Полный текст (724 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بالمودة وَيظْهر لَهُم سر رَسُول الله ﷺ فِي الْحَرْب وَغَيره وَالْإِنْسَان يضيق صَدره عَن سره حَتَّى يفشيه إِلَى غَيره ويستكتمه ثمَّ السَّامع يفشيه إِلَى غَيره حَتَّى يصير ظَاهرا عَن قريب فَلَو كَانَ هُنَا توهم المواطأة لظهر ذَلِك فَالْقَوْل بِأَنَّهُ كَانَ بَينهم مواطأة وانكتم أصلا شبه الْمحَال وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَول من يزْعم أَن الْكفَّار عارضوا الْقُرْآن بِمثلِهِ ثمَّ انكتم ذَلِك فَإِن هَذَا الْكَلَام بالِاتِّفَاقِ بَين الْمُسلمين شبه الْمحَال لِأَن النَّبِي ﵇ تحداهم فِي محافلهم أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن أَو سُورَة مِنْهُ فَلَو قدرُوا على ذَلِك لما أَعرضُوا عَنهُ إِلَى بذل النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَالْحرم فِي غَزَوَاته وَلَو عارضوه بِهِ لما خَفِي ذَلِك فقد كَانَ الْمُشْركُونَ يَوْمئِذٍ أَكثر من الْمُسلمين وَلَو لم يظْهر الْآن فِيمَا بَين الْمُسلمين لظهر فِي ديار الشّرك إِذْ لَا خوف لَهُم وَتلك الْمُعَارضَة حجَّة لَهُم لَو كَانَت وَالْإِنْسَان على نقل الْحجَّة يكون أحرص مِنْهُ على نقل الشُّبْهَة كَيفَ وَقد نقلت كَلَام مسليمة ومخاريق المتنبئين من غير أَن يكون لشَيْء من ذَلِك أصل فَكَمَا تبين بِهَذَا التَّقْرِير انْقِطَاع توهم الْمُعَارضَة وَكَون الْقُرْآن حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا فَكَذَلِك يَنْقَطِع هَذَا التَّوَهُّم فِي الْمُتَوَاتر من الْأَخْبَار
فَإِن قيل لكَونه خلاف الْعَادة أثبتنا علم طمأنينة الْقلب بِهِ وَلكَون الِاتِّفَاق مُتَوَهمًا لم نثبت بِهِ علم الْيَقِين كَمَا ذكرنَا من حَال من رأى آثَار الْمَوْت فِي دَار إِنْسَان وَأخْبر بِمَوْتِهِ
قُلْنَا طمأنينة الْقلب فِي الأَصْل إِنَّمَا تكون بِمَعْرِِفَة حَقِيقَة الشَّيْء فَإِن امْتنع ثُبُوت ذَلِك فِي مَوضِع فَذَلِك لغفلة من النَّاظر حَيْثُ اكْتفى بِالظَّاهِرِ وَلَو تَأمل وجد فِي طلب الْبَاطِن لظهر عِنْده التلبيس وَالْفساد كَمَا يكون فِي حق الْمخبر بِمَوْت الْمَيِّت وَإِنَّمَا تتَحَقَّق هَذِه الْغَفْلَة فِي مَوضِع يكون وَرَاء مَا غَايَته حد آخر بِمَنْزِلَة مَا يرَاهُ النَّائِم فِي مَنَامه فَإِن عِنْده أَن مَا يرَاهُ هُوَ الْحَقِيقَة فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَكِن لما كَانَ وَرَاء هَذَا الْحَد حد آخر للمعرفة فَوْقه وَهُوَ مَا يكون فِي حَالَة الْيَقَظَة فباعتبار هَذِه الْمُقَابلَة يظْهر أَن مَا يرَاهُ فِي النّوم لم يكن مُوجبا للمعرفة حَقِيقَة فَأَما هُنَا لَيْسَ وَرَاء الطُّمَأْنِينَة الثَّابِتَة بِخَبَر التَّوَاتُر حد آخر للْعلم فَوْقه على مَا بَينا أَن الثَّابِت بِخَبَر التَّوَاتُر وَالثَّابِت بالمعاينة فِي وُقُوع الْعلم بِهِ سَوَاء فالموجب للْعلم هُنَا معنى فِي قُوَّة الدَّلِيل وَهُوَ انْقِطَاع
стр. 282
توهم المواطأة وَمثل هَذَا كلما ازْدَادَ الْمَرْء التَّأَمُّل فِيهِ ازْدَادَ يَقِينا فالتشكيك فِيهِ يكون دَلِيل نُقْصَان الْعقل بِمَنْزِلَة التشكيك فِي حقائق الْأَشْيَاء المحسوسة والطمأنينة الَّتِي تكون بِاعْتِبَار كَمَال الْعقل تكون عبارَة عَن معرفَة الشَّيْء حَقِيقَة لَا محَالة
وَبِهَذَا يتَبَيَّن فَسَاد قَوْلهم إِنَّه لَيْسَ فِي الْجَمَاعَة إِلَّا اجْتِمَاع الْأَفْرَاد لِأَن مثل هَذِه الطُّمَأْنِينَة لَا تثبت بِخَبَر الْفَرد وتوهم الْكَذِب فِي ذَلِك الْخَبَر غير خَارج عَن حد الْمُعْتَاد
ثمَّ هَذَا بَاطِل فَإِن الْوَاحِد منا يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم بحروف الهجاء كلهَا وَهل لقَائِل أَن يَقُول لقدرته على ذَلِك يتَوَهَّم مِنْهُ أَن يَأْتِي بِمثل الْقُرْآن فَفِيهِ تِلْكَ الْحُرُوف بِعَينهَا وَكَذَلِكَ الغبي منا يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم بِكُل حِكْمَة من شعر امرىء الْقَيْس وَغَيره ثمَّ لَا يَقُول أحد إِنَّه لقدرته على ذَلِك يقدر على (إنْشَاء) قصيدة مثل تِلْكَ القصيدة وَقد يتَكَلَّم الْإِنْسَان عَن ظن وفراسة فَيُصِيب مرّة ثمَّ لَا يَقُول أحد إِنَّه يُصِيب فِي كل مَا يتَكَلَّم (بِهِ) بِهَذَا الطَّرِيق اعْتِبَارا للجملة بالفرد واتفاق مثل هَذَا الْجمع على الصدْق كَانَ بِجَامِع جمعهم عَلَيْهِ وَهُوَ دُعَاء الدّين والمروءة على الصدْق وَإِنَّمَا تَدعِي انْقِطَاع توهم اتِّفَاقهم مَعَ اخْتِلَاف الطبائع والأهواء من غير جَامع يجمعهُمْ على ذَلِك فَأَما عِنْد وجود الْجَامِع فَهُوَ مُوَافق للمعتاد
فَإِن قيل لَو تَوَاتر الْخَبَر عِنْد القَاضِي بِأَن الَّذِي فِي يَد زيد ملك عَمْرو لم يقْض لَهُ بِالْملكِ بِدُونِ إِقَامَة الْبَيِّنَة وَلَو ثَبت لَهُ علم الْيَقِين بذلك لتمكن من الْقَضَاء بِهِ
قُلْنَا هَذَا أَولا يلْزم الْخصم فَإِنَّهُ يثبت علم طمأنينة الْقلب بِخَبَر التَّوَاتُر وَبِه يتَمَكَّن من الْقَضَاء لِأَن بِشَهَادَة الشَّاهِدين لَا يثبت فَوق ذَلِك
فَأَما عندنَا فَيحْتَمل أَن يُقَال بِأَنَّهُ يقْضِي لِأَنَّهُ مَأْمُور شرعا بِأَن يقْضِي بِالْعلمِ وَيحْتَمل أَن لَا يقْضِي بِمَنْزِلَة مَا لَو صَار مَعْلُوما لَهُ بمعاينة السَّبَب قبل أَن يُقَلّد الْقَضَاء فِيمَا ثَبت مَعَ الشُّبُهَات وَفِيمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ من الْحُدُود الَّتِي هِيَ لله تَعَالَى وَإِن صَار مَعْلُوما لَهُ بَعْدَمَا قلد الْقَضَاء لم يقْض بِهِ مَا لم تشهد
стр. 283
الشُّهُود وَعلم الْيَقِين يثبت لَهُ بمعاينة السَّبَب لَا محَالة أَلا ترى أَن الشَّاهِد لَو قَالَ أخبر لم يجز للْقَاضِي أَن يقْضِي بقوله وَفِيمَا يرجع إِلَى الْعلم لَا فرق بَين قَوْله أشهد وَبَين قَوْله أخبر فَعرفنَا أَن فِي بَاب الْقَضَاء تعْتَبر الشَّرَائِط سوى الْعلم بالشَّيْء ليتَمَكَّن القَاضِي من الْقَضَاء بِهِ
ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد عُلَمَائِنَا أَن الثَّابِت بالمتواتر من الْأَخْبَار علم ضَرُورِيّ كَالثَّابِتِ بالمعاينة
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ الثَّابِت بِهِ علم يَقِين وَلكنه مكتسب لَا ضَرُورِيّ بِمَنْزِلَة مَا يثبت من الْعلم بِالنُّبُوَّةِ عِنْد معرفَة المعجزات فَإِنَّهُ علم يَقِين وَلكنه مكتسب لَا ضَرُورِيّ وَهَذَا لِأَن فِيمَا يكون ضَرُورِيًّا لَا يتَحَقَّق الِاخْتِلَاف فِيمَا بَين النَّاس وَإِذا وجدنَا النَّاس مُخْتَلفين فِي ثُبُوت علم الْيَقِين بالْخبر الْمُتَوَاتر عرفنَا أَنه مكتسب
وَلَكنَّا نقُول هَذَا فَاسد فَإِنَّهُ لَو كَانَ طَرِيق هَذَا الْعلم الِاكْتِسَاب لاختص بِهِ من يكون من أهل الِاكْتِسَاب ورأينا أَنه لَا يخْتَص هَذَا الْعلم بِمن يكون من أهل الِاكْتِسَاب فَكل وَاحِد منا فِي صغره كَانَ يعلم أَبَاهُ وَأمه بالْخبر كَمَا يُعلمهُ بعد الْبلُوغ وَلَو كَانَ طَرِيقه الِاكْتِسَاب لتمكن الْمَرْء من أَن يتْرك هَذَا الِاكْتِسَاب فَلَا يَقع لَهُ الْعلم وبالاتفاق الْعلم الَّذِي يحصل بِخَبَر التَّوَاتُر لَا يتَمَكَّن الْمَرْء من دَفعه بكسب يباشره أَو بالامتناع من اكتسابه فَعرفنَا أَنه ثَابت ضَرُورَة
فَأَما المعجزة فهناك يحْتَاج إِلَى (أَن) تميز المعجزة من المخرقة وتمييز مَا يكون فِي حد مَقْدُور الْبشر مِمَّا يكون خَارِجا من ذَلِك وَلَا طَرِيق إِلَى هَذَا التَّمْيِيز إِلَّا بالاستدلال فَعرفنَا أَن الْعلم الثَّابِت بِهِ طَرِيقه طَرِيق الِاسْتِدْلَال وَقد بَينا أَنه لَا خلاف بَين من لَهُم عقول كَامِلَة فِي الْعلم الْوَاقِع بِخَبَر الْمُتَوَاتر وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف ناشىء من نُقْصَان الْعقل لبَعض النَّاس وَترك التَّأَمُّل وَذَلِكَ دَلِيل وسواس يعتري بعض النَّاس كَمَا يكون فِي الْمَعْلُوم بالحواس وبالاتفاق لَا يعْتَبر هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْلُوم بالحواس وَيكون الْعلم الْوَاقِع بِهِ ضَرُورِيًّا فَكَذَلِك فِي الْمَعْلُوم بِخَبَر التَّوَاتُر
ثمَّ اخْتلف مَشَايِخنَا فِيمَا هُوَ متواتر الْفَرْع آحَاد الأَصْل من الْأَخْبَار وَهُوَ الَّذِي تسميه الْفُقَهَاء فِي حيّز التَّوَاتُر وَالْمَشْهُور من الْأَخْبَار فَكَانَ أَبُو بكر
стр. 284
الرَّازِيّ ﵀ يَقُول هَذَا أحد قسمي الْمُتَوَاتر على معنى أَنه يثبت بِهِ علم الْيَقِين وَلكنه علم اكْتِسَاب كَمَا قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْقسم الآخر وَكَانَ عِيسَى بن أبان ﵀ يَقُول لَا يكون الْمُتَوَاتر إِلَّا مَا يُوجب الْعلم ضَرُورِيًّا فَأَما النَّوْع الثَّانِي فَهُوَ مَشْهُور وَلَيْسَ بمتواتر وَهُوَ الصَّحِيح عندنَا
وَبَيَان هَذَا النَّوْع فِي كل حَدِيث نَقله عَن رَسُول الله ﷺ عدد يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم على الْكَذِب وَلَكِن تَلَقَّتْهُ الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ فباعتبار الأَصْل هُوَ من الْآحَاد وَبِاعْتِبَار الْفَرْع هُوَ متواتر وَذَلِكَ نَحْو خبر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَخبر تَحْرِيم الْمُتْعَة بعد الْإِبَاحَة وَخبر تَحْرِيم نِكَاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وعَلى خَالَتهَا وَخبر حُرْمَة التَّفَاضُل فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة وَمَا أشبه ذَلِك
أما أَبُو بكر الرَّازِيّ كَانَ يَقُول لما تَوَاتر نقل هَذَا الْخَبَر إِلَيْنَا من قوم لَا يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم على الْكَذِب فقد أوجب لنا ذَلِك علم الْيَقِين وَانْقطع بِهِ توهم الِاتِّفَاق فِي الصَّدْر الأول لِأَن الَّذين تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ لَا يتَوَهَّم اتِّفَاقهم على الْقبُول إِلَّا بِجَامِع جمعهم على ذَلِك وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا تعين جَانب الصدْق فِي الَّذين كَانُوا أَهلا من رُوَاته وَلَكِن إِنَّمَا عرفنَا هَذَا بالاستدلال فَلهَذَا سمينا الْعلم الثَّابِت بِهِ مكتسبا وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ بِمَنْزِلَة الْعلم بِمَعْرِِفَة الصَّانِع أَلا ترى أَن النّسخ يثبت بِمثل هَذِه الْأَخْبَار فَإِنَّهُ يثبت بهَا الزِّيَادَة على كتاب الله تَعَالَى وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ وَلَا يثبت نسخ مَا يُوجب علم الْيَقِين إِلَّا بِمثل مَا يُوجب علم الْيَقِين
وَجه قَول عِيسَى أَن مَا يكون مُوجبا علم الْيَقِين فَإِنَّهُ يكفر جاحده كَمَا فِي الْمُتَوَاتر الَّذِي يُوجب الْعلم ضَرُورَة وبالاتفاق لَا يكفر جَاحد الْمَشْهُور من الْأَخْبَار فَعرفنَا أَن الثَّابِت بِهِ علم طمأنينة الْقلب لَا علم الْيَقِين وَهَذَا لِأَنَّهُ وَإِن تَوَاتر نَقله من الْفَرِيق الثَّانِي وَالثَّالِث فقد بَقِي فِيهِ شُبْهَة توهم الْكَذِب عَادَة بِاعْتِبَار الأَصْل فَإِن رُوَاته عدد يسير وَعلم الْيَقِين إِنَّمَا يثبت إِذا اتَّصل بِمن هُوَ مَعْصُوم عَن الْكَذِب على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة الِانْفِصَال وَقد بَقِي هُنَا شُبْهَة الِانْفِصَال بِاعْتِبَار الأَصْل فَيمْنَع ثُبُوت علم الْيَقِين بِهِ يقرره أَن الْعلم الْوَاقِع لنا بِمثل هَذَا النَّقْل إِنَّمَا يكون قبل التَّأَمُّل فِي شُبْهَة الِانْفِصَال فَأَما عِنْد التَّأَمُّل فِي هَذِه الشُّبْهَة يتَمَكَّن نُقْصَان فِيهِ فَعرفنَا أَنه علم طمأنينة فَأَما الْعلم الْوَاقِع بِمَا هُوَ متواتر بِأَصْلِهِ وفرعه فَهُوَ يزْدَاد قُوَّة بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ
стр. 285
ثمَّ قد بَينا أَن التَّفَاوُت يظْهر عِنْد الْمُقَابلَة فَإِذا لم يكن وَرَاء الْقسم الأول حد آخر عرفنَا أَن الثَّابِت بِهِ علم ضَرُورَة وَلما كَانَ وَرَاء الْقسم الثَّانِي حد آخر عرفنَا أَن الثَّابِت بِهِ علم طمأنينة
وَلَكِن مَعَ هَذَا تجوز الزِّيَادَة على النَّص بِهَذَا النَّوْع من الْأَخْبَار لِأَن الْعلمَاء لما تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ كَانَ دَلِيلا مُوجبا فَإِن الْإِجْمَاع من الْعَصْر الثَّانِي وَالثَّالِث دَلِيل مُوجب شرعا فَلهَذَا جَوَّزنَا بِهِ الزِّيَادَة على النَّص وَلَكِن مَعَ هَذَا بَقِي فِيهِ شُبْهَة توهم الِانْفِصَال فَلَا يكفر جاحده وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير مَا تقدم بَيَانه فَإِن الْعلم بِكَوْن الْمَسِيح ﵇ مَبْعُوثًا إِلَى بني إِسْرَائِيل ثَابت بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر أصلا وفرعا على وَجه لم يبْق فِيهِ توهم الشُّبْهَة لأحد ثمَّ بنقلهم الْمُتَوَاتر أَنه قتل أَو صلب لَا يثبت الْعلم لِأَن ذَلِك آحَاد الأَصْل متواتر الْفَرْع كَمَا قَررنَا
فَإِن قيل (فَكَانَ يَنْبَغِي) أَن يثبت بِهِ طمأنينة الْقلب كَمَا أثبتم هُنَا
قُلْنَا إِنَّمَا لم نثبت لِأَنَّهُ اعْترض مَا هُوَ أقوى مِنْهُ فِيمَا يرجع إِلَى الْعلم وَهُوَ إِخْبَار علام الغيوب بِأَنَّهُم مَا قَتَلُوهُ يَقِينا والحجج الَّتِي تثبت بهَا طمأنينة الْقلب إِذا اعْترض عَلَيْهَا مَا هُوَ أقوى لم يبْق علم طمأنينة الْقلب بهَا
ثمَّ ذكر عِيسَى ﵀ أَن هَذَا النَّوْع من الْأَخْبَار يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام قسم يضلل جاحده وَلَا يكفر وَذَلِكَ نَحْو خبر الرَّجْم وَقسم لَا يضلل جاحده وَلَكِن يخطأ ويخشى عَلَيْهِ المأثم وَذَلِكَ نَحْو خبر الْمسْح بالخف وَخبر حُرْمَة التَّفَاضُل وَقسم لَا يخْشَى على جاحده المأثم وَلَكِن يخطأ فِي ذَلِك وَهُوَ الْأَخْبَار الَّتِي اخْتلف فِيهَا الْفُقَهَاء فِي بَاب الْأَحْكَام
وَهَذَا الَّذِي قَالَه صَحِيح بِنَاؤُه على تلقي الْعلمَاء إِيَّاه بِالْقبُولِ ثمَّ الْعَمَل بِمُوجبِه فَإِن خبر الرَّجْم اتّفق عَلَيْهِ الْعلمَاء من الصَّدْر الأول وَالثَّانِي وَإِنَّمَا خَالف فِيهِ الْخَوَارِج وخلافهم لَا يكون قدحا فِي الْإِجْمَاع وَلِهَذَا قَالَ يضلل جاحده
فَأَما خبر الْمسْح فَفِيهِ شُبْهَة الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول فَإِن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس ﵃ كَانَا يَقُولَانِ سلوا هَؤُلَاءِ الَّذين يرَوْنَ الْمسْح هَل مسح رَسُول الله ﷺ بعد سُورَة الْمَائِدَة وَالله مَا مسح رَسُول الله ﷺ بعد سُورَة الْمَائِدَة وَقد
стр. 286
نقل رجوعهما عَن ذَلِك أَيْضا وَكَذَلِكَ خبر الصّرْف فقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه كَانَ يجوز التَّفَاضُل مستدلا بقوله ﷺ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة وَقد نقل رُجُوعه عَن ذَلِك فلشبهة الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يضلل جاحده وَلَكِن يخْشَى عَلَيْهِ المأثم وَلِأَن بِاعْتِبَار رجوعهم يثبت الْإِجْمَاع (وَقد ثَبت الْإِجْمَاع) على قبُوله من الصَّدْر الثَّانِي وَالثَّالِث وَلَا يسع مُخَالفَة الْإِجْمَاع فَلهَذَا يخْشَى على جاحده المأثم
وَأما النَّوْع الثَّالِث فقد ظهر فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي كل قرن فَكل من ترجح عِنْده جَانب الصدْق فِيهِ بِدَلِيل عمل بِهِ وَكَانَ لَهُ أَن يخطىء صَاحبه وَلَكِن لَا يخْشَى عَلَيْهِ المأثم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ صَار إِلَيْهِ عَن اجْتِهَاد وَالْإِثْم فِي الْخَطَأ مَوْضُوع عَن الْمُجْتَهد على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما الْغَرِيب المستنكر فَإِنَّهُ يخْشَى المأثم على الْعَامِل بِهِ وَذَلِكَ نَحْو خبر الْقَتْل فِي الْقسَامَة وَخبر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ مُخَالف لظَاهِر الْقُرْآن وَقد ترك الْعلمَاء فِي الْقرن الأول وَالثَّانِي الْعَمَل بِهِ فبه يقرب من الْكَذِب كَمَا أَن الْمَشْهُور يقرب من الصدْق بتلقيهم إِيَّاه بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ فَكَمَا يخْشَى المأثم هُنَاكَ على ترك الْعَمَل بِهِ لقُرْبه من الصدْق فَكَذَلِك يخْشَى على من يعْمل بالغريب المستنكر لقُرْبه من الْكَذِب وَالثَّابِت بِمثلِهِ مُجَرّد الظَّن وَمن الظَّن مَا يَأْثَم الْمَرْء باتباعه قَالَ تَعَالَى ﴿وظننتم ظن السوء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن بعض الظَّن إِثْم﴾ وَهُوَ نَظِير من يصير إِلَى التَّحَرِّي عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة فَيعْمل بِهِ مَعَ وجود الدَّلِيل وَيتْرك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَلَا شكّ فِي تأثيم من يدع الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَيعْمل بِالظَّنِّ فَهَذَا مثله وَالله أعلم
ذكر عِيسَى ﵀ أَنه لَيْسَ لما ينْعَقد بِهِ التَّوَاتُر حد مَعْلُوم من حَيْثُ الْعدَد وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن خبر التَّوَاتُر يثبت علم الْيَقِين وَلَا يُوجد حد من حَيْثُ الْعدَد يثبت بِهِ علم الْيَقِين وَإِذا انْتقصَ مِنْهُ بفرد لَا يثبت علم الْيَقِين
وَلَكنَّا نعلم أَن بِالْعدَدِ الْيَسِير لَا يثبت ذَلِك لتوهم المواطأة بَينهم وبالجمع الْعَظِيم يثبت ذَلِك لِانْعِدَامِ توهم
стр. 287
المواطأة فَإِنَّمَا يَبْنِي على هَذَا أَنه مَتى كَانَ المخبرون بِحَيْثُ يُؤمن تواطؤهم عَادَة يكون خبرهم متواترا
وَالْحُدُود نَوْعَانِ مِنْهُ مَا يكون متميز الْأَطْرَاف وَالْوسط كالمقادير فِي الْحُدُود الشَّرْعِيَّة وَمِنْه مَا يكون متميز الْأَطْرَاف مُشكل الْوسط كالسير بالأميال وَالْأكل بالأرطال
فَهَذَا مِمَّا هُوَ متميز الْأَطْرَاف مُشكل الْوسط وَالطَّرِيق فِيهِ مَا بَينا
فصل فِي بَيَان أَن إِجْمَاع هَذِه الْأمة مُوجب للْعلم
قَالَ ﵁ اعْلَم أَن إِجْمَاع هَذِه الْأمة مُوجب للْعلم قطعا كَرَامَة لَهُم على الدّين لَا لانْقِطَاع توهم اجْتِمَاعهم على الضلال بِمَعْنى مَعْقُول فاليهود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس أَكثر منا عددا وَقد وجد مِنْهُم الْإِجْمَاع على الضَّلَالَة وَلِأَن الِاتِّفَاق قد يتَحَقَّق من الْخلف على وَجه الْمُتَابَعَة للآباء من غير حجَّة كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن الْكَفَرَة بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا جعل اجْتِمَاع هَذِه الْأمة حجَّة شرعا كَرَامَة لَهُم على الدّين
فَهَذَا مَذْهَب الْفُقَهَاء وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين
وَقَالَ النظام وَقوم من الإمامية لَا يكون الْإِجْمَاع حجَّة مُوجبَة للْعلم بِحَال لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا اجْتِمَاع الْأَفْرَاد وَإِذا كَانَ قَول كل فَرد غير مُوجب للْعلم لكَونه غير مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَكَذَلِك أقاويلهم بَعْدَمَا اجْتَمعُوا لِأَن توهم الْخَطَأ لَا يَنْعَدِم بالاجتماع أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُم لما كَانَ إنْسَانا قبل الِاجْتِمَاع فَبعد الِاجْتِمَاع هم نَاس وكل وَاحِد من القادرين حَالَة الِانْفِرَاد لَا يصير عَاجِزا بعد الِاجْتِمَاع وكل وَاحِد من العميان عِنْد الِانْفِرَاد لَا يصير بَصيرًا بالاجتماع وَلَا تصير جُمْلَتهمْ أَيْضا بِهَذِهِ الصّفة بعد الِاجْتِمَاع
وَهَذَا الْكَلَام ظَاهر التَّنَاقُض وَالْفساد فقد ثَبت بالاجتماع مَا لَا يكون ثَابتا عِنْد الِانْفِرَاد فِي المحسوسات والمشروعات فَإِن الْأَفْرَاد لَا يقدرُونَ على حمل خَشَبَة ثَقيلَة وَإِذا اجْتَمعُوا قدرُوا على ذَلِك واللقمة الْوَاحِدَة من الطَّعَام والقطرة من المَاء لَا تكون مشبعة وَلَا مروية ثمَّ عِنْد الِاجْتِمَاع تصير مشبعة ومروية وَهَذَا لِأَن بالاجتماع يحدث مَا لم يكن عِنْد الِانْفِرَاد وَهُوَ الدَّلِيل الْجَامِع لَهُم على
стр. 288
مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَقد قَررنَا هَذَا فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَمن أنكر كَون الْإِجْمَاع حجَّة مُوجبَة للْعلم فقد أبطل أصل الدّين فَإِن مدَار أصُول الدّين ومرجع الْمُسلمين إِلَى إِجْمَاعهم فالمنكر لذَلِك يسْعَى فِي هدم أصل الدّين
وسنقرر هَذَا فِي آخر الْفَصْل
ثمَّ الدَّلِيل على أَن الْإِجْمَاع من هَذِه الْأمة حجَّة مُوجبَة شرعا وَأَنَّهُمْ إِذا اجْتَمعُوا على شَيْء فَالْحق فِيمَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ قطعا وَإِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء فَالْحق لَا يعدوهم أصلا الْكتاب وَالسّنة
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ وَكلمَة خير بِمَعْنى أفعل فَيدل على النِّهَايَة فِي الْخَيْرِيَّة وَذَلِكَ دَلِيل ظَاهر على أَن النِّهَايَة فِي الْخَيْرِيَّة فِيمَا يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ ثمَّ فسر ذَلِك بِأَنَّهُم يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَإِنَّمَا جعلهم خير أمة بِهَذَا وَالْمَعْرُوف الْمُطلق مَا هُوَ حق عِنْد الله تَعَالَى فَأَما مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُ غير مَعْرُوف مُطلقًا إِذْ الْمُجْتَهد يخطىء ويصيب وَلكنه مَعْرُوف فِي حَقه على معنى أَنه يلْزمه الْعَمَل بِهِ مَا لم يتَبَيَّن خَطؤُهُ فَفِي هَذَا بَيَان أَن الْمَعْرُوف الْمُطلق مَا يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ
فَإِن قيل هَذَا يَقْتَضِي كَون كل وَاحِد مِنْهُم آمرا بِالْمَعْرُوفِ كَمَا ذكرنَا فِي مُوجب الْجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة وبالإجماع اجْتِهَاد كل وَاحِد مِنْهُم بِانْفِرَادِهِ لَا يكون مُوجبا للْعلم قطعا
قُلْنَا لَا بل المُرَاد هُنَا أَن جَمِيع الْأمة أَو أَكْثَرهم بِهَذِهِ الصّفة وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك﴾
﴿وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا﴾ وَكَانَ ذَلِك من بَعضهم
وَيُقَال فِي بذلة الْكَلَام بَنو هَاشم حكماء وَأهل الْكُوفَة فُقَهَاء وَإِنَّمَا يُرَاد بَعضهم فيتبين بِهَذَا التَّحْقِيق أَن المُرَاد بَيَان أَن الْأَكْثَر من هَذِه الْأمة إِذا اجْتَمعُوا على شَيْء فَهُوَ الْمَعْرُوف مُطلقًا وَأَنَّهُمْ إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء فالمعروف الْمُطلق لَا يعدو أَقْوَالهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة فقد جعل الله اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ بِمَنْزِلَة مشاقة الرَّسُول فِي استيجاب النَّار
ثمَّ قَول الرَّسُول مُوجب للْعلم قطعا فَكَذَلِك مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا يجوز أَن يُقَال المُرَاد اجْتِمَاع الخصلتين لِأَن فِي ذكرهمَا دَلِيلا على أَن تَأْثِير أَحدهمَا كتأثير الآخر بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾
стр. 289
إِلَى قَوْله ﴿وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما﴾ وأيد هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة﴾ فَفِي هَذَا تنصيص على أَن من اتخذ وليجة من دون الْمُؤمنِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة من اتخذ وليجة من دون الرَّسُول
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم﴾ وَفِيه تنصيص على أَن المرضي عِنْد الله مَا هم عَلَيْهِ حَقِيقَة وَمَعْلُوم أَن الارتضاء مُطلقًا لَا يكون بالْخَطَأ وَإِن كَانَ المخطىء مَعْذُورًا وَإِنَّمَا يكون بِمَا هُوَ الصَّوَاب فَعرفنَا أَن الْحق مُطلقًا فِيمَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَالْوسط الْعدْل المرضي قَالَ تَعَالَى ﴿أوسطهم﴾ أَي أعدلهم وأرضاهم قولا وَقَالَ الْقَائِل هم وسط يرضى الْأَنَام بحكمهم أَي عدل فَفِي الْوَصْف لَهُم بِالْعَدَالَةِ تنصيص على أَن الْحق مَا يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ ثمَّ جعلهم شُهَدَاء على النَّاس وَالشَّاهِد مُطلقًا من يكون قَوْله حجَّة فَفِي هَذَا بَيَان أَن إِجْمَاعهم حجَّة على النَّاس وَأَنه مُوجب للْعلم قطعا وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول الشُّهُود فِي الْحُقُوق عِنْد القَاضِي وَإِن جعلت شَهَادَتهم حجَّة فَإِنَّهَا لَا تكون مُوجبَة للْعلم قطعا وَهَذَا لِأَن شَهَادَتهم حجَّة فِي حق القَاضِي بِاعْتِبَار أَنه مَأْمُور بِالْقضَاءِ بِالظَّاهِرِ فَإِن مَا وَرَاءه غيب عَنهُ وَلَا طَرِيق لَهُ إِلَى مَعْرفَته فَيكون حجَّة بِحَسب ذَلِك وَأما هُنَا فقد جعل الله تَعَالَى هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس بِمَا هُوَ حق الله تَعَالَى (على النَّاس وَهُوَ علام الغيوب لَا تخفى عَلَيْهِ خافية فَإِن مَا يكون حجَّة لحق الله تَعَالَى) على النَّاس مَا يكون مَوْصُوفا بِأَنَّهُ حق قطعا كَيفَ وَقد جعل الله شَهَادَتهم على النَّاس كَشَهَادَة الرَّسُول عَلَيْهِم فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ وَشَهَادَة الرَّسُول حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا لِأَنَّهُ مَعْصُوم عَن القَوْل بِالْبَاطِلِ فَتبين بِهَذِهِ الْمُقَابلَة أَن شَهَادَة الْأمة فِي حق النَّاس بِهَذِهِ الصّفة وَلَا يجوز أَن يُقَال هَذَا فِي حكم الْآخِرَة لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيل فِي الْآيَة وَلِأَن مَا فِي الْآخِرَة يكون أَدَاء الشَّهَادَة فِي مجْلِس الْقَضَاء وَالْقَاضِي علام الغيوب عَالم بحقائق الْأُمُور فَمَا لم يَكُونُوا عَالمين بِمَا هُوَ الْحق فِي الدُّنْيَا لَا يصلحون للْأَدَاء بِهَذِهِ الصّفة فِي الْآخِرَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ﴾ مَعَ أَن الشَّهَادَة فِي الْآخِرَة مَذْكُورَة
стр. 290
فِي الْآيَتَيْنِ من كتاب الله تَعَالَى ﴿شَهِيدا﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْم نبعث من كل أمة شَهِيدا﴾ الْآيَة فَتبين أَن المُرَاد بِمَا تلونا الشَّهَادَة بِحُقُوق الله تَعَالَى على النَّاس فِي الدُّنْيَا
وَلَا يُقَال كَمَا وصف الله هَذِه الْأمة بِأَنَّهُم شُهَدَاء فقد وصف بِهِ أهل الْكتاب قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لم تصدُّونَ عَن سَبِيل الله من آمن تَبْغُونَهَا عوجا وَأَنْتُم شُهَدَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ ثمَّ لم يدل ذَلِك على أَن إِجْمَاعهم مُوجب للْعلم وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا جعلهم شُهَدَاء بِمَا أَخذ الْمِيثَاق بِهِ عَلَيْهِم وَهُوَ بَيَان نعت رَسُول الله ﷺ من كِتَابهمْ للنَّاس كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه﴾ الْآيَة وَلَو بينوا كَانَ بيانهم حجَّة إِلَّا أَنهم لما تعنتوا وَاشْتَغلُوا بِالْحَسَدِ وَطلب الرياسة كفرُوا بذلك وَإِنَّمَا سماهم أهل الْكتاب بِاعْتِبَار مَا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل وَلذَلِك جعلهم شُهَدَاء على حفظ الْكتاب فَمَا لم يبدلوا كَانَ قَوْلهم حجَّة وَلَكنهُمْ حرفوا وغيروا ذَلِك فَلهَذَا لَا يكون قَوْلهم حجَّة فَأَما هُنَا فقد جعل الله هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس فَعرفنَا أَن قَوْلهم حجَّة فِي إِلْزَام حُقُوق الله على النَّاس إِلَى قيام السَّاعَة
وَلَا يُقَال فقد ثَبت حق الله بِمَا لَا يُوجب الْعلم قطعا نَحْو خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَهَذَا لِأَن خبر الْوَاحِد حجَّة بِاعْتِبَار أَنه كَلَام رَسُول الله ﷺ وَقَوله حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا وَلَكِن امْتنع ثُبُوت الْعلم بِهِ لشُبْهَة فِي النَّقْل وَاحْتمل ذَلِك لضَرُورَة فَقدنَا رَسُول الله ﷺ وَالْقِيَاس لَا يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء بل بتعدية الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ إِلَى مَحل لَا نَص فِيهِ وَاحْتمل ذَلِك لضَرُورَة حاجتنا إِلَى ذَلِك فَأَما هُنَا فقد جعل الله تَعَالَى الْأمة شُهَدَاء على النَّاس مُطلقًا وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا إِذا كَانَ الْحق مُطلقًا فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ
فَإِن قيل وصف الله تَعَالَى إيَّاهُم بِهَذَا لَا يكون دَلِيلا على أَنه لَا يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم على مَا هُوَ ضَلَالَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَفِيهِ بَيَان أَنه خلقهمْ لِلْعِبَادَةِ ثمَّ لَا يمْنَع ذَلِك توهم اجْتِمَاعهم على ترك الْعِبَادَة
قُلْنَا اللَّام الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليكونوا﴾
стр. 291
﴿ليكونوا﴾ يدل على أَنه جعلهم بِهَذِهِ الصّفة كَرَامَة لَهُم ليَكُون قَوْلهم حجَّة على النَّاس فِي حق الله كَمَا يَقُول إِنَّه جعل النَّاس أحرارا ليكونوا أَهلا للْملك فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ أَن الْأَهْلِيَّة للْملك ثَابت لَهُم بِاعْتِبَار الْحُرِّيَّة فهاهنا أَيْضا يفهم من الْآيَة أَن قَوْلهم حجَّة على النَّاس بِاعْتِبَار صفة الوساطة لَهُم وَهَكَذَا كَانَ يَقْتَضِي ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا ليعبدون﴾ غير أَنا لَو حملنَا على هَذَا الظَّاهِر خرجت الْعِبَادَة من أَن ينالها ثَوَاب أَو عِقَاب بِتَرْكِهَا لِأَن ذَلِك يثبت بِاخْتِيَار يكون من العَبْد عِنْد الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَعرفنَا أَن المُرَاد من قَوْله ﴿إِلَّا ليعبدون﴾ إِلَّا وَعَلَيْهِم الْعِبَادَة لي
وَبِأَن بترك الظَّاهِر فِي مَوضِع لقِيَام الدَّلِيل لَا يمْنَع الْعَمَل بِالظَّاهِرِ فِيمَا سواهُ وَتبين أَن مَا نَحن فِيهِ نَظِير شَهَادَة الرَّسُول علينا كَمَا ذكره الله مَعْطُوفًا على هَذِه الصّفة لَا نَظِير مَا اسْتشْهدُوا بِهِ
وَأما السّنة فقد جَاءَت مستفيضة مَشْهُورَة فِي ذَلِك فَمِنْهَا حَدِيث عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سره بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أبعد وَمِنْهَا حَدِيث معَاذ ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل لله تَعَالَى ومناصحة وُلَاة الْأَمر وَلُزُوم جمَاعَة المسلمينومنها قَوْله ﷺ يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة فَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار وَقَالَ ﵇ من خَالف الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه وَقَالَ ﵇ إِن الله لَا يجمع أمتِي على الضَّلَالَة وَلما سُئِلَ عَن الخميرة الَّتِي يتعاطاها النَّاس قَالَ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ قبيحا فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة تبلغ حد التَّوَاتُر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم إِذا رُوِيَ حَدِيثا فِي هَذَا الْبَاب سَمعه فِي جمع وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من ذَلِك الْجمع فَذَلِك بِمَنْزِلَة الْمُتَوَاتر كالإنسان إِذا رأى الْقَافِلَة بعد انصرافها من مَكَّة وَسمع من كل فريق وَاحِدًا يَقُول قد حجَجنَا فَإِنَّهُ يثبت لَهُ علم الْيَقِين بِأَنَّهُم حجُّوا فِي تِلْكَ السّنة
стр. 292
وَشَيْء من الْمَعْقُول يشْهد بِهِ فَإِن الله تَعَالَى جعل الرَّسُول خَاتم النَّبِيين وَحكم بِبَقَاء شَرِيعَته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنه لَا نَبِي بعده وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي على الْحق ظَاهِرين لَا يضرهم من ناوأهم فَلَا بُد من أَن تكون شَرِيعَته ظَاهِرَة فِي النَّاس إِلَى قيام السَّاعَة وَقد انْقَطع الْوَحْي بوفاته فَعرفنَا ضَرُورَة أَن طَرِيق بَقَاء شَرِيعَته عصمَة الله أمته من أَن يجتمعوا على الضَّلَالَة فَإِن فِي الِاجْتِمَاع على الضَّلَالَة رفع الشَّرِيعَة وَذَلِكَ يضاد الْمَوْعُود من الْبَقَاء وَإِذا ثَبت عصمَة جَمِيع الْأمة من الِاجْتِمَاع على الضَّلَالَة ضاهى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ المسموع من رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ مُوجب للْعلم قطعا فَهَذَا مثله
وَهَذَا معنى مَا قُلْنَا إِن عِنْد الِاجْتِمَاع يحدث مَا لم يكن ثَابتا بالأفراد وَهُوَ نَظِير القَاضِي إِذا نفذ قَضَاء بِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ يلْزم ذَلِك على وَجه لَا يحْتَمل النَّقْض وَإِن كَانَ ذَلِك فَوق الِاجْتِهَاد وَكَانَ ذَلِك لصيانة الْقَضَاء الَّذِي هُوَ من أَسبَاب الدّين فَلِأَن يثبت هُنَا مَا ادعينا صِيَانة لأصل الَّذين كَانَ أولى
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس وَقَالَ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الأَرْض الله قُلْنَا فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث نظر هُوَ فِي الظَّاهِر مُخَالف لكتاب الله ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ وَمن كَانَ الله وليه فَهُوَ ظَاهر أبدا وَمعنى قَوْله يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور أَي من ظلمات الْكفْر وَالْبَاطِل إِلَى نور الْإِيمَان وَالْحق فَذَلِك دَلِيل على أَن الْحق مَا يتفقون عَلَيْهِ فِي كل وَقت وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته﴾ الْآيَة وَلَو ثَبت الحَدِيث فَالْمُرَاد بَيَان أَن أهل الشَّرّ يغلبُونَ فِي آخر الزَّمَان مَعَ بَقَاء الصَّالِحين المتمسكين بِالْحَقِّ فيهم وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ الآخر بَيَان الْحَال بَين نفخة الْفَزع ونفخة الْبَعْث فَإِن قيام السَّاعَة عِنْد نفخة الْبَعْث وَعند ذَلِك لم يبْق فِي الأَرْض من بني آدم أحد حَيا
ثمَّ الْكَلَام بعد هَذَا فِي سَبَب الْإِجْمَاع وركنه وأهلية من ينْعَقد بِهِ الْإِجْمَاع وَشَرطه وَحكمه
من الْكتاب وَالسّنة
أما الْكتاب فنحو الْإِجْمَاع على حُرْمَة الْأُمَّهَات وَالْبَنَات سَببه قَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم﴾ وَأما من حَيْثُ السّنة فنحو الْإِجْمَاع على
стр. 293
فصل السَّبَب
قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن سَبَب الْإِجْمَاع قد يكون توقيفا أَن فِي الْيَدَيْنِ الدِّيَة وَفِي إِحْدَاهمَا نصف الدِّيَة وَالْإِجْمَاع على أَنه لَا يجوز بيع الطَّعَام المُشْتَرِي قبل الْقَبْض وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن سَببه السّنة المروية فِي الْبَاب
وَمن ذَلِك مَا يكون مستنبطا بِالِاجْتِهَادِ على مَا هُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ من الْكتاب أَو السّنة وَذَلِكَ نَحْو إِجْمَاعهم على توظيف الْخراج على أهل السوَاد فَإِن عمر ﵁ حِين أَرَادَ ذَلِك خَالفه بِلَال مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابه حَتَّى تَلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ﴾ قَالَ أرى لمن بعدكم فِي هَذَا الْفَيْء نَصِيبا فَلَو قسمتهَا بَيْنكُم لم يبْق لمن بعدكم فِيهَا نصيب
فَأَجْمعُوا على قَوْله وَسبب إِجْمَاعهم هَذَا الاستنباط
وَلما اخْتلفُوا فِي الْخَلِيفَة بعد رَسُول الله ﵇ قَالَ عمر إِن رَسُول الله اخْتَار أَبَا بكر لأمر دينكُمْ فَيكون أرضني بِهِ لأمر دنياكم
فَأَجْمعُوا على خِلَافَته وَسبب إِجْمَاعهم هَذَا الاستنباط
وَمِنْهَا مَا يكون عَن رَأْي نَحْو إِجْمَاعهم على أجل الْعنين وإجماعهم على الْحَد على شَارِب الْخمر على مَا رُوِيَ أَن عمر ﵁ لما شاورهم فِي ذَلِك قَالَ عَليّ إِنَّه إِذا شرب هذي وَإِذا هذي افترى وحد المفترين فِي كتاب الله ثَمَانُون جلدَة
وَهَكَذَا قَالَه ابْن عَوْف
وَكَانَ عَليّ يَقُول مَا من أحد أقيم عَلَيْهِ حدا فَيَمُوت فأجد من ذَلِك فِي نَفسِي شَيْئا إِلَّا حد الْخمر فَإِنَّهُ ثَبت بآرائنا
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَإِثْبَات الْحَد بِالرَّأْيِ لَا يكون قُلْنَا لَا نقُول إِثْبَات أصل الْحَد كَانَ بِالرَّأْيِ بل بِالسنةِ وَهُوَ مَا ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِالضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنعال فِي شرب الْخمر إِلَّا أَنهم بالتفحص عرفُوا مِقْدَار مَا ضرب فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ أَن الَّذين كَانُوا عِنْد رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ أَرْبَعُونَ نَفرا وَضرب كل وَاحِد بنعليه فنقلوا بِالرَّأْيِ من النِّعَال إِلَى الجلدات اسْتِدْلَالا بِحَدّ الْقَذْف وأثبتوا الْمِقْدَار بِالنَّصِّ فَأَجْمعُوا أَن حد الْخمر ثَمَانُون جلدَة
стр. 294
وَكَانَ ابْن جرير ﵀ يَقُول الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم قطعا لَا يصدر عَن خبر الْوَاحِد وَلَا عَن قِيَاس لِأَن خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس لَا يُوجب الْعلم قطعا فَمَا يصدر عَنهُ كَيفَ يكون مُوجبا لذَلِك وَلِأَن النَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي الْقيَاس هَل هُوَ حجَّة أم لَا فَكيف يصدر الْإِجْمَاع عَن نفس الْخلاف وَهَذَا غلط بَين فقد بَينا أَن إِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة شرعا بِاعْتِبَار عينه لَا بِاعْتِبَار دَلِيله فَمن يَقُول بِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا صادرا عَن دَلِيل مُوجب للْعلم فَإِنَّهُ يَجْعَل الْإِجْمَاع لَغوا وَإِنَّمَا يثبت الْعلم بذلك الدَّلِيل فَهُوَ وَمن يُنكر كَون الْإِجْمَاع حجَّة أصلا سَوَاء وَخبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَإِن لم يكن مُوجبا للْعلم بِنَفسِهِ فَإِذا تأيد بِالْإِجْمَاع فَذَلِك يضاهي مَا لَو تأيد بِآيَة من كتاب الله أَو بِالْعرضِ على رَسُول الله ﷺ والتقرير مِنْهُ على ذَلِك فَيصير مُوجبا للْعلم من هَذَا الطَّرِيق قطعا وَقد كَانَ فِي الصَّدْر الأول اتِّفَاق على اسْتِعْمَال الْقيَاس وَكَونه حجَّة على مَا نبينه وَإِنَّمَا أظهر الْخلاف بعض أهل الْكَلَام مِمَّن لَا نظر لَهُ فِي الْفِقْه وَبَعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن لَا علم لَهُ بِحَقِيقَة الْأَحْكَام وَأُولَئِكَ لَا يعْتد بخلافهم وَلَا يؤنس بوفاقهم
ثمَّ الْإِجْمَاع الثَّابِت بِهَذِهِ الْأَسْبَاب يثبت انْتِقَاله إِلَيْنَا بِالطَّرِيقِ الَّذِي يثبت بِهِ انْتِقَال السّنة المروية عَن رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ (تَارَة) يكون بالتواتر وَتارَة بالاشتهار وَتارَة بالآحاد وَذَلِكَ نَحْو مَا يرْوى عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ مَا اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على شَيْء كاجتماعهم على الْمُحَافظَة على الْأَرْبَع قبل الظّهْر وعَلى الْإِسْفَار بِالْفَجْرِ وعَلى تَحْرِيم نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ فِي تَكْبِيرَات الْجِنَازَة كل ذَلِك قد كَانَ وَقد رَأَيْت أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يكبرُونَ عَلَيْهَا أَرْبعا
وَمن النَّاس من أنكر ثُبُوت الْإِجْمَاع بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن الْإِجْمَاع يُوجب الْعلم قطعا وَخبر الْوَاحِد لَا يُوجب ذَلِك وَهَذَا خطأ بَين فَإِن قَول رَسُول الله ﷺ مُوجب للْعلم أَيْضا ثمَّ يجوز أَن يثبت ذَلِك بِالنَّقْلِ
стр. 295
بطرِيق الْآحَاد على أَن يكون مُوجبا للْعَمَل دون الْعلم فَكَذَلِك الْإِجْمَاع يجوز أَن يثبت بِالنَّقْلِ بطرِيق الْآحَاد على أَن يكون مُوجبا الْعَمَل
وسنقرر هَذَا فِي بَيَان الحكم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل الرُّكْن
ركن الْإِجْمَاع نَوْعَانِ الْعَزِيمَة والرخصة فالعزيمة هُوَ اتِّفَاق الْكل على الحكم بقول سمع مِنْهُم أَو مُبَاشرَة الْفِعْل فِيمَا يكون من بَابه على وَجه يكون ذَلِك مَوْجُودا من الْعَام وَالْخَاص فِيمَا يَسْتَوِي الْكل فِي الْحَاجة إِلَى مَعْرفَته لعُمُوم الْبلوى فِيهِ كتحريم الزِّنَا والربا وَتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَأَشْبَاه ذَلِك ويشترك فِيهِ جَمِيع عُلَمَاء الْعَصْر وَفِيمَا لَا يحْتَاج الْعَام إِلَى مَعْرفَته لعدم الْبلوى الْعَام بهم فِيهِ كَحُرْمَةِ الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها وفرائض الصَّدقَات وَمَا يجب فِي الزروع وَالثِّمَار وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذَا لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ أَصله فَإِنَّمَا يقوم أصل الْإِجْمَاع فِي النَّوْعَيْنِ بِهَذَا
وَأما الرُّخْصَة وَهُوَ أَن ينتشر القَوْل من بعض عُلَمَاء أهل الْعَصْر ويسكت الْبَاقُونَ عَن إِظْهَار الْخلاف وَعَن الرَّد على الْقَائِلين بعد عرض الْفَتْوَى عَلَيْهِم أَو صَيْرُورَته مَعْلُوما لَهُم بالانتشار والظهور فالإجماع يثبت بِهِ عندنَا
وَمن الْعلمَاء من يَقُول بِهَذَا الطَّرِيق لَا يثبت الْإِجْمَاع
ويحكى عَن الشَّافِعِي ﵀ أَنه كَانَ يَقُول إِن ظهر القَوْل من أَكثر الْعلمَاء والساكتون نفر يسير مِنْهُم يثبت بِهِ الْإِجْمَاع وَإِن انْتَشَر القَوْل من وَاحِد أَو اثْنَيْنِ والساكتون أَكثر عُلَمَاء الْعَصْر لَا يثبت بِهِ الْإِجْمَاع
وَجه قَوْلهم إِن السُّكُوت مُحْتَمل قد يكون للموافقة وَقد يكون للمهابة والتقية مَعَ إِضْمَار الْخلاف والمحتمل لَا يكون حجَّة خُصُوصا فِيمَا يُوجب الْعلم قطعا أَلا ترى أَن فِيمَا هُوَ مُخْتَلف فِيهِ السُّكُوت لَا يكون دَلِيلا على شَيْء لكَونه مُحْتملا
ويستدلون على صِحَة هَذِه الْقَاعِدَة بِمَا رُوِيَ أَن عمر ﵁ لما شاور الصَّحَابَة فِي مَال فضل
стр. 296
عِنْده للْمُسلمين فأشاروا عَلَيْهِ بِتَأْخِير الْقِسْمَة والإمساك إِلَى وَقت الْحَاجة وَعلي ﵁ فِي الْقَوْم سَاكِت فَقَالَ لَهُ مَا تَقول يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ لم تجْعَل يقينك شكا وعلمك جهلا أرى أَن تقسم ذَلِك بَين الْمُسلمين وروى فِيهِ حَدِيثا فَهُوَ لم يَجْعَل سُكُوته دَلِيل الْمُوَافقَة لَهُم حَتَّى سَأَلَهُ واستخار عَليّ ﵁ السُّكُوت مَعَ كَون الْحق عِنْده فِي خلافهم
وَلما شاور عمر الصَّحَابَة فِي إملاص المغيبة الَّتِي بعث بهَا فَفَزِعت فَقَالُوا إِنَّمَا أَنْت مؤدب وَمَا أردْت إِلَّا الْخَيْر فَلَا شَيْء عَلَيْك وَعلي ﵁ فِي الْقَوْم سَاكِت فَقَالَ مَا تَقول يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ إِن كَانَ هَذَا جهد رَأْيهمْ فقد أخطؤوا وَإِن قاربوك فقد غشوك أرى عَلَيْك الْغرَّة
فَقَالَ أَنْت صدقتني
فقد استخار السُّكُوت مَعَ إِضْمَار الْخلاف وَلم يَجْعَل عمر سُكُوته دَلِيل الْمُوَافقَة حَتَّى استنطقه
وَلما بَين ابْن عَبَّاس حجَّته فِي مَسْأَلَة الْعَوْل للصحابة قَالُوا لَهُ هلا قلت هَذَا لعمر فَقَالَ كَانَ رجلا مهيبا فهبته وَفِي رِوَايَة مَنَعَنِي درته من ذَلِك
وَكَانَ عِيسَى بن أبان يَقُول ترك النكير لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة بِدَلِيل حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ حِين قَالَ أقصرت الصَّلَاة أم نسيتهَا يَا رَسُول الله فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى أبي بكر وَعمر وَقَالَ أَحَق مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ وَلَو كَانَ
стр. 297
ترك النكير دَلِيل الْمُوَافقَة لاكتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ مِنْهُم وَلما استنطقهم فِي الصَّلَاة من غير حَاجَة
وَكَانَ الْكَرْخِي ﵀ يَقُول السُّكُوت على النكير فِيمَا يكون مُجْتَهدا فِيهِ لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ لَيْسَ لأحد الْمُجْتَهدين أَن يُنكر على صَاحبه بِاجْتِهَادِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يبين لَهُ مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فالسكوت فِي مثله لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة
وَجه قَوْلنَا إِنَّه لَو شَرط لانعقاد الْإِجْمَاع التَّنْصِيص من كل وَاحِد مِنْهُم على قَوْله وَإِظْهَار الْمُوَافقَة مَعَ الآخرين قولا أدّى إِلَى أَن لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع أبدا لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر اجْتِمَاع أهل الْعَصْر كلهم على قَول يسمع ذَلِك مِنْهُم إِلَّا نَادرا وَفِي الْعَادة إِنَّمَا يكون ذَلِك بانتشار الْفَتْوَى من الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ وَفِي اتفاقنا على كَون الْإِجْمَاع حجَّة وطريقا لمعْرِفَة الحكم دَلِيل على بطلَان قَول هَذَا الْقَائِل وَهَذَا لِأَن المتعذر كالممتنع ثمَّ تَعْلِيق الشَّيْء بِشَرْط هُوَ مُمْتَنع يكون نفيا لَا صلَة فَكَذَا تَعْلِيقه بِشَرْط هُوَ مُتَعَذر وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى رفع عَنَّا الْحَرج كَمَا لم يكلفنا مَا لَيْسَ فِي وسعنا وَلَيْسَ فِي وسع عُلَمَاء الْعَصْر السماع من الَّذين كَانُوا قبلهم يقرونَ فَكَانَ ذَلِك سَاقِطا عَنْهُم فَكَذَلِك يتَعَذَّر السماع من جَمِيع عُلَمَاء الْعَصْر وَالْوُقُوف على قَول كل وَاحِد مِنْهُم فِي حكم حَادِثَة حَقِيقَة لما فِيهِ من الْحَرج الْبَين فَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل اشتهار الْفَتْوَى من الْبَعْض وَالسُّكُوت من البَاقِينَ كَافِيا فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع لِأَن السامعين من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين لَا يحل لَهُم السُّكُوت عَن إِظْهَار الْخلاف إِذا كَانَ الحكم عِنْدهم خلاف مَا ظهر وسكوتهم مَحْمُول على الْوَجْه الَّذِي يحل فَبِهَذَا الطَّرِيق يَنْقَطِع معنى التَّسَاوِي فِي الِاحْتِمَال ويترجح جَانب إِظْهَار الْمُوَافقَة وَمثل هَذَا السُّكُوت لَا يرجح أحد الْجَانِبَيْنِ فِيمَا يكون مُخْتَلفا فِيهِ فَيبقى مُحْتملا على ظَاهره وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ إِنَّمَا يثبت الْإِجْمَاع إِذا اشْتهر القَوْل من أَكْثَرهم لِأَن هَذَا الْقدر مِمَّا يَتَأَتَّى وَإِقَامَة السُّكُوت مقَام إِظْهَار الْمُوَافقَة لدفع الْحَرج فيتقدر بِقَدرِهِ وَلَا حرج فِي اعْتِبَار ظُهُور القَوْل من الْأَكْثَر وَلِأَن الْأَقَل يَجْعَل تبعا للْأَكْثَر فَإِذا كَانَ الْأَكْثَر سكُوتًا يَجْعَل ذَلِك كسكوت الْكل وَإِذا ظهر القَوْل من الْأَكْثَر يَجْعَل كظهوره من الْكل
وَلَكنَّا نقُول الْمَعْنى الَّذِي لأَجله
стр. 298
جعل سكُوت الْأَقَل بِمَنْزِلَة إِظْهَار الْمُوَافقَة أَنه لَا يحل لَهُم ترك إِظْهَار الْخلاف إِذا كَانَ الحكم عِنْدهم خلاف ذَلِك وَهَذَا الْمَعْنى فِيمَا يشْتَهر من وَاحِد أَو اثْنَيْنِ أظهر لِأَن تمكن الْأَكْثَر من إِظْهَار الْخلاف يكون أبين فَلِأَن يَجْعَل سكوتهم عَن إِظْهَار الْخلاف بعد مَا اشْتهر القَوْل دَلِيل الْمُوَافقَة كَانَ أولى
وَأما حَدِيث الْقِسْمَة فَإِنَّمَا سكت عَليّ ﵁ لِأَن مَا أشاروا بِهِ على عمر كَانَ حسنا فَإِن للْإِمَام أَن يُؤَخر الْقِسْمَة فِيمَا يفضل عِنْده من المَال ليَكُون معدا لنائبة تنوب الْمُسلمين وَلَكِن كَانَ الْقِسْمَة أحسن عِنْد عَليّ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى أَدَاء الْأَمَانَة وَالْخُرُوج عَمَّا يحمل من الْعهْدَة وَفِي مثل هَذَا الْموضع لَا يجب إِظْهَار الْخلاف وَلَكِن إِذا سُئِلَ يجب بَيَان الْأَحْسَن فَلهَذَا سكت عَليّ فِي الِابْتِدَاء وَحين سَأَلَهُ بَين الْوَجْه الْأَحْسَن عِنْده
وَكَذَا حَدِيث الإملاص فَإِن مَا أشاروا بِهِ من الحكم كَانَ صَوَابا لِأَنَّهُ لم يُوجد من عمر ﵁ مُبَاشرَة صنع بهَا وَلَا تسبب هُوَ جِنَايَة وَلَكِن إِلْزَام الْغرَّة مَعَ هَذَا يكون أبعد من القيل والقال وَيكون أقرب إِلَى بسط الْعدْل وَحسن الرِّعَايَة فَلهَذَا سكت فِي الِابْتِدَاء وَلما استنطقه بَين أولى الْوَجْهَيْنِ عِنْده يُوضحهُ أَن مُجَرّد السُّكُوت عَن إِظْهَار الْخلاف لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة عندنَا مَا بَقِي مجْلِس الْمُشَاورَة وَلم يفصل الحكم بعد فَإِنَّمَا يكون هَذَا حجَّة أَن لَو فصل عمر الحكم بقَوْلهمْ أَو ظهر مِنْهُ توقف فِي الْجَواب وَيكون عَليّ ﵁ ساكتا بعد ذَلِك وَلم ينْقل هَذَا فَإِنَّمَا يحمل سُكُوته فِي الِابْتِدَاء على أَنه لتجربة أفهامهم أَو لتعظيم الْفَتْوَى الَّذِي يُرِيد إِظْهَاره بِاجْتِهَادِهِ حَتَّى لَا يزدري بِهِ أحد من السامعين أَو ليروي النّظر فِي الْحَادِثَة ويميزه من الْأَشْبَاه حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ مَا هُوَ الصَّوَاب فيظهره وَالظَّاهِر أَنه لَو لم يستنطقه عمر ﵁ لَكَانَ هُوَ بَين مَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ رَأْيه من الْجَواب قبل إبرام الحكم وانقضاء مجْلِس الْمُشَاورَة
فَأَما حَدِيث ابْن عَبَّاس فقد قيل إِنَّه لَا يكَاد يَصح لِأَن عمر ﵁ كَانَ يقدم ابْن عَبَّاس ﵄ وَكَانَ يَدعُوهُ فِي مجْلِس الشورى مَعَ الْكِبَار من
стр. 299
الصَّحَابَة لما عرف من فطنته وَحسن ذهنه وبصيرته وَقد أَشَارَ عَلَيْهِ بأَشْيَاء فَقبل ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ وَكَانَ يَقُول لَهُ غص يَا غواص شنشنة أعرفهَا من أخزم يَعْنِي أَنه شبه الْعَبَّاس فِي رَأْيه ودهائه فَكيف يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا أَن يُقَال إِنَّه امْتنع من بَيَان قَوْله وحجته لعمر مهابة لَهُ وَإِن صَحَّ فَهَذِهِ المهابة إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار مَا عرف من فضل رَأْي عمر وفقهه فَمَنعه ذَلِك من الِاسْتِقْصَاء فِي المحاجة مَعَه كَمَا يكون من حَال الشبَّان مَعَ ذَوي الْأَسْنَان من الْمُجْتَهدين فِي كل عصر فَإِنَّهُم يهابون الْكِبَار فَلَا يستقصون فِي المحاجة مَعَهم حسب مَا يَفْعَلُونَ مَعَ الأقران وَمَتى كَانَ (النَّاس) فِي تقية من عمر فِي إِظْهَار الْحق مَعَ قَوْله ﵊ أَيْنَمَا دَار الْحق فعمر مَعَه وَكَانَ أَلين وأسرع قبولا للحق من غَيره حَتَّى كَانَ يشاورهم وَيَقُول لَهُم لَا خير فِيكُم إِذا لم تَقولُوا لنا وَلَا خير فِينَا إِذا لم نسْمع مِنْكُم رحم الله امْرأ أهْدى إِلَى أَخِيه عيوبه
فَمَعَ طلب الْبَيَان مِنْهُ بِهَذِهِ الصّفة لَا يتَوَهَّم أَن يهابه أحد فَلَا يظْهر عِنْده حكم الشَّرْع مهابة لَهُ
وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ﵁ قُلْنَا مُجَرّد السُّكُوت عَن النكير لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة عندنَا وَلَكِن مَعَ ترك إِظْهَار مَا هُوَ الْحق عِنْده بعد مُضِيّ مُدَّة المهلة وَلم تُوجد هَذِه الصّفة فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ كَمَا أظهر مقَالَته سَأَلَ رَسُول الله أَبَا بكر وَعمر ﵄ وَكَانَ الْكَلَام فِي الصَّلَاة يَوْمئِذٍ مُبَاحا فَمَا كَانَ هُنَاكَ مَا يمنعهُم من الْكَلَام وَأحب رَسُول الله ﷺ أَن يتعرف مَا عِنْدهم من خلاف لَهُ أَو وفَاق وَذَلِكَ مُسْتَقِيم قبل أَن يحصل الْمَقْصُود بِالسُّكُوتِ وَإِن كَانَ يحصل ذَلِك بسكوتهم عَن إِظْهَار الْخلاف أَن لَو قَامَ رَسُول الله ﷺ لإتمام الصَّلَاة وَلم يستنطقهم
стр. 300
وَكَذَلِكَ مَا قَالَه الْكَرْخِي ﵀ فَهُوَ خَارج على هَذَا الْحَرْف لأَنا لَا نجْعَل مُجَرّد السُّكُوت عَن النكير دَلِيل الْمُوَافقَة بل ترك إِظْهَار مَا عِنْده مِمَّا هُوَ مُخَالف لما انْتَشَر وَهَذَا وَاجِب على كل مُجْتَهد من عُلَمَاء الْعَصْر لَا يُبَاح لَهُ السُّكُوت عَنهُ بعد مَا انْتَشَر قَول بِخِلَاف قَوْله وبلغه ذَلِك فَإِنَّمَا يحمل السُّكُوت على الْوَجْه الَّذِي يحل لَهُ شرعا وَلِهَذَا اعْتبرنَا فِي ثُبُوت الْإِجْمَاع بِهَذَا الطَّرِيق أَن يسكت بعد عرض الْفَتْوَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا لم يبلغهُ قَول هُوَ مُخَالف لما عِنْده وَمَا لم يسْأَل عَنهُ لَا يلْزمه الْبَيَان وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بعد عرض الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَبعد مُضِيّ مُدَّة المهلة أَيْضا لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى التروي وَإِلَى رد الْحَادِثَة إِلَى الْأَشْبَاه ليميز الْأَشْبَه بالحادثة من بَين الْأَشْبَاه بِرَأْيهِ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بِمدَّة فَإِذا مَضَت الْمدَّة وَلم يظْهر خلاف مَا بلغه كَانَ ذَلِك دَلِيلا على الْوِفَاق بِاعْتِبَار الْعَادة
فَإِن قيل كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا تَنْتَهِي هَذِه الْمدَّة إِلَّا بِمَوْتِهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يكون متفكرا فِي شَيْء مُدَّة عمره فَلَا يسْتَقرّ فِيهِ رَأْيه على شَيْء وَقد يرى رَأيا فِي شَيْء ثمَّ يظْهر لَهُ رَأْي آخر فَيرجع عَن الأول فعلى هَذَا مُدَّة التروي لَا تَنْتَهِي إِلَّا بِمَوْتِهِ
قُلْنَا لَا كَذَلِك بل إِذا مضى من الْمدَّة مَا يتَمَكَّن فِيهِ من النّظر وَالِاجْتِهَاد فَعَلَيهِ إِظْهَار مَا تبين لَهُ بِاجْتِهَادِهِ من توقف فِي الْجَواب أَو خلاف أَو وفَاق لَا يحل لَهُ السُّكُوت عَن الْإِظْهَار إِلَّا عِنْد الْمُوَافقَة وَبَعْدَمَا ثَبت الْإِجْمَاع بِهَذَا الطَّرِيق فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع عَنهُ بِرَأْي يعرض لَهُ لِأَن الْإِجْمَاع مُوجب للْعلم قطعا بِمَنْزِلَة النَّص فَكَمَا لَا يجوز ترك الْعَمَل بِالنَّصِّ بِاعْتِبَار رَأْي يعْتَرض لَهُ لَا يجوز مُخَالفَة الْإِجْمَاع بِرَأْي يعْتَرض لَهُ بَعْدَمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع بدليله
وَكَذَلِكَ إِن لم يعرض عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَكِن اشْتهر الْفَتْوَى فِي النَّاس على وَجه يعلم أَنه بلغ ذَلِك الساكتين من عُلَمَاء الْعَصْر فَإِن ذَلِك يقوم مقَام الْعرض عَلَيْهِم لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم إِظْهَار الْخلاف الَّذِي عِنْدهم إِن كَانُوا يَعْتَقِدُونَ خلاف ذَلِك على وَجه ينتشر هَذَا الْخلاف مِنْهُم كَمَا انْتَشَر القَوْل الأول ليَكُون الثَّانِي مُعَارضا للْأولِ وَلَو أظهرُوا ذَلِك لانتشر فسكوتهم عَن الْإِظْهَار الثَّابِت بِدَلِيل عدم الانتشار
стр. 301
دَلِيل على الْمُوَافقَة
بِهَذَا الطَّرِيق أثبتنا كَون الْقُرْآن معجزا لِأَن الْعَرَب مَا عارضوا بِمثلِهِ وَلَو فعلوا لانتشر ذَلِك وعجزهم عَن الْمُعَارضَة بعد التحدي دَلِيل على أَنه معجز
فَإِن قيل فقد اشْتهر فَتْوَى النَّاس بِجَوَاز الْمُزَارعَة بعد أبي حنيفَة قولا وفعلا مَعَ سكُوت أَصْحَاب أبي حنيفَة عَن النكير وَلم يكن ذَلِك دَلِيل الْمُوَافقَة
قُلْنَا كَمَا انْتَشَر ذَلِك فقد انْتَشَر أَيْضا الْخلاف من أَصْحَاب أبي حنيفَة لمن أجَاز الْمُزَارعَة مُحَاجَّة ومناظرة وَإِنَّمَا تركُوا التشنيع على من يُبَاشر ذَلِك لِأَنَّهُ ظهر عِنْد النَّاس نوع رُجْحَان لقَوْل من أجازها فَأخذُوا بذلك وَذَلِكَ يمْنَع الْقَائِلين بفسادها من أَن يظهروا منع النَّاس من ذَلِك لعلمهم أَن النَّاس لَا يمتنعون بِاعْتِبَار مَا ظهر لَهُم بِمَنْزِلَة القَاضِي إِذا قضى فِي فصل مُجْتَهد فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يجب على الْمُجْتَهد الَّذِي يعْتَقد خِلَافه أَن يظْهر للنَّاس خطأ القَاضِي لعلمه أَن النَّاس لَا يَأْخُذُونَ بقوله ولاعتقاده أَن قَضَاء القَاضِي بِمَا قضى بِهِ نَافِذ وَأَن ذَلِك الْجَانِب ترجح بِالْقضَاءِ فَترك النكير على من يُبَاشر الْمُزَارعَة بِهَذِهِ المثابة
يُحَقّق مَا قُلْنَا إِن من عَادَة المتشاورين من الْعَوام فِي شَيْء يهمهم من أَمر الدُّنْيَا وَيتَعَلَّق بِهِ بعض مصالحهم أَن الْبَعْض إِذا أظهر فِيهِ رَأيا وَعند الْبَعْض خلاف ذَلِك فَإِنَّهُم لَا يمتنعون من إِظْهَار مَا عِنْدهم إِلَّا نَادرا وَلَا يبْنى الحكم على النَّادِر فَإِذا كَانَ هَذَا فِي أَمر الدُّنْيَا مَعَ أَن السُّكُوت عَن الْإِظْهَار يحل فِيهِ شرعا فَلِأَن يكون أَمر الدّين وَمَا يرجع إِلَى إِظْهَار حكم الله تَعَالَى بِهَذِهِ الصّفة حَتَّى يكون السُّكُوت فِيهِ دَلِيل الْوِفَاق كَانَ أولى فَكَذَلِك الْعَادة من حَال من يسمع مَا هُوَ مستبعد عَنهُ أَن لَا يمْتَنع من إِظْهَار النكير عِنْده بل يكون ذَلِك جلّ همه أَلا ترى أَنه لَو أخبر مخبر أَن الْخَطِيب يَوْم الْجُمُعَة لما صعد الْمِنْبَر رَمَاه إِنْسَان بِسَهْم فَقتله وَسمع ذَلِك مِنْهُ قوم شهدُوا الْجُمُعَة وَلم يعرفوا من ذَلِك شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يكون فِي همتهم شَيْء أسبق من إِظْهَار الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَقد بَينا أَن مَا عَلَيْهِ الْعَادة الظَّاهِرَة لَا يجوز تَركه فِي الْأَحْكَام فَتبين بِاعْتِبَار هَذِه الْعَادة أَن السُّكُوت دَلِيل الْمُوَافقَة وَنحن نعلم أَنه قد كَانَ عِنْد الصَّحَابَة أَن إِجْمَاعهم
стр. 302
حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا فَإِذا علم السَّاكِت هَذَا يفترض عَلَيْهِ بَيَان مَا عِنْده ليتَحَقَّق الْخلاف وَيخرج مَا اشْتهر من أَن يكون حكم الْحَادِثَة قطعا وَالسُّكُوت إِن لم يدل على الْمُوَافقَة فَلَا إِشْكَال أَنه لَا يدل على الْخلاف
وَمن هَذَا الْجِنْس مَا إِذا اخْتلفُوا فِي حَادِثَة على أقاويل محصورة فَإِن الْمَذْهَب عندنَا أَن هَذَا يكون دَلِيل الْإِجْمَاع مِنْهُم على أَنه لَا قَول فِي هَذِه الْحَادِثَة سوى هَذِه الْأَقَاوِيل حَتَّى لَيْسَ لأحد أَن يحدث فِيهِ قولا آخر بِرَأْيهِ
وَعند بَعضهم هَذَا من بَاب السُّكُوت الَّذِي هُوَ مُحْتَمل أَيْضا فَكَمَا لَا يدل على نفي الْخلاف لَا يدل على نفي قَول آخر فِي الْحَادِثَة فَإِن ذَلِك نوع تعْيين وَلَا يثبت بالمحتمل
وَلَكنَّا نقُول قد بَينا أَنهم إِذا اخْتلفُوا على أقاويل فَنحْن نعلم أَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم وَهَذَا بِمَنْزِلَة التَّنْصِيص مِنْهُم على أَن مَا هُوَ الْحق حَقِيقَة فِي هَذِه الْأَقَاوِيل وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال
وَكَذَلِكَ هَذَا الحكم فِي اخْتِلَاف بَين أهل كل عصر إِلَّا على قَول بعض مَشَايِخنَا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هَذَا فِي أقاويل الصَّحَابَة خَاصَّة لما لَهُم من الْفضل والسابقة وَلَكِن الْمَعْنى الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ يُوجب الْمُسَاوَاة وعَلى هَذَا قَالُوا فِيمَا ظهر من بعض الْخُلَفَاء عَن الصَّحَابَة أَنه قَالَ فِي خطبَته على الْمِنْبَر وَلم يظْهر من أحد مِنْهُم خلاف لذَلِك فَإِن ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُم بِهَذَا الطَّرِيق
وَقد قَالَ بعض من لَا يعبأ بقوله الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم قطعا لَا يكون إِلَّا فِي مثل مَا اتّفق عَلَيْهِ النَّاس من مَوضِع الْكَعْبَة وَمَوْضِع الصَّفَا والمروة وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذَا ضَعِيف جدا فَإِنَّهُ يُقَال لهَذَا الْقَائِل بِأَيّ طَرِيق عرفت إِجْمَاع الْمُسلمين على هَذَا بطرِيق سماعك نصا من كل وَاحِد من آحادهم فَإِن قَالَ نعم ظهر للنَّاس كذبه وَإِن قَالَ لَا وَلَكِن بتنصيص الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ عَن إِظْهَار الْخلاف فَنَقُول كَمَا ثَبت بِهَذَا الطَّرِيق الْإِجْمَاع مِنْهُم على هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يشك فِيهَا أحد فَكَذَلِك ثَبت الْإِجْمَاع مِنْهُم بِهَذَا الطَّرِيق فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة
فصل الْأَهْلِيَّة
زعم بعض النَّاس أَن الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم لَا يكون إِلَّا بِاتِّفَاق فرق الْأمة أهل الْحق وَأهل الضَّلَالَة جَمِيعًا لِأَن الْحجَّة إِجْمَاع الْأمة وَمُطلق اسْم الْأمة يتَنَاوَل الْكل
стр. 303
فَأَما الْمَذْهَب عندنَا أَن الْحجَّة اتِّفَاق كل عَالم مُجْتَهد مِمَّن هُوَ غير مَنْسُوب إِلَى هوى وَلَا معلن بفسق فِي كل عصر لِأَن حكم الْإِجْمَاع إِنَّمَا يثبت بِاعْتِبَار وصف لَا يثبت إِلَّا بِهَذِهِ الْمعَانِي وَذَلِكَ صفة الوساطة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَهُوَ عبارَة عَن الْخِيَار الْعُدُول المرضيين وَصفَة الشَّهَادَة بقوله ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ فَلَا بُد من اعْتِبَار الْأَهْلِيَّة لأَدَاء الشَّهَادَة وَصفَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ يُشِير إِلَى فَرضِيَّة الِاتِّبَاع فِيمَا يأمرون بِهِ وَينْهَوْنَ عَنهُ وَإِنَّمَا يفترض اتِّبَاع الْعدْل المرضي فِيمَا يَأْمر بِهِ وثبوته بطرِيق الْكَرَامَة على الدّين والمستحق للكرامات مُطلقًا من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة
فَأَما أهل الْأَهْوَاء فَمن يكفر فِي هَوَاهُ فاسم الْأمة لَا يتَنَاوَلهُ مُطلقًا وَلَا هُوَ مُسْتَحقّ للكرامة الثَّابِتَة للْمُؤْمِنين وَمن يضلل فِي هَوَاهُ إِذا كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى مَا يَعْتَقِدهُ فَهُوَ يتعصب لذَلِك على وَجه يخرج بِهِ إِلَى صفة السَّفه والمجون فَيكون مُتَّهمًا فِي أَمر الدّين لَا مُعْتَبر بقوله فِي إِجْمَاع الْأمة وَلِهَذَا لم يعْتَبر خلاف الروافض فِي إِمَامَة أبي بكر وَلَا خلاف الْخَوَارِج فِي خلَافَة عَليّ
فَإِن كَانَ لَا يَدْعُو النَّاس إِلَى هَوَاهُ وَلكنه مَشْهُور بِهِ فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا فِيمَا يضلل هُوَ فِيهِ لَا مُعْتَبر بقوله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يضلل لمُخَالفَته نصا مُوجبا للْعلم فَكل قَول كَانَ بِخِلَاف النَّص فَهُوَ بَاطِل وَفِيمَا سوى ذَلِك يعْتَبر قَوْله وَلَا يثبت الْإِجْمَاع مَعَ مُخَالفَته لِأَنَّهُ من أهل الشَّهَادَة وَلِهَذَا كَانَ مَقْبُول الشَّهَادَة فِي الْأَحْكَام
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه إِن كَانَ مُتَّهمًا بالهوى وَلكنه غير مظهر لَهُ فَالْجَوَاب هَكَذَا فَأَما إِذا كَانَ مظْهرا لهواه فَإِنَّهُ لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع لِأَن الْمَعْنى الَّذِي لأَجله قبلت شَهَادَته لَا يُوجد هُنَا فَإِنَّهَا تقبل لانْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب على مَا قَالَ مُحَمَّد ﵀ قوم عظموا الذُّنُوب حَتَّى جعلوها كفرا لَا يتهمون بِالْكَذِبِ فِي الشَّهَادَة
وَهَذَا يدل على أَنهم لَا يؤتمنون فِي أَحْكَام الشَّرْع وَلَا يعْتَبر قَوْلهم فِيهِ فَإِن الْخَوَارِج هم الَّذين يَقُولُونَ إِن الذَّنب نَفسه كفر وَقد أكفروا أَكثر الصَّحَابَة الَّذين عَلَيْهِم مدَار أَحْكَام الشَّرْع وَإِنَّمَا عرفناها بنقلهم فَكيف يعْتَمد قَول هَؤُلَاءِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَأدنى مَا فِيهِ أَنهم لَا يتعلمون ذَلِك إِذا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ كفر الناقلين
وَلَا مُعْتَبر بقول الْجُهَّال فِي الْأَحْكَام فَأَما من كَانَ محقا فِي اعْتِقَاده
стр. 304
وَلكنه فَاسق فِي تعاطيه فالعراقيون يَقُولُونَ لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع أَيْضا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْل لأَدَاء الشَّهَادَة وَلِأَن التَّوَقُّف فِي قَوْله وَاجِب بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يَنْفِي وجوب الِاتِّبَاع
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه إِذا كَانَ مُعْلنا لفسقه فَكَذَلِك الْجَواب لِأَنَّهُ لما لم يتحرز من إعلان مَا يَعْتَقِدهُ بَاطِلا فَكَذَلِك لَا يتحرز من إعلان قَول يعْتَقد بُطْلَانه بَاطِنا فَأَما إِذا لم يكن مظْهرا للفسق فَإِنَّهُ يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع وَإِن علم فسقه حَتَّى ترد شَهَادَته لِأَنَّهُ لَا يخرج بِهَذَا من الْأَهْلِيَّة للشَّهَادَة أصلا وَلَا من الْأَهْلِيَّة للكرامة بِسَبَب الدّين أَلا ترى أَنا نقطع القَوْل لمن يَمُوت مُؤمنا مصرا على فسقه أَنه لَا يخلد فِي النَّار فَإِذا كَانَ هُوَ أَهلا للكرامة بِالْجنَّةِ فِي الْآخِرَة فَكَذَلِك فِي الدُّنْيَا بِاعْتِبَار قَوْله فِي الْإِجْمَاع
فَأَما كَونه عَالما مُجْتَهدا فَهُوَ مُعْتَبر فِي الحكم الَّذِي يخْتَص بمعرفته وَالْحَاجة إِلَيْهِ الْعلمَاء وعَلى هَذَا قُلْنَا من يكون متكلما غير عَالم بأصول الْفِقْه والأدلة الشَّرْعِيَّة فِي الْأَحْكَام لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع
هَكَذَا نقل عَن الْكَرْخِي
وَكَذَلِكَ من يكون مُحدثا لَا بصر لَهُ فِي وُجُوه الرَّأْي وطرق المقاييس الشَّرْعِيَّة لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع لِأَن هَذَا فِيمَا يَبْنِي عَلَيْهِ حكم الشَّرْع بِمَنْزِلَة الْعَاميّ وَلَا يعْتد بقول الْعَاميّ فِي إِجْمَاع عُلَمَاء الْعَصْر لِأَنَّهُ لَا هِدَايَة لَهُ فِي الحكم الْمُحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَجْنُون حَتَّى لَا يعْتد بمخالفته
ثمَّ قَالَ بعض الْعلمَاء الَّذين هم بِالصّفةِ الَّتِي قُلْنَا من أهل الْعَصْر مَا لم يبلغُوا حدا لَا يتَوَهَّم عَلَيْهِم التواطؤ على الْبَاطِل لَا يثبت الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم باتفاقهم أَلا ترى أَن حكم التَّوَاتُر لَا يثبت بخبرهم مَا لم يبلغُوا هَذَا الْحَد فَكَذَلِك حكم الْإِجْمَاع بقَوْلهمْ لِأَن بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت علم الْيَقِين
وَالأَصَح عندنَا أَنهم إِذا كَانُوا جمَاعَة وَاتَّفَقُوا قولا أَو فَتْوَى من الْبَعْض مَعَ سكُوت البَاقِينَ فَإِنَّهُ ينْعَقد الْإِجْمَاع بِهِ وَإِن لم يبلغُوا حد التَّوَاتُر بِخِلَاف الْخَبَر فَإِن ذَلِك مُحْتَمل للصدق وَالْكذب فَلَا بُد من مُرَاعَاة معنى يَنْتَفِي بِهِ تُهْمَة الْكَذِب بكثرتهم أَلا ترى أَن صفة الْعَدَالَة لَا تعْتَبر هُنَاكَ وَهَذَا إِظْهَار حكم ابْتِدَاء لَيْسَ فِيهِ من معنى احْتِمَال تُهْمَة الْكَذِب شَيْء إِنَّمَا فِيهِ توهم الْخَطَأ فَإِذا كَانُوا جمَاعَة فالأمن عَن ذَلِك ثَابت شرعا كَرَامَة لَهُم بِسَبَب الدّين وَصفَة الْعَدَالَة على مَا قَررنَا
стр. 305
فَإِن قيل لَا يُؤمن على هَؤُلَاءِ إعلان الْفسق أَو الضَّلَالَة أَو الرِّدَّة مثلا بَعْدَمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع مِنْهُم فَكيف يُؤمن الْخَطَأ بِاعْتِبَار اجْتِمَاعهم وَعَن هَذَا الْكَلَام جوابان لمشايخنا ﵏ أَحدهمَا أَنا لَا نجوز هَذَا على جَمَاعَتهمْ بَعْدَمَا كَانَ إِجْمَاعهم مُوجبا للْعلم فِي حكم الشَّرْع فَإِن الله تَعَالَى يعصمهم من ذَلِك لِأَن إِجْمَاعهم صَار بِمَنْزِلَة النَّص عَن صَاحب الشَّرِيعَة فَكَمَا أَن الرَّسُول ﷺ كَانَ مَعْصُوما عَن هَذَا نقطع القَوْل بِهِ لِأَن قَوْله مُوجب للْعلم فَكَذَلِك جمَاعَة الْعلمَاء إِذا ثَبت لَهُم هَذِه الدرجَة وَهُوَ أَن قَوْلهم مُوجب للْعلم كَرَامَة بِسَبَب الدّين
وَالثَّانِي أَنه وَإِن تحقق هَذَا مِنْهُم فَإِن الله تَعَالَى يُقيم آخَرين مقامهم ليَكُون الحكم ثَابتا بإجماعهم لِأَن الدّين مَحْفُوظ إِلَى قيام السَّاعَة على مَا قَالَ رَسُول الله ﵇ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله فَمَا يعْتَرض على الْأَوَّلين لَا يُؤثر فِي حكم الْإِجْمَاع لقِيَام أمثالهم مقامهم بِمَنْزِلَة مَوْتهمْ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم لَا يكون إِلَّا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ لأَنهم صحبوه وسمعوا مِنْهُ علم التَّنْزِيل والتأويل وَأثْنى عَلَيْهِم فِي آثَار مَعْرُوفَة فهم المختصون بِهَذِهِ الْكَرَامَة
وَهَذَا ضَعِيف عندنَا فَإِن النَّبِي ﷺ كَمَا أثنى عَلَيْهِم فقد أثنى على من بعدهمْ فَقَالَ خير النَّاس قَرْني الَّذين أَنا فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَفِي هَذَا بَيَان أَن أهل كل عصر يقومُونَ مقامهم فِي صفة الْخَيْرِيَّة إِذا كَانُوا على مثل اعْتِقَادهم والمعاني الَّتِي بيناها لإِثْبَات هَذَا الحكم بهَا من صفة الوساطة وَالشَّهَادَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَا يخْتَص بِزَمَان وَلَا بِقوم وَثُبُوت هَذَا الحكم بِالْإِجْمَاع لتحقيق بَقَاء حكم الشَّرْع إِلَى قيام السَّاعَة وَذَلِكَ لَا يتم مَا لم يَجْعَل إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة كإجماع الصَّحَابَة ﵃
فَإِن قيل ف أَبُو حنيفَة ﵀ قَالَ بِخِلَاف هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ مَا جَاءَنَا عَن الصَّحَابَة اتبعناهم وَمَا جَاءَنَا عَن التَّابِعين زاحمناهم
قُلْنَا إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ من جملَة التَّابِعين
стр. 306
فَإِنَّهُ رأى أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أنس بن مَالك وَعبد الله بن أبي أوفى وَأَبُو الطُّفَيْل وَعبد الله بن حَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ ﵃ وَقد كَانَ مِمَّن يجْتَهد فِي عهد التَّابِعين وَيعلم النَّاس حَتَّى نَاظر الشّعبِيّ فِي مَسْأَلَة النّذر بالمعصية فَمَا كَانَ ينْعَقد إِجْمَاعهم بِدُونِ قَوْله فَلهَذَا قَالَ ذَلِك لَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يرى إِجْمَاع من بعد الصَّحَابَة حجَّة
وَمن النَّاس من يَقُول الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة خَاصَّة لأَنهم أهل حَضْرَة الرَّسُول وَقد بَين رَسُول الله ﵇ خُصُوصِيَّة تِلْكَ الْبقْعَة فِي آثَار فَقَالَ إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها وَقَالَ ﵇ إِن الدَّجَّال لَا يدخلهَا وَقَالَ ﵇ من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء وَقَالَ ﵇ إِن الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَلَكِن مَا قَررنَا من الْمعَانِي لَا يخْتَص بمَكَان دون مَكَان
ثمَّ إِن كَانَ مُرَاد الْقَائِل أَهلهَا الَّذين كَانُوا فِي عهد رَسُول الله ﷺ فَهَذَا لَا يُنَازع فِيهِ أحد وَإِن كَانَ المُرَاد أَهلهَا فِي كل عصر فَهُوَ قَول بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي بقْعَة من الْبِقَاع الْيَوْم فِي دَار الْإِسْلَام قوم هم أقل علما وَأظْهر جهلا وَأبْعد عَن أَسبَاب الْخَيْر من الَّذين هم بِالْمَدِينَةِ فَكيف يستجاز القَوْل بِأَنَّهُ لَا إِجْمَاع فِي أَحْكَام الدّين إِلَّا إِجْمَاعهم وَالْمرَاد بالآثار حَال الْمَدِينَة فِي عهد رَسُول الله ﷺ حِين كَانَت الْهِجْرَة فَرِيضَة كَانَ الْمُسلمُونَ يَجْتَمعُونَ فِيهَا وَأهل الْخبث وَالرِّدَّة لَا يقرونَ فِيهَا وَقد تكون الْبقْعَة محروسة وَإِن كَانَ من يسكنهَا على غير الْحق أَلا ترى أَن مَكَّة كَانَت محروسة عَام الْفِيل مَعَ أَن أَهلهَا كَانُوا مُشْرِكين يَوْمئِذٍ
وَمن النَّاس من يَقُول لَا إِجْمَاع إِلَّا لعترة الرَّسُول لأَنهم المخصوصون بِقرَابَة رَسُول الله ﷺ وَأَسْبَاب الْعِزّ قَالَ ﵇ إِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله وعترتي إِن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدِي وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾
الْمُوجب للْعلم بِاعْتِبَار نُصُوص ومعاني لَا يخْتَص ذَلِك بِأَهْل الْبَيْت وَالنّسب لَيْسَ من ذَلِك فِي شَيْء فالتخصيص بِهِ يكون زِيَادَة كَيفَ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبع﴾
стр. 307
وَلَكنَّا نقُول أَنْوَاع الْكَرَامَة لأهل الْبَيْت مُتَّفق عَلَيْهِ وَلَكِن حكم الْإِجْمَاع سَبِيل من أناب إِلَيّ فَكل من كَانَ منيبا إِلَى ربه فَهُوَ دَاخل فِي هَذِه الْآيَة وَهُوَ مُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ كَمَا ذكرنَا من الِاسْتِدْلَال بِهِ
فصل الشَّرْط
زعم بعض النَّاس أَن انْقِرَاض الْعَصْر شَرط لثُبُوت حكم الْإِجْمَاع
وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵀ أَيْضا لِأَن قبل انْقِرَاض الْعَصْر إِذا بدا لبَعْضهِم رَأْي خلاف رَأْي الْجَمَاعَة فَإِن مَا ظهر لَهُ فِي الِانْتِهَاء بِمَنْزِلَة الْمَوْجُود فِي الِابْتِدَاء وَلَو كَانَ مَوْجُودا لم ينْعَقد إِجْمَاعهم بِدُونِ قَوْله فَكَذَلِك إِذا اعْترض لَهُ ذَلِك وَلَا يَقع الْأَمْن عَن هَذَا إِلَّا بانقراض الْعَصْر على ذَلِك الْإِجْمَاع أَلا ترى أَن أَبَا بكر ﵁ كَانَ يُسَوِّي بَين النَّاس فِي العطايا وَكَانُوا لَا يخالفونه فِي ذَلِك ثمَّ فضل عَليّ ﵁ فِي العطايا فِي خِلَافَته وَلَا يظنّ بِهِ مُخَالفَة الْجَمَاعَة فَعرفنَا أَن بِدُونِ انْقِرَاض الْعَصْر لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع وَقَالَ عَليّ ﵁ اتّفق رَأْيِي ورأي عمر على أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن وأنهن أَحْرَار عَن دبر من الموَالِي ثمَّ رَأَيْت أَن أرقهن
فَلَو ثَبت الْإِجْمَاع قبل انْقِرَاض الْعَصْر لما استجاز خلاف الْإِجْمَاع بِرَأْيهِ
وَأما عندنَا انْقِرَاض الْعَصْر لَيْسَ بِشَرْط لِأَن الْإِجْمَاع لما انْعَقَد بِاعْتِبَار اجْتِمَاع مَعَاني الَّذِي قُلْنَا كَانَ الثَّابِت بِهِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ وكما أَن الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا يخْتَص بِوَقْت دون وَقت فَكَذَلِك الثَّابِت بِالْإِجْمَاع وَلَو شرطنا انْقِرَاض الْعَصْر لم يثبت الْإِجْمَاع أبدا لِأَن بعض التَّابِعين فِي عصر الصَّحَابَة كَانَ يزاحمهم فِي الْفَتْوَى فيتوهم أَن يَبْدُو لَهُ رَأْي بعد أَن لم يبْق أحد من الصَّحَابَة وَهَكَذَا فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث فَيُؤَدِّي إِلَى سد بَاب حكم الْإِجْمَاع (أصلا) وَهَذَا بَاطِل
وَلَكنَّا نقُول بعد مَا ثَبت الْإِجْمَاع مُوجبا للْعلم باتفاقهم فَلَيْسَ لأحد أَن يظْهر خلاف ذَلِك بِرَأْيهِ لَا من
стр. 308
أهل ذَلِك الْعَصْر وَلَا من غَيرهم كَمَا لَا يكون لَهُ أَن يُخَالف النَّص بِرَأْيهِ وَهَذَا بِخِلَاف رَأْيه قبل انْعِقَاد الْإِجْمَاع لِأَن الدَّلِيل الْمُوجب للْعلم لم يَتَقَرَّر هُنَاكَ فَكَانَ قَوْله مُعْتَبرا فِي منع انْعِقَاد الْإِجْمَاع
وَأما حَدِيث التَّسْوِيَة فِي الْعَطاء فقد كَانَ مُخْتَلفا فِي الِابْتِدَاء على مَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ قَالَ لأبي بكر لَا تجْعَل من لَا سَابِقَة لَهُ فِي الْإِسْلَام كمن لَهُ سَابِقَة
فَقَالَ أَبُو بكر هم إِنَّمَا عمِلُوا لله فأجرهم على الله
فَتبين أَن هَذَا الْفَصْل كَانَ مُخْتَلفا فِي الِابْتِدَاء فَلهَذَا مَال عَليّ ﵁ إِلَى التَّفْضِيل
وَحَدِيث أُمَّهَات الْأَوْلَاد فالمروي أَن عليا ﵁ قَالَ ثمَّ رَأَيْت أَن أرقهن
يَعْنِي أَن لَا أعتقهن بِمَوْت الْمولى حَتَّى يكون الْوَارِث أَو الْوَصِيّ هُوَ الْمُعْتق لَهَا كَمَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر بعض الْآثَار المروية عَن رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ المُرَاد جَوَاز بيعهنَّ إِذْ لَيْسَ من ضَرُورَة الرّقّ جَوَاز البيع لَا محَالة
وَكَانَ الْكَرْخِي ﵀ يَقُول شَرط الْإِجْمَاع أَن يجْتَمع عُلَمَاء الْعَصْر كلهم على حكم وَاحِد فَأَما إِذا اجْتمع أَكْثَرهم على شَيْء وَخَالفهُم وَاحِد أَو اثْنَان لم يثبت حكم الْإِجْمَاع
وَهَذَا قَول الشَّافِعِي ﵀ أَيْضا لِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَلِأَنَّهُ لَا مُعْتَبر بالقلة وَالْكَثْرَة فِي الْمَعْنى الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ حكم الْإِجْمَاع وبالاتفاق لَو كَانَ فريق مِنْهُم على قَول وفريق مثلهم على قَول آخر فَإِنَّهُ لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع فَكَذَلِك إِذا كَانَ أَكْثَرهم على قَول وَنَفر يسير مِنْهُم على خلاف ذَلِك لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو بكر الرَّازِيّ ﵀ أَن الْوَاحِد إِذا خَالف الْجَمَاعَة فَإِن سوغوا لَهُ ذَلِك الِاجْتِهَاد لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله بِمَنْزِلَة خلاف ابْن عَبَّاس للصحابة فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين أَن للْأُم ثلث جَمِيع المَال وَإِن لم يسوغوا لَهُ الِاجْتِهَاد وأنكروا (عَلَيْهِ) قَوْله فَإِنَّهُ يثبت حكم الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله بِمَنْزِلَة قَول ابْن عَبَّاس فِي حل التَّفَاضُل فِي أَمْوَال الرِّبَا فَإِن الصَّحَابَة ﵃ لم يسوغوا لَهُ هَذَا الِاجْتِهَاد حَتَّى رُوِيَ أَنه رَجَعَ إِلَى قَوْلهم فَكَانَ الْإِجْمَاع ثَابتا بِدُونِ قَوْله وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّد ﵀ فِي الْإِمْلَاء لَو قضى القَاضِي
стр. 309
بِجَوَاز بيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ لم ينفذ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ مُخَالف للْإِجْمَاع
وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل قَوْله ﵇ يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة فَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار
وَقَالَ ﵇ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم يَعْنِي مَا عَلَيْهِ عَامَّة الْمُؤمنِينَ فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن قَول الْوَاحِد لَا يُعَارض قَول الْجَمَاعَة ولأنا لَو شرطنا هَذَا أدّى إِلَى أَن لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع أبدا لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يكون فِي عُلَمَاء الْعَصْر وَاحِد أَو اثْنَان مِمَّن لم يسمع ذَلِك الْفَتْوَى أصلا وَمِمَّنْ يرى خلاف ذَلِك
وَإِنَّمَا كَانَ الْإِجْمَاع حجَّة بِاعْتِبَار ظُهُور وَجه الصَّوَاب فِيهِ بالاجتماع عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يظْهر هَذَا فِي قَول الْجَمَاعَة لَا فِي قَول الْوَاحِد أَلا ترى أَن قَول الْوَاحِد لَا يكون مُوجبا للْعلم وَإِن لم يكن بمقابلته جمَاعَة يخالفونه وَقَول الْجَمَاعَة مُوجب للْعلم إِذا لم يكن هُنَاكَ وَاحِد يخالفهم فَكَذَلِك مَعَ وجود هَذَا الْوَاحِد لِأَن قَوْله لَا يُعَارض قَوْلهم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ على كل قَول جمَاعَة فهناك الْمُعَارضَة تتَحَقَّق وَالْمرَاد من قَوْله ﵇ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ إِذا لم يكن هُنَاكَ دَلِيل مُوجبا للْعلم بِخِلَاف قَول من يَهْتَدِي بِهِ أَلا ترى أَنه إِذا كَانَ هُنَاكَ نَص بِخِلَاف قَول الْوَاحِد لم يجز اتِّبَاعه وَلم يكن هَذَا الحَدِيث متناولا لَهُ
وَحكي عَن أبي حَازِم القَاضِي ﵀ أَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِذا اتَّفقُوا على شَيْء فَذَلِك إِجْمَاع مُوجب للْعلم وَلَا يعْتد بِخِلَاف من خالفهم فِي ذَلِك لقَوْله ﵇ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَلِهَذَا لم يعْتَبر خلاف زيد للخلفاء فِي تَوْرِيث ذَوي الْأَرْحَام وَأمر المعتصم برد الْأَمْوَال الَّتِي اجْتمعت فِي بَيت المَال مِمَّا أخذت من تركات فِيهَا ذَوُو الْأَرْحَام فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ أَبُو سعيد البردعي ﵀ وَقَالَ هَذَا شَيْء أمضى على قَول زيد فَقَالَ لَا أَعْتَد خلاف زيد فِي مُقَابلَة قَول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَقد قضيت بذلك فَلَيْسَ لأحد أَن يُبطلهُ بعدِي
стр. 310
فصل الحكم
ذكر هِشَام عَن مُحَمَّد رحمهمَا الله الْفِقْه أَرْبَعَة مَا فِي الْقُرْآن وَمَا أشبهه وَمَا جَاءَت بِهِ السّنة وَمَا أشبههَا وَمَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة وَمَا أشبهه وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا وَمَا أشبهه
فَفِي هَذَا بَيَان أَن مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْكتاب وَالسّنة فِي كَونه مَقْطُوعًا بِهِ حَتَّى يكفر جاحده
وَهَذَا أقوى مَا يكون من الْإِجْمَاع فَفِي الصَّحَابَة أهل الْمَدِينَة وعترة رَسُول الله ﷺ وَلَا خلاف بَين من يعْتد بقَوْلهمْ إِن هَذَا الْإِجْمَاع حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا فيكفر جاحده كَمَا يكفر جَاحد مَا ثَبت بِالْكتاب أَو بِخَبَر متواتر
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وتوهم الْخَطَأ لم يَنْعَدِم بإجماعهم أصلا فَإِن رَأْيهمْ لَا يكون فَوق رَأْي رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ الْآيَة فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه قد كَانَ وَقع لرَسُول الله ﷺ الْخَطَأ فِي بعض مَا فعل بِهِ بِرَأْيهِ فَعرفنَا أَنه لَا يُؤمن الْخَطَأ فِي رَأْي دون رَأْيه أصلا قُلْنَا رَسُول الله ﷺ كَانَ مَعْصُوما عَن التَّقْرِير على الْخَطَأ خُصُوصا فِي إِظْهَار أَحْكَام الدّين وَلِهَذَا كَانَ قَوْله مُوجبا علم الْيَقِين واتباعه فرض على الْأمة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وسنقرر هَذَا الْكَلَام فِي مَوْضِعه (إِن شَاءَ الله تَعَالَى) فَإِذا ثَبت هَذَا فِيمَا ثَبت بتنصيص رَسُول الله ﷺ فَكَذَلِك فِيمَا يثبت بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لَا يبْقى فِيهِ توهم الْخَطَأ بعد إِجْمَاعهم حَتَّى يكفر جاحده
وَقَوله وَمَا أشبهه المُرَاد مِنْهُ أَن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا فِي حَادِثَة على أقاويل فَإِن ذَلِك اتِّفَاق
стр. 311
مِنْهُم على أَنه لَا قَول سوى مَا ذكرُوا فِيهَا وَأَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم حَتَّى لَيْسَ لأحد بعدهمْ أَن يخترع قولا آخر بِرَأْيهِ وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الصَّحَابَة لما اخْتلفُوا فِي مِقْدَار جعل الْآبِق على أقاويل كَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا مِنْهُم على أَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم فَلَيْسَ لأحد بعدهمْ أَن يخترع فِيهِ قولا آخر بِرَأْيهِ إِلَّا أَن هَذَا الْإِجْمَاع دون الأول فِي الحكم لِأَن ثُبُوته بطرِيق الِاسْتِدْلَال وَأَصله مسكوت عَنهُ فَلَا يكفر جاحده مثل هَذَا الْإِجْمَاع
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنكُمْ قُلْتُمْ فِيمَن قَالَ لامْرَأَته اخْتَارِي فَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا وَقعت تَطْلِيقَة بَائِنَة وَإِن اخْتَارَتْ زَوجهَا لم يَقع شَيْء وَقد كَانَت الصَّحَابَة فِيهَا على قَوْلَيْنِ سوى هَذَا ثمَّ اخترعتم قولا ثَالِثا برأيكم قُلْنَا مَا فعلنَا ذَلِك فَإِن الْكَرْخِي ﵀ ذكر مَذْهَبنَا عَن معَاذ بن جبل ﵁ فَلَيْسَ ذَلِك بِخُرُوج عَن أقاويلهم وَفِي قَوْله مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا بَيَان أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة وَلَكِن هَذَا فِي الحكم دون مَا سبق وَهُوَ بِمَنْزِلَة خبر مَشْهُور حَتَّى لَا يكفر جاحده وَلَكِن يجوز النّسخ بِهِ لِأَن بَين من يعْتد بقَوْلهمْ من الْعلمَاء اخْتِلَافا فِيهِ وَدون هَذَا بِدَرَجَة أَيْضا الْإِجْمَاع بعد الِاخْتِلَاف فِي الْحَادِثَة إِذا كَانَت مُخْتَلفا فِيهَا فِي عصر ثمَّ اتّفق أهل عصر آخر بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد قَالَ بعض الْعلمَاء هَذَا لَا يكون إِجْمَاعًا وَعِنْدنَا هُوَ إِجْمَاع وَلكنه بِمَنْزِلَة خبر الْوَاحِد فِي كَونه مُوجبا للْعَمَل غير مُوجب للْعلم
قَالَ ﵁ وَكَانَ شَيخنَا (الإِمَام الْحلْوانِي ﵀ يَقُول هَذَا على قَول مُحَمَّد ﵀ يكون إِجْمَاعًا فَأَما على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله لَا يكون إِجْمَاعًا فَإِن الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عَن مُحَمَّد ﵀ أَن قَضَاء القَاضِي بِجَوَاز بيع أم الْوَلَد بَاطِل وَقد كَانَ هَذَا مُخْتَلفا فِيهِ بَين الصَّحَابَة ثمَّ اتّفق من بعدهمْ على أَنه لَا يجوز بيعهَا فَكَانَ هَذَا قَضَاء بِخِلَاف الْإِجْمَاع عِنْد مُحَمَّد وعَلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله ينفذ قَضَاء القَاضِي بِهِ لشُبْهَة الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول وَلَا يثبت الْإِجْمَاع مَعَ وجود الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول
قَالَ رَضِي الله عَنهُ
стр. 312
وَالْأَوْجه عِنْدِي أَن هَذَا إِجْمَاع عِنْد أَصْحَابنَا جَمِيعًا للدليل الَّذِي دلّ على أَن إِجْمَاع أهل كل عصر إِجْمَاع مُعْتَبر وَإِنَّمَا ينفذ قَضَاء القَاضِي بِجَوَاز بيعهَا لشُبْهَة الِاخْتِلَاف فِي أَن مثل هَذَا هَل يكون إِجْمَاعًا فعلى اعْتِبَار هَذِه الشُّبْهَة يكون قَضَاؤُهُ فِي مُجْتَهد فِيهِ فَلهَذَا نفذه أَبُو حنيفَة ﵀
وَجه قَول الْفَرِيق الأول أَن الْحجَّة إِجْمَاع الْأمة وَالَّذِي كَانَ مُخَالفا فِي الصَّدْر الأول من الْأمة وبموته لَا يبطل قَوْله فَلَا يثبت الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله أَلا ترى أَنه لَو بَقِي حَيا إِلَى هَذَا الْوَقْت لم ينْعَقد الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله فَكَذَلِك إِذا كَانَ مَيتا لِأَن اعْتِبَار قَوْله لدليله لَا لِحَيَاتِهِ وَلِأَنَّهُ لَو ثَبت الْإِجْمَاع بعده لوَجَبَ القَوْل بتضليله وَلَا نظن أحدا يَقُول هَذَا لِابْنِ عَبَّاس ﵄ فِي زوج وأبوين وَإِن أَجمعُوا بعده على خلاف قَوْله وَلَا لِابْنِ مَسْعُود ﵁ فِي تَقْدِيم ذَوي الْأَرْحَام على مولى الْعتَاقَة وَإِن أَجمعُوا بعده على خلاف قَوْله وَقد قُلْتُمْ إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت خلية وَنوى ثَلَاثًا ثمَّ وَطئهَا فِي الْعدة وَقَالَ علمت أَنَّهَا عَليّ حرَام لَا يلْزمه الْحَد لِأَن عمر ﵁ كَانَ يَرَاهَا تَطْلِيقَة رَجْعِيَّة وَقد أَجمعُوا بعده على خلاف ذَلِك وَلِهَذَا صَحَّ نِيَّة الثَّلَاث فِيهِ فَدلَّ أَن الْإِجْمَاع لَا يثبت بِمثل هَذَا
وَجه قَوْلنَا إِن الْمُعْتَبر إِجْمَاع أهل كل عصر لما بَينا أَن الْمَقْصُود كَون أَحْكَام الشَّرْع مَحْفُوظَة وَأَن ثُبُوت هَذَا الحكم بِاعْتِبَار الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَذَلِكَ يخْتَص بِهِ الْأَحْيَاء من أهل الْعَصْر دون من مَاتَ قبلهم فَكَمَا أَن لَا يعْتَبر توهم قَول مِمَّن يَأْتِي بعدهمْ بِخِلَاف قَوْلهم فِي منع ثُبُوت حكم الْإِجْمَاع فَكَذَلِك لَا يعْتَبر قَول وَاحِد كَانَ قبلهم إِذا اجْتَمعُوا فِي عصرهم على خِلَافه وَيجْعَل هَذَا الْإِجْمَاع بِمَنْزِلَة التَّقْدِير من رَسُول الله ﷺ أَن لَو عرض عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمَعْلُوم أَنه لَو عرض عَلَيْهِ فَقَالَ الصَّوَاب هَذَا فَإِنَّهُ تثبت الْحجَّة بِهِ وَلَا يضلل الْقَائِل بِخِلَافِهِ قبل هَذَا التَّنْصِيص فَكَذَلِك هُنَا لَا يضلل الْقَائِل بِخِلَافِهِ قبل هَذَا الْإِجْمَاع أَلا ترى أَن أهل قبَاء كَانُوا يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس بَعْدَمَا نزلت فَرضِيَّة التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة حَتَّى أَتَاهُم آتٍ فَأخْبرهُم واستداروا
стр. 313
كَهَيْئَتِهِمْ وَجوز رَسُول الله ﷺ صلَاتهم لِأَن ذَلِك كَانَ قبل الْعلم بِالنَّصِّ النَّاسِخ وَابْن عَبَّاس ﵄ كَانَ يَقُول بِإِبَاحَة الْمُتْعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى قَول الصَّحَابَة وَيثبت الْإِجْمَاع بِرُجُوعِهِ لَا محَالة وَلم يكن ذَلِك مُوجبا تضليله فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ قبل هَذَا
فَأَما مَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت خلية فَإِنَّمَا أسقطنا الْحَد هُنَاكَ بِالْوَطْءِ لَا لِأَن اتِّفَاق أهل الْعَصْر بعد الْخلاف لَيْسَ بِإِجْمَاع وَلَكِن للشُّبْهَة المتمكنة فِي هَذَا الْإِجْمَاع بِسَبَب اخْتِلَاف الْعلمَاء فَإِن الْحَد يسْقط بِأَدْنَى شُبْهَة وَالله أعلم بِالْحَقِيقَةِ
ﷺ َ - بَاب الْكَلَام فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد وَالْعَمَل بهَا ﷺ َ - قَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار ﵏ خبر الْوَاحِد الْعدْل حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي أَمر الدّين وَلَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين
وَقَالَ بعض من لَا يعْتد بقوله خبر الْوَاحِد لَا يكون حجَّة فِي الدّين أصلا
وَقَالَ بعض أهل الحَدِيث يثبت بِخَبَر الْوَاحِد علم الْيَقِين مِنْهُم من اعْتبر فِيهِ عدد الشَّهَادَة ليَكُون حجَّة وَمِنْهُم من اعْتبر أقْصَى عدد الشَّهَادَة وَهُوَ الْأَرْبَعَة
فَأَما الْفَرِيق الأول استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَإِذا كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يُوجب الْعلم لم يجز اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ بِهَذَا الظَّاهِر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾ وَخبر الْوَاحِد إِذا لم يكن مَعْصُوما عَن الْكَذِب (مُحْتَمل للكذب) والغلط فَلَا يكون حَقًا على الْإِطْلَاق وَلَا يجوز القَوْل بِإِيجَاب الْعَمَل بِهِ فِي الدّين وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَمعنى الصدْق فِي خبر الْوَاحِد غير ثَابت إِلَّا بطرِيق الظَّن وَلِأَن خبر الْوَاحِد مُحْتَمل للصدق وَالْكذب وَالنَّص الَّذِي هُوَ مُحْتَمل لَا يكون مُوجبا للْعَمَل بِنَفسِهِ مَعَ أَن كل وَاحِد من المحتملين فِيهِ يجوز أَن يكون شرعا فَلِأَن لَا يجوز الْعَمَل بِمَا هُوَ مُحْتَمل للكذب وَالْكذب بَاطِل أصلا كَانَ أولى
وَلَا يدْخل على مَا ذكرنَا أُمُور الْمُعَامَلَات لِأَن الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حُقُوق الْعباد
стр. 314
والعباد يعجزون عَن إِظْهَار كل حق لَهُم بطرِيق لَا يبْقى فِيهِ شكّ وشبهة فلأجل الضَّرُورَة جَوَّزنَا الِاعْتِمَاد فِيهَا على خبر الْوَاحِد وَلِهَذَا سقط اعْتِبَار اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِيهِ أَيْضا فَأَما هُنَا الثَّابِت مَا هُوَ حق لله وَالله مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة يتعالى عَن أَن يلْحقهُ ضَرُورَة أَو عجز عَن إِظْهَار حُقُوقه بِمَا لَا يبْقى فِيهِ شكّ وشبهة فَلهَذَا لَا يَجْعَل الْمُحْتَمل للصدق وَالْكذب حجَّة فِيهِ
وعَلى هَذَا تخرج الشَّهَادَات أَيْضا فَإِن الْقيَاس فِيهَا أَن لَا يكون حجَّة مَعَ بَقَاء احْتِمَال الْكَذِب تَرَكْنَاهُ بالنصوص وبالمعنى الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ أَنَّهَا مَشْرُوعَة لإِثْبَات حُقُوق الْعباد وَالْحَاجة إِلَيْهَا تتجدد للعباد فِي كل وَقت وهم يعجزون عَن إِثْبَات كل حق لَهُم بِمَا لَا يكون مُحْتملا وَلِأَن القَوْل بِمَا قُلْتُمْ يُؤَدِّي إِلَى أَن يزْدَاد دَرَجَة الْمخبر الَّذِي هُوَ غير مَعْصُوم عَن الْكَذِب على الْمخبر الْمَعْصُوم عَن الْكَذِب يَعْنِي من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فَإِن خَبره فِي أول أمره إِنَّمَا كَانَ وَاجِب الْقبُول باقتران المعجزات بِهِ فَمن يَقُول بِأَن خبر غَيره يكون مَقْبُولًا من غير دَلِيل يقْتَرن بِهِ فقد زَاد دَرَجَة هَذَا الْمخبر على دَرَجَة الرَّسُول وَأي قَول أظهر فَسَادًا من هَذَا وَلَا خلاف أَن أصل الدّين كالتوحيد وصفات الله وَإِثْبَات النُّبُوَّة لَا يكون إِلَّا بطرِيق يُوجب الْعلم قطعا وَلَا يكون فِيهِ شكّ وَلَا شُبْهَة فَكَذَلِك فِيمَا يكون من أَمر الدّين
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس﴾ الْآيَة فَفِي هَاتين الْآيَتَيْنِ نهى لكل وَاحِد عَن الكتمان وَأمر بِالْبَيَانِ على مَا هُوَ الحكم فِي الْجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة أَنه يتَنَاوَل كل وَاحِد مِنْهُم وَلِأَن أَخذ الْمِيثَاق من أصل الدّين وَالْخطاب للْجَمَاعَة بِمَا هُوَ أصل الدّين يتَنَاوَل كل وَاحِد من الْآحَاد وَمن ضَرُورَة توجه الْأَمر بالإظهار على كل وَاحِد أَمر السَّامع بِالْقبُولِ مِنْهُ وَالْعَمَل بِهِ إِذْ أَمر الشَّرْع لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة حميدة وَلَا فَائِدَة فِي النَّهْي عَن الكتمان وَالْأَمر بِالْبَيَانِ سوى هَذَا
وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْفَاسِق فَإِنَّهُ دَاخل فِي عُمُوم الْأَمر بِالْبَيَانِ ثمَّ لَا يقبل بَيَانه فِي الدّين لِأَنَّهُ مَخْصُوص من هَذَا النَّص بِنَصّ آخر وَهُوَ مَا فِيهِ أَمر بالتوقف فِي خبر الْفَاسِق ثمَّ هُوَ مزجور عَن اكْتِسَاب سَبَب الْفسق مَأْمُور بِالتَّوْبَةِ عَنهُ ثمَّ يَتَرَتَّب الْبَيَان عَلَيْهِ فعلى هَذَا الْوَجْه بَيَانه يُفِيد وجوب القَوْل وَالْعَمَل بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ الْآيَة والفرقة اسْم للثَّلَاثَة فَصَاعِدا فالطائفة من الْفرْقَة
стр. 315
بَعْضهَا وَهُوَ الْوَاحِد أَو الِاثْنَان فَفِي أَمر الطَّائِفَة بالتفقه وَالرُّجُوع إِلَى قَومهمْ للإنذار كي يحذروا تنصيص على أَن الْقبُول وَاجِب على السامعين من الطَّائِفَة وَأَنه يلْزمهُم الحذر بإنذار الطَّائِفَة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بِالْحجَّةِ وَلَا يُقَال الطَّائِفَة اسْم للْجَمَاعَة لِأَن الْمُتَقَدِّمين اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الطَّائِفَة
قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب هُوَ اسْم للْوَاحِد
وَقَالَ عَطاء اسْم للاثنين
وَقَالَ الزُّهْرِيّ لثَلَاثَة
وَقَالَ الْحسن لعشرة فَيكون هَذَا اتِّفَاقًا مِنْهُم أَن الِاسْم يحْتَمل أَن يتَنَاوَل كل وَاحِد من هَذِه الْأَعْدَاد وَلم يقل أحد بِالزِّيَادَةِ على الْعشْرَة وَمَعْلُوم أَن بِخَبَر الْعشْرَة لَا يَنْتَفِي توهم الْكَذِب وَلَا يخرج من أَن يكون مُحْتملا فَعرفنَا أَنه لَا يشْتَرط لوُجُوب الْعَمَل كَون الْمخبر بِحَيْثُ لَا يبْقى فِي خَبره تُهْمَة الْكَذِب
ثمَّ الْأَصَح مَا قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب فقد قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة﴾ الْوَاحِد فَصَاعِدا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ نقل فِي سَبَب النُّزُول أَنَّهُمَا كَانَا رجلَيْنِ وَفِي سِيَاق الْآيَة مَا يدل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فأصلحوا بَينهمَا﴾ وَلم يقل بَينهم وَقَالَ ﴿فأصلحوا بَين أخويكم﴾ فقد سمي الرجلَيْن طائفتين
فَإِن قيل هَذَا بعيد فَإِن هَاء التَّأْنِيث لَا تلْحق بنعت الْوَاحِد من الذُّكُور
قُلْنَا هَذَا عِنْد ذكر الرجل فَأَما عِنْد ذكر النَّعْت يصلح للفرد من الذُّكُور وَالْإِنَاث فللعرب عَادَة فِي إِلْحَاق هَاء التَّأْنِيث بِهِ وَكتاب الله يشْهد بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تدع مثقلة إِلَى حملهَا لَا يحمل مِنْهُ شَيْء﴾ وَالْمرَاد الْوَاحِد لَا من الْإِنَاث خَاصَّة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾
فَإِن قيل هَذَا خطاب لجَمِيع الطوائف بالإنذار وهم يبلغون حد التَّوَاتُر وَيكون خبرهم مستفيضا مشتهرا
قُلْنَا لَا كَذَلِك فالجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة يتَنَاوَل كل وَاحِد مِنْهُم كَقَوْل الْقَائِل لبس الْقَوْم ثِيَابهمْ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ مَا يدل على مَا قُلْنَا لِأَن الرُّجُوع إِنَّمَا يتَحَقَّق مِمَّن كَانَ خَارِجا من الْقَوْم ثمَّ صَار قادما عَلَيْهِم وإتيان جَمِيع الطوائف إِلَى كل قوم للإنذار لَا يكون رُجُوعا إِلَيْهِم مَعَ أَن هَذَا لَو كَانَ شرطا لبينه رَسُول الله ﷺ لَهُم وكلفهم أَن يفعلوه وَلَو فَعَلُوهُ
стр. 316
لاشتهر وَلم ينْقل شَيْء من ذَلِك فِي الْآثَار وَالَّذِي يتَحَقَّق بهم الْإِجْمَاع للدوران للإنذار لَا يَنْقَطِع توهم الْكَذِب عَن خبرهم لبَقَاء احْتِمَال التواطؤ بَينهم فَكَانَ الِاسْتِدْلَال قَائِما وَإِن ساعدناهم على هَذَا التَّأْوِيل
فَإِن قيل عندنَا الرَّاجِع إِلَى كل فريق مَأْمُور بالإنذار بِمَا سَمعه لِقَوْمِهِ وَإِن لم يكن عَلَيْهِم أَن يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ بل الْمَقْصُود أَن يشْتَهر ذَلِك وَعند الاشتهار تَنْتفِي تُهْمَة الْكَذِب فَتَصِير حجَّة حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الْوَاحِد فَإِنَّهُ مَأْمُور بأَدَاء الشَّهَادَة وَإِن كَانَ الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ لَا يجب مَا لم يتم الْعدَد بِشَاهِد آخر وَتظهر الْعَدَالَة بالتزكية
قُلْنَا الشَّاهِد إِذا كَانَ وَحده فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَدَاء الشَّهَادَة لِأَن ذَلِك لَا ينفع الْمُدَّعِي وَرُبمَا يضر بِالشَّاهِدِ فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لوُجُوب الْعَمَل لما وَجب الْإِنْذَار بِمَا سمع ثمَّ لما ثَبت بِالنَّصِّ أَنه مَأْمُور بالإنذار ثَبت أَنه يجب الْقبُول مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بالإنذار ثمَّ كَانَ قَوْله ملزما للسامعين كَيفَ وَقد بَين الله تَعَالَى حكم الْقبُول وَالْعَمَل بِهِ فِي إِشَارَة بقوله ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ أَي لكَي يحذروا عَن الرَّد والامتناع عَن الْعَمَل بعد لُزُوم الْحجَّة إيَّاهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالْأَمر بالحذر لَا يكون إِلَّا بعد توجه الْحجَّة
فَدلَّ أَن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعَمَل وَلِأَن النَّبِي ﵇ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاس كَافَّة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ وَقد بلغ الرسَالَة بِلَا خلاف وَمَعْلُوم يَقِينا أَنه مَا أَتَى كل أحد فَبَلغهُ مشافهة وَلكنه بلغ قوما بِنَفسِهِ وَآخَرين برَسُول أرسل إِلَيْهِم وَآخَرين بِكِتَاب وَكتابه إِلَى مُلُوك الْآفَاق مَشْهُور لَا يُمكن إِنْكَاره فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لما كَانَ مبلغا رسالات ربه بِهَذَا الطَّرِيق إِلَى النَّاس كَافَّة وَقد فتحت الْبلدَانِ النائية على عَهده كاليمن والبحرين وَهُوَ مَا أَتَاهُم بِنَفسِهِ وَلكنه بعث عَاملا إِلَى كل نَاحيَة ليعلمهم الْأَحْكَام على مَا هُوَ سير الْمُلُوك الْيَوْم فِي بعث الْعمَّال إِلَى الْبلدَانِ لأجل أُمُور الدُّنْيَا فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة فِي أُمُور الدّين لما اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي حق الَّذين آمنُوا وَكَانُوا بالبعد من
стр. 317
حَضرته وَكَذَلِكَ المخدرات فِي بُيُوتهنَّ لم يحضرن مَجْلِسه فِي كل حَادِثَة وَلَكِن أَزوَاجهنَّ كَانُوا يسمعُونَ أَحْكَام الدّين من رَسُول الله ﷺ فيرجعون إلَيْهِنَّ ويعلمونهن فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لكلفهن رَسُول الله ﷺ الْإِتْيَان إِلَيْهِ للسماع مِنْهُ وَلَو فعل ذَلِك لاشتهر وَلَا يُقَال إِنَّمَا اكْتفى بذلك لِأَن من بَعثه رَسُول الله معلما إِلَى قوم لَا يَقُول لَهُم إِلَّا مَا هُوَ حق صدق فَكَانَ ذَلِك كَرَامَة لرَسُول الله وَلَا يُوجد مثل ذَلِك فِي حق غَيرهم من المخبرين لِأَنَّهُ لَو كَانَ بِهَذِهِ الصّفة لنقل هَذَا السَّبَب كَرَامَة لَهُم ولأعقابهم أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ حِين خص وَاحِدًا من الصَّحَابَة بِشَيْء اشْتهر ذَلِك بِالنَّقْلِ نَحْو قَوْله فِي حَنْظَلَة ﵁ إِن الْمَلَائِكَة غسلته وَفِي جَعْفَر ﵁ إِن لَهُ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة
ثمَّ كَمَا أَن من بَعثه رَسُول الله ﵇ خَلِيفَته فِي التَّبْلِيغ فَكل من سمع شَيْئا فِي أَمر الدّين فَهُوَ خَلِيفَته فِي التَّبْلِيغ مَأْمُور من جِهَته بِالْبَيَانِ كالمبعوث لقَوْله ﵊ أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وَلقَوْله ﵇ نضر الله امْرأ سمع منا مقَالَة فوعاها كَمَا سَمعهَا ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى من يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى مَا هُوَ أفقه مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَن يثبت ترجح جَانب الصدْق فِي خبر كل عدل أَيْضا كَرَامَة لرَسُول الله ﵇
وَفِي قَوْله (فَرب حَامِل فقه) بَيَان أَن مَا يخبر بِهِ الْوَاحِد فقه وَالْفِقْه فِي الدّين مَا يكون حجَّة ولأنا نعلم أَنه ﵇ كَانَ يَأْكُل الطَّعَام وَمَا كَانَ يزرع بِنَفسِهِ ليتيقن بِصفة الْحل فِيمَا يَأْكُلهُ وَقد كَانَ مَأْمُورا بِأَكْل الطّيب قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات﴾ وَرُبمَا كَانَ يهدي إِلَيْهِ على مَا رُوِيَ أَن سلمَان ﵁ أهدي إِلَيْهِ طبقًا من رطب وَأَن بَرِيرَة ﵂ كَانَت تهدي إِلَيْهِ وَكَانَ يدعى إِلَى طَعَام فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي حق الله تَعَالَى لما اعْتمد ذَلِك فِيمَا يَأْكُلهُ وَلَا يُقَال كَانَ يعلم من طَرِيق الْوَحْي حل مَا يتَنَاوَلهُ لِأَنَّهُ مَا كَانَ منتظر الْوَحْي عِنْد أكله أَلا ترى أَنه تنَاول لقْمَة من الشَّاة المصلية
стр. 318
فَلَمَّا لم يسغها سَأَلَ عَن شَأْنهَا فَأخْبر بذلك فَأمر بالتصدق بهَا وَتَنَاول لقْمَة من الشَّاة المسمومة فَعرفنَا أَنه مَا كَانَ ينْتَظر الْوَحْي عِنْد كل أَكلَة
وَالَّذِي يُؤَيّد مَا قُلْنَا حكم الشَّهَادَات فَإِن الله تَعَالَى أَمر القَاضِي بِالْقضَاءِ بِالشَّهَادَةِ وَمَعْلُوم أَن الِاحْتِمَال يبْقى بعد شَهَادَة شَاهِدين فَلَو كَانَ شَرط وجوب الْعَمَل بالْخبر انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب من كل وَجه لما وَجب على القَاضِي الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاء هَذَا الِاحْتِمَال
فَإِن قيل الشَّهَادَات لإِظْهَار حُقُوق الْعباد وَقد بَينا أَن هَذَا الشَّرْط غير مُعْتَبر فِيمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد
قُلْنَا كَمَا يجب الْقَضَاء بِمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد عِنْد أَدَاء الشَّهَادَة يجب الْقَضَاء بِمَا هُوَ من حُقُوق الله تَعَالَى كَحَد الشّرْب وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا ثمَّ وجوب الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ من حُقُوق الله تَعَالَى حَتَّى إِذا امْتنع من غير عذر يفسق وَإِذا لم ير ذَلِك أصلا يكفر إِلَّا أَن سَببه حق العَبْد وَبِه لَا يخرج من أَن يكون حَقًا لله تَعَالَى كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تجب حَقًا لله تَعَالَى بِسَبَب مَال هُوَ حق العَبْد
وَقد يَتَرَتَّب على خبر الْوَاحِد فِي الْمُعَامَلَات مَا هُوَ حق الله تَعَالَى نَحْو الْإِخْبَار بِطَهَارَة المَاء ونجاسته والإخبار بِأَن هَذَا الشَّيْء أهداه إِلَيْك فلَان وَأَن فلَانا وكلني بِبيع هَذَا الشَّيْء فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب على هَذَا كُله مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَهُوَ إِبَاحَة التَّنَاوُل فَإِن الْحل وَالْحُرْمَة من حق الله وَلَا يظنّ بِأحد أَنه لَا يرى الِاعْتِمَاد فِي مثل هَذَا على خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يتَعَذَّر بِهِ على النَّاس الْوُصُول إِلَى حوائجهم أَلا ترى أَنه وَإِن أخبرهُ أَن الْعين ملكه بِبيعِهِ فَمن الْجَائِز أَنه غَاصِب وَإِذا ألجأته الضَّرُورَة إِلَى التَّسْلِيم فِي هَذَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا سواهُ
ويتبين بِهِ فَسَاد اشْتِرَاط انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب عَن الْخَبَر للْعَمَل بِهِ فِيمَا هُوَ من حق الله تَعَالَى وَبِهَذَا يتَبَيَّن خطأ من زعم أَن هَذَا عمل بِغَيْر علم فَإِنَّهُ عندنَا عمل بِعلم هُوَ ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر وَلكنه غير مَقْطُوع بِهِ وَقد سمى الله تَعَالَى مثله علما فَقَالَ ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك سَمَاعا من مخبر أخْبرهُم بِهِ وَقَالَ ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار غَالب الرَّأْي واعتماد نوع من الظَّاهِر فَدلَّ على أَن مثله علم لَا ظن إِنَّمَا الظَّن عِنْد خبر الْفَاسِق وَلِهَذَا أَمر الله بالتوقف فِي خَبره وَبَين الْمَعْنى فِيهِ بقوله ﴿أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾
стр. 319
فَيكون ذَلِك بَيَانا أَن من اعْتمد خبر الْعدْل فِي الْعَمَل بِهِ يكون مصيبا بِعلم لَا بِجَهَالَة إِلَّا أَن ذَلِك (علم) بِاعْتِبَار الظَّاهِر لِأَن عَدَالَته ترجح جَانب الصدْق فِي خَبره وَإِذا كَانَ هَذَا النَّوْع من الظَّاهِر يصلح حجَّة للْقَضَاء بِهِ فَلِأَن يصلح حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي أَمر الدّين كَانَ أولى لِأَن هَذَا الحكم أسْرع ثبوتا أَلا ترى أَن بِالْقِيَاسِ يثبت وَمَعْلُوم أَن هَذَا الِاحْتِمَال فِي الْقيَاس أظهر وَالْقِيَاس دون خبر الْوَاحِد وَمن لَا يجوز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد هُنَا يفزع إِلَى الْقيَاس فَكيف يَسْتَقِيم ترك الْعَمَل بِمَا هُوَ أقوى لبَقَاء احْتِمَال فِيهِ والفزع إِلَى مَا هُوَ دونه وَهَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ أظهر فَإِن قيل هَذَا سَهْو فَإِن الْكَلَام فِي إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء وَالْقِيَاس لَا يصلح لنصب الحكم ابْتِدَاء وَإِنَّمَا ذَلِك بِالسَّمَاعِ مِمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَقد كَانَ مَعْصُوما عَن مثل هَذَا الِاحْتِمَال فِي خَبره فَعرفنَا أَنه لَا يثبت الحكم ابْتِدَاء إِلَّا بِخَبَر يضاهي السماع مِنْهُ وَذَلِكَ بِأَن يبلغ حد التَّوَاتُر إِلَّا أَن فِي الْقَضَاء تركنَا هَذَا الشَّرْط لضَرُورَة بِالنَّاسِ فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى إِظْهَار حُقُوقهم بِالْحجَّةِ عِنْد القَاضِي وَلَا يتمكنون من مثل هَذَا الْخَبَر فِي كل حق يجب لبَعْضهِم على بعض
قُلْنَا رَضِينَا بِهَذَا الْكَلَام ونقول حاجتنا إِلَى معرفَة أَحْكَام الدّين وَحُقُوق الله تَعَالَى علينا لنعمل بِهِ مثل حَاجَة من كَانَ فِي زمن رَسُول الله ﷺ بِحَضْرَتِهِ وَكَانُوا يسمعُونَ مِنْهُ وَمَعْلُوم أَن بعد تطاول الزَّمَان لَا يُوجد مثل هَذَا الْخَبَر فِي كل حكم من أَحْكَام الشَّرْع فَوَجَبَ أَن يَجْعَل خبر الْوَاحِد فِيهِ حجَّة للْعَمَل بِاعْتِبَار الظَّاهِر لتحَقّق الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا جعل مثل هَذِه الْحَاجة مُعْتَبرا فِي وجوب الْقَضَاء على القَاضِي بِالشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال مَعَ أَنه لَيْسَ الطَّرِيق مَا قَالُوا فِي بَاب الْقَضَاء فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يسمع الْخُصُومَة فِي حُقُوق الْعباد وَيَقْضِي بالشهادات والأيمان وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أَقْْضِي بِمَا أسمع فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَكَأَنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار وَمَعْلُوم أَن مثل هَذِه الضَّرُورَة مَا كَانَ يتَحَقَّق فِي حَقه فقد كَانَ الْوَحْي ينزل عَلَيْهِ وَلَو كَانَ توهم الْكَذِب
стр. 320
فِي شَهَادَة الشُّهُود يمْنَع بِثُبُوت الْعلم فِي (حق) الْعَمَل بِشَهَادَتِهِم لما قضى رَسُول الله بِالشَّهَادَةِ قطّ فَإِنَّهُ كَانَ مُتَمَكنًا من الْقَضَاء بِعلم وَذَلِكَ بِأَن ينْتَظر نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَمَا كَانَ يجوز لَهُ أَن يقْضِي بِغَيْر علم وَقد نقل قضاياه مَشْهُورا بالشهادات والأيمان فَهُوَ دَلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا
والْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة ﵃ فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تخفى ذكر مُحَمَّد ﵀ بَعْضهَا فِي الِاسْتِحْسَان وَأورد أَكْثَرهَا عِيسَى بن أبان ﵀ مستدلا بِجَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَلَكنَّا لم نشتغل بهَا لشهرتها ولعلمنا أَن الْخُصُوم يتعنتون فَيَقُولُونَ كَيفَ يحتجون على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بالآحاد من الْأَخْبَار وَهُوَ نفس الْخلاف فَلهَذَا اشتغلنا بالاستدلال بِمَا هُوَ شبه المحسوس فَكَأَن عِيسَى ابْن أبان إِنَّمَا اسْتدلَّ بهَا لكَونهَا مَشْهُورَة فِي حيّز التَّوَاتُر وَلِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ جَائِز فِيمَا لَا نَص فِيهِ ثَبت ذَلِك بِاتِّفَاق الصَّحَابَة وَخبر الْوَاحِد أقوى من الْقيَاس لِأَن الْمَعْمُول بِهِ وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ لَا شُبْهَة فِيهِ وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي طَرِيق الِاتِّصَال بِهِ وَفِي الْقيَاس الشُّبْهَة وَالِاحْتِمَال فِي الْمَعْنى الْمَعْمُول بِهِ وَالطَّرِيق فيهمَا غَالب الرَّأْي فَكَانَ جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ دَلِيلا على جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالطَّرِيقِ الأولى
يقرره أَن الْعَاميّ إِذا سَأَلَ الْمُفْتِي حادثته فَأفْتى بِشَيْء يلْزمه الْعَمَل بِهِ وَلَو سَأَلَهُ عَن اعْتِقَاده فِي ذَلِك فَأخْبر أَنه مُعْتَقد لما يفتيه بِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْتَمد قَوْله وَفِيه احْتِمَال السَّهْو وَالْكذب وَلَكِن بِاعْتِبَار فقهه يتَرَجَّح جَانب الْإِصَابَة وَبِاعْتِبَار عَدَالَته يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِيهِ فَيجب الْعَمَل بِهِ فَكَذَلِك فِيمَا يخبر بِهِ الْعدْل لِأَن جَانب الصدْق يتَرَجَّح بِظُهُور عَدَالَته وَمَا قَالُوا إِن فِي هَذَا إِثْبَات زِيَادَة دَرَجَة لخَبر غير الْمَعْصُوم على خبر الْمَعْصُوم غلط بَين فَإِن الْحَاجة إِلَى ظُهُور المعجزات لثُبُوت علم الْيَقِين بنبوته وليكون خَبره مُوجبا علم الْيَقِين وَلَا يثبت مثل ذَلِك بِخَبَر مثل هَذَا الْمخبر أَلا ترى أَن الْعَمَل بِخَبَر الْمخبر فِي الْمُعَامَلَات جَائِز عدلا كَانَ أَو فَاسِقًا إِذا وَقع فِي قلب السَّامع أَنه صَادِق وَلَا يكون فِي
следующие страницы →