توطئة
شكر وعرفان
من باب قول النبي ﷺ : (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) أتقدم بالشكر والتقدير لكل من ساهم في إخراج هذا الجهد المتواضع أو راجعه أو بذل من وقته في سبيل أن يرى النور.
نسأل الله أن يكتب للجميع المثوبة والأجر وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وبالله التوفيق.
الفقير إلى الله /
عبد المنان التالبي.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم فضيلة القاضي العلامة/محمد بن إسماعيل العمراني حفظه الله تعالى.
المدرس في المعهد العالي للقضاء وجامعة الإيمان، وعضو هيئة الإفتاء
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد ...
فهذا البحث الذي بيدك أيها القارئ الكريم الذي دبجه قلم ولدي الشاب النشيط العالم / عبدالمنان التالبي بعنوان (النشر في فضائل عشر ذي الحجة) ويليها المسائل الجلية في أحكام الأضحية لمن أحسن الأبحاث القيمة التي أخرجت للناس في موضوع / فضائل الأيام العشر من ذي الحجة وأحكام الأضحية ولعمري أن كل من قرأها وتأمل ما احتوته ستكفيه عن الرجوع إلى أي كتاب فقهي حول الموضوعين فجزى الله الباحث خيراً وزاد في الشباب الأتقياء من أمثاله وزاده علماً فوق علمه ونشاطاً فوق نشاطه وورعاً وتقوى على ما يتمتع به من ورع وتقوى والله ولي الهداية والتوفيق وسبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم وحرر بتاريخه ١٨/ رجب ١٤٢٣ هـ الموافق ٢٤/سبتمبر ٢٠٠٢ م.
محمد بن إسماعيل العمراني
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الدكتور / أمين علي مقبل
عميد كلية الشريعة بجامعة الإيمان
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: .
فقد قرأت ما جمعه الشيخ/ عبد المنان علي محمد التالبي في فضائل عشر ذي الحجة والجمل الواضحات في أحكام الأضحيات فوجدت ذلك ملخصاً مفيداً جامعاً لفضائل العشر وأهم أحكام الأضاحي مع تحري الصحة في الأحاديث وتوضيح معانيها مع اختيار الرأي الراجح في مسائل الخلاف فجزاه الله خيراً على بحثه النافع ورزقنا وإياه الفقه في الدين والعلم النافع والعمل الصالح بفضله وكرمه آمين والحمد لله رب العالمين.
كتبه
د/ أمين علي مقبل
٩/ ١١/١٤٢٢ هـ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الشيخ العلامة / محمد المختار الشنقيطي
أحد مشائخ جامعة الإيمان ــ سابقاً
لقد أطلعت على هذا البحث فوجدته صحيح
الأحكام صحيح العزو فهو فريد في بابه مع إيجاز.
الشيخ / محمد المختار
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهاتان رسالتان موجزتان. الأولى بعنوان (النشر في فضائل عشر
ذي الحجة وما يستحب فيها)، والثانية بعنوان (المسائل الجلية في أحكام
الأضحية). أردتُ من خلال الرسالة الأولى التعريف بفضل عشر ذي الحجة،
هذه الأيام العظيمة التي هي أفضل أيام الدنيا وأعظم الأيام عند الله، والعمل
الصالح فيها أحب إلى لله مما سواها، فقد جهل الكثير من المسلمين فضل هذه
الأيام، وما علموا أنها تعدل العشر الأواخر من رمضان؛ ففي ليالي عشر
رمضان، ليلة القدر، وفي أيام عشر ذي الحجة يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر.
وأردتُ من خلال الرسالة الثانية التعريف بالأضحية وأحكامها
وما يتعلق بها، مبسطةً، مصحوبةً بالدليل الشرعي الصحيح ليسهل على المطلع
عليها فهمها والعمل بها بعيداً عن الخلاف.
وقد رأيتُ إتماماً للفائدة عمل ملحق لهذا الكتيب، ضمنتُ فيه
مجموعةً من الفتاوى الشرعية لشيخنا العلامة القاضي محمد بن إسماعيل العمراني
مما يتعلق بأحكام العشر والأضاحي.
والله اسأله أن يجعل هذا الجهد المتواضع خالصاً لوجهه الكريم
وأن يكتب الأجر والمثوبة لكل من ساهم في إخراجه ودعمه وبالله تعالى التوفيق
كتبه أبو محمد عبد المنان التالبي
عفا الله عنه
٢٣ ذي القعدة ١٤٢٢ هـ
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اهتدى بهداه
وبعد: -
فإن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه الفقه في الدين والاشتغال به تعلماً وتعليماً لقوله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). متفق عليه.
ولما كان من العسير على العامّي استخراج الأحكام الشرعية من بطون أمهات الكتب الفقهية، إضافة إلى زُهد الكثيرين في قراءة المطولات كان هذا الجهد المتواضع تبصيراً للمبتدئ وتذكيراً للمنتهي.
وقد حرصتُ على أن تكون مسائل هذا الكتاب مصحوبة بالدليل الشرعي الصحيح مؤيدةً بأقوال أهل العلم فهو خلاصة جامعة في بابه مع ما فيه من السهولة واليسر.
هذا وقد لاقت طبعته الأولى قبولاً بفضل الله تعالى في أوساط طلاب العلم واستفاد منه الكثيرون ودرس في أيام العشر في بعض المساجد فلله الحمد والمنة.
وإني إذ أقدم للطبعة الثانية من هذا الكتاب لأسأل الله الكريم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يكتب الأجر والمثوبة لكل من ساهم في مراجعته ودعمه إنه حميدٌ مجيد.
كتبه الفقير إلى الله /
عبد المنان التالبي
٢٩ شوال ١٤٢٧ هـ
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المبحث الأول: النشر في فضائل عشر ذي الحجة وبيان ما يستحب فيها
وعشر ذي الحجة، من الأوقات الفاضلة، التي اهتم الإسلام بها، وركز عليها، وتكلم عنها أئمة الحديث والفقه، في كتبهم العلمية، ولأجل ذلك فسأتكلم عنها في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مشروعية العشر.
المطلب الثاني: فضلها.
المطلب الثالث: ما يستحب فيها.
стр. 8
المطلب الأول: مشروعية العشر
ثبتت مشروعية عشر ذي الحجة بالكتاب والسنة،
وإليك أخي الحبيب ما ورد في ذلك:
أولاً: مشروعيتها من الكتاب:
(أ) - قال تعالى:
﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير﴾.
[٢٨: الحج].
والأيام المعلومات المذكورة في الآية الكريمة فسرها أبوموسى الأشعري وابن عمر وابن عباس ﵃ ومجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي أنها عشر ذي الحجة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل! (١).
قال الإمام البخاري في صحيحه: وقال ابن عباس ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات .. ﴾ [٢٨ - الحج]- أيام العشر.
والأيام المعدودات: أيام التشريق (٢).
وأخرج عبدالرزاق بسنده الصحيح عن قتادة: ﴿في أيام معلومات﴾ قال: أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق (٣).
(ب) - قال تعالى: ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾ [١، ٢: الفجر].
قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة وغير واحد من السلف: (الليالي العشر: المراد بها: عشر ذي الحجة) (٤).
ثانياً: مشروعيتها من السنة:
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال» ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه قالوا ولا الجهاد؟ قال
ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء «
رواه البخاري (٥).
стр. 9
المطلب الثاني: فضل عشر ذي الحجة
جاء في فضل عشر ذي الحجة عدد من نصوص الكتاب والسنة، نذكر منها ما يلي:
أولاً: ما جاء في فضلها على الإجمال:
(أ) أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾ [الفجر: ١، ٢] قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة وغير واحد من السلف (الليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة) (١). وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد ﴿وليالٍ عشر﴾ قال: عشر ذي الحجة (٢). وفي مسند أحمد من حديث جابر ﵁ عن النبي ﵌ قال: » إن العشر عشر ذي الحجة والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر «(٣).
(ب) أنها تتمة الليالي الأربعين التي واعد الله فيها موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشر فتمّ ميقات ربه
أربعين ليلة ... ﴾ [الأعراف/١٤٢]. قال مجاهد: (ذو القعدة وعشر ذي الحجة)، وقال مسروق ﴿وأتممناها بعشر﴾: (عشر الأضحى) (٤).
(ج) أنها خاتمة الأشهر المعلومات التي قال الله فيها ﴿الحج أشهرٌ معلومات ... ﴾ [البقرة/١٩٧]. وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ذُكر ذلك عن عمر وابنه عبد الله وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم، وهو قول أكثر التابعين، ومذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسف وأبي ثور وغيرهم، وممن قال به من المفسرين مجاهد والسُّدي والضحاك (٥).
(د) ومن فضائلها أنها الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ... ﴾ [الحج/٢٧، ٢٨]. والأيام المعلومات عند جمهور العلماء هي عشر ذي الحجة كما تقدم.
(هـ) أنها من أعظم الأيام عند الله ﵎. لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى عليه وآله وسلم: » ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه العشر ... «رواه الترمذي وأبو داود (٦).
стр. 10
(و) أنها من أفضل الأيام عند الله والعمل الصالح فيها أحب إلى الله من الجهاد في سبيله.
- جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عباس رضي
الله عنهما عن النبي ﵌ أنه قال: » ما العمل
في أيام أفضل من العمل في هذه قالوا ولا الجهاد؟ قال ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء «(١).
- وفي سنن الإمام أبي داود من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله ﵌: » ما من
أيام العمل الصالح فيها أحبُ إلى الله من هذه الأيام - يعني
أيام العشر - قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال
ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع
من ذلك بشيء «. (٢)
- وفي صحيح ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما قال قال رسول الله ﷺ : » ما من أيام أفضل عند الله من
أيام عشر ذي الحجة قال فقال رجل يا رسول الله هن أفضل
أم عدتهن جهاداً في سبيل الله قال هُنَّ أفضل من عدتهن جهاداً
في سبيل الله (٣) ... «.
- وعن جابر بن عبدالله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: » أفضل أيام الدنيا أيام العشر [أي: عشر ذي الحجة] قيل ولا مثلهن في سبيل الله قال ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفّر وجهه بالتراب «
رواه البزار (٤).
ثانياً: ما جاء في فضل بعض أيام العشر:
(أ) ما جاء في فضل يوم عرفة:
стр. 11
(١) أنه اليوم المشهود الذي أقسم الله به في كتابه الكريم فقال: ﴿وشاهدٍ ومشهود﴾ [البروج: ٣]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﵌: » اليوم الموعود: يوم القيامة، واليوم المشهود: يوم عرفة، والشاهد: يوم الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يومٍ أفضل منه فيه ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلم يدعو الله بخير إلا استجاب الله له ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه «.
رواه الترمذي (١).
(٢) أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم بتوحيده. في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله ﵌: » إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بـ"نُعمان" يوم عرفة وأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قُبُلا قال ألست بربكم قالوا بلى «رواه أحمد والنسائي (٢).
(٣) أنه اليوم الذي أتم الله فيه هذا الدين بنزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم فيه، في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال أي آية، قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ المائدة/٣. فقال عمر: (إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه، نزلت ورسول الله ﵌ قائم بعرفة يوم جمعة).
(٤) أنه يوم مغفرة للذنوب، ففي حديث عمر الطويل عند ابن حبان قال ﵌: » ... فإذا وقفتَ بعرفة فإن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثاً عُبراً اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج ... «(٣).
وروى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس ابن مالك ﵁ قال: (وقف النبي ﵌ بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال: يا بلال أنصت لي الناس فقام بلال فقال أنصتوا لرسول الله ﵌، فأنصت الناس، فقال: » معاشر الناس أتاني جبرائيل آنفاً فأقرأني من ربي السلام وقال إن الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا رسول الله هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر بن الخطاب ﵁ كثر خير الله وطاب «(٤).
стр. 12
(٥) أنه يوم يُعتق الله فيه الرقاب من النار، فعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله ﵌ قال» ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه الرقاب من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة «رواه مسلم، قال الهيثمي: وزاد رزين في جامعه: » اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم «(١).
(٦) وهو كذلك يوم يباهي الله بعباده الواقفين بعرفة ملائكتَه، ففي صحيح ابن حبان من حديث جابر بن عبدالله ﵄ قال قال رسول الله ﵌» ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يرو عذابي فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة (٢) «. وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص أن النبي ﷺ كان يقول: » إن الله يُباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً «(٣).
(ب) ما جاء في فضل يوم النحر:
(١) أنه أعظمُ الأيام عند الله:
- عن عبدالله بن قُرط ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: » أعظمُ الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القَرِّ- وقُرِب لرسولِ الله ﵌ بدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهِنَ يبدأ ... «رواه أبو داود (٤).
- قال ابن الأثير - يوم القَرِّ: هو الغد من يوم النحر وهو حادي عشر ذي الحجة لأن الناس يقرون فيه بمنى أي: يسكنون ويقيمون (٥).
- يزدلفنَ: يقربن منه (٦).
(٢) أنه يوم الحج الأكبر:
- عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﵌ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة
التي حج فقال أي يوم هذا - قالوا يوم النحر - قال
هذا يوم الحج الأكبر) رواه أبو داود (٧).
стр. 13
- وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيهما أفضل يوم عرفة أو الجمعة أو الفطر أو النحر؟ فأجاب: (الحمد لله أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء وأفضل أيام العام هو يوم النحر) (١).
- وقد سُئل ﵀ أيهما أفضل عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟ فأجاب: (أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، قال ابن القيم: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافياً كافياً فإنه ليس من أيامٍ العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيها يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية، وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان الرسول ﵌ يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة) (٢).
- قال الحافظ ابن حجر: (والذي يظهر أن السبب في
امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها
وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك
في غيرها) (٣).
стр. 14
المطلب الثالث: ما يستحب في العشر
(١) الإكثار من الأعمال الصالحة مطلقاً، لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: » ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء «رواه أبو داود (١).
- قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: (وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منه ... قال وكان سعيد بن جبير وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس ﵄ إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه، وروي عنه أنه قال لا تطفئوا سُرجَكم ليالي العشر تعجبه العبادة) (٢).
- وفي سنن البيهقي والدارمي قال ﵌: » ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجراً من خيرٍ يعمله في عشر الأضحى قيل ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء «(٣).
(٢) الإكثار من الذكر: وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿ ... ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ... ﴾ والأيام المعلومات كما تقدم هي أيام العشر عند جمهور العلماء ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: » ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد «رواه الترمذي وأبو داود (٤).
- قال الإمام البخاري في صحيحه: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبِّران ويكبر الناس بتكبيرهما) (٥). والمشروع "هو التكبير المطلق في جميع الوقت من ليلٍ أو نهار في أيام العشر.
стр. 15
(٣) صيام تسع ذي الحجة أو ما تيسر منها: لحديث هُنيدة بن خالد الخزاعي عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﵌ قالت: » كان رسول الله ﵌ يصوم تسعاً من ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس «رواه أبو داود والنسائي (١).
(٤) ويستحب استحباباً مؤكداً صوم يوم عرفة:
لحديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ وفيه أن النبي
﵌ سُئل عن صوم يوم عرفة فقال» أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية «رواه مسلم (٢).
(٥) على المسلم في يوم العيد أن يذهب إلى مصلى العيد مُبكراً ليُدرك صلاة العيد جماعةً مع المسلمين رافعاً صوته بالتكبير والتهليل معظماً لشعائر الله تعالى في ذلك اليوم قال تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢]
وقد كان من هدي النبي ﵌ أن
يخرج في العيدين رافعاً صوته بالتهليل والتكبير (٣). وكان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى (٤).
- وقد روى الدارقطني أن ابن عمر كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصُلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام (٥).
- وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الزُهري قال: (كان الناس يُكبرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى وحتى يخرج الإمام فإذا خرج الإمام سكتوا فإذا كبر كبروا) (٦).
стр. 16
المبحث الثاني المسائل الجلية في أحكام الأضحية
للأضحية أهمية كبيرة، في الشريعة الإسلامية، وقد تكلمت عنها في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، في مشروعيتها وأحكامها، وشروطها، وغير ذلك، وأفرد لها الأئمة في كتبهم مباحث خاصة، ذكروا فيها كل ما يتعلق بها من أحكام شرعية، ومسائل فقهية وإليك أخي الكريم، خلاصة ما ذكروه، وزبدة ما سطروه، وسنتكلم عليها في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول
الأضحية
المطلب الثاني
• حكمتها
• التشديد في تركها للقادر عليها
• أفضل أنواعها
المطلب الثالث
شروطها
стр. 17
المطلب الأول: الأضحية
ذكر أهل العلم في الحدود والتعاريف أن فهم الشيء فرع عن تصوره، وسيرا على ما قرره العلماء، فسأتكلم في هذا المطلب على التالي:
أولاً: تعريف الأضحية:
الأُضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها وجمعها أضاحٍ،
كالضحية جمعها ضحايا (١).
وهي اسمٌ لما يذبح من الإبل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقرباً إلى الله تعالى (٢).
ثانياً: سبب تسميتها بالأضحية:
سُميت أضحية لأنها تُذبح في الضُحى (٣) فكأنها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه (٤).
ثالثاً: ما جاء في مشروعيتها:
شُرعت الأضحية في العام الثاني للهجرة النبوية (٥) وقد توارد على إثباتها نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة وإجماع سلف الأمة.
(أ) فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿والبُدنَ جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ... ﴾ [الحج: ٣٦] وقوله تعالى ﴿فصلِ لربك وانَحرْ﴾ [الكوثر: ٢]
(ب) ومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁ قال: » ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما «رواه البخاري ومسلم (٦) وغيرهما.
(ج) وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعيتها (٧).
стр. 18
رابعاً: حُكم الأضحية: (١)
للعلماء أنظار جلية، في استنباط الأحكام الشرعية، من نصوص الكتاب والسنة النبوية وفي هذا المسألة اختلف العلماء في حكم الأضحية على قولين:
- فذهب الجمهور من العلماء إلى أنها سُنة مؤكدة. ومن أدلتهم ما جاء في صحيح مسلم من حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂
أن النبي ﵌ قال: » إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شَعره وبَشَره شيئاً «(٢).
وجه الشاهد: أنه علّقه على الإرادة والواجب لا يُعلق على الإرادة (٣).
- وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنها واجبة على الموسر ومن أدلته قوله تعالي ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]. والأمر عند أئمة الأصول يقتضي الوجوب، ولقوله ﵌: » من وجد سعة فلم يضحِ، فلا يقربن مصلانا «(٤)، وغير ذلك من الأدلة، لم نذكرها خشية الإطالة، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) وكذا العلامة الشوكاني (٦) وهو مذهب شيخنا القاضي العلامة/
محمد بن إسماعيل العمراني حفظه الله.
-
стр. 19
المطلب الثاني حكمتها - التشديد في تركها للقادر عليها - أفضل أنواعها
والأضحية من الأحكام الشرعية، التي بين الشرع حكمتها،
وشدد في تركها، وبين أفضل أنواعها، وسأجملها لك بصورة موجزة فيما يلي:
أولاً: حكمتها:
١ - التقرب إلى الله تعالى بها قال تعالى: ﴿فصلِ لربك وانحر .. ﴾ [الكوثر: ٢].
٢ - إحياءً لسُنة إمام الموحدين إبراهيم ﵇ واقتداء به.
قال تعالى ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧].
٣ - التوسعة على العيال وإظهار الفرحة والسرور بينهم.
٤ - إشاعة الرحمة بين الفقراء والمساكين قال تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨].
٥ - شكر الله على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام قال تعالى: ﴿كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون﴾ [الحج: ٣٦]. (١)
ثانياً: التشديد في تركها للقادر عليها:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﵌» من وجد سعة فلم يُضح فلا يقربن مصلانا «رواه ابن ماجة (٢).
ثالثاً: أفضل أنواع الأضحية:
وأفضل أنواع الأضحية الغنم، وقد ثبت ذلك عن النبي ﵌ قولا وفعلا، أما القول فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌» خير الأُضحية الكبش «رواه الترمذي (٣).
وأما الفعل فما ثبت عن أنس بن مالك ﵁ قال: » ضحى النبي ﵌ بكبشين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما «رواه البخاري ومسلم (٤) وغيرهما.
- قال الشوكاني في السيل الجرار .. (وملازمته ﵌ للتضحية بالكبش أو الكبشين مع وجود الإبل في عصره وكثرتها يُدلُ على أفضليتها في الأُضحية). إ. هـ (٥).
ولأن النبي ﵌ ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل (٦).
قلتُ: وهو مذهب الإمام مالك ﵀. وذهب الجمهور من العلماء إلى أن أفضل الأنواع البدنة ثم البقرة ثم الضأن ثم المعز، حجتهم أن البدنة تجزئ عن سبعة وكذا البقرة وأما الشاة فلا تجزئ إلا عن واحد بالاتفاق فدل على تفضيل البدنة والبقرة (٧).
стр. 20
المطلب الثالث: شروطها
وللعلماء في الأضحية، شروط معتبرة، إن لم تتوفر
لا تصح، وقد لخصتها من كلامهم على ما يلي:
(١) أن تكون من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم).
لقوله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام .. ﴾ [الحج: ٢٨].
(٢) أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً:
- لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال، قال رسول الله ﵌: » لا تذبحوا إلا مُسنة فإن تعسر عليكم فاذبحوا جذعةً من الضأن «رواه مسلم (١).
- وقال الإمام النووي: (وأجمعت الأمة أنه لا يجزي من الإبل والبقر والمعز إلا الثني ولا من الضأن إلا الجذع (٢). وقال أيضاً: وقد أجمعت الأمة أنه [أي: حديث جابر] ليس على ظاهره من أنه لا يعدل إلى الجذع إلا بعد تعذر المسنة لأن الجمهور يُجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه وحملوا حديث جابر على الاستحباب والأفضل) (٣).
(٣) أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء المذكورة في حديث البراء بن عازب ﵁ قال قام فينا رسول الله ﵌ فقال: » أربع لا تجوز في الضحايا العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التي
لا تنُقي «هذه رواية النسائي وابن ماجه، في رواية أبي داود
بلفظ [والكسير] وفي رواية الترمذي والنسائي أيضاً ومالك في الموطأ بلفظ [والعجفاء] التي لا تنقي «الحديث رواه أصحاب السنن
الأربعة والإمام أحمد في مسنده (٤).
معاني الألفاظ: - الكسيرة /هي المنكسرة الرجل التي لا تقدر على المشي.
- العجفاء/ هي المهزولة من الغنم وغيرها.
- التي لا تُنقي/أي التي لا مخ لها لضعفها وهزالها (٥).
قال النووي: (وأجمعوا على أن العيوب المذكورة في حديث البراء لا تُجزي التضحية بها وكذا ما في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه). إ. هـ (٦).
стр. 21
(٤) أن يكون الذبح في الوقت المخصوص، أوله بعد صلاة
العيد والأفضل أن يؤخر الذبح حتى تنتهي الخطبتان لحديث جُندب بن سفيان البجلي ﵁ قال شهدت النبي ﵌ يوم النحر قال: » من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يذبح فليذبح «. رواه البخاري ومسلم (١).
- ولحديث البراء ﵁ قال: خطبنا النبي ﵌
يوم النحر قال: » إنّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي
ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد اصاب سنتنا ومن ذبح قبل
أن يصلي فإنما هو لحمٌ عجّله لأهله ليس من النسك في شيء «
رواه البخاري (٢).
- وينتهي الذبح بغروب شمس آخر يوم من أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة - لقوله ﵌» .. وكل أيام التشريق ذبح «رواه أحمد (٣).
стр. 22
المبحث الثالث: أحكام الأضحية
للأضحية أحكام مقرره، في الكتب الفقهية والحديثية، منها ما يتعلق بالمضحي، ومنها ما يتعلق بالأضحية، ومنها ما يتعلق بالذبح، وغير ذلك كما سنبينه إن شاء الله تعالى، والكلام عليها سيكون من خلال أربعة مطالب:
المطلب الأول: أحكام تتعلق بالمضحي.
المطلب الثاني: أحكام تتعلق بالأضحية.
المطلب الثالث: أحكام تتعلق بالذبح.
المطلب الرابع: أحكام تتعلق بلحوم الأضاحي.
стр. 23
المطلب الأول: أحكام تتعلق بالمضحي
لقد بين الشرع الحكيم لمن أراد أن يضحي جملة من الأحكام نوجزها فيما يلي: -
١ - أن لا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئاً إذا دخل شهر ذي
الحجة لحديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أن النبي ﵌ قال: » إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً «، وفي رواية "وأظفاره" رواه مسلم (١).
٢ - من عجز عن الأضحية لفقره وحاجته نال أجر المضحين:
لحديث جابر بن عبدالله ﵄ وفيه أن النبي
﵌ قال عند الذبح: » ... اللهم إن هذا عني وعن من لم يضحِ من أمتي «رواه أبو داود والترمذي. (٢)
٣ - ينبغي لمن أراد شراء الأضحية أن يتأمل سلامتها وخلوها من أي مانع شرعي: لحديث أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ قال: » أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن «
رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي، (٣). والمعنى كما قال بن الأثير: (أي نتأمل سلامتها من آفة تكون بها). (٤)
٤ - يستحب للمضحي في عيد الأضحى أن لا يطعم شيئاً حتى يأكل من الذبيحة: لحديث: عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: » كان النبي ﷺ لايخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي «رواه الترمذي (٥) وزاد الإمام أحمد في رواية أخرى، » فيأكل من أضحيته «(٦).
-» وكان ﵊ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح «(٧).
стр. 24
المطلب الثاني: أحكام تتعلق بالأضحية
وهدي النبي ﵌ في الأضحية أكمل الهدي، فقد أرشدنا فيما يتعلق بها إلى ما يلي: -
١ - يستحب الأضحية بالكبش الأقرن لفعله ﵌ كما في حديث أنس بن مالك - ﵁ قال: » ضحى رسول الله ﵌ بكبشين أقرنين أملحين «رواه البخاري ومسلم.
- قال ابن الأثير» أملحين «كبش أملح إذا كان بياضه أكثر من سواده وقيل هو النقي البياض (١).
- واتفق العلماء على جواز التضحية بالأجم وهو الذي لا قرن له (٢).
٢ - يجوز التضحية بالخصي: لحديث أبي رافع ﵁ قال: » ضحى رسول الله ﵌ بكبشين أملحين موجوءين خصيَّين «رواه أحمد (٣).
قال ابن الأثير موجوءين أي خصيّين (٤).
٣ - يجوز التضحية بالفحل: لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ قال: » ضحى رسول الله ﵌ بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ويمشي في سواد وينظر في سواد «أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي (٥).
- ومعنى فحيل: أي كامل الخلقة لم يقطع منه شيء.
- ومعنى يأكل في سواد: أي أن فمه أسود وقوائمه وحول عينيه.
٤ - تُجزي الشاه عن أهل البيت الواحد مهما كثروا لحديث عُمارة ابن عبد الله قال سمعت عطاء بن يسار يقول سألت أبا أيوب الأنصاري ﵁ كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ﵌ قال» كان الرجل في عهد النبي ﵌ يُضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهي الناس فصارت كما ترى «رواه الترمذي وصححه ورواه ابن ماجه (٦).
- قال الشوكاني في نيل الأوطار -: (والحق أنها تُجزي
عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس أو أكثر) (٧). إ. هـ،
- وقال ابن القيم في زاد المعاد -: (وكان من هديه ﵌ أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كَثُرَ عددهُمْ) إ. (٨) هـ.
стр. 25
٥ - يجوز الاشتراك في الأضاحي البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة: لحديث ابن عباس ﵄ قال: » كنا مع النبي ﵌ في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة «. رواه الترمذي وحسنه ورواه النسائي وابن ماجه (١).
٦ - يستحب تسمين الأضاحي واستحسانها: لقوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .. ﴾ [الحج: ٣٢]. أخرج آدم أبن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: ﴿ومن يعظم شعائر الله .... ﴾ قال استعظام البدن واستسمانها واستحسانها (٢).
- قال أبو أمامة بن سهل ﵁: » كُنَّا نُسَمِنْ الأُضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون «. رواه البخاري (٣).
- ولحديث أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﵌» كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين موجوءين
فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد ﵌ «. رواه ابن ماجه (٤)
٧ - يستحب أن يكون الذبح بمُصلى العيد إلا لعذرٍ من مطرٍ أو غيره لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌» كان ينحر - أو يذبح - بالمُصلى «. رواه البخاري (٥). والحكمة من ذلك أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون من لحم
الأُضيحة (٦). وفيه أيضاً إظهار لشعائر الدين (٧).
٨ - الأُضحية عبادة وقربة لله تعالى فلابُدَّ أن تكون خالصة لله
موافقة لهدي رسول الله ﵌ طيبة بها النفس قال الله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونُسكي ومحياي
ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وقال تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم .. ﴾ [الحج: ٣٧].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأجر في الأُضحية على قدر القيمة مُطلقاً) (٨). إ. هـ.
٩ - ويستوي في الأضحية الذكر والأنثى سواءً كانت من الغنم أو من البقر أو من الإبل لقوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ... ﴾ [الحج: ٣٤]. ولقوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ... ﴾ [الحج: ٣٤]. ولم يقل ذكراً أو أنثى (٩).
стр. 26
المطلب الثالث: أحكام تتعلق بالذبح
الذبح نوع من أنواع العبادة، ولذا أرشدنا ديننا الإسلامي الحنيف، إلى جملة من الأحكام فيما يتعلق بالذبح، نوجزها فيما يلي:
يُستحب عند الذبح الآتي: -
(١) شحذ السكين ومواراتها عن الذبيحة وإراحتها والإحسان إليها والرحمة بها: لحديث شداد بن أوس ﵁ قال ثنتان حفظتهما من رسول الله ﵌ قال -» إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبِح وليُحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته «. رواه مسلم (١).
- ولحديث معاوية بن قُرة عن أبيه أن رجلاً قال يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها أو قال إني لأرحم الشاة أن أذبحها فقال» والشاة إن رحمتها رحمك الله «رواه أحمد في مسنده (٢).
- وفي حديث ابن عمر ﵄ قال» أمر النبي ﵌ بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليُجهز «(٣).
- ومر النبي ﵌ على رجُل واضع رجله على صفحة الشاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: » أفلا قبل هذا أوتريد أن تميتها موتات «. رواه الطبراني في الكبير والأوسط (٤).
(٢) إضجاع البقر والغنم على جانبها الأيسر: وهذه من المسائل التي أجمع عليها العلماء.
- قال الحافظ ابن حجر في الفتح -: (واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار). إ. هـ (٥).
(٣) نحر الإبل قائمة معقولة الرجل اليُسرى: لقوله تعالى:
﴿ .. فاذكروا اسم الله عليها صوافَّ فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها
وأطعموا القانع والمعتر ... ﴾ [الحج: ٣٦]. قال الإمام البخاري في صحيحه وقال ابن عباس ﵄: (صواف): قياماً (٦)،
стр. 27
- وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (صواف) قال: قيام صواف على ثلاث قوائم.
- وأخرج آدم بن أبي قياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (فإذا وجبت جنوبها): سقطت على الأرض.
- وأخرج الطبري بسنده عن علي بن طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ يقول: القانع: المتعفف، والمعتر: السائل (١).
- ولحديث عبد الرحمن بن سابط ﵁» أن النبي ﵌ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليُسرى قائمة على ما بقي من قوائمها «رواه أبو داود (٢).
- وفي حديث ابن عمر ﵄ أنه أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركةً فقال: » ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد « ﷺ . رواه البخاري ومسلم. (٣)(٤) أن يُوجهها إلى القبلة ويُسمي ويُكبر ويدعو عند ذبحها بالقبول، ويستحب عند الذبح استقبال القبلة، قال الإمام النووي: واستقبال القبلة في الأضحية أشد استحباباً لأن الاستقبال مستحب في القُرُبات وفي بعضها واجب (٤)، ويُشرع عند الذبح التسمية والتكبير لقوله تعالى: ﴿ .. فاذكروا اسم الله عليها .. ﴾ أي على نحرها [الحج: ٣٦]. ولقوله تعالى ﴿ .. ولتكبروا الله على ما هداكم .. ﴾ [الحج: ٣٧]. قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: (هو قول الناحر الله أكبر عند النحر فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها وذكر هنا التكبير للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير). إ. هـ (٥).
- ولما ثبت عن أنس بن مالك ﵁ قال: » ضحى النبي ﵌ بكبشين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما «رواه البخاري ومسلم (٦) وغيرهما.
- ويُشرع أيضاً الدعاء بالقبول عند النحر، لحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قال: عند الذبح بعد أن أضجع الكبش» بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد - ثم ضحى به «رواه مسلم (٧).
стр. 28
(٥) يستحب للمُضحي ذبح أُضحيته بنفسه لأن الذبح عبادة وقربة
لله تعالى: لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: » ضحى النبي ﵌ بكبشين أملحين ذبحهُما بيده .. «رواه البخاري ومسلم (١).
- قال الإمام النووي: (فيه أنه يستحب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه ولا يوُكل في ذبحها إلا لعذر وحينئذٍ يستحب أن يشهد ذبحها وإن استناب فيها مسلماً جاز بلا خلاف) (٢).
- وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﵌» ... ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غَبَر وأشركه في هديه .. «. رواه مسلم (٣).
ومعنى ما غَبَر (ما تبقى) (٤).
(٦) أن يُسمي عند الذبح من هي له: لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﵌ الأضحى بالمصلى فلما قضى خطبته نزل من منبره وأتى بكبش فذبحه ﵌ بيده وقال: » بسم الله والله أكبر اللهم إن هذا عني وعن من لم يُضح من أُمتي «رواه أبو داود والترمذي (٥). وإن ذبحها ونوى من هي له بدون تسمية أجزأت لقوله ﵌» إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. «متفق عليه (٦).
стр. 29
المطلب الرابع: أحكام تتعلق بلحوم الأضاحي
لحوم الأضاحي قربة لله تعالى، وسنة أبينا إبراهيم، ولذا ينبغي فيها مراعاة ما يلي:
(١) يستحب للمُضحي أن يتصدق من أُضحيته وأن يأكل منها:
لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨].
قال الشوكاني في فتح القدير: البائس: ذو البؤس وهو شدة الفقر (١).
- ولحديث سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﵌» كلوا وأطعموا وادخروا «رواه البخاري. (٢)
- واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثاً - ثلثاً للادخار وثلثاً للصدقة وثُلثاً للأكل لهذا الحديث (٣).
(٢) ألا يُعطي الجازر أجرة عمله من الأُضحية: لحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: » أمرني رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - أن أقوم على بُدُنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجِلَّتها وألا أُعطي الجازر منها شيئاً قال نحنُ نعطيه من عندنا «رواه البخاري ومسلم (٤) وفي رواية النسائي» ولا يُعطي في جزارتها منها شيئاً «(٥)
معاني الألفاظ قال ابن الأثير:
- بُدُنه / جَمعْ بَدَنة والبدنةُ أصلها من الإبل وأُلحقت بها البقر شرعاً
- وأجلتها / - الجلال هو ما يُطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه.
- الجزارة / ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته (٦).
- قال العلامة الأمير: (والحديث يدل على أنه لا يجوز إعطاء الجازر من لحم الأُضحية لأجل الجزارة) (٧) وجوز بعض أهل العلم إعطاء الجزار من الأضحية على سبيل الصدقة والهبة فقط (٨). خاصة إذا كان فقيراً.
стр. 30
المبحث الرابع: أيام التشريق
أيام التشريق أيام فضيلة وهي كذلك أيام عيد ولذا شرع الإسلام فيها ما يناسبها وبين الفقهاء ما يتعلق بها من أحكام وسأتكلم عليها من خلال ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ماهيتها وسبب تسميتها وعدد أيامها.
المطلب الثاني: فضلها وما يستحب فيها.
المطلب الثالث: أحكامها.
стр. 31
المطلب الأول ماهيتها ـ سبب تسميتها ـ عدد أيامها .
أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، ولمعرفة ماهيتها وسبب تسميتها، وعدد أيامها نقول:
أولاً: ماهيتها:
أيام التشريق هي الأيام المعدودات، التي ذكرها الله في سورة البقرة: ٢٠٣، قال تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات ... ﴾. قال القرطبي في تفسيره: ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذا الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق (١).
- وأخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة
عن ابن عباس قوله ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ يعني
أيام التشريق (٢).
ثانياً: سبب تسميتها:
- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (سُميت أيام التشريق لأنهم
كانوا يُشرقون فيها لحوم الأضاحي أي يقددونها ويبرزونها للشمس. وقيل لأن الضحايا لا تُنحر حتى تُشرق الشمس. وقيل لأن صلاة العيد إنما تَصلى بعد أن تشرق الشمس). إ. هـ (٣).
ثالثاً: عدد أيامها:
اختلف العلماء في عدد أيام التشريق، فقيل: يوم النحر ويومان بعده، وقيل: أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة بعده ـ روي هذا القول عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن
جبير والحسن وقتادة والسدّي ومالك بن أنس وغيرهم.، قال ابن كثير في تفسيره وهو المشهور وعليه دل ظاهر الآية الكريمة حيث قال تعالى
﴿فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ... ﴾،
فدل على ثلاثة بعد النحر (٤).
стр. 32
المطلب الثاني: فضلها وما يستحب فيها
أولاً: فضلها:
ورد في أيام التشريق وفي بعض أيامها أحاديث عن النبي ﵌ تبين فضلها وأهميتها ومنزلتها بين سائر الأيام منها:
- حديث عبدالله بن قرط ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: » أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القّر ... «. رواه أبو داوود (١).
- قال ابن الأثير يوم القّر هو الغد من يوم النحر وهو حادي عشر ذي الحجة لأن الناس يقّرون فيه بمنى أي يسكنون ويقيمون (٢).
- وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: » يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام .... «رواه أبو داوود والترمذي (٣)
ثانياً ما يستحب فيها:
يستحب في أيام التشريق الإكثار من ذكر الله دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وذاكروا الله في أيام معدودات .... ﴾ [البقرة ٢٠٣]. وقول النبي ﵌» أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله «(٤).
- قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ وذكر الله المأمور به في أيام التشريق أنواع متعددة منها:
- ذكر الله عقب الصلوات المكتوبات بالتكبير في أدبارها وهو مشروع إلى آخر أيام التشريق عند جمهور العلماء.
- ذكره - سبحانه - بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك.
- ذكر الله على الأكل والشرب.
- ذكره - تعالى- بالتكبير عند رمي الجمار في أيام التشريق وهذا يختص بأهل الموسم.
- ذكر الله تعالى المطلق فإنه يستحب الإكثار منه في أيام التشريق .. (٥)
стр. 33
المطلب الثالث: ما يتعلق بأيام التشريق من أحكام
لأيام التشريق أحكام تخصها كما لأن لغيرها من الأيام ما يخصها من الأحكام ومما يتعلق بأيام التشريق:
(١) التكبير: لقوله تعالى: ﴿كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾ [الحج: ٣٧]. ولقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات ... ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال عكرمة في تفسيره لهذه الآية: يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات الله أكبرـ الله أكبر (١). قال ابن كثير في تفسيره: ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيامٍ معدودات ... ﴾ الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال (٢).
- قال الإمام البخاري ﵀ (وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً) (٣).
- وسأتكلم على التكبير من خلال الآتي:
أ. حُكْمُه: التكبير سنة في العشر وأيام التشريق عند جمهور العلماء للأدلة السابقة.
ب. صفته: ورد التكبير بعدة صفات ووردت بتلك الصفات جملة من الآثار عن الصحابة وكذا عن الأئمة المتبوعين، فاستحب بعضهم التكبير ثلاثاً نسقاً بأن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر (٤)،
وذهب آخرون إلى استحباب التثنية في التكبير بأن يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. (٥)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة قد روي مرفوعاً إلى النبي ﵌: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وإن قال الله أكبر ثلاثاً جاز ومن الفقهاء من يكبر ثلاثاً فقط، ومنهم من يكبر ثلاثاً ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (٦).
стр. 34
- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وأصح ما ورد في صيغة التكبير ما أخرجه عبدالرزاق بسند صحيح عن سلمان قال كبروا الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا) (١).
- قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني: (وفي الشرح صفات كثيرة واستحسانات عن عدة من الأئمة وهو يدل على التوسعة في الأمر وإطلاق الآية يقتضي ذلك) (٢).
جـ- وقته: يبدأ التكبير من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق (ويسمى عند العلماء التكبير المقيد والمراد التكبير أدبار الصلوات المكتوبات).
- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (أصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى أخرجه ابن المنذر وغيره وذلك لقوله تعالى: ﴿كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾ [الحج: ٣٧]. (٣).
- وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن وقت التكبير في العيدين فقال: (الحمد لله أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة ويشرع لكل واحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة) (٤).
د- ما يستحب فيه: يستحب فيه رفع الصوت.
- قال الإمام النووي: (يستحب رفع الصوت في التكبير بلا خلاف) (٥).
(٢) يباح في أيام التشريق اللهو المباح والتوسعة على العيال وإظهار الفرح والسرور . لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌» يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب «(٦).
стр. 35
- ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال كان لأهل الجاهلية يوماً في كل سنة يلعبون فيها فلما قدم النبي ﵌ المدينة قال: » كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى «. رواه النسائي (١).
- وعن عائشة ﵂ أن أبى بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدفّفان وتضربان والنبي ﵌ متغشٍ بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي ﵌ عن وجهه فقال: » دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وتلك الأيام أيام منى «(٢).
- وقالت عائشة ﵂ رأيت النبي ﵌ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر فقال النبي ﵌: » دعهم أمناً بني أرفده «يعني من الأمن. (٣).
(٣) يحرم صوم يومي العيدين بإجماع العلماء ـ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌» نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى «رواه البخاري ومسلم (٤).
(٤) لا يجوز صوم أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدى: لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا» لم يُرخص أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي «رواه البخاري (٥).
- وفي حديث أبي مرة مولى أم هانئ أنه دخل مع عبدالله بن عمرو على أبيه عمرو ابن العاص فقرب إليهما طعاماً فقال كل فقال إني صائم فقال عمرو كل هذه الأيام التي كان رسول الله ﵌ يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها ـ قال مالك وهي أيام التشريق رواه أبو داوود (٦).
- قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي: (وإنما نهى عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد للمسلمين مع يوم النحر فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء) (٧).
هذا ما تيسر لنا جمعه
وبالله تعالى التوفيق والسداد ومنه تعالى نستحق العون، ، ،
стр. 36
ملحق ببعض الفتاوى الشرعية حول أحكام الأضاحي
لشيخنا العلامة
القاضي محمد بن إسماعيل العمراني
حفظه الله تعالى
حول أحكام الأضاحي
стр. 37
س ١: لمن تشرع الأضحية؟ وما حكمها؟ وهل على كل فرد أضحية أم تكفي الأسرة الواحدة أضحية ؟
ج ١: تشرع الأضحية على كل بيت وأقلها شاة؛ لأن الشاة تكفي عن أسرة، والبقرة تكفي لسبعة بيوت والجمل أو الناقة تكفي لعشرة بيوت ـ أي لعشر أسر ـ والأدلة قد دلت على ذلك لأن النبي ﵌ كان يضحي عن أسرته بشاة، وأقل الأضحية شاة وأوسطها بقرة وأعلاها جمل أو ناقة.
س ٢: ماذا ترجحون وجوب الأضحية على القادر أم سنيتها ؟
ج ٢: الراجح عندي الوجوب على من كان مستطيعاً.
س ٣: متى تذبح الأضحية؟ ومتى يبتدأ وقتها؟ ومتى آخر وقت ذبح الأضحية ؟
ج ٣: يبدأ وقت الأضحية من صباح يوم العيد ولكن بشرط أن تكون بعد صلاة العيد، ولكن اختلفت أنظار العلماء هل المراد بالصلاة صلاة المضحي نفسه أم صلاة الإمام، فالإمام مالك جعل الألف واللام للعهد وهي الصلاة المعهودة في صباح يوم العيد وهي الصلاة الكبرى التي تؤدى في الجبانة التي يصلي فيها رئيس الدولة، ومذهب الجمهور أن المراد بالصلاة صلاة المضحي نفسه وآخر وقت ذبح الأضحية هو غروب يوم رابع العيد أي آخر أيام التشريق.
س ٤: هل يشترط أن يكون ذبح الأضحية عقب صلاة العيد ؟
ج ٤: لا يشترط بل يصح الذبح عقب صلاة العيد أو ظهر يوم العيد أو في العصر أو في العشاء أو في يوم ثاني العيد، وسواءً كان الذبح في النهار أو في المساء من أيام التشريق ولا فرق فيمن سيذبح يوم العيد أن يكون الذبح قبل الظهر أو بعد الظهر أو بعد العصر المهم ألا يذبح الأضحية قبل صلاة العيد.
س ٥: أيهما أفضل أن يذبح الإنسان الأضحية في بيته أم في الجبانة ؟
ج ٥: كان النبي ﵌ يذبح في الجبانة
لكي يعرف الفقراء والمساكين بالذبيحة ليعطيهم منها،
فالذبيحة في الجبانة أفضل من الذبيحة في البيت لمن كان يريد
أن يتصدق على الفقراء والمساكين إذا كانوا لا يكاد يوجدون
إلا في الجبانة.
س ٦: هل تجب الأضحية على المرأة إذا كانت الأسرة لا يوجد فيها رجال ؟
ج ٦: إذ ١ كانت المرأة مستطيعة ولا يوجد رجال فيشرع لها أن تضحي لأن النساء شقائق الرجال هذا إذا كانت تملك أضحية أو هي قادرة على شراء أضحية.
стр. 38
س ٧: ما حكم الذبح ليلاً ؟
ج ٧: لا مانع من الذبح ليلاً بشرط أن يكون ثاني أو ثالث أو رابع
العيد أما خامسه فليست بأضحية.
س ٨: ماذا يقول المضحي عندما يذبح الأضحية ؟
ج ٨: يقل باسم الله، والله أكبر.
س ٩: ما هو أفضل الأضحية؟ وما الذي لا يجزئ في الأضاحي ؟
ج ٩: الأفضل استسمان الأضحية لأنها قربة إلى الله تعالى، وأحسن
شئ في الأضحية هي أن تكون من السمان لأن الإنسان
يتقرب إلى الله بأحسن شئ ولأن النبي صلى الله عليه وآله
وآله سلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسمنون ضحاياهم. وأما الذي لا يجزئ
في الأضاحي هو أن تكون ذا عيب وذلك بأن تكون عرجاء
أو عوراء أو كسيرة أو عجفاء أو يكون فيها عيب بحيث
لا تبتاع، فالتي لا تبتاع لعيبها لا تجوز الأضحية بها،
وكذلك كلما ترد به الماشية من العيوب بعد البيع لا تقبل
في الأضحية.
س ١٠: ما هو الخلاف بين العلماء في عمر الأضحية؟ وما هو الراجح مع الدليل ؟
ج ١٠: ورد الحديث عن النبي ﵌ " أن
الأضحية لا يجزئ فيها إلا جذع من الضأن" واختلف علماء اللغة
في لفظه "الجذع" بعضهم قال: الجذع هو ابن سنة، وبعضهم
قال: الجذع هو ابن ستة أشهر، وأكثر علماء اللغة على أن
الجذع هو ابن سنة، والجمهور من العلماء عملوا بالأحوط
فقالوا: لا تجزئ الأضحية من الضأن إلا ما كان ابن سنة
لأن أكثر علماء اللغة قالوا: بأن الجذع هو ابن سنة أو
لا يجزئ في الأضحية من الضأن إلا ما قد مضى عليه
سنة.
س ١١: هل يجوز للإنسان أن يدخر من الأضحية ؟
стр. 39
ج ١١: يجوز الأكل من الأضحية ويستحب التصدق منها ويجوز الادخار منها، لأن النبي ﵌ في بعض الأعوام نهى الصحابة عن الادخار وفي العام الذي بعده أجاز لهم الادخار من الأضاحي وإذا قسم الإنسان الأضحية أثلاثاً فهو أفضل فيأكل ثلثاً ويتصدق على الفقراء والمساكين بثلث ويهدي للأقارب والجيران بثلثاً.
س ١٢: ما الحكمة من الأضحية؟ وهل صحيح أنها فداء لأهل البيت ؟
ج ١٢: الأضحية شرعها النبي ﵌ لذكرى
قصة ذبح نبي الله إبراهيم ولده إسماعيل، فقد قال علماء
الهادوية إن من نذر أن يذبح ولده يجب عليه أن يذبح بدله
كبشاً مثل فعل نبي الله إبراهيم ﵇، وقد رد عليهم
بأن قصة ذبح نبي الله إبراهيم ولده إسماعيل من شرع من
قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا وعلى فرض أنه شرع لنا
فقد خالف شريعتنا لأن ذبح الابن معصية لله تعالى ولا نذر
في معصية الله، ولا نذر فيما لا يملك الإنسان والأب
لا يملك حياة ابنه كما أن ذبح الابن معصية فهو نذر
لا ينعقد أبداً لعدم الملك، وللذبح المحرم شرعاً وبناءً عليه
فلا يجب ذبح كبش بل عليه كفارة يمين وهو إطعام
عشرة مساكين.
س ١٣: من يذبح ويضحي في يوم العيد بنية مكافحة الجن فهل يجوز هذا الذبح، وهل يجوز الأكل منها ؟
ج ١٣: لا يجوز الذبح لمكافحة الجن لأنه سيكون من باب الذبح
لغير الله.
س ١٤: هناك من يذبح يوم الوقوف بعرفة ويسمونها وقفة، فهل له أصل في السنة ؟
ج ١٤: ليس لها أصل في السنة ولا تسمى أضحية ولكنها نوع من القرب إذا كان يذبح الإنسان ليتصدق منها على الفقراء والمساكين أو يصل بها أرحاماً أو يحسن بها إلى جيرانه.
стр. 40
س ١٥: ما حكم صبغ الثياب وشبابيك البيت بدماء الأضاحي في يوم النحر ؟
ج ١٥: هذا من الخرافات التي ليس عليه دليل.
س ١٦: هل من ضحى مرة يلزمه أن يضحي كل السنين ؟
ج ١٦: لا يلزم من ضحى مرة أن يضحي في كل السنين، ولكن
يشاع قول بين الناس إن من ضحى سنة ولم يضح في
السنوات الأخرى أنه سيعمى، وهكذا يقولون إن من صام
الست من شوال سنة ولم يصم السنوات الأخرى فإنه يعمى،
وكلها من الأباطيل والترهات والخرافات التي لا دليل عليها
لا من العقل ولا من النقل.
س ١٧: هل يندب لمن سيضحي ألا يحلق رأسه أو يقلم
أظافره أم لا؟
ج ١٧: المندوب لمن سيضحي ألا يحلق رأسه ولا يقلم أظافره من
بعد دخول شهر ذي الحجة حتى يذبح الأضحية ومن يريد أن
يحلق شعر رأسه أو يقلم أظافره فيكون في آخر شهر القعدة
قبل دخول شهر الحجة، لحديث "من أراد أن يضحي فلا
يحلق شعره ولا يقلم أظافره، وهذه سنة قد نسيها الناس، فالناس
لا يقبلون على الحلاقة كثيراً إلا قبل العيد بيومين أو
يوم والشافعي عنده أن الأخذ من الشعر والأظافر مكروه،
وعند أحمد بن حنبل والظاهرية أنه يحرم عيه الأخذ من شعره
أو ظفره والهادوية الأفضل للإنسان عدم الأخذ من شعره
أو ظفره.
س ١٨: هل عدم الأخذ من الشعر والأظافر لمن سيضحي مندوب لكل أفراد الأسرة أم لرب الأسرة فقط ؟
ج ١٨: لرب الأسرة فقط لأنه هو من سيشتري الأضحية أو يربيها.
س ١٩: خلاف العلماء في قص أظافر من سيضحي، ما هو الراجح فيه مع الدليل ؟