← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6301

أصول السرخسي = تمهيد الفصول في الأصول - ت الأفغاني

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (724 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لاشتهر وَلم ينْقل شَيْء من ذَلِك فِي الْآثَار وَالَّذِي يتَحَقَّق بهم الْإِجْمَاع للدوران للإنذار لَا يَنْقَطِع توهم الْكَذِب عَن خبرهم لبَقَاء احْتِمَال التواطؤ بَينهم فَكَانَ الِاسْتِدْلَال قَائِما وَإِن ساعدناهم على هَذَا التَّأْوِيل فَإِن قيل عندنَا الرَّاجِع إِلَى كل فريق مَأْمُور بالإنذار بِمَا سَمعه لِقَوْمِهِ وَإِن لم يكن عَلَيْهِم أَن يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ بل الْمَقْصُود أَن يشْتَهر ذَلِك وَعند الاشتهار تَنْتفِي تُهْمَة الْكَذِب فَتَصِير حجَّة حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الْوَاحِد فَإِنَّهُ مَأْمُور بأَدَاء الشَّهَادَة وَإِن كَانَ الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ لَا يجب مَا لم يتم الْعدَد بِشَاهِد آخر وَتظهر الْعَدَالَة بالتزكية قُلْنَا الشَّاهِد إِذا كَانَ وَحده فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَدَاء الشَّهَادَة لِأَن ذَلِك لَا ينفع الْمُدَّعِي وَرُبمَا يضر بِالشَّاهِدِ فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لوُجُوب الْعَمَل لما وَجب الْإِنْذَار بِمَا سمع ثمَّ لما ثَبت بِالنَّصِّ أَنه مَأْمُور بالإنذار ثَبت أَنه يجب الْقبُول مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بالإنذار ثمَّ كَانَ قَوْله ملزما للسامعين كَيفَ وَقد بَين الله تَعَالَى حكم الْقبُول وَالْعَمَل بِهِ فِي إِشَارَة بقوله ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ أَي لكَي يحذروا عَن الرَّد والامتناع عَن الْعَمَل بعد لُزُوم الْحجَّة إيَّاهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالْأَمر بالحذر لَا يكون إِلَّا بعد توجه الْحجَّة فَدلَّ أَن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعَمَل وَلِأَن النَّبِي ﵇ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاس كَافَّة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ وَقد بلغ الرسَالَة بِلَا خلاف وَمَعْلُوم يَقِينا أَنه مَا أَتَى كل أحد فَبَلغهُ مشافهة وَلكنه بلغ قوما بِنَفسِهِ وَآخَرين برَسُول أرسل إِلَيْهِم وَآخَرين بِكِتَاب وَكتابه إِلَى مُلُوك الْآفَاق مَشْهُور لَا يُمكن إِنْكَاره فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لما كَانَ مبلغا رسالات ربه بِهَذَا الطَّرِيق إِلَى النَّاس كَافَّة وَقد فتحت الْبلدَانِ النائية على عَهده كاليمن والبحرين وَهُوَ مَا أَتَاهُم بِنَفسِهِ وَلكنه بعث عَاملا إِلَى كل نَاحيَة ليعلمهم الْأَحْكَام على مَا هُوَ سير الْمُلُوك الْيَوْم فِي بعث الْعمَّال إِلَى الْبلدَانِ لأجل أُمُور الدُّنْيَا فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة فِي أُمُور الدّين لما اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي حق الَّذين آمنُوا وَكَانُوا بالبعد من

стр. 317

حَضرته وَكَذَلِكَ المخدرات فِي بُيُوتهنَّ لم يحضرن مَجْلِسه فِي كل حَادِثَة وَلَكِن أَزوَاجهنَّ كَانُوا يسمعُونَ أَحْكَام الدّين من رَسُول الله ﷺ فيرجعون إلَيْهِنَّ ويعلمونهن فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لكلفهن رَسُول الله ﷺ الْإِتْيَان إِلَيْهِ للسماع مِنْهُ وَلَو فعل ذَلِك لاشتهر وَلَا يُقَال إِنَّمَا اكْتفى بذلك لِأَن من بَعثه رَسُول الله معلما إِلَى قوم لَا يَقُول لَهُم إِلَّا مَا هُوَ حق صدق فَكَانَ ذَلِك كَرَامَة لرَسُول الله وَلَا يُوجد مثل ذَلِك فِي حق غَيرهم من المخبرين لِأَنَّهُ لَو كَانَ بِهَذِهِ الصّفة لنقل هَذَا السَّبَب كَرَامَة لَهُم ولأعقابهم أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ حِين خص وَاحِدًا من الصَّحَابَة بِشَيْء اشْتهر ذَلِك بِالنَّقْلِ نَحْو قَوْله فِي حَنْظَلَة ﵁ إِن الْمَلَائِكَة غسلته وَفِي جَعْفَر ﵁ إِن لَهُ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة ثمَّ كَمَا أَن من بَعثه رَسُول الله ﵇ خَلِيفَته فِي التَّبْلِيغ فَكل من سمع شَيْئا فِي أَمر الدّين فَهُوَ خَلِيفَته فِي التَّبْلِيغ مَأْمُور من جِهَته بِالْبَيَانِ كالمبعوث لقَوْله ﵊ أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وَلقَوْله ﵇ نضر الله امْرأ سمع منا مقَالَة فوعاها كَمَا سَمعهَا ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى من يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى مَا هُوَ أفقه مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَن يثبت ترجح جَانب الصدْق فِي خبر كل عدل أَيْضا كَرَامَة لرَسُول الله ﵇ وَفِي قَوْله (فَرب حَامِل فقه) بَيَان أَن مَا يخبر بِهِ الْوَاحِد فقه وَالْفِقْه فِي الدّين مَا يكون حجَّة ولأنا نعلم أَنه ﵇ كَانَ يَأْكُل الطَّعَام وَمَا كَانَ يزرع بِنَفسِهِ ليتيقن بِصفة الْحل فِيمَا يَأْكُلهُ وَقد كَانَ مَأْمُورا بِأَكْل الطّيب قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات﴾ وَرُبمَا كَانَ يهدي إِلَيْهِ على مَا رُوِيَ أَن سلمَان ﵁ أهدي إِلَيْهِ طبقًا من رطب وَأَن بَرِيرَة ﵂ كَانَت تهدي إِلَيْهِ وَكَانَ يدعى إِلَى طَعَام فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي حق الله تَعَالَى لما اعْتمد ذَلِك فِيمَا يَأْكُلهُ وَلَا يُقَال كَانَ يعلم من طَرِيق الْوَحْي حل مَا يتَنَاوَلهُ لِأَنَّهُ مَا كَانَ منتظر الْوَحْي عِنْد أكله أَلا ترى أَنه تنَاول لقْمَة من الشَّاة المصلية

стр. 318

فَلَمَّا لم يسغها سَأَلَ عَن شَأْنهَا فَأخْبر بذلك فَأمر بالتصدق بهَا وَتَنَاول لقْمَة من الشَّاة المسمومة فَعرفنَا أَنه مَا كَانَ ينْتَظر الْوَحْي عِنْد كل أَكلَة وَالَّذِي يُؤَيّد مَا قُلْنَا حكم الشَّهَادَات فَإِن الله تَعَالَى أَمر القَاضِي بِالْقضَاءِ بِالشَّهَادَةِ وَمَعْلُوم أَن الِاحْتِمَال يبْقى بعد شَهَادَة شَاهِدين فَلَو كَانَ شَرط وجوب الْعَمَل بالْخبر انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب من كل وَجه لما وَجب على القَاضِي الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاء هَذَا الِاحْتِمَال فَإِن قيل الشَّهَادَات لإِظْهَار حُقُوق الْعباد وَقد بَينا أَن هَذَا الشَّرْط غير مُعْتَبر فِيمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد قُلْنَا كَمَا يجب الْقَضَاء بِمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد عِنْد أَدَاء الشَّهَادَة يجب الْقَضَاء بِمَا هُوَ من حُقُوق الله تَعَالَى كَحَد الشّرْب وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا ثمَّ وجوب الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ من حُقُوق الله تَعَالَى حَتَّى إِذا امْتنع من غير عذر يفسق وَإِذا لم ير ذَلِك أصلا يكفر إِلَّا أَن سَببه حق العَبْد وَبِه لَا يخرج من أَن يكون حَقًا لله تَعَالَى كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تجب حَقًا لله تَعَالَى بِسَبَب مَال هُوَ حق العَبْد وَقد يَتَرَتَّب على خبر الْوَاحِد فِي الْمُعَامَلَات مَا هُوَ حق الله تَعَالَى نَحْو الْإِخْبَار بِطَهَارَة المَاء ونجاسته والإخبار بِأَن هَذَا الشَّيْء أهداه إِلَيْك فلَان وَأَن فلَانا وكلني بِبيع هَذَا الشَّيْء فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب على هَذَا كُله مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَهُوَ إِبَاحَة التَّنَاوُل فَإِن الْحل وَالْحُرْمَة من حق الله وَلَا يظنّ بِأحد أَنه لَا يرى الِاعْتِمَاد فِي مثل هَذَا على خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يتَعَذَّر بِهِ على النَّاس الْوُصُول إِلَى حوائجهم أَلا ترى أَنه وَإِن أخبرهُ أَن الْعين ملكه بِبيعِهِ فَمن الْجَائِز أَنه غَاصِب وَإِذا ألجأته الضَّرُورَة إِلَى التَّسْلِيم فِي هَذَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا سواهُ ويتبين بِهِ فَسَاد اشْتِرَاط انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب عَن الْخَبَر للْعَمَل بِهِ فِيمَا هُوَ من حق الله تَعَالَى وَبِهَذَا يتَبَيَّن خطأ من زعم أَن هَذَا عمل بِغَيْر علم فَإِنَّهُ عندنَا عمل بِعلم هُوَ ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر وَلكنه غير مَقْطُوع بِهِ وَقد سمى الله تَعَالَى مثله علما فَقَالَ ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك سَمَاعا من مخبر أخْبرهُم بِهِ وَقَالَ ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار غَالب الرَّأْي واعتماد نوع من الظَّاهِر فَدلَّ على أَن مثله علم لَا ظن إِنَّمَا الظَّن عِنْد خبر الْفَاسِق وَلِهَذَا أَمر الله بالتوقف فِي خَبره وَبَين الْمَعْنى فِيهِ بقوله ﴿أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾

стр. 319

فَيكون ذَلِك بَيَانا أَن من اعْتمد خبر الْعدْل فِي الْعَمَل بِهِ يكون مصيبا بِعلم لَا بِجَهَالَة إِلَّا أَن ذَلِك (علم) بِاعْتِبَار الظَّاهِر لِأَن عَدَالَته ترجح جَانب الصدْق فِي خَبره وَإِذا كَانَ هَذَا النَّوْع من الظَّاهِر يصلح حجَّة للْقَضَاء بِهِ فَلِأَن يصلح حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي أَمر الدّين كَانَ أولى لِأَن هَذَا الحكم أسْرع ثبوتا أَلا ترى أَن بِالْقِيَاسِ يثبت وَمَعْلُوم أَن هَذَا الِاحْتِمَال فِي الْقيَاس أظهر وَالْقِيَاس دون خبر الْوَاحِد وَمن لَا يجوز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد هُنَا يفزع إِلَى الْقيَاس فَكيف يَسْتَقِيم ترك الْعَمَل بِمَا هُوَ أقوى لبَقَاء احْتِمَال فِيهِ والفزع إِلَى مَا هُوَ دونه وَهَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ أظهر فَإِن قيل هَذَا سَهْو فَإِن الْكَلَام فِي إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء وَالْقِيَاس لَا يصلح لنصب الحكم ابْتِدَاء وَإِنَّمَا ذَلِك بِالسَّمَاعِ مِمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَقد كَانَ مَعْصُوما عَن مثل هَذَا الِاحْتِمَال فِي خَبره فَعرفنَا أَنه لَا يثبت الحكم ابْتِدَاء إِلَّا بِخَبَر يضاهي السماع مِنْهُ وَذَلِكَ بِأَن يبلغ حد التَّوَاتُر إِلَّا أَن فِي الْقَضَاء تركنَا هَذَا الشَّرْط لضَرُورَة بِالنَّاسِ فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى إِظْهَار حُقُوقهم بِالْحجَّةِ عِنْد القَاضِي وَلَا يتمكنون من مثل هَذَا الْخَبَر فِي كل حق يجب لبَعْضهِم على بعض قُلْنَا رَضِينَا بِهَذَا الْكَلَام ونقول حاجتنا إِلَى معرفَة أَحْكَام الدّين وَحُقُوق الله تَعَالَى علينا لنعمل بِهِ مثل حَاجَة من كَانَ فِي زمن رَسُول الله ﷺ بِحَضْرَتِهِ وَكَانُوا يسمعُونَ مِنْهُ وَمَعْلُوم أَن بعد تطاول الزَّمَان لَا يُوجد مثل هَذَا الْخَبَر فِي كل حكم من أَحْكَام الشَّرْع فَوَجَبَ أَن يَجْعَل خبر الْوَاحِد فِيهِ حجَّة للْعَمَل بِاعْتِبَار الظَّاهِر لتحَقّق الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا جعل مثل هَذِه الْحَاجة مُعْتَبرا فِي وجوب الْقَضَاء على القَاضِي بِالشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال مَعَ أَنه لَيْسَ الطَّرِيق مَا قَالُوا فِي بَاب الْقَضَاء فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يسمع الْخُصُومَة فِي حُقُوق الْعباد وَيَقْضِي بالشهادات والأيمان وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أَقْْضِي بِمَا أسمع فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَكَأَنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار وَمَعْلُوم أَن مثل هَذِه الضَّرُورَة مَا كَانَ يتَحَقَّق فِي حَقه فقد كَانَ الْوَحْي ينزل عَلَيْهِ وَلَو كَانَ توهم الْكَذِب

стр. 320

فِي شَهَادَة الشُّهُود يمْنَع بِثُبُوت الْعلم فِي (حق) الْعَمَل بِشَهَادَتِهِم لما قضى رَسُول الله بِالشَّهَادَةِ قطّ فَإِنَّهُ كَانَ مُتَمَكنًا من الْقَضَاء بِعلم وَذَلِكَ بِأَن ينْتَظر نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَمَا كَانَ يجوز لَهُ أَن يقْضِي بِغَيْر علم وَقد نقل قضاياه مَشْهُورا بالشهادات والأيمان فَهُوَ دَلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا والْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة ﵃ فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تخفى ذكر مُحَمَّد ﵀ بَعْضهَا فِي الِاسْتِحْسَان وَأورد أَكْثَرهَا عِيسَى بن أبان ﵀ مستدلا بِجَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَلَكنَّا لم نشتغل بهَا لشهرتها ولعلمنا أَن الْخُصُوم يتعنتون فَيَقُولُونَ كَيفَ يحتجون على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بالآحاد من الْأَخْبَار وَهُوَ نفس الْخلاف فَلهَذَا اشتغلنا بالاستدلال بِمَا هُوَ شبه المحسوس فَكَأَن عِيسَى ابْن أبان إِنَّمَا اسْتدلَّ بهَا لكَونهَا مَشْهُورَة فِي حيّز التَّوَاتُر وَلِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ جَائِز فِيمَا لَا نَص فِيهِ ثَبت ذَلِك بِاتِّفَاق الصَّحَابَة وَخبر الْوَاحِد أقوى من الْقيَاس لِأَن الْمَعْمُول بِهِ وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ لَا شُبْهَة فِيهِ وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي طَرِيق الِاتِّصَال بِهِ وَفِي الْقيَاس الشُّبْهَة وَالِاحْتِمَال فِي الْمَعْنى الْمَعْمُول بِهِ وَالطَّرِيق فيهمَا غَالب الرَّأْي فَكَانَ جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ دَلِيلا على جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالطَّرِيقِ الأولى يقرره أَن الْعَاميّ إِذا سَأَلَ الْمُفْتِي حادثته فَأفْتى بِشَيْء يلْزمه الْعَمَل بِهِ وَلَو سَأَلَهُ عَن اعْتِقَاده فِي ذَلِك فَأخْبر أَنه مُعْتَقد لما يفتيه بِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْتَمد قَوْله وَفِيه احْتِمَال السَّهْو وَالْكذب وَلَكِن بِاعْتِبَار فقهه يتَرَجَّح جَانب الْإِصَابَة وَبِاعْتِبَار عَدَالَته يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِيهِ فَيجب الْعَمَل بِهِ فَكَذَلِك فِيمَا يخبر بِهِ الْعدْل لِأَن جَانب الصدْق يتَرَجَّح بِظُهُور عَدَالَته وَمَا قَالُوا إِن فِي هَذَا إِثْبَات زِيَادَة دَرَجَة لخَبر غير الْمَعْصُوم على خبر الْمَعْصُوم غلط بَين فَإِن الْحَاجة إِلَى ظُهُور المعجزات لثُبُوت علم الْيَقِين بنبوته وليكون خَبره مُوجبا علم الْيَقِين وَلَا يثبت مثل ذَلِك بِخَبَر مثل هَذَا الْمخبر أَلا ترى أَن الْعَمَل بِخَبَر الْمخبر فِي الْمُعَامَلَات جَائِز عدلا كَانَ أَو فَاسِقًا إِذا وَقع فِي قلب السَّامع أَنه صَادِق وَلَا يكون فِي

стр. 321

هَذَا قولا بِزِيَادَة خَبره على خبر الْمَعْصُوم عَن الْكَذِب وَأما من قَالَ بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم فقد اسْتدلَّ بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ لِمعَاذ حِين وَجهه إِلَى الْيمن ثمَّ أعلمهم أَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِم صَدَقَة فِي أَمْوَالهم وَمرَاده الْإِعْلَام بالإخبار وَأما إِذا لم يكن خبر الْوَاحِد مُوجبا للْعلم للسامع لَا يكون ذَلِك إعلاما وَلِأَن الْعَمَل يجب بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا يجب الْعَمَل إِلَّا بِعلم قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَلِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي نبأ الْفَاسِق ﴿أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾ وضد الْجَهَالَة الْعلم وضد الْفسق الْعَدَالَة فَفِي هَذَا بَيَان أَن الْعلم إِنَّمَا لَا يَقع بِخَبَر الْفَاسِق وَأَنه يثبت بِخَبَر الْعدْل ثمَّ قد يثبت بالآحاد من الْأَخْبَار مَا يكون الحكم فِيهِ الْعلم فَقَط نَحْو عَذَاب الْقَبْر وسؤال مُنكر وَنَكِير ورؤية الله تَعَالَى بالأبصار فِي الْآخِرَة فَبِهَذَا وَنَحْوه يتَبَيَّن أَن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعلم وَلَكنَّا نقُول هَذَا الْقَائِل كَأَنَّهُ خَفِي عَلَيْهِ الْفرق بَين سُكُون النَّفس وطمأنينة الْقلب وَبَين علم الْيَقِين فَإِن بَقَاء احْتِمَال الْكَذِب فِي خبر غير الْمَعْصُوم معاين لَا يُمكن إِنْكَاره وَمَعَ الشُّبْهَة وَالِاحْتِمَال لَا يثبت الْيَقِين وَإِنَّمَا يثبت سُكُون النَّفس وطمأنينة الْقلب بترجح جَانب الصدْق بِبَعْض الْأَسْبَاب وَقد بَينا فِيمَا سبق أَن علم الْيَقِين لَا يثبت بالمشهور من الْأَخْبَار بِهَذَا الْمَعْنى فَكيف يثبت بِخَبَر الْوَاحِد وطمأنينة الْقلب نوع علم من حَيْثُ الظَّاهِر فَهُوَ المُرَاد بقوله (ثمَّ أعلمهم) وَيجوز الْعَمَل بِاعْتِبَارِهِ كَمَا يجوز الْعَمَل بِمثلِهِ فِي بَاب الْقبْلَة عِنْد الِاشْتِبَاه وينتفي بِاعْتِبَار مُطلق الْجَهَالَة لِأَنَّهُ يتَرَجَّح جَانب الصدْق بِظُهُور الْعَدَالَة بِخِلَاف خبر الْفَاسِق فَإِنَّهُ يتَحَقَّق فِيهِ الْمُعَارضَة من غير أَن يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ فَأَما الْآثَار المروية فِي عَذَاب الْقَبْر وَنَحْوهَا فبعضها مَشْهُورَة وَبَعضهَا آحَاد وَهِي توجب عقد الْقلب عَلَيْهِ والابتلاء بِعقد الْقلب على الشَّيْء بِمَنْزِلَة الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ بِهِ أَو أهم فَإِن ذَلِك لَيْسَ من ضرورات الْعلم قَالَ تَعَالَى ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ فَتبين أَنهم تركُوا عقد الْقلب على ثُبُوته بعد الْعلم بِهِ وَفِي هَذَا بَيَان أَن هَذِه الْآثَار لَا تنفك عَن معنى وجوب

стр. 322

الْعَمَل بهَا ويحكى عَن النظام أَن خبر الْوَاحِد عِنْد اقتران بعض الْأَسْبَاب بِهِ مُوجب للْعلم ضَرُورَة قَالَ أَلا ترى أَن من مر بِبَاب فَرَأى آثَار غسل الْمَيِّت وَسمع عجوزا تخرج من الدَّار وَهِي تَقول مَاتَ فلَان فَإِنَّهُ يعلم مَوته ضَرُورَة بِهَذَا الْخَبَر لاقتران هَذَا السَّبَب بِهِ قَالَ وَهُوَ علم يحدثه الله تَعَالَى فِي قلب السَّامع بِمَنْزِلَة الْعلم للسامع بِخَبَر التَّوَاتُر إِذْ لَيْسَ فِي التَّوَاتُر إِلَّا مَجْمُوع الْآحَاد وَيجوز القَوْل بِأَن الله تَعَالَى يحدثه فِي قلب بعض السامعين دون الْبَعْض كَمَا أَنه يحدث الْوَلَد بِبَعْض الْوَطْء دون الْبَعْض وَهَذَا قَول بَاطِل فَإِن مَا يكون ثَابتا ضَرُورَة لَا يخْتَلف النَّاس فِيهِ بِمَنْزِلَة الْعلم الْوَاقِع بالمعاينة وَالْعلم الْوَاقِع بِخَبَر التَّوَاتُر ثمَّ فِي هَذَا إبِْطَال أَحْكَام الشَّرْع من الرُّجُوع إِلَى الْبَينَات والأيمان عِنْد تعَارض الدعْوَة وَالْإِنْكَار والمصير إِلَى اللّعان عِنْد قذف الزَّوْج زَوجته فَإِن الْقَرَائِن من أبين الْأَسْبَاب وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون خبر الزَّوْج مُوجبا الْعلم ضَرُورَة فَلَا يجوز للْقَاضِي عِنْد ذَلِك أَن يصير إِلَى اللّعان وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْخُصُومَات يَنْبَغِي أَن ينْتَظر إِلَى أَن يحصل لَهُ علم الضَّرُورَة بِخَبَر المخبرين فَيعْمل بِهِ واقتران المعجزات بأخبار الرُّسُل من أقوى الْأَسْبَاب ثمَّ الْعلم الْحَاصِل بِالنُّبُوَّةِ يكون كسبيا لَا ضَرُورِيًّا فَكيف يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا لأحد أَن يَقُول إِن بِخَبَر الْوَاحِد يثبت الْعلم الضَّرُورِيّ بِحَال من الْأَحْوَال فَإِن قيل فقد قُلْتُمْ الْآن إِن من جحد الرسَالَة فَإِنَّمَا جحد بعد الْعلم بهَا فَدلَّ أَن الْعلم الضَّرُورِيّ كَانَ ثَابتا بالْخبر قُلْنَا إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من قوم متعنتين عرفُوا نعت رَسُول الله ﷺ ونبوته من كِتَابهمْ ثمَّ جَحَدُوا عنادا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ وَلَا يظنّ أحد أَن جَمِيع الْكفَّار كَانُوا عَالمين بذلك ضَرُورَة ثمَّ تواطؤا على الْجُحُود على ذَلِك لِأَن فِي هَذَا القَوْل نفي الْعلم بِخَبَر التَّوَاتُر فَإِن ثُبُوت الْعلم بِهِ بِاعْتِبَار انْتِفَاء تُهْمَة التواطؤ فَكيف يجوز إِثْبَات علم الضَّرُورِيّ عِنْد خبر الْوَاحِد بطرِيق يدل على نفي الْعلم بِخَبَر التَّوَاتُر وبمثله

стр. 323

يتَبَيَّن عوار المبطلين وَالله ولي الْمُتَّقِينَ فَأَما خبر الْمخبر بِالْمَوْتِ إِنَّمَا يُوجب سُكُون النَّفس وطمأنينة الْقلب أَلا ترى أَنه إِذا شككه آخر بقوله اختفى صَاحب الدَّار من السُّلْطَان فأظهر هَذَا تشكك فِيهِ وَلَو كَانَ الثَّابِت لَهُ علما ضَرُورِيًّا لما تشكك فِيهِ بِخَبَر الْوَاحِد وَأما من شَرط عدد الشَّهَادَة اسْتدلَّ فِيهِ بالنصوص الْوَارِدَة فِي بَاب الشَّهَادَات فَإِن الشَّرْع اعْتبر ذَلِك لثُبُوت الْعلم على وَجه يجب الْعَمَل بِهِ فَعرفنَا أَن بِدُونِ ذَلِك لَا يثبت الْعلم على وَجه يجب الْعَمَل بِهِ فِي خبر متميل بَين الصدْق وَالْكذب وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أَبَا بكر ﵁ حِين شهد عِنْده الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ أَن النَّبِي ﵇ أطْعم الْجدّة السُّدس قَالَ ائْتِ بِشَاهِد آخر فَشهد مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة ﵁ وَلما روى أَبُو مُوسَى لعمر خبر الاسْتِئْذَان فَقَالَ ائْتِ بِشَاهِد آخر فَشهد مَعَه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵃ وَقَالَ عمر ﵁ فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس ﵂ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَلَا سنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت وَقَالَ عَليّ ﵁ فِي حَدِيث أبي سِنَان الْأَشْجَعِيّ ﵁ فِي مهر الْمثل مَاذَا نصْنَع بقول أَعْرَابِي بوال على عقبه فِي هَذَا بَيَان أَنهم كَانُوا لَا يقبلُونَ خبر الْوَاحِد وَكَانُوا يعتبرون لطمأنينة الْقلب عدد الشَّهَادَة كَمَا كَانُوا يعتبرون لذَلِك صفة الْعَدَالَة وَمن بَالغ فِي الِاحْتِيَاط فقد اعْتبر أقْصَى عدد الشَّهَادَة لِأَن مَا دون ذَلِك مُحْتَمل وَتَمام الرجحان عِنْد انْقِطَاع الِاحْتِمَال بِحَسب الْإِمْكَان وَلَكنَّا نستدل بقوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ وَمَعْلُوم أَن هَذَا النَّعْت لكل مُؤمن فَهُوَ تنصيص على أَن قَول كل مُؤمن فِي بَاب الدّين يكون أمرا بِالْمَعْرُوفِ ونهيا عَن الْمُنكر وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا كَانَ يجب الْعَمَل بِمَا يَأْمر بِهِ من الْمَعْرُوف فاشتراط الْعدَد فِي الْأَمريْنِ يكون زِيَادَة وَجَمِيع مَا ذكرنَا حجَّة على هَؤُلَاءِ وَلَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِمَّا ذكرُوا فَإِن هَذِه الْآثَار إِنَّمَا تكون حجَّة لَهُم إِذا أثبتوا النَّقْل فِيهَا من اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ حَتَّى اتَّصل بهم لِأَن

стр. 324

بِدُونِ ذَلِك لَا تقوم الْحجَّة عِنْدهم وَلَا يتَمَكَّن أحد من إِثْبَات هَذَا فِي شَيْء من أَخْبَار الْآحَاد ثمَّ إِنَّمَا طلب أَبُو بكر ﵁ شَاهدا آخر من الْمُغيرَة لِأَنَّهُ شكّ فِي خَبره بِاعْتِبَار معنى وقف عَلَيْهِ أَو بِاعْتِبَار أَنه أخبر أَن هَذَا الْقَضَاء من رَسُول الله ﷺ كَانَ بِمحضر من الْجَمَاعَة فَأحب أَن يستثبت لذَلِك وَكَذَلِكَ عمر ﵁ إِنَّمَا أَمر أَبَا مُوسَى أَن يَأْتِي بِشَاهِد آخر لِأَنَّهُ أخبر بِمَا تعم بِهِ الْبلوى فَيحْتَاج الْخَاص وَالْعَام إِلَى مَعْرفَته فَأحب أَن يستثبته وَلَو لم يَأْتِ بِشَاهِد آخر لَكَانَ يقبل حَدِيثه أَيْضا وَذكر بعض الْمُتَأَخِّرين من مَشَايِخنَا ﵏ أَنه لَا يقبل حَدِيثه لَو لم يَأْتِ بِشَاهِد آخر فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن فِي الروَاة يَوْمئِذٍ كَثْرَة فَكَانَ لَا تتَحَقَّق الضَّرُورَة فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَمثله لَا يُوجد بعد تطاول الزَّمَان وَلَكِن الْأَصَح هُوَ الأول وَعَلِيهِ نَص مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الِاسْتِحْسَان فَقَالَ لَو لم يَأْتِ بِشَاهِد آخر لَكَانَ يقبل حَدِيثه أَيْضا أَلا ترى أَنه قبل حَدِيث ضحاك بن سُفْيَان ﵁ فِي تَوْرِيث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا وَقبل حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ فِي الطَّاعُون حِين رَجَعَ من الشَّام وَقبل حَدِيثه أَيْضا فِي أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَلم يطْلب مِنْهُ شَاهدا آخر وَإِنَّمَا لم يقبل حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس لكَونه مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة فَإِن السُّكْنَى لَهَا مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي قَوْله ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم﴾ وَهِي قَالَت وَلم يَجْعَل لي رَسُول الله ﵇ نَفَقَة وَلَا سُكْنى وَإِنَّمَا لم يقبل عَليّ ﵁ حَدِيث أبي سِنَان لمَذْهَب لَهُ كَانَ ينْفَرد بِهِ وَهُوَ أَنه كَانَ لَا يقبل رِوَايَة الْأَعْرَاب وَكَانَ يحلف الرَّاوِي إِذا روى لَهُ حَدِيثا إِلَّا أَبَا بكر الصّديق ﵁ أَلا ترى أَن ابْن مَسْعُود ﵁ لما لم يكن هَذَا من مذْهبه قبل حَدِيث أبي سِنَان وسر بِهِ وَبَاب الشَّهَادَات لَيْسَ نَظِير بَاب الْأَخْبَار بالِاتِّفَاقِ فَفِي الشَّهَادَة كل امْرَأتَيْنِ تقومان مقَام رجل وَاحِد وَفِي الْأَخْبَار الرِّجَال وَالنِّسَاء سَوَاء وَلَكِن نقُول اشْتِرَاط الْعدَد فِي الشَّهَادَات عَرفْنَاهُ بِالنَّصِّ من غير أَن يعقل فِيهِ معنى فَإِن الْعلم الْحَاصِل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل لَا يزْدَاد بانضمام مثله إِلَيْهِ وَانْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب لَا يحصل أَيْضا بنصاب الشَّهَادَة فَعرفنَا أَن ذَلِك مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَالْوَاجِب علينا فِيهِ اتِّبَاع النَّص وَبَاب

стр. 325

الْأَخْبَار لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَلا ترى أَنه لَا اخْتِصَاص فِي بَاب الْأَخْبَار بِلَفْظ الشَّهَادَة وَلَا بِمَجْلِس الْقَضَاء وَأَن الشَّهَادَات الْمُوجبَة للْقَضَاء تخْتَص بذلك وَكَذَلِكَ حكم الْأَخْبَار لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمخبر بِهِ من أَحْكَام الدّين وتختلف باخْتلَاف الْمَشْهُود بِهِ فَيثبت بعض الْأَحْكَام بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَلَا يثبت الْبَعْض وَيثبت الْبَعْض بِشَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة وَقد جعل رَسُول الله ﷺ شَهَادَة خُزَيْمَة ﵁ حجَّة تَامَّة وسنقرر هَذَا الْكَلَام فِي الْفَصْل الثَّانِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصل فِي بَيَان أَقسَام مَا يكون خبر الْوَاحِد فِيهِ حجَّة قَالَ ﵁ هَذِه أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا أَحْكَام الشَّرْع الَّتِي هِيَ فروع الدّين فِيمَا يحْتَمل النّسخ والتبديل فَإِنَّهَا وَاجِبَة لله تَعَالَى علينا يلْزمنَا أَن ندين بهَا وَهِي نَوْعَانِ مَا لَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ كالعبادات وَغَيرهَا وَخبر الْوَاحِد الْعدْل حجَّة فِيهَا لإِيجَاب الْعَمَل من غير اشْتِرَاط عدد وَلَا لفظ بل بأوصاف تشْتَرط فِي الْمخبر على مَا نبينه وَهَذَا لِأَن الْمُعْتَبر فِيهِ رُجْحَان جَانب الصدْق لَا انْتِفَاء احْتِمَال الْكَذِب وَذَلِكَ حَاصِل من غير عدد وَلَا تعْيين لفظ وَلَيْسَ لزِيَادَة الْعدَد وَتَعْيِين اللَّفْظ تَأْثِير فِي انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب وَالصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يقبلُونَ مثل هَذِه الْأَخْبَار من الْوَاحِد لإِيجَاب الْعَمَل من غير اشْتِرَاط زِيَادَة الْعدَد إِلَّا على سَبِيل الِاحْتِيَاط من بَعضهم نَحْو مَا رُوِيَ أَن عليا ﵁ كَانَ يحلف الرَّاوِي على مَا قَالَ كنت إِذا لم أسمع حَدِيثا من رَسُول الله ﷺ وحَدثني بِهِ غَيره حلفته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر ﵁ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ مَا أذْنب عبد ذَنبا ثمَّ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء وَصلى ثمَّ اسْتغْفر ربه إِلَّا غفر لَهُ فَفِي هَذَا بَيَان أَنه كَانَ يحْتَاط فَيحلف الرَّاوِي وَمَا كَانَ يشْتَرط زِيَادَة الْعدَد وَلَا تعْيين لفظ الشَّهَادَة فَلَو كَانَ ذَلِك شرطا لاستوى فِيهِ المتقدمون والمتأخرون كَمَا فِي الشَّهَادَات فِي الْأَحْكَام وَأما مَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ فقد رُوِيَ عَن أبي يُوسُف ﵀ فِي الأمالي أَن خبر الْوَاحِد فِيهِ حجَّة أَيْضا وَهُوَ اخْتِيَار الْجَصَّاص ﵀ وَكَانَ الْكَرْخِي رَحمَه

стр. 326

الله يَقُول خبر الْوَاحِد فِيهِ لَا يكون حجَّة وَجه القَوْل الأول أَن الْمُعْتَبر فِي خبر الْوَاحِد ليَكُون حجَّة ترجح جَانب الصدْق وَعند ذَلِك يكون الْعَمَل بِهِ وَاجِبا فِيمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ وَفِيمَا يثبت بِالشُّبُهَاتِ كَمَا فِي الْبَينَات وَلَو كَانَ مُجَرّد الِاحْتِمَال مَانِعا للْعَمَل فِيمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ لم يجز الْعَمَل فِيهَا بِالْبَيِّنَةِ وَكَذَلِكَ يجوز الْعَمَل فِيهَا بِدلَالَة النَّص مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال وَوجه القَوْل الآخر أَن فِي اتِّصَال خبر الْوَاحِد بِمن يكون قَوْله حجَّة مُوجبَة للْعلم شُبْهَة وَمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ لَا يجوز إثْبَاته بِمَا فِيهِ شُبْهَة أَلا ترى أَنه لَا يجوز إثْبَاته بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا جَوَّزنَا إثْبَاته بالشهادات بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُم﴾ وَمَا كَانَ ثَابتا بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْقيَاس لَا يلْحق بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ من كل وَجه وَخبر الْوَاحِد لَيْسَ فِي معنى الشَّهَادَة من كل وَجه وَالْقسم الثَّانِي حُقُوق الْعباد الَّتِي فِيهَا إِلْزَام مَحْض ويشترك فِيهَا أهل الْملَل وَهَذَا لَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد إِلَّا بِشَرْط الْعدَد وَتَعْيِين لفظ الشَّهَادَة والأهلية وَالْولَايَة لِأَنَّهَا تبتنى على منازعات متحققة بَين النَّاس بعد التَّعَارُض بَين الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار وَإِنَّمَا شرعت مرجحة لأحد الْجَانِبَيْنِ فَلَا يصلح نفس الْخَبَر مرجحا للْخَبَر إِلَّا بِاعْتِبَار زِيَادَة توكيد من لفظ شَهَادَة أَو يَمِين فهما للتوكيد أَلا ترى أَن كَلِمَات اللّعان شرع فِيهَا لفظ الشَّهَادَة وَالْيَمِين للتوكيد وَزِيَادَة الْعدَد أَيْضا للتوكيد وطمأنينة الْقلب إِلَى قَول الْمثنى أظهر إِذْ الْوَاحِد يمِيل إِلَى الْوَاحِد عَادَة قَلما يتَّفق الِاثْنَان على الْميل إِلَى الْوَاحِد فِي حَادِثَة وَاحِدَة وَلِأَن الْخُصُومَات إِنَّمَا تقع بِاعْتِبَار الهمم الْمُخْتَلفَة للنَّاس والمصير إِلَى التزوير والاشتغال بالحيل والأباطيل فِيهَا ظَاهر فَجَعلهَا الشَّرْع حجَّة بِشَرْط زِيَادَة الْعدَد وَتَعْيِين لفظ الشَّهَادَة تقليلا لِمَعْنى الْحِيَل والتزوير فِيهَا بِحَسب وسع الْقُضَاة وَلَيْسَ هَذَا نَظِير الْقسم الأول فَإِن السَّامع هُنَاكَ حَاجته إِلَى الدَّلِيل للْعَمَل بِهِ لَا إِلَى رفع دَلِيل مَانع وَخبر الْوَاحِد بِاعْتِبَار حسن الظَّن بالراوي دَلِيل صَالح لذَلِك فَأَما

стр. 327

فِي المنازعات فالحاجة إِلَى رفع مَا مَعَه من الدَّلِيل وَهُوَ الْإِنْكَار الَّذِي هُوَ معَارض لدعوى الْمُدَّعِي فاشتراط الزِّيَادَة فِي الْخَبَر هُنَا لهَذَا الْمَعْنى وَمن الْقسم الأول الشَّهَادَة على رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان إِذا كَانَ بالسماء عِلّة فالثابت بِهِ حق الله تَعَالَى على عباده وَهُوَ أَدَاء الصَّوْم وَمن الْقسم الثَّانِي الشَّهَادَة على هِلَال الْفطر فالثابت بِهِ حق الْعباد لِأَن فِي الْفطر مَنْفَعَة لَهُم وَهُوَ مُلْزم إيَّاهُم وَمن ذَلِك أَيْضا الْإِخْبَار بِالْحُرْمَةِ بِسَبَب الرَّضَاع فِي ملك النِّكَاح أَو ملك الْيَمين فَإِنَّهُ يبتني على زَوَال الْملك لِأَن ثُبُوت الْحل لَا يكون بِدُونِ الْملك فانتفاؤه يُوجب انْتِفَاء الْملك وَالْملك من حُقُوق الْعباد فَإِن كَانَ الْحل وَالْحُرْمَة من حُقُوق الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْإِخْبَار بِالْحُرْمَةِ فِي الْأمة فَإِن حُرْمَة الْفرج وَإِن كَانَ من حق الله تَعَالَى فثبوتها يبتني على زَوَال الْملك الَّذِي هُوَ حق الْعباد فَلَا يكون خبر الْوَاحِد حجَّة فِيهَا بِدُونِ شَرَائِط الشَّهَادَة بِخِلَاف الْخَبَر بِطَهَارَة المَاء ونجاسته وَالْخَبَر بِحل الطَّعَام وَالشرَاب وحرمته فَإِن ذَلِك من الْقسم الأول لِأَن ثُبُوت الْملك لَيْسَ من ضَرُورَة ثُبُوت الْحل فِيهِ وَزَوَال الْحل لَا يبتنى على زَوَال الْملك فِيهِ ضَرُورَة وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ التَّزْكِيَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف ﵄ هِيَ من الْقسم الأول لَا يعْتَبر فِيهَا الْعدَد وَلَا لفظ الشَّهَادَة لِأَن الثَّابِت بهَا تقرر الْحجَّة وَجَوَاز الْقَضَاء وَذَلِكَ حق الشَّرْع وَعند مُحَمَّد ﵀ هُوَ نَظِير الْقسم الثَّانِي فِي اشْتِرَاط الْعدَد فِيهَا لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بهَا مَا هُوَ حق الْعباد وَهُوَ اسْتِحْقَاق الْقَضَاء للْمُدَّعِي بِحقِّهِ وَالْقسم الثَّالِث الْمُعَامَلَات الَّتِي تجْرِي بَين الْعباد مِمَّا لَا يتَعَلَّق بهَا اللُّزُوم أصلا وَخبر الْوَاحِد فِيهَا حجَّة إِذا كَانَ الْمخبر مُمَيّزا عدلا كَانَ أَو غير عدل صَبيا كَانَ أَو بَالغا كَافِرًا كَانَ أَو مُسلما وَذَلِكَ نَحْو الوكالات والمضاربات وَالْإِذْن للعبيد فِي التِّجَارَة وَالشِّرَاء من الوكلاء والملاك حَتَّى إِذا أخبرهُ صبي مُمَيّز أَو كَافِر أَو فَاسق أَن فلَانا وَكله أَو أَن مَوْلَاهُ أذن لَهُ فَوَقع فِي قلبه أَنه صَادِق يجوز لَهُ أَن يشْتَغل بِالتَّصَرُّفِ بِنَاء على خَبره فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقبل هَدِيَّة الطَّعَام من الْبر التقي وَغَيره وَكَانَ يَشْتَرِي من الْكَافِر أَيْضا والمعاملات بَين النَّاس فِي الْأَسْوَاق من

стр. 328

لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا ظَاهر لَا يخفى على وَاحِد مِنْهُم لَا يشترطون الْعَدَالَة فِيمَن يعاملونه وَأَنَّهُمْ يعتمدون خبر كل مُمَيّز يُخْبِرهُمْ بذلك لما فِي اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِيهِ من الْحَرج الْبَين وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين مَا سبق من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الضَّرُورَة (هُنَا) تتَحَقَّق بِالْحَاجةِ إِلَى قبُول خبر كل مُمَيّز لِأَن الْإِنْسَان قَلما يجد الْعدْل ليَبْعَثهُ إِلَى غُلَامه أَو وَكيله وَلَا دَلِيل مَعَ السَّامع سوى هَذَا الْخَبَر وَلَا يتَمَكَّن من الرُّجُوع إِلَيْهِ للْعَمَل وَكَذَلِكَ الْمُتَصَرف مَعَ الْوَكِيل فَإِن أقْصَى مَا يُمكنهُ أَن يرجع إِلَى الْمُوكل وَلَعَلَّه غَاصِب غير مَالك أَيْضا وللضرورة تَأْثِير فِي التَّخْفِيف وَلَا يتَحَقَّق مثل هَذِه الضَّرُورَة فِي الْأَخْبَار فِيمَا يرجع إِلَى أَحْكَام الشَّرْع لِأَن فِي الْعُدُول من الروَاة كَثْرَة ويتمكن السَّامع من الرُّجُوع إِلَى دَلِيل آخر يعْمل بِهِ إِذا لم يَصح الْخَبَر عِنْده وَهُوَ الْقيَاس الصَّحِيح وَالثَّانِي وَهُوَ أَن هَذِه الْأَخْبَار غير ملزمة لِأَن العَبْد وَالْوَكِيل يُبَاح لَهما الْإِقْدَام على التَّصَرُّف من غير أَن يلْزمهُمَا ذَلِك وَاشْتِرَاط الْعَدَالَة ليترجح جَانب الصدْق من الْخَبَر فيصلح أَن يكون ملزما وَذَلِكَ فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ اللُّزُوم من أَحْكَام الشَّرْع دون مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ اللُّزُوم من الْمُعَامَلَات ثمَّ هَذِه الْحَالة حَالَة المسالمة وَاشْتِرَاط زِيَادَة الْعدَد وَاللَّفْظ فِي الشَّهَادَة إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار الْمُنَازعَة وَالْخُصُومَة فَيسْقط اعْتِبَار ذَلِك عِنْد المسالمة وعَلى هَذَا بنى الْمسَائِل فِي آخر الِاسْتِحْسَان فَقَالَ إِذا قَالَ كَانَ هَذَا الْعين لي فِي يَد فلَان غصبا فأخذتها مِنْهُ لم يجز للسامع أَن يعْتَمد خَبره لِأَنَّهُ فِي خَبره يُشِير إِلَى الْمُنَازعَة وَلَو قَالَ تَابَ من غصبه فَرده على جَازَ أَن يعْتَمد خَبره إِذا وَقع فِي قلبه أَنه صَادِق لِأَنَّهُ يُشِير إِلَى المسالمة وَكَذَلِكَ لَو تزوج امْرَأَة فَأخْبرهُ مخبر بِأَنَّهَا حرمت عَلَيْهِ بِسَبَب عَارض من رضَاع أَو غَيره يجوز لَهُ أَن يعْتَمد خَبره ويتزوج أُخْتهَا وَلَو أخبرهُ أَنَّهَا كَانَت مُحرمَة عَلَيْهِ عِنْد العقد لم يقبل خَبره لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحُرْمَة الطارئة معنى الْمُنَازعَة وَفِي الْمُقَارنَة للْعقد يتَحَقَّق ذَلِك فإقدامه على مُبَاشرَة العقد تَصْرِيح مِنْهُ بِأَنَّهَا حَلَال لَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة إِذا أخْبرت بِأَن الزَّوْج طَلقهَا وَهُوَ غَائِب يجوز لَهَا أَن تعتمد خبر الْمخبر وتتزوج بعد انْقِضَاء الْعدة بِخِلَاف مَا إِذا أخْبرت أَن العقد كَانَ بَينهمَا بَاطِلا فِي الأَصْل بِمَعْنى من الْمعَانِي والمسائل على هَذَا الأَصْل كَثِيرَة

стр. 329

وَالْقسم الرَّابِع مَا يتَعَلَّق بِهِ اللُّزُوم من وَجه دون وَجه من الْمُعَامَلَات وَذَلِكَ نَحْو الْحجر على العَبْد الْمَأْذُون وعزل الْوَكِيل فَإِن الْحجر نَظِير الْإِطْلَاق فَمن هَذَا الْوَجْه هُوَ غير مُلْزم إِيَّاه شَيْئا وَلكنه لَو تصرف بعد ثُبُوت الْحجر كَانَ ذَلِك ملزما إِيَّاه الْعهْدَة فَفِي هَذَا الْخَبَر معنى اللُّزُوم من هَذَا الْوَجْه ثمَّ على قَول أبي حنيفَة ﵁ يشْتَرط فِي هَذَا الْخَبَر أحد شرطي الشَّهَادَة إِمَّا الْعدَد أَو الْعَدَالَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد هَذَا نَظِير مَا سبق وَالشّرط فِيهِ أَن يكون الْمخبر مُمَيّزا عدلا كَانَ أَو غير عدل حَتَّى إِذا أخبر فَاسق العَبْد بِأَن مَوْلَاهُ قد حجر عَلَيْهِ يصير مَحْجُورا عِنْدهمَا اعْتِبَارا للحجر بِالْإِطْلَاقِ فَالْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فِيهِ مَوْجُود هُنَا وَقِيَاسًا للمخبر الْفُضُولِيّ على مَا إِذا كَانَ رَسُول الْمولى وَكَذَلِكَ إِذا أخبر الْوَكِيل بِأَن الْمُوكل عَزله أَو أخْبرت الْبكر بِأَن وَليهَا زَوجهَا فَسَكَتَتْ أَو أخبر الشَّفِيع بِبيع الدَّار فَسكت عَن طلب الشُّفْعَة أَو أخبر الْمولى بِأَن عَبده جنى فَأعْتقهُ ف أَبُو حنيفَة يَقُول فِي هَذِه الْفُصُول كلهَا خبر الْفَاسِق غير مُعْتَبر إِذا نَشأ الْخَبَر من عِنْده لِأَن فِيهِ معنى اللُّزُوم فَإِنَّهُ يلْزمه الْكَفّ عَن التَّصَرُّف إِذا أخبرهُ بِالْحجرِ والعزل ويلزمها النِّكَاح إِذا سكتت بعد الْعلم والكف عَن طلب الشُّفْعَة إِذا سكت بعد الْعلم وَالدية إِذا أعتق بعد الْعلم بِالْجِنَايَةِ وَخبر الْفَاسِق لَا يكون ملزما لِأَن التَّوَقُّف فِي خبر الْفَاسِق ثَابت بِالنَّصِّ وَمن ضَرُورَته أَن لَا يكون ملزما بِخِلَاف الرَّسُول فَإِن عِبَارَته كعبارة الْمُرْسل ثمَّ بالمرسل حَاجَة إِلَى تَبْلِيغ ذَلِك وقلما يجد عدلا يَسْتَعْمِلهُ فِي الْإِرْسَال إِلَى عَبده ووكيله فَأَما الْفُضُولِيّ فمتكلف لَا حَاجَة بِهِ إِلَى هَذَا التَّبْلِيغ وَالسَّامِع غير مُحْتَاج إِلَيْهِ أَيْضا لِأَنَّهُ مَعَه دَلِيل يعتمده للتَّصَرُّف إِلَى أَن يبلغهُ مَا يرفعهُ فَلهَذَا شرطنا الْعَدَالَة فِي الْخَبَر فِي هَذَا الْقسم وَلَا يشْتَرط الْعدَد لِأَن اشْتِرَاطهَا لأجل مُنَازعَة متحققة وَذَلِكَ غير مَوْجُود هُنَا فَإِن كَانَ الْمخبر هُنَا فاسقين فقد قَالَ بَعضهم يثبت بخبرهما لوُجُود أحد الشَّرْطَيْنِ وَقَالَ بَعضهم لَا يثبت لِأَن خبر الْفَاسِقين لَا يصلح للإلزام

стр. 330

كَخَبَر الْفَاسِق الْوَاحِد وَلَفظ الْكتاب مشتبه فَإِنَّهُ قَالَ حَتَّى يُخبرهُ رجلَانِ أَو رجل عدل فَقيل مَعْنَاهُ رجلَانِ عدل أَو رجل عدل لِأَن صِيغَة هَذَا النَّعْت للفرد وَالْجَمَاعَة وَاحِد أَلا ترى أَنه يُقَال شَاهدا عدل وَمن اعْتمد القَوْل الأول قَالَ اشْتِرَاط زِيَادَة الْعدَد للتوكيد هُنَا بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط الْعدَد فِي إِخْبَار الْعُدُول فِي الشَّهَادَات فَإِنَّهَا للتوكيد وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا قَالَ فِي الِاسْتِحْسَان لَو أخبر أحد المخبرين بِطَهَارَة المَاء وَالْآخر بِنَجَاسَتِهِ وَأَحَدهمَا عدل وَالْآخر غير عدل فَإِنَّهُ يعْتَمد خبر الْعدْل مِنْهُمَا وَلَو كَانَ فِي أحد الْجَانِبَيْنِ مخبران وَفِي الْجَانِب الآخر وَاحِد واستووا فِي صفة الْعَدَالَة فَإِنَّهُ يَأْخُذ بقول الِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل كَمَا يرجح خبر الْعدْل على خبر غير الْعدْل يتَرَجَّح خبر الْمثنى من الْعُدُول على خبر الْوَاحِد فَعرفنَا أَن فِي زِيَادَة الْعدَد معنى التوكيد وَالَّذِي أسلم فِي دَار الْحَرْب إِذا لم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى زمَان لم يلْزمه الْقَضَاء فَإِن أخبرهُ بذلك فَاسق فقد قَالَ مَشَايِخنَا هُوَ على الْخلاف أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة لَا يعْتَبر هَذَا الْخَبَر فِي إِيجَاب الْقَضَاء عَلَيْهِ وَعِنْدَهُمَا يعْتَبر قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه يعْتَبر الْخَبَر هُنَا فِي إِيجَاب الْقَضَاء عِنْدهم جَمِيعًا لِأَن هَذَا الْمخبر نَائِب عَن رَسُول الله ﷺ مَأْمُور من جِهَته بالتبليغ كَمَا قَالَ أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَهُوَ بِمَنْزِلَة رَسُول الْمَالِك إِلَى عَبده ثمَّ هُوَ غير متكلف فِي هَذَا الْخَبَر وَلكنه مسْقط عَن نَفسه مَا لزمَه من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فَلهَذَا يعْتَبر خَبره فصل فِي أَقسَام الروَاة الَّذين يكون خبرهم حجَّة قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الروَاة قِسْمَانِ مَعْرُوف ومجهول فالمعروف نَوْعَانِ من كَانَ مَعْرُوفا بالفقه والرأي فِي الِاجْتِهَاد وَمن كَانَ مَعْرُوفا بِالْعَدَالَةِ وَحسن الضَّبْط وَالْحِفْظ وَلكنه قَلِيل الْفِقْه فالنوع الأول كالخلفاء الرَّاشِدين والعبادلة وَزيد بن ثَابت ومعاذ بن جبل وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَائِشَة وَغَيرهم من الْمَشْهُورين بالفقه من الصَّحَابَة ﵃ وخبرهم حجَّة مُوجبَة

стр. 331

للْعلم الَّذِي هُوَ غَالب الرَّأْي ويبتنى عَلَيْهِ وجوب الْعَمَل سَوَاء كَانَ الْخَبَر مُوَافقا للْقِيَاس أَو مُخَالفا لَهُ فَإِن كَانَ مُوَافقا للْقِيَاس تأيد بِهِ وَإِن كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس يتْرك الْقيَاس وَيعْمل بالْخبر وَكَانَ مَالك بن أنس يَقُول يقدم الْقيَاس على خبر الْوَاحِد فِي الْعَمَل بِهِ لِأَن الْقيَاس حجَّة بِإِجْمَاع السّلف من الصَّحَابَة وَدَلِيل الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أقوى من خبر الْوَاحِد فَكَذَلِك مَا يكون ثَابتا بِالْإِجْمَاع وَلَكنَّا نقُول ترك الْقيَاس بالْخبر الْوَاحِد فِي الْعَمَل بِهِ أَمر مَشْهُور فِي الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من السّلف لَا يُمكن إِنْكَاره حَتَّى يسمون ذَلِك معدولا بِهِ عَن الْقيَاس وَعَلِيهِ دلّ حَدِيث عمر ﵁ فَإِن حمل ابْن مَالك ﵁ حِين روى لَهُ حَدِيث الْغرَّة فِي الْجَنِين قَالَ كدنا أَن نقضي فِيهِ برأينا فِيمَا فِيهِ قَضَاء عَن رَسُول الله ﷺ بِخِلَاف مَا قضى بِهِ وَفِي رِوَايَة لَوْلَا مَا رويت لرأينا خلاف ذَلِك وَقَالَ ابْن عمر ﵁ كُنَّا نخابر وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى أخبرنَا رَافع بن خديج ﵁ أَن النَّبِي ﵇ نهى عَن إكراء الْمزَارِع فتركناه لأجل قَوْله وَلِأَن قَول الرَّسُول ﷺ مُوجب للْعلم بِاعْتِبَار أَصله وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي النَّقْل عَنهُ فَأَما الْوَصْف الَّذِي بِهِ الْقيَاس فالشبهة وَالِاحْتِمَال فِي أَصله لأَنا لَا نعلم يَقِينا أَن ثُبُوت الحكم الْمَنْصُوص بِاعْتِبَار هَذَا الْوَصْف من بَين سَائِر الْأَوْصَاف وَمَا يكون الشُّبْهَة فِي أَصله دون مَا تكون الشُّبْهَة فِي طَرِيقه بعد التيقن بِأَصْلِهِ يُوضحهُ أَن الشُّبْهَة هُنَا بِاعْتِبَار توهم الْغَلَط وَالنِّسْيَان فِي الرَّاوِي وَذَلِكَ عَارض وَهُنَاكَ بِاعْتِبَار التَّرَدُّد بَين هَذَا الْوَصْف وَسَائِر الْأَوْصَاف وَهُوَ أصل ثمَّ الْوَصْف الَّذِي هُوَ معنى من الْمَنْصُوص كالخبر والرأي وَالنَّظَر فِيهِ كالسماع وَالْقِيَاس كالعمل بِهِ وَلَا شكّ أَن الْوَصْف سَاكِت عَن الْبَيَان وَالْخَبَر بَيَان فِي نَفسه فَيكون الْخَبَر أقوى من الْوَصْف فِي الْإِبَانَة وَالسَّمَاع أقوى من الرَّأْي فِي الْإِصَابَة وَلَا يجوز ترك الْقوي بالضعيف فَأَما الْمَعْرُوف بِالْعَدَالَةِ والضبط وَالْحِفْظ كَأبي هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك ﵄ وَغَيرهمَا مِمَّن اشْتهر بالصحبة مَعَ رَسُول الله ﷺ وَالسَّمَاع مِنْهُ مُدَّة

стр. 332

طَوِيلَة فِي الْحَضَر وَالسّفر فَإِن أَبَا هُرَيْرَة مِمَّن لَا يشك أحد فِي عَدَالَته وَطول صحبته مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى قَالَ لَهُ (زر غبا تَزْدَدْ حبا) وَكَذَلِكَ فِي حسن حفظه وَضَبطه فقد دَعَا لَهُ رَسُول الله ﷺ بذلك على مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ يَزْعمُونَ أَن أَبَا هُرَيْرَة يكثر الرِّوَايَة وَإِنِّي كنت أصحب رَسُول الله ﷺ على ملْء بَطْني وَالْأَنْصَار يشتغلون بِالْقيامِ على أَمْوَالهم والمهاجرون بتجاراتهم فَكنت أحضر إِذا غَابُوا وَقد حضرت مَجْلِسا لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ (من يبسط مِنْكُم رِدَاءَهُ حَتَّى أفيض فِيهِ مَقَالَتي فيضمها إِلَيْهِ ثمَّ لَا ينساها) فبسطت بردة كَانَت عَليّ فَأَفَاضَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ مقَالَته ثمَّ ضممتها إِلَى صَدْرِي فَمَا نسيت بعد ذَلِك شَيْئا وَلَكِن مَعَ هَذَا قد اشْتهر من الصَّحَابَة ﵁ وَمن بعدهمْ مُعَارضَة بعض رواياته بِالْقِيَاسِ هَذَا ابْن عَبَّاس ﵄ لما سَمعه يروي (توضؤوا مِمَّا مسته النَّار) قَالَ أَرَأَيْت لَو تَوَضَّأت بِمَاء سخن أَكنت تتوضأ مِنْهُ أَرَأَيْت لَو ادهن أهلك بدهن فادهنت بِهِ شاربك أَكنت تتوضأ مِنْهُ فقد رد خَبره بِالْقِيَاسِ حَتَّى رُوِيَ أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ (لَهُ) يَا ابْن أخي إِذا أَتَاك الحَدِيث فَلَا تضرب لَهُ الْأَمْثَال وَلَا يُقَال إِنَّمَا رده بِاعْتِبَار نَص آخر عِنْده وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ أَتَى بكتف مؤربة فَأكلهَا وَصلى وَلم يتَوَضَّأ لِأَنَّهُ لَو كَانَ عِنْده نَص لما تكلم بِالْقِيَاسِ وَلَا أعرض عَن أقوى الحجتين أَو كَانَ سَبيله أَن يطْلب التَّارِيخ بَينهمَا ليعرف النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ أَو أَن يخصص اللَّحْم من ذَلِك الْخَبَر بِهَذَا الحَدِيث فَحَيْثُ اشْتغل بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مَعْرُوف بالفقه والرأي من بَين الصَّحَابَة على وَجه لَا يبلغ دَرَجَة أبي هُرَيْرَة فِي الْفِقْه ودرجته عرفنَا أَنه استخار التَّأَمُّل فِي رِوَايَته إِذا كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس وَلما سَمعه يروي من حمل جَنَازَة فَليَتَوَضَّأ قَالَ أيلزمنا الْوضُوء فِي حمل عيدَان يابسة وَلما سَمِعت عَائِشَة ﵂ أَن أَبَا هُرَيْرَة يروي أَن ولد الزِّنَا شَرّ الثَّلَاثَة قَالَت كَيفَ يَصح هَذَا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾

стр. 333

وَهَذَا عَام دخله خُصُوص وَرُوِيَ أَن عَائِشَة قَالَت لِابْنِ أَخِيهَا أَلا تعجب من كَثْرَة رِوَايَة هَذَا الرجل وَرَسُول الله ﷺ حدث بِأَحَادِيث لَو عدهَا عَاد لأحصاها وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵁ كَانُوا يَأْخُذُونَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَيدعونَ وَقَالَ لَو كَانَ ولد الزِّنَا شَرّ الثَّلَاثَة لما انْتظر بِأُمِّهِ أَن تضع وَهَذَا نوع قِيَاس وَلما بلغ عمر ﵁ أَن أَبَا هُرَيْرَة يروي مَا لَا يعرف قَالَ لتكفن عَن هَذَا أَو لألحقنك بجبال دوس فلمكان مَا اشْتهر من السّلف فِي هَذَا الْبَاب قُلْنَا مَا وَافق الْقيَاس من رِوَايَته فَهُوَ مَعْمُول بِهِ وَمَا خَالف الْقيَاس فَإِن تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فَهُوَ مَعْمُول بِهِ وَإِلَّا فَالْقِيَاس الصَّحِيح شرعا مقدم على رِوَايَته فِيمَا ينسد بَاب الرَّأْي فِيهِ وَلَعَلَّ ظَانّا يظنّ أَن فِي مقالتنا ازدراء بِهِ ومعاذ الله من ذَلِك فَهُوَ مقدم فِي الْعَدَالَة وَالْحِفْظ والضبط كَمَا قَررنَا وَلَكِن نقل الْخَبَر بِالْمَعْنَى كَانَ مستفيضا فيهم وَالْوُقُوف على كل معنى أَرَادَهُ رَسُول الله ﷺ بِكَلَامِهِ أَمر عَظِيم فقد أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم على مَا قَالَ أُوتيت جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لي اختصارا وَمَعْلُوم أَن النَّاقِل بِالْمَعْنَى لَا ينْقل إِلَّا بِقدر مَا فهمه من الْعبارَة وَعند قُصُور فهم السَّامع رُبمَا يذهب عَلَيْهِ بعض المُرَاد وَهَذَا الْقُصُور لَا يشكل عِنْد الْمُقَابلَة بِمَا هُوَ فقه (لفظ) رَسُول الله ﷺ فلتوهم هَذَا الْقُصُور قُلْنَا إِذا انسد بَاب الرَّأْي فِيمَا رُوِيَ وتحققت الضَّرُورَة بِكَوْنِهِ مُخَالفا للْقِيَاس الصَّحِيح فَلَا بُد من تَركه لِأَن كَون الْقيَاس الصَّحِيح حجَّة ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَمَا خَالف الْقيَاس الصَّحِيح من كل وَجه فَهُوَ فِي الْمَعْنى مُخَالف للْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة وَالْإِجْمَاع وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث الْمُصراة فَإِن الْأَمر برد صَاع من تمر مَكَان اللَّبن قل أَو كثر مُخَالف للْقِيَاس الصَّحِيح من كل وَجه لِأَن تَقْدِير الضَّمَان فِي العدوانات بِالْمثلِ أَو الْقيمَة حكم ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ فِيمَا يرويهِ سَلمَة بن المحبق أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 334

قَالَ فِيمَن وطىء جَارِيَة امْرَأَته فَإِن طاوعته فَهِيَ لَهُ وَعَلِيهِ مثلهَا وَإِن استكرهها فَهِيَ حرَّة وَعَلِيهِ مثلهَا فَإِن الْقيَاس الصَّحِيح يرد هَذَا الحَدِيث ويتبين أَنه كالمخالف للْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة وَالْإِجْمَاع ثمَّ هَذَا النَّوْع من الْقُصُور لَا يتَوَهَّم فِي الرَّاوِي إِذا كَانَ فَقِيها لِأَن ذَلِك لَا يخفى عَلَيْهِ لقُوَّة فقهه فَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا روى الحَدِيث بِالْمَعْنَى عَن بَصِيرَة فَإِنَّهُ علم سَمَاعه (من رَسُول الله كَذَلِك مُخَالفا للْقِيَاس وَلَا تُهْمَة فِي رِوَايَته فكأنا سمعنَا ذَلِك) من رَسُول الله ﷺ فيلزمنا ترك كل قِيَاس بمقابلته وَلِهَذَا قلت رِوَايَة الْكِبَار من فُقَهَاء الصَّحَابَة ﵃ أَلا ترى إِلَى مَا رُوِيَ عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ صَحِبت ابْن مَسْعُود سِنِين فَمَا سمعته يروي حَدِيثا إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَإِنَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَخذه البهر وَالْفرق وَجعلت فرائصه ترتعد فَقَالَ نَحْو هَذَا أَو قَرِيبا مِنْهُ أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كَذَا فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْوُقُوف على مَا أَرَادَهُ رَسُول الله ﷺ من مَعَاني كَلَامه كَانَ عَظِيما عِنْدهم فَلهَذَا قلت رِوَايَة الْفُقَهَاء مِنْهُم فَإِذا صحت الرِّوَايَة عَنْهُم فَهُوَ مقدم على الْقيَاس وَمَعَ هَذَا كُله فالكبار من أَصْحَابنَا يعظمون رِوَايَة هَذَا النَّوْع مِنْهُم ويعتمدون قَوْلهم فَإِن مُحَمَّدًا ﵀ ذكر عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه أَخذ بقول أنس بن مَالك ﵁ فِي مِقْدَار الْحيض وَغَيره وَكَانَ دَرَجَة أبي هُرَيْرَة فَوق دَرَجَته فَعرفنَا بِهَذَا أَنهم مَا تركُوا الْعَمَل بروايتهم إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة لانسداد بَاب الرَّأْي من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا فَأَما الْمَجْهُول فَإِنَّمَا نعني بِهَذَا اللَّفْظ من لم يشْتَهر بطول الصُّحْبَة مَعَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا عرف بِمَا رُوِيَ من حَدِيث أَو حديثين نَحْو وابصة بن معبد وَسَلَمَة بن المحبق وَمَعْقِل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ ﵃ وَغَيرهم وَرِوَايَة هَذَا النَّوْع على خَمْسَة أوجه أَحدهَا أَن يشْتَهر لقبُول الْفُقَهَاء رِوَايَته وَالرِّوَايَة عَنهُ وَالثَّانِي أَن يسكتوا عَن الطعْن فِيهِ بَعْدَمَا يشْتَهر وَالثَّالِث أَن يَخْتَلِفُوا فِي الطعْن فِي رِوَايَته وَالرَّابِع أَن يطعنوا فِي رِوَايَته من غير خلاف بَينهم فِي ذَلِك وَالْخَامِس أَن لَا تظهر رِوَايَته وَلَا الطعْن فِيهِ فِيمَا بَينهم أما من قبل السّلف مِنْهُ رِوَايَته وجوزوا النَّقْل عَنهُ

стр. 335

فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَشْهُورين فِي الرِّوَايَة لأَنهم مَا كَانُوا متهمين بالتقصير فِي أَمر الدّين وَمَا كَانُوا يقبلُونَ الحَدِيث حَتَّى يَصح عِنْدهم أَنه يروي عَن رَسُول الله ﷺ فإمَّا أَن يكون قبولهم لعلمهم بعدالته وَحسن ضَبطه أَو لِأَنَّهُ مُوَافق لما عِنْدهم مِمَّا سَمِعُوهُ من رَسُول الله ﷺ أَو من بعض الْمَشْهُورين يروي عَنهُ وَكَذَلِكَ إِن سكتوا عَن الرَّد بَعْدَمَا اشْتهر رِوَايَته عِنْدهم لِأَن السُّكُوت بعد تحقق الْحَاجة لَا يحل إِلَّا على وَجه الرِّضَا بالمسموع فَكَانَ سكوتهم عَن الرَّد دَلِيل التَّقْرِير بِمَنْزِلَة مَا لَو قبلوه وردوا عَنهُ وَكَذَلِكَ مَا اخْتلفُوا فِي قبُوله وَرِوَايَته عَنهُ عندنَا لِأَنَّهُ حِين قبله بعض الْفُقَهَاء الْمَشْهُورين مِنْهُم فَكَأَنَّهُ روى ذَلِك بِنَفسِهِ وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث معقل بن سِنَان أَن رَسُول الله ﷺ قضى لبروع بنت واشق الأشجعية بِمهْر مثلهَا حِين مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا وَلم يسم لَهَا صَدَاقا فَإِن ابْن مَسْعُود ﵁ قبل رِوَايَته وسر بِهِ لما وَافق قَضَاءَهُ قَضَاء رَسُول الله ﷺ وَعلي ﵁ رده فَقَالَ مَاذَا نصْنَع بقول أَعْرَابِي بوال على عقبه حسبها الْمِيرَاث لَا مهر لَهَا فَلَمَّا اخْتلفُوا فِيهِ فِي الصَّدْر الأول أَخذنَا بروايته لِأَن الْفُقَهَاء من الْقرن الثَّانِي كعلقمة ومسروق وَالْحسن وَنَافِع بن جُبَير قبلوا رِوَايَته فَصَارَ معدلا بِقبُول الْفُقَهَاء رِوَايَته وَكَذَلِكَ أَبُو الْجراح صَاحب راية الأشجعيين صدقه فِي هَذِه الرِّوَايَة وَكَأن عليا ﵁ إِنَّمَا لم يقبل رِوَايَته لِأَنَّهُ كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس عِنْده وَابْن مَسْعُود ﵁ قبل رِوَايَته لِأَنَّهُ كَانَ مُوَافقا للْقِيَاس عِنْده فَتبين بِهَذَا أَن رِوَايَة مثل هَذَا فِيمَا يُوَافق الْقيَاس يكون مَقْبُولًا ثمَّ الْعَمَل يكون بالرواية وَأما إِذا ردوا عَلَيْهِ رِوَايَته وَلم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز الْعَمَل بروايته لأَنهم كَانُوا لَا يتهمون برد الحَدِيث الثَّابِت عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا بترك الْعَمَل بِهِ وترجيح الرَّأْي بِخِلَافِهِ عَلَيْهِ فاتفاقهم على الرَّد دَلِيل على أَنهم كذبوه فِي هَذِه الرِّوَايَة وَعَلمُوا أَن ذَلِك وهم مِنْهُ وَلَو قَالَ الرَّاوِي أوهمت لم يعْمل بروايته فَإِذا ظهر دَلِيل ذَلِك مِمَّن هُوَ فَوْقه أولى وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس فَإِن عمر ﵁ قَالَ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَلَا سنة نَبينَا بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت قَالَ عِيسَى

стр. 336

بن أبان ﵀ مُرَاده من الْكتاب وَالسّنة الْقيَاس الصَّحِيح فَإِن ثُبُوته بِالْكتاب وَالسّنة وَهُوَ قِيَاس الشّبَه فِي اعْتِبَار النَّفَقَة بِالسُّكْنَى من حَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا حق مَالِي مُسْتَحقّ بِالنِّكَاحِ فَإِن قيل هَذَا إِشَارَة إِلَى غير مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عمر فَإِنَّهُ لم يقل لَا نقبل حَدِيثهَا لعلمنا أَنَّهَا أوهمت وَلَكِن قَالَ لَا نَدع كتاب رَبنَا لأَنا لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت قُلْنَا فِي قَوْله لَا نَدْرِي إِشَارَة إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَإِن قبُول الرِّوَايَة وَالْعَمَل بِهِ يبتني على ظُهُور رُجْحَان جَانب الصدْق وَهُوَ بَين أَنه لم يظْهر رُجْحَان جَانب الصدْق فِي رِوَايَتهَا والرأي يدل على خلاف رِوَايَتهَا فنترك رِوَايَتهَا ونعمل بِالْقِيَاسِ الصَّحِيح وَفِي الْمَعْنى لَا فرق بَين هَذَا وَبَين قَوْله لَا نقبل رِوَايَتهَا بِمَنْزِلَة القَاضِي يرد شَهَادَة الْفَاسِق بقوله ائْتِ بِشَاهِد آخر ائْتِ بِحجَّة وَمن هَذَا النَّحْو حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة ﵁ فِي الْقسَامَة أتحلفون وتستحقون دم صَاحبكُم وَحَدِيث بسرة ﵂ من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ وَأما مَا لم يشْتَهر عِنْدهم وَلم يعارضوه بِالرَّدِّ فَإِن الْعَمَل بِهِ لَا يجب وَلَكِن يجوز الْعَمَل بِهِ إِذا وَافق الْقيَاس لِأَن من كل من الصَّدْر الأول فالعدالة ثَابِتَة لَهُ بِاعْتِبَار الظَّاهِر لِأَنَّهُ فِي زمَان الْغَالِب من أَهله الْعُدُول على مَا قَالَ ﵇ خير النَّاس قَرْني الَّذِي أَنا فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فباعتبار الظَّاهِر يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِي خَبره وَبِاعْتِبَار أَنه لم تشتهر رِوَايَته فِي السّلف يتَمَكَّن تُهْمَة الْوَهم فِيهِ فَيجوز الْعَمَل بِهِ إِذا وَافق الْقيَاس على وَجه حسن الظَّن بِهِ وَلَكِن لَا يجب الْعَمَل بِهِ لِأَن الْوُجُوب شرعا لَا يثبت بِمثل هَذَا الطَّرِيق الضَّعِيف وَلِهَذَا جوز أَبُو حنيفَة الْقَضَاء بِشَهَادَة المستور وَلم يُوجب على القَاضِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْقرن الثَّالِث وَالْغَالِب على أَهله الصدْق فَأَما فِي زَمَاننَا رِوَايَة مثل هَذَا لَا يكون مَقْبُولًا وَلَا يَصح الْعَمَل بِهِ مَا لم يتأيد بِقبُول الْعُدُول رِوَايَته لِأَن الْفسق

стр. 337

غلب على أهل هَذَا الزَّمَان وَلِهَذَا لم يجوز أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الْقَضَاء بِشَهَادَة المستور قبل ظُهُور عَدَالَته فَصَارَ الْحَاصِل أَن الحكم فِي رِوَايَة الْمَشْهُور الَّذِي لم يعرف بالفقه وجوب الْعَمَل وَحمل رِوَايَته على الصدْق إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع وَهُوَ أَن يكون مُخَالفا للْقِيَاس وَأَن الحكم فِي رِوَايَة الْمَجْهُول أَنه لَا يكون حجَّة للْعَمَل إِلَّا أَن يتأيد بمؤيد وَهُوَ قبُول السّلف أَو بَعضهم رِوَايَته وَالله أعلم فصل فِي بَيَان شَرَائِط الرَّاوِي حدا وتفسيرا وَحكما قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن هَذِه الشَّرَائِط أَرْبَعَة الْعقل والضبط وَالْعَدَالَة وَالْإِسْلَام أما اشْتِرَاط الْعقل فَلِأَن الْخَبَر الَّذِي يرويهِ كَلَام منظوم لَهُ معنى مَعْلُوم وَلَا بُد من اشْتِرَاط الْعقل فِي الْمُتَكَلّم من الْعباد ليَكُون قَوْله كلَاما مُعْتَبرا فَالْكَلَام الْمُعْتَبر شرعا مَا يكون عَن تَمْيِيز وَبَيَان لَا عَن تلقين وهذيان أَلا ترى أَن من الطُّيُور من يسمع مِنْهُ حُرُوف منظومة وَيُسمى ذَلِك لحنا لَا كلَاما وَكَذَلِكَ إِذا سمع من إِنْسَان صَوته بحروف منظومة لَا يدل على معنى مَعْلُوم لَا يُسمى ذَلِك كلَاما فَعرفنَا أَن معنى الْكَلَام فِي الشَّاهِد مَا يكون مُمَيّزا بَين أَسمَاء الْأَعْلَام فَمَا لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة يكون كلَاما صُورَة لَا معنى بِمَنْزِلَة مَا لَو صنع من خشب صُورَة آدَمِيّ لَا يكون آدَمِيًّا لِانْعِدَامِ معنى الْآدَمِيّ فِيهِ ثمَّ التَّمْيِيز الَّذِي بِهِ يتم الْكَلَام بصورته وَمَعْنَاهُ لَا يكون إِلَّا بعد وجود الْعقل فَكَانَ الْعقل شرطا فِي الْمخبر لِأَن خَبره أحد أَنْوَاع الْكَلَام فَلَا يكون مُعْتَبرا إِلَّا بِاعْتِبَار عقله وَأما الضَّبْط فَلِأَن قبُول الْخَبَر بِاعْتِبَار معنى الصدْق فِيهِ وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا بِحسن ضبط الرَّاوِي من حِين يسمع إِلَى حِين يروي فَكَانَ الضَّبْط لما هُوَ معنى هَذَا النَّوْع من الْكَلَام بِمَنْزِلَة الْعقل الَّذِي بِهِ يَصح أصل الْكَلَام شرعا وَأما الْعَدَالَة فَلِأَن الْكَلَام فِي خبر من هُوَ غير مَعْصُوم عَن الْكَذِب فَلَا تكون جِهَة الصدْق مُتَعَيّنا فِي خَبره لعَينه وَإِنَّمَا يتَرَجَّح جَانب الصدْق بِظُهُور عَدَالَته لِأَن

стр. 338

الْكَذِب مَحْظُور عقله فنستدل بانزجاره عَن سَائِر مَا نعتقده مَحْظُورًا على انزجاره عَن الْكَذِب الَّذِي نعتقده مَحْظُورًا أَو لما كَانَ منزجرا عَن الْكَذِب فِي أُمُور الدُّنْيَا فَذَلِك دَلِيل انزجاره عَن الْكَذِب فِي أُمُور الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع بِالطَّرِيقِ الأولى فَأَما إِذا لم يكن عدلا فِي تعاطيه فاعتبار جَانب تعاطيه يرجح معنى الْكَذِب فِي خَبره لِأَنَّهُ لما لم يبال من ارْتِكَاب سَائِر الْمَحْظُورَات مَعَ اعْتِقَاده حرمته فَالظَّاهِر أَنه لَا يُبَالِي من الْكَذِب مَعَ اعْتِقَاده حرمته وَاعْتِبَار جَانب اعْتِقَاده يدل على الصدْق فِي خَبره فَتَقَع الْمُعَارضَة وَيجب التَّوَقُّف وَإِذا كَانَ تَرْجِيح جَانب الصدْق بِاعْتِبَار عَدَالَته وَبِه يصير الْخَبَر حجَّة للْعَمَل شرعا فَعرفنَا أَن الْعَدَالَة فِي الرَّاوِي شَرط لكَون خَبره حجَّة فَأَما اشْتِرَاط الْإِسْلَام لانْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب لَا بِاعْتِبَار نُقْصَان حَال الْمخبر بل بِاعْتِبَار زِيَادَة شَيْء فِيهِ يدل على كذبه فِي خَبره وَذَلِكَ لِأَن الْكَلَام فِي الْأَخْبَار الَّتِي يثبت بهَا أَحْكَام الشَّرْع وهم يعادوننا فِي أصل الدّين بِغَيْر حق على وَجه هُوَ نِهَايَة فِي الْعَدَاوَة فيحملهم ذَلِك على السَّعْي فِي هدم أَرْكَان الدّين بِإِدْخَال مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿لَا يألونكم خبالا﴾ أَي لَا يقصرون فِي الْإِفْسَاد عَلَيْكُم وَقد ظهر مِنْهُم هَذَا بطرِيق الكتمان فَإِنَّهُم كتموا نعت رَسُول الله ﷺ ونبوته من كِتَابه بَعْدَمَا أَخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق بِإِظْهَار ذَلِك فَلَا يُؤمنُونَ من أَن يقصدوا مثل ذَلِك بِزِيَادَة هِيَ كذب لَا أصل لَهُ بطرِيق الرِّوَايَة بل هَذَا هُوَ الظَّاهِر فلأجل هَذَا شرطنا الْإِسْلَام فِي الرَّاوِي لكَون خَبره حجَّة وَلِهَذَا لم تجوز شَهَادَتهم على الْمُسلمين لِأَن الْعَدَاوَة رُبمَا تحملهم على الْقَصْد للإضرار بِالْمُسْلِمين بِشَهَادَة الزُّور كَمَا لَا تقبل شَهَادَة ذِي الضغن لظُهُور عداوته بِسَبَب الْبَاطِن وَقَبلنَا شَهَادَة بَعضهم على بعض لِانْعِدَامِ هَذَا الْمَعْنى الْبَاعِث على الْكَذِب فِيمَا بَينهم وَبِهَذَا تبين أَن رد خَبره لَيْسَ لعين الْكفْر بل لِمَعْنى زَائِد يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي خَبره بِمَنْزِلَة شَهَادَة الْأَب للْوَلَد فَإِنَّهَا لَا تكون مَقْبُولَة لِمَعْنى زَائِد يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي شَهَادَته وَهُوَ شَفَقَة الْأُبُوَّة وميله إِلَى وَلَده طبعا وَأما بَيَان حد هَذِه الشُّرُوط وتفسيرها فَنَقُول الْعقل نور فِي الصَّدْر بِهِ يبصر

стр. 339

الْقلب عِنْد النّظر فِي الْحجَج بِمَنْزِلَة السراج فَإِنَّهُ نور تبصر الْعين بِهِ عِنْد النّظر فترى مَا يدْرك بالحواس لَا أَن السراج يُوجب رُؤْيَة ذَلِك وَلكنه يدل الْعين عِنْد النّظر عَلَيْهِ فَكَذَلِك نور الصَّدْر الَّذِي هُوَ الْعقل يدل الْقلب على معرفَة مَا هُوَ غَائِب عَن الْحَواس من غير أَن يكون مُوجبا لذَلِك بل الْقلب يدْرك (بِالْعقلِ) ذَلِك بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وَهُوَ فِي الْحَاصِل عبارَة عَن الِاخْتِيَار الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ الْمَرْء مَا يَأْتِي بِهِ وَمَا يذر مِمَّا لَا يَنْتَهِي إِلَى إِدْرَاكه سَائِر الْحَواس فَإِن الْفِعْل أَو التّرْك لَا يعْتَبر إِلَّا لحكمة وعاقبة حميدة وَلِهَذَا لَا يعْتَبر من الْبَهَائِم لخلوه عَن هَذَا الْمَعْنى وَالْعَاقبَة الحميدة لَا تتَحَقَّق فِيمَا يَأْتِي بِهِ الْإِنْسَان من فعل أَو ترك لَهُ إِلَّا بعد التَّأَمُّل فِيهِ بعقله فَمَتَى ظَهرت أَفعاله على سنَن أَفعَال الْعُقَلَاء كَانَ ذَلِك دَلِيلا لنا على أَنه عَاقل مُمَيّز وَأَن فعله وَقَوله لَيْسَ يَخْلُو عَن حِكْمَة وعاقبة حميدة وَهَذَا لِأَن الْعقل لَا يكون مَوْجُودا فِي الْآدَمِيّ بِاعْتِبَار أَصله وَلكنه خلق من خلق الله تَعَالَى يحدث شَيْئا فَشَيْئًا ثمَّ يتَعَذَّر الْوُقُوف على وجود كل جُزْء مِنْهُ بِحَسب مَا يمْضِي من الزَّمَان على الصَّبِي إِلَى أَن يبلغ صفة الْكَمَال فَجعل الشَّرْع الْحَد لمعْرِفَة كَمَال الْعقل هُوَ الْبلُوغ تيسيرا لِلْأَمْرِ علينا لِأَن اعْتِدَال الْحَال عِنْد ذَلِك يكون عَادَة وَالله تَعَالَى هُوَ الْعَالم حَقِيقَة بِمَا يحدثه من ذَلِك فِي كل أحد من عباده من نُقْصَان أَو كَمَال وَلَكِن لَا طَرِيق لنا إِلَى الْوُقُوف على حد ذَلِك فَقَامَ السَّبَب الظَّاهِر فِي حَقنا مقَام الْمَطْلُوب حَقِيقَة تيسيرا وَهُوَ الْبلُوغ مَعَ انعدام الآفة ثمَّ يسْقط اعْتِبَار مَا يُوجد من الْعقل للصَّبِيّ قبل هَذَا الْحَد شرعا لدفع الضَّرَر عَنهُ لَا للإضرار بِهِ فَإِن الصِّبَا سَبَب للنَّظَر لَهُ وَلِهَذَا لم يعْتَبر فِيمَا يتَرَدَّد بَين الْمَنْفَعَة والمضرة وَيعْتَبر فِيمَا يتمخض مَنْفَعَة لَهُ ثمَّ خَبره فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون حجَّة للإلزام دفعا لضَرَر الْعهْدَة عَنهُ كَمَا لَا يَجْعَل وليا فِي تَصَرُّفَاته فِي أُمُور الدُّنْيَا دفعا لضَرَر الْعهْدَة عَنهُ وَلِهَذَا صَحَّ سَمَاعه وتحمله للشَّهَادَة قبل الْبلُوغ إِذا كَانَ مُمَيّزا فقد كَانَ فِي الصَّحَابَة من سمع فِي حَالَة الصغر وروى بعد الْبلُوغ وَكَانَت رِوَايَته مَقْبُولَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِك من معنى ضَرَر لُزُوم الْعهْدَة شَيْء وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْأَدَاء فَيشْتَرط لفسخه أَدَائِهِ على وَجه يكون حجَّة كَونه عَاقِلا مُطلقًا وَلَا يحصل ذَلِك إِلَّا

стр. 340

باعتدال حَاله ظَاهرا كَمَا بَينا وَصَارَ الْحَاصِل أَن الْعَاقِل نَوْعَانِ من يُصِيب بعض الْعقل على وَجه يتَمَكَّن من التَّمْيِيز بِهِ بَين مَا يضرّهُ وَمَا يَنْفَعهُ وَلكنه نَاقص فِي نَفسه كَالصَّبِيِّ قبل الْبلُوغ وَالْمَعْتُوه الَّذِي يعقل وعاقل هُوَ كَامِل الْعقل وَهُوَ الْبَالِغ الَّذِي لَا آفَة بِهِ فَإِن بالآفة يسْتَدلّ تَارَة على انعدام الْعقل بعد الْبلُوغ كَالْمَجْنُونِ وَتارَة على نُقْصَان الْعقل كَمَا فِي حق الْمَعْتُوه فَإِذا انعدمت الآفة كَانَ اعْتِدَال الظَّاهِر بِالْبُلُوغِ دَلِيلا على كَمَال الْعقل الَّذِي هُوَ الْبَاطِن وَالْمُطلق من كل شَيْء يتَنَاوَل الْكَامِل مِنْهُ فاشتراط الْعقل لصِحَّة خَبره على وَجه يكون حجَّة دَلِيل على أَنه يشْتَرط كَمَال الْعقل فِي ذَلِك فَأَما الضَّبْط فَهُوَ عبارَة عَن الْأَخْذ بِالْجَزْمِ وَتَمَامه فِي الْأَخْبَار أَن يسمع حق السماع ثمَّ يفهم الْمَعْنى الَّذِي أُرِيد بِهِ ثمَّ يحفظ ذَلِك (بِجهْدِهِ ثمَّ يثبت على ذَلِك) بمحافظة حُدُوده ومراعاة حُقُوقه بتكراره إِلَى أَن يُؤَدِّي إِلَى غَيره لِأَن بِدُونِ السماع لَا يتَصَوَّر الْفَهم وَبعد السماع إِذا لم يفهم معنى الْكَلَام لم يكن ذَلِك سَمَاعا مُطلقًا بل يكون ذَلِك سَماع صَوت لَا سَماع كَلَام هُوَ خبر وَبعد فهم الْمَعْنى يتم التَّحَمُّل وَذَلِكَ يلْزمه الْأَدَاء كَمَا تحمل وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بحفظه والثبات على ذَلِك إِلَى أَن يُؤَدِّي ثمَّ الْأَدَاء إِنَّمَا يكون مَقْبُولًا مِنْهُ بِاعْتِبَار معنى الصدْق فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِهَذَا وَلِهَذَا لم يجوز أَبُو حنيفَة ﵁ أَدَاء الشَّهَادَة لمن عرف خطه فِي الصَّك وَلَا يتَذَكَّر الْحَادِثَة لِأَنَّهُ غير ضَابِط لما تحمل وَبِدُون الضَّبْط لَا يجوز لَهُ أَدَاء الشَّهَادَة ثمَّ الضَّبْط نَوْعَانِ ظَاهر وباطن فَالظَّاهِر مِنْهُ بِمَعْرِِفَة صِيغَة المسموع وَالْوُقُوف على مَعْنَاهُ لُغَة وَالْبَاطِن مِنْهُ بِالْوُقُوفِ على معنى الصِّيغَة فِيمَا يبتنى عَلَيْهِ أَحْكَام الشَّرْع وَهُوَ الْفِقْه وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بالتجربة والتأمل بعد معرفَة مَعَاني اللُّغَة وأصول أَحْكَام الشَّرْع وَلِهَذَا لم تقبل رِوَايَة من اشتدت غفلته إِمَّا خلقَة أَو مُسَامَحَة ومجازفة لِأَن الضَّبْط ظَاهرا لَا يتم مِنْهُ عَادَة وَمَا يكون شرطا يُرَاعِي وجوده بِصفة الْكَمَال وَلِهَذَا لم يثبت السّلف الْمُعَارضَة بَين رِوَايَة من لم يعرف بالفقه وَرِوَايَة من عرف بالفقه لِانْعِدَامِ الضَّبْط بَاطِنا مِمَّن لم يعرف بالفقه على مَا يرْوى عَن عَمْرو بن دِينَار أَن جَابر بن زيد أَبَا الشعْثَاء روى لَهُ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 341

تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم قَالَ عَمْرو فَقلت لجَابِر إِن ابْن شهَاب أَخْبرنِي عَن يزِيد بن الْأَصَم أَن النَّبِي ﵇ تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال فَقَالَ إِنَّهَا كَانَت خَالَة ابْن عَبَّاس وَهُوَ أعلم بِحَالِهَا فَقلت وَقد كَانَت خَالَة يزِيد بن الْأَصَم أَيْضا فَقَالَ أَنى يَجْعَل يزِيد بن الْأَصَم بوال على عقبه إِلَى ابْن عَبَّاس فَدلَّ أَن رِوَايَة غير الْفَقِيه لَا تكون مُعَارضَة لرِوَايَة الْفَقِيه وَهَذَا التَّرْجِيح لَيْسَ إِلَّا بِاعْتِبَار تَمام الضَّبْط من الْفَقِيه وَكَأن الْمَعْنى فِيهِ أَن نقل الْخَبَر بِالْمَعْنَى كَانَ مَشْهُورا فيهم فَمن لَا يكون مَعْرُوفا بالفقه رُبمَا يقصر فِي أَدَاء الْمَعْنى بِلَفْظِهِ بِنَاء على فهمه ويؤمن مثل ذَلِك من الْفَقِيه وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الْمُحَافظَة على اللَّفْظ فِي زَمَاننَا أولى من الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لتَفَاوت ظَاهر بَين النَّاس فِي فهم الْمَعْنى فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَنقل الْقُرْآن صَحِيح مِمَّن لَا يفهم مَعْنَاهُ قُلْنَا أصل النَّقْل فِي الْقُرْآن من أَئِمَّة الْهدى الَّذين كَانُوا خير الورى بعد رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا نقلوا بعد تَمام الضَّبْط ثمَّ من بعدهمْ إِنَّمَا ينْقل بعد جهد شَدِيد يكون مِنْهُ فِي التَّعَلُّم وَالْحِفْظ واستدامة الْقِرَاءَة وَلَو وجد مثل ذَلِك فِي الْخَبَر لَكنا نجوز نَقله أَيْضا مَعَ أَن الله تَعَالَى وعد حفظ الْقُرْآن عَن تَحْرِيف المبطلين بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَبِهَذَا النَّص عرفنَا انْقِطَاع طمع الْمُلْحِدِينَ عَن الْقُرْآن فصححنا النَّقْل فِيهِ مِمَّن يكون ضابطا لَهُ ظَاهرا وَإِن كَانَ لَا يعرف مَعْنَاهُ وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي الْأَخْبَار فَكَانَ تَمام الضَّبْط فِيهَا بِمَا قُلْنَا مَعَ أَن هُنَاكَ يتَعَلَّق بالنظم أَحْكَام مِنْهَا حُرْمَة الْقِرَاءَة على الْجنب وَالْحَائِض وَجَوَاز الصَّلَاة بهَا فِي قَول بعض الْعلمَاء وَكَون النّظم معجزا فَأَما فِي الْأَخْبَار الْمُعْتَبر هُوَ الْمَعْنى المُرَاد بالْكلَام فتمام الضَّبْط إِنَّمَا يكون بِالْوُقُوفِ على مَا هُوَ المُرَاد وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَا تجوز الشَّهَادَة على الْكتاب والختم إِذا لم يعرف الشَّاهِد مَا فِي بَاطِن الْكتاب لِأَن الضَّبْط فِي الشَّهَادَة شَرط للْأَدَاء

стр. 342

وَالْمَقْصُود مَا فِي بَاطِن الْكتاب لَا عين الْكتاب فَلَا يتم ضَبطه إِلَّا بِمَعْرِِفَة ذَلِك وَلِهَذَا اسْتحبَّ المتقدمون من السّلف تقليل الرِّوَايَة وَمن كَانَ أكْرمهم وأدوم صُحْبَة وَهُوَ الصّديق ﵁ كَانَ أقلهم رِوَايَة حَتَّى رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ إِذا سئلتم عَن شَيْء فَلَا ترووا وَلَكِن ردوا النَّاس إِلَى كتاب الله تَعَالَى وَقَالَ عمر ﵁ أقلوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ وَأَنا شريككم وَلما قيل ل زيد بن أَرقم أَلا تروي لنا عَن رَسُول الله ﵇ شَيْئا فَقَالَ قد كبرنا ونسينا وَالرِّوَايَة عَن رَسُول الله شَدِيد وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ كُنَّا نَحْفَظ الحَدِيث والْحَدِيث يحفظ عَن رَسُول الله ﷺ فَأَما إِذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات فقد جمع أهل الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب آثارا كَثِيرَة ولأجلها قلت رِوَايَة أبي حنيفَة ﵁ حَتَّى قَالَ بعض الطاعنين إِنَّه كَانَ لَا يعرف الحَدِيث وَلم يكن على مَا ظن بل كَانَ أعلم أهل عصره بِالْحَدِيثِ وَلَكِن لمراعاة شَرط كَمَال الضَّبْط قلت رِوَايَته وَبَيَان هَذَا أَن الْإِنْسَان قد يَنْتَهِي إِلَى مجْلِس وَقد مضى صدر من الْكَلَام فيخفي على الْمُتَكَلّم حَاله لتوقفه على مَا مضى من كَلَامه مِمَّا يكون بعده بِنَاء عَلَيْهِ فقلما يتم ضبط هَذَا السَّامع لِمَعْنى مَا يسمع بعد مَا فَاتَهُ أول الْكَلَام وَلَا يجد فِي تَأمل ذَلِك أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يرى نَفسه أَهلا بِأَن يُؤْخَذ الدّين عَنهُ ثمَّ يكون من قَضَاء الله تَعَالَى أَن يصير صَدرا يرجع إِلَيْهِ فِي معرفَة أَحْكَام الدّين فَإِذا لم يتم ضَبطه فِي الِابْتِدَاء لم يَنْبغ لَهُ أَن يجازف فِي الرِّوَايَة وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يشْتَغل بِمَا وجد مِنْهُ الْجهد التَّام فِي ضَبطه فيستدل بِكَثْرَة الرِّوَايَة مِمَّن كَانَ حَاله فِي الِابْتِدَاء بِهَذِهِ الصّفة على قلَّة المبالاة وَلِهَذَا ذمّ السّلف الصَّالح كَثْرَة الرِّوَايَة وَهَذَا معنى مُعْتَبر فِي الرِّوَايَات والشهادات جَمِيعًا أَلا ترى أَن من اشْتهر فِي النَّاس بخصلة دَالَّة على قلَّة المبالاة من قَضَاء الْحَاجة بمرأى الْعين من النَّاس أَو الْأكل فِي الْأَسْوَاق يتَوَقَّف فِي شَهَادَته فَهَذَا بَيَان تَفْسِير الضَّبْط وَأما الْعَدَالَة فَهِيَ الاسْتقَامَة يُقَال فلَان عَادل إِذا كَانَ مُسْتَقِيم السِّيرَة فِي الْإِنْصَاف وَالْحكم بِالْحَقِّ وَطَرِيق عَادل سمي بِهِ الجادة وضده الْجور وَمِنْه يُقَال طَرِيق جَائِر إِذا كَانَ من البنيات ثمَّ الْعَدَالَة نَوْعَانِ ظَاهِرَة وباطنة فالظاهرة

стр. 343

تثبت بِالدّينِ وَالْعقل على معنى أَن من أَصَابَهَا فَهُوَ عدل ظَاهرا لِأَنَّهُمَا يحملانه على الاسْتقَامَة ويدعوانه إِلَى ذَلِك والباطنة لَا تعرف إِلَّا بِالنّظرِ فِي معاملات الْمَرْء وَلَا يُمكن الْوُقُوف على نِهَايَة ذَلِك لتَفَاوت بَين النَّاس فيهمَا وَلَكِن كل من كَانَ مُمْتَنعا من ارْتِكَاب مَا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ فَهُوَ على طَرِيق الاسْتقَامَة فِي حُدُود الدّين وعَلى هَذِه الْعَدَالَة نَبْنِي حكم رِوَايَة الْخَبَر فِي كَونه حجَّة لِأَن مَا تثبت بِهِ الْعَدَالَة الظَّاهِرَة بعارضة هوى النَّفس والشهوة الَّذِي تصده عَن الثَّبَات على طَرِيق الاسْتقَامَة فَإِن الْهوى أصل فِيهِ سَابق على إِصَابَة الْعقل وَلَا يزايله بَعْدَمَا رزق الْعقل وَبَعْدَمَا اجْتمعَا فِيهِ يكون عدلا من وَجه دون وَجه فَيكون حَاله كَحال الصَّبِي الْعَاقِل وَالْمَعْتُوه الَّذِي يعقل من جملَة الْعُقَلَاء وَقد بَينا أَن الْمُطلق يَقْتَضِي الْكَامِل فَعرفنَا أَن الْعدْل مُطلقًا من يتَرَجَّح أَمر دينه على هَوَاهُ وَيكون مُمْتَنعا بِقُوَّة الدّين عَمَّا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ من الشَّهَوَات وَلِهَذَا قَالَ فِي كتاب الشَّهَادَات إِن من ارْتكب كَبِيرَة فَإِنَّهُ لَا يكون عدلا فِي الشَّهَادَة وَفِيمَا دون الْكَبِيرَة من الْمعاصِي إِن أصر على ارْتِكَاب شَيْء لم يكن مَقْبُول الشَّهَادَة وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يكون مَقْبُول الشَّهَادَة أصر أَو لم يصر لِأَنَّهُ فَاسق بِخُرُوجِهِ عَن الْحَد الْمَحْدُود لَهُ شرعا وَالْفَاسِق لَا يكون عدلا فِي الشَّهَادَة إِلَّا أَن فِي القَوْل بِهَذَا سد الْبَاب أصلا فَغير الْمَعْصُوم لَا يتَحَقَّق مِنْهُ التَّحَرُّز عَن الزلات أجمع لِأَن لله تَعَالَى على الْعباد فِي كل لَحْظَة أمرا ونهيا يتَعَذَّر عَلَيْهِم الْقيام بحقهما وَلَكِن التَّحَرُّز عَن الْإِصْرَار بالندم وَالرُّجُوع عَنهُ غير مُتَعَذر والحرج مَدْفُوع وَلَيْسَ فِي التَّحَرُّز عَن ارْتِكَاب الْكَبَائِر الْمُوجبَة للحد معنى الْحَرج فَلهَذَا بنينَا حكم الْعَدَالَة على التَّحَرُّز المتأتي عَمَّا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ وَلِهَذَا قُلْنَا صَاحب الْهوى إِذا كَانَ مُمْتَنعا عَمَّا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ فَهُوَ مَقْبُول الشَّهَادَة وَإِن كَانَ فَاسِقًا فِي اعْتِقَاده ضَالًّا لِأَنَّهُ بِسَبَب الغلو فِي طلب الْحجَّة والتعمق فِي اتِّبَاعه أَخطَأ الطَّرِيق فضل عَن سَوَاء السَّبِيل وَشدَّة اتِّبَاع الْحجَّة لَا تمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي شَهَادَته وَإِن أَخطَأ الطَّرِيق وَكَذَلِكَ الْكَافِر من أهل الشَّهَادَة إِذا كَانَ عدلا فِي تعاطيه بِأَن كَانَ منزجرا عَمَّا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ إِلَّا أَنه غير مَقْبُول الشَّهَادَة على الْمُسلمين

стр. 344

لأجل عَدَاوَة ظَاهِرَة تحمله على التقول عَلَيْهِ وَهِي عَدَاوَة بِسَبَب بَاطِل فَتكون مبطلة للشَّهَادَة وَلِهَذَا قُلْنَا الرّقّ وَالْأُنُوثَة والعمى لَا تقدح فِي الْعَدَالَة أصلا وَإِن كَانَت تمنع من قبُول الشَّهَادَة أَو تمكن نُقْصَانا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لهَذِهِ الْمعَانِي فِي الْحمل على ارْتِكَاب مَا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ وَالْعَدَالَة تبتنى على ذَلِك وَلِهَذَا لم يَجْعَل الْفَاسِق والمستور عدلا مُطلقًا فِي حكم الشَّهَادَة حَتَّى لَا يجوز الْقَضَاء بِشَهَادَة الْفَاسِق وَإِن كَانَ لَو قضى بِهِ القَاضِي نفذ وَلَا يجب الْقَضَاء بِشَهَادَة المستور قبل ظُهُور حَاله وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ وَلما لم يكن خبر الْفَاسِق والمستور حجَّة فخبر الْمَجْهُول أَحْرَى أَن لَا يكون حجَّة وَقُلْنَا نَحن الْمَجْهُول من الْقُرُون الثَّلَاثَة عدل بتعديل صَاحب الشَّرْع إِيَّاه مَا لم يتَبَيَّن مِنْهُ مَا يزِيل عَدَالَته فَيكون خَبره حجَّة على الْوَجْه الَّذِي قَررنَا وَأما الْإِسْلَام فَهُوَ عبارَة عَن شريعتنا وَهُوَ نَوْعَانِ أَيْضا ظَاهر وباطن فَالظَّاهِر يكون بالميلاد بَين الْمُسلمين والنشوء على طريقتها شَهَادَة وَعبادَة وَالْبَاطِن يكون بالتصديق وَالْإِقْرَار بِاللَّه كَمَا هُوَ بصفاته وأسمائه وَالْإِقْرَار بملائكته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت وَالْقدر خَيره وشره من الله تَعَالَى وَقبُول أَحْكَامه وشرائعه فَمن استوصف فوصف ذَلِك كُله فَهُوَ مُسلم حَقِيقَة وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مُعْتَقدًا لذَلِك كُله فَقبل أَن يستوصف هُوَ مُؤمن فِيمَا بَينه وَبَين ربه حَقِيقَة وَقَالَ فِي الْجَامِع الْكَبِير إِذا بلغت الْمَرْأَة فاستوصفت الْإِسْلَام فَلم تصف فَإِنَّهَا تبين من زَوجهَا وَقد كُنَّا حكمنَا بِصِحَّة النِّكَاح بِظَاهِر إسْلَامهَا ثمَّ يحكم بِفساد النِّكَاح حِين لم تحسن أَن تصف وَجعل ذَلِك ردة مِنْهَا وَقد استقصى بعض مَشَايِخنَا فِي هَذَا فَقَالُوا ذكر الْوَصْف على سَبِيل الْإِجْمَال لَا يَكْفِي مَا لم يكن عَالما بِحَقِيقَة مَا يذكر لِأَن حفظ الْفِقْه غير حفظ الْمَعْنى أَلا ترى أَن من يذكر أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَا يعرف من هُوَ لَا يكون مُؤمنا بِهِ فَإِن النَّصَارَى يَزْعمُونَ أَنهم يُؤمنُونَ بِعِيسَى وَعِنْدهم أَنه ولد الله فَلَا يكون ذَلِك مِنْهُم معرفَة لعيسى الَّذِي هُوَ عبد الله وَرَسُوله وَلَكنَّا نقُول فِي الْمصير إِلَى هَذَا الِاسْتِقْصَاء حرج بَين فَالنَّاس يتفاوتون فِي ذَلِك تَفَاوتا ظَاهرا وَأَكْثَرهم لَا يقدرُونَ على بَيَان تَفْسِير صِفَات الله تَعَالَى وأسمائه على الْحَقِيقَة وَلَكِن ذكر الْأَوْصَاف على الْإِجْمَال يَكْفِي

стр. 345

لثُبُوت الْإِيمَان حَقِيقَة أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يمْتَحن النَّاس بذلك حَتَّى قَالَ للأعرابي الَّذِي شهد بِرُؤْيَة الْهلَال أَتَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله فَقَالَ نعم فَقَالَ الله أكبر يَكْفِي الْمُسلمين أحدهم وَلما سَأَلَهُ جِبْرِيل عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام لأجل تَعْلِيم النَّاس معالم الدّين بَين ذَلِك على سَبِيل الْإِجْمَال وَكتاب الله يشْهد بذلك قَالَ تَعَالَى ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن﴾ وَقد كَانَ هَذَا الامتحان من رَسُول الله ﷺ وَالْمُسْلِمين بالاستيصاف على الْإِجْمَال وَهَذَا لِأَن الْمُطلق عِنْد الاستيصاف يكون مَحْمُولا على الْكَامِل كَمَا هُوَ الأَصْل وَقد يعجز الْمَرْء عَن إِظْهَار مَا يَعْتَقِدهُ بعبارته فَيَنْبَغِي أَن يكون الاستيصاف بِذكر ذَلِك على وَجه اسْتِفْهَام الْمُخَاطب أَنه هَل يعْتَقد كَذَا وَكَذَا فَإِذا قَالَ نعم كَانَ مُؤمنا حَقِيقَة وَإِن كَانَ قَالَ لَا أعرف مَا تَقول أَو لَا أعتقد ذَلِك فَحِينَئِذٍ يحكم بِكُفْرِهِ وَكَذَلِكَ من ظهر مِنْهُ أَمَارَات الْمعرفَة نَحْو أَدَاء الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة مَعَ الْمُسلمين فَإِن ذَلِك يقوم مقَام الْوَصْف فِي الحكم بإيمانه مُطلقًا قَالَ ﵇ إِذا رَأَيْتُمْ الرجل يعْتَاد الْجَمَاعَات فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَان وَلَا يخْتَلف مَا ذكرنَا بِالرّقِّ وَالْحريَّة والذكورة وَالْأُنُوثَة والعمى وَالْبَصَر فَلهَذَا جعلنَا خبر هَؤُلَاءِ فِي كَونه حجَّة فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بِصفة وَاحِدَة لِأَن الشَّرَائِط الَّتِي يبتنى عَلَيْهَا وجوب قبُول الْخَبَر يتَحَقَّق فِي الْكل أما العَبْد فَلَا شكّ فِي استجماع هَذِه الشَّرَائِط فِيهِ وَإِن لم يكن من أهل الشَّهَادَة لِأَن الْأَهْلِيَّة للشَّهَادَة تبتنى على الْأَهْلِيَّة للولاية على الْغَيْر وَالرّق يَنْفِي هَذِه الْولَايَة وَهَذَا لِأَن الشَّهَادَة تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر وَذَلِكَ يَنْعَدِم فِي الْخَبَر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْمخبر لَا يلْزم أحدا شَيْئا وَلَكِن السَّامع إِنَّمَا يلْتَزم باعتقاده أَن الْمخبر عَنهُ مفترض الطَّاعَة (فَإِذا ترجح جَانب الصدْق فِي خبر الْمخبر ضاهى ذَلِك المسموع مِمَّن هُوَ مفترض الطَّاعَة) فِي اعْتِقَاده فَيلْزمهُ الْعَمَل بِاعْتِبَار اعْتِقَاده كَالْقَاضِي يلْزمه الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ بتقلده هَذِه الْأَمَانَة لَا بإلزام الشَّاهِد إِيَّاه فَإِن كَلَام الشَّاهِد يلْزم الْمَشْهُود عَلَيْهِ دون القَاضِي وَبَيَان هَذَا أَن قَوْله ﵇ لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة لَيْسَ فِي ظَاهره إِلْزَام أحد شَيْئا بل بَيَان صفة تتأدى بِهِ الصَّلَاة إِذا أرادها بِمَنْزِلَة قَول

стр. 346

الْقَائِل لَا خياطَة إِلَّا بالإبرة وَالثَّانِي أَن الْمخبر يلْتَزم أَولا ثمَّ يتَعَدَّى حكم اللُّزُوم إِلَى غَيره من السامعين فَأَما الشَّاهِد فَإِنَّهُ يلْزم غَيره ابْتِدَاء وَلِهَذَا جعلنَا العَبْد بِمَنْزِلَة الْحر فِي الشَّهَادَة الَّتِي يكون فِيهَا الْتِزَام على الْوَجْه الَّذِي يكون فِي الْخَبَر وَهُوَ الشَّهَادَة على رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان ثمَّ قد صَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُجيب دَعْوَة الْمَمْلُوك فَدلَّ أَنه كَانَ يعْتَمد خَبره بِأَن مَوْلَاهُ أذن لَهُ وسلمان ﵁ حِين كَانَ عبدا أَتَاهُ بِصَدقَة فاعتمد خَبره وَأمر أَصْحَابه بِالْأَكْلِ ثمَّ أَتَاهُ بهدية فاعتمد خَبره وَأكل مِنْهُ وَكَانَ يعْتَمد خبر بَرِيرَة ﵂ قبل أَن تعْتق وَبعد عتقهَا فَدلَّ أَن الْمَمْلُوك فِي حكم قبُول الْخَبَر كَالْحرِّ وَأَن الْأُنْثَى فِي ذَلِك كالذكر وَإِن تَفَاوتا فِي حكم الشَّهَادَة لِأَنَّهُ يشْتَرط الْعدَد فِي النِّسَاء لثُبُوت معنى الشَّهَادَة وَفِي بَاب الْخَبَر الْعدَد لَيْسَ بِشَرْط فَكَمَا فَارق الشَّهَادَة الْخَبَر فِي اشْتِرَاط أصل الْعدَد فَكَذَلِك فِي اشْتِرَاط الْعدَد فِي النِّسَاء أَلا ترى أَن الصَّحَابَة كَانُوا يرجعُونَ إِلَى أَزوَاج رَسُول الله ﷺ فِيمَا يشكل عَلَيْهِم من أَمر الدّين فيعتمدون خبرهن وَقَالَ رَسُول الله ﵇ تأخذون ثُلثي دينكُمْ من عَائِشَة وَأما الْعَمى فَإِنَّهُ لَا يُؤثر فِي الْخَبَر لِأَنَّهُ لَا يقْدَح فِي الْعَدَالَة أَلا ترى أَنه قد كَانَ فِي الرُّسُل من ابْتُلِيَ بذلك كشعيب وَيَعْقُوب وَكَانَ فِي الصَّحَابَة من ابْتُلِيَ بِهِ كَابْن أم مَكْتُوم وعتبان بن مَالك ﵄ وَفِيهِمْ من كف بَصَره كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وواثلة بن الْأَسْقَع ﵃ وَالْأَخْبَار المروية عَنْهُم مَقْبُولَة وَلم يشْتَغل أحد بِطَلَب التَّارِيخ فِي ذَلِك أَنهم رووا فِي حَالَة الْبَصَر أم بعد الْعَمى وَهَذَا بِخِلَاف الشَّهَادَة فَإِن شَهَادَتهم إِنَّمَا لَا تقبل لحَاجَة الشَّاهِد إِلَى تَمْيِيز بَين الْمَشْهُود لَهُ والمشهود عَلَيْهِ عِنْد الْأَدَاء وَهَذَا التَّمْيِيز من الْبَصِير يكون بالمعاينة وَمن الْأَعْمَى بالاستدلال وَبَينهمَا تفَاوت يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ فِي جنس الشُّهُود وَفِي رِوَايَة الْخَبَر لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّمْيِيز فَكَانَ الْأَعْمَى والبصير فِيهِ سَوَاء والمحدود فِي الْقَذْف بعد التَّوْبَة فِي رِوَايَة الْخَبَر كَغَيْرِهِ فِي ظَاهر الْمَذْهَب فَإِن أَبَا بكرَة ﵁ مَقْبُول الْخَبَر وَلم يشْتَغل أحد بِطَلَب التَّارِيخ فِي خَبره أَنه روى بَعْدَمَا أقيم عَلَيْهِ الْحَد أم قبله بِخِلَاف

стр. 347

الشَّهَادَة فَإِن رد شَهَادَته من تَمام حَده ثَبت ذَلِك بِالنَّصِّ وَرِوَايَة الْخَبَر لَيست فِي معنى الشَّهَادَة أَلا ترى أَنه لَا شَهَادَة للنِّسَاء فِي الْحُدُود أصلا وروايتهن فِي بَاب الْحُدُود كَرِوَايَة الرِّجَال وَفِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵄ أَنه لَا يكون الْمَحْدُود فِي الْقَذْف مَقْبُول الرِّوَايَة لِأَنَّهُ مَحْكُوم بكذبه بِالنَّصِّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ والمحكوم بِالْكَذِبِ فِيمَا يرجع إِلَى التعاطي لَا يكون عدلا وَمن شَرط كَون الْخَبَر حجَّة الْعَدَالَة مُطلقًا كَمَا بَينا فصل فِي بَيَان ضبط الْمَتْن وَالنَّقْل بِالْمَعْنَى قَالَ بعض أهل الحَدِيث مُرَاعَاة اللَّفْظ فِي الرِّوَايَة وَاجِب على وَجه لَا يجوز النَّقْل بِالْمَعْنَى من غير مُرَاعَاة اللَّفْظ بِحَال وَذَلِكَ مَنْقُول عَن ابْن سِيرِين قَالَ بعض أهل النّظر قَول الصَّحَابِيّ على سَبِيل الْحِكَايَة عَن رَسُول الله ﷺ فِي أَقْوَاله وأفعاله لَا يكون حجَّة بل يجب طلب لفظ رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك الْبَاب حَتَّى يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ وَهَذَا قَول مهجور وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء مُرَاعَاة اللَّفْظ فِي النَّقْل أولى وَيجوز النَّقْل بِالْمَعْنَى بعد حسن الضَّبْط على تَفْصِيل نذكرهُ فِي آخر الْفَصْل وَقد نقل ذَلِك عَن الْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ فَأَما من لم يجوز ذَلِك اسْتدلَّ بقوله ﵇ نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها وأداها كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ فقد أَمر بمراعاة اللَّفْظ فِي النَّقْل وَبَين الْمَعْنى فِيهِ وَهُوَ تفَاوت النَّاس فِي الْفِقْه والفهم وَاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى يُوجب الْحجر عَاما عَن تَبْدِيل اللَّفْظ بِلَفْظ آخر وَهَذَا لِأَن النَّبِي ﷺ أُوتِيَ من جَوَامِع الْكَلم والفصاحة فِي الْبَيَان مَا هُوَ نِهَايَة لَا يُدْرِكهُ فِيهِ غَيره فَفِي التبديل بِعِبَارَة أُخْرَى لَا يُؤمن التحريف أَو الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِيمَا كَانَ مرَادا لَهُ وَحجَّتنَا فِي ذَلِك مَا اشْتهر من قَول الصَّحَابَة أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِكَذَا ونهانا عَن كَذَا وَلَا يمْتَنع أحد من قبُول ذَلِك إِلَّا من هُوَ متعنت وروينا عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ إِذا روى حَدِيثا قَالَ نَحْو هَذَا أَو قَرِيبا مِنْهُ

стр. 348

أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَكَانَ أنس ﵁ إِذا روى حَدِيثا قَالَ فِي آخِره أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله ﵇ فَدلَّ أَن النَّقْل بِالْمَعْنَى كَانَ مَشْهُورا فيهم وَكَذَلِكَ الْعلمَاء بعدهمْ يذكرُونَ فِي تصانيفهم بلغنَا نَحوا من ذَلِك وَهَذَا لِأَن نظم الحَدِيث لَيْسَ بمعجز وَالْمَطْلُوب مِنْهُ مَا يتَعَلَّق بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الحكم من غير أَن يكون لَهُ تعلق بِصُورَة النّظم وَقد علمنَا أَن الْأَمر بالتبليغ لما هُوَ الْمَقْصُود بِهِ فَإِذا كمل ذَلِك بِالنَّقْلِ بِالْمَعْنَى كَانَ ممتثلا لما أَمر بِهِ من النَّقْل لَا مرتكبا لِلْحَرَامِ وَإِنَّمَا يعْتَبر النّظم فِي نقل الْقُرْآن لِأَنَّهُ معجز مَعَ أَنه قد ثَبت أَيْضا فِيهِ نوع رخصَة ببركة دُعَاء رَسُول الله ﷺ على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْله أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف إِلَّا أَن فِي ذَلِك رخصَة من حَيْثُ الْإِسْقَاط وَهَذَا من حَيْثُ التَّخْفِيف والتيسير وَمعنى الرُّخْصَة يتَحَقَّق بالطريقين كَمَا تقدم بَيَانه إِذا عرفنَا هَذَا فَنَقُول الْخَبَر إِمَّا أَن يكون محكما لَهُ معنى وَاحِد مَعْلُوم بِظَاهِر الْمَتْن أَو يكون ظَاهرا مَعْلُوم الْمَعْنى بِظَاهِرِهِ على احْتِمَال شَيْء آخر كالعام الَّذِي يحْتَمل الْخُصُوص والحقيقة الَّتِي تحْتَمل الْمجَاز أَو يكون مُشكلا أَو يكون مُشْتَركا يعرف المُرَاد بالتأويل أَو يكون مُجملا لَا يعرف المُرَاد بِهِ إِلَّا بِبَيَان أَو يكون متشابها أَو يكون من جَوَامِع الْكَلم فَأَما الْمُحكم يجوز نَقله بِالْمَعْنَى لكل من كَانَ عَالما بِوُجُوه اللُّغَة لِأَن المُرَاد بِهِ مَعْلُوم حَقِيقَة وَإِذا كَسَاه الْعَالم باللغة عبارَة أُخْرَى لَا يتَمَكَّن فِيهِ تُهْمَة الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَأَما الظَّاهِر فَلَا يجوز نَقله بِالْمَعْنَى إِلَّا لمن جمع إِلَى الْعلم باللغة الْعلم بِفقه الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ إِذا لم يكن عَالما بذلك لم يُؤمن إِذا كَسَاه عبارَة أُخْرَى أَن لَا تكون تِلْكَ الْعبارَة فِي احْتِمَال الْخُصُوص وَالْمجَاز مثل الْعبارَة الأولى وَإِن كَانَ ذَلِك هُوَ المُرَاد بِهِ وَلَعَلَّ الْعبارَة الَّتِي يروي بهَا تكون أَعم من تِلْكَ الْعبارَة لجهله بِالْفرقِ بَين الْخَاص وَالْعَام فَإِذا كَانَ عَالما بِفقه الشَّرِيعَة يَقع الْأَمْن عَن هَذَا التَّقْصِير مِنْهُ عِنْد تَغْيِير الْعبارَة فَيجوز لَهُ النَّقْل بِالْمَعْنَى كَمَا كَانَ يَفْعَله الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ رَحِمهم الله

стр. 349

فَأَما الْمُشكل والمشترك لَا يجوز فيهمَا النَّقْل بِالْمَعْنَى أصلا لِأَن المُرَاد بهما لَا يعرف إِلَّا بالتأويل والتأويل يكون بِنَوْع من الرَّأْي كالقياس فَلَا يكون حجَّة على غَيره وَأما الْمُجْمل فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ النَّقْل بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يُوقف على الْمَعْنى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيل آخر والمتشابه كَذَلِك لأَنا ابتلينا بالكف عَن طلب الْمَعْنى فِيهِ فَكيف يتَصَوَّر نَقله بِالْمَعْنَى وَأما مَا يكون من جَوَامِع الْكَلم كَقَوْلِه ﵇ الْخراج بِالضَّمَانِ وَقَوله ﵇ العجماء جَبَّار وَمَا أشبه ذَلِك فقد جوز بعض مَشَايِخنَا نَقله بِالْمَعْنَى على الشَّرْط الَّذِي ذكرنَا فِي الظَّاهِر قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه لَا يجوز ذَلِك لِأَن النَّبِي ﵇ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا النّظم على مَا رُوِيَ أَنه قَالَ أُوتيت جَوَامِع الْكَلم أَي خصصت بذلك فَلَا يقدر أحد بعده على مَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ وَلَكِن كل مُكَلّف بِمَا فِي وَسعه وَفِي وَسعه نقل ذَلِك اللَّفْظ ليَكُون مُؤديا إِلَى غَيره مَا سَمعه مِنْهُ بِيَقِين وَإِذا نَقله إِلَى عِبَارَته لم يُؤمن الْقُصُور فِي الْمَعْنى الْمَطْلُوب بِهِ ويتيقن بالقصور فِي النّظم الَّذِي هُوَ من جَوَامِع الْكَلم وَكَانَ هَذَا النَّوْع هُوَ مُرَاد رَسُول الله ﷺ بقوله ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمعهَا فصل فِي بَيَان الضَّبْط بِالْكِتَابَةِ والخط قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الْكِتَابَة نَوْعَانِ تذكرة وَإِمَام فالتذكرة هُوَ أَن ينظر فِي الْمَكْتُوب فيتذكر بِهِ مَا كَانَ مسموعا لَهُ وَالنَّقْل بِهَذَا الطَّرِيق جَائِز سَوَاء كَانَ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ أَو بِخَط غَيره وَذَلِكَ الْخط مَعْرُوف أَو مَجْهُول لِأَنَّهُ إِنَّمَا ينْقل مَا يحفظ غير أَن النّظر فِي الْكتاب كَانَ مذكرا لَهُ فَلَا يكون دون التفكر وَلَو تفكر فَتذكر جَازَ لَهُ أَن يروي وَيكون خَبره حجَّة فَكَذَلِك إِذا نظر فِي الْكتاب فَتذكر وَلِهَذَا الْمَقْصُود ندب إِلَى الْكتاب على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث قيدوا الْعلم بِالْكتاب وَقَالَ إِبْرَاهِيم كَانُوا يَأْخُذُونَ الْعلم حفظا ثمَّ أُبِيح لَهُم الْكِتَابَة لما حدث بهم من الكسل وَلِأَن النسْيَان مركب فِي الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يحفظ نَفسه مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ خَاصّا لرَسُول الله ﵇ بقوله سنقرئك فَلَا تنسى إِلَّا مَا شَاءَ

стр. 350

الله وَلِهَذَا الِاسْتِثْنَاء وَقع لرَسُول الله ﵇ تردد فِي قِرَاءَته سُورَة الْمُؤمنِينَ فِي صَلَاة الْفجْر حَتَّى قَالَ لأبي ﵁ (هلا ذَكرتني) فَثَبت أَن النسْيَان مِمَّا لَا يُسْتَطَاع الِامْتِنَاع مِنْهُ إِلَّا بحرج بَين والحرج مَدْفُوع وَبعد النسْيَان النّظر فِي الْكتاب طَرِيق للتذكر وَالْعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْحِفْظ وَإِذا عَاد كَمَا كَانَ فَالرِّوَايَة تكون عَن ضبط تَامّ وَأما النَّوْع الثَّانِي فَهُوَ أَن لَا يتَذَكَّر عِنْد النّظر وَلكنه يعْتَمد الْخط وَذَلِكَ يكون فِي فُصُول ثَلَاثَة رِوَايَة الحَدِيث وَالْقَاضِي يجد فِي خريطته سجلا مخطوطا بِخَطِّهِ من غير أَن يتَذَكَّر الْحَادِثَة وَالشَّاهِد يرى خطه فِي الصَّك وَلَا يتَذَكَّر الْحَادِثَة ف أَبُو حنيفَة ﵀ أَخذ فِي الْفُصُول الثَّلَاثَة بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة وَقَالَ لَا يجوز لَهُ أَن يعْتَمد الْكتاب مَا لم يتَذَكَّر لِأَن النّظر فِي الْكتاب لمعْرِفَة الْقلب كالنظر فِي الْمرْآة للرؤية بِالْعينِ ثمَّ النّظر فِي الْمرْآة إِذا لم تفده إدراكا لَا يكون مُعْتَبرا فالنظر فِي الْكتاب إِذا لم يفده تذكرا يكون هدرا وَهَذَا لِأَن الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة وتنفيذ الْقَضَاء لَا يكون إِلَّا بِعلم والخط يشبه الْخط فبصورة الْخط لَا يَسْتَفِيد علما من غير التَّذَكُّر وَمَا كَانَ الْفساد فِي سَائِر الْأَدْيَان إِلَّا بالاعتماد على الصُّور بِدُونِ الْمَعْنى وروى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف رحمهمَا الله أَن فِي السّجل وَرِوَايَة الْأَثر يجوز لَهُ أَن يعْتَمد الْخط وَإِن لم يتَذَكَّر بِهِ وَفِي الصَّك لَا يجوز لَهُ ذَلِك وروى ابْن رستم عَن مُحَمَّد رحمهمَا الله أَن ذَلِك جَائِز فِي الْفُصُول كلهَا وَمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ رخصَة للتيسير على النَّاس ثمَّ هَذِه الرُّخْصَة تتنوع أنواعا إِمَّا أَن يكون الْكتاب بِخَطِّهِ أَو بِخَط رجل مَعْرُوف ثِقَة موقع بتوقيعه أَو بِخَط رجل مَعْرُوف غير ثِقَة أَو غير موقع أَو بِخَط مَجْهُول أما أَبُو يُوسُف ﵀ فَقَالَ السّجل يكون فِي خريطة القَاضِي مَخْتُومًا بختمه وَكَانَ فِي يَده أَيْضا فباعتبار الظَّاهِر يُؤمن فِيهِ التزوير والتبديل بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان وَالْقَاضِي مَأْمُور بِاتِّبَاع الظَّاهِر فِي الْقَضَاء فَلهُ أَن يعْتَمد السّجل فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ كتاب الْمُحدث إِذا كَانَ فِي يَده وَإِن لم يكن السّجل فِي يَد القَاضِي فَلَيْسَ لَهُ أَن يعتمده لِأَن التزوير والتغيير فِيهِ عَادَة لما يبتنى عَلَيْهِ من الْمَظَالِم والخصومات وَمثله فِي كتاب

стр. 351

الحَدِيث لَيْسَ بعادة فَلَا فرق فِيهِ بَين أَن يكون فِي يَده أَو فِي يَد أَمِين آخر لم يظْهر مِنْهُ خِيَانَة فِي مثله وَأما الصَّك فَيكون بيد الْخصم فَلَا يَقع الْأَمْن فِيهِ عَن التَّغْيِير والتزوير حَتَّى إِذا كَانَ فِي يَد الشَّاهِد كَانَ الْجَواب فِيهِ مثل الْجَواب فِي السّجل وَالْحَاصِل أَنه بنى هَذِه الرُّخْصَة على مَا يُوقع الْأَمْن عَن التَّغْيِير وَالتَّعْدِيل عَادَة وَمُحَمّد ﵀ أثبت الرُّخْصَة فِي الصَّك أَيْضا وَإِن لم يكن فِي يَده إِذا علم أَن الْمَكْتُوب خطه على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة لَهُ لِأَن الْبَاقِي بعد ذَلِك توهم التَّغْيِير وَله أثر بَين يُوقف عَلَيْهِ فَإِذا لم يظْهر ذَلِك فِيهِ جَازَ اعْتِمَاده فَأَما إِذا وجد الْكتاب بِخَط بَين وَهُوَ مَعْلُوم عِنْده أَو بِخَط رجل مَعْرُوف موثق بِهِ فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يَقُول وجدت بِخَط فلَان كَذَا لَا يزِيد على ذَلِك ثمَّ إِن كَانَ ذَلِك الْخط مُنْفَردا لَيْسَ مَعَه شَيْء آخر فَإِنَّهُ لَا يكون حجَّة وَإِن كَانَ مَعَه غَيره فَذَلِك يُوقع الْأَمْن عَن التزوير بطرِيق الْعَادة فَيجوز اعْتِمَاده على وَجه الرُّخْصَة (وَهَذَا فِي الْأَخْبَار خَاصَّة) فَأَما فِي الشَّهَادَة وَالْقَضَاء فَلَا لِأَن ذَلِك من مظالم الْعباد يعْتَبر فِيهِ من الِاسْتِقْصَاء مَا لَا يعْتَبر فِي رِوَايَة الْأَخْبَار وَاشْتِرَاط الْعلم فِيهِ مَنْصُوص عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ ﵇ للشَّاهِد إِذا رَأَيْت مثل هَذَا الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع فصل فِي بَيَان وُجُوه الِانْقِطَاع قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الِانْقِطَاع نَوْعَانِ انْقِطَاع صُورَة وَانْقِطَاع معنى أما صُورَة الِانْقِطَاع صُورَة فَفِي الْمَرَاسِيل من الْأَخْبَار وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة ﵃ أَنَّهَا حجَّة لأَنهم صحبوا رَسُول الله ﷺ فَمَا يَرْوُونَهُ عَن رَسُول الله ﵇ مُطلقًا يحمل على أَنهم سَمِعُوهُ مِنْهُ أَو من أمثالهم وهم كَانُوا أهل الصدْق وَالْعَدَالَة وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبَراء بن عَازِب ﵄ بقوله مَا كل مَا نحدثكم بِهِ سمعناه من رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ يحدث بَعْضنَا بَعْضًا وَلَكنَّا لَا نكذب

стр. 352

فَأَما مَرَاسِيل الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث حجَّة فِي قَول عُلَمَائِنَا ﵏ وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكون حجَّة إِلَّا إِذا تأيد بِآيَة أَو سنة مَشْهُورَة أَو اشْتهر الْعَمَل بِهِ من السّلف أَو اتَّصل من وَجه آخر قَالَ وَلِهَذَا جعلت مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب حجَّة لِأَنِّي اتبعتها فَوَجَدتهَا مسانيد احْتج فِي ذَلِك فَقَالَ الْخَبَر إِنَّمَا يكون حجَّة بِاعْتِبَار أَوْصَاف فِي الرَّاوِي وَلَا طَرِيق لمعْرِفَة تِلْكَ الْأَوْصَاف فِي الرَّاوِي إِذا كَانَ غير مَعْلُوم الأَصْل فَلَا تقوم الْحجَّة بِمثل هَذِه الرِّوَايَة وإعلامه بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي حَيَاته وبذكر اسْمه وَنسبه بعد وَفَاته فَإِذا لم يذكرهُ أصلا فقد تحقق انْقِطَاع هَذَا الْخَبَر عَن رَسُول الله وَالْحجّة فِي الْخَبَر باتصاله برَسُول الله ﵇ فَبعد الِانْقِطَاع لَا يكون حجَّة وَلَا يُقَال إِن رِوَايَة الْعدْل عَنهُ تكون تعديلا لَهُ وَإِن لم يذكر اسْمه لِأَن طَرِيق معرفَة الْجرْح وَالْعَدَالَة الِاجْتِهَاد وَقد يكون الْوَاحِد عدلا عِنْد إِنْسَان مجروحا عِنْد غَيره بِأَن يقف مِنْهُ على مَا كَانَ الآخر لَا يقف عَلَيْهِ أَلا ترى أَن شُهُود الْفَرْع إِذا شهدُوا على شَهَادَة الْأُصُول من غير ذكرهم فِي شَهَادَتهم لَا تكون شَهَادَتهم حجَّة لهَذَا الْمَعْنى يُوضحهُ أَنه قد كَانَ فيهم من يروي عَمَّن هُوَ مَجْرُوح عِنْده على مَا قَالَ الشّعبِيّ ﵀ حَدثنِي الْحَارِث وَكَانَ وَالله كذابا فَعرفنَا أَن بروايته عَنهُ لَا يثبت فِيهِ مَا يشْتَرط فِي الرَّاوِي فَيكون خَبره حجَّة وَلِأَن النَّاس تكلفوا بِحِفْظ الْأَسَانِيد فِي بَاب الْأَخْبَار فَلَو كَانَت الْحجَّة تقوم بالمراسيل لَكَانَ تكلفهم اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد فيبعد أَن يُقَال اجْتمع النَّاس على مَا لَيْسَ بمفيد وَلَكنَّا نقُول الدَّلَائِل الَّتِي دلّت على كَون خبر الْوَاحِد حجَّة من الْكتاب وَالسّنة كلهَا تدل على كَون الْمُرْسل من الْأَخْبَار حجَّة ثمَّ قد ظهر الْإِرْسَال من الصَّحَابَة ﵃ وَمن بعدهمْ ظهورا لَا يُنكره إِلَّا متعنت أما من الصَّحَابَة فبيانه فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ وَلما أنْكرت ذَلِك عَائِشَة ﵂ قَالَ هِيَ أعلم حَدثنِي بِهِ الْفضل بن عَبَّاس ﵄ فقد أرسل الرِّوَايَة عَن النَّبِي ﷺ من غير سَماع مِنْهُ وَقيل إِن ابْن عَبَّاس مَا سمع من رَسُول الله ﷺ إِلَّا بضعَة عشر حَدِيثا وَقد كثرت رِوَايَته مُرْسلا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك سَمَاعا من غير

стр. 353

رَسُول الله ﵇ حَتَّى رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر وَإِنَّمَا سمع ذَلِك من أَخِيه الْفضل ونعمان بن بشير ﵃ مَا سمع من رَسُول الله ﵇ إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ قَوْله ﵇ إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح سَائِر جسده وَإِذا فَسدتْ فسد سَائِر جسده أَلا وَهِي الْقلب ثمَّ كثرت رِوَايَته عَن رَسُول الله ﵇ مُرْسلا وَالْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب ﵄ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة التَّابِعين كَانَ كثيرا مَا يروون مُرْسلا قَالَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى قيل أَكثر مَا رَوَاهُ سعيد بن الْمسيب مُرْسلا إِنَّمَا سَمعه من عمر بن الْخطاب ﵁ وَقَالَ الْحسن كنت إِذا اجْتمع لي أَرْبَعَة من الصَّحَابَة على حَدِيث أَرْسلتهُ إرْسَالًا وَقَالَ ابْن سِيرِين ﵁ مَا كُنَّا نسند الحَدِيث إِلَى أَن وَقعت الْفِتْنَة فَقَالَ الْأَعْمَش قلت لإِبْرَاهِيم إِذا رويت لي حَدِيثا عَن عبد الله فأسنده لي فَقَالَ إِذا قلت لَك حَدثنِي فلَان عَن عبد الله فَهُوَ ذَاك وَإِذا قلت لَك قَالَ عبد الله فَهُوَ غير وَاحِد وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بن أبان الْمُرْسل أقوى من الْمسند فَإِن من اشْتهر عِنْده حَدِيث (بِأَن سَمعه) بطرق طوى الْإِسْنَاد لوضوح الطَّرِيق عِنْده وَقطع الشَّهَادَة بقوله قَالَ رَسُول الله ﵇ وَإِذا سَمعه بطرِيق وَاحِد لَا يَتَّضِح الْأَمر عِنْده على وَجه لَا يبْقى لَهُ فِيهِ شُبْهَة فيذكره مُسْندًا على قصد أَن يحملهُ من يحمل عَنهُ فَإِن قيل فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يجوز النّسخ بالمرسل كَمَا يجوز بَين الْأَخْبَار بالمشهور عنْدكُمْ قُلْنَا إِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن قُوَّة الْمُرْسل من هَذَا الْوَجْه بِنَوْع من الِاجْتِهَاد فَيكون نَظِير قُوَّة تثبت بطرِيق الْقيَاس والنسخ بِمثلِهِ لَا يجوز ثمَّ رِوَايَة هَؤُلَاءِ الْكِبَار مُرْسلا أما إِن كَانَ بِاعْتِبَار سماعهم مِمَّن لَيْسَ بِعدْل عِنْدهم أَو بِاعْتِبَار سماعهم من عدل مَعَ اعْتِقَادهم أَن ذَلِك لَيْسَ بِحجَّة أَو على اعْتِقَادهم أَن الْمُرْسل حجَّة كالمسند وَالْأول بَاطِل فَإِن من يستجيز الرِّوَايَة عَمَّن يعرفهُ غير عدل بِهَذِهِ الصّفة لَا يعْتَمد رِوَايَته مُرْسلا وَلَا مُسْندًا وَلَا يجوز أَن يظنّ بهم هَذَا وَالثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ قَول بِأَنَّهُم كتموا مَوضِع

стр. 354

الْحجَّة بترك الْإِسْنَاد مَعَ علمهمْ أَن الْحجَّة لَا تقوم بِدُونِهِ فَتعين الثَّالِث وَهُوَ أَنهم اعتقدوا أَن الْمُرْسل حجَّة كالمسند وَكفى باتفاقهم حجَّة وَقَالَ الشَّافِعِي فِي بعض كتبه إِنَّمَا أرْسلُوا ليطلب ذَلِك فِي الْمسند وَهَذَا كَلَام فَاسد لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يُقَال لم يكن عِنْدهم إِسْنَاد ذَلِك أَو كَانَ وَلم يذكرُوا وَالْأول بَاطِل لِأَن فِيهِ قولا بِأَنَّهُم تخرصوا مَا لم يسمعوا ليطلب ذَلِك فِي المسموعات وَلَا يجوز ذَلِك لمن هُوَ دونهم فَكيف بهم وَالثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عِنْدهم الْإِسْنَاد وَقد علمُوا أَن الْحجَّة لَا تقوم بِدُونِهِ فَلَيْسَ فِي تَركه إِلَّا الْقَصْد إِلَى إتعاب النَّفس بِالطَّلَبِ وَلَو قَالَ من أنكر الِاحْتِجَاج بِخَبَر الْوَاحِد إِنَّهُم إِنَّمَا رووا ذَلِك ليطلب ذَلِك فِي الْمُتَوَاتر لَا يكون هَذَا الْكَلَام مَقْبُولًا مِنْهُ بالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِك هَذَا يقرره أَن الْمُفْتِي إِذا قَالَ للمستفتي قضى رَسُول الله فِي هَذِه الْحَادِثَة بِكَذَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْمل بِهِ وَإِن لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا فَكَذَلِك إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَلَو قَالَ روى فلَان عَن فلَان قبل ذَلِك مِنْهُ وَإِن لم يقل حَدثنِي وَلَا سمعته مِنْهُ وَهَذَا فِي معنى الْإِرْسَال فَإِن قَالَ إِنَّمَا نجيزه على هَذَا الْوَجْه عَمَّن لَقِي فَيحمل مُطلق كَلَامه على المسموع مِنْهُ قُلْنَا لما جَازَ حمل كَلَامه على هَذَا وَإِن لم ينص عَلَيْهِ لتحسين الظَّن بِهِ فَكَذَلِك يجوز حمل كَلَامه عِنْد الْإِرْسَال على السماع مِمَّن هُوَ عدل بِاعْتِبَار الظَّاهِر لتحسين الظَّن بِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا طَرِيق لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِط للرواية فِيمَن لم يُدْرِكهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِمَّن أدْركهُ وَإِذا كَانَ من أدْركهُ عدلا ثِقَة فَإِنَّهُ لَا يروي عَنهُ مُطلقًا مَا لم يعرف استجماع الشَّرَائِط فِيهِ فبروايته عَنهُ يثبت لنا استجماع الشَّرَائِط أَلا ترى أَنه لَو أسْند الرِّوَايَة إِلَيْهِ يثبت استجماع الشَّرَائِط فِيهِ بروايته عَنهُ فَكَذَلِك إِذا أرْسلهُ بل أولى لِأَنَّهُ إِذا أسْند إِلَيْهِ فَإِنَّمَا شهد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ روى ذَلِك فَإِذا أرسل فَإِنَّمَا يشْهد على رَسُول الله أَنه قَالَ ذَلِك وَمن علم أَنه لَا يستجيز الشَّهَادَة على غير رَسُول الله بِالْبَاطِلِ فَكيف يظنّ أَن يستجيز الشَّهَادَة على رَسُول الله بِالْبَاطِلِ مَعَ قَوْله ﵇ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار يُوضحهُ أَن القَاضِي إِذا كتب سجلا فِيهِ قَضَاؤُهُ فِي حَادِثَة وَأشْهد على ذَلِك كَانَ ذَلِك حجَّة وَإِن لم يبين اسْم الشُّهُود فِي المسجل وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا بِهَذَا الطَّرِيق وَهَذَا بِخِلَاف الشُّهُود على شَهَادَة الْغَيْر لِأَن الْعلمَاء

стр. 355

مُخْتَلفُونَ فِي أَن عِنْد الرُّجُوع هَل يجب الضَّمَان على شُهُود الأَصْل أم لَا فَلَعَلَّ القَاضِي مِمَّن يرى تضمينهم فَلَا يتَمَكَّن من الْقَضَاء بِهِ إِذا لم يَكُونُوا معلومين عِنْده وَمثل هَذَا لَا يتَحَقَّق فِي بَاب الْأَخْبَار مَعَ أَن شَاهد الْفَرْع يَنُوب عَن شَاهد الأَصْل فِي نقل شَهَادَته أَلا ترى أَنه لَو أشهد قوما على شَهَادَته فَسَمعهُ آخَرُونَ لم يكن لَهُم أَن يشْهدُوا على شَهَادَته بِخِلَاف رِوَايَة الْأَخْبَار وَإِذا كَانَ الفرعي يعبر عَن الأَصْل بِشَهَادَتِهِ لم يجد بدا من ذكره ليَكُون معبرا أَلا ترى أَنه لَو قَالَ أشهد عَن فلَان لم يكن ذَلِك مَقْبُولًا وَهنا لَو قَالَ أروي عَن فلَان كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ ثمَّ اشْتِغَال النَّاس بِالْإِسْنَادِ كاشتغالهم بالتكلف لسَمَاع الحَدِيث من وُجُوه وَذَلِكَ لَا يدل على أَن خبر الْوَاحِد لَا يكون حجَّة فَكَذَلِك اشتغالهم بِالْإِسْنَادِ لَا يكون دَلِيلا على أَن الْمُرْسل لَا يكون حجَّة فَأَما مَرَاسِيل من بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة فقد كَانَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي ﵀ لَا يفرق بَين مَرَاسِيل أهل الْأَعْصَار وَكَانَ يَقُول من تقبل رِوَايَته مُسْندًا تقبل رِوَايَته مُرْسلا للمعنى الَّذِي ذكرنَا وَكَانَ عِيسَى بن أبان ﵀ يَقُول من اشْتهر فِي النَّاس بِحمْل الْعلم مِنْهُ تقبل رِوَايَته مُرْسلا وَمُسْندًا وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مُحَمَّد بن الْحسن ﵀ وَأَمْثَاله من الْمَشْهُورين بِالْعلمِ وَمن لم يشْتَهر بِحمْل النَّاس الْعلم مِنْهُ مُطلقًا وَإِنَّمَا اشْتهر بالرواية عَنهُ فَإِن مُسْنده يكون حجَّة ومرسله يكون مَوْقُوفا إِلَى أَن يعرض على من اشْتهر بِحمْل الْعلم عَنهُ وَأَصَح الْأَقَاوِيل فِي هَذَا مَا قَالَه أَبُو بكر الرَّازِيّ ﵁ أَن مُرْسل من كَانَ من الْقُرُون الثَّلَاثَة حجَّة مَا لم يعرف مِنْهُ الرِّوَايَة مُطلقًا عَمَّن لَيْسَ بِعدْل ثِقَة ومرسل من كَانَ بعدهمْ لَا يكون حجَّة إِلَّا من اشْتهر بِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا عَمَّن هُوَ عدل ثِقَة لِأَن النَّبِي ﵇ شهد للقرون الثَّلَاثَة بِالصّدقِ والخيرية فَكَانَت عدالتهم ثَابِتَة بِتِلْكَ الشَّهَادَة مَا لم يتَبَيَّن خلافهم وَشهد على من بعدهمْ بِالْكَذِبِ بقوله ثمَّ يفشو الْكَذِب فَلَا تثبت عَدَالَة من كَانَ فِي زمن شهد على أَهله بِالْكَذِبِ إِلَّا بِرِوَايَة من كَانَ مَعْلُوم الْعَدَالَة يعلم أَنه لَا يروي إِلَّا عَن عدل وَإِلَى نَحْو هَذَا أَشَارَ عُرْوَة بن الزبير ﵄ حِين روى لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ حَدِيث رَسُول الله ﷺ من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ فَقَالَ أَتَشهد بِهِ على رَسُول الله ﵇ قَالَ نعم فَمَا يَمْنعنِي من ذَلِك وَقد أَخْبرنِي بِهِ الْعدْل الرِّضَا فَقبل عمر بن عبد الْعَزِيز رِوَايَته
следующие страницы →