Полный текст (724 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الحَدِيث لَيْسَ بعادة فَلَا فرق فِيهِ بَين أَن يكون فِي يَده أَو فِي يَد أَمِين آخر لم يظْهر مِنْهُ خِيَانَة فِي مثله وَأما الصَّك فَيكون بيد الْخصم فَلَا يَقع الْأَمْن فِيهِ عَن التَّغْيِير والتزوير حَتَّى إِذا كَانَ فِي يَد الشَّاهِد كَانَ الْجَواب فِيهِ مثل الْجَواب فِي السّجل
وَالْحَاصِل أَنه بنى هَذِه الرُّخْصَة على مَا يُوقع الْأَمْن عَن التَّغْيِير وَالتَّعْدِيل عَادَة وَمُحَمّد ﵀ أثبت الرُّخْصَة فِي الصَّك أَيْضا وَإِن لم يكن فِي يَده إِذا علم أَن الْمَكْتُوب خطه على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة لَهُ لِأَن الْبَاقِي بعد ذَلِك توهم التَّغْيِير وَله أثر بَين يُوقف عَلَيْهِ فَإِذا لم يظْهر ذَلِك فِيهِ جَازَ اعْتِمَاده فَأَما إِذا وجد الْكتاب بِخَط بَين وَهُوَ مَعْلُوم عِنْده أَو بِخَط رجل مَعْرُوف موثق بِهِ فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يَقُول وجدت بِخَط فلَان كَذَا لَا يزِيد على ذَلِك ثمَّ إِن كَانَ ذَلِك الْخط مُنْفَردا لَيْسَ مَعَه شَيْء آخر فَإِنَّهُ لَا يكون حجَّة وَإِن كَانَ مَعَه غَيره فَذَلِك يُوقع الْأَمْن عَن التزوير بطرِيق الْعَادة فَيجوز اعْتِمَاده على وَجه الرُّخْصَة (وَهَذَا فِي الْأَخْبَار خَاصَّة) فَأَما فِي الشَّهَادَة وَالْقَضَاء فَلَا لِأَن ذَلِك من مظالم الْعباد يعْتَبر فِيهِ من الِاسْتِقْصَاء مَا لَا يعْتَبر فِي رِوَايَة الْأَخْبَار وَاشْتِرَاط الْعلم فِيهِ مَنْصُوص عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ ﵇ للشَّاهِد إِذا رَأَيْت مثل هَذَا الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع
فصل فِي بَيَان وُجُوه الِانْقِطَاع
قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الِانْقِطَاع نَوْعَانِ انْقِطَاع صُورَة وَانْقِطَاع معنى
أما صُورَة الِانْقِطَاع صُورَة فَفِي الْمَرَاسِيل من الْأَخْبَار وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة ﵃ أَنَّهَا حجَّة لأَنهم صحبوا رَسُول الله ﷺ فَمَا يَرْوُونَهُ عَن رَسُول الله ﵇ مُطلقًا يحمل على أَنهم سَمِعُوهُ مِنْهُ أَو من أمثالهم وهم كَانُوا أهل الصدْق وَالْعَدَالَة وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبَراء بن عَازِب ﵄ بقوله مَا كل مَا نحدثكم بِهِ سمعناه من رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ يحدث بَعْضنَا بَعْضًا وَلَكنَّا لَا نكذب
стр. 352
فَأَما مَرَاسِيل الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث حجَّة فِي قَول عُلَمَائِنَا ﵏
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكون حجَّة إِلَّا إِذا تأيد بِآيَة أَو سنة مَشْهُورَة أَو اشْتهر الْعَمَل بِهِ من السّلف أَو اتَّصل من وَجه آخر
قَالَ وَلِهَذَا جعلت مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب حجَّة لِأَنِّي اتبعتها فَوَجَدتهَا مسانيد
احْتج فِي ذَلِك فَقَالَ الْخَبَر إِنَّمَا يكون حجَّة بِاعْتِبَار أَوْصَاف فِي الرَّاوِي وَلَا طَرِيق لمعْرِفَة تِلْكَ الْأَوْصَاف فِي الرَّاوِي إِذا كَانَ غير مَعْلُوم الأَصْل فَلَا تقوم الْحجَّة بِمثل هَذِه الرِّوَايَة وإعلامه بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي حَيَاته وبذكر اسْمه وَنسبه بعد وَفَاته فَإِذا لم يذكرهُ أصلا فقد تحقق انْقِطَاع هَذَا الْخَبَر عَن رَسُول الله وَالْحجّة فِي الْخَبَر باتصاله برَسُول الله ﵇ فَبعد الِانْقِطَاع لَا يكون حجَّة
وَلَا يُقَال إِن رِوَايَة الْعدْل عَنهُ تكون تعديلا لَهُ وَإِن لم يذكر اسْمه لِأَن طَرِيق معرفَة الْجرْح وَالْعَدَالَة الِاجْتِهَاد وَقد يكون الْوَاحِد عدلا عِنْد إِنْسَان مجروحا عِنْد غَيره بِأَن يقف مِنْهُ على مَا كَانَ الآخر لَا يقف عَلَيْهِ أَلا ترى أَن شُهُود الْفَرْع إِذا شهدُوا على شَهَادَة الْأُصُول من غير ذكرهم فِي شَهَادَتهم لَا تكون شَهَادَتهم حجَّة لهَذَا الْمَعْنى يُوضحهُ أَنه قد كَانَ فيهم من يروي عَمَّن هُوَ مَجْرُوح عِنْده على مَا قَالَ الشّعبِيّ ﵀ حَدثنِي الْحَارِث وَكَانَ وَالله كذابا
فَعرفنَا أَن بروايته عَنهُ لَا يثبت فِيهِ مَا يشْتَرط فِي الرَّاوِي فَيكون خَبره حجَّة وَلِأَن النَّاس تكلفوا بِحِفْظ الْأَسَانِيد فِي بَاب الْأَخْبَار فَلَو كَانَت الْحجَّة تقوم بالمراسيل لَكَانَ تكلفهم اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد فيبعد أَن يُقَال اجْتمع النَّاس على مَا لَيْسَ بمفيد
وَلَكنَّا نقُول الدَّلَائِل الَّتِي دلّت على كَون خبر الْوَاحِد حجَّة من الْكتاب وَالسّنة كلهَا تدل على كَون الْمُرْسل من الْأَخْبَار حجَّة
ثمَّ قد ظهر الْإِرْسَال من الصَّحَابَة ﵃ وَمن بعدهمْ ظهورا لَا يُنكره إِلَّا متعنت
أما من الصَّحَابَة فبيانه فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ وَلما أنْكرت ذَلِك عَائِشَة ﵂ قَالَ هِيَ أعلم حَدثنِي بِهِ الْفضل بن عَبَّاس ﵄ فقد أرسل الرِّوَايَة عَن النَّبِي ﷺ من غير سَماع مِنْهُ وَقيل إِن ابْن عَبَّاس مَا سمع من رَسُول الله ﷺ إِلَّا بضعَة عشر حَدِيثا وَقد كثرت رِوَايَته مُرْسلا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك سَمَاعا من غير
стр. 353
رَسُول الله ﵇ حَتَّى رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر وَإِنَّمَا سمع ذَلِك من أَخِيه الْفضل ونعمان بن بشير ﵃ مَا سمع من رَسُول الله ﵇ إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ قَوْله ﵇ إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح سَائِر جسده وَإِذا فَسدتْ فسد سَائِر جسده أَلا وَهِي الْقلب ثمَّ كثرت رِوَايَته عَن رَسُول الله ﵇ مُرْسلا وَالْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب ﵄ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة التَّابِعين كَانَ كثيرا مَا يروون مُرْسلا قَالَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى قيل أَكثر مَا رَوَاهُ سعيد بن الْمسيب مُرْسلا إِنَّمَا سَمعه من عمر بن الْخطاب ﵁
وَقَالَ الْحسن كنت إِذا اجْتمع لي أَرْبَعَة من الصَّحَابَة على حَدِيث أَرْسلتهُ إرْسَالًا
وَقَالَ ابْن سِيرِين ﵁ مَا كُنَّا نسند الحَدِيث إِلَى أَن وَقعت الْفِتْنَة فَقَالَ الْأَعْمَش قلت لإِبْرَاهِيم إِذا رويت لي حَدِيثا عَن عبد الله فأسنده لي فَقَالَ إِذا قلت لَك حَدثنِي فلَان عَن عبد الله فَهُوَ ذَاك وَإِذا قلت لَك قَالَ عبد الله فَهُوَ غير وَاحِد وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بن أبان الْمُرْسل أقوى من الْمسند فَإِن من اشْتهر عِنْده حَدِيث (بِأَن سَمعه) بطرق طوى الْإِسْنَاد لوضوح الطَّرِيق عِنْده وَقطع الشَّهَادَة بقوله قَالَ رَسُول الله ﵇ وَإِذا سَمعه بطرِيق وَاحِد لَا يَتَّضِح الْأَمر عِنْده على وَجه لَا يبْقى لَهُ فِيهِ شُبْهَة فيذكره مُسْندًا على قصد أَن يحملهُ من يحمل عَنهُ
فَإِن قيل فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يجوز النّسخ بالمرسل كَمَا يجوز بَين الْأَخْبَار بالمشهور عنْدكُمْ
قُلْنَا إِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن قُوَّة الْمُرْسل من هَذَا الْوَجْه بِنَوْع من الِاجْتِهَاد فَيكون نَظِير قُوَّة تثبت بطرِيق الْقيَاس والنسخ بِمثلِهِ لَا يجوز
ثمَّ رِوَايَة هَؤُلَاءِ الْكِبَار مُرْسلا أما إِن كَانَ بِاعْتِبَار سماعهم مِمَّن لَيْسَ بِعدْل عِنْدهم أَو بِاعْتِبَار سماعهم من عدل مَعَ اعْتِقَادهم أَن ذَلِك لَيْسَ بِحجَّة أَو على اعْتِقَادهم أَن الْمُرْسل حجَّة كالمسند وَالْأول بَاطِل فَإِن من يستجيز الرِّوَايَة عَمَّن يعرفهُ غير عدل بِهَذِهِ الصّفة لَا يعْتَمد رِوَايَته مُرْسلا وَلَا مُسْندًا وَلَا يجوز أَن يظنّ بهم هَذَا وَالثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ قَول بِأَنَّهُم كتموا مَوضِع
стр. 354
الْحجَّة بترك الْإِسْنَاد مَعَ علمهمْ أَن الْحجَّة لَا تقوم بِدُونِهِ فَتعين الثَّالِث وَهُوَ أَنهم اعتقدوا أَن الْمُرْسل حجَّة كالمسند وَكفى باتفاقهم حجَّة
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي بعض كتبه إِنَّمَا أرْسلُوا ليطلب ذَلِك فِي الْمسند وَهَذَا كَلَام فَاسد لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يُقَال لم يكن عِنْدهم إِسْنَاد ذَلِك أَو كَانَ وَلم يذكرُوا وَالْأول بَاطِل لِأَن فِيهِ قولا بِأَنَّهُم تخرصوا مَا لم يسمعوا ليطلب ذَلِك فِي المسموعات وَلَا يجوز ذَلِك لمن هُوَ دونهم فَكيف بهم وَالثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عِنْدهم الْإِسْنَاد وَقد علمُوا أَن الْحجَّة لَا تقوم بِدُونِهِ فَلَيْسَ فِي تَركه إِلَّا الْقَصْد إِلَى إتعاب النَّفس بِالطَّلَبِ
وَلَو قَالَ من أنكر الِاحْتِجَاج بِخَبَر الْوَاحِد إِنَّهُم إِنَّمَا رووا ذَلِك ليطلب ذَلِك فِي الْمُتَوَاتر لَا يكون هَذَا الْكَلَام مَقْبُولًا مِنْهُ بالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِك هَذَا يقرره أَن الْمُفْتِي إِذا قَالَ للمستفتي قضى رَسُول الله فِي هَذِه الْحَادِثَة بِكَذَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْمل بِهِ وَإِن لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا فَكَذَلِك إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا
وَلَو قَالَ روى فلَان عَن فلَان قبل ذَلِك مِنْهُ وَإِن لم يقل حَدثنِي وَلَا سمعته مِنْهُ وَهَذَا فِي معنى الْإِرْسَال
فَإِن قَالَ إِنَّمَا نجيزه على هَذَا الْوَجْه عَمَّن لَقِي فَيحمل مُطلق كَلَامه على المسموع مِنْهُ
قُلْنَا لما جَازَ حمل كَلَامه على هَذَا وَإِن لم ينص عَلَيْهِ لتحسين الظَّن بِهِ فَكَذَلِك يجوز حمل كَلَامه عِنْد الْإِرْسَال على السماع مِمَّن هُوَ عدل بِاعْتِبَار الظَّاهِر لتحسين الظَّن بِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا طَرِيق لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِط للرواية فِيمَن لم يُدْرِكهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِمَّن أدْركهُ وَإِذا كَانَ من أدْركهُ عدلا ثِقَة فَإِنَّهُ لَا يروي عَنهُ مُطلقًا مَا لم يعرف استجماع الشَّرَائِط فِيهِ فبروايته عَنهُ يثبت لنا استجماع الشَّرَائِط أَلا ترى أَنه لَو أسْند الرِّوَايَة إِلَيْهِ يثبت استجماع الشَّرَائِط فِيهِ بروايته عَنهُ فَكَذَلِك إِذا أرْسلهُ بل أولى لِأَنَّهُ إِذا أسْند إِلَيْهِ فَإِنَّمَا شهد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ روى ذَلِك فَإِذا أرسل فَإِنَّمَا يشْهد على رَسُول الله أَنه قَالَ ذَلِك وَمن علم أَنه لَا يستجيز الشَّهَادَة على غير رَسُول الله بِالْبَاطِلِ فَكيف يظنّ أَن يستجيز الشَّهَادَة على رَسُول الله بِالْبَاطِلِ مَعَ قَوْله ﵇ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار يُوضحهُ أَن القَاضِي إِذا كتب سجلا فِيهِ قَضَاؤُهُ فِي حَادِثَة وَأشْهد على ذَلِك كَانَ ذَلِك حجَّة وَإِن لم يبين اسْم الشُّهُود فِي المسجل وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا بِهَذَا الطَّرِيق وَهَذَا بِخِلَاف الشُّهُود على شَهَادَة الْغَيْر لِأَن الْعلمَاء
стр. 355
مُخْتَلفُونَ فِي أَن عِنْد الرُّجُوع هَل يجب الضَّمَان على شُهُود الأَصْل أم لَا فَلَعَلَّ القَاضِي مِمَّن يرى تضمينهم فَلَا يتَمَكَّن من الْقَضَاء بِهِ إِذا لم يَكُونُوا معلومين عِنْده وَمثل هَذَا لَا يتَحَقَّق فِي بَاب الْأَخْبَار مَعَ أَن شَاهد الْفَرْع يَنُوب عَن شَاهد الأَصْل فِي نقل شَهَادَته أَلا ترى أَنه لَو أشهد قوما على شَهَادَته فَسَمعهُ آخَرُونَ لم يكن لَهُم أَن يشْهدُوا على شَهَادَته بِخِلَاف رِوَايَة الْأَخْبَار وَإِذا كَانَ الفرعي يعبر عَن الأَصْل بِشَهَادَتِهِ لم يجد بدا من ذكره ليَكُون معبرا أَلا ترى أَنه لَو قَالَ أشهد عَن فلَان لم يكن ذَلِك مَقْبُولًا
وَهنا لَو قَالَ أروي عَن فلَان كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ
ثمَّ اشْتِغَال النَّاس بِالْإِسْنَادِ كاشتغالهم بالتكلف لسَمَاع الحَدِيث من وُجُوه وَذَلِكَ لَا يدل على أَن خبر الْوَاحِد لَا يكون حجَّة فَكَذَلِك اشتغالهم بِالْإِسْنَادِ لَا يكون دَلِيلا على أَن الْمُرْسل لَا يكون حجَّة
فَأَما مَرَاسِيل من بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة فقد كَانَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي ﵀ لَا يفرق بَين مَرَاسِيل أهل الْأَعْصَار وَكَانَ يَقُول من تقبل رِوَايَته مُسْندًا تقبل رِوَايَته مُرْسلا
للمعنى الَّذِي ذكرنَا
وَكَانَ عِيسَى بن أبان ﵀ يَقُول من اشْتهر فِي النَّاس بِحمْل الْعلم مِنْهُ تقبل رِوَايَته مُرْسلا وَمُسْندًا
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مُحَمَّد بن الْحسن ﵀ وَأَمْثَاله من الْمَشْهُورين بِالْعلمِ وَمن لم يشْتَهر بِحمْل النَّاس الْعلم مِنْهُ مُطلقًا وَإِنَّمَا اشْتهر بالرواية عَنهُ فَإِن مُسْنده يكون حجَّة ومرسله يكون مَوْقُوفا إِلَى أَن يعرض على من اشْتهر بِحمْل الْعلم عَنهُ
وَأَصَح الْأَقَاوِيل فِي هَذَا مَا قَالَه أَبُو بكر الرَّازِيّ ﵁ أَن مُرْسل من كَانَ من الْقُرُون الثَّلَاثَة حجَّة مَا لم يعرف مِنْهُ الرِّوَايَة مُطلقًا عَمَّن لَيْسَ بِعدْل ثِقَة ومرسل من كَانَ بعدهمْ لَا يكون حجَّة إِلَّا من اشْتهر بِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا عَمَّن هُوَ عدل ثِقَة لِأَن النَّبِي ﵇ شهد للقرون الثَّلَاثَة بِالصّدقِ والخيرية فَكَانَت عدالتهم ثَابِتَة بِتِلْكَ الشَّهَادَة مَا لم يتَبَيَّن خلافهم وَشهد على من بعدهمْ بِالْكَذِبِ بقوله ثمَّ يفشو الْكَذِب فَلَا تثبت عَدَالَة من كَانَ فِي زمن شهد على أَهله بِالْكَذِبِ إِلَّا بِرِوَايَة من كَانَ مَعْلُوم الْعَدَالَة يعلم أَنه لَا يروي إِلَّا عَن عدل
وَإِلَى نَحْو هَذَا أَشَارَ عُرْوَة بن الزبير ﵄ حِين روى لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ حَدِيث رَسُول الله ﷺ من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ فَقَالَ أَتَشهد بِهِ على رَسُول الله ﵇ قَالَ نعم فَمَا يَمْنعنِي من ذَلِك وَقد أَخْبرنِي بِهِ الْعدْل الرِّضَا
فَقبل عمر بن عبد الْعَزِيز رِوَايَته
стр. 356
وَاخْتلف أَصْحَاب الحَدِيث فِي مُنْقَطع من وَجه مُتَّصِل من وَجه آخر
فَمنهمْ من قَالَ سقط اعْتِبَار الِاتِّصَال فِيهِ بالانقطاع من وَجه وَكَأن هَذَا الْقَائِل جعل الِانْقِطَاع بسكوت رَاوِي الْفَرْع عَن تَسْمِيَة رَاوِي الأَصْل دَلِيل الْجرْح فِيهِ وَإِذا اسْتَوَى الْمُوجب للعدالة والموجب للجرح يغلب الْجرْح وَأَكْثَرهم على أَن هَذَا يكون حجَّة لوُجُود الِاتِّصَال فِيهِ بطرِيق وَاحِد وَالطَّرِيق الآخر الَّذِي هُوَ مُنْقَطع يَجْعَل كَأَن لبس لِأَن ذَلِك الطَّرِيق سَاكِت عَن الرَّاوِي وحاله أصلا وَفِي الطَّرِيق الْمُتَّصِل بَيَان لَهُ وَلَا مُعَارضَة بَين السَّاكِت والناطق
فَأَما النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الِانْقِطَاع معنى يَنْقَسِم قسمَيْنِ إِمَّا أَن يكون ذَلِك الْمَعْنى بِدَلِيل معَارض أَو نُقْصَان فِي حَال الرَّاوِي يثبت بِهِ الِانْقِطَاع
فَأَما الْقسم الأول وَهُوَ ثُبُوت الِانْقِطَاع بِدَلِيل معَارض فعلى أَرْبَعَة أوجه إِمَّا أَن يكون مُخَالفا لكتاب الله تَعَالَى أَو لسنة مَشْهُورَة عَن رَسُول الله أَو يكون حَدِيثا شاذا لم يشْتَهر فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى وَيحْتَاج الْخَاص وَالْعَام إِلَى مَعْرفَته أَو يكون حَدِيثا قد أعرض عَنهُ الْأَئِمَّة من الصَّدْر الأول بِأَن ظهر مِنْهُم الِاخْتِلَاف فِي تِلْكَ الْحَادِثَة وَلم تجر بَينهم المحاجة بذلك الحَدِيث
فَأَما الْوَجْه الأول وَهُوَ مَا إِذا كَانَ الحَدِيث مُخَالفا لكتاب الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يكون مَقْبُولًا وَلَا حجَّة للْعَمَل بِهِ عَاما كَانَت الْآيَة أَو خَاصّا نصا أَو ظَاهرا عندنَا على مَا بَينا أَن تَخْصِيص الْعَام بِخَبَر الْوَاحِد لَا يجوز ابْتِدَاء وَكَذَلِكَ ترك الظَّاهِر فِيهِ وَالْحمل على نوع من الْمجَاز لَا يجوز بِخَبَر الْوَاحِد عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَقد بَينا هَذَا وَدَلِيلنَا فِي ذَلِك قَوْله ﵇ كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى فَهُوَ بَاطِل وَكتاب الله أَحَق وَالْمرَاد كل شَرط هُوَ مُخَالف لكتاب الله تَعَالَى لَا أَن يكون المُرَاد مَا لَا يُوجد عينه فِي كتاب الله تَعَالَى فَإِن عين هَذَا الحَدِيث لَا يُوجد فِي كتاب الله تَعَالَى وبالإجماع من الْأَحْكَام مَا هُوَ ثَابت بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَإِن كَانَ لَا يُوجد ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى فَعرفنَا أَن المُرَاد مَا يكون مُخَالفا لكتاب الله تَعَالَى وَذَلِكَ
стр. 357
تنصيص على أَن كل حَدِيث هُوَ مُخَالف لكتاب الله تَعَالَى فَهُوَ مَرْدُود
وَقَالَ ﵇ تكْثر الْأَحَادِيث لكم بعدِي فَإِذا رُوِيَ لكم عني حَدِيث فاعرضوه على كتاب الله تَعَالَى فَمَا وَافقه فاقبلوه وَاعْلَمُوا أَنه مني وَمَا خَالفه فَردُّوهُ وَاعْلَمُوا أَنِّي مِنْهُ بَرِيء وَلِأَن الْكتاب مُتَيَقن بِهِ وَفِي اتِّصَال الْخَبَر الْوَاحِد برَسُول الله ﷺ شُبْهَة فَعِنْدَ تعذر الْأَخْذ بهما لَا بُد من أَن يُؤْخَذ بالمتيقن وَيتْرك مَا فِيهِ شُبْهَة وَالْعَام وَالْخَاص فِي هَذَا سَوَاء لما بَينا أَن الْعَام مُوجب للْحكم فِيمَا يتَنَاوَلهُ قطعا كالخاص وَكَذَلِكَ النَّص وَالظَّاهِر سَوَاء لِأَن الْمَتْن من الْكتاب مُتَيَقن بِهِ وَمتْن الحَدِيث لَا يَنْفَكّ عَن شُبْهَة لاحْتِمَال النَّقْل بِالْمَعْنَى ثمَّ قوام الْمَعْنى بِالْمَتْنِ فَإِنَّمَا يشْتَغل بالترجيح من حَيْثُ الْمَتْن أَولا إِلَى أَن يَجِيء إِلَى الْمَعْنى وَلَا شكّ أَن الْكتاب يتَرَجَّح بِاعْتِبَار النَّقْل الْمُتَوَاتر فِي الْمَتْن على خبر الْوَاحِد فَكَانَت مُخَالفَة الْخَبَر للْكتاب دَلِيلا ظَاهرا على الزيافة فِيهِ وَلِهَذَا لم يقبل عُلَمَاؤُنَا خبر الْوضُوء من مس الذّكر لِأَنَّهُ مُخَالف للْكتاب فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهرا وَمَعْلُوم أَن الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ لَا يكون إِلَّا بِمَسّ الذّكر فَالْحَدِيث الَّذِي يَجْعَل مَسّه حَدثا بِمَنْزِلَة الْبَوْل يكون مُخَالفا لما فِي الْكتاب لِأَن الْفِعْل الَّذِي هُوَ حدث لَا يكون تطهرا
وَكَذَلِكَ لم يقبل حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس فِي أَن لَا نَفَقَة للمبتوتة لِأَنَّهُ مُخَالف للْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ وَلَا خلاف أَن المُرَاد وأنفقوا عَلَيْهِنَّ من وجدكم فَالْمُرَاد الْحَائِل فَإِنَّهُ عطف عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضعن حَملهنَّ﴾ وَكَذَلِكَ لم يقبل خبر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ مُخَالف للْكتاب من أوجه فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الْآيَة وَقَوله واستشهدوا أَمر بِفعل هُوَ مُجمل فِيمَا يرجع إِلَى عدد الشُّهُود كَقَوْل الْقَائِل كل يكون مُجملا فِيمَا يرجع إِلَى بَيَان الْمَأْكُول فَيكون مَا بعده تَفْسِيرا لذَلِك الْمُجْمل وبيانا لجَمِيع مَا هُوَ المُرَاد بِالْأَمر وَهُوَ استشهاد رجلَيْنِ فَكَذَا أَو أَذِنت لَك أَن تعامل فلَانا فَإِن لم يكن ففلانا يكون ذَلِك بَيَانا لجَمِيع مَا هُوَ المُرَاد بِالْأَمر وَالْإِذْن وَإِذا ثَبت أَن جَمِيع مَا هُوَ الْمَذْكُور فِي الْآيَة كَانَ خبر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين زَائِدا عَلَيْهِ وَالزِّيَادَة على النَّص كالنسخ عندنَا يقرره قَوْله تَعَالَى ﴿وَأدنى أَلا ترتابوا﴾ فقد فَإِن لم يَكُونَا فَرجل وَامْرَأَتَانِ كَقَوْل الْقَائِل كل طَعَام كَذَا
стр. 358
فَإِن لم يكن نَص على أَن أدنى مَا تَنْتفِي بِهِ الرِّيبَة شَهَادَة شَاهِدين بِهَذِهِ الصّفة وَلَيْسَ دون الْأَدْنَى شَيْء آخر تَنْتفِي بِهِ الرِّيبَة وَلِأَنَّهُ نقل الحكم من استشهاد الرجل الثَّانِي بعد شَهَادَة الشَّاهِد الْوَاحِد إِلَى استشهاد امْرَأتَيْنِ مَعَ أَن حُضُور النِّسَاء مجَالِس الْقَضَاء لأَدَاء الشَّهَادَة خلاف الْعَادة وَقد أمرن بالقرار فِي الْبيُوت شرعا فَلَو كَانَ يَمِين الْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد حجَّة لما نقل الحكم إِلَى استشهاد امْرَأتَيْنِ وَهُوَ خلاف الْمُعْتَاد مَعَ تمكن الْمُدَّعِي من إتْمَام حجَّته بِيَمِينِهِ
وبمثل هَذَا الطَّرِيق جعلنَا شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض حجَّة لِأَن الله تَعَالَى نقل الحكم عَن استشهاد مُسلمين على وَصِيَّة الْمُسلم إِلَى استشهاد ذميين بقوله تَعَالَى ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ مَعَ أَن حُضُور أهل الذِّمَّة مجَالِس الْقُضَاة لأَدَاء الشَّهَادَة خلاف الْمُعْتَاد فَذَلِك دَلِيل ظَاهر على أَن الْحجَّة تقوم بِشَهَادَتِهِم فِي الْجُمْلَة
وَهُوَ دَلِيل أَيْضا على رد خبر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ نقل الحكم إِلَى استشهاد ذميين عِنْد عدم شَاهِدين مُسلمين فَلَو كَانَ الشَّاهِد الْوَاحِد مَعَ يَمِين الْمُدَّعِي حجَّة لَكَانَ الأولى بَيَان ذَلِك عِنْد الْحَاجة وَذكر فِي الْآيَة يَمِين الشَّاهِدين ظَاهرا عِنْد الرِّيبَة مَعَ أَن ذَلِك لَيْسَ بِحجَّة الْيَوْم (لأجل النّسخ) فَلَو كَانَ بِيَمِين الْمُدَّعِي تَنْتفِي الرِّيبَة أَو تتمّ الْحجَّة لَكَانَ الأولى ذكر يَمِينه عِنْد الْحَاجة
فبهذه الْوُجُوه يتَبَيَّن أَن خبر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين مُخَالف للْكتاب فتركنا الْعَمَل بِهِ لهَذَا وَكَذَلِكَ الْغَرِيب من أَخْبَار الْآحَاد إِذا خَالف السّنة الْمَشْهُورَة فَهُوَ مُنْقَطع فِي حكم الْعَمَل بِهِ لِأَن مَا يكون متواترا من السّنة أَو مستفيضا أَو مجمعا عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكتاب فِي ثُبُوت علم الْيَقِين بِهِ وَمَا فِيهِ شُبْهَة فَهُوَ مَرْدُود فِي مُقَابلَة الْيَقِين وَكَذَلِكَ الْمَشْهُور من السّنة فَإِنَّهُ أقوى من الْغَرِيب لكَونه أبعد عَن مَوضِع الشُّبْهَة وَلِهَذَا جَازَ النّسخ بالمشهور دون الْغَرِيب فالضعيف لَا يظْهر فِي مُقَابلَة الْقوي
стр. 359
وَلِهَذَا لم يعْمل بِخَبَر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ مُخَالف للسّنة الْمَشْهُورَة وَهُوَ قَوْله ﵇ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن فِي هَذَا الحَدِيث بَيَان أَن الْيَمين فِي جَانب الْمُنكر دون الْمُدَّعِي وَالثَّانِي أَن فِيهِ بَيَان أَنه لَا يجمع بَين الْيَمين وَالْبَيِّنَة فَلَا تصلح الْيَمين متممة للبينة بِحَال وَلِهَذَا الأَصْل لم يعْمل أَبُو حنيفَة بِخَبَر سعد بن أبي وَقاص ﵁ فِي بيع الرطب بِالتَّمْرِ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ أينتقص إِذا جف قَالُوا نعم
قَالَ فَلَا إِذا لِأَنَّهُ مُخَالف للسّنة الْمَشْهُورَة وَهُوَ قَوْله ﵇ التَّمْر بِالتَّمْرِ مثل بِمثل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن فِيهَا اشْتِرَاط الْمُمَاثلَة فِي الْكَيْل مُطلقًا لجَوَاز العقد فالتقييد بِاشْتِرَاط الْمُمَاثلَة فِي أعدل الْأَحْوَال وَهُوَ بعد الجفوف يكون زِيَادَة وَالثَّانِي أَنه جعل فضلا يظْهر بِالْكَيْلِ هُوَ الْحَرَام فِي السّنة الْمَشْهُورَة فَجعل فضل يظْهر عِنْد فَوَات وصف مَرْغُوب فِيهِ رَبًّا حَرَامًا يكون مُخَالفا لذَلِك الحكم إِلَّا أَن أَبَا يُوسُف ومحمدا قَالَا السّنة الْمَشْهُورَة لَا تتَنَاوَل الرطب لِأَن مُطلق اسْم التَّمْر لَا يتَنَاوَلهُ بِدَلِيل أَن من حلف لَا يَأْكُل تَمرا فَأكل رطبا لم يَحْنَث وَلَو حلف لَا يَأْكُل هَذَا الرطب فَأَكله بعد مَا صَار تَمرا لم يَحْنَث فَإِذا لم تتناوله السّنة الْمَشْهُورَة وَجب إِثْبَات الحكم فِيهِ بالْخبر الآخر
وَأَبُو حنيفَة قَالَ التَّمْر اسْم للثمرة الْخَارِجَة من النّخل من حِين تَنْعَقِد صورتهَا إِلَى أَن تدْرك وَمَا يخْتَلف عَلَيْهِ أَحْوَال وأوصاف حسب مَا يكون على الْآدَمِيّ لَا يتبدل بِهِ اسْم الْعين وَفِي الْأَيْمَان تتْرك الْحَقَائِق لدلَالَة الْعرف وَالْيَمِين تتقيد بِوَصْف فِي الْعين إِذا كَانَ دَاعيا إِلَى الْيَمين
فَفِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الانتقاد للْحَدِيث علم كثير وصيانة للدّين بليغة فَإِن أصل الْبدع والأهواء إِنَّمَا ظهر من قبل ترك عرض أَخْبَار الْآحَاد على الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة فَإِن قوما جعلوها أصلا مَعَ الشُّبْهَة فِي اتصالها برَسُول الله ﵇ وَمَعَ أَنَّهَا لَا توجب علم الْيَقِين ثمَّ تأولوا عَلَيْهَا الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة فَجعلُوا التبع متبوعا وَجعلُوا الأساس مَا هُوَ غير مُتَيَقن بِهِ فوقعوا فِي الْأَهْوَاء والبدع بِمَنْزِلَة من أنكر خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ لما لم يجوز الْعَمَل بِهِ احْتَاجَ إِلَى الْقيَاس ليعْمَل بِهِ وَفِيه أَنْوَاع من الشُّبْهَة أَو إِلَى اسْتِصْحَاب الْحَال وَهُوَ لَيْسَ
стр. 360
بِحجَّة أصلا وَترك الْعَمَل بِالْحجَّةِ إِلَى مَا لَيْسَ بِحجَّة يكون فتحا لباب الْآحَاد وَجعل مَا هُوَ غير مُتَيَقن بِهِ أصلا ثمَّ تَخْرِيج مَا فِيهِ التيقن عَلَيْهِ يكون فتحا لباب الْأَهْوَاء والبدع وكل وَاحِد مِنْهُمَا زيف مَرْدُود وَإِنَّمَا سَوَاء السَّبِيل مَا ذهب إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏ من إِنْزَال كل حجَّة منزلتها فَإِنَّهُم جعلُوا الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة أصلا ثمَّ خَرجُوا عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ بعض الشُّبْهَة وَهُوَ الْمَرْوِيّ بطرِيق الْآحَاد مِمَّا لم يشْتَهر فَمَا كَانَ مِنْهُ مُوَافقا للمشهور قبلوه وَمَا لم يَجدوا فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة الْمَشْهُورَة لَهُ ذكرا قبلوه أَيْضا وأوجبوا الْعَمَل بِهِ وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهما ردُّوهُ على أَن الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة أوجب من الْعَمَل بالغريب بِخِلَافِهِ وَمَا لم يجدوه فِي شَيْء من الْأَخْبَار وصاروا حِينَئِذٍ إِلَى الْقيَاس فِي معرفَة حكمه لتحَقّق الْحَاجة إِلَيْهِ
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ الْغَرِيب فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى وَيحْتَاج الْخَاص وَالْعَام إِلَى مَعْرفَته للْعَمَل بِهِ فَإِنَّهُ زيف لِأَن صَاحب الشَّرْع كَانَ مَأْمُورا بِأَن يبين للنَّاس مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَقد أَمرهم بِأَن ينقلوا عَنهُ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من بعدهمْ فَإِذا كَانَت الْحَادِثَة مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى فَالظَّاهِر أَن صَاحب الشَّرْع لم يتْرك بَيَان ذَلِك للكافة وتعليمهم وَأَنَّهُمْ لم يتْركُوا نَقله على وَجه الاستفاضة فحين لم يشْتَهر النَّقْل عَنْهُم عرفنَا أَنه سَهْو أَو مَنْسُوخ أَلا ترى أَن الْمُتَأَخِّرين لما نقلوه اشْتهر فيهم فَلَو كَانَ ثَابتا فِي الْمُتَقَدِّمين لاشتهر أَيْضا وَمَا تفرد الْوَاحِد بنقله مَعَ حَاجَة الْعَامَّة إِلَى مَعْرفَته وَلِهَذَا لم تقبل شَهَادَة الْوَاحِد من أهل الْمصر على رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان إِذا لم يكن بالسماء عِلّة وَلم يقبل قَول الْوَصِيّ فِيمَا يَدعِي من إِنْفَاق مَال عَظِيم على الْيَتِيم فِي مُدَّة يسيرَة وَإِن كَانَ ذَلِك مُحْتملا لِأَن الظَّاهِر يكذبهُ فِي ذَلِك وعَلى هَذَا الأَصْل لم نعمل بِحَدِيث الْوضُوء من مس الذّكر لِأَن بسرة تفردت بروايته مَعَ عُمُوم الْحَاجة لَهُم إِلَى مَعْرفَته
فَالْقَوْل بِأَن النَّبِي ﵇ خصها بتعليم هَذَا الحكم مَعَ أَنَّهَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَلم يعلم سَائِر الصَّحَابَة مَعَ شدَّة حَاجتهم إِلَيْهِ شبه الْمحَال وَكَذَلِكَ خبر الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار وَخبر
стр. 361
الْوضُوء من حمل الْجِنَازَة وعَلى هَذَا لم يعْمل عُلَمَاؤُنَا ﵏ بِخَبَر الْجَهْر بِالتَّسْمِيَةِ وَخبر رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَعند رفع الرَّأْس من الرُّكُوع لِأَنَّهُ لم يشْتَهر النَّقْل فِيهَا مَعَ حَاجَة الْخَاص وَالْعَام إِلَى مَعْرفَته
فَإِن قيل فقد قبلتم الْخَبَر الدَّال على وجوب الْوتر وعَلى وجوب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي الْجَنَابَة وَهُوَ خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى
قُلْنَا لِأَنَّهُ قد اشْتهر أَن النَّبِي ﵇ فعله وَأمر بِفِعْلِهِ فَأَما الْوُجُوب حكم آخر سوى الْفِعْل وَذَلِكَ مِمَّا يجوز أَن يُوقف عَلَيْهِ بعض الْخَواص لينقلوه إِلَى غَيرهم فَإِنَّمَا قبلنَا خبر الْوَاحِد فِي هَذَا الحكم فَأَما أصل الْفِعْل فَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالنَّقْلِ المستفيض
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ مَا لم تجر المحاجة بِهِ بَين الصَّحَابَة مَعَ ظُهُور الِاخْتِلَاف بَينهم فِي الحكم فَإِنَّهُ زيف لأَنهم الْأُصُول فِي نقل الدّين لَا يتهمون بِالْكِتْمَانِ وَلَا يتْرك الِاحْتِجَاج بِمَا هُوَ الْحجَّة والاشتغال بِمَا لَيْسَ بِحجَّة فَإِذا ظهر مِنْهُم الِاخْتِلَاف فِي الحكم وَجَرت المحاجة بَينهم فِيهِ بِالرَّأْيِ والرأي لَيْسَ بِحجَّة مَعَ ثُبُوت الْخَبَر فَلَو كَانَ الْخَبَر صَحِيحا لاحتج بِهِ بَعضهم على بعض حَتَّى يرْتَفع بِهِ الْخلاف الثَّابِت بَينهم بِنَاء على الرَّأْي فَكَانَ إِعْرَاض الْكل عَن الِاحْتِجَاج بِهِ دَلِيلا ظَاهرا على أَنه سَهْو مِمَّن رَوَاهُ بعدهمْ أَو هُوَ مَنْسُوخ وَذَلِكَ نَحْو مَا يرْوى الطَّلَاق بِالرِّجَالِ وَالْعدة بِالنسَاء فَإِن الْكِبَار من الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِي هَذَا وأعرضوا عَن الِاحْتِجَاج بِهَذَا الحَدِيث أصلا فَعرفنَا أَنه غير ثَابت أَو مؤول وَالْمرَاد بِهِ أَن إِيقَاع الطَّلَاق إِلَى الرِّجَال
وَكَذَلِكَ مَا يرْوى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ابْتَغوا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى خيرا كَيْلا تأكلها الصَّدَقَة فَإِن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِي وجوب الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي وأعرضوا عَن الِاحْتِجَاج بِهَذَا الحَدِيث أصلا فَعرفنَا أَنه غير ثَابت إِذْ لَو كَانَ ثَابتا لاشتهر فيهم وَجَرت المحاجة بِهِ بعد تحقق الْحَاجة إِلَيْهِ بِظُهُور الِاخْتِلَاف فَفِي الانتقاد بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين تظهر الزيافة معنى للمقابلة بِمَنْزِلَة نقد الْبَلَد إِذا قوبل بِنَقْد أَجود مِنْهُ تظهر الزيافة فِيهِ وَفِي الانتقاد بِالْوَجْهَيْنِ الآخرين إِظْهَار الزيافة معنى من حَيْثُ إِنَّه تقَوِّي فِيهِ شُبْهَة الِانْقِطَاع بِمَنْزِلَة نقد تبين فِيهِ زِيَادَة غش على مَا هُوَ فِي
стр. 362
النَّقْد الْمَعْهُود فَيصير زيفا مردودا من هَذَا الْوَجْه
وَالشَّافِعِيّ أعرض عَن طلب الِانْقِطَاع معنى واشتغل بِبِنَاء الحكم على ظَاهر الِانْقِطَاع فِي الْمُرْسل فَترك الْعَمَل بِهِ مَعَ قُوَّة الْمَعْنى فِيهِ كَمَا هُوَ دأبه ودأبنا فَإِنَّهُ يَبْنِي على الظَّاهِر أَكثر الْأَحْكَام وعلماؤنا يبنون الْفِقْه على الْمعَانِي المؤثرة الَّتِي يَتَّضِح الحكم عِنْد التَّأَمُّل فِيهَا
وَأما النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ مَا يبتنى على نُقْصَان حَال الرَّاوِي فبيان ذَلِك فِي فُصُول مِنْهَا خبر المستور وَالْفَاسِق وَالْكَافِر وَالصَّبِيّ وَالْمَعْتُوه والمغفل والمساهل وَصَاحب الْهوى
أما المستور فقد نَص مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الِاسْتِحْسَان على أَن خَبره كَخَبَر الْفَاسِق وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵄ أَنه بِمَنْزِلَة الْعدْل فِي رِوَايَة الْأَخْبَار لثُبُوت الْعَدَالَة لَهُ ظَاهرا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيّ عَن رَسُول الله ﷺ (وَعَن عمر ﵁ الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض
وَلِهَذَا جوز أَبُو حنيفَة الْقَضَاء بِشَهَادَة الْمُسْتَوْرد فِيمَا يثبت مَعَ الشُّبُهَات إِذا لم يطعن الْخصم وَلَكِن مَا ذكره فِي الِاسْتِحْسَان أصح فِي زَمَاننَا فَإِن الْفسق غَالب فِي أهل هَذَا الزَّمَان فَلَا تعتمد رِوَايَة الْمُسْتَوْرد مَا لم تتبين عَدَالَته كَمَا لم تعتمد شَهَادَته فِي الْقَضَاء قبل أَن تظهر عَدَالَته وَهَذَا بِحَدِيث عباد بن كثير أَن النَّبِي ﵇ قَالَ لَا تحدثُوا عَمَّن لَا تعلمُونَ بِشَهَادَتِهِ وَلِأَن فِي رِوَايَة الحَدِيث معنى الْإِلْزَام فَلَا بُد من أَن يعْتَمد فِيهِ دَلِيل مُلْزم وَهُوَ الْعَدَالَة الَّتِي تظهر بالتفحص عَن أَحْوَال الرَّاوِي
وَأما الْفَاسِق فقد ذكر فِي كتاب الِاسْتِحْسَان أَنه إِذا أخبر بِطَهَارَة المَاء أَو بِنَجَاسَتِهِ أَو بِحل الطَّعَام وَالشرَاب وحرمته فَإِن السَّامع يحكم رَأْيه فِي ذَلِك فَإِن وَقع عِنْده أَنه صَادِق فَعَلَيهِ أَن يعْمل بِخَبَرِهِ وَإِلَّا لم يعْمل بِهِ وعَلى هَذَا قَالَ بعض مَشَايِخنَا ﵏ الْجَواب كَذَلِك فِيمَا يرويهِ الْفَاسِق
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَن خَبره لَا يكون حجَّة لِأَنَّهُ غير مَقْبُول الشَّهَادَة وَفِي حل الطَّعَام وحرمته وطهارة المَاء ونجاسته إِنَّمَا اعْتبر خَبره إِذا تأيد
стр. 363
بِأَكْثَرَ الرَّأْي لأجل الضَّرُورَة لِأَن ذَلِك حكم خَاص رُبمَا يتَعَذَّر الْوُقُوف عَلَيْهِ من جِهَة غَيره وَمثل هَذِه الضَّرُورَة لَا يتَحَقَّق فِي رِوَايَة الْخَبَر فَإِن فِي الْعُدُول كَثْرَة يُمكن الْوُقُوف على معرفَة الحَدِيث بِالسَّمَاعِ مِنْهُم فَلَا حَاجَة إِلَى الِاعْتِمَاد على رِوَايَة الْفَاسِق فِيهِ
ثمَّ فِي الْمُعَامَلَات جعل خبر الْفَاسِق مَقْبُولًا لأجل الضَّرُورَة أَيْضا فَإِن الْمُعَامَلَة تكْثر بَين النَّاس وَلَا يُوجد عدل يرجع إِلَيْهِ فِي كل خبر من ذَلِك النَّوْع إِلَّا أَن ذَلِك يَنْفَكّ عَن معنى الْإِلْزَام فجوز الِاعْتِمَاد فِيهِ على خبر الْفَاسِق مُطلقًا والحل وَالْحُرْمَة فِيهِ معنى الْإِلْزَام من وَجه فَلهَذَا لم نجْعَل خبر الْفَاسِق فِيهِ مُعْتَمدًا على الْإِطْلَاق حَتَّى يَنْضَم إِلَيْهِ غَالب الرَّأْي
وَمن النَّاس من لم يَجْعَل خبر الْفَاسِق مَقْبُولًا فِي الْمُعَامَلَة أَيْضا لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَرُوِيَ أَن الْآيَة نزلت فِي الْوَلِيد بن عقبَة حِين بَعثه رَسُول الله ﷺ مُصدقا إِلَى قوم فَرجع إِلَيْهِ وَقَالَ إِنَّهُم هموا بقتلي فَأَرَادَ رَسُول الله أَن يعْتَمد خَبره وَيبْعَث إِلَيْهِم خيلا لِأَنَّهُ مَا كَانَ ظَاهر الْفسق عِنْده فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَمَا أخبر بِهِ كَانَ من الْمُعَامَلَات خَالِيا عَن الْإِلْزَام وَمَعَ ذَلِك أَمر الله تَعَالَى بالتوقف فِي هَذَا النبأ من الْفَاسِق
وَلَكنَّا نقُول كَانَ ذَلِك خَبرا مستنكرا فَإِنَّهُ أخبر أَنهم ارْتَدُّوا بِمَنْع الزَّكَاة وجحودها وهموا بقتْله وَفِيه إِلْزَام الْجِهَاد مَعَهم وَنحن نقُول إِن من ثَبت فسقه لَا يعْتَبر خَبره فِي مثل هَذَا فَأَما فِي الْمُعَامَلَات الَّتِي تنفك عَن معنى الْإِلْزَام فَيجوز اعْتِمَاد خَبره لأجل الضَّرُورَة إِذْ الْفسق يرجح معنى الْكَذِب فِي خَبره من غير أَن يكون مُوجبا الحكم بِأَنَّهُ كَاذِب فِي خَبره لَا محَالة وَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ مَعَ الْفسق من أهل الشَّهَادَة
فَأَما الْكَافِر فَإِنَّهُ لَا تعتمد رِوَايَته فِي بَاب الْأَخْبَار أصلا
وَكَذَلِكَ فِي طَهَارَة المَاء ونجاسته إِلَّا أَنه إِذا وَقع فِي قلب السَّامع أَنه صَادِق فِيمَا يخبر بِهِ من نَجَاسَة المَاء فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يريق المَاء ثمَّ يتَيَمَّم وَلَا تجوز صلَاته بِالتَّيَمُّمِ قبل إِرَاقَة المَاء لِأَنَّهُ لَا يعْتَمد خَبره فِي بَاب الدّين أصلا فَيبقى مُجَرّد غَلَبَة الظَّن وَذَلِكَ لَا يجوز لَهُ الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وجود المَاء بِخِلَاف الْفَاسِق فهناك يلْزمه أَن يتَوَضَّأ بذلك المَاء إِذا وَقع فِي قلبه أَنه صَادِق فِي الْإِخْبَار بِطَهَارَة
стр. 364
المَاء وَإِن أخبر بِنَجَاسَة المَاء وَوَقع فِي قلبه أَنه صَادِق فَالْأولى لَهُ أَن يريق المَاء وَيتَيَمَّم فَإِن تيَمّم وَلم يرق المَاء جَازَت صلَاته
وَأما خبر الصَّبِي فقد ذكر فِي الِاسْتِحْسَان بعد ذكر الْفَاسِق وَالْكَافِر وَكَذَلِكَ الصَّبِي وَالْمَعْتُوه إِذا عقلا مَا يَقُولَانِ
فَزعم بعض مَشَايِخنَا أَن المُرَاد الْعَطف على الْفَاسِق وَأَن خَبره بِمَنْزِلَة خبر الْفَاسِق فِي طَهَارَة المَاء ونجاسته وَالأَصَح أَن المُرَاد عطفه على الْكَافِر فَإِن الصَّبِي لَيْسَ من أهل الشَّهَادَة أصلا كَمَا أَن الْكَافِر لَيْسَ من أهل الشَّهَادَة على الْمُسلمين بِخِلَاف الْفَاسِق فَهُوَ من أهل الشَّهَادَة وَإِن لم يكن مَقْبُول الشَّهَادَة لفسقه (و) لِأَن الصَّبِي بِخَبَرِهِ يلْزم الْغَيْر ابْتِدَاء من غير أَن يلْتَزم شَيْئا لِأَنَّهُ غير مُخَاطب كالكافر يلْزم غَيره من غير أَن يلْتَزم لِأَنَّهُ غير مُعْتَقد للْحكم الَّذِي يخبر بِهِ فَأَما الْفَاسِق فيلتزم أَولا ثمَّ يلْزم غَيره وَلِأَن الْولَايَة المتعدية تبتنى على الْولَايَة الْقَائِمَة للمرء على نَفسه وَالْفَاسِق من أهل هَذِه الْولَايَة فَيكون أَهلا للولاية المتعدية أَيْضا بِخِلَاف الصَّبِي وَالْمَعْتُوه بِمَنْزِلَة الصَّبِي فقد سوى عُلَمَاؤُنَا بَينهمَا فِي الْأَحْكَام فِي الْكتب لنُقْصَان عقلهما
وَمن النَّاس من يَقُول رِوَايَة الصَّبِي فِي بَاب الدّين مَقْبُولَة وَإِن لم يكن هُوَ مَقْبُول الشَّهَادَة لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّة للولاية بِمَنْزِلَة رِوَايَة العَبْد وَاسْتدلَّ فِيهِ بِحَدِيث أهل قبَاء فَإِن عبد الله بن عمر ﵄ أَتَاهُم وَأخْبرهمْ بتحويل الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة وهم كَانُوا فِي الصَّلَاة فاستداروا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ ابْن عمر يَوْمئِذٍ صَغِيرا على مَا رُوِيَ أَنه عرض على رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر أَو يَوْم أحد على حسب مَا اخْتلف الروَاة فِيهِ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة فَرده وتحويل الْقبْلَة كَانَ قبل بدر بشهرين فقد اعتمدوا خَبره فِيمَا لَا يجوز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِعلم وَهُوَ الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ
وَلَكنَّا نقُول قد رُوِيَ أَن الَّذِي أَتَاهُم أنس بن مَالك وَقد روى عبد الله
стр. 365
بن عمر فَإنَّا نحمل على أَنَّهُمَا جَاءَ أَحدهمَا بعد الآخر وأخبرا بذلك وَإِنَّمَا تحولوا معتمدين على خبر الْبَالِغ وَهُوَ أنس بن مَالك أَو كَانَ ابْن عمر بَالغا يَوْمئِذٍ وَإِنَّمَا رده رَسُول الله ﷺ فِي الْقِتَال لضعف بنيته يَوْمئِذٍ لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا فَإِن ابْن أَربع عشرَة سنة يجوز أَن يكون بَالغا
فَأَما الْمُغَفَّل فَإِن كَانَ أغلب أَحْوَاله التيقظ فَهُوَ بِمَنْزِلَة من لَا غَفلَة بِهِ فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة لِأَن مَا بِهِ من الْغَفْلَة يسير قَلما يَخْلُو الْعدْل عَن مثله إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى وَإِن تفاحش مَا بِهِ من الْغَفْلَة حَتَّى ظهر ذَلِك فِي أغلب أُمُوره فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَعْتُوه لِأَن مَا يلْزم من النُّقْصَان فِي الْمَرْء بطرِيق الْعَادة يَجْعَل بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِأَصْل الْخلقَة أَلا ترى أَنه يتَرَجَّح معنى السَّهْو والغلط فِي الرِّوَايَة باعتبارهما جَمِيعًا كَمَا يتَرَجَّح جَانب الْكَذِب بِاعْتِبَار فسق الرَّاوِي
وَأما المساهل فَهُوَ كالمغفل فَإِنَّهُ اسْم لمن يجازف فِي الْأُمُور وَلَا يُبَالِي بِمَا يَقع لَهُ من السَّهْو والغلط وَلَا يشْتَغل فِيهِ بالتدارك بعد أَن يعلم بِهِ فَيكون بِمَنْزِلَة الْمُغَفَّل إِذا ظهر ذَلِك فِي أَكثر أُمُوره
وَأما صَاحب الْهوى فقد بَينا أَن الصَّحِيح أَنه لَا تعتمد رِوَايَته فِي أَحْكَام الدّين وَإِن كَانَت شَهَادَتهم مَقْبُولَة إِلَّا الخطابية فَإِن الْهوى لَا يكون مرجحا جَانب الْكَذِب فِي شَهَادَته على مَا قَررنَا إِلَّا الخطابية وهم ضرب من الروافض يجوزون أَدَاء الشَّهَادَة إِذا حلف الْمُدَّعِي بَين أَيْديهم أَنه محق فِي دَعْوَاهُ وَيَقُولُونَ الْمُسلم لَا يحلف كَاذِبًا فَفِي هَذَا الِاعْتِقَاد مَا يرجح جَانب الْكَذِب فِي شَهَادَتهم لتوهم أَنهم اعتمدوا ذَلِك
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِيمَن يعْتَقد أَن الإلهام حجَّة مُوجبَة للْعلم لَا تقبل شَهَادَته لتوهم أَن يكون اعْتمد ذَلِك فِي أَدَاء
стр. 366
الشَّهَادَة بِنَاء على اعْتِقَاده
فَأَما من سواهُم من أهل الْأَهْوَاء لَيْسَ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ من الْهوى مَا يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي شَهَادَتهم لِأَن الشَّهَادَة من بَاب الْمَظَالِم والخصومات وَلَا يتعصب صَاحب الْهوى بِهَذَا الطَّرِيق مَعَ من هُوَ محق فِي اعْتِقَاده حَتَّى يشْهد عَلَيْهِ كَاذِبًا فَأَما فِي أَخْبَار الدّين فيتوهم بِهَذَا التعصب لإفساد طَرِيق الْحق على من هُوَ محق حَتَّى يجِيبه إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ من الْبَاطِل فَلهَذَا لَا تعتمد رِوَايَته وَلَا تجْعَل حجَّة فِي بَاب الدّين وَالله أعلم
فصل فِي بَيَان أَقسَام الْأَخْبَار
قَالَ ﵁ هَذِه الْأَقْسَام أَرْبَعَة خبر يُحِيط الْعلم بصدقه وَخبر يُحِيط الْعلم بكذبه وَخبر يحتملهما على السوَاء وَخبر يتَرَجَّح فِيهِ أحد الْجَانِبَيْنِ
فَالْأول أَخْبَار الرُّسُل المسموعة مِنْهُم فَإِن جِهَة الصدْق مُتَعَيّن فِيهَا لقِيَام الدّلَالَة على أَنهم معصومون عَن الْكَذِب وَثُبُوت رسالتهم بالمعجزات الْخَارِجَة عَن مَقْدُور الْبشر عَادَة وَحكم هَذَا النَّوْع اعْتِقَاد الحقية فِيهِ والائتمار بِهِ بِحَسب الطَّاقَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾
وَالنَّوْع الثَّانِي نَحْو دَعْوَى فِرْعَوْن الربوبية مَعَ قيام آيَات الْحَدث فِيهِ ظَاهرا وَدَعوى الْكفَّار أَن الْأَصْنَام آلِهَة أَو أَنَّهَا شفعاؤهم عِنْد الله أَو أَنَّهَا تقربهم إِلَى الله زلفى مَعَ التيقن بِأَنَّهَا جمادات وَنَحْو دَعْوَى زرادشت وماني ومسيلمة وَغَيرهم من المتنبئين النُّبُوَّة مَعَ ظُهُور أَفعَال تدل على السَّفه مِنْهُم وَأَنَّهُمْ لم يبرهنوا على ذَلِك إِلَّا بِمَا هُوَ مخرفة من جنس أَفعَال المشعوذين فالعلم يُحِيط بكذب هَذَا النَّوْع وَحكمه اعْتِقَاد الْبطلَان فِيهِ ثمَّ الِاشْتِغَال برده بِاللِّسَانِ وَالْيَد بِحَسب مَا تقع الْحَاجة إِلَيْهِ فِي دفع الْفِتْنَة
وَالنَّوْع الثَّالِث نَحْو خبر الْفَاسِق فِي أَمر الدّين فَفِيهِ احْتِمَال الصدْق بِاعْتِبَار فَالْحكم فِيهِ التَّوَقُّف إِلَى أَن يظْهر مَا يتَرَجَّح بِهِ أحد الْجَانِبَيْنِ عملا بقوله تَعَالَى ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
стр. 367
دينه وعقله وَاحْتِمَال الْكَذِب بِاعْتِبَار تعاطيه واستوى الجانبان فِي الِاحْتِمَال
وَالنَّوْع الرَّابِع نَحْو شَهَادَة الْفَاسِق إِذا ردهَا القَاضِي فَإِن بِقَضَائِهِ يتَرَجَّح جَانب الْكَذِب فِيهِ وَخبر الْمَحْدُود فِي الْقَذْف عِنْد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ وَحكمه أَنه لَا يجوز الْعَمَل بِهِ بعد ذَلِك لتعين جَانب الْكَذِب فِيهِ فِيمَا يُوجب الْعَمَل
وَمن هَذَا النَّوْع خبر الْعدْل المستجمع لشرائط الرِّوَايَة فِي بَاب الدّين فَإِنَّهُ يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِيهِ بِوُجُود دَلِيل شَرْعِي مُوجب للْعَمَل بِهِ وَهُوَ صَالح للترجيح وَالْمَقْصُود هَذَا النَّوْع
وَلِهَذَا النَّوْع أَطْرَاف ثَلَاثَة طرف السماع وطرف الْحِفْظ وطرف الْأَدَاء
فطرف السماع نَوْعَانِ عَزِيمَة ورخصة
فالعزيمة مَا تكون بِحَسب الِاسْتِمَاع
وَهُوَ أَرْبَعَة أوجه وَجْهَان من ذَلِك حَقِيقَة وَأَحَدهمَا أَحَق من الآخر ووجهان من ذَلِك عَزِيمَة فيهمَا شُبْهَة الرُّخْصَة
فالوجهان الْأَوَّلَانِ قِرَاءَة الْمُحدث عَلَيْك وَأَنت تسمع وقراءتك على الْمُحدث وَهُوَ يسمع ثمَّ استفهامك إِيَّاه بِقَوْلِك أهوَ كَمَا قَرَأت عَلَيْك فَيَقُول نعم وَأهل الحَدِيث يَقُولُونَ الْوَجْه الأول أَحَق لِأَنَّهُ طَرِيق رَسُول الله ﵇ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يحدث أَصْحَابه ثمَّ نقلوه عَنهُ وَهُوَ أبعد من الْخَطَأ والسهو فَيكون أَحَق فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ تحمل الْأَمَانَة بِصفة تَامَّة
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة ﵀ أَن قراءتك على الْمُحدث أقوى من قِرَاءَة الْمُحدث عَلَيْك وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لرَسُول الله ﷺ خَاصَّة لكَونه مَأْمُون السَّهْو والغلط وَلِأَنَّهُ كَانَ يذكر مَا يذكرهُ حفظا وَكَانَ لَا يكْتب وَلَا يقْرَأ الْمَكْتُوب أَيْضا وَإِنَّمَا كلامنا فِيمَن يخبر عَن كتاب لَا عَن (حفظه حَتَّى إِذا كَانَ يروي عَن حفظ لَا عَن كتاب فقراءته أقوى لِأَنَّهُ يتحدث بِهِ) حَقِيقَة فَأَما إِذا كَانَ يروي عَن كتاب فالجانبان
стр. 368
سَوَاء فِي معنى التحدث بِمَا فِي الْكتاب أَلا ترى أَن فِي الشَّهَادَات لَا فرق بَين أَن يقْرَأ من عَلَيْهِ الْحق ذكر إِقْرَاره عَلَيْك وَبَين أَن تَقْرَأهُ عَلَيْهِ ثمَّ تستفهمه هَل تقر بِجَمِيعِ مَا قرأته عَلَيْك فَيَقُول نعم وَبِكُل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ يجوز أَدَاء الشَّهَادَة وَبَاب الشَّهَادَة أضيق من بَاب رِوَايَة الْخَبَر فَكَانَ الْمَعْنى فِيهِ أَن نعم جَوَاب مُخْتَصر وَلَا فرق فِي الْجَواب بَين الْمُخْتَصر والمشبع فَيصير مَا تقدم كالمعاد فِي الْجَواب كُله ثمَّ للطَّالِب من الرِّعَايَة عِنْد الْقِرَاءَة عَادَة مَا لَيْسَ للمحدث فَعِنْدَ قِرَاءَة الْمُحدث لَا يُؤمن من الْخَطَأ فِي بعض مَا يقْرَأ لقلَّة رعايته ويؤمن ذَلِك إِذا قَرَأَ الطَّالِب لشدَّة رعايته
فَإِن قيل عِنْد قِرَاءَة الطَّالِب يتَوَهَّم أَن يسهو الْمُحدث عَن بعض مَا يسمع وينتفي هَذَا التَّوَهُّم إِذا قَرَأَهُ الْمُحدث لشدَّة رِعَايَة الطَّالِب فِي ضبط مَا يسمع مِنْهُ
قُلْنَا هُوَ كَذَلِك وَلَكِن السَّهْو عَن سَماع الْبَعْض مِمَّا لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ عَادَة وَهُوَ أيسر مِمَّا يَقع بِسَبَب الْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة فمراعاة ذَلِك الْجَانِب أولى
والوجهان الْآخرَانِ الْكِتَابَة والرسالة فَإِن الْمُحدث إِذا كتب إِلَى غَيره على رسم الْكتب وَذكر فِي كِتَابه حَدثنِي فلَان عَن فلَان إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ وَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا وفهمت مَا فِيهِ فَحدث بِهِ عني فَهَذَا صَحِيح
وَكَذَلِكَ لَو أرسل إِلَيْهِ رَسُولا فَبَلغهُ على هَذِه الصّفة فَإِن رَسُول الله ﵇ كَانَ مَأْمُورا بتبليغ الرسَالَة وَبلغ إِلَى قوم مشافهة وَإِلَى آخَرين بِالْكتاب وَالرَّسُول وَكَانَ ذَلِك تبليغا تَاما
وَكَذَلِكَ فِي زَمَاننَا يثبت من الْخُلَفَاء تَقْلِيد السلطنة وَالْقَضَاء بِالْكتاب وَالرَّسُول بِهَذَا الطَّرِيق كَمَا يثبت بالمشافهة إِلَّا أَن الْمُخْتَار فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين للراوي أَن يَقُول حَدثنِي فلَان وَفِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين أَن يَقُول أَخْبرنِي لِأَن فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين شافهه الْمُحدث بالإسماع فَيكون مُحدثا لَهُ وَفِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين لم يشافهه وَلكنه مخبر لَهُ بكتابه فَإِن الْكتاب مِمَّن بعد كالخطاب مِمَّن حضر وَالرَّسُول كالكتاب أَو أقوى لِأَن معنى الضَّبْط يُوجد فيهمَا ثمَّ الرَّسُول نَاطِق وَالْكتاب غير نَاطِق
وعَلى هَذَا ذكر فِي الزِّيَادَات إِذا حلف أَن لَا يتحدث بسر فلَان أَو لَا يتَكَلَّم
стр. 369
بِهِ فَكتب بِهِ أَو أرسل رَسُولا لم يَحْنَث وَلَو تكلم بِهِ مشافهة يَحْنَث وَلَو حلف لَا يخبر بِهِ فَكتب أَو أرسل يَحْنَث بِمَنْزِلَة مَا لَو تكلم بِهِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى أكرمنا بكتابه وَرَسُوله ثمَّ لَا يجوز لأحد أَن يَقُول حَدثنِي الله وَلَا كلمني الله إِنَّمَا ذَلِك لمُوسَى ﵊ خَاصَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ وَيجوز أَن يَقُول أخبرنَا الله بِكَذَا أَو أَنبأَنَا ونبأنا فَلهَذَا كَانَ الْمُخْتَار فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين حَدثنِي وَفِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين أَخْبرنِي
وَأما الرُّخْصَة فِيهِ فمما لَا تكون فِيهِ إسماع وَذَلِكَ الْإِجَازَة والمناولة وَشرط الصِّحَّة فِي ذَلِك أَن يكون مَا فِي الْكتاب مَعْلُوما للمجاز لَهُ مفهوما لَهُ وَأَن يكون الْمُجِيز من أهل الضَّبْط والإتقان قد علم جَمِيع مَا فِي الْكتاب وَإِذا قَالَ حِينَئِذٍ أجزت لَك أَن تروي عني مَا فِي هَذَا الْكتاب كَانَ صَحِيحا لِأَن الشَّهَادَة تصح بِهَذِهِ الصّفة فَإِن الشَّاهِد إِذا وقف على جَمِيع مَا فِي الصَّك وَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما لمن عَلَيْهِ الْحق فَقَالَ أجزت لَك أَن تشهد عَليّ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكتاب كَانَ صَحِيحا فَكَذَلِك رِوَايَة الْخَبَر والأحوط للمجاز لَهُ أَن يَقُول عِنْد الرِّوَايَة أجَاز لي فلَان فَإِن قَالَ أَخْبرنِي فَهُوَ جَائِز أَيْضا وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي فَإِن ذَلِك مُخْتَصّ بالإسماع وَلم يُوجد
والمناولة لتأكيد الْإِجَازَة فيستوى الحكم فِيمَا إِذا وجدا جَمِيعًا أَو وجدت الْإِجَازَة وَحدهَا
فَأَما إِذا كَانَ المستجيز غير عَالم بِمَا فِي الْكتاب فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا إِن على قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَا تصح هَذِه الْإِجَازَة وعَلى قَول أبي يُوسُف ﵀ تصح على قِيَاس اخْتلَافهمْ فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي وَكتاب الشَّهَادَة فَإِن علم الشَّاهِد بِمَا فِي الْكتاب شَرط فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَلَا يكون شرطا فِي قَول أبي يُوسُف ﵀ لصِحَّة أَدَاء الشَّهَادَة
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَن هَذِه الْإِجَازَة لَا تصح فِي قَوْلهم جَمِيعًا إِلَّا أَن أَبَا يُوسُف اسْتحْسنَ هُنَاكَ لأجل الضَّرُورَة فالكتب تشْتَمل على أسرار لَا يُرِيد الْكَاتِب والمكتوب إِلَيْهِ أَن يقف عَلَيْهَا غَيرهمَا وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي كتب الْأَخْبَار
стр. 370
ثمَّ الْخَبَر أصل الدّين أمره عَظِيم وخطبه جسيم فَلَا وَجه للْحكم بِصِحَّة تحمل الْأَمَانَة فِيهِ قبل أَن يصير مَعْلُوما مفهوما لَهُ أَلا ترى أَنه لَو قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُحدث فَلم يسمع وَلم يفهم لم يجز لَهُ أَن يروي وَالْإِجَازَة إِذا لم يكن مَا فِي الْكتاب مَعْلُوما لَهُ دون ذَلِك كَيفَ تجوز الرِّوَايَة بِهَذَا الْقدر وإسماع الصّبيان الَّذين لَا يميزون وَلَا يفهمون نوع تبرك استحسنه النَّاس فَأَما أَن يثبت بِمثلِهِ نقل الدّين فَلَا
وَكَذَلِكَ من حضر مجْلِس السماع واشتغل بِقِرَاءَة كتاب آخر غير مَا يَقْرَؤُهُ القارىء أَو اشْتغل بِالْكِتَابَةِ لشَيْء آخر أَو اشْتغل بتحدث أَو لَغْو أَو لَهو أَو اشْتغل عَن السماع لغفلة أَو نوم فَإِن سَمَاعه لَا يكون صَحِيحا مُطلقًا لَهُ الرِّوَايَة إِلَّا أَن مِقْدَار مَا لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ من السَّهْو والغفلة يَجْعَل عفوا للضَّرُورَة فَأَما عِنْد الْقَصْد فَهُوَ غير مَعْذُور وَلَا يَأْمَن أَن يحرم بِسَبَب ذَلِك حَظه ونعوذ بِاللَّه فَأَما إِذا قَالَ الْمُحدث أجزت لَك أَن تروي عني مسموعاتي فَإِن ذَلِك غير صَحِيح بالِاتِّفَاقِ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ رجل لآخر اشْهَدْ عَليّ بِكُل صك تَجِد فِيهِ إقراري فقد أجزت لَك ذَلِك فَإِن ذَلِك بَاطِل
وَقد نقل عَن بعض أَئِمَّة التَّابِعين أَن سَائِلًا سَأَلَهُ الْإِجَازَة بِهَذِهِ الصّفة فتعجب وَقَالَ لأَصْحَابه هَذَا يطْلب مني أَن أُجِيز لَهُ أَن يكذب عَليّ وَبَعض الْمُتَأَخِّرين جوزوا ذَلِك على وَجه الرُّخْصَة لضَرُورَة المستعجلين وَلَكِن فِي هَذِه الرُّخْصَة سد بَاب الْجهد فِي الدّين وَفتح بَاب الكسل فَلَا وَجه للمصير إِلَيْهِ
فَأَما الْكتب المصنفة الَّتِي هِيَ مَشْهُورَة فِي أَيدي النَّاس فَلَا بَأْس لمن نظر فِيهَا وَفهم شَيْئا مِنْهَا وَكَانَ متقنا فِي ذَلِك أَن يَقُول قَالَ فلَان كَذَا أَو مَذْهَب فلَان كَذَا من غير أَن يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي لِأَنَّهَا مستفيضة بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمَشْهُور وَبَعض الْجُهَّال من الْمُحدثين استبعدوا ذَلِك حَتَّى طعنوا على مُحَمَّد ﵀ فِي كتبه المصنفة
وَحكي أَن بَعضهم قَالَ لمُحَمد بن الْحسن ﵀ أسمعت هَذَا كُله من أبي حنيفَة فَقَالَ لَا
فَقَالَ أسمعته من
стр. 371
أبي يُوسُف فَقَالَ لَا وَإِنَّمَا أَخذنَا ذَلِك مذاكرة
فَقَالَ كَيفَ يجوز إِطْلَاق القَوْل بِأَن مَذْهَب فلَان كَذَا أَو قَالَ فلَان كَذَا بِهَذَا الطَّرِيق وَهَذَا جهل لِأَن تصنيف كل صَاحب مَذْهَب مَعْرُوف فِي أَيدي النَّاس مَشْهُور كموطأ مَالك ﵀ وَغير ذَلِك فَيكون بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمَشْهُور يُوقف بِهِ على مَذْهَب المُصَنّف وَإِن لم نسْمع مِنْهُ فَلَا بَأْس بِذكرِهِ على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا بعد أَن يكون أصلا مُعْتَمدًا يُؤمن فِيهِ التَّصْحِيف وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
فَأَما بَيَان طرق الْحِفْظ فَهُوَ نَوْعَانِ عَزِيمَة ورخصة
فالعزيمة فِيهِ أَن يحفظ المسموع من وَقت السماع والفهم إِلَى وَقت الْأَدَاء وَكَانَ هَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْأَخْبَار والشهادات جَمِيعًا وَلِهَذَا قلت رِوَايَته وَهُوَ طَرِيق رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَينه للنَّاس
وَأما الرُّخْصَة فِيهِ أَن يعْتَمد الْكتاب إِلَّا أَنه إِذا نظر فِي الْكتاب فَتذكر فَهُوَ عَزِيمَة أَيْضا وَلكنه مشبه بِالرُّخْصَةِ وَإِذا لم يتَذَكَّر فَهُوَ مَحْض الرُّخْصَة على قَول من يجوز ذَلِك وَقد بَينا فِيمَا سبق
وَالْأَدَاء أَيْضا نَوْعَانِ عَزِيمَة ورخصة
فالعزيمة أَن يُؤَدِّي على الْوَجْه الَّذِي سَمعه بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ والرخصة فِيهِ أَن يُؤَدِّي بعبارته معنى مَا فهمه عِنْد سَمَاعه وَقد بَينا ذَلِك
وَمن نوع الرُّخْصَة التَّدْلِيس وَهُوَ أَن يَقُول قَالَ فلَان كَذَا لمن لقِيه وَلَكِن لم يسمع مِنْهُ فيوهم السامعين أَنه قد سمع ذَلِك مِنْهُ وَكَانَ الْأَعْمَش وَالثَّوْري يفْعَلَانِ ذَلِك وَكَانَ شُعْبَة يَأْبَى ذَلِك ويستبعده غَايَة الاستبعاد حَتَّى كَانَ يَقُول لِأَن أزني أحب إِلَيّ من أَن أدلس
وَالصَّحِيح القَوْل الأول وَقد بَينا أَن الصَّحَابَة كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك فَيَقُول الْوَاحِد مِنْهُم قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا فَإِذا رُوجِعَ فِيهِ قَالَ سمعته من فلَان يرويهِ عَن رَسُول الله ﵇ وَمَا كَانَ يُنكر بَعضهم على بعض ذَلِك فَعرفنَا أَنه لَا بَأْس بِهِ وَأَن هَذَا النَّوْع لَا يكون تدليسا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يجوز لأحد أَن يُسَمِّي أحدا من الصَّحَابَة مدلسا وَإِنَّمَا التَّدْلِيس الْمُطلق أَن يسْقط اسْم من
стр. 372
رَوَاهُ لَهُ ويروى عَن رَاوِي الأَصْل على قصد الترويج بعلو الْإِسْنَاد فَإِن هَذَا الْقَصْد غير مَحْمُود فَأَما إِذا لم يكن على هَذَا الْقَصْد وَإِنَّمَا كَانَ على قصد التَّيْسِير على السامعين بِإِسْقَاط تَطْوِيل الْإِسْنَاد عَنْهُم أَو على قصد التَّأْكِيد بالعزم على أَنه قَول رَسُول الله ﵇ قطعا فَهَذَا لَا بَأْس بِهِ وَمَا نقل عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَحْمُول على هَذَا النَّوْع
وَتجوز الرِّوَايَة عَمَّن اشْتهر بِهَذَا الْفِعْل إِذا علم أَنه لَا يُدَلس إِلَّا فِيمَا سَمعه عَن ثِقَة فَأَما إِذا كَانَ يروي عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة وَيُدَلس بِهَذِهِ الصّفة لَا تجوز الرِّوَايَة عَنهُ بَعْدَمَا اشْتهر بالتدليس
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي فصل من هَذَا الْجِنْس وَهُوَ أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا أَو السّنة كَذَا فَالْمَذْهَب عندنَا أَنه لَا يفهم من هَذَا الْمُطلق الْإِخْبَار بِأَمْر رَسُول الله ﵇ أَو أَنه سنة رَسُول الله
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم ينْصَرف إِلَى ذَلِك عِنْد الْإِطْلَاق وَفِي الْجَدِيد قَالَ لَا ينْصَرف إِلَى ذَلِك بِدُونِ الْبَيَان لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد سنة الْبلدَانِ أَو الرؤساء حَتَّى قَالَ فِي كل مَوضِع قَالَ مَالك ﵀ السّنة ببلدنا كَذَا فَإِنَّمَا أَرَادَ سنة سُلَيْمَان بن بِلَال وَهُوَ كَانَ عريفا بِالْمَدِينَةِ وعَلى قَوْله الْقَدِيم أَخذ بقول سعيد بن الْمسيب ﵁ فِي الْعَاجِز عَن النَّفَقَة إِنَّه يفرق بَينه وَبَين امْرَأَته لِأَنَّهُ حمل قَول سعيد السّنة على سنة رَسُول الله ﷺ
وَكَذَلِكَ أَخذ بقوله فِي أَن الْمَرْأَة تعاقل الرجل إِلَى ثلث الدِّيَة بقول سعيد فِيهِ السّنة فَحمل ذَلِك على سنة رَسُول الله ﵇
وَلم نَأْخُذ نَحن بذلك لأَنا علمنَا أَن مُرَاده سنة زيد ورجحنا قَول عَليّ وَعبد الله ﵄ على قَول زيد ﵁ بِالْقِيَاسِ الصَّحِيح
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَن الْأَمر وَالنَّهْي يتَحَقَّق من غير رَسُول الله ﵇ كَمَا يتَحَقَّق مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَعند الْإِطْلَاق لَا يثبت إِلَّا أدنى الْكَمَال أَلا ترى أَن مُطلق قَول الْعَالم أمرنَا بِكَذَا لَا يحمل على أَنه أَمر الله أنزلهُ فِي كِتَابه نصا فَكَذَلِك لَا يحمل على أَنه أَمر رَسُول الله ﵇ نصا لاحْتِمَال أَن يكون الْآمِر غَيره مِمَّن يجب مُتَابَعَته
وَكَذَلِكَ السّنة فقد قَالَ ﵇ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء من بعدِي وَقَالَ ﵇ من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ
стр. 373
أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد ظهر من عَادَة الصَّحَابَة التَّقْيِيد عِنْد إِرَادَة سنة رَسُول الله ﵇ بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ على مَا قَالَ عمر لصبي بن معبد هديت لسنة نبيك
وَقَالَ عقبَة بن عَامر ﵁ ثَلَاث سَاعَات نَهَانَا رَسُول الله ﵇ أَن نصلي فِيهِنَّ
وَقَالَ صَفْوَان بن عَسَّال ﵁ (أمرنَا رَسُول الله ﵇ إِذا كُنَّا سفرا أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها) الحَدِيث
فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنهم إِذا أطْلقُوا هَذَا اللَّفْظ فَإِنَّهُ لَا يكون مُرَادهم الْإِضَافَة إِلَى رَسُول الله ﷺ نصا وَمَعَ الِاحْتِمَال لَا يثبت التَّعْيِين بِغَيْر دَلِيل
стр. 374
فصل فِي الْخَبَر يلْحقهُ التَّكْذِيب من جِهَة الرَّاوِي أَو من جِهَة غَيره
أما مَا يلْحقهُ من جِهَة الرَّاوِي فَأَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا أَن يُنكر الرِّوَايَة أصلا وَالثَّانِي أَن يظْهر مِنْهُ مُخَالفَة للْحَدِيث قولا أَو عملا قبل الرِّوَايَة أَو بعْدهَا أَو لم يعلم التَّارِيخ وَالثَّالِث أَن يظْهر مِنْهُ تعْيين شَيْء مِمَّا هُوَ من محتملات الْخَبَر تَأْوِيلا أَو تَخْصِيصًا وَالرَّابِع أَن يتْرك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ أصلا
فَأَما الْوَجْه الأول فقد اخْتلف فِيهِ أهل الحَدِيث من السّلف فَقَالَ بَعضهم بإنكار الرَّاوِي يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة
وَقَالَ بَعضهم لَا يخرج (من أَن يكون حجَّة) وَبَيَان هَذَا فِيمَا رَوَاهُ ربيعَة عَن سُهَيْل بن أبي صَالح من حَدِيث الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين ثمَّ قيل لسهيل إِن ربيعَة يروي عَنْك هَذَا الحَدِيث فَلم يذكرهُ وَجعل يروي وَيَقُول حَدثنِي ربيعَة عني وَهُوَ ثِقَة
وَقد عمل الشَّافِعِي بِالْحَدِيثِ مَعَ إِنْكَار الرَّاوِي وَلم يعْمل بِهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏
وَذكر سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل الحَدِيث ثمَّ روى أَن ابْن جريج سَأَلَ الزُّهْرِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَلم يعرفهُ ثمَّ عمل بِهِ مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ مَعَ إِنْكَار الرَّاوِي وَلم يعْمل بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لإنكار الرَّاوِي إِيَّاه وَقَالُوا يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الْفَصْل على الِاخْتِلَاف بَين عُلَمَائِنَا ﵏ بِهَذِهِ الصّفة وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِمَا لَو ادّعى رجل عِنْد قَاض أَنه قضى لَهُ بِحَق على هَذَا الْخصم وَلم يعرف القَاضِي قَضَاءَهُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدين على قَضَائِهِ بِهَذِهِ الصّفة فَإِن على قَول أبي يُوسُف لَا يقبل القَاضِي هَذِه الْبَيِّنَة وَلَا ينفذ قَضَاءَهُ بهَا وعَلى قَول مُحَمَّد يقبلهَا وَينفذ قَضَاءَهُ فَإِذا ثَبت هَذَا الْخلاف بَينهمَا فِي قَضَاء يُنكره القَاضِي فَكَذَلِك فِي حَدِيث يُنكره الرَّاوِي الأَصْل
وعَلى هَذَا مَا يَحْكِي من المحاورة الَّتِي جرت بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله فِي الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة فِي ثَلَاث مسَائِل من
стр. 375
الْجَامِع الصَّغِير وَقد بيناها فِي شرح الْجَامِع الصَّغِير فَإِن مُحَمَّدًا ثَبت على مَا رَوَاهُ عَن أبي يُوسُف عَنهُ بعد إِنْكَار أبي يُوسُف وَأَبُو يُوسُف لم يعْتَمد رِوَايَة مُحَمَّد عَنهُ حِين لم يتَذَكَّر
وَزعم بعض مَشَايِخنَا أَن على قِيَاس قَول عُلَمَائِنَا يَنْبَغِي أَن لَا يبطل الْخَبَر بإنكار رَاوِي الأَصْل إِلَّا على قَول زفر ﵀ وردوا هَذَا إِلَى قَول زوج الْمُعْتَدَّة أَخْبَرتنِي أَن عدتهَا قد انْقَضتْ وَهِي تنكر فَإِن على قَول زفر لَا يبْقى الْخَبَر مَعْمُولا بِهِ بعد إنكارها وَعِنْدنَا يبْقى مَعْمُولا بِهِ إِلَّا فِي حَقّهَا وَالْأول أصح فَإِن جَوَاز نِكَاح الْأُخْت والأربع لَهُ هُنَا عندنَا بِاعْتِبَار ظُهُور انْقِضَاء الْعدة فِي حَقه (بقوله) لكَونه أَمينا فِي الْإِخْبَار عَن أَمر بَينه وَبَين ربه لَا لاتصال الْخَبَر بهَا وَلِهَذَا لَو قَالَ انْقَضتْ عدتهَا وَلم يضف الْخَبَر إِلَيْهَا كَانَ الحكم كَذَلِك فِي الصَّحِيح من الْجَواب
فَأَما الْفَرِيق الأول فقد احْتَجُّوا بِحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ﵁ فَإِن النَّبِي ﵇ لما قَالَ لأبي بكر وَعمر ﵄ (أَحَق مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ) فَقَالَا نعم فَقَامَ فَأَتمَّ صلَاته وَقبل خبرهما عَنهُ وَإِن لم يذكرهُ وَعمر قبل خبر أنس بن مَالك عَنهُ فِي أَمَان الهرمزان بقوله لَهُ أَتكَلّم كَلَام حَيّ وَإِن لم يذكر ذَلِك وَلِأَن النسْيَان غَالب على الْإِنْسَان فقد يحفظ الْإِنْسَان شَيْئا وَيَرْوِيه لغيره ثمَّ ينسى بعد مُدَّة فَلَا يتذكره أصلا والراوي عَنهُ عدل ثِقَة فبه يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِي خَبره ثمَّ لَا يبطل ذَلِك بنسيانه
وَهَذَا بِخِلَاف الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فَإِن شَاهد الأَصْل إِذا أنكرهُ لم يكن للْقَاضِي أَن يقْضِي بِشَهَادَتِهِ لِأَن الفرعي هُنَاكَ لَيْسَ بِشَاهِد على الْحق ليقضي بِشَهَادَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابت فِي نقل شَهَادَة الْأَصْلِيّ وَلِهَذَا لَو قَالَ أشهد على فلَان لَا يكون صَحِيحا مَا لم يقل أشهدنى على شَهَادَته وَأَمرَنِي بِالْأَدَاءِ فَأَنا أشهد على شَهَادَته ثمَّ الْقَضَاء يكون بِشَهَادَة الْأَصْلِيّ وَمَعَ إِنْكَار لَا تثبت شَهَادَته فِي مجْلِس الْقَضَاء فَأَما هُنَا الفرعي إِنَّمَا يروي الحَدِيث بِاعْتِبَار سَماع صَحِيح لَهُ من الْأَصْلِيّ وَلَا يبطل ذَلِك بإنكار الْأَصْلِيّ بِنَاء على نسيانه
وَأما الْفَرِيق الثَّانِي استدلوا بِحَدِيث عمار ﵁ حِين قَالَ لعمر أما تذكر إِذْ كُنَّا فِي الْإِبِل فأجنبت فتمعكت فِي التُّرَاب ثمَّ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ أما كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض فتمسح بهما وَجهك وذراعيك فَلم
стр. 376
يرفع عمر ﵁ رَأسه وَلم يعْتَمد رِوَايَته مَعَ أَنه كَانَ عدلا ثِقَة لِأَنَّهُ روى عَنهُ وَلم يتَذَكَّر هُوَ مَا رَوَاهُ فَكَانَ لَا يرى التَّيَمُّم للْجنب بعد ذَلِك وَلِأَن بِاعْتِبَار تَكْذِيب الْعَادة يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعَمَل كَمَا قَررنَا فِيمَا سبق وَتَكْذيب الرَّاوِي أدل على الوهن من تَكْذِيب الْعَادة وَهَذَا لِأَن الْخَبَر إِنَّمَا يكون مَعْمُولا بِهِ إِذا اتَّصل برَسُول الله ﵇ وَقد انْقَطع هَذَا الِاتِّصَال بإنكار رَاوِي الأَصْل لِأَن إِنْكَاره حجَّة فِي حَقه فتنتفي بِهِ رِوَايَته الحَدِيث أَو يصير هُوَ مناقضا بإنكاره وَمَعَ التَّنَاقُض لَا تثبت رِوَايَته وَبِدُون رِوَايَته لَا يثبت الِاتِّصَال فَلَا يكون حجَّة كَمَا فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة وكما يتَوَهَّم نِسْيَان رَاوِي الأَصْل يتَوَهَّم غلط رَاوِي الْفَرْع فقد يسمع الْإِنْسَان حَدِيثا فيحفظه وَلَا يحفظ من سمع مِنْهُ فيظن أَنه سَمعه من فلَان وَإِنَّمَا سَمعه من غَيره فأدنى الدَّرَجَات فِيهِ أَن يَقع التَّعَارُض فِيمَا هُوَ متوهم فَلَا يثبت الِاتِّصَال من جِهَته وَلَا من جِهَة غَيره لِأَنَّهُ مَجْهُول وبالمجهول لَا يثبت الِاتِّصَال
وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّمَا يحمل على أَن النَّبِي ﵇ تذكر ذَلِك عِنْد خبرهما وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِنَّهُ كَانَ مَعْصُوما عَن التَّقْرِير على الْخَطَأ وَحَدِيث عمر مُحْتَمل لذَلِك أَيْضا فَرُبمَا تذكر حِين شهد بِهِ غَيره فَلهَذَا عمل بِهِ أَو تذكر غَفلَة من نَفسه وشغل الْقلب بِشَيْء فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد يكون هَذَا للمرء بِحَيْثُ يُوجد شَيْء مِنْهُ ثمَّ لَا يذكرهُ فَأَخذه بِالِاحْتِيَاطِ وَجعله آمنا من هَذَا الْوَجْه
وَنحن لَا نمْنَع من مثل هَذَا الِاحْتِيَاط وَإِنَّمَا ندعي أَنه لَا يبْقى مُوجبا للْعَمَل مَعَ إِنْكَار رَاوِي الأَصْل وكما أَن رَاوِي الْفَرْع عدل ثِقَة فراوي الأَصْل كَذَلِك وَذَلِكَ يرجح جَانب الصدْق فِي إِنْكَاره أَيْضا فتتحقق الْمُعَارضَة من هَذَا الْوَجْه وَأدنى مَا فِيهِ أَن يتعارض قولاه فِي الرِّوَايَة وَالْإِنْكَار فَيبقى الْأَمر على مَا كَانَ قبل رِوَايَته
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ مَا إِذا ظهر مِنْهُ الْمُخَالفَة قولا أَو عملا فَإِن كَانَ ذَلِك بتاريخ قبل الرِّوَايَة فَإِنَّهُ لَا يقْدَح فِي الْخَبَر وَيحمل على أَنه كَانَ ذَلِك مذْهبه قبل أَن يسمع الحَدِيث فَلَمَّا سمع الحَدِيث رَجَعَ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِن لم يعلم التَّارِيخ لِأَن الْحمل على أحسن الْوَجْهَيْنِ وَاجِب مَا لم يتَبَيَّن خِلَافه وَهُوَ أَن يكون ذَلِك مِنْهُ قبل أَن يبلغهُ الحَدِيث
стр. 377
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الحَدِيث
وَأما إِذا علم ذَلِك مِنْهُ بتاريخ بعد الحَدِيث فَإِن الحَدِيث يخرج بِهِ من أَن يكون حجَّة لِأَن فتواه بِخِلَاف الحَدِيث أَو عمله من أبين الدَّلَائِل على الِانْقِطَاع وَأَنه الأَصْل للْحَدِيث فَإِن الْحَالَات لَا تَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت الرِّوَايَة تقولا مِنْهُ لَا عَن سَماع فَيكون وَاجِب الرَّد أَو تكون فتواه وَعَمله بِخِلَاف الحَدِيث على وَجه قلَّة المبالاة والتهاون بِالْحَدِيثِ فَيصير بِهِ فَاسِقًا لَا تقبل رِوَايَته أصلا أَو يكون ذَلِك مِنْهُ عَن غَفلَة ونسيان وَشَهَادَة الْمُغَفَّل لَا تكون حجَّة فَكَذَلِك خَبره أَو يكون ذَلِك مِنْهُ على أَنه علم انتساخ حكم الحَدِيث وَهَذَا أحسن الْوُجُوه فَيجب الْحمل عَلَيْهِ تحسينا للظن بروايته وَعَمله فَإِنَّهُ روى على طَرِيق إبْقَاء الْإِسْنَاد وَعلم أَنه مَنْسُوخ فَأفْتى بِخِلَافِهِ أَو عمل بالناسخ دون الْمَنْسُوخ وكما يتَوَهَّم أَن يكون فتواه أَو عمله بِنَاء على غَفلَة أَو نِسْيَان يتَوَهَّم أَن تكون رِوَايَته بِنَاء على غلط وَقع لَهُ وَبِاعْتِبَار التَّعَارُض بَينهمَا يَنْقَطِع الِاتِّصَال
وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ يغسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا ثمَّ صَحَّ من فتواه أَنه يطهر بِالْغسْلِ ثَلَاثًا فحملنا على أَنه كَانَ علم انتساخ هَذَا الحكم أَو علم بِدلَالَة الْحَال أَن مُرَاد رَسُول الله ﵇ النّدب فِيمَا وَرَاء الثَّلَاثَة
وَقَالَ عمر ﵁ متعتان كَانَتَا على عهد رَسُول الله ﵇ وَأَنا أنهِي عَنْهُمَا وأعاقب عَلَيْهِمَا مُتْعَة النِّسَاء ومتعة الْحَج
فَإِنَّمَا يحمل هَذَا على علمه بالانتساخ وَلِهَذَا قَالَ ابْن سِيرِين هم الَّذين رووا الرُّخْصَة فِي الْمُتْعَة وهم الَّذين نهوا عَنْهَا وَلَيْسَ فِي رَأْيهمْ مَا يرغب عَنهُ وَلَا فِي نصيحتهم مَا يُوجب التُّهْمَة
وَأما فِي الْعَمَل فبيان هَذَا فِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ (أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا) ثمَّ صَحَّ أَنَّهَا زوجت ابْنة أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ﵄ فبعملها بِخِلَاف الحَدِيث يتَبَيَّن النّسخ وَحَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يرفع يَدَيْهِ عِنْد الرُّكُوع وَعند رفع الرَّأْس من الرُّجُوع ثمَّ قد صَحَّ عَن مُجَاهِد قَالَ صَحِبت ابْن عمر سِنِين وَكَانَ لَا يرفع يَدَيْهِ إِلَّا عِنْد تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح فَيثبت بِعَمَلِهِ بِخِلَاف الحَدِيث نسخ الحكم
وَأما الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ تَعْيِينه بعض محتملات الحَدِيث فَإِن ذَلِك لَا يمْنَع كَون الحَدِيث مَعْمُولا بِهِ على ظَاهره من قبل أَنه إِنَّمَا فعل ذَلِك بِتَأْوِيل وتأويله لَا يكون
стр. 378
حجَّة على غَيره وَإِنَّمَا الْحجَّة الحَدِيث وبتأويله لَا يتَغَيَّر ظَاهر الحَدِيث فَيبقى مَعْمُولا بِهِ على ظَاهره وَهُوَ وَغَيره فِي التَّأْوِيل والتخصيص سَوَاء
وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا وَهَذَا يحْتَمل التَّفَرُّق بالأقوال وَيحْتَمل التَّفَرُّق بالأبدان ثمَّ حمله ابْن عمر على التَّفَرُّق بالأبدان حَتَّى روى عَنهُ أَنه كَانَ إِذا أوجب البيع مَشى هنيهة وَلم نَأْخُذ بتأويله لِأَن الحَدِيث فِي احْتِمَال كل وَاحِد من الْأَمريْنِ كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فِيهِ يكون تَأْوِيلا لَا تَصرفا فِي الحَدِيث
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ ثمَّ قد ظهر من فَتْوَى ابْن عَبَّاس أَن الْمُرْتَدَّة لَا تقتل فَقَالَ هَذَا تَخْصِيص لحق الحَدِيث من الرَّاوِي وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة التَّأْوِيل لَا يكون حجَّة على غَيره فَأَنا آخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَأوجب الْقَتْل على الْمُرْتَدَّة
وَأما ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ أصلا فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْعَمَل بِخِلَاف الحَدِيث حَتَّى يخرج بِهِ من أَن يكون حجَّة لِأَن ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ حرَام كَمَا أَن الْعَمَل بِخِلَافِهِ حرَام وَمن هَذَا النَّوْع ترك ابْن عمر الْعَمَل بِحَدِيث رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع كَمَا بَينا
وَأما مَا يكون من جِهَة غير الرَّاوِي فَهُوَ قِسْمَانِ أَحدهمَا مَا يكون من جِهَة الصَّحَابَة وَالثَّانِي مَا يكون من جِهَة أَئِمَّة الحَدِيث
فَأَما مَا يكون من الصَّحَابَة فَهُوَ نَوْعَانِ على مَا ذكره عِيسَى بن أبان ﵀ أَحدهمَا أَن يعْمل بِخِلَاف الحَدِيث بعض الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَهُوَ مِمَّن يعلم أَنه لَا يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الحَدِيث فَيخرج الحَدِيث بِهِ من أَن يكون حجَّة لِأَنَّهُ لما انْقَطع توهم أَنه لم يبلغهُ وَلَا يظنّ بِهِ مُخَالفَة حَدِيث صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ سَوَاء رَوَاهُ هُوَ أَو غَيره فَأحْسن الْوُجُوه فِيهِ أَنه علم انتساخه أَو أَن ذَلِك الحكم لم يكن حتما فَيجب حمله على هَذَا
وَبَيَانه فِيمَا روى الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة ورجم بِالْحِجَارَةِ ثمَّ صَحَّ عَن الْخُلَفَاء أَنهم أَبَوا الْجمع بَين الْجلد وَالرَّجم بعد علمنَا أَنه لم يخف عَلَيْهِم الحَدِيث لشهرته فَعرفنَا بِهِ انتساخ هَذَا الحكم وَكَذَلِكَ صَحَّ عَن عمر ﵁ قَوْله وَالله لَا أنفي أحدا أبدا
وَقَول عَليّ ﵁ كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة مَعَ علمنَا أَنه لم يخف عَلَيْهِمَا الحَدِيث فاستدللنا بِهِ على انتساخ حكم الْجمع بَين الْجلد والتغريب
стр. 379
وَكَذَلِكَ مَا يرْوى أَن عمر ﵁ حِين فتح السوَاد من بهَا على أَهلهَا وأبى أَن يقسمها بَين الْغَانِمين مَعَ علمنَا أَنه لم يخف عَلَيْهِ قسْمَة رَسُول الله ﵇ خَيْبَر بَين أَصْحَابه حِين افتتحها فاستدللنا بِهِ على أَنه علم أَن ذَلِك لم يكن حكما حتما من رَسُول الله ﵇ على وَجه لَا يجوز غَيره فِي الْغَنَائِم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن ابْن مَسْعُود ﵁ كَانَ يطبق فِي الصَّلَاة بعد مَا ثَبت انتساخه بِحَدِيث مَشْهُور فِيهِ أَمر بِالْأَخْذِ بالركب ثمَّ خَفِي عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى لم يَجْعَل عمله دَلِيلا على أَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَمر بِالْأَخْذِ بالركب مَنْسُوخ أَو أَن الْأَخْذ بالركب لَا يكون عينا فِي الصَّلَاة قُلْنَا مَا خَفِي على ابْن مَسْعُود حَدِيث الْأَمر بِالْأَخْذِ بالركب وَإِنَّمَا وَقع عِنْده أَنه على سَبِيل الرُّخْصَة فَكَانَ تلحقهم الْمَشَقَّة فِي التطبيق مَعَ طول الرُّكُوع لأَنهم كَانُوا يخَافُونَ السُّقُوط على الأَرْض فَأمروا بِالْأَخْذِ بالركب تيسيرا عَلَيْهِم لَا تعيينا عَلَيْهِم فلأجل هَذَا التَّأْوِيل لم يتْرك الْعَمَل بِظَاهِر الحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَمر بِالْأَخْذِ بالركب
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يظْهر مِنْهُ الْعَمَل بِخِلَاف الحَدِيث وَهُوَ مِمَّن يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ ذَلِك الحَدِيث فَلَا يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة بِعَمَلِهِ بِخِلَافِهِ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ رخص للحائض فِي أَن تتْرك طواف الصَّدْر ثمَّ صَحَّ عَن ابْن عمر ﵄ أَنَّهَا تقيم حَتَّى تطهر فَتَطُوف وَلَا تتْرك بِهَذَا الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ رخصَة لجَوَاز أَن يكون ذَلِك خَفِي عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ مَا يرْوى عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَنه كَانَ لَا يُوجب إِعَادَة الْوضُوء على من قهقه فِي الصَّلَاة وَلَا يتْرك بِهِ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْمُوجب للْوُضُوء من القهقهة فِي الصَّلَاة لجَوَاز أَن يكون ذَلِك خَفِي عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ قَول ابْن عمر لَا يحجّ أحد عَن أحد لَا يمْنَع الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْوَارِد فِي الإحجاج عَن الشَّيْخ الْكَبِير لجَوَاز أَن يكون ذَلِك خَفِي عَلَيْهِ وَهَذَا لِأَن الحَدِيث مَعْمُول بِهِ إِذا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فَلَا يتْرك الْعَمَل بِهِ بِاعْتِبَار عمل مِمَّن هُوَ دونه بِخِلَافِهِ وَإِنَّمَا تحمل فتواه بِخِلَاف الحَدِيث على أحسن الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنه إِنَّمَا أفتى بِهِ بِرَأْيهِ لِأَنَّهُ خَفِي عَلَيْهِ النَّص وَلَو بلغه لرجع إِلَيْهِ فعلى من يبلغهُ الحَدِيث بطرِيق صَحِيح أَن يَأْخُذ بِهِ
стр. 380
وَأما مَا يكون من أَئِمَّة الحَدِيث فَهُوَ الطعْن فِي الروَاة وَذَلِكَ نَوْعَانِ مُبْهَم ومفسر
ثمَّ الْمُفَسّر نَوْعَانِ مَا لَا يصلح أَن يكون طَعنا وَمَا يصلح أَن يكون
وَالَّذِي يصلح نَوْعَانِ مُجْتَهد فِيهِ أَو مُتَّفق عَلَيْهِ
والمتفق عَلَيْهِ نَوْعَانِ أَن يكون مِمَّن هُوَ مَشْهُور بِالنَّصِيحَةِ والإتقان أَو مِمَّن هُوَ مَعْرُوف بالتعصب والعداوة
فَأَما الطعْن الْمُبْهم فَهُوَ عِنْد الْفُقَهَاء لَا يكون جرحا لِأَن الْعَدَالَة بِاعْتِبَار ظَاهر الدّين ثَابت لكل مُسلم خُصُوصا من كَانَ من الْقُرُون الثَّلَاثَة فَلَا يتْرك ذَلِك بطعن مُبْهَم أَلا ترى أَن الشَّهَادَة أضيق من رِوَايَة الْخَبَر فِي هَذَا
ثمَّ الطعْن الْمُبْهم من الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يكون جرحا فَكَذَلِك من الْمُزَكي وَلَا يمْتَنع الْعَمَل بِالشَّهَادَةِ لأجل الطعْن الْمُبْهم فَلِأَن لَا يخرج الحَدِيث بالطعن الْمُبْهم من أَن يكون حجَّة أولى
وَهَذَا للْعَادَة الظَّاهِرَة أَن الْإِنْسَان إِذا لحقه من غير مَا يسوءه فَإِنَّهُ يعجز عَن إمْسَاك لِسَانه فِي ذَلِك الْوَقْت حَتَّى يطعن فِيهِ طَعنا مُبْهما إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى ثمَّ إِذا طلب مِنْهُ تَفْسِير ذَلِك لَا يكون لَهُ أصل
والمفسر الَّذِي لَا يصلح أَن يكون طَعنا لَا يُوجب الْجرْح أَيْضا وَذَلِكَ مثل طعن بعض المتعنتين فِي أبي حنيفَة أَنه دس ابْنه ليَأْخُذ كتب أستاذه حَمَّاد فَكَانَ يروي من ذَلِك
وَهَذَا إِن صَحَّ فَهُوَ لَا يصلح طَعنا بل هُوَ دَلِيل الإتقان فقد كَانَ هُوَ لَا يستجيز الرِّوَايَة إِلَّا عَن حفظ وَالْإِنْسَان لَا يقوى اعْتِمَاده على جَمِيع مَا يحفظه فَفعل ذَلِك ليقابل حفظه بكتب أستاذه فَيَزْدَاد بِهِ معنى الإتقان
وَكَذَلِكَ الطعْن بالتدليس على من يَقُول حَدثنِي فلَان عَن فلَان وَلَا يَقُول قَالَ حَدثنِي فلَان فَإِن هَذَا لَا يصلح أَن يكون طَعنا لِأَن هَذَا يُوهم الْإِرْسَال وَإِذا كَانَ حَقِيقَة الْإِرْسَال دَلِيل زِيَادَة الإتقان على مَا بَينا فَمَا يُوهم الْإِرْسَال كَيفَ يكون طَعنا
وَمِنْه الطعْن بالتلبيس على من يكنى عَن الرَّاوِي وَلَا يذكر اسْمه وَلَا نسبه نَحْو رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ بقوله حَدثنَا أَبُو سعيد من غير بَيَان يعلم بِهِ أَن هَذَا ثِقَة أَو غير ثِقَة وَنَحْو رِوَايَة مُحَمَّد بقوله أخبرنَا الثِّقَة من غير تَفْسِير فَإِن هَذَا مَحْمُول على أحسن الْوُجُوه وَهُوَ صِيَانة الرَّاوِي من أَن يطعن فِيهِ (بعض) من لَا يُبَالِي وصيانة السَّامع من أَن
стр. 381
يبتلى بالطعن فِي أحد من غير حجَّة على أَن من يكون مطعونا فِي بعض رواياته بِسَبَب لَا يُوجب عُمُوم الطعْن فِيهِ فَذَلِك لَا يمْنَع قبُول رِوَايَته وَالْعَمَل بِهِ فِيمَا سوى ذَلِك نَحْو الْكَلْبِيّ وَأَمْثَاله
ثمَّ سُفْيَان الثَّوْريّ مِمَّن لَا يخفى حَاله فِي الْفِقْه وَالْعَدَالَة وَلَا يظنّ بِهِ إِلَّا أحسن الْوُجُوه
وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن الْحسن فَتحمل الْكِنَايَة مِنْهُمَا عَن الرَّاوِي على أَنَّهُمَا قصدا صيانته وَكَيف يَجْعَل ذَلِك طَعنا وَالْقَوْل بِأَنَّهُ ثِقَة شَهَادَة بِالْعَدَالَةِ لَهُ
وَمن ذَلِك أَيْضا طعن بعض الْجُهَّال فِي مُحَمَّد بن الْحسن بِأَنَّهُ سَأَلَ عبد الله بن الْمُبَارك ﵀ أَن يروي لَهُ أَحَادِيث ليسمعها مِنْهُ فَأبى فَلَمَّا قيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ لَا تعجبني أخلاقه
فَإِن هَذَا إِن صَحَّ لم يصلح أَن يكون طَعنا لِأَن أَخْلَاق الْفُقَهَاء لَا توَافق أَخْلَاق الزهاد فِي كل وجع فهم بِمحل الْقدْوَة والزهاد بِمحل الْعُزْلَة وَقد يحسن فِي مقَام الْعُزْلَة مَا يقبح فِي مقَام الْقدْوَة أَو على عكس ذَلِك فَكيف يصلح أَن يكون هَذَا طَعنا لَو صَحَّ مَعَ أَنه غير صَحِيح فقد رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ لَا بُد أَن يكون فِي كل زمَان من يحيي بِهِ الله للنَّاس دينهم ودنياهم
فَقيل لَهُ من بِهَذِهِ الصّفة فِي هَذَا الزَّمَان فَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن
فَهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا أصل لذَلِك الطعْن
وَمن ذَلِك الطعْن بركض الدَّوَابّ فَإِن ذَلِك من عمل الْجِهَاد لِأَن السباق على الأفراس والأقدام مَشْرُوع ليتقوى بِهِ الْمَرْء على الْجِهَاد فَمَا يكون من جنسه مَشْرُوع لَا يصلح أَن يكون طَعنا
وَمن ذَلِك الطعْن بِكَثْرَة المزاح فَإِن ذَلِك مُبَاح شرعا إِذا لم يتَكَلَّم بِمَا لَيْسَ بِحَق على مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يمازح وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا
وَلَكِن هَذَا بِشَرْط أَن لَا يكون متخبطا مجازفا يعْتَاد الْقَصْد إِلَى رفع الْحجَّة والتلبيس بِهِ أَلا ترى إِلَى مَا رُوِيَ أَن عليا ﵁ كَانَ بِهِ دعابة
وَقد ذكر ذَلِك عمر حِين ذكر اسْمه فِي الشورى وَلم يذكرهُ على وَجه الطعْن فَعرفنَا أَن عينه لَا يكون طَعنا
وَمن ذَلِك الطعْن بحداثة سنّ الرَّاوِي فَإِن كثيرا من الصَّحَابَة كَانُوا يروون فِي حَدَاثَة سنهم مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَلَكِن هَذَا بِشَرْط الإتقان عِنْد التَّحَمُّل
стр. 382
فِي الصغر وَعند الرِّوَايَة بعد الْبلُوغ وَلِهَذَا أَخذنَا بِحَدِيث عبد الله بن ثَعْلَبَة بن صعير ﵁ فِي صَدَقَة الْفطر أَنه نصف صَاع من بر ورجحنا حَدِيثه على حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ فِي التَّقْدِير بِصَاع من بر لِأَن حَدِيثه أحسن متْنا فَذَلِك دَلِيل الإتقان وَوَافَقَهُ رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَيْضا
وَالشَّافِعِيّ أَخذ بِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير ﵄ فِي إِثْبَات حق الرُّجُوع للوالد فِيمَا يهب لوَلَده وَقد رُوِيَ أَنه نحله أَبوهُ غُلَاما وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فَعرفنَا أَن مثل هَذَا لَا يكون طَعنا عِنْد الْفُقَهَاء
وَمن ذَلِك الطعْن بِأَن رِوَايَة الْأَخْبَار لَيست بعادة لَهُ فَإِن أَبَا بكر الصّديق ﵁ مَا اعْتَادَ الرِّوَايَة وَلَا يظنّ بِأحد أَنه يطعن فِي حَدِيثه بِهَذَا السَّبَب وَقبل رَسُول الله شَهَادَة الْأَعرَابِي على رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان والأعرابي مَا كَانَ اعْتَادَ الرِّوَايَة وَقد كَانَ فِي الصَّحَابَة من يمْتَنع من الرِّوَايَة فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَفِيهِمْ من يشْتَغل بالرواية فِي عَامَّة الْأَوْقَات ثمَّ لم يرجح أحد رِوَايَة من اعْتَادَ ذَلِك على من لم يعْتد الرِّوَايَة وَهَذَا لِأَن الْمُعْتَبر هُوَ الإتقان وَرُبمَا يكون إتقان من لم تصر الرِّوَايَة عَادَة لَهُ فِيمَا يروي أَكثر من إتقان من اعْتَادَ الرِّوَايَة
وَمن ذَلِك الطعْن بالاستكثار من تَفْرِيع مسَائِل الْفِقْه فَإِن ذَلِك دَلِيل الِاجْتِهَاد وَقُوَّة الخاطر فيستدل بِهِ على حسن الضَّبْط والاتقان فَكيف يصلح أَن يكون طَعنا وَمَا يكون مُجْتَهدا فِيهِ الطعْن بِالْإِرْسَال وَقد بَينا أَنه لَيْسَ بطعن عندنَا لِأَنَّهُ دَلِيل تَأَكد الْخَبَر وإتقان الرَّاوِي فِي السماع من غير وَاحِد
وَأما الطعْن الْمُفَسّر بِمَا يكون مُوجبا للجرح فَإِن حصل مِمَّن هُوَ مَعْرُوف بالتعصب أَو مُتَّهم بِهِ لظُهُور سَبَب باعث لَهُ على الْعَدَاوَة فَإِنَّهُ لَا يُوجب الْجرْح وَذَلِكَ نَحْو طعن الْمُلْحِدِينَ والمتهمين بِبَعْض الْأَهْوَاء المضلة فِي أهل السّنة وَطعن بعض من ينتحل مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ فِي بعض الْمُتَقَدِّمين من كبار أَصْحَابنَا فَإِنَّهُ لَا يُوجب الْجرْح لعلمنا أَنه كَانَ عَن تعصب وعداوة
فَأَما وُجُوه الطعْن الْمُوجب للجرح فَرُبمَا يَنْتَهِي إِلَى أَرْبَعِينَ وَجها يطول الْكتاب بِذكر تِلْكَ الْوُجُوه وَمن طلبَهَا فِي كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وقف عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 383
فصل فِي بَيَان الْمُعَارضَة بَين النُّصُوص وَتَفْسِير الْمُعَارضَة وركنها وَحكمهَا وَشَرطهَا
قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الْحجَج الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة لَا يَقع بَينهمَا التَّعَارُض والتناقض وضعا لِأَن ذَلِك من أَمَارَات الْعَجز وَالله يتعالى عَن أَن يُوصف بِهِ وَإِنَّمَا يَقع التَّعَارُض لجهلنا بالتاريخ فَإِنَّهُ يتَعَذَّر بِهِ علينا التَّمْيِيز بَين النَّاسِخ والمنسوخ أَلا ترى أَن عِنْد الْعلم بالتاريخ لَا تقع الْمُعَارضَة بِوَجْه وَلَكِن الْمُتَأَخر نَاسخ للمتقدم فَعرفنَا أَن الْوَاجِب فِي الأَصْل طلب التَّارِيخ ليعلم بِهِ النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ وَإِذا لم يُوجد ذَلِك يَقع التَّعَارُض بَينهمَا فِي حَقنا من غير أَن يتَمَكَّن التَّعَارُض فِيمَا هُوَ حكم الله تَعَالَى فِي الْحَادِثَة وَلأَجل هَذَا يحْتَاج إِلَى معرفَة تَفْسِير الْمُعَارضَة وركنها وَشَرطهَا وَحكمهَا
فَأَما التَّفْسِير فَهِيَ الممانعة على سَبِيل الْمُقَابلَة
يُقَال عرض لي كَذَا أَي استقبلني فَمَنَعَنِي مِمَّا قصدته وَمِنْه سميت الْمَوَانِع عوارض فَإِذا تقَابل الحجتان على سَبِيل المدافعة والممانعة سميت مُعَارضَة
وَأما الرُّكْن فَهُوَ تقَابل الحجتين المتساويتين على وَجه يُوجب كل وَاحِد مِنْهُمَا ضد مَا توجبه الْأُخْرَى كالحل وَالْحُرْمَة وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ ذَلِك الشَّيْء وبالحجتين المتساويتين تقوم الْمُقَابلَة إِذا لَا مُقَابلَة للضعيف مَعَ الْقوي
وَأما الشَّرْط فَهُوَ أَن يكون تقَابل الدَّلِيلَيْنِ فِي وَقت وَاحِد وَفِي مَحل وَاحِد لِأَن المضادة والتنافي لَا يتَحَقَّق بَين الشَّيْئَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ وَلَا فِي محلين حسا وَحكما
وَمن الحسيات اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يتَصَوَّر اجْتِمَاعهمَا فِي وَقت وَاحِد وَيجوز أَن يكون بعض الزَّمَان نَهَارا وَالْبَعْض لَيْلًا وَكَذَلِكَ السوَاد مَعَ الْبيَاض مجتمعان فِي الْعين فِي محلين وَلَا تصور لاجتماعهما فِي مَحل وَاحِد
وَمن الحكميات النِّكَاح فَإِنَّهُ يُوجب الْحل فِي الْمَنْكُوحَة وَالْحُرْمَة فِي أمهَا وبنتها وَلَا يتَحَقَّق التضاد بَينهمَا فِي محلين حَتَّى صَحَّ إثباتهما بِسَبَب وَاحِد
وَالصَّوْم يجب فِي وَقت وَالْفطر فِي وَقت آخر وَلَا يتَحَقَّق
стр. 384
معنى التضاد بَينهمَا باخْتلَاف الْوَقْت فَعرفنَا أَن شَرط التضاد والتمانع اتِّحَاد الْمحل وَالْوَقْت
وَمن الشَّرْط أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مُوجبا على وَجه يجوز أَن يكون نَاسِخا للْآخر إِذا عرف التَّارِيخ بَينهمَا وَلِهَذَا قُلْنَا يَقع التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ وَبَين الْقِرَاءَتَيْن وَبَين السنتين وَبَين الْآيَة وَالسّنة الْمَشْهُورَة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يجوز أَن يكون نَاسِخا إِذا علم التَّارِيخ بَينهمَا على مَا نبينه فِي بَاب النّسخ
وَلَا يَقع التَّعَارُض بَين القياسين لِأَن أَحدهمَا لَا يجوز أَن يكون نَاسِخا للْآخر فَإِن النّسخ لَا يكون إِلَّا فِيمَا هُوَ مُوجب للْعلم وَالْقِيَاس لَا يُوجب ذَلِك وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا عَن تَارِيخ وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي القياسين
وَكَذَلِكَ لَا يَقع التَّعَارُض فِي أقاويل الصَّحَابَة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا (إِنَّمَا) قَالَ ذَلِك عَن رَأْيه وَالرِّوَايَة لَا تثبت بِالِاحْتِمَالِ وكما أَن الرأيين من وَاحِد لَا يصلح أَن يكون أَحدهمَا نَاسِخا للْآخر فَكَذَلِك من اثْنَيْنِ
وَأما الحكم فَنَقُول مَتى وَقع التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ فالسبيل الرُّجُوع إِلَى سَبَب النُّزُول ليعلم التَّارِيخ بَينهمَا فَإِذا علم ذَلِك كَانَ الْمُتَأَخر نَاسِخا للمتقدم فَيجب الْعَمَل بالناسخ وَلَا يجوز الْعَمَل بالمنسوخ فَإِن لم يعلم ذَلِك فَحِينَئِذٍ يجب الْمصير إِلَى السّنة لمعْرِفَة حكم الْحَادِثَة وَيجب الْعَمَل بذلك إِن وجد فِي السّنة لِأَن الْمُعَارضَة لما تحققت فِي حَقنا فقد تعذر علينا الْعَمَل بالآيتين إِذْ لَيست إِحْدَاهمَا بِالْعَمَلِ بهَا أولى من الْأُخْرَى والتحقق بِمَا لَو لم يُوجد حكم الْحَادِثَة فِي الْكتاب فَيجب الْمصير إِلَى السّنة فِي معرفَة الحكم
وَكَذَلِكَ إِن وَقع التَّعَارُض بَين السنتين وَلم يعرف التَّارِيخ فَإِنَّهُ يُصَار إِلَى مَا بعد السّنة فِيمَا يكون حجَّة فِي حكم الْحَادِثَة وَذَلِكَ قَول الصَّحَابِيّ أَو الْقيَاس الصَّحِيح على مَا بَينا من قبل فِي التَّرْتِيب فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة لِأَن عِنْد الْمُعَارضَة يتَعَذَّر الْعَمَل بالمتعارضين فَفِي حكم الْعَمَل يَجْعَل ذَلِك كَالْمَعْدُومِ أصلا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا ادّعى رجلَانِ نِكَاح امْرَأَة وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة وَتعذر تَرْجِيح إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِنَّهُ تبطل الحجتان وَيصير كَأَنَّهُ لم يقم كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة
стр. 385
فَأَما إِذا وَقع التَّعَارُض بَين القياسين فَإِن أمكن تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِدَلِيل شَرْعِي وَذَلِكَ قُوَّة فِي أَحدهمَا لَا يُوجد مثله فِي الآخر يجب الْعَمَل بالراجح وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة معرفَة التَّارِيخ فِي النُّصُوص وَإِن لم يُوجد ذَلِك فَإِن الْمُجْتَهد يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ لَا بِاعْتِبَار أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا حق أَو صَوَاب فَالْحق أَحدهمَا وَالْآخر خطأ على مَا هُوَ الْمَذْهَب عندنَا فِي الْمُجْتَهد أَنه يُصِيب تَارَة ويخطىء أُخْرَى وَلكنه مَعْذُور فِي الْعَمَل بِهِ فِي الظَّاهِر مَا لم يتَبَيَّن لَهُ الْخَطَأ بِدَلِيل أقوى من ذَلِك وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي طَرِيق الِاجْتِهَاد مُصِيب وَإِن لم يقف على الصَّوَاب بِاجْتِهَادِهِ وطمأنينة الْقلب إِلَى مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده يصلح أَن يكون دَلِيلا فِي حكم الْعَمَل شرعا عِنْد تحقق الضَّرُورَة بِانْقِطَاع الْأَدِلَّة
قَالَ ﵇ الْمُؤمن ينظر بِنور الله وَقَالَ فراسة الْمُؤمن لَا تخطىء وَلِهَذَا جَوَّزنَا التَّحَرِّي فِي بَاب الْقبْلَة عِنْد انْقِطَاع الْأَدِلَّة الدَّالَّة على الْجِهَة وحكمنا بِجَوَاز الصَّلَاة سَوَاء تبين أَنه أصَاب جِهَة الْكَعْبَة أَو أَخطَأ لِأَنَّهُ اعْتمد فِي عمله دَلِيلا شَرْعِيًّا وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَليّ ﵁ بقوله قبْلَة المتحري جِهَة قَصده
وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُخَيّرا عِنْد تعَارض القياسين لأجل الضَّرُورَة لِأَنَّهُ إِن ترك الْعَمَل بهما للتعارض احْتَاجَ إِلَى اعْتِبَار الْحَال لبِنَاء حكم الْحَادِثَة عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ بعد الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي يرجع إِلَيْهِ فِي معرفَة حكم الْحَادِثَة وَالْعَمَل بِالْحَال عمل بِلَا دَلِيل وَلَا إِشْكَال أَن الْعَمَل بِدَلِيل شَرْعِي فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ وَالصَّوَاب يكون أولى من الْعَمَل بِلَا دَلِيل وَلَكِن هَذِه الضَّرُورَة إِنَّمَا تتَحَقَّق فِي القياسين وَلَا تتَحَقَّق فِي النصين لِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا دَلِيل شَرْعِي يرجع إِلَيْهِ فِي معرفَة حكم الْحَادِثَة لهَذَا لَا يتَخَيَّر هُنَاكَ فِي الْعَمَل بِأَيّ النصين شَاءَ
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا إِذا كَانَ فِي السّفر وَمَعَهُ إناءان فِي أَحدهمَا مَاء طَاهِر وَفِي الآخر مَاء نجس وَلَا يعرف الطَّاهِر من النَّجس فَإِنَّهُ يتحَرَّى للشُّرْب وَلَا يتحَرَّى للْوُضُوء بل يتَيَمَّم لِأَن فِي حق الشّرْب لَا يجد بَدَلا يصير إِلَيْهِ فِي تَحْصِيل مَقْصُوده فَلهُ أَن يصير إِلَى التَّحَرِّي لتحَقّق الضَّرُورَة وَفِي حكم الطَّهَارَة يجد شَيْئا آخر يطهر بِهِ عِنْد الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء الطَّاهِر وَهُوَ التَّيَمُّم فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ الضَّرُورَة وبسبب الْمُعَارضَة يَجْعَل لعادم المَاء فَيصير إِلَى التَّيَمُّم وَقُلْنَا فِي المساليخ إِذا اسْتَوَت الذكية وَالْميتَة فَفِي حَالَة الضَّرُورَة بِأَن لم يجد حَلَالا سوى ذَلِك جَازَ لَهُ التَّحَرِّي وَعند عدم الضَّرُورَة بِوُجُود طَعَام حَلَال لَا يكون لَهُ أَن يصير إِلَى التَّحَرِّي وَلِهَذَا
стр. 386
لم يجوز التَّحَرِّي فِي الْفروج أصلا عِنْد اخْتِلَاط الْمُعتقَة عينا بِغَيْر الْمُعتقَة لِأَن جَوَاز ذَلِك بِاعْتِبَار الضَّرُورَة وَلَا مدْخل للضَّرُورَة فِي إِبَاحَة الْفرج بِدُونِ الْملك بِخِلَاف الطَّعَام وَالشرَاب
ثمَّ إِذا عمل بِأحد القياسين وَحكم بِصِحَّة عمله بِاعْتِبَار الظَّاهِر يصير ذَلِك لَازِما لَهُ حَتَّى لَا يجوز لَهُ أَن يتْركهُ وَيعْمل بِالْآخرِ من غير دَلِيل مُوجب لذَلِك
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي الثَّوْبَيْنِ إِذا كَانَ أَحدهمَا طَاهِرا وَالْآخر نجسا وَهُوَ لَا يجد ثوبا آخر فَإِنَّهُ يصير إِلَى التَّحَرِّي لتحَقّق الضَّرُورَة فَإِنَّهُ لَو ترك لبسهما لَا يجد شَيْئا آخر يُقيم بِهِ فرض السّتْر الَّذِي هُوَ شَرط جَوَاز الصَّلَاة وَبَعْدَمَا صلى فِي أحد الثَّوْبَيْنِ بِالتَّحَرِّي لَا يكون لَهُ أَن يُصَلِّي فِي الثَّوْب الآخر لأَنا حِين حكمنَا بِجَوَاز الصَّلَاة فِي ذَلِك الثَّوْب فَذَلِك دَلِيل شَرْعِي مُوجب طَهَارَة ذَلِك الثَّوْب وَالْحكم بِنَجَاسَة الثَّوْب الآخر فَلَا تجوز الصَّلَاة فِيهِ بعد ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل أقوى مِنْهُ
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو تحرى عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة وَصلى صَلَاة إِلَى جِهَة ثمَّ وَقع تحريه على جِهَة أُخْرَى يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي فِي الْمُسْتَقْبل إِلَى الْجِهَة الثَّانِيَة وَلم يَجْعَل ذَلِك دَلِيلا على أَن جِهَة الْقبْلَة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي الِابْتِدَاء قُلْنَا لِأَن هُنَاكَ الحكم بِجَوَاز الصَّلَاة إِلَى تِلْكَ الْجِهَة لَا يتَضَمَّن الحكم بِكَوْنِهَا جِهَة الْكَعْبَة لَا محَالة أَلا ترى أَنه وَإِن تبين لَهُ الْخَطَأ بِيَقِين بِأَن استدبر الْكَعْبَة جَازَت صلَاته وَفِي الثَّوْب من ضَرُورَة الحكم بِجَوَاز الصَّلَاة فِي ثوب الحكم بِطَهَارَة ذَلِك الثَّوْب حَتَّى إِذا تبين أَنه كَانَ نجسا تلْزمهُ إِعَادَة الصَّلَاة وَالْعَمَل بِالْقِيَاسِ من هَذَا الْقَبِيل فَإِن صِحَة الْعَمَل بِأحد القياسين يتَضَمَّن الحكم بِكَوْنِهِ حجَّة للْعَمَل بِهِ ظَاهرا وَلِهَذَا لَو تبين نَص بِخِلَافِهِ بَطل حكم الْعَمَل بِهِ فَلهَذَا كَانَ الْعَمَل بِأحد القياسين مَانِعا لَهُ من الْعَمَل بِالْقِيَاسِ الآخر بعد مَا لم يتَبَيَّن دَلِيل أقوى مِنْهُ
وَوجه آخر أَن التَّعَارُض بَين النصين إِنَّمَا يَقع لجهلنا بالتاريخ بَينهمَا وَالْجهل لَا يصلح دَلِيلا على حكم شَرْعِي من حَيْثُ الْعلم لَا من حَيْثُ الْعَمَل وَالِاخْتِيَار حكم شَرْعِي لَا يجوز أَن يثبت بِاعْتِبَار هَذَا الْجَهْل
فَأَما التَّعَارُض بَين القياسين بِاعْتِبَار كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالحا للْعَمَل بِهِ فِي أصل الْوَضع وَإِن كَانَ أَحدهمَا صَوَابا حَقِيقَة وَالْآخر خطأ وَلَكِن من حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ مَعْمُول
стр. 387
بِهِ شرعا مَا لم يتَبَيَّن وَجه الْخَطَأ فِيهِ فإثبات الْخِيَار بَينهمَا فِي حكم الْعَمَل إِذا رجح أَحدهمَا بِنَوْع فراسة يكون إِثْبَات الحكم بِدَلِيل شَرْعِي ثمَّ إِذا عمل بِأَحَدِهِمَا صَحَّ ذَلِك بِالْإِجْمَاع فَلَا يكون لَهُ أَن ينْقض مَا نفذ من الْقَضَاء مِنْهُ بِالْإِجْمَاع وَلَا يصير إِلَى الْعَمَل بِالْآخرِ إِلَّا بِدَلِيل هُوَ أقوى من الأول
فَإِن قيل لَو ثَبت الْخِيَار لَهُ فِي الْعَمَل بالقياسين لَكَانَ يبْقى خِيَاره بَعْدَمَا عمل بِأَحَدِهِمَا فِي حَادِثَة حَتَّى يكون لَهُ أَن يعْمل بِالْآخرِ فِي حَادِثَة أُخْرَى كَمَا فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهُ لَو عين أحد الْأَنْوَاع فِي تَكْفِير يَمِين بِهِ يبْقى خِيَاره فِي تعْيين نوع آخر فِي كَفَّارَة يَمِين أُخْرَى
قُلْنَا هُنَاكَ التَّخْيِير ثَبت على أَن كل وَاحِد من الْأَنْوَاع صَالح للتكفير بِهِ بِدَلِيل مُوجب للْعلم وَهنا الْخِيَار مَا ثَبت بِمثل هَذَا الدَّلِيل بل بِاعْتِبَار أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح للْعَمَل بِهِ ظَاهرا مَعَ علمنَا بِأَن الْحق أَحدهمَا وَالْآخر خطأ فَبعد مَا تأيد أَحدهمَا بنفوذ الْقَضَاء بِهِ لَا يكون لَهُ أَن يصير إِلَى الآخر إِلَّا بِدَلِيل هُوَ أقوى من الأول وَهَذَا لِأَن جِهَة الصَّوَاب تترجح بِعَمَلِهِ فِيمَا عمل بِهِ وَمن ضَرُورَته ترجح جَانب الْخَطَأ فِي الآخر ظَاهرا فَمَا لم يرْتَفع ذَلِك بِدَلِيل سوى مَا كَانَ مَوْجُودا عِنْد الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا لَا يكون لَهُ أَن يصير إِلَى الْعَمَل بِالْآخرِ
وَالْحَاصِل أَن فِيمَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الِانْتِقَال من مَحل إِلَى مَحل إِذا تعين الْمحل بِعَمَلِهِ لَا يبْقى لَهُ خِيَار بعد ذَلِك كالنجاسة فِي الثَّوْب فَإِنَّهَا لَا تحْتَمل الِانْتِقَال من ثوب إِلَى ثوب فَإِذا تعين بِصَلَاتِهِ فِي أحد الثَّوْبَيْنِ صفة الطَّهَارَة فِيهِ والنجاسة فِي الآخر لَا يبْقى لَهُ رَأْي فِي الصَّلَاة فِي الثَّوْب الآخر مَا لم يثبت طَهَارَته بِدَلِيل مُوجب للْعلم
وَفِي بَاب الْقبْلَة فرض التَّوَجُّه يحْتَمل الِانْتِقَال أَلا ترى أَنه انْتقل من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة وَمن عين الْكَعْبَة إِلَى الْجِهَة إِذا بعد من مَكَّة وَمن جِهَة الْكَعْبَة إِلَى سَائِر الْجِهَات إِذا كَانَ رَاكِبًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ رَاحِلَته فَبعد مَا صلى بِالتَّحَرِّي إِلَى جِهَة إِذا تحول رَأْيه ينْتَقل فرض التَّوَجُّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة أَيْضا لِأَن الشَّرْط أَن يكون مبتلى فِي التَّوَجُّه عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَإِنَّمَا يتَحَقَّق هَذَا إِذا صلى إِلَى الْجِهَة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا تحريه
وَكَذَلِكَ حكم الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فِي المجتهدات فَإِن الْقَضَاء الَّذِي نفذ بِالْقِيَاسِ فِي مَحل لَا يحْتَمل الِانْتِقَال إِلَى مَحل آخر فَيلْزم ذَلِك
فَأَما
стр. 388
فِيمَا وَرَاء ذَلِك الحكم مُحْتَمل للانتقال فَإِن الْكَلَام فِي حكم يحْتَمل النّسخ وَشرط الْعَمَل بِالْقِيَاسِ أَن يكون مبتلى بِطَلَب الطَّرِيق بِاعْتِبَار أصل الْوَضع شرعا فَإِذا اسْتَقر رَأْيه على أَن الصَّوَاب هُوَ الآخر كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْمل فِي الْمُسْتَقْبل
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا إِذا طلق إِحْدَى امرأتيه بِعَينهَا ثمَّ نسي أَو أعتق أحد المملوكين بِعَيْنِه ثمَّ نسي لَا يثبت لَهُ خِيَار الْبَيَان لِأَن الْوَاقِع من الطَّلَاق وَالْعتاق لَا يحْتَمل الِانْتِقَال من مَحل إِلَى مَحل آخر وَإِنَّمَا ثبتَتْ الْمُعَارضَة بَين المحلين فِي حَقه لجهله بِالْمحل الَّذِي عينه عِنْد الْإِيقَاع وجهله لَا يثبت الْخِيَار لَهُ شرعا وبمثله لَو أوجب فِي أَحدهمَا بِغَيْر عينه ابْتِدَاء كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْبَيَان لِأَن تعْيين الْمحل كَانَ مَمْلُوكا لَهُ شرعا كابتداء الْإِيقَاع وَلكنه بِمُبَاشَرَة الْإِيقَاع أسقط مَا كَانَ لَهُ من الْخِيَار فِي أصل الْإِيقَاع وَلم يسْقط مَا كَانَ لَهُ من الْخِيَار فِي التَّعْيِين فَيبقى ذَلِك الْخِيَار ثَابتا لَهُ شرعا وَمِمَّا يثبت فِيهِ حكم التَّعَارُض سُؤْر الْحمار والبغل فقد تَعَارَضَت الْأَدِلَّة فِي الحكم بِطَهَارَتِهِ ونجاسته وَقد بَينا هَذَا فِي فروع الْفِقْه وَلَكِن لَا يُمكن الْمصير إِلَى الْقيَاس بعد هَذَا التَّعَارُض لِأَن الْقيَاس لَا يصلح لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء فَوَجَبَ الْعَمَل بِدَلِيل فِيهِ بِحَسب الْإِمْكَان وَهُوَ الْمصير إِلَى الْحَال فَإِن المَاء كَانَ طَاهِرا فِي الأَصْل فَيبقى طَاهِرا
نَص عَلَيْهِ فِي غير مَوضِع من النَّوَادِر حَتَّى قَالَ لَو غمس الثَّوْب فِي سُؤْر الْحمار تجوز الصَّلَاة فِيهِ وَلَا يَتَنَجَّس الْعُضْو أَيْضا بِاسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّهُ عرق طَاهِر فِي الأَصْل
وَهَذَا الدَّلِيل لَا يصلح أَن يكون مُطلقًا أَدَاء الصَّلَاة بِهِ وَحده لِأَن الْحَدث كَانَ ثَابتا قبل اسْتِعْمَاله فَلَا يَزُول بِاسْتِعْمَالِهِ بِيَقِين فشرطنا ضم التَّيَمُّم إِلَيْهِ حَتَّى يحصل التيقن بِالطَّهَارَةِ الْمُطلقَة لأَدَاء الصَّلَاة
وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى إِذا لم يظْهر فِيهِ دَلِيل يتَرَجَّح بِهِ صفة الذُّكُورَة أَو الْأُنُوثَة فَإِنَّهُ يكون مُشكل الْحَال يَجْعَل بِمَنْزِلَة الذُّكُور فِي بعض الْأَحْكَام وبمنزلة الْإِنَاث فِي الْبَعْض على حسب مَا يدل عَلَيْهِ الْحَال فِي كل حكم
وَكَذَلِكَ الْمَفْقُود فَإِنَّهُ يَجْعَل بمنزله الْحَيّ فِي مَال نَفسه حَتَّى لَا يُورث عَنهُ وبمنزلة الْمَيِّت فِي الْإِرْث من الْغَيْر لِأَن أمره مُشكل فَوَجَبَ الْمصير إِلَى الْحَال لأجل الضَّرُورَة وَالْحكم بِمَا يدل عَلَيْهِ الْحَال فِي كل حَادِثَة
стр. 389
وَأما بَيَان المخلص عَن المعارضات فَنَقُول يطْلب هَذَا المخلص أَولا من نفس الْحجَّة فَإِن لم يُوجد فَمن الحكم فَإِن لم يُوجد فباعتبار الْحَال فَإِن لم يُوجد فبمعرفة التَّارِيخ نصا فَإِن لم يُوجد فبدلالة التَّارِيخ
فَأَما الْوَجْه الأول وَهُوَ الطّلب المخلص من نفس الْحجَّة فبيانه من أوجه أَحدهَا أَن يكون أحد النصين محكما وَالْآخر مُجملا أَو مُشكلا فَإِن بِهَذَا يتَبَيَّن أَن التَّعَارُض حَقِيقَة غير مَوْجُود بَين النصين وَإِن كَانَ مَوْجُودا ظَاهرا فيصار إِلَى الْعَمَل بالحكم دون الْمُجْمل والمشكل
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أَحدهمَا نصا من الْكتاب أَو السّنة الْمَشْهُورَة وَالْآخر خبر الْوَاحِد
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أَحدهمَا مُحْتملا للخصوص فَإِنَّهُ يَنْتَفِي معنى التَّعَارُض بتخصيصه بِالنَّصِّ الآخر
وَبَيَانه من الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي الْمُسْتَأْمن ﴿ثمَّ أبلغه مأمنه﴾ فَإِن التَّعَارُض يَقع بَين النصين ظَاهرا وَلَكِن قَوْله ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ عَام يحْتَمل الْخُصُوص فَجعلنَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أبلغه مأمنه﴾ دَلِيل تَخْصِيص الْمُسْتَأْمن من ذَلِك
وَمن السّنة قَوْله ﵇ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا وَنَهْيه عَن الصَّلَاة فِي ثَلَاث سَاعَات فالتعارض بَين النصين ثَبت ظَاهرا وَلَكِن قَوْله ﵇ فليصلها إِذا ذكرهَا بِعرْض التَّخْصِيص فَيجْعَل النَّص الآخر دَلِيل التَّخْصِيص حَتَّى يَنْتَفِي بِهِ التَّعَارُض
وَكَذَلِكَ إِن ظهر عمل النَّاس بِأحد النصين دون الآخر لِأَن الَّذِي ظهر الْعَمَل بِهِ بَين النَّاس ترجح بِدَلِيل الْإِجْمَاع فَيَنْتَفِي بِهِ معنى التَّعَارُض بَينهمَا مَعَ أَن الظَّاهِر أَن اتِّفَاقهم على الْعَمَل بِهِ لكَونه مُتَأَخِّرًا نَاسِخا لما كَانَ قبله وبالعلم بالتاريخ يَنْتَفِي التَّعَارُض فَكَذَلِك بِالْإِجْمَاع الدَّال عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَعْمُول بِهِ سَابِقًا فَذَلِك دَلِيل على أَن الآخر مؤول أَو سَهْو من بعض الروَاة إِن كَانَ فِي الْأَخْبَار لِأَن الْمَنْسُوخ إِذا اشْتهر فناسخه يشْتَهر بعده أَيْضا كَمَا اشْتهر تَحْرِيم الْمُتْعَة بعد الْإِبَاحَة واشتهر إِبَاحَة زِيَارَة الْقُبُور وإمساك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالشرب فِي الْأَوَانِي بعد النَّهْي
стр. 390
وَلَو اشْتهر النَّاسِخ لما أَجمعُوا على الْعَمَل بِخِلَافِهِ فَبِهَذَا الطَّرِيق تَنْتفِي الْمُعَارضَة وكما يَنْتَفِي التَّعَارُض بِدَلِيل الْإِجْمَاع يثبت التَّعَارُض بِدَلِيل الْإِجْمَاع فَإِن النَّبِي ﵇ سُئِلَ عَن مِيرَاث الْعمة وَالْخَالَة فَقَالَ لَا شَيْء لَهما وَقَالَ الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ فَمن حَيْثُ الظَّاهِر لَا تعَارض بَين الْحَدِيثين لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَحل آخر وَلَكِن ثَبت بِإِجْمَاع النَّاس أَنه لَا فرق بَين الْخَال وَالْخَالَة والعمة فِي صفة الوراثة فباعتبار هَذَا الْإِجْمَاع يَقع التَّعَارُض بَين النصين ثمَّ رجح عُلَمَاؤُنَا الْمُثبت مِنْهُمَا وَرجح الشَّافِعِي مَا كَانَ مَعْلُوما بِاعْتِبَار الأَصْل وَهُوَ عدم اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث
وَبَيَان الطّلب المخلص من حَيْثُ الحكم أَن التَّعَارُض إِنَّمَا يَقع للمدافعة بَين الْحكمَيْنِ فَإِن كَانَ الحكم الثَّابِت بِأحد النصين مدفوعا بِالْآخرِ لَا محَالة فَهُوَ التَّعَارُض حَقِيقَة وَإِن أمكن إِثْبَات حكم بِكُل وَاحِد من النصين سوى الحكم الآخر لَا تتَحَقَّق المدافعة فَيَنْتَفِي التَّعَارُض
وَبَيَان ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ فَبين النصين تعَارض من حَيْثُ الظَّاهِر فِي يَمِين الْغمُوس فَإِنَّهَا من كسب الْقُلُوب وَلكنهَا غير معقودة لِأَنَّهَا لم تصادف مَحل عقد الْيَمين وَهُوَ الْخَبَر الَّذِي فِيهِ رَجَاء الصدْق وَلَكِن انْتَفَى هَذَا التَّعَارُض بِاعْتِبَار الحكم فَإِن الْمُؤَاخَذَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ هِيَ الْمُؤَاخَذَة بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ الْمُؤَاخَذَة بالعقوبة فِي الْآخِرَة لِأَنَّهُ أطلق الْمُؤَاخَذَة فِيهَا والمؤاخذة الْمُطلقَة تكون فِي دَار الْجَزَاء فَإِن الْجَزَاء بوفاق الْعَمَل فَأَما فِي الدُّنْيَا فقد يبتلى الْمُطِيع ليَكُون تمحيصا لذنوبه وينعم على العَاصِي استدراجا فَبِهَذَا الطَّرِيق تبين أَن الحكم الثَّابِت فِي أحد النصين غير الحكم الثَّابِت فِي الآخر وَإِذا انْتَفَت المدافعة بَين الْحكمَيْنِ ظهر المخلص عَن التَّعَارُض
فَأَما المخلص بطرِيق الْحَال فبيانه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ بِالتَّخْفِيفِ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن وبالتشديد فِي الْأُخْرَى فبينهما تعَارض فِي الظَّاهِر لِأَن حَتَّى للغاية وَبَين امتداد الشَّيْء إِلَى غَايَة وَبَين قصوره دونهَا مُنَافَاة والإطهار هُوَ الِاغْتِسَال وَالطُّهْر يكون بِانْقِطَاع الدَّم فَبين امتداد حُرْمَة القربان إِلَى الِاغْتِسَال وَبَين ثُبُوت حل القربان عِنْد انْقِطَاع الدَّم مُنَافَاة وَلَكِن بِاعْتِبَار الْحَال يَنْتَفِي هَذَا التَّعَارُض وَهُوَ أَن بِالتَّخْفِيفِ على حَال مَا إِذا كَانَ أَيَّامهَا عشرَة لِأَن الطُّهْر بالانقطاع إِنَّمَا يتَيَقَّن بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالة فَإِن الْحيض لَا يكون أَكثر من عشرَة أَيَّام فَأَما فِيمَا دون الْعشْرَة لَا يثبت الطُّهْر بالانقطاع بِيَقِين لتوهم أَن يعاودها الدَّم وَيكون ذَلِك حيضا فتمتد حُرْمَة القربان إِلَى الإطهار بالاغتسال
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فالتعارض يَقع فِي الظَّاهِر تحمل الْقِرَاءَة
следующие страницы →