وشعرُهُ معروف. الرابع: عكس ما يصيرُ بالعكس هجاءً بعدَما كان ثناءً. قال حسّان بن ثابت: بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم ... شُمُّ الأنوفِ من الطّرازِ الأوّلِ أخذَه ابنُ أبي فنن فعكسه فقال: سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابُهم ... فُطْسُ الأنوفِ من الطراز الآخر الخامس: نقْلُ ما حسُنَتْ أوزانُه وقوافيه الى ما قبُحَ وثَقُل على لسان راويه. قال الحكمي: دعْ عنكَ لَوْمي فإنّ اللومَ إغراءُ ... وداوِني بالتي كانتْ هيَ الداءُ أخذَه الطائي فقال: قدْكَ اتَئِبْ أربَيْتَ في الغُلَواءِ ... كمْ تعذِلونَ وأنتُم سُجَرائي فالحكَمي زَجَر عذولَه زجْراً لطيفاً، أعلمَه أن اللّومَ إغراء، وشغل عجُزَ بيتِه بمعنى آخر، بكلامٍ رطْبٍ، ومعنىً عذْبٍ والطائي زجَرَ عذولَه بلفظٍ مُتعسّفٍ تصعُبُ راويتُهُ، وتُستكرَهُ قافيتُه. السادس: حذفُ الشاعر من كلامِه ما هو من تَمامه. قال الكِنْدي: نظَرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍ ... حوْراءَ حانِيةٍ على طِفْلِ أخذَهُ المُسيّبُ بن علَس فقال: نظرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍ ... في ظِلِّ فاردةٍ من السِّدْرِ

стр. 37

لم يُقنعْهُ قُبحُ هذا الأخذ لفظاً ومعنى حتى أتى فيه بما لا حاجةَ له إليه، لأنّ حُسْنَ أعيُنِ الظِّباءِ لا تعَلُّقَ له بظلِ السِّدرِ، وليس في ذلك ما ليس له في غيره. والكندي لمّا وصفَ عينَها بعينِ الجازئة، وهي الظبيةُ التي قد اجتزأَتْ بالرَّطْب عن الماء ذكرَ أنها حوراءُ ثم وصَفها بأنها حانيةٌ على طفل، وفي حُنُوّها على ولدها اكتسابُ طرفِها بتروّعها عليهِ وخوفِها مما ينالُه معنى لا يوجَدُ عند سكونِها وأمنه، وقد سَرَقَ المُسيَّبُ شيئاً وتركَ ما هو من تمام الكلام، فاعرِفْهُ. السابع: رُجحانُ كلامِ المأخوذِ عنه على كلام الآخذِ منه. قال مُسْلِم: أما الهجاءُ فدَقّ عِرْضُكَ دونَه ... والمدحُ عنك كما علِمتَ جَليلُ فاذهبْ فأنتَ طليقُ عِرضِك إنّه ... عِرْضٌ عَزَزْتَ به وأنت ذَليلُ أخذه الطائي فقال: قال لي النّاصحونَ وهو مقالٌ ... ذمُّ من كان جاهِلاً إطراءُ صَدَقوا، في الهجاءِ رِفْعَةُ أقوا ... مِ طَغامٍ فليسَ عندي هِجاءُ وبين الكلامين بوْنٌ بعيدٌ لا تحتاجُ الى إيضاحِه لارتفاعِ الشكّ في بيانه. الثامن: نقلُ العَذْبِ من القوافي الى المُستكرهِ الجافي. قال المتلمّس: فأطرَقَ إطراقَ الشجاعِ ولو يرَى ... مَساغاً لِنابَيْهِ الشُّجاعُ لصَمّما أخذَه عمرو بنُ شأس بجملته وختَمَه بقافيةٍ مُستكرهةٍ، فقال: فأطرقَ إطراقَ الشُجاعِ ولو يَرى ... مَساغاً لنابَيْهِ الشُجاعُ لقد أزَمّْ أزمّ: اشتدّ وعضّ، وهي لفظة غير عَذْبة. التاسع: نقلُ ما يعودُ على البحث والانتقاد الى تقصير ظاهرٍ أو فساد. قال أبو العتاهية: إنّي أعوذُ من التي شَعَفَتْ ... مني الفؤادَ بآيةِ الكُرْسي وآيةُ الكُرسي إنما تهرُبُ منها الشياطين ويُحتَرَس بها من الغِيلان فهل التي شعَفَتْ فؤادَه كانت من هذا القبيل؟ وقال الأعشى: فرَمَيْتُ غَفْلَةَ عينهِ عنْ شاتِه ... فأصَبْتُ حبّةَ قلبِه وطِحالَها أما ذِكرُ القلب والفؤاد فلا ريبَ أنه يتردد كثيراً في الشعر عند ذِكر الهَوى والمحبّةِ والشوقِ، وما يجدُه المغْرَمُ في هذه الأعضاء من الألم والحرارة والكَرب. وأما الطّحالُ فما رأينا أحداً استعملَ ذِكرَه في هذه الأحوال، إذ لا صُنْعَ له فيها ولا هو ممّا يُنسبُ الى حركة في حزن أو عِشق، ولا الى سُكون عندَ فرَجٍ أو ظَفَرٍ، ففسادُ ذِكر الطحال ظاهر في هذه الحال. وقال الآخر: لمّا تخايلْتُ الحُمولَ حسِبْتُها ... دَوْماً بأيْلَةَ ناعماً مَكْموما ذكرَ أن الدَّوْمَ، وهو شجَرُ المُقلِ، مكمومٌ وإنما تُكمّم النخلُ. وفي هذا الباب للعرب وغيرهم أشعارٌ لا يُحيطُ بجملتها باحثٌ ولا مُختار. العاشر: أخذُ اللفظِ المُدَّعى هو ومعناه معاً. وهو أقبح وجوهِ السّرِقات وأشنعُها وأدناها منزلةً وأوضعها فمن ذلك قول الكنْديّ: وعنْسٍ كألواحِ الإرانِ نسَأتُها ... على لاحِبٍ كالبُردِ ذي الحِبَراتِ أخذَه طَرَفة - الذي قال: وشَرُّ الناس منْ سَرَقا - فقال: أمونٍ كألواحِ الإرانِ نسأتُها ... على لاحِبٍ كأنه ظَهرُ بُرجُدِ وقال الحطيئة: إذا حُدِّثَتْ أنّ الذي بيَ قاتلي ... من الحُبِّ قالتْ ثابتٌ ويَزيدُ أخذَه جميل فقال: إذا قلتُ ما بي يا بُثينةُ قاتلي ... من الحُبِّ، قالَتْ ثابتٌ ويزيدُ وقال مُسلم بن الوليد: يقولُ صَحْبي وقد جدّوا على عجَلٍ ... والخيلُ تسْتَنُّ بالرُّكْبانِ في اللُجُمِ أمَطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلتُ كلاّ ولكنْ مطلِعَ الكَرَمِ أخذهُ أبو تمام فقال: يقولُ في قُومسٍ صحْبي وقد أخذَتْ ... منّا السُّرى وخُطى المَهْريّةِ القُودِ أمطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلتُ كلا ولكن مطلِعَ الجودِ

стр. 38

فهذه وجوهُ السّرِقاتِ قد حدَرْتُ لك لِثامَها، وألقيتُ إليك زمامَها، فقلّ أن تجِد من يعرفُ أقسامها، أو يستمطر غمامَها، ولا تجدُ إلا مَنْ إذا ظفِرَ ببيتٍ مسروقٍ لم يدْرِ أمِنَ المحمودِ هو أمْ من المذموم، وهلْ شاعرُهُ بالمعذورِ فيه أم بالمَلوم، فاعرفْهُ. وأما التوارد فهو اتفاقُ الخواطرِ في البيتِ والبيتين، وإنّما سمّوهُ توارداً أنفَةً من ذكرِ السّرقَةِ وتكبراً عن السّمة بها. قال عَلقمةُ بن عَبَدَة: أمْ هلْ كبيرٌ بَكى، لم يقْضِ عَبْرَتَهُ ... إثْرَ الأحبةِ، يومَ البيْنِ مَشكومُ وقال أوس بن حَجَر: أمْ هل كبيرٌ بكى لم يقْضِ عَبْرَتهُ ... إثرَ الأحبةِ يومَ البينِ معذورُ وقال طرفة: فلولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفتى ... وجدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوَّدي وقال نُهَيك: ولولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفَتى ... وجَدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامسي وقال مُزاحم العُقيلي: تكادُ مَغانيها تقولُ من البِلى ... لسائِلها عن أهلِها لا تَعمَّلِ وقال ضابئ: تكادُ مغانيها تقولُ من البِلى ... لسائِلها عن أهلِها ولا تَعَمّلا وقال عَديّ بن زَيْد: وعاذلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُني ... فلما غلَتْ في اللوْمِ قُلتُ لها اقصِدي وقال عمرو بن شأس: وعاذِلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُني ... فلما غَلَتْ في اللّومِ قُلتُ لها مَها وقال أوس بن حَجر: حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجّنَةٍ ... وعمُّها خالُها قوداءُ مِئشيرُ وقال كعب بن زهير: حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجَّنةٍ ... وعمُّها خالُها قوداءُ شِمْليلُ وقال كعب الأشقري: لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هَرِموا ... فهُمُ ثِقالٌ على أكتافِها مِيلُ وقال جرير: لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هرِموا ... فهم ثِقالٌ على أكتافِها عُزُفُ ومثلُ هذه الأبيات في أشعار العرب أكثرُ من أن تُحصى وأعظمُ من أن تُسْتَقصى، وأنا لا أعدُّ ذلك توارداً اتفقَتْ عليه الخواطرُ، وتشابَهَتْ فيه الضمائر، بل أعُدُّه سرِقَةً مَحْضَة وإغارةً على الأشعارِ مُرفَضّة. وقد أوردَ ابنُ السِّكيت قولَ امرئ القيس: وقوفاً بها صحبي البيت، وقولَ طرفة في باب السَرِقات، والذي ذهب إليه هو الصحيح، وإنّما يتّفق للشاعرين معنىً ويلزمان أن يَنْظماهُ على قافيةٍ واحدة فربما تَواردا في بعض الكلام. من ذلك ما حكاه أبو القاسم الأندلسي وغيرُه في أشعار المَغارِبَة، قال: كان بين يدي محمد بن عبّاد صاحب الغَرب جاريةٌ في يدها كأسٌ وهي تَسقيه، فلمع البرق فارتاعتْ له فسقط الكأس من يدها فقال مُرتَجِلاً: روّعها البرقُ وفي كفِّها ... برْقٌ من القهوةِ لمّاعُ يا ليْتَ شِعري وهي شمسُ الضُحى ... كيفَ من الأنوارِ ترْتاعُ ثم قال لبعض خدمه: مَنْ على باب القصر من الشعراء؟ فقال: عبد الجليل بن وهبون، فأمَه بإحضاره. فلمّا مثُلَ بين يديه قصّ عليه القصّة وأنشدَه البيتَ الأول وقال له: أجِزْه فأنشأ: ولنْ ترى أعجبَ من آنِسٍ ... من مثلِها ما يُمْسِكُ يرتاعُ ومثل هذا يمكن أن يقع ولا يُنكَر ولا يُدفَع. وحكى الأندلسي قال: حدّثَني محمد بن شرف القيرواني قال: أمرَني المُعِز بن باديس وأمرَ حسنَ بنَ رشيق في وقت واحد أن نصِفَ الموزَ في شعرٍ على حرف الغَيْن، فجلس كل واحد منا بنَجْوَةٍ عن صاحبهِ بحيثُ لا يقفُ أحدُنا على ما يصنَعُهُ الآخر، فلمّا فرَغنا من الشعرِ عرَضْناه عليه، فكان الذي صنعتُه أنا: يا حبّذا الموزُ وإسعادُه ... من قبل أن يَمْضغه الماضِغُ لانَ فما نُدرِكُ جَسّاً لهُ ... فالفَمُ ملآنُ بهِ فارِغُ سِيّانَ قُلنا مأكَلٌ طيّبٌ ... فيهِ وإلاّ مشْرَبٌ سائِغُ وكان الذي صنعه ابنُ رشيق: موزٌ سريعٌ سوْغُهُ ... من قَبلِ مضْغِ الماضِغِ مأكلَةٌ لآكلِ ... ومشرَبٌ لسائِغِ فالفمُ من لينٍ به ... ملآنُ مثلُ فارغِ

стр. 39

هذا هو المُمكن في التّوارد، واتفاق الخواطر. وحكى القيرواني قال: ثم أمرنا للوقت أن نعملَ فيه أيضاً على حرف الذال فعملنا على القاعدةِ الأولى، فكان ما عملتُه أنا: هلْ لكَ في موزٍ إذا ... ذُقناهُ قُلنا حبّذا فيه شَرابٌ وغِذا ... يُريكَ كالماء القَذا لو ماتَ مَنْ تلذَّذا ... بهِ لَقيلَ ذا بِذا وكان ما عملَهُ ابنُ رشيق: للهِ موزٌ لذيذُ ... يُعيذُهُ المستَعيذُ فواكِهٌ وشَرابٌ ... بهِ يُفيقُ الوقيذُ يُرى قذى العينِ فيه ... كما يُريها النبيذُ الشعرُ ضعيفٌ جداً، وما أرَدْنا بإيراده إلا تمثيل الموارِد كيف تكون، وفي هذا التمثيل كفاية. ٣١ - وأما النقدُ فإنّه في الشعر يدلّ على فِطْنَة العالم وضياء حِسّه وتوقُّد ذَكائه. وللعُلماء في ذلك أقوالٌ حسنة وكلامٌ مفيد، وهو كثيرٌ غزير، وإنما نذكرُ منه اليسيرَ ونجعله دليلاً على الكثير. قِيل: تنازعَ علقمةُ بن عَبَدة وامرؤ القيس في الشعر وأيُّهُما أشْعَر من الآخر، فقال علقمة: قد رضيتُ بزوجتكَ أمِّ جُنْدَبٍ حَكَماً بيني وبينَك، فقالت أمّ جُندب: قولا شعراً وصِفا فيه فرَسَيْكُما على قافيةٍ واحدة ورَويّ واحد. فقال امرؤ القيس: خليليّ مُرّا بي على أمِّ جُندَبِ ... نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المُعذَّبِ وقال علقمة: ذهبتَ من الهجرانِ في غيرِ مَذْهَبِ ... ولم يكُ حقاً طولُ هذا التّجَنُّبِ وأنشداها القصيدتَين فقالت لامرئ القيس: علقمةُ أشعر منك، قال لها: وكيف ذاك؟ فقالت: لأنك قلت: فللزّجْرِ أُلهوبٌ وللساقِ دِرّةٌ ... وللسّوْطِ منهُ وقْعُ أخرجَ مُهْذِبِ الأخرج: الظليمُ وهو ذَكَرُ النعام، والأنثى خرجاء. والأخرج: الرماد، ومنه شَبّه، ومُهْذِب أي مسرع في عَدْوِه. قالت: فجَهَدتَ فرسَكَ بزجرِكَ ومَرَيْتَه فأتعبتُه بساقِك وسوطِك، وقال علقمة: فأدركَهُنَّ ثانياً من عِنانِه ... يمُرُّ كمَرِّ الرّائحِ المتَحلِّبِ فأدركَ فرسَهُ ثانياً من عنانهِ ولم يضربْهُ بسَوْطٍ ولم يُتعبْهُ. فغضِبَ عليها امرؤ القيس وطلّقها، فتزوجَها علقمة فسُمّي الفحل لميزتِهِ في باقي الشُعراء كميزةِ الفحل على باقي الإبل. وأنشد الأصمعي قولَ امرئ القيس: رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مُخْرِجٍ زَنديهِ من سُتَرِهْ فقال: أما علِمَ أنّ الصائدَ أشدُ خَتْلاً من أن يُظهرَ شيئاً منه! ثمّ قال: فكفّيْه، إن كان لابدّ، أصلحُ. فترك الرُواة زَنْديهِ ورووا كفّيه على ما فيه. وقيل: كان النابغة الذبياني تُضرَب له قُبّةٌ حمراء من أدَم بسوقِ عُكاظ فتأتيه الشعراء فتعرِضُ عليه أشعارَها. فأوّلُ من أنشده الأعشى ميمون بن قيس، ثم أنشدَه حسّان بن ثابت الأنصاري قولَه: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافُنا يقْطُرنَ من نجْدَةٍ دَما ولَدْنا بني العَنقاءِ وابْنَيْ مُحرِّقٍ ... فأكرِم بنا خالاً واكرِمْ بنا ابْنَما فقال له النابغة: أنت شاعرٌ ولكنّك أقللْتَ جفانَك وأسيافَك وفخرت بمن ولدْتَ ولم تفخر بمَن ولدَك. هذا هو النقد الجليل الذي يدُلُّ عليه نقاء كلام النابغة. والمعنى أنّه قال له: أقللْتَ أسيافَك، وأسيافٌ جمْع لأدنى العدد، والكثير سُيوف، والجَفَنات لأدنى العدد، والكثيرُ جِفان. وقال: فخَرْتَ بمن ولَدتَ؛ لأنه ترك الفخرَ بآبائه وفخرَ بمن ولدَ نساؤه. وقيل في رواية غير موثوقٍ بها: إنه قال له: وقلت: لنا الجفناتُ الغُرّ، والغُرّة لُمْعَة بياضٍ في الجَفْنة، ولو قلت: لنا الجفناتُ البيضُ، كان أحسن لكثرة الدّسَم عليها، ولو قلت: يلمعنَ بالدُّجى، لكان أبلغَ، ولو قلت: وأسيافُنا يَجرينَ لكان أبلغَ من يقطرْنَ لأنّ الجريَ أعظم من القَطْر. وأقول إنّ هذه الزيادة عليها اعتراض. والصحيح ما قاله النابغة أولاً. وذكر ابنُ عبّاد أبو القاسم رحمَهُ الله تعالى ورضيَ عنه أن أبا الفضل بن العميد كان يتجاوزُ نقدَ الأبيات الى نقد الحُروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى واللّفظِ حتى يُطالِبَ بتحبير القافية والوزن، وقال: أنشدتُ يوماً بحضرته كلمةَ أبي تمام التي أوّلها:

стр. 40

شهِدْتُ لقد أقْوَتْ مغانيكُمُ بعْدي ... ومحَّتْ كما محّتْ وشائِعُ من بُرْدِ حتى انتهيتُ الى قوله: كريمٌ متى أمدَحْهُ أمْدَحْه والوَرى ... معي ومتى ما لُمْتُه، لُمْتُه وحدي فقال: هل تعرِفُ في هذا البيت عيباً؟ قلت: نعم، قابلَ المدحَ باللّوم فلم يوفِ التطبيقَ حقَّهُ إذ حقُّ المدحِ أن يقابَلَ بالهجو والذّمِ، فقال: غيرَ هذا أردتُ، قلت: ما أعرفُ، قال: أحدُ ما يُحتاجُ إليه في الشعرِ سلامةُ حروفِ اللفظِ من الثِقل، وهذا التكريرُ في أمدحْهُ، أمدحْه مع الجمعِ بين الحاء والهء مرتين، وهُما من حُروف الحلْق، خارِجٌ عن حد الاعتدال، نافِر كلَّ النِفار. قلت: هذا لا يدركُه إلا من انقادَتْ وجوهُ العِلْمِ له وأنهضَهُ الى ذُراها طبعُه. قيلَ: وسمعَ الأصمعي قولَ الأعشى: كأنّ مِشيَتَها من بيتِ جارَتِها ... مرُّ السّحابةِ لا ريْثٌ ولا عجَلُ فقال: لقد جعلها خَرّاجةً ولاّجَةً، هلاّ قال كما قال الآخر: ويُكرِمُها جاراتُها فيَزُرْنَها ... وتعتلُّ عن إتيانِهنَّ فتُعذَرُ وأقول: إنّ نقدَ الشعر صناعةٌ لا يعرفها حقَّ معرفتِها إلا مَنْ قد دُفع الى مضائِقِ القريض وتجرّع غُصَصَ اعتياصِه عليه، وعرَفَ كيف يتقحّمُ مهاويَهُ ويترامى إليه. قال أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد: قال لي عُمارةُ بن عقيل بن بلال بن جرير قال لي مروان بن أبي حفصة: إنّ المأمونَ لا بصيرةَ له بالشعرِ، قلت له: وكيفَ ذاك، وإنّا لَنُنشدُهُ صدْرَ البيت فيسبقُنا الى عجُزِه ولم يكن قد سمِعَه من قبل؟ قال: إنّي قلت فيه شِعراً جيداً فلم يهتزَّ له، قال: فقلت له: وما الذي قلت فيه؟ فأنشدني: أضْحى إمامُ الهُدى المأمونُ مُشتَغِلاً ... بالدينِ والناسُ بالدنيا مشاغيلُ قال: فقلتُ له: ما صنعتَ شيئاً، وما زِدْتَ على أنْ جعلتَه عجوزاً في محرابها بيدِها سُبْحَتُها، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان الخليفةُ مشغولاً عنها، وهو المطوَّقُ أمرَها؟ هلاّ قُلتَ كما قال عمُّك جرير في عبدِ العزيز بن الوليد بن عبد الملك: فلا هُوَ في الدُنيا مُضيعٌ نصيبَهُ ... ولا عَرَض الدنيا عن الدينِ شاغِلُهْ وهذا نقْدٌ حسَن. وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: طلبتُ علمَ الشعر عند الأصمعيّ فوجدتُه لا يعرفُ إلا غريبَه، فرجعتُ الى الأخفش فوجدته لا يتقنُ إلا إعرابَه، فعطفتُ على أبي عبيدة فرأيته لا ينفُذُ إلا فيما اتّصل بالأخبار وتعلّق بالأيام والأنساب، فلمْ أظفَر بما أردتُ، إلا عند أدباء الكتاب؛ كالحسَن بن وهْب ومحمد بن عبد الملك الزّيات، فلله درُّ أبي عثمان، لقد غاص على سرِّ الشّعر، واستخرجَ أدقَّ من السِّحر، والشاعرُ يُحكَم له على الشاعر ببَيت واحد، والبيتُ يُفضَّل على البيت بكلمة واحدة، ألا ترى الى قول امرئ القيس: وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مطيَّهمْ ... يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ وقول طرَفة البيت بجملته، ثم ختمه بقوله: وتجَلَّدِ، وهما شاعران مُفْلِقان، وقدّرنا أنهما قد تواردا، ولم نحْكُم على طرَفَة بالسّرِقة، ودُعينا الى الحُكم بينهُما، وتفضيل أحد البيتَيْن على الآخر، وليس فيهما من الاختلاف سوى التجمّل والتجلُّد. فمن النَقْدِ الحسَن تفضيلُ التجمُّل على التجلّد، والحكم بالبيت لصاحبِه، لأنّ التجمل إبداءُ تحسُّنٍ عن قوة ومادة متصلة منَ المَكِنَة. والتجلّد إبداُ تحسُّنٍ عن ضعفٍ، ومادةٍ متصلةٍ من العجْزِ، وبين اللفظتين بوْنٌ بَعيد. ولو دُعينا الى الحُكم بين لَقيط بن زُرارة ومن حَذا حَذوَه في قوله: فتىً يشتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِه ... ليَبْقى وما أبقيتَ مثلَ المَحامِدِ وقول الحكميّ: فتىً يشْتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِه ... ويعلمُ أنّ الدائراتِ تَدورُ وقول الآخر: فتىً يشتري حسنَ الثناءِ بمالِه ... إذا السَّنةُ الشهْباءُ قلّ قِطارُها
следующие страницы →