← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6301

أصول السرخسي = تمهيد الفصول في الأصول - ت الأفغاني

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (724 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

التَّقْيِيد فِي النَّص الْمُطلق نسخا من حَيْثُ الْمَعْنى بقوله تَعَالَى ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ ثمَّ قَالَ السّديّ هَذَا قد انتسخ بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ لِأَن سُورَة بَرَاءَة من آخر مَا نزل فَكَانَ نَاسِخا للْحكم الَّذِي كَانَ قبله وَكَذَلِكَ حكم الْحَبْس فِي الْبيُوت والأذى بِاللِّسَانِ فِي كَونه حدا قد انتسخ بقوله ﵇ (خُذُوا عني) الحَدِيث ثمَّ هَذَا الحكم انتسخ بنزول قَوْله تَعَالَى ﴿فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وبرجم النَّبِي ﵇ مَاعِز بن مَالك ﵁ وَاسْتقر الحكم على أَن الْحَد الْكَامِل فِي حق غير الْمُحصن مائَة جلدَة وَفِي حق الْمُحصن الرَّجْم وَمِمَّا اخْتلفُوا فِي أَنه نسخ أم لَا حكم الْمِيرَاث فقد كَانَ التوريث بِالْحلف وَالْهجْرَة ثَابتا فِي الِابْتِدَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا﴾ الْآيَة ثمَّ انتسخ هَذَا عِنْد بعض الْعلمَاء بنزول قَوْله تَعَالَى ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله من الْمُؤمنِينَ والمهاجرين﴾ الْآيَة وَمِنْهُم من قَالَ هَذَا لَيْسَ بنسخ وَلَكِن هَذَا تَقْدِيم وَارِث على وَارِث فَلَا يكون نسخا كتقديم الابْن على الْأَخ فِي الْمِيرَاث لَا يكون نسخ التوريث بالأخوة وَتَقْدِيم الشَّرِيك على الْجَار فِي اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة لَا يكون نسخ حكم الشُّفْعَة بالجوار وَالأَصَح أَن نقُول هَذَا نسخ بعض الْأَحْوَال دون الْبَعْض فَإِن قَوْله تَعَالَى ﴿فآتوهم نصِيبهم﴾ تنصيص على أَن بِالْحلف يسْتَحق النَّصِيب من الْمِيرَاث مَعَ وجود الْقَرِيب ثمَّ انتسخ هَذَا الحكم بقوله تَعَالَى ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ حَتَّى لَا يسْتَحق بِالْحلف شَيْئا مَعَ وجود الْقَرِيب أصلا فَعرفنَا أَن هَذَا الحكم قد انْتهى فِي هَذِه الْحَالة فَكَانَ نسخا وَإِن كَانَ

стр. 457

الْإِرْث بِهَذَا السَّبَب بَاقِيا فِي غير هَذِه الْحَالة وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ ابْن مَسْعُود ﵁ فِي قَوْله يَا معشر هَمدَان إِنَّه لَيْسَ حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب أَحْرَى أَن يَمُوت الرجل فيهم وَلَا يعرف لَهُ نسب مِنْكُم فَإِذا كَانَ ذَلِك فليضع مَاله حَيْثُ أحب وَالله أعلم بَاب الْكَلَام فِي أَفعَال النَّبِي ﵇ اعْلَم بِأَن أَفعاله الَّتِي تكون عَن قصد تَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام مُبَاح ومستحب وواجب وَفرض وَهنا نوع خَامِس وَهُوَ الزلة وَلكنه غير دَاخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ لَا يصلح للاقتداء بِهِ فِي ذَلِك وَعقد الْبَاب لبَيَان حكم الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفعاله وَلِهَذَا لم يذكر فِي الْجُمْلَة مَا يحصل فِي حَالَة النّوم وَالْإِغْمَاء لِأَن الْقَصْد لَا يتَحَقَّق فِيهِ فَلَا يكون دَاخِلا فِيمَا هُوَ حد الْخطاب وَأما الزلة فَإِنَّهُ لَا يُوجد فِيهَا الْقَصْد إِلَى عينهَا أَيْضا وَلَكِن يُوجد الْقَصْد إِلَى أصل الْفِعْل وَبَيَان هَذَا أَن الزلة أخذت من قَول الْقَائِل زل الرجل فِي الطين إِذا لم يُوجد الْقَصْد إِلَى الْوُقُوع وَلَا إِلَى الثَّبَات بعد الْوُقُوع وَلَكِن وجد الْقَصْد إِلَى الْمَشْي فِي الطَّرِيق فَعرفنَا بِهَذَا أَن الزلة مَا تتصل بالفاعل عِنْد فعله مَا لم يكن قَصده بِعَيْنِه وَلكنه زل فاشتغل بِهِ عَمَّا قصد بِعَيْنِه وَالْمَعْصِيَة عِنْد الْإِطْلَاق إِنَّمَا يتَنَاوَل مَا يَقْصِدهُ الْمُبَاشر بِعَيْنِه وَإِن كَانَ قد أطلق الشَّرْع ذَلِك على الزلة مجَازًا ثمَّ لَا بُد أَن يقْتَرن بالزلة بَيَان من جِهَة الْفَاعِل أَو من الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى مخبرا عَن مُوسَى ﵇ عِنْد قتل القبطي ﴿هَذَا من عمل الشَّيْطَان﴾ الْآيَة وكما قَالَ تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ الْآيَة وَإِذا كَانَ الْبَيَان يقْتَرن بِهِ لَا محَالة علم أَنه غير صَالح للاقتداء بِهِ ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي أَفعاله الَّتِي لَا تكون عَن سَهْو وَلَا من نتيجة الطَّبْع على مَا جبل عَلَيْهِ الْإِنْسَان مَا هُوَ مُوجب ذَلِك فِي حق أمته فَقَالَ بَعضهم الْوَاجِب هُوَ الْوَقْف فِي ذَلِك حَتَّى يقوم الدَّلِيل وَقَالَ بَعضهم بل يجب اتِّبَاعه والاقتداء بِهِ فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا مَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل وَكَانَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي

стр. 458

رَحمَه الله يَقُول إِن علم صفة فعله أَنه فعله وَاجِبا أَو ندبا أَو مُبَاحا فَإِنَّهُ يتبع فِيهِ بِتِلْكَ الصّفة وَإِن لم يعلم فَإِنَّهُ يثبت فِيهِ صفة الْإِبَاحَة ثمَّ لَا يكون الِاتِّبَاع فِيهِ ثَابتا إِلَّا بِقِيَام الدَّلِيل وَكَانَ الْجَصَّاص ﵀ يَقُول بقول الْكَرْخِي ﵀ إِلَّا أَنه يَقُول إِذا لم يعلم فالاتباع لَهُ فِي ذَلِك ثَابت حَتَّى يقوم الدَّلِيل على كَونه مَخْصُوصًا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فَأَما الواقفون احْتَجُّوا فَقَالُوا لما أشكل صفة فعله فقد تعذر اتِّبَاعه فِي ذَلِك على وَجه الْمُوَافقَة لِأَن ذَلِك لَا يكون بالموافقة فِي أصل الْفِعْل دون الصّفة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ هُوَ فعل فعلا نفلا وَنحن نفعله فرضا يكون ذَلِك مُنَازعَة لَا مُوَافقَة وَاعْتبر هَذَا بِفعل السَّحَرَة مَعَ مَا رَأَوْهُ من الكليم ظَاهرا فَإِنَّهُ كَانَ مُنَازعَة مِنْهُم فِي الِابْتِدَاء لِأَن فعلهم لم يكن بِصفة فعله فَعرفنَا أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُشكلا لَا تتَحَقَّق الْمُوَافقَة فِي الْفِعْل لَا محَالة وَلَا وَجه للمخالفة فَيجب الْوَقْف فِيهِ حَتَّى يقوم الدَّلِيل وَهَذَا الْكَلَام عِنْد التَّأَمُّل بَاطِل فَإِن هَذَا الْقَائِل إِن كَانَ يمْنَع الْأمة من أَن يَفْعَلُوا مثل فعله بِهَذَا الطَّرِيق ويلومهم على ذَلِك فقد أثبت صفة الْحَظْر فِي الِاتِّبَاع وَإِن كَانَ لَا يمنعهُم من ذَلِك وَلَا يلومهم عَلَيْهِ فقد أثبت صفة الْإِبَاحَة فَعرفنَا أَن القَوْل بِالْوَقْفِ لَا يتَحَقَّق فِي هَذَا الْفَصْل وَأما الْفَرِيق الثَّانِي فقد استدلوا بالنصوص الْمُوجبَة للاقتداء برَسُول الله ﷺ فِي أَقْوَاله وأفعاله نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي﴾ إِلَى قَوْله ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ أَي عَن سمته وطريقته وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد﴾ فَفِي هَذِه النُّصُوص دَلِيل على وجوب الِاتِّبَاع علينا إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل يمْنَع من ذَلِك فَأَما الدَّلِيل لنا فِي هَذَا الْفَصْل أَن نقُول صَحَّ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي عَلَيْهِ

стр. 459

السَّلَام خلع نَعْلَيْه فِي الصَّلَاة فَخلع النَّاس نعَالهمْ فَلَمَّا فرغ قَالَ مَا لكم خلعتم نعالكم الحَدِيث فَلَو كَانَ مُطلق فعله مُوجبا للمتابعة لم يكن لقَوْله مَا لكم خلعتم نعالكم معنى وَخرج للتراويح لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ فَلَمَّا قيل لَهُ فِي ذَلِك قَالَ خشيت أَن تكْتب عَلَيْكُم وَلَو كتبت عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بهَا فو كَانَ مُطلق فعله يلْزمنَا الِاتِّبَاع لَهُ فِي ذَلِك لم يكن لقَوْله خشيت أَن تكْتب عَلَيْكُم معنى ثمَّ قد بَينا أَن الْمُوَافقَة حَقِيقَتهَا فِي أصل الْفِعْل وَصفته فَعِنْدَ الْإِطْلَاق إِنَّمَا يثبت الْقدر الْمُتَيَقن بِهِ وَهُوَ صفة الْإِبَاحَة فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التَّمَكُّن من إِيجَاد الْفِعْل شرعا فَيثبت الْقدر الْمُتَيَقن بِهِ (وَهُوَ صفة الْإِبَاحَة) من الْوَصْف ويتوقف مَا وَرَاء ذَلِك على قيام الدَّلِيل بِمَنْزِلَة رجل يَقُول لغيره وَكلتك بِمَالي فَإِنَّهُ يملك الْحِفْظ لِأَنَّهُ مُتَيَقن لكَونه مُرَاد الْمُوكل وَلَا يثبت مَا سوى ذَلِك من التَّصَرُّفَات حَتَّى يقوم الدَّلِيل يُقرر مَا ذكرنَا أَن الْفِعْل قِسْمَانِ أَخذ وَترك ثمَّ أحد قسمي أَفعاله وَهُوَ التّرْك لَا يُوجب الِاتِّبَاع علينا إِلَّا بِدَلِيل فَكَذَلِك الْقسم الآخر وَبَيَان هَذَا أَنه حِين كَانَ الْخمر مُبَاحا قد ترك رَسُول الله ﷺ شربهَا أصلا ثمَّ ذَلِك لَا يُوجب علينا ترك الشّرْب فِيمَا هُوَ مُبَاح يُوضحهُ أَن مُطلق فعله لَو كَانَ مُوجبا لِلِاتِّبَاعِ لَكَانَ ذَلِك عَاما فِي جَمِيع أَفعاله وَلَا وَجه لِلْقَوْلِ بذلك لِأَن ذَلِك يُوجب على كل أحد أَن لَا يُفَارِقهُ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار ليقف على جَمِيع أَفعاله فيقتدي بِهِ لِأَنَّهُ لَا يخرج عَن الْوَاجِب إِلَّا بذلك وَمَعْلُوم أَن هَذَا مِمَّا لَا يتَحَقَّق وَلَا يَقُول بِهِ أحد فَعرفنَا أَن مُطلق الْفِعْل لَا يلْزمنَا اتِّبَاعه فِي ذَلِك فَأَما الْآيَات فَفِي قَوْله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ دَلِيل على أَن التأسي بِهِ فِي أَفعاله لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ من حق الْكَلَام أَن يَقُول عَلَيْكُم فَفِي قَوْله ﴿لكم﴾ دَلِيل على أَن ذَلِك مُبَاح لنا لَا أَن يكون لَازِما علينا وَالْمرَاد بِالْأَمر بالاتباع التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ فَإِن الْخطاب بذلك لأهل الْكتاب وَذَلِكَ بَين فِي سِيَاق الْآيَة وَالْمرَاد بِالْأَمر مَا يفهم من مُطلق لفظ الْأَمر عِنْد

стр. 460

الْإِطْلَاق وَقد تقدم بَيَان هَذَا فِي أول الْكتاب ثمَّ قَالَ الْكَرْخِي قد ظهر خُصُوصِيَّة رَسُول الله ﷺ بأَشْيَاء لاختصاصه بِمَا لَا شركَة لأحد من أمته مَعَه فِي ذَلِك فَكل فعل يكون مِنْهُ فَهُوَ مُحْتَمل للوصف لجَوَاز أَن يكون هَذَا مِمَّا اخْتصَّ هُوَ بِهِ وَيجوز أَن يكون مِمَّا هُوَ غير مَخْصُوص بِهِ وَعند احْتِمَال الْجَانِبَيْنِ على السوَاء يجب الْوَقْف حَتَّى يقوم الدَّلِيل لتحَقّق الْمُعَارضَة وَلَكِن الصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الْجَصَّاص لِأَن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ تنصيص على جَوَاز التأسي بِهِ فِي أَفعاله فَيكون هَذَا النَّص مَعْمُولا بِهِ حَتَّى يقوم الدَّلِيل الْمَانِع وَهُوَ مَا يُوجب تَخْصِيصه بذلك وَقد دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم﴾ وَفِي هَذَا بَيَان أَن ثُبُوت الْحل فِي حَقه مُطلقًا دَلِيل ثُبُوته فِي حق الْأمة أَلا ترى أَنه نَص على تَخْصِيصه فِيمَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ بقوله تَعَالَى ﴿خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾ وَهُوَ النِّكَاح بِغَيْر مهر فَلَو لم يكن مُطلق فعله دَلِيلا للْأمة فِي الْإِقْدَام على مثله لم يكن لقَوْله ﴿خَالِصَة لَك﴾ فَائِدَة فَإِن الخصوصية تكون ثَابِتَة بِدُونِ هَذِه الْكَلِمَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ﵇ لما قَالَ لعبد الله بن رَوَاحَة حِين صلى على الأَرْض فِي يَوْم قد مُطِرُوا فِي السّفر ألم يكن لَك فِي أُسْوَة فَقَالَ أَنْت تسْعَى فِي رَقَبَة قد فكت وَأَنا أسعى فِي رَقَبَة لم يعرف فكاكها فَقَالَ إِنِّي مَعَ هَذَا أَرْجُو أَن أكون أخشاكم لله وَلما سَأَلت امْرَأَة أم سَلمَة عَن الْقبْلَة للصَّائِم فَقَالَت إِن رَسُول الله ﵇ يقبل وَهُوَ صَائِم فَقَالَت لسنا كرسول الله قد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر ثمَّ سَأَلت أم سَلمَة رَسُول الله ﷺ عَن سؤالها فَقَالَ هلا أخْبرتهَا أَنِّي أقبل وَأَنا صَائِم فَقَالَت قد أخْبرتهَا بذلك فَقَالَت كَذَا فَقَالَ إِنِّي أَرْجُو أَن أكون أَتْقَاكُم لله وَأعْلمكُمْ بِحُدُودِهِ فَفِي هَذَا بَيَان أَن اتِّبَاعه فِيمَا يثبت من أَفعاله أصل حَتَّى يقوم الدَّلِيل على كَونه مَخْصُوصًا بِفِعْلِهِ وَهَذَا لِأَن الرُّسُل أَئِمَّة يقْتَدى بهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾

стр. 461

فَالْأَصْل فِي كل فعل يكون مِنْهُم جَوَاز الِاقْتِدَاء بهم إِلَّا مَا يثبت فِيهِ دَلِيل الخصوصية بِاعْتِبَار أَحْوَالهم وعلو مَنَازِلهمْ وَإِذا كَانَ الأَصْل هَذَا فَفِي كل فعل يكون مُبْهَم بِصفة الْخُصُوص يجب بَيَان الخصوصية مُقَارنًا بِهِ إِذْ الْحَاجة إِلَى ذَلِك ماسة عِنْد كل فعل يكون (مِنْهُم) حكمه بِخِلَاف هَذَا الأَصْل وَالسُّكُوت عَن الْبَيَان بعد تحقق الْحَاجة دَلِيل النَّفْي فَترك بَيَان الخصوصية يكون دَلِيلا على أَنه من جملَة الْأَفْعَال الَّتِي هُوَ فِيهَا قدوة أمته فصل فِي بَيَان طَريقَة رَسُول الله ﷺ فِي إِظْهَار أَحْكَام الشَّرْع قد بَينا أَنه كَانَ يعْتَمد الْوَحْي فِيمَا بَينه من أَحْكَام الشَّرْع وَالْوَحي نَوْعَانِ ظَاهر وباطن فَالظَّاهِر مِنْهُ قِسْمَانِ (أَحدهمَا) مَا يكون على لِسَان الْملك بِمَا يَقع فِي سَمعه بعد علمه بالمبلغ بِأَنَّهُ قَاطِعَة وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ الْآيَة وَالْآخر مَا يَتَّضِح لَهُ بِإِشَارَة الْملك من غير بَيَان بِكَلَام وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفي رزقها فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب وَالْوَحي الْبَاطِن هُوَ تأييد الْقلب على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة وَلَا معَارض وَلَا مُزَاحم وَذَلِكَ بِأَن يظْهر لَهُ الْحق بِنور فِي قلبه من ربه يَتَّضِح لَهُ حكم الْحَادِثَة بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى بقوله ﴿لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله﴾ وَهَذَا كُله مَقْرُونا بالابتلاء وَمعنى الِابْتِلَاء هُوَ التَّأَمُّل بِقَلْبِه فِي حَقِيقَته حَتَّى يظْهر لَهُ مَا هُوَ الْمَقْصُود وكل ذَلِك خَاص لرَسُول الله تثبت بِهِ الْحجَّة القاطعة وَلَا شركَة للْأمة فِي ذَلِك إِلَّا أَن يكرم الله بِهِ من شَاءَ من أمته لحقه وَذَلِكَ الْكَرَامَة للأولياء وَأما مَا يشبه الْوَحْي فِي حق رَسُول الله ﷺ فَهُوَ استنباط الْأَحْكَام من النُّصُوص بِالرَّأْيِ

стр. 462

وَالِاجْتِهَاد فَإِنَّمَا يكون من رَسُول الله بِهَذَا الطَّرِيق فَهُوَ بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْوَحْي لقِيَام الدَّلِيل على أَنه يكون ثَوابًا لَا محَالة فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقر على الْخَطَأ فَكَانَ ذَلِك مِنْهُ حجَّة قَاطِعَة وَمثل هَذَا من الْأمة لَا يَجْعَل بِمَنْزِلَة الْوَحْي لِأَن الْمُجْتَهد يخطىء ويصيب فقد علم أَنه كَانَ لرَسُول الله ﷺ من صفة الْكَمَال مَا لَا يُحِيط بِهِ إِلَّا الله فَلَا شكّ أَن غَيره لَا يُسَاوِيه فِي إِعْمَال الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام وَهَذَا يبتنى على اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَنه ﵇ هَل كَانَ يجْتَهد فِي الْأَحْكَام وَيعْمل بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ فَأبى ذَلِك بعض الْعلمَاء وَقَالَ هَذَا الطَّرِيق حَظّ الْأمة فَأَما حَظّ رَسُول الله ﷺ هُوَ الْعَمَل بِالْوَحْي من الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا وَقَالَ بَعضهم قد كَانَ يعْمل بطرِيق الْوَحْي تَارَة وبالرأي تَارَة وَبِكُل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ كَانَ يبين الْأَحْكَام وَأَصَح الْأَقَاوِيل عندنَا أَنه ﵇ فِيمَا كَانَ يبتلى بِهِ من الْحَوَادِث الَّتِي لَيْسَ فِيهَا وَحي منزل كَانَ ينْتَظر الْوَحْي إِلَى أَن تمْضِي مُدَّة الِانْتِظَار ثمَّ كَانَ يعْمل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد وَيبين الحكم بِهِ فَإِذا أقرّ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك حجَّة قَاطِعَة للْحكم فَأَما الْفَرِيق الأول فاحتجوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه كَانَ لَا يجوز لأحد مُخَالفَة رَسُول الله ﵇ فِيمَا بَينه من أَحْكَام الشَّرْع والرأي قد يَقع فِيهِ الْغَلَط فِي حَقه وَفِي حق غَيره فَلَو كَانَ يبين الحكم بِالرَّأْيِ لَكَانَ يجوز مُخَالفَته فِي ذَلِك كَمَا فِي أَمر الْحَرْب فقد ظهر أَنهم خالفوه فِي ذَلِك غير مرّة واستصوبهم فِي ذَلِك أَلا ترى أَنه لما أَرَادَ النُّزُول يَوْم بدر دون المَاء قَالَ لَهُ الْخَبَّاب بن الْمُنْذر ﵁ إِن كَانَ عَن وَحي فسمعا وَطَاعَة وَإِن كَانَ عَن رَأْي فَإِنِّي أرى الصَّوَاب أَن ننزل على المَاء ونتخذ الْحِيَاض فَأخذ رَسُول الله ﷺ بِرَأْيهِ وَنزل على المَاء وَلما أَرَادَ يَوْم الْأَحْزَاب أَن يُعْطي الْمُشْركين شطر ثمار الْمَدِينَة لينصرفوا قَامَ سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة ﵄ وَقَالا إِن كَانَ هَذَا عَن وَحي فسمعا وَطَاعَة وَإِن كَانَ عَن رَأْي فَلَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف قد كُنَّا نَحن وهم فِي الْجَاهِلِيَّة لم يكن لنا وَلَا لَهُم دين فَكَانُوا لَا يطمعون

стр. 463

فِي ثمار الْمَدِينَة إِلَّا بشري أَو بقري فَإِذا أعزنا الله تَعَالَى بِالدّينِ نعطيهم الدنية لَا نعطيم إِلَّا السَّيْف وَقَالَ ﵇ إِنِّي رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة فَأَرَدْت أَن أصرفهم عَنْكُم فَإِذا أَبَيْتُم أَنْتُم وَذَاكَ ثمَّ قَالَ للَّذين جَاءُوا للصلح اذْهَبُوا فَلَا نعطيكم إِلَّا السَّيْف وَلما قدم الْمَدِينَة استقبح مَا كَانُوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عَن ذَلِك فأحشفت وَقَالَ عهدي بثماركم بِخِلَاف هَذَا فَقَالُوا نَهَيْتنَا عَن التلقيح وَإِنَّمَا كَانَت جودة الثَّمر من ذَلِك قَالَ أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم وَأَنا أعلم بِأَمْر دينكُمْ فَتبين أَن الرَّأْي مِنْهُ كالرأي من غَيره فِي احْتِمَال الْغَلَط وبالاتفاق لَا تجوز مُخَالفَته فِيمَا ينص عَلَيْهِ من أَحْكَام الشَّرْع فَعرفنَا أَن طَرِيق وُقُوفه على ذَلِك مَا لَيْسَ فِيهِ توهم الْغَلَط أصلا وَذَلِكَ الْوَحْي ثمَّ الرَّأْي الَّذِي فِيهِ توهم الْغَلَط إِنَّمَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه الضَّرُورَة تثبت فِي حق الْأمة لَا فِي حَقه فقد كَانَ الْوَحْي يَأْتِيهِ فِي كل وَقت وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير التَّحَرِّي فِي أَمر الْقبْلَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ لمن كَانَ بِمَكَّة معاينا للكعبة وَيجوز الْمصير إِلَيْهِ لمن كَانَ نَائِيا عَن الْكَعْبَة لِأَن من كَانَ معاينا فالضرورة المحوجة إِلَى التَّحَرِّي لَا تتَحَقَّق فِي حَقه لوُجُود الطَّرِيق الَّذِي لَا يتَمَكَّن فِيهِ تُهْمَة الْغَلَط وَهُوَ المعاينة وَكَذَلِكَ حَال رَسُول الله ﷺ فِي الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَام وَلِأَنَّهُ ﵇ كَانَ ينصب أَحْكَام الشَّرْع ابْتِدَاء والرأي لَا يصلح لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء وَإِنَّمَا هُوَ لتعدية حكم النَّص إِلَى نَظِيره مِمَّا لَا نَص فِيهِ كَمَا فِي حق الْأمة لِأَنَّهُ لَا يجوز لأحد اسْتِعْمَال الرَّأْي فِي نصب حكم ابْتِدَاء فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا كَانَ ينصب الحكم ابْتِدَاء بطرِيق الْوَحْي دون الرَّأْي وَهَذَا لِأَن الْحق فِي أَحْكَام الشَّرْع لله تَعَالَى فَإِنَّمَا يثبت حق الله تَعَالَى بِمَا يكون مُوجبا للْعلم قطعا والرأي لَا يُوجب ذَلِك وَبِه فَارق أَمر الْحَرْب والشورى فِي الْمُعَامَلَات لِأَن ذَلِك من حُقُوق الْعباد فالمطلوب بِهِ الدّفع عَنْهُم أَو الْجَرّ إِلَيْهِم فِيمَا تقوم بِهِ مصالحهم وَاسْتِعْمَال الرَّأْي جَائِز فِي مثله لحَاجَة الْعباد إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي وسعهم فَوق ذَلِك وَالله تَعَالَى يتعالى عَمَّا يُوصف بِهِ الْعباد من الْعَجز أَو الْحَاجة فَمَا هُوَ حق الله تَعَالَى لَا يثبت ابْتِدَاء إِلَّا بِمَا يكون مُوجبا علم الْيَقِين

стр. 464

وَالْحجّة لِلْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَرَسُول الله ﷺ أولي النَّاس بِهَذَا الْوَصْف الَّذِي ذكره عِنْد الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ فَعرفنَا أَنه دَاخل فِي هَذَا الْخطاب قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ وَقد دخل فِي جملَة المستنبطين من تقدم ذكره فَعرفنَا أَن الرَّسُول من جملَة الَّذين أخبر الله أَنهم يعلمُونَ بالاستنباط وَقَالَ تَعَالَى ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ وَالْمرَاد أَنه وقف على الحكم بطرِيق الرَّأْي لَا بطرِيق الْوَحْي لِأَن مَا كَانَ بطرِيق الْوَحْي فداود وَسليمَان ﵉ فِيهِ سَوَاء وَحَيْثُ خص سُلَيْمَان ﵇ بالفهم عرفنَا أَن المُرَاد بِهِ بطرِيق الرَّأْي وَقد حكم دَاوُد بَين الْخَصْمَيْنِ حِين تسوروا الْمِحْرَاب بِالرَّأْيِ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه﴾ وَهَذَا بَيَان بِالْقِيَاسِ الظَّاهِر وَقَالَ النَّبِي ﵇ للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فَقضيت أَكَانَ يقبل مِنْك وَهَذَا بَيَان بطرِيق الْقيَاس وَقَالَ لعمر ﵁ حِين سَأَلَهُ عَن الْقبْلَة للصَّائِم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك وَقَالَ فِي حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِالْمَاءِ أَكنت شَاربه وَهَذَا بَيَان بطرِيق الْقيَاس فِي حُرْمَة الأوساخ وَاسْتِعْمَال الْمُسْتَعْمل وَقَالَ إِن الرجل ليؤجر فِي كل شَيْء حَتَّى فِي مباضعة أَهله فَقيل لَهُ يقْضِي أَحَدنَا شَهْوَته ثمَّ يُؤجر على ذَلِك قَالَ أَرَأَيْتُم لَو وضع ذَلِك فِيمَا لَا يحل هَل كَانَ يَأْثَم بِهِ قَالُوا نعم قَالَ فَكَذَلِك يُؤجر إِذا وَضعه فِيمَا يحل وَهَذَا بَيَان بطرِيق الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ مَأْمُورا بالمشاورة مَعَ أَصْحَابه قَالَ تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ وَقد صَحَّ أَنه كَانَ يشاورهم فِي أَمر الْحَرْب وَغير ذَلِك حَتَّى رُوِيَ أَنه شاور أَبَا بكر وَعمر ﵄ فِي مفاداة الْأُسَارَى يَوْم بدر فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بكر بِأَن يفادي بهم وَمَال رَأْيه إِلَى ذَلِك حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ ومفاداة الْأَسير بِالْمَالِ جَوَازه وفساده من أَحْكَام الشَّرْع وَمِمَّا هُوَ حق الله تَعَالَى وَقد شاور فِيهِ أَصْحَابه وَعمل فِيهِ بِالرَّأْيِ إِلَى أَن نزل الْوَحْي بِخِلَاف مَا رَآهُ فَعرفنَا أَنه كَانَ يشاورهم فِي الْأَحْكَام كَمَا فِي الحروب وَقد شاورهم فِيمَا يكون جَامعا لَهُم فِي أَوْقَات الصَّلَاة ليؤدوها بِالْجَمَاعَة ثمَّ لما جَاءَ عبد الله بن زيد ﵁ وَذكر مَا رأى فِي الْمَنَام من أَمر الْأَذَان

стр. 465

فَأخذ بِهِ وَقَالَ (ألقها على بِلَال) وَمَعْلُوم أَنه أَخذ بذلك بطرِيق الرَّأْي دون طَرِيق الْوَحْي أَلا ترى أَنه لما أَتَى عمر وَأخْبرهُ أَنه رأى مثل ذَلِك قَالَ الله أكبر هَذَا أثبت وَلَو كَانَ قد نزل عَلَيْهِ الْوَحْي بِهِ لم يكن لهَذَا الْكَلَام معنى وَلَا شكّ أَن حكم الْأَذَان مِمَّا هُوَ (من) حق الله ثمَّ قد جوز الْعَمَل فِيهِ بِالرَّأْيِ فَعرفنَا أَن ذَلِك جَائِز وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول إِنَّه إِنَّمَا كَانَ يستشيرهم فِي الْأَحْكَام لتطييب نُفُوسهم وَهَذَا لِأَن فِيمَا كَانَ الْوَحْي فِيهِ ظَاهرا مَعْلُوما مَا كَانَ يستشيرهم وَفِيمَا كَانَ يستشيرهم الْحَال لَا يَخْلُو إِمَّا أَن كَانَ يعْمل برأيهم أَو لَا يعْمل فَإِن كَانَ لَا يعْمل برأيهم وَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما لَهُم فَلَيْسَ فِي هَذِه الاستشارة تطييب النَّفس وَلكنهَا من نوع الاستهز وَظن ذَلِك برَسُول الله ﷺ محَال وَإِن كَانَ يستشيرهم ليعْمَل برأيهم فَلَا شكّ أَن رَأْيه يكون أقوى من رَأْيهمْ وَإِذا جَازَ لَهُ الْعَمَل برأيهم فِيمَا لَا نَص فِيهِ فجواز ذَلِك بِرَأْيهِ أولى ويتبين بِهَذَا أَنه إِنَّمَا كَانَ يستشيرهم لتقريب الْوُجُوه وتحميس الرَّأْي على مَا كَانَ يَقُول المشورة تلقيح الْعُقُول وَقَالَ من الحزم أَن تستشير ذَا رَأْي ثمَّ تُطِيعهُ ثمَّ الاستنباط بِالرَّأْيِ إِنَّمَا يبتنى على الْعلم بمعاني النُّصُوص وَلَا شكّ أَن دَرَجَته فِي ذَلِك أَعلَى من دَرَجَة غَيره وَقد كَانَ يعلم بالمتشابه الَّذِي لَا يقف أحد من الْأمة بعده على مَعْنَاهُ فَعرفنَا بِهَذَا أَن لَهُ من هَذِه الدرجَة أَعلَى النِّهَايَة وَبعد الْعلم بِالطَّرِيقِ الَّذِي يُوقف بِهِ على الحكم الْمَنْع من اسْتِعْمَال ذَلِك نوع من الْحجر وتجويز اسْتِعْمَال ذَلِك نوع إِطْلَاق وَإِنَّمَا يَلِيق بعلو دَرَجَته الْإِطْلَاق دون الْحجر وَكَذَلِكَ مَا يعلم بطرِيق الْوَحْي فَهُوَ مَحْصُور متناه وَمَا يعلم بالاستنباط من مَعَاني الْوَحْي غير متناه وَقيل أفضل دَرَجَات الْعلم للعباد طَرِيق الاستنباط أَلا ترى أَن من يكون مستنبطا من الْأمة فَهُوَ على دَرَجَة مِمَّن يكون حَافِظًا غير مستنبط فَالْقَوْل بِمَا يُوجب سد بَاب مَا هُوَ أَعلَى الدَّرَجَات فِي الْعلم عَلَيْهِ شبه الْمحَال وَلَوْلَا طعن المتعنتين لَكَانَ الأولى بِنَا الْكَفّ عَن الِاشْتِغَال بِإِظْهَار هَذَا بِالْحجَّةِ فقد كَانَ دَرَجَته فِي الْعلم مَا لَا

стр. 466

يُحِيط بِهِ إِلَّا الله وَتَمام معنى التَّعْظِيم فِي حق من هُوَ دونه أَن لَا يشْتَغل بِمثل هَذَا التَّقْسِيم فِي حَقه وَإِنَّمَا ذكرنَا ذَلِك لدفع طعن المتعنتين ثمَّ مَا بَينه بِالرَّأْيِ إِذا أقرّ عَلَيْهِ كَانَ صَوَابا لَا محَالة فَيثبت بِهِ علم الْيَقِين بِخِلَاف مَا يكون من غَيره من الْبَيَان بِالرَّأْيِ وَهُوَ نَظِير الإلهام على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي بَيَان الْوَحْي الْبَاطِن وَأَنه حجَّة قَاطِعَة فِي حَقه وَإِن كَانَ الإلهام فِي حق غَيره لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة على مَا نبينه فِي بَابه وَالدَّلِيل على هَذِه الْقَاعِدَة مَا رُوِيَ أَن خَوْلَة ﵂ لما جَاءَت إِلَيْهِ تسأله عَن ظِهَار زَوجهَا مِنْهَا قَالَ مَا أَرَاك إِلَّا قد حرمت عَلَيْهِ فَقَالَت إِنِّي أشتكي إِلَى الله فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك﴾ الْآيَة فَعرفنَا أَنه كَانَ يُفْتِي بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَكَانَ لَا يقر على الْخَطَأ وَهَذَا لأَنا أمرنَا باتباعه قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ وَحين بَين بِالرَّأْيِ وَأقر على ذَلِك كَانَ اتِّبَاع ذَلِك فرضا علينا لَا محَالة فَعرفنَا أَن ذَلِك هُوَ الْحق الْمُتَيَقن بِهِ وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي حق الْأمة فالمجتهد قد يخطىء ويقر على ذَلِك فَلهَذَا لم يكن الرَّأْي فِي حق غَيره مُوجبا علم الْيَقِين وَلَا صَالحا لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء بل لتعدية حكم النَّص إِلَى غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد ثَبت بِالنَّصِّ عمله بِالرَّأْيِ فِيمَا لم يقر عَلَيْهِ وَرُبمَا عوتب على ذَلِك وَرُبمَا لم يُعَاتب فمما عوتب عَلَيْهِ مَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ وَمِمَّا لم يُعَاتب عَلَيْهِ مَا يرْوى أَنه لما دخل بَيته وَوضع السِّلَاح حِين فرغ من حَرْب الْأَحْزَاب أَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ وَقَالَ وضعت السِّلَاح وَلم تضعه الْمَلَائِكَة وَأمره بِأَن يذهب إِلَى بني قُرَيْظَة وَمن ذَلِك أَنه أَمر أَبَا بكر ﵁ بتبليغ سُورَة بَرَاءَة إِلَى الْمُشْركين فِي الْعَام الَّذِي أمره فِيهِ أَن يحجّ بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لَا يبلغهَا إِلَيْهِم إِلَّا رجل مِنْك فَبعث عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي أَثَره ليَكُون هُوَ الْمبلغ للسورة إِلَيْهِم والقصة فِي ذَلِك مَعْرُوفَة فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه كَانَ يعْمل بِرَأْيهِ وَكَانَ لَا يقر إِلَّا على مَا هُوَ الصَّوَاب وَلِهَذَا كَانَ لَا تجوز مُخَالفَته فِي ذَلِك لِأَنَّهُ حِين أقرّ عَلَيْهِ فقد حصل التيقن بِكَوْن الصَّوَاب فِيهِ فَلَا يسع لأحد أَن يُخَالِفهُ فِي ذَلِك فَأَما قَوْله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾

стр. 467

فقد قيل هَذَا فِيمَا يَتْلُو عَلَيْهِ من الْقُرْآن بِدَلِيل أول السُّورَة قَوْله تَعَالَى ﴿والنجم إِذا هوى﴾ أَي وَالْقُرْآن إِذا أنزل وَقيل المُرَاد بالهوى هوى النَّفس الأمارة بالسوء وَأحد لَا يجوز على رَسُول الله ﷺ اتِّبَاع هوى النَّفس أَو القَوْل بِهِ وَلَكِن طَرِيق الاستنباط والرأي غير هوى النَّفس وَهَذَا أَيْضا تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي﴾ ثمَّ فِي قَوْله ﴿إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ مَا يُوضح جَمِيع مَا قُلْنَا لِأَن اتِّبَاع الْوَحْي إِنَّمَا يتم فِي الْعَمَل بِمَا فِيهِ الْوَحْي بِعَيْنِه واستنباط الْمَعْنى فِيهِ لإِثْبَات الحكم فِي نَظِيره وَذَلِكَ بِالرَّأْيِ يكون ثمَّ قد بَينا أَنه مَا كَانَ يقر إِلَّا على الصَّوَاب فَإِذا أقرّ على ذَلِك كَانَ ذَلِك وَحيا فِي الْمَعْنى وَهُوَ يشبه الْوَحْي فِي الِابْتِدَاء على مَا بَينا إِلَّا أَنا شرطنا فِي ذَلِك أَن يَنْقَطِع طمعه عَن الْوَحْي وَهُوَ نَظِير مَا يشْتَرط فِي حق الْأمة للْعَمَل بِالرَّأْيِ الْعرض على الْكتاب وَالسّنة فَإِذا لم يُوجد فِي ذَلِك فَحِينَئِذٍ يُصَار إِلَى اجْتِهَاد الرَّأْي وَنَظِيره من الْأَحْكَام من كَانَ فِي السّفر وَلَا مَاء مَعَه وَهُوَ يَرْجُو وجود المَاء فَعَلَيهِ أَن يطْلب المَاء وَلَا يعجل بِالتَّيَمُّمِ وَإِن كَانَ لَا يَرْجُو وجود المَاء فَحِينَئِذٍ يتَيَمَّم وَلَا يشْتَغل بِالطَّلَبِ فحال غير رَسُول الله مِمَّن يبتلى بحادثة كَحال من لَا يَرْجُو وجود المَاء لِأَنَّهُ لَا طمع لَهُ فِي الْوَحْي فَلَا يُؤَخر الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد وَرَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي فِي كل سَاعَة عَادَة فَكَانَ حَاله فِيمَا يبتلى بِهِ من الْحَوَادِث كَحال من يَرْجُو وجود المَاء فَلهَذَا كَانَ ينْتَظر وَلَا يعجل بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَكَانَ هَذَا الِانْتِظَار فِي حَقه بِمَنْزِلَة التَّأَمُّل فِي النَّص المؤول أَو الْخَفي فِي حق غَيره وَمُدَّة الِانْتِظَار فِي ذَلِك أَن يَنْقَطِع طمعه عَن نزُول الْوَحْي فِيهِ بِأَن كَانَ يخَاف الْفَوْت فَحِينَئِذٍ يعْمل فِيهِ بِالرَّأْيِ ويبينه للنَّاس فَإِذا أقرّ على ذَلِك كَانَت حجَّة قَاطِعَة بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْوَحْي وافقا لما هُوَ فِي الْقُرْآن يَجْعَل صادرا عَن الْقُرْآن وبيانا لما فِيهِ وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ يَجْعَل ذَلِك بَيَان حكم مُبْتَدأ حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه وعَلى هَذَا قُلْنَا بَيَان النَّبِي ﵇ للتيمم فِي حق الْجنب صادر عَمَّا فِي الْقُرْآن وَبِه يتَبَيَّن أَن المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾

стр. 468

فصل قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فعل النَّبِي ﵇ وَقَوله مَتى ورده الْجِمَاع دون الْمس بِالْيَدِ وهم يجْعَلُونَ ذَلِك بَيَان حكم مُبْتَدأ ويحملون قَوْله ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ على الْمس بِالْيَدِ قَالُوا لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك صادرا عَمَّا فِي الْقُرْآن وَيحْتَمل أَن يكون شرع الحكم ابْتِدَاء وَهُوَ فِي الظَّاهِر غير مُتَّصِل بِالْآيَةِ فَيحمل على أَنه بَيَان حكم مُبْتَدأ بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَلِأَن فِي حمله على هَذَا زِيَادَة فَائِدَة وَفِي حمله على مَا قُلْتُمْ تَأْكِيد مَا صَار مَعْلُوما بِالْآيَةِ ببيانه فَحَمله على مَا يُفِيد فَائِدَة جَدِيدَة كَانَ أولى وَحجَّتنَا فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فَفِي هَذَا تنصيص على أَن قَوْله وَفعله فِي حكم الشَّرْع يكون عَن وَحي فَإِذا كَانَ ذَلِك ظَاهرا مَعْلُوما فِي الْوَحْي المتلو عرفنَا أَنه صادر عَن ذَلِك إِذْ لَو لم نجعله صادرا عَن ذَلِك احتجنا إِلَى إِثْبَات وَحي غير متلو فِيهِ وَإِثْبَات الْوَحْي من غير الْحَاجة وَمَعَ الشَّك لَا يجوز وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ أَي ردُّوهُ إِلَى كتاب الله وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ فَإِذا ظهر مِنْهُ حكم فِي حَادِثَة وَذَلِكَ الحكم مَوْجُود فِيمَا أنزل الله عرفنَا أَنه حكم فِيهِ بِمَا أنزل الله لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُخَالف مَا أَمر بِهِ وَلِأَن الصَّحَابَة ﵃ فَهموا ذَلِك من أَفعاله فَإِنَّهُم حملُوا قطعه يَد السَّارِق على الْوُجُوب وأداءه الصَّلَاة فِي مواقيتها على الْوُجُوب وَقد بَينا أَن مُطلق فعله لَا يدل على ذَلِك فلولا أَنهم علمُوا أَن فعله ذَلِك صادر عَن الْآيَات الدَّالَّة على الْوُجُوب نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ لاستفسروه وطلبوا مِنْهُ بَيَان صفة فعله وَحَيْثُ لم يشتغلوا بذلك عرفنَا أَنهم علمُوا أَن فعله ذَلِك مِنْهُ صادر عَن الْآيَة فَأَما مَأْمُور بِاتِّبَاع مَا فِي الْقُرْآن كَغَيْرِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون﴾ فَسقط دَعوَاهُم الِاحْتِمَال

стр. 469

سَاقِط فَإِن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِنْهُ صادر عَن الْقُرْآن لِأَنَّهُ اعْتِبَار الِاحْتِمَال مَعَ هَذَا الظَّاهِر وَقَوْلهمْ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة سَاقِط فَإِن إِثْبَات هَذِه الزِّيَادَة لَا يُمكن إِلَّا بعد إِثْبَات وَحي بِالشَّكِّ وَمن غير حَاجَة إِلَيْهِ وَقد بَينا أَن ذَلِك لَا يجوز فصل قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فعل النَّبِي ﵇ مَتى كَانَ على وَجه الْبَيَان لما فِي الْقُرْآن وَحصل ذَلِك مِنْهُ فِي مَكَان أَو زمَان فالبيان يكون وَاقعا بِفِعْلِهِ وَبِمَا هُوَ من صِفَاته عِنْد الْفِعْل فَأَما الْمَكَان وَالزَّمَان لَا يكون شرطا فِيهِ وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ الْبَيَان مِنْهُ بالمداومة على فعل مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي مَكَان أَو على فعل وَاجِب فِي مَكَان أَو زمَان يدل على أَن ذَلِك الْمَكَان وَالزَّمَان شَرط فِيهِ وعَلى هَذَا قُلْنَا إِحْرَام النَّبِي ﷺ بِالْحَجِّ فِي أشهر الْحَج لَا يكون بَيَانا فِي أَن الْإِحْرَام تخْتَص صِحَّته بالوجود فِي أشهر الْحَج حَتَّى يجوز الْإِحْرَام بِالْحَجِّ قبل أشهر الْحَج وَكَذَلِكَ فعله رَكْعَتي الطّواف فِي مقَام إِبْرَاهِيم لَا يكون بَيَانا أَن رَكْعَتي الطّواف تخْتَص بِالْأَدَاءِ فِي ذَلِك الْمَكَان وعَلى قَول الشَّافِعِي ﵀ ينْتَصب الزَّمَان شرطا ببيانه وَالْمَكَان فِي أحد الْوَجْهَيْنِ أَيْضا قَالَ لِأَن مداومته على ذَلِك فِي مَكَان بِعَيْنِه أَو زمَان بِعَيْنِه لَو لم يحمل على وَجه الْبَيَان لم يبْق لَهُ فَائِدَة أُخْرَى وَقد علمنَا أَنه مَا داوم على ذَلِك إِلَّا لفائدة ثمَّ قَاس هَذَا بمداومته على فعل الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة فِي الْأَوْقَات الْمَخْصُوصَة والأمكنة الطاهرة فَإِن ذَلِك بَيَان مِنْهُ لوُجُوب مُرَاعَاة ذَلِك الزَّمَان وَالْمَكَان فِي أَدَاء الْفَرَائِض فَكَذَلِك فِي سَائِر أَفعاله وَلَكنَّا نقُول الْبَيَان إِنَّمَا يحصل بِفِعْلِهِ وَالْمَكَان وَالزَّمَان لَيْسَ من فعله فِي شَيْء فَمَا كَانَ الْمَكَان وَالزَّمَان إِلَّا بِمَنْزِلَة فعل غَيره وَغَيره وَإِن ساعده الْمَكَان الَّذِي يُوجد فِيهِ الْفِعْل أَو الزَّمَان الَّذِي يُوجد فِيهِ الْفِعْل لَا يكون لَهُ حَظّ فِي حُصُول الْبَيَان بِهِ بل بِجعْل الْبَيَان حَاصِلا بِفِعْلِهِ فَقَط إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ أَمر مُجمل فِي حق الزَّمَان مُحْتَاجا إِلَى الْبَيَان أَو فِي حق الْمَكَان كَمَا فِي بَاب الصَّلَاة فَإنَّا نعلم فرضيتها فِي بعض الْأَوْقَات (الْمَخْصُوصَة) واختصاص جَوَاز أَدَائِهَا بِبَعْض الْأَمْكِنَة بِالنَّصِّ فَيكون فعله فِي الْأَوْقَات الْمَخْصُوصَة والأمكنة الطاهرة بَيَانا للمجمل فِي ذَلِك كُله فَأَما فعله فِي بَاب الْحَج بَيَان لقَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ وَذَلِكَ حَاصِل على ذَلِك الْفِعْل فَإِن الْبَيَان يكون حَاصِلا بِفِعْلِهِ لَا بِفعل غَيره

стр. 470

فَكَذَلِك بِالْفِعْلِ لَا بِالْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَمر مُجمل لاخْتِصَاص عقد الْإِحْرَام بِالْحَجِّ بِبَعْض الْأَوْقَات دون الْبَعْض وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا نَظِير مُبَاشرَة الطَّهَارَة بِالْمَاءِ فِي الْوَقْت فَإِن ذَلِك كَانَ بَيَانا مِنْهُ لأصل الطَّهَارَة الْمَأْمُور بهَا فِي الْكتاب وَلم يكن بَيَانا فِي التَّخْصِيص فِي الْوَقْت حَتَّى تجوز الطَّهَارَة بِالْمَاءِ قبل دُخُول الْوَقْت بِلَا خلاف فصل فِي بَيَان شرائع من قبلنَا اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْفَصْل على أقاويل فَمنهمْ من قَالَ مَا كَانَ شَرِيعَة لنَبِيّ فَهُوَ بَاقٍ أبدا حَتَّى يقوم دَلِيل النّسخ فِيهِ وكل من يَأْتِي فَعَلَيهِ أَن يعْمل بِهِ على أَنه شَرِيعَة ذَلِك النَّبِي ﵇ مَا لم يظْهر ناسخه وَقَالَ بَعضهم شَرِيعَة كل نَبِي تَنْتَهِي ببعث نَبِي آخر بعده حَتَّى لَا يعْمل بِهِ إِلَّا أَن يقوم الدَّلِيل على بَقَائِهِ وَذَلِكَ بِبَيَان من النَّبِي الْمَبْعُوث بعده وَقَالَ بَعضهم شرائع من قبلنَا يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ على أَن ذَلِك شَرِيعَة لنبينا ﵇ فِيمَا لم يظْهر دَلِيل النّسخ فِيهِ وَلَا يفصلون بَين مَا يصير مَعْلُوما من شرائع من قبلنَا بِنَقْل أهل الْكتاب أَو بِرِوَايَة الْمُسلمين عَمَّا فِي أَيْديهم من الْكتاب وَبَين مَا ثَبت من ذَلِك بِبَيَان فِي الْقُرْآن أَو السّنة وَأَصَح الْأَقَاوِيل عندنَا أَن مَا ثَبت بِكِتَاب الله أَنه كَانَ شَرِيعَة من قبلنَا أَو بِبَيَان من رَسُول الله ﷺ فَإِن علينا الْعَمَل بِهِ على أَنه شَرِيعَة لنبينا ﵇ مَا لم يظْهر ناسخه فَأَما مَا علم بِنَقْل دَلِيل مُوجب للْعلم على أَنهم حرفوا الْكتب فَلَا يعْتَبر نقلهم فِي ذَلِك لتوهم أَن الْمَنْقُول من جملَة مَا حرفوا وَلَا يعْتَبر فهم الْمُسلمين ذَلِك مِمَّا فِي أَيْديهم من الْكتب لجَوَاز أَن يكون ذَلِك من جملَة مَا غيروا وبدلوا وَالدَّلِيل على أَن الْمَذْهَب هَذَا أَن مُحَمَّدًا قد اسْتدلَّ فِي كتاب الشّرْب على جَوَاز الْقِسْمَة بطرِيق الْمُهَايَأَة فِي الشّرْب بقوله تَعَالَى ﴿ونبئهم أَن المَاء﴾ أهل الْكتاب أَو بفهم الْمُسلمين

стр. 471

من كتبهمْ فَإِنَّهُ لَا يجب اتِّبَاعه لقِيَام ﴿قسْمَة بَينهم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَذِه نَاقَة لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم﴾ وَإِنَّمَا أخبر الله تَعَالَى ذَلِك عَن صَالح ﵇ وَمَعْلُوم أَنه مَا اسْتدلَّ بِهِ إِلَّا بعد اعْتِقَاده بَقَاء ذَلِك الحكم شَرِيعَة لنبينا ﵇ وَاسْتدلَّ أَبُو يُوسُف على جَرَيَان الْقصاص بَين الذّكر وَالْأُنْثَى بقوله تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ وَبِه كَانَ يسْتَدلّ الْكَرْخِي على جَرَيَان الْقصاص بَين الْحر وَالْعَبْد وَالْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالشَّافِعِيّ فِي هَذَا لَا يخالفنا وَقد اسْتدلَّ برجم النَّبِي ﷺ الْيَهُودِيين بِحكم التَّوْرَاة كَمَا نَص عَلَيْهِ بقوله أَنا أَحَق من أَحْيَا سنة أماتوها على وجوب الرَّجْم على أهل الْكتاب وعَلى أَن ذَلِك صَار شَرِيعَة لنبينا وَنحن لَا ننكر ذَلِك أَيْضا وَلَكنَّا ندعي انتساخ ذَلِك بطرِيق زِيَادَة شَرط الْإِحْصَان لإِيجَاب الرَّجْم فِي شريعتنا ولمثل هَذِه الزِّيَادَة حكم النّسخ عندنَا وَبَين الْمُتَكَلِّمين اخْتِلَاف فِي أَن النَّبِي ﵇ قبل نزُول الْوَحْي (عَلَيْهِ) هَل كَانَ متعبدا بشريعة من قبله فَمنهمْ من أَبى ذَلِك وَمِنْهُم من توقف فِيهِ وَمِنْهُم من قَالَ كَانَ متعبدا بذلك وَلَكِن مَوضِع بَيَان هَذَا الْفَصْل أصُول التَّوْحِيد فَإنَّا نذْكر هَهُنَا مَا يتَّصل بأصول الْفِقْه فَأَما الْفَرِيق الأول قَالُوا صفة الْإِطْلَاق فِي الشَّيْء يَقْتَضِي التَّأْبِيد فِيهِ إِذا كَانَ مُحْتملا للتأبيد فالتوقيت يكون زِيَادَة فِيهِ لَا يجوز إثْبَاته إِلَّا بِالدَّلِيلِ ثمَّ الرَّسُول الَّذِي كَانَ الحكم شَرِيعَة لَهُ لم يخرج من أَن يكون رَسُولا برَسُول آخر بعث بعده فَكَذَلِك شَرِيعَته لَا تخرج من أَن تكون مَعْمُولا بهَا وَإِن بعث بعده رَسُول آخر مَا لم يقم دَلِيل النّسخ فِيهِ أَلا ترى أَن علينا الْإِقْرَار بالرسل كلهم وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله لَا نفرق بَين أحد من رسله﴾

стр. 472

فَكَذَلِك مَا ثَبت شَرِيعَة لرَسُول فَمَا لم يظْهر ناسخه فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النّسخ فِي كَونه بَاقِيا مَعْمُولا بِهِ يُوضحهُ أَن مَا ثَبت شَرِيعَة لرَسُول فقد ثبتَتْ الحقية فِيهِ وَكَونه مرضيا عِنْد الله وَبعث الرُّسُل لبَيَان مَا هُوَ مرضِي عِنْد الله فَمَا علم كَونه مرضيا قبل بعث رَسُول آخر لَا يخرج من أَن يكون مرضيا ببعث رَسُول آخر وَإِذا بَقِي مرضيا كَانَ مَعْمُولا بِهِ كَمَا كَانَ قبل بعث الرَّسُول الثَّانِي وَبِهَذَا تبين الْفرق أَن الأَصْل هُوَ الْمُوَافقَة فِي شرائع الرُّسُل إِلَّا أذا تبين تَغْيِير حكم بِدَلِيل النّسخ فَأَما الْفَرِيق الثَّانِي فقد استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ فتخصيص بني إِسْرَائِيل يكون التَّوْرَاة هدى لَهُم يكون دَلِيلا على أَنه لَا يلْزمنَا الْعَمَل بِمَا فِيهِ إِلَّا أَن يقوم دَلِيل يُوجب الْعَمَل بِهِ فِي شريعتنا وَلِأَن بعث الرُّسُل لبَيَان مَا بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى بَيَانه وَإِذا لم تجْعَل شَرِيعَة رَسُول منتهية ببعث رَسُول آخر لم يكن بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى الْبَيَان عِنْد بعث الثَّانِي لِأَن ذَلِك مُبين عِنْدهم بِالطَّرِيقِ الْمُوجب للْعلم فَمن هَذَا الْوَجْه يتَبَيَّن أَن بعث رَسُول آخر دَلِيل النّسخ لشريعة كَانَت قبله وَلِهَذَا جعلنَا هَذَا كالنسخ فِيمَا يحْتَمل النّسخ دون مَا لَا يحْتَمل النّسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدّين أَلا ترى أَن الرُّسُل ﵈ مَا اخْتلفُوا فِي شَيْء من ذَلِك أصلا وَلَا وَصفا وَلَا يجوز أَن يكون بَينهم فِيهِ خلاف وَلِهَذَا انْقَطع القَوْل بِبَقَاء شَرِيعَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ إِلَى قيام السَّاعَة لعلمنا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ أَنه لَا نَبِي بعده حَتَّى يكون نَاسِخا لشريعته يُوضحهُ أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ قبل نَبينَا أَكْثَرهم إِنَّمَا بعثوا إِلَى قوم مخصوصين ورسولنا هُوَ الْمَبْعُوث إِلَى النَّاس كَافَّة على مَا قَالَ ﵇ أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَقد كَانَ النَّبِي قبلي يبْعَث إِلَى قومه الحَدِيث فَإِذا ثَبت أَنه قد كَانَ فِي الْمُرْسلين من يكون وجوب الْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ على أهل مَكَان دون أهل مَكَان آخر وَإِن كَانَ ذَلِك مرضيا عِنْد الله تَعَالَى علمنَا أَنه يجوز أَن يكون وجوب الْعَمَل بِهِ على أهل زمَان دون أهل نبيين فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مكانين على أَن يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى شَرِيعَته فَعرفنَا أَنه يجوز مثل ذَلِك فِي زمانين وَأَن الْمَبْعُوث آخرا يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وَيَأْمُر النَّاس باتباعه وَلَا يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بشريعة من قبله فَتعين الْكَلَام فِي نَبينَا فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى اتِّبَاعه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَإِنَّمَا يَأْمر بِالْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ فَلَو بقيت زمَان آخر

стр. 473

وَإِن كَانَ (ذَلِك) منتهيا ببعث نَبِي آخر وَقد كَانَ يجوز اجْتِمَاع شرائع من قبلنَا مَعْمُولا بهَا بعد مبعثه لدعا النَّاس إِلَى الْعَمَل بذلك ولكان يجب عَلَيْهِ أَن يعلم ذَلِك أَصْحَابه ليتمكنوا من الْعَمَل بِهِ وَلَو فعل ذَلِك لنقل إِلَيْنَا نقلا مستفيضا وَالْمَنْقُول إِلَيْنَا مَنعه إيَّاهُم عَن ذَلِك فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه ﵊ (لما رأى صحيفَة فِي يَد عمر سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ هِيَ التَّوْرَاة فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه وَقَالَ أمتهوكون كَمَا تهوكت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالله لَو كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَبِهَذَا اللَّفْظ يتَبَيَّن أَن الرَّسُول الْمُتَقَدّم ببعث رَسُول آخر يكون كالواحد من أمته فِي لُزُوم اتِّبَاع شَرِيعَته لَو كَانَ حَيا وَعَلِيهِ دلّ كتاب الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ﴾ فَأخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم بذلك من أبين الدَّلَائِل على أَنهم بِمَنْزِلَة أمة من بعث آخرا فِي وجوب اتِّبَاعه وَبِهَذَا ظهر شرف نَبينَا ﵇ فَإِنَّهُ لَا نَبِي بعده فَكَانَ الْكل مِمَّن تقدم وَمِمَّنْ تَأَخّر فِي حكم المتبع لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقلب يطيعه الرَّأْس ويتبعه الرجل والفريق الثَّالِث استدلوا بِهَذَا الْكَلَام أَيْضا وَلَكِن بطرِيق أَن مَا كَانَ شَرِيعَة لمن قبلنَا يصير شَرِيعَة لنبينا ﷺ وَمن تقدم فِي الْعَمَل بِهِ يكون مُتبعا لَهُ وَفِي حكم الْعَامِل بِشَرِيعَتِهِ من هَذَا الْوَجْه فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَمَا يكون منتهيا مَنْسُوخا لَا يكون مُتبعا فبهذه النُّصُوص يتَبَيَّن أَنه مُتبع ﵇ وَيجب على النَّاس الْعَمَل بِهِ بطرِيق أَنه شَرِيعَة لَهُ حَتَّى يقوم دَلِيل نسخه فِي شَرِيعَته أَلا ترى أَنه قد اجْتمع نبيان فِي وَقت وَاحِد وَفِي مَكَان وَاحِد فِيمَن قبلنَا على أَن كَانَ أَحدهمَا تبعا للْآخر نَحْو هَارُون مَعَ مُوسَى وَلُوط مَعَ إِبْرَاهِيم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَآمن لَهُ لوط﴾ فَكَانَت الشَّرِيعَة وَأَنه مِلَّة إِبْرَاهِيم فَلم يبْق

стр. 474

طَرِيق سوى أَن نقُول قد صَار ذَلِك شَرِيعَة لنبينا لأَحَدهمَا وَالْآخر نَبِي مُرْسل وَهُوَ مَأْمُور باتباعه وَالْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وَلَا يجوز القَوْل باجتماع نبيين فِي وَقت وَاحِد وَمَكَان وَاحِد على أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا شَرِيعَة تخَالف شَرِيعَة الآخر فِي وَقت من الْأَوْقَات وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وَمَعْلُوم أَن الْهدى فِي أصل الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع جَمِيعًا فَإِن قيل المُرَاد بِهِ الْأَمر بالاقتداء بهم فِي أصل الدّين فَإِنَّهُ مَبْنِيّ على مَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله﴾ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد كَانَ فِي الْمَذْكُورين من لم يكن نَبيا فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَمن آبَائِهِم وذرياتهم وإخوانهم﴾ وَمَعْلُوم أَن الْأَمر بالاقتداء فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون فِي غير الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي أصل الدّين وَلِأَنَّهُ قد كَانَ فِي شرائعهم النَّاسِخ والمنسوخ فَالْأَمْر باللاقتداء بهم فِي الْأَحْكَام على الْإِطْلَاق يكون آمرا بِالْعَمَلِ بشيئين مُخْتَلفين متضادين وَذَلِكَ غير جَائِز قُلْنَا فِي الْآيَة تنصيص على الِاقْتِدَاء بهداهم وَذَلِكَ يعم أصل الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين﴾ أَنه يدلنا على أَن الْهدى كل مَا يجب الاتقاء فِيهِ وَمَا يكون الْمُهْتَدي فِيهِ متقيا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ﴾ وَالْحكم إِنَّمَا يكون بالشرائع وَلما سُئِلَ مُجَاهِد عَن سَجْدَة ص قَالَ سجدها دَاوُد وَهُوَ مِمَّن أَمر نَبِيكُم بِأَن يَقْتَدِي بِهِ وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿فبهداهم اقتده﴾ فَبِهَذَا تبين أَن هَذَا أَمر مُبْتَدأ غير مَبْنِيّ على مَا سبق فعمومه يتَنَاوَل أصل الدّين والشرائع جَمِيعًا وَقَوله فِيهَا نَاسخ ومنسوخ قُلْنَا وَفِي شريعتنا أَيْضا نَاسخ ومنسوخ ثمَّ لم يمْنَع ذَلِك إِطْلَاق القَوْل بِوُجُوب الِاقْتِدَاء علينا برَسُول الله صلى الله وَقَوله قد كَانَ فيهم من لَيْسَ بِنَبِي لَا كَذَلِك فقد ألحق بِهِ من الْبَيَان مَا يعلم بِهِ أَن المُرَاد الْأَنْبِيَاء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿واجتبيناهم وهديناهم﴾

стр. 475

عَلَيْهِ وَسلم فِي شَرِيعَته ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾ مَعَ أَن الْأَمر بالاقتداء يعلم أَنه لَا يتَنَاوَل إِلَّا من يعلم أَنه مرضِي الطَّرِيقَة مقتدي بِهِ من نَبِي أَو ولي والأولياء على طَريقَة الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الْعَمَل بشرائعهم فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن المُرَاد هُوَ الْأَمر بالاقتداء بالأنبياء ﵈ وَمَعْلُوم أَنه مَا أَمر بالاقتداء بهم فِي دُعَاء النَّاس إِلَى شريعتهم وَإِنَّمَا أَمر بذلك على أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى شَرِيعَته فَعرفنَا بِهَذَا أَن ذَلِك كُله صَار شَرِيعَة لَهُ بِمَنْزِلَة الْملك ينْتَقل من الْمُورث إِلَى الْوَارِث فَيكون ذَلِك الْملك بِعَيْنِه مُضَافا إِلَى الْوَارِث بَعْدَمَا كَانَ مُضَافا إِلَى الْمُورث فِي حَيَاته وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا﴾ فَأَما قَوْله ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ قد عرفنَا يَقِينا أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْمُخَالفَة فِي الْمِنْهَاج فِي الْكل بل ذَلِك مُرَاد فِي الْبَعْض وَهُوَ مَا قَامَ الدَّلِيل فِيهِ على انتساخه وَقَوله ﴿هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ لَا يدل على أَنه لَيْسَ بهدى لغَيرهم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ وَالْقُرْآن هدى للنَّاس أجمع وأيد هَذَا دُعَاء رَسُول الله ﵊ بِالتَّوْرَاةِ وَطلب حكم الرَّجْم مِنْهُ للْعَمَل بِهِ وَقَوله أَنا أَحَق من أَحْيَا سنة أماتوها فَإِن إحْيَاء سنة أميتت إِنَّمَا يكون بِالْعَمَلِ بهَا فَعرفنَا أَن التَّوْرَاة هدى لبني إِسْرَائِيل ولغيرهم وأيد جَمِيع مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ وَلَا معنى لذَلِك سوى أَن مَا فِيهِ يصير شَرِيعَة لنبينا بِمَا أنزل عَلَيْهِ من الْكتاب إِلَّا مَا ثَبت نسخه وَهَذَا هُوَ القَوْل الصَّحِيح عندنَا إِلَّا أَنه قد ظهر من أهل الْكتاب الْحَسَد وَإِظْهَار الْعَدَاوَة مَعَ الْمُسلمين فَلَا يعْتَمد قَوْلهم فِيمَا يَزْعمُونَ أَنه من شريعتهم وَأَن ذَلِك قد انْتقل إِلَيْهِم بالتواتر وَلَا تقبل شَهَادَتهم فِي ذَلِك لثُبُوت كفرهم وضلالهم فَلم يبْق لثُبُوت ذَلِك طَرِيق سوى نزُول الْقُرْآن بِهِ أَو بَيَان الرَّسُول لَهُ فَمَا وجد فِيهِ هَذَا الطَّرِيق فعلينا تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ الِاتِّبَاع وَالْعَمَل بِهِ حَتَّى يقوم دَلِيل

стр. 476

النّسخ وأيد مَا ذكرنَا قَوْله ﴿فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَمَعْلُوم أَنهم مَا كَانُوا يمتنعون من الْعَمَل بِأَحْكَام التَّوْرَاة وَإِنَّمَا كَانُوا يمتنعون من الْعَمَل بِهِ على طَرِيق أَنه شَرِيعَة رَسُولنَا فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يقرونَ برسالته وَقد سماهم الله كَافِرين ظالمين ممتنعين من الحكم بِمَا أنزل الله وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَإِنَّمَا سماهم فاسقين لتركهم الْعَمَل بِمَا فِي الْإِنْجِيل على أَنه شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن ذَلِك كُله قد صَار شَرِيعَة لنبينا ﵇ وَأَنه يجب اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ على أَنه شَرِيعَة نَبينَا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾ تنصيص على أَنه مَعْمُول بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَن أقِيمُوا الدّين﴾ وَالدّين اسْم لكل مَا يدان الله بِهِ فَتدخل الْأَحْكَام فِي ذَلِك وَيظْهر أَن ذَلِك كُله قد صَار شَرِيعَة لنبينا فَيجب اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ إِلَّا مَا قَامَ دَلِيل النّسخ فِيهِ فصل فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قولا وَلَا يعرف لَهُ مُخَالف حكى أَبُو عَمْرو بن دانيكا الطَّبَرِيّ عَن أبي سعيد البردعي ﵀ أَنه كَانَ يَقُول قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة مقدم على الْقيَاس يتْرك الْقيَاس بقوله وعَلى هَذَا أدركنا مَشَايِخنَا وَذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن أبي الْحسن الْكَرْخِي ﵀ أَنه كَانَ يَقُول أرى أَبَا يُوسُف يَقُول فِي بعض مسَائِله الْقيَاس كَذَا إِلَّا أَنِّي تركته للأثر وَذَلِكَ الْأَثر قَول وَاحِد من الصَّحَابَة فَهَذِهِ دلَالَة بَيِّنَة من مذْهبه على تَقْدِيم قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس قَالَ وَأما أَنا فَلَا يُعجبنِي هَذَا الْمَذْهَب وَهَذَا الَّذِي ذكره الْكَرْخِي عَن أبي يُوسُف مَوْجُود فِي كثير من الْمسَائِل عَن أَصْحَابنَا فقد قَالُوا فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إنَّهُمَا سنتَانِ فِي الْقيَاس فِي الْجَنَابَة وَالْوُضُوء جَمِيعًا تركنَا

стр. 477

الْقيَاس لقَوْل ابْن عَبَّاس وَقَالُوا فِي الدَّم إِذا ظهر على رَأس الْجرْح وَلم يسل فَهُوَ نَاقض للطَّهَارَة فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لقَوْل ابْن عَبَّاس وَقَالُوا فِي الْإِغْمَاء إِذا كَانَ يَوْمًا وَلَيْلَة أَو أقل فَإِنَّهُ يمْنَع قَضَاء الصَّلَوَات فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لفعل عمار بن يَاسر ﵄ وَقَالُوا فِي إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه إِنَّه جَائِز فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لقَوْل ابْن عمر ﵄ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله فِيمَن اشْترى شَيْئا على أَنه (إِن) لم ينْقد الثّمن إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا بيع بَينهمَا فَالْعقد فَاسد فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لأثر يرْوى عَن ابْن عمر وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِعْلَام قدر رَأس المَال فِيمَا يتَعَلَّق العقد على قدره شَرط لجَوَاز السّلم بلغنَا نَحْو ذَلِك عَن ابْن عمر ﵄ وَخَالفهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بِالرَّأْيِ وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِذا ضَاعَ الْعين فِي يَد الْأَجِير الْمُشْتَرك بِمَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ فَهُوَ ضَامِن لأثر رُوِيَ فِيهِ عَن عَليّ ﵁ وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا ضَمَان عَلَيْهِ فَأخذ بِالرَّأْيِ مَعَ الرِّوَايَة بِخِلَافِهِ عَن عَليّ وَقَالَ مُحَمَّد لَا تطلق الْحَامِل أَكثر من وَاحِدَة للسّنة بلغنَا ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر ﵄ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف بِالرَّأْيِ إِنَّهَا تطلق ثَلَاثًا للسّنة فَعرفنَا أَن عمل عُلَمَائِنَا بِهَذَا فِي مسائلهم مُخْتَلف ول لشافعي فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ كَانَ يَقُول فِي الْقَدِيم يقدم قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس وَهُوَ قَول مَالك وَفِي الْجَدِيد كَانَ يَقُول يقدم الْقيَاس فِي الْعَمَل بِهِ على قَول الْوَاحِد والاثنين من الصَّحَابَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْكَرْخِي وَبَعض أهل الحَدِيث يخصون بترك الْقيَاس فِي مُقَابلَة قَوْلهم الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ويستدلون بقوله ﵇ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي وَبِقَوْلِهِ ﵇ اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر فَظَاهر الْحَدِيثين يَقْتَضِي وجوب اتباعهما وَإِن خالفهما غَيرهمَا من الصَّحَابَة وَلَكِن يتْرك هَذَا الظَّاهِر عِنْد ظُهُور الْخلاف بِقِيَام الدَّلِيل فَبَقيَ حَال ظُهُور قَوْلهمَا من غير مُخَالف لَهَا على مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر وَأما الْكَرْخِي فقد احْتج بقوله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَالِاعْتِبَار هُوَ الْعَمَل بِالْقِيَاسِ والرأي فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ يَعْنِي إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَقد دلّ عَلَيْهِ

стр. 478

حَدِيث معَاذ حِين قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ بِمَ تقضي قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله قَالَ بِسنة رَسُول الله قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي سنة رَسُول الله قَالَ اجْتهد رَأْيِي فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضى بِهِ رَسُوله فَهَذَا دَلِيل على أَنه لَيْسَ بعد الْكتاب وَالسّنة شَيْء يعْمل بِهِ سوى الرَّأْي قَالَ وَلَا حجَّة لكم فِي قَوْله ﵇ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ لِأَن المُرَاد الِاقْتِدَاء بهم فِي الجري على طريقهم فِي طلب الصَّوَاب فِي الْأَحْكَام لَا فِي تقليدهم وَقد كَانَت طريقتهم الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد أَلا ترى أَنه شبههم بالنجوم وَإِنَّمَا يَهْتَدِي بِالنَّجْمِ من حَيْثُ الِاسْتِدْلَال بِهِ على الطَّرِيق بِمَا يدل عَلَيْهِ لَا أَن نفس النَّجْم يُوجب ذَلِك وَهُوَ تَأْوِيل قَوْله اقتدوا بالذين من بعدِي وَعَلَيْكُم بِسنة الْخُلَفَاء من بعدِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي سلوك طريقهم فِي اعْتِبَار الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى فقد ظهر من الصَّحَابَة الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ ظهورا لَا يُمكن إِنْكَاره والرأي قد يخطىء فَكَانَ فَتْوَى الْوَاحِد مِنْهُم مُحْتملا مترددا بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ وَلَا يجوز ترك الرَّأْي بِمثلِهِ كَمَا لَا يتْرك بقول التَّابِعِيّ وكما لَا يتْرك أحد الْمُجْتَهدين فِي عصر رَأْيه بقول مُجْتَهد آخر وَالدَّلِيل على أَن الْخَطَأ مُحْتَمل فِي فتواهم مَا رُوِيَ أَن عمر سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فَقَالَ رجل هَذَا هُوَ الصَّوَاب فَقَالَ وَالله مَا يدْرِي عمر أَن هَذَا هُوَ الصَّوَاب أَو الْخَطَأ وَلَكِنِّي لم آل عَن الْحق وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ فِيمَا أجَاب بِهِ فِي المفوضة وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان فَعرفنَا أَنه قد كَانَ جِهَة الْخَطَأ مُحْتملا فِي فتواهم وَلَا يُقَال هَذَا فِي إِجْمَاعهم مَوْجُود إِذا صدر عَن رَأْي ثمَّ كَانَ حجَّة لِأَن الرَّأْي إِذا تأيد بِالْإِجْمَاع تتَعَيَّن جِهَة الصَّوَاب فِيهِ بِالنَّصِّ قَالَ ﵇ إِن الله لَا يجمع أمتِي على الضَّلَالَة أَلا ترى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر يَجْعَل حجَّة بِهَذَا الطَّرِيق وَإِن لم يكن قَول الْوَاحِد مِنْهُم مقدما على الرَّأْي فِي الْعَمَل بِهِ وَلِأَنَّهُ لم يظْهر مِنْهُم دُعَاء النَّاس إِلَى أقاويلهم وَلَو كَانَ قَول الْوَاحِد مِنْهُم مقدما على الرَّأْي لدعا النَّاس إِلَى قَوْله كَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو النَّاس إِلَى الْعَمَل بقوله وكما كَانَت الصَّحَابَة تَدْعُو النَّاس إِلَى الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وَإِلَى الْعَمَل

стр. 479

بإجماعهم فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذْ الدُّعَاء إِلَى الْحجَّة وَاجِب وَلِأَن قَول الْوَاحِد مِنْهُم لَو كَانَ حجَّة لم يجز لغيره مُخَالفَته بِالرَّأْيِ كالكتاب وَالسّنة وَقد رَأينَا أَن بَعضهم يُخَالف بَعْضًا بِرَأْيهِ فَكَانَ ذَلِك شبه الِاتِّفَاق مِنْهُم على أَن قَول الْوَاحِد مِنْهُم لَا يكون مقدما على الرَّأْي وَلَا يدْخل على هَذَا إِجْمَاعهم فَإِن مَعَ بَقَاء الْوَاحِد مِنْهُم مُخَالفا لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع وَبعد مَا ثَبت الْإِجْمَاع باتفاقهم لَو بدا لأَحَدهم فَخَالف لم يعْتد بِخِلَافِهِ أَيْضا على مَا بَينا أَن انْقِرَاض الْعَصْر لَيْسَ بِشَرْط لثُبُوت حكم الْإِجْمَاع وَأَن مُخَالفَة الْإِجْمَاع بعد انْعِقَاده كمخالفة النَّص وَجه مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو سعيد البردعي وَهُوَ الْأَصَح أَن فَتْوَى الصَّحَابِيّ فِيهِ احْتِمَال الرِّوَايَة عَمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فقد ظهر من عَادَتهم أَن من كَانَ عِنْده نَص فَرُبمَا روى وَرُبمَا أفتى على مُوَافقَة النَّص مُطلقًا من غير الرِّوَايَة وَلَا شكّ أَن مَا فِيهِ احْتِمَال السماع من صَاحب الْوَحْي فَهُوَ مقدم على مَحْض الرَّأْي فَمن هَذَا الْوَجْه تَقْدِيم قَول الصَّحَابِيّ على الرَّأْي بِمَنْزِلَة تَقْدِيم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس وَلَئِن كَانَ قَوْله صادرا عَن الرَّأْي فرأيهم أقوى من رَأْي غَيرهم لأَنهم شاهدوا طَرِيق رَسُول الله ﷺ فِي بَيَان أَحْكَام الْحَوَادِث وشاهدوا الْأَحْوَال الَّتِي نزلت فِيهَا النُّصُوص والمحال الَّتِي تَتَغَيَّر باعتبارها الْأَحْكَام فبهذه الْمعَانِي يتَرَجَّح رَأْيهمْ على رَأْي من لم يُشَاهد شَيْئا من ذَلِك وَعند تعَارض الرأيين إِذا ظهر لأَحَدهمَا نوع تَرْجِيح وَجب الْأَخْذ بذلك فَكَذَلِك إِذا وَقع التَّعَارُض بَين رَأْي الْوَاحِد منا ورأي الْوَاحِد مِنْهُم يجب تَقْدِيم رَأْيه على رَأينَا لزِيَادَة قُوَّة فِي رَأْيه وَهَكَذَا نقُول فِي الْمُجْتَهدين فِي زَمَاننَا فَإِن على أصل أبي حنيفَة إِذا كَانَ عِنْد مُجْتَهد أَن من يُخَالِفهُ فِي الرَّأْي أعلم بطرِيق الِاجْتِهَاد وَأَنه مقدم عَلَيْهِ فِي الْعلم فَإِنَّهُ يدع رَأْيه لرأي من عرف زِيَادَة قُوَّة فِي اجْتِهَاده كَمَا أَن الْعَاميّ يدع رَأْيه لرأي الْمُفْتِي الْمُجْتَهد لعلمه بِأَنَّهُ مُتَقَدم عَلَيْهِ فِيمَا يفصل بِهِ بَين النَّاسِخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا يدع الْمُجْتَهد فِي زَمَاننَا رَأْيه لرأي من هُوَ مقدم عَلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد من أهل عصره لوُجُود الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي الْحَال وَفِي معرفَة طَرِيق الِاجْتِهَاد وَلَكِن هَذَا لَا يُوجد فِيمَا بَين الْمُجْتَهد منا والمجتهد من الصَّحَابَة فالتفاوت بَينهمَا فِي الْحَال لَا يخفى

стр. 480

وَفِي طَرِيق الْعلم كَذَلِك فهم قد شاهدوا أَحْوَال من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وسمعوا مِنْهُ وَإِنَّمَا انْتقل إِلَيْنَا ذَلِك بخبرهم وَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن تَأْوِيل الصَّحَابِيّ للنَّص لَا يكون مقدما على تَأْوِيل غَيره وَلم يعْتَبر فِيهِ هَذِه الْأَحْوَال فَكَذَلِك فِي الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ قُلْنَا لِأَن التَّأْوِيل يكون بِالتَّأَمُّلِ فِي وُجُوه اللُّغَة ومعاني الْكَلَام وَلَا مزية لَهُم فِي ذَلِك الْبَاب على غَيرهم مِمَّن يعرف من مَعَاني اللِّسَان مثل ذَلِك فَأَما الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام إِنَّمَا يكون بِالتَّأَمُّلِ فِي النُّصُوص الَّتِي هِيَ أصل فِي أَحْكَام الشَّرْع وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال ولأجله تظهر لَهُم المزية بمشاهدة أَحْوَال الْخطاب على غَيرهم مِمَّن لم يُشَاهد وَلَا يُقَال هَذِه أُمُور باطنة وَإِنَّمَا أمرنَا بِبِنَاء الحكم على مَا هُوَ الظَّاهِر لِأَن بِنَاء الحكم على الظَّاهِر مُسْتَقِيم عندنَا وَلَكِن فِي مَوضِع يتَعَذَّر اعتبارهما جَمِيعًا فَأَما عِنْد الْمُقَابلَة لَا إِشْكَال أَن اعْتِبَار الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا يتَقَدَّم على مُجَرّد اعْتِبَار الظَّاهِر (وَفِي الْأَخْذ بقول الصَّحَابِيّ اعتبارهما وَفِي الْعَمَل بِالرَّأْيِ اعْتِبَار الظَّاهِر) فَقَط هَذَا مَعَ مَا لَهُم من الْفَضِيلَة بِصُحْبَة رَسُول الله ﷺ والتفقه فِي الدّين سَمَاعا مِنْهُ وَشَهَادَة رَسُول الله ﷺ لَهُم بالخيرية بعده وتقديمهم فِي ذَلِك على من بعدهمْ بقوله خير النَّاس قَرْني الحَدِيث وَقَالَ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه فَعرفنَا أَنهم يوفقون لإصابة الرَّأْي مَا لَا يوفق غَيرهم لمثله فَيكون رَأْيهمْ أبعد عَن احْتِمَال الْخَطَأ من رَأْي من بعدهمْ وَلَا حجَّة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا﴾ لِأَن تَقْدِيم قَوْلهم بِهَذَا الطَّرِيق نوع من الِاعْتِبَار فالاعتبار يكون بترجيح أحد الدَّلِيلَيْنِ بِزِيَادَة قُوَّة فِيهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ لِأَن فِي تَقْدِيم فَتْوَى الصَّحَابِيّ رد الحكم إِلَى أَمر الرَّسُول ﵇ لِأَن الرَّسُول ﵇ قد دَعَا النَّاس إِلَى الِاقْتِدَاء بِأَصْحَابِهِ بقوله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَإِنَّمَا كَانَ لَا يَدْعُو الْوَاحِد مِنْهُم غَيره إِلَى قَوْله لِأَن ذَلِك الْغَيْر إِن أظهر قولا بِخِلَاف قَوْله فَعِنْدَ تعَارض الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمَا تتَحَقَّق الْمُسَاوَاة بَينهمَا وَلَيْسَ أَحدهمَا بِأَن يَدْعُو صَاحبه إِلَى قَوْله بِأولى من الآخر وَإِن لم يظْهر مِنْهُ قَول بِخِلَاف ذَلِك فَهُوَ لَا يدْرِي

стр. 481

لَعَلَّه إِذا دَعَاهُ إِلَى قَوْله أظهر خِلَافه فَلَا يكون قَوْله حجَّة عَلَيْهِ فَأَما بَعْدَمَا ظهر القَوْل عَن وَاحِد مِنْهُم وانقرض عصرهم قبل أَن يظْهر قَول بِخِلَافِهِ من غَيره فقد انْقَطع احْتِمَال مَا ثَبت بِهِ الْمُسَاوَاة من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا فَيكون قَوْله حجَّة وَإِنَّمَا سَاغَ لبَعْضهِم مُخَالفَة الْبَعْض لوُجُود الْمُسَاوَاة بَينهم فِيمَا يتقوى بِهِ الرَّأْي وَهُوَ مُشَاهدَة أَحْوَال التَّنْزِيل وَمَعْرِفَة أَسبَابه وَلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين أَن قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة حجَّة فِيمَا لَا مدْخل للْقِيَاس فِي معرفَة الحكم فِيهِ وَذَلِكَ نَحْو الْمَقَادِير الَّتِي لَا تعرف بِالرَّأْيِ فَإنَّا أَخذنَا بقول عَليّ ﵁ فِي تَقْدِير الْمهْر بِعشْرَة دَرَاهِم وأخذنا بقول أنس فِي تَقْدِير أقل الْحيض بِثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره بِعشْرَة أَيَّام وَبقول عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فِي تَقْدِير أَكثر النّفاس بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَبقول عَائِشَة ﵂ فِي أَن الْوَلَد لَا يبْقى فِي الْبَطن أَكثر من سنتَيْن وَهَذَا لِأَن أحدا لَا يظنّ بهم المجازفة فِي القَوْل وَلَا يجوز أَن يحمل قَوْلهم فِي حكم الشَّرْع على الْكَذِب فَإِن طَرِيق الدّين من النُّصُوص إِنَّمَا انْتقل إِلَيْنَا بروايتهم وَفِي حمل قَوْلهم على الْكَذِب وَالْبَاطِل قَول بفسقهم وَذَلِكَ يبطل روايتهم فَلم يبْق إِلَّا الرَّأْي أَو السماع مِمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَلَا مدْخل للرأي فِي هَذَا الْبَاب فَتعين السماع وَصَارَ فتواه مُطلقًا كروايته عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا شكّ أَنه لَو ذكر سَمَاعه من رَسُول الله لَكَانَ ذَلِك حجَّة لإِثْبَات الحكم بِهِ فَكَذَلِك إِذا أفتى بِهِ وَلَا طَرِيق لفتواه إِلَّا السماع وَلِهَذَا قُلْنَا إِن قَول الْوَاحِد مِنْهُم فِيمَا لَا يُوَافقهُ الْقيَاس يكون حجَّة فِي الْعَمَل بِهِ كالنص يتْرك الْقيَاس بِهِ حَتَّى إِن فِي شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن أَخذنَا بقول عَائِشَة ﵂ فِي قصَّة زيد بن أَرقم ﵁ وَتَركنَا الْقيَاس لِأَن الْقيَاس لما كَانَ مُخَالفا لقولها تعين جِهَة السماع فِي فتواها وَكَذَلِكَ أَخذنَا بقول ابْن عَبَّاس ﵄ فِي النّذر بِذبح الْوَلَد إِنَّه يُوجب ذبح شَاة لِأَنَّهُ قَول يُخَالف الْقيَاس فتتعين فِيهِ جِهَة السماع وأخذنا بقول ابْن

стр. 482

مَسْعُود ﵁ فِي تَقْدِير الْجعل لراد الْآبِق من مسيرَة سفر بِأَرْبَعِينَ درهما لِأَنَّهُ قَول بِخِلَاف الْقيَاس وَهُوَ إِطْلَاق الْفَتْوَى مِنْهُ فِيمَا لَا يعرف بِالْقِيَاسِ فتتعين جِهَة السماع فَإِن قيل هَذَا الْمَعْنى يُوجد فِي قَول التَّابِعِيّ فَإِنَّهُ لَا يظنّ المجازفة فِي القَوْل بالمجتهد فِي كل عصر وَلَا يجوز حمل كَلَامه على الْكَذِب قصدا وَمَعَ ذَلِك لَا تتَعَيَّن جِهَة السماع لفتواه عِنْد الْإِطْلَاق حَتَّى لَا يكون حجَّة فِيمَا لَا يسْتَدرك بِالْقِيَاسِ كَمَا لَا يكون حجَّة فِيمَا يعرف بِالْقِيَاسِ قُلْنَا قد بَينا أَن قَول الصَّحَابِيّ يكون أبعد عَن احْتِمَال الْغَلَط وَقلة التَّأَمُّل فِيهِ من قَول غَيره ثمَّ احْتِمَال اتِّصَال قَوْلهم بِالسَّمَاعِ يكون بِغَيْر وَاسِطَة فقد صحبوا من كَانَ ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وسمعوا مِنْهُ وَاحْتِمَال اتِّصَال قَول من بعدهمْ بِالسَّمَاعِ يكون بِوَاسِطَة النَّقْل وَتلك الْوَاسِطَة لَا يُمكن إِثْبَاتهَا بِغَيْر دَلِيل وبدونها لَا يثبت اتِّصَال قَوْله بِالسَّمَاعِ بِوَجْه من الْوُجُوه فَمن هَذَا الْوَجْه يَقع الْفرق بَين قَول الصَّحَابِيّ وَبَين قَول من هُوَ دونه فِيمَا لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ فَإِن قيل قد قُلْتُمْ فِي الْمَقَادِير بِالرَّأْيِ من غير أثر فِيهِ فَإِن أَبَا حنيفَة قدر مُدَّة الْبلُوغ بِالسِّنِّ بثماني عشرَة سنة أَو سبع عشرَة سنة بِالرَّأْيِ وَقدر مُدَّة وجوب دفع المَال إِلَى السَّفِيه الَّذِي لم يؤنس مِنْهُ الرشد بِخمْس وَعشْرين سنة بِالرَّأْيِ وَقدر أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مُدَّة تمكن الرجل من نفي الْوَلَد بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِالرَّأْيِ وَقدر أَصْحَابنَا جَمِيعًا مَا يطهر بِهِ الْبِئْر من النزح عِنْد وُقُوع الْفَأْرَة فِيهِ بِعشْرين دلوا فَهَذَا يتَبَيَّن فَسَاد قَول من يَقُول إِنَّه لَا مدْخل للرأي فِي معرفَة الْمَقَادِير وَأَنه تتَعَيَّن جِهَة السماع فِي ذَلِك إِذا قَالَه صَحَابِيّ قُلْنَا إِنَّمَا أردنَا بِمَا قُلْنَا الْمَقَادِير الَّتِي تثبت لحق الله ابْتِدَاء دون مِقْدَار يكون فِيمَا يتَرَدَّد بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَالصَّغِير وَالْكَبِير فَإِن الْمَقَادِير فِي الْحُدُود والعبادات نَحْو أعداد الرَّكْعَات فِي الصَّلَوَات مِمَّا لَا يشكل على أحد أَنه لَا مدْخل

стр. 483

للرأي فِي معرفَة ذَلِك فَكَذَلِك مَا يكون بِتِلْكَ الصّفة مِمَّا أَشَرنَا إِلَيْهِ فَأَما مَا استدللتم بِهِ فَهُوَ من بَاب الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَإنَّا نعلم أَن ابْن عشر سِنِين لَا يكون بَالغا وَأَن ابْن عشْرين سنة يكون بَالغا ثمَّ التَّرَدُّد فِيمَا بَين ذَلِك فَيكون هَذَا اسْتِعْمَال الرَّأْي فِي إِزَالَة التَّرَدُّد وَهُوَ نَظِير معرفَة الْقيمَة فِي الْمَغْصُوب والمستهلك وَمَعْرِفَة مهر الْمثل وَالتَّقْدِير فِي النَّفَقَة فَإِن للرأي مدخلًا فِي معرفَة ذَلِك من الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا وَكَذَلِكَ حكم دفع المَال إِلَى السَّفِيه فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا﴾ فَوَقَعت الْحَاجة إِلَى معرفَة الْكَبِير على وَجه يتَيَقَّن مَعَه بِنَوْع من الرشد وَذَلِكَ مِمَّا يعرف بِالرَّأْيِ فَقدر أَبُو حنيفَة ذَلِك بِخمْس وَعشْرين سنة لِأَنَّهُ يتَوَهَّم أَن يصير جدا فِي هَذِه الْمدَّة وَمن صَار فَرعه أصلا فقد تناهى فِي الْأَصْلِيَّة فيتيقن لَهُ بِصفة الْكبر وَيعلم إيناس الرشد مِنْهُ بِاعْتِبَار أَنه بلغ أشده فَإِنَّهُ قيل فِي تَفْسِير الأشد الْمَذْكُور فِي سُورَة يُوسُف ﵇ إِنَّه هَذِه الْمدَّة وَكَذَلِكَ مَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فَإِنَّهُ يتَمَكَّن من النَّفْي بعد الْولادَة بساعة أَو ساعتين لَا محَالة وَلَا يتَمَكَّن من النَّفْي بعد سنة أَو أَكثر فَإِنَّمَا وَقع التَّرَدُّد فِيمَا بَين الْقَلِيل وَالْكثير من الْمدَّة فَاعْتبر الرَّأْي فِيهِ بِالْبِنَاءِ على أَكثر مُدَّة النّفاس فَأَما حكم طَهَارَة الْبِئْر بالنزح فَإِنَّمَا عَرفْنَاهُ بآثار الصَّحَابَة فَإِن فَتْوَى عَليّ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵄ فِي ذَلِك مَعْرُوفَة مَعَ أَن ذَلِك من بَاب الْفرق بَين الْقَلِيل من النزح وَالْكثير وَقد بَينا أَن للرأي مدخلًا فِي معرفَة هَذَا كُله فِي قَول ظهر عَن صَحَابِيّ وَلم يشْتَهر ذَلِك فِي أقرانه فَإِنَّهُ بَعْدَمَا اشْتهر إِذا لم يظْهر النكير عَن أحد مِنْهُم كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة الْإِجْمَاع وَقد بَينا الْكَلَام فِيهِ وَمَا اخْتلف فِيهِ الصَّحَابَة فقد بَينا أَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم حَتَّى لَا يتَمَكَّن أحد من أَن يَقُول بِالرَّأْيِ قولا خَارِجا عَن أقاويلهم وَكَذَلِكَ لَا يشْتَغل بِطَلَب التَّارِيخ بَين أقاويلهم ليجعل الْمُتَأَخر نَاسِخا للمتقدم كَمَا يفعل فِي الْآيَتَيْنِ والخبرين لِأَنَّهُ لما ظهر الْخلاف بَينهم وَلم نجز المحاجة بِسَمَاع من صَاحب الْوَحْي فقد انْقَطع احْتِمَال التَّوْقِيف فِيهِ وَبَقِي مُجَرّد القَوْل بِالرَّأْيِ والرأي

стр. 484

لَا يكون نَاسِخا للرأي وَلِهَذَا لم يجز نسخ أحد القياسين بِالْآخرِ وَلَكِن طَرِيق الْعَمَل طلب التَّرْجِيح بِزِيَادَة قُوَّة لأحد الْأَقَاوِيل فَإِن ظهر ذَلِك وَجب الْعَمَل بالراجح وَإِن لم يظْهر يتَخَيَّر المبتلي بالحادثة فِي الْأَخْذ بقول أَيهمَا شَاءَ بعد أَن يَقع فِي أَكثر رَأْيه أَنه هُوَ الصَّوَاب وَبعد مَا عمل بِأحد الْقَوْلَيْنِ لَا يكون لَهُ أَن يعْمل بالْقَوْل الآخر إِلَّا بِدَلِيل وَقد بَينا (لَك) هَذَا فِي بَاب الْمُعَارضَة هَذَا الَّذِي بَينا هُوَ النِّهَايَة فِي الْأَخْذ بِالسنةِ حَقِيقَتهَا وشبهتها ثمَّ الْعَمَل بِالرَّأْيِ بعده وَبِذَلِك يتم الْفِقْه على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحسن فِي أدب القَاضِي فَقَالَ لَا يَسْتَقِيم الْعَمَل بِالْحَدِيثِ إِلَّا بِالرَّأْيِ وَلَا يَسْتَقِيم الْعَمَل بِالرَّأْيِ إِلَّا بِالْحَدِيثِ وأصحابنا هم المتمسكون بِالسنةِ والرأي فِي الْحَقِيقَة فقد ظهر مِنْهُم من تَعْظِيم السّنة مَا لم يظْهر من غَيرهم مِمَّن يَدعِي أَنه صَاحب الحَدِيث لأَنهم جوزوا نسخ الْكتاب بِالسنةِ لقُوَّة درجتها وجوزوا الْعَمَل بالمراسيل وَقدمُوا خبر الْمَجْهُول على الْقيَاس وَقدمُوا قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس لِأَن فِيهِ شُبْهَة السماع من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا ثمَّ بعد ذَلِك كُله عمِلُوا بِالْقِيَاسِ الصَّحِيح وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي ظهر أَثَره بقوته فَأَما الشَّافِعِي ﵀ حِين لم يجوز الْعَمَل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السّنَن وَحين لم يقبل رِوَايَة الْمَجْهُول فقد عطل بعض السّنة أَيْضا وَحين لم ير تَقْلِيد الْوَاحِد من الصَّحَابَة فقد جوز الْإِعْرَاض عَمَّا فِيهِ شُبْهَة السماع ثمَّ جوز الْعَمَل بِقِيَاس الشّبَه وَهُوَ مِمَّا لَا يجوز أَن يُضَاف إِلَيْهِ الْوُجُوب بِحَال فَمَا حَاله إِلَّا كَحال من لم يجوز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ أصلا ثمَّ يعْمل باستصحاب الْحَال فَحَمله مَا صَار إِلَيْهِ من الِاحْتِيَاط على الْعَمَل بِلَا دَلِيل وَترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَتبين أَن أَصْحَابنَا هم الْقدْوَة فِي أَحْكَام الشَّرْع أُصُولهَا وفروعها وَأَن بفتواهم اتَّضَح الطَّرِيق للنَّاس إِلَّا أَنه بَحر عميق لَا يسلكه كل سابح وَلَا يستجمع شَرَائِطه كل طَالب وَالله الْمُوفق

стр. 485

فصل فِي خلاف التَّابِعِيّ هَل يعْتد بِهِ مَعَ إِجْمَاع الصَّحَابَة لَا خلاف أَن قَول التَّابِعِيّ لَا يكون حجَّة على وَجه يتْرك الْقيَاس بقوله فقد روينَا عَن أبي حنيفَة أَنه كَانَ يَقُول مَا جَاءَنَا عَن التَّابِعين زاحمناهم وَلَا خلاف أَن من لم يدْرك عصر الصَّحَابَة من التَّابِعين أَنه لَا يعْتد بِخِلَافِهِ فِي إِجْمَاعهم فَأَما من أدْرك عصر الصَّحَابَة من التَّابِعين كالحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ ﵃ فَإِنَّهُ يعْتد بقوله فِي إِجْمَاعهم عندنَا حَتَّى لَا يتم إِجْمَاعهم مَعَ خِلَافه وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يعْتد بقوله مَعَ إِجْمَاعهم وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يثبت إِجْمَاع الصَّحَابَة فِي الْإِشْعَار لِأَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانَ يكرههُ وَهُوَ مِمَّن أدْرك عصر الصَّحَابَة فَلَا يثبت إِجْمَاعهم دون قَوْله وَجه قَول الشَّافِعِي أَن إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة بطرِيق الْكَرَامَة لَهُم وَلَا مُشَاركَة للتابعي مَعَهم فِي السَّبَب الَّذِي استحقوا بِهِ زِيَادَة الْكَرَامَة وَذَلِكَ صُحْبَة رَسُول الله ﵇ ومشاهدة أَحْوَال الْوَحْي وَلِهَذَا لم نجْعَل التَّابِعِيّ الَّذِي أدْرك عصرهم بمنزلتهم فِي الِاحْتِجَاج بقوله فَكَذَلِك لَا يقْدَح قَوْله فِي إِجْمَاعهم كَمَا لَا يقْدَح قَول من لم يدْرك عصر الصَّحَابَة فِي إِجْمَاعهم وَلِأَن صَاحب الشَّرْع أمرنَا بالاقتداء بهم وَندب إِلَى ذَلِك بقوله ﵇ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا لَا يُوجد فِي حق التَّابِعِيّ وَإِن أدْرك عصرهم فَلَا يكون مزاحما لَهُم وَإِنَّمَا يَنْعَدِم انْعِقَاد الْإِجْمَاع بالمزاحم وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَنه لما أدْرك عصرهم وسوغوا لَهُ اجْتِهَاد الرَّأْي والمزاحمة مَعَهم فِي الْفَتْوَى وَالْحكم بِخِلَاف رَأْيهمْ قد صَار هُوَ كواحد مِنْهُم فِيمَا يبتني على اجْتِهَاد الرَّأْي ثمَّ الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد مَعَ خلاف وَاحِد مِنْهُم فَكَذَلِك لَا ينْعَقد مَعَ خلاف التَّابِعِيّ الَّذِي أدْرك عصرهم لِأَنَّهُ من عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر فَشرط انْعِقَاد الْإِجْمَاع أَن لَا يكون أحد من أهل الْعَصْر مُخَالفا لَهُم وَبَيَان هَذَا أَن عمر وعليا ﵄ قلدا شريحا الْقَضَاء بَعْدَمَا ظهر مِنْهُ مخالفتهما فِي الرَّأْي وَإِنَّمَا قلداه الْقَضَاء ليحكم بِرَأْيهِ فَإِن قيل لَا كَذَلِك بل قلداه الْقَضَاء ليحكم بقولهمَا أَو بقول بعض الصَّحَابَة

стр. 486

سواهُمَا قُلْنَا قد رُوِيَ أَن عمر كتب إِلَى شُرَيْح اقْضِ بِمَا فِي كتاب الله فَإِن لم تَجِد فبسنة رَسُول الله فَإِن لم تَجِد فاجتهد بِرَأْيِك فَإِن قيل معنى قَوْله (فاجتهد بِرَأْيِك) فِي آرائنا وأقاويلنا قُلْنَا هَذِه زِيَادَة على النَّص وَهِي تنزل منزلَة النّسخ فَلَا يكون تَأْوِيلا وَقد صَحَّ أَن عليا ﵁ تحاكم إِلَى شُرَيْح وَقضى عَلَيْهِ بِخِلَاف رَأْيه فِي شَهَادَة الْوَلَد لوالده ثمَّ قَلّدهُ الْقَضَاء فِي خِلَافَته وَابْن عَبَّاس ﵄ رَجَعَ إِلَى قَول مَسْرُوق فِي النّذر بِذبح الْوَلَد فَأوجب عَلَيْهِ شَاة بَعْدَمَا كَانَ يُوجب عَلَيْهِ مائَة من الْإِبِل وَعمر ﵁ أَمر كَعْب بن سور أَن يحكم بِرَأْيهِ بَين الزَّوْجَيْنِ فَجعل لَهَا لَيْلَة من أَربع لَيَال وَكَانَ ذَلِك خلاف رَأْي عمر قَالَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن تَذَاكرنَا مَعَ ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة عدَّة مَرَّات عدَّة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس تَعْتَد بأبعد الْأَجَليْنِ وَقلت تَعْتَد بِوَضْع الْحمل فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَنا مَعَ ابْن أخي وَعَن مَسْرُوق أَن ابْن عَبَّاس ﵄ صنع طَعَاما لأَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود فجرت الْمسَائِل وَكَانَ ابْن عَبَّاس يخطىء فِي بعض فَتَاوِيهِ فَمَا مَنعهم من أَن يردوا عَلَيْهِ إِلَّا كَونهم على طَعَامه وَسُئِلَ ابْن عمر عَن مَسْأَلَة فَقَالَ سلوا عَنْهَا سعيد بن جُبَير فَهُوَ أعلم بهَا مني وَكَانَ أنس بن مَالك إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ سلوا عَنْهَا مَوْلَانَا الْحسن فَظهر أَنهم سوغوا اجْتِهَاد الرَّأْي لمن أدْرك عصرهم وَلَا مُعْتَبر بالصحبة فِي هَذَا الْبَاب أَلا ترى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة وَإِن انعدمت الصُّحْبَة لَهُم وَأَنه قد كَانَ فِي الصَّحَابَة الْأَعْرَاب الَّذين لم يَكُونُوا من أهل الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام فَكَانَ لَا يعْتَبر قَوْلهم فِي الْإِجْمَاع مَعَ وجود الصُّحْبَة فَعرفنَا أَن هَذَا الحكم إِنَّمَا يبتنى على كَونه من عُلَمَاء الْعَصْر وَمِمَّنْ يجْتَهد فِي الْأَحْكَام ويعتد بقوله ثمَّ الصَّحَابَة فِيمَا بَينهم كَانُوا متفاضلين فِي الدرجَة

стр. 487

فَإِن دَرَجَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَوق دَرَجَة غَيرهم فِي الْفَضِيلَة وَلم يدل ذَلِك على أَن الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة يثبت بِدُونِ قَوْلهم وكما أَمر رَسُول الله بالاقتداء بالصحابة فقد أَمر بالاقتداء بالخلفاء الرَّاشِدين لسَائِر الصَّحَابَة بقوله ﵇ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء من بعدِي وَأمر بالاقتداء بِأبي بكر وَعمر بقوله ﵇ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر ثمَّ هَذَا لَا يدل على أَن إِجْمَاعهم يكون حجَّة قَاطِعَة مَعَ خلاف سَائِر الصَّحَابَة فصل فِي حُدُوث الْخلاف بعد الْإِجْمَاع بِاعْتِبَار معنى حَادث فمذهب عُلَمَائِنَا أَن الِاتِّفَاق مَتى حصل فِي شَيْء على حكم ثمَّ حدث فِيهِ معنى اخْتلفُوا لأَجله فِي حكمه فالإجماع الْمُتَقَدّم لَا يكون حجَّة فِيهِ وَقَالَ بعض الْعلمَاء ذَلِك الْإِجْمَاع حجَّة فِيهِ يجب التَّمَسُّك بِهِ حَتَّى يُوجد إِجْمَاع آخر بِخِلَافِهِ وَبَيَان هَذَا فِي المَاء الَّذِي وَقع فِيهِ نَجَاسَة وَلم يتَغَيَّر أحد أَوْصَافه فَإِن الْإِجْمَاع الَّذِي كَانَ على طَهَارَته قبل وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ لَا يكون حجَّة لإِثْبَات صفة الطَّهَارَة فِيهِ بعد وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ لَا يكون حجَّة لإِثْبَات صفة الطَّهَارَة فِيهِ بعد وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ وَعند بَعضهم يكون حجَّة وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمم إِذا أبْصر المَاء فِي خلال الصَّلَاة فالإجماع المنعقد على صِحَة شُرُوعه فِي الصَّلَاة قبل أَن يبصر المَاء لَا يكون حجَّة لبَقَاء صلَاته بَعْدَمَا أبْصر المَاء وَعند بَعضهم يكون حجَّة وَكَذَلِكَ بيع أم الْوَلَد فالإجماع المنعقد على جَوَاز بيعهَا قبل الِاسْتِيلَاد لَا يكون حجَّة لجَوَاز بيعهَا بعد الِاسْتِيلَاد عندنَا وَعند بَعضهم يكون حجَّة وَيَقُولُونَ قد انْعَقَد الْإِجْمَاع على حكم فِي هَذَا الْعين فَنحْن على مَا كُنَّا عَلَيْهِ من الْإِجْمَاع حَتَّى ينْعَقد إِجْمَاع آخر لَهُ لِأَن الشَّيْء لَا يرفعهُ مَا هُوَ دونه وَلَا شكّ أَن الْخلاف دون الْإِجْمَاع يُوضحهُ أَن التَّمَسُّك بِالْيَقِينِ وَترك الْمَشْكُوك فِيهِ أصل فِي الشَّرْع فَإِن النَّبِي ﵇ أَمر الشاك فِي الْحَدث بِأَن لَا ينْصَرف من صلَاته حَتَّى يستيقن بِالْحَدَثِ لِأَنَّهُ على يَقِين من الطَّهَارَة وَهُوَ فِي شكّ من الْحَدث وَكَذَلِكَ أَمر الشاك فِي الصَّلَاة بِأَن يَأْخُذ بِالْأَقَلِّ لكَونه متيقنا بِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَحْكَام نقُول الْيَقِين لَا يزَال بِالشَّكِّ حَتَّى إِذا شكّ فِي طَلَاق امْرَأَته لم يَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْإِقْرَار بِالْمَالِ لَا يثبت مَعَ الشَّك لِأَن بَرَاءَة الذِّمَّة يَقِين بِاعْتِبَار الأَصْل

стр. 488

فَلَا يَزُول الْمُتَيَقن بِالشَّكِّ وَهَذَا لِأَن الْيَقِين كَانَ مَعْلُوما فِي نَفسه وَمَعَ الشَّك لَا يثبت للْعلم فَلَا يجوز ترك الْعَمَل بِالْعلمِ لأجل مَا لَيْسَ بِعلم وأصحابنا قَالُوا هَذَا مَذْهَب بَاطِل فَإِن الْإِجْمَاع كَانَ ثَابتا فِي عين على حكم لَا لِأَنَّهُ عين وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِمَعْنى وَقد حدث معنى آخر خلاف ذَلِك وَمَعَ هَذَا الْمَعْنى الْحَادِث لم يكن الْإِجْمَاع قطّ فَكيف يَسْتَقِيم استصحابه وَبِه نبطل نَحن على مَا كُنَّا عَلَيْهِ فَإنَّا لم نَكُنْ على الْإِجْمَاع مَعَ هَذَا الْمَعْنى قطّ ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْحجَّة نفس الْإِجْمَاع أَو الدَّلِيل الَّذِي نَشأ مِنْهُ الْإِجْمَاع قبل حُدُوث هَذَا الْمَعْنى فِيهِ فَإِن كَانَ نفس الْإِجْمَاع فَبعد الْخلاف الْإِجْمَاع وَفِي الْموضع الَّذِي لَا إِجْمَاع لَا يتَحَقَّق الِاحْتِجَاج بِنَفس الْإِجْمَاع وَإِن كَانَ الدَّلِيل الَّذِي نَشأ مِنْهُ الْإِجْمَاع فَمَا لم يثبت بَقَاء ذَلِك الدَّلِيل بعد اعْتِرَاض الْمَعْنى الْحَادِث لَا يتَحَقَّق الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع ثمَّ يحْتَج عَلَيْهِم بِعَين مَا احْتَجُّوا بِهِ فَنَقُول قد تَيَقنا بِالْحَدَثِ الْمَانِع من جَوَاز أَدَاء الصَّلَاة فِي أَعْضَاء الْمُحدث قبل اسْتِعْمَال هَذَا المَاء الَّذِي وَقعت فِيهِ النَّجَاسَة فَنحْن على مَا كُنَّا عَلَيْهِ من الْيَقِين وَالْإِجْمَاع لَا يتْرك بِالْخِلَافِ عِنْد اسْتِعْمَال هَذَا المَاء واتفقنا على أَن أَدَاء الصَّلَاة وَاجِب على من أدْرك الْوَقْت فَنحْن على ذَلِك الِاتِّفَاق لَا نتركه بأَدَاء يكون مِنْهُ بِالتَّيَمُّمِ بَعْدَمَا أبْصر المَاء لِأَن سُقُوط الْفَرْض بِهَذَا الْأَدَاء مَشْكُوك فِيهِ واتفقنا على أَن الْأمة بعد مَا حبلت من مَوْلَاهَا قد امْتنع بيعهَا فَنحْن على ذَلِك الِاتِّفَاق لَا نتركه بِالْخِلَافِ فِي جَوَاز بيعهَا بَعْدَمَا انْفَصل الْوَلَد عَنْهَا وكل كَلَام يُمكن أَن يحْتَج بِهِ على الْخصم بِعَيْنِه فِي إِثْبَات مَا رام إِبْطَاله بِهِ فَهُوَ بَاطِل فِي نَفسه وَهُوَ نَظِير احتجاجنا على من يَقُول لَا دَلِيل على النَّافِي فِي أَحْكَام الشَّرْع وَإِنَّمَا الدَّلِيل على الْمُثبت كَمَا فِي الدَّعَاوَى فَإِن الْبَيِّنَة تكون على الْمُثبت دون النَّافِي فَنَقُول من قَالَ لَا حكم فَهُوَ يثبت صِحَة اعْتِقَاد نفي الحكم وَهَذَا مِنْهُ إِثْبَات حكم شَرْعِي وخصمه يَنْفِي صِحَة هَذَا الِاعْتِقَاد فَيَنْبَغِي أَن تكون الْحجَّة عَلَيْهِ للإثبات لَا على خَصمه فَإِنَّهُ يَنْفِي وسنقرر هَذَا الْكَلَام فِي مَوْضِعه ثمَّ نستدل بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ وَفِي هَذَا تنصيص على ترك الْعَمَل بِمَا كَانَ متيقنا بِهِ عِنْد حُدُوث معنى

стр. 489

آخر وَإِن لم يكن ذَلِك الْمَعْنى متيقنا بِهِ فَإِن كفرها قبل الْهِجْرَة كَانَ متيقنا بِهِ وَزَوَال ذَلِك بعد الْهِجْرَة إِنَّمَا نعرفه بغالب الرَّأْي لَا بِالْيَقِينِ وَلَيْسَ هَذَا نَظِير مَا اسْتشْهدُوا بِهِ لِأَن هُنَاكَ عِنْد الشَّك فِي الطَّلَاق لَا نجد دَلِيلا نعتمده فِي حكم الطَّلَاق سوى مَا تقدم وَكَذَلِكَ عِنْد الشَّك فِي وجوب المَال لَا نجد دَلِيلا نعتمده سوى مَا تقدم وَكَذَلِكَ عِنْد الشَّك فِي الْحَدث وَعند الشَّك فِي أَدَاء بعض الصَّلَاة حَتَّى إِذا وجدنَا فِيهِ دَلِيلا وَهُوَ التَّحَرِّي نقُول بِأَنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك الدَّلِيل وَهنا قد وجدنَا دَلِيلا نستدل بِهِ على الحكم بعد حُدُوث الْمَعْنى الْحَادِث فِي الْعين فَيجب الْعَمَل بذلك الدَّلِيل وَلَا يجوز الْمصير إِلَى اسْتِصْحَاب مَا كَانَ قبل حُدُوث هَذَا الْمَعْنى فاليقين إِنَّمَا كَانَ قبل وجود الدَّلِيل المغير وَمثله لَا يكون يَقِينا بعد وجود الدَّلِيل المغير وعَلى هَذَا الأَصْل اسْتِصْحَاب الْعُمُوم بعد حُدُوث الدَّلِيل المغير للْحكم فَإِنَّهُ لَا يجوز لأحد أَن يسْتَدلّ على إِبَاحَة قتل الْمُسْتَأْمن بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ لِأَن حكم هَذَا الْعَام كَانَ ثَابتا قبل وجود الدَّلِيل المغير فَلَا يجوز الِاسْتِدْلَال بِهِ بعد ذَلِك فِي مَوضِع فِيهِ خلاف وَهُوَ أَن الْمُسْتَأْمن إِذا جعل نَفسه طَلِيعَة للْمُشْرِكين يُخْبِرهُمْ بعورات الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَا يُبَاح قَتله اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ عندنَا وَعند بَعضهم يجوز قَتله بِاعْتِبَار هَذِه الْحجَّة وَالْكَلَام فِي هَذَا مثل الْكَلَام فِي الْفَصْل الأول وَالله أعلم ﷺ َ - بَاب الْقيَاس ﷺ َ - قَالَ ﵁ مَذْهَب الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من التَّابِعين وَالصَّالِحِينَ والماضين من أَئِمَّة الدّين رضوَان الله عَلَيْهِم جَوَاز الْقيَاس بِالرَّأْيِ على الْأُصُول الَّتِي تثبت أَحْكَامهَا بِالنَّصِّ لتعدية حكم النَّص إِلَى الْفُرُوع جَائِز مُسْتَقِيم يدان الله بِهِ وَهُوَ مدرك من مدارك أَحْكَام الشَّرْع وَلكنه غير صَالح لإِثْبَات الحكم بِهِ ابْتِدَاء وعَلى قَول أَصْحَاب الظَّوَاهِر هُوَ غير صَالح لتعدية حكم النَّص بِهِ إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ وَالْعَمَل بَاطِل أصلا فِي أَحْكَام الشَّرْع وَأول من أحدث هَذَا القَوْل إِبْرَاهِيم النظام وَطعن فِي السّلف لاحتجاجهم بِالْقِيَاسِ ونسبهم بتهوره إِلَى خلاف مَا وَصفهم الله بِهِ فَخلع بِهِ ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ إِمَّا للقصد إِلَى إِفْسَاد طَرِيق الْمُسلمين عَلَيْهِم

стр. 490

أَو للْجَهْل مِنْهُ بِفقه الشَّرِيعَة ثمَّ تبعه على هَذَا القَوْل بعض الْمُتَكَلِّمين بِبَغْدَاد وَلكنه تحرز عَن الطعْن فِي السّلف فِرَارًا من الشنعة الَّتِي لحقت النظام فَذكر طَرِيقا آخر لاحتجاج الصَّحَابَة بِالْقِيَاسِ هُوَ دَلِيل على جَهله وَهُوَ أَنه قَالَ مَا جرى بَين الصَّحَابَة لم يكن على وَجه الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا كَانَ على وَجه الصُّلْح والتوسط بَين الْخُصُوم وَذكر الْمسَائِل لتقريب مَا قصدوه من الصُّلْح إِلَى الأفهام وَهَذَا مِمَّا لَا يخفى فَسَاده على من تَأمل أدنى تَأمل فِيمَا نقل عَن الصَّحَابَة فِي هَذَا الْبَاب ثمَّ نَشأ بعده رجل متجاهل يُقَال لَهُ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ فَأبْطل الْعَمَل بِالْقِيَاسِ من غير أَن وقف على مَا هُوَ مُرَاد كل فريق مِمَّن كَانَ قبله وَلكنه أَخذ طرفا من كل كَلَام وَلم يشْتَغل بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ ليتبين لَهُ وَجه فَسَاده قَالَ الْقيَاس لَا يكون حجَّة وَلَا يجوز الْعَمَل بِهِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَتَابعه على ذَلِك أَصْحَاب الظَّوَاهِر الَّذين كَانُوا مثله فِي ترك التَّأَمُّل وروى بَعضهم هَذَا الْمَذْهَب عَن قَتَادَة ومسروق وَابْن سِيرِين وَهُوَ افتراء عَلَيْهِم فقد كَانُوا أجل من أَن ينْسب إِلَيْهِم الْقَصْد إِلَى مُخَالفَة رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فِيمَا هُوَ طَرِيق أَحْكَام الشَّرْع بعد مَا ثَبت نَقله عَنْهُم ثمَّ قَالَ بعض نفاة الْقيَاس دَلَائِل الْعقل لَا تصلح لمعْرِفَة شَيْء من أُمُور الدّين بهَا وَالْقِيَاس يشبه ذَلِك وَقَالَ بَعضهم لَا يعْمل بالدلائل الْعَقْلِيَّة فِي أَحْكَام الشَّرْع أصلا وَإِن كَانَ يعْمل بهَا فِي العقليات وَقَالَ بَعضهم لَا يعْمل بهَا إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة فِي أَحْكَام الشَّرْع لِإِمْكَان الْعَمَل بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ اسْتِصْحَاب الْحَال وَهَذَا أقرب أقاويلهم إِلَى الْقَصْد فَيحْتَاج فِي تبين وَجه الْفساد فِيهِ إِلَى إِثْبَات أَن الْقيَاس حجَّة أَصْلِيَّة فِي تَعديَة الْأَحْكَام لَا حجَّة ضَرُورِيَّة وَإِلَى أَنه مقدم فِي الِاحْتِجَاج بِهِ على اسْتِصْحَاب الْحَال وَلَكِن نبدأ بِبَيَان شبهتهم فَإِنَّهُم استدلوا بِظَاهِر آيَات من الْكتاب مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ وَفِي الْمصير إِلَى الرَّأْي لإِثْبَات حكم فِي مَحل قَول بِأَن الْكتاب غير كَاف وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء﴾

стр. 491

وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ فَفِيهَا بَيَان أَن الْأَشْيَاء كلهَا فِي الْكتاب إِمَّا فِي إِشَارَته أَو دلَالَته أَو فِي اقتضائه أَو فِي نَصه فَإِن لم يُوجد فِي شَيْء من ذَلِك فبالإبقاء على الأَصْل الَّذِي علم ثُبُوته بِالْكتاب وَهُوَ دَلِيل مُسْتَقِيم قَالَ تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ الْآيَة فقد أمره بالاحتجاج بِأَصْل الْإِبَاحَة فِيمَا لَا يجد فِيهِ دَلِيل الْحُرْمَة فِي الْكتاب وَهَذَا مُسْتَمر على أصل من يَقُول الْإِبَاحَة فِي الْأَشْيَاء أصل وعَلى أصلنَا الَّذِي نقُول إِنَّمَا نَعْرِف كل شَيْء بِالْكتاب وَهَذَا مَعْلُوم بقوله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ فَإِن الْإِضَافَة بلام التَّمْلِيك تكون أدل على إِثْبَات صفة الْحل من التَّنْصِيص على الْإِبَاحَة فَلم يبْق الرَّأْي بعد هَذَا إِلَّا لتعرف الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على الْمصلحَة فِيهِ عَاقِبَة وَذَلِكَ مِمَّا لَا مجَال للرأي فِي مَعْرفَته فَإِن الْمصلحَة فِي الْعَاقِبَة عبارَة عَن الْفَوْز والنجاة وَمَا بِهِ الْفَوْز والنجاة فِي الْآخِرَة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا الرَّأْي لمعْرِفَة الْمصَالح العاجلة الَّتِي يعلم جِنْسهَا بالحواس ثمَّ نستدرك نظائرها بِالرَّأْيِ وَهَذَا مثل مَا قُلْتُمْ إِن تَعْلِيل النُّصُوص بعلة لَا يتَعَدَّى إِلَى الْفُرُوع بَاطِل لِأَنَّهَا خَالِيَة عَن إِثْبَات الحكم بهَا فَالْحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ فَلَا يكون فِي هَذَا التَّعْلِيل إِلَّا تعرف وَجه الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على الْمصلحَة فِي الْعَاقِبَة والرأي لَا يَهْتَدِي إِلَى ذَلِك وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ تقدم بَين يَدي الله وَرَسُوله وَهُوَ حكم بِغَيْر مَا أنزل الله فَإِن طَريقَة الاستنباط بآرائنا وَمَا يَبْدُو لنا من آرائنا لَا يكون مِمَّا أنزل الله فِي شَيْء إِنَّمَا الْمنزل كتاب الله وَسنة رَسُوله فقد ثَبت أَنه مَا كَانَ ينْطق إِلَّا عَن وَحي كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَإِنَّمَا الحكم بِالرَّأْيِ من جملَة مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ الْآيَة وَاسْتَدَلُّوا بآثار فَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله قَالَ لم يزل بَنو إِسْرَائِيل على طَريقَة مُسْتَقِيمَة حَتَّى كثر فيهم أَوْلَاد السبايا فقاسوا مَا لم يكن بِمَا

стр. 492

قد كَانَ فضلوا وأضلوا وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ تعْمل هَذِه الْأمة بُرْهَة بِالْكتاب ثمَّ بُرْهَة بِالسنةِ ثمَّ بُرْهَة بِالرَّأْيِ فَإِذا فعلوا ذَلِك ضلوا وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء الدّين أعيتهم السّنة أَن يحفظوها فَقَالُوا برأيهم فضلوا وأضلوا وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ إيَّاكُمْ وأرأيت وأرأيت فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ فِي أَرَأَيْت وأرأيت وَقَالَ النَّبِي ﵇ من فسر الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِعْمَال الرَّأْي للْعَمَل بِهِ فِي الْأَحْكَام فَإِن إِعْمَال الرَّأْي للوقوف على معنى النَّص من حَيْثُ اللِّسَان فقه مُسْتَقِيم وَيكون الْعَمَل بِهِ عملا بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ وَبَيَان هَذَا فِيمَا اخْتلف فِيهِ ابْن عَبَّاس وَزيد ﵃ فِي زوج وأبوين فَقَالَ ابْن عَبَّاس للْأُم ثلث جَمِيع المَال فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ وَالْمَفْهُوم من إِطْلَاق هَذِه الْعبارَة ثلث جَمِيع المَال وَقَالَ زيد للْأُم ثلث مَا بَقِي لِأَن فِي الْآيَة بَيَان أَن للْأُم ثلث مَا وَرثهُ الأبوان فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ وميراث الْأَبَوَيْنِ هُوَ الْبَاقِي بعد نصيب الزَّوْج فللأم ثلث ذَلِك هَذَا وَنَحْوه عمل بِالْكتاب لَا بِالرَّأْيِ فَيكون مُسْتَقِيمًا وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول يستدلون بأنواع من الْكَلَام أَحدهَا من حَيْثُ الدَّلِيل وَهُوَ أَن فِي الْقيَاس شُبْهَة فِي أَصله لِأَن الْوَصْف الَّذِي تعدى بِهِ الحكم غير مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا هُوَ ثَابت بِإِشَارَة النَّص وَلَا بدلالته وَلَا بِمُقْتَضَاهُ فتعيينه من بَين سَائِر الْأَوْصَاف بِالرَّأْيِ لَا يَنْفَكّ عَن شُبْهَة وَالْحكم الثَّابِت بِهِ من إِيجَاب أَو إِسْقَاط أَو تَحْلِيل أَو تَحْرِيم مَحْض حق الله تَعَالَى وَلَا وَجه لإِثْبَات مَا هُوَ حق الله بطرِيق فِيهِ شُبْهَة لِأَن من لَهُ الْحق مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة يتعالى عَن أَن ينتسب إِلَيْهِ الْعَجز أَو الْحَاجة إِلَى إِثْبَات حَقه بِمَا فِيهِ شُبْهَة وَلَا وَجه لإنكار هَذِه الشُّبْهَة فِيهِ فَإِن الْقيَاس لَا يُوجب الْعلم قطعا بالِاتِّفَاقِ وَكَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَصله وعَلى هَذَا التَّقْرِير يكون هَذَا اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾

стр. 493

وَلَا يدْخل على هَذَا أَخْبَار الْآحَاد فَإِن أَصله قَول رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُوجب للْعلم قطعا وَإِنَّمَا تتمكن الشُّبْهَة فِي طَرِيق الِانْتِقَال إِلَيْنَا وَقد كَانَ قَول رَسُول الله حجَّة قبل الِانْتِقَال إِلَيْنَا بِهَذَا الطَّرِيق فلشبهة تتمكن فِي الطَّرِيق لَا يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعلم وَهُوَ كالنص المؤول فَإِن الشُّبْهَة تتمكن فِي تأويلنا فَلَا يخرج النَّص من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعلم وَمِنْهُم من قرر هَذَا الْكَلَام من وَجه آخر وَقَالَ تعْيين وصف فِي الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ لإضافة الحكم إِلَيْهِ يشبه قِيَاس إِبْلِيس لَعنه الله على مَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ وَكَذَلِكَ التَّمْيِيز بَين هَذَا الْوَصْف وَسَائِر الْأَوْصَاف فِي إِثْبَات حكم الشَّرْع أَو التَّرْجِيح بِالرَّأْيِ يشبه مَا فعله إِبْلِيس كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ ﴿خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ فَلَا يشك أحد فِي أَن ذَلِك كَانَ بَاطِلا وَلم يكن حجَّة فَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون عملا بِالْحجَّةِ أَيْضا وَنَوع آخر من حَيْثُ الْمَدْلُول فَإِنَّهُ طَاعَة لله تَعَالَى وَلَا مدْخل للرأي فِي معرفَة مَا هُوَ طَاعَة لله وَلِهَذَا لَا يجوز إِثْبَات أصل الْعِبَادَة بِالرَّأْيِ وَهَذَا لِأَن الطَّاعَة فِي إِظْهَار الْعُبُودِيَّة والانقياد وَمَا كَانَ التَّعَبُّد مَبْنِيا على قَضِيَّة الرَّأْي بل طَرِيقه طَرِيق الِابْتِلَاء أَلا ترى أَن من المشروعات مَا لَا يسْتَدرك بِالرَّأْيِ (أصلا) كالمقادير فِي الْعُقُوبَات والعبادات وَمِنْه مَا هُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْي وَمَا هَذِه صفته فَإِنَّهُ لَا يُمكن مَعْرفَته بِالرَّأْيِ فَيكون الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ عملا بالجهالة لَا بِالْعلمِ وَكَيف يُمكن إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ والمشروعات متباينة فِي أَنْفسهَا يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل فِي جَمِيعهَا وَالْقِيَاس عبارَة عَن رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره يُقَال قس النَّعْل بالنعل أَي احذه بِهِ فَكيف يَتَأَتَّى هَذَا مَعَ التباين يُوضحهُ أَن الْعِلَل الَّتِي تعدى الحكم بهَا من الْمَنْصُوص عَلَيْهِ إِلَى غَيره مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة ولأجلها اخْتلف الْعلمَاء فِي طَرِيق التَّعْدِيَة وَمَا يكون بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّهُ يتَعَذَّر تعْيين وَاحِد مِنْهَا للْعَمَل إِلَّا بِمَا يُوجب الْعلم قطعا وَهُوَ النَّص وَلِهَذَا جَوَّزنَا الْعَمَل بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا كَمَا فِي قَوْله ﵇ الْهِرَّة لَيست بنجسة إِنَّمَا هِيَ من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات فأثبتنا هَذَا الحكم فِي غَيرهَا من حشرات هُوَ الْعلَّة عينا فَيكون الْعَمَل بِهِ بَاطِلا وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْأَخْبَار فَإِنَّهُ لَا اخْتِلَاف فِيهَا فِي الأَصْل لِأَنَّهُ كَلَام رَسُول الله ﷺ وَقد بَينا أَنه قَالَ ذَلِك عَن وَحي وَقد علمنَا بِالنَّصِّ أَنه لَا اخْتِلَاف فِيمَا هُوَ من عِنْد الله قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو﴾ الْبَيْت لِأَن الْعلَّة

стр. 494

مَنْصُوص عَلَيْهَا فَأَما بِالرَّأْيِ فَلَا يُمكن الْوُقُوف على مَا ﴿كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الْأَخْبَار من جِهَة الروَاة وَالْحجّة هُوَ الْخَبَر لَا الرَّاوِي وَمَا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيمَا بَين الروَاة إِلَّا نَظِير اشْتِبَاه النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ فِي كتاب الله فَإِن ذَلِك مَتى ارْتَفع بِمَا هُوَ الطَّرِيق فِي مَعْرفَته يكون الْعَمَل بالناسخ وَاجِبا وَيكون ذَلِك عملا بِالنَّصِّ لَا بالتاريخ فَكَذَلِك فِي الْأَخْبَار وَتَحْت مَا قَررنَا فَائِدَتَانِ بهما قوام الدّين وَنَجَاة الْمُؤمنِينَ إِحْدَاهمَا الْمُحَافظَة على نُصُوص الشَّرِيعَة فَإِنَّهَا قوالب الْأَحْكَام وَالثَّانِي التبحر فِي مَعَاني اللِّسَان فَإِن مَعَانِيه جمة غائرة لَا يفضل عمر الْمَرْء عَن التَّأَمُّل فِيهَا إِذا أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا وَلَا يتفرغ للْعَمَل بالهوى الَّذِي ينشأ مِنْهُ الزيغ عَن الْحق والوقوع فِي الْبِدْعَة وَمَا يحصل بِهِ التَّحَرُّز عَن الْبدع وَاجِبا أَحْكَام الشَّرْع فَلَا شكّ أَن قوام الدّين وَنَجَاة الْمُؤمنِينَ يكون فِيهِ وَلَا يدْخل على شَيْء مِمَّا ذكرنَا إِعْمَال الرَّأْي فِي أَمر الْحَرْب وقيم الْمُتْلفَات وَمهر النِّسَاء وَالْوُقُوف على جِهَة الْكَعْبَة أما على الْوَجْه الأول فَلِأَن هَذَا كُله من حُقُوق الْعباد ويليق بحالهم الْعَجز والاشتباه فِيمَا يعود إِلَى مصالحهم العاجلة فَيعْتَبر فِيهِ الوسع ليتيسر عَلَيْهِم الْوُصُول إِلَى مقاصدهم وَهَذَا فِي غير أَمر الْقبْلَة ظَاهر وَكَذَلِكَ فِي أَمر الْقبْلَة فَإِن الأَصْل فِيهِ معرفَة جِهَات أقاليم الأَرْض وَذَلِكَ من حُقُوق الْعباد وعَلى الثَّانِي فَلِأَن الأَصْل فِيمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد مَا يكون مستدركا بالحواس وَبِه يثبت علم الْيَقِين كَمَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة أَلا ترى أَن الْكَعْبَة جِهَتهَا تكون محسوسة فِي حق من عاينها وَبعد الْبعد مِنْهَا بإعمال الرَّأْي يُمكن تصييرها كالمحسوسة وَكَذَلِكَ أَمر الْحَرْب فالمقصود صِيَانة النَّفس عَمَّا يتلفها أَو قهر الْخصم وأصل ذَلِك محسوس وَمَا هُوَ إِلَّا نَظِير التوقي عَن تنَاول سم الزعاف لعلمه أَنه متْلف والتوقي عَن الْوُقُوع على السَّيْف

стр. 495

والسكين لعلمه أَنه نَاقض للبنية فَعرفنَا أَن أصل ذَلِك محسوس فإعمال الرَّأْي فِيهِ للْعَمَل يكون فِي معنى الْعَمَل بِمَا لَا شُبْهَة فِي أَصله ثمَّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع الضَّرُورَة تتَحَقَّق إِلَى إِعْمَال الرَّأْي فَإِنَّهُ عِنْد الْإِعْرَاض عَنهُ لَا نجد طَرِيقا آخر وَهُوَ دَلِيل الْعَمَل بِهِ فلأجل الضَّرُورَة جَوَّزنَا بِهِ الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ وَهنا الضَّرُورَة لَا تَدْعُو إِلَى ذَلِك لوُجُود دَلِيل فِي أَحْكَام الشَّرْع للْعَمَل بِهِ على وَجه يُغْنِيه عَن إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ وَهُوَ اعْتِبَار الأَصْل الَّذِي قَررنَا وَلَا يدْخل على شَيْء مِمَّا ذكرنَا إِعْمَال الرَّأْي والتفكر فِي أَحْوَال الْقُرُون الْمَاضِيَة وَمَا لحقهم من المثلات والكرامات لِأَن ذَلِك من حُقُوق الْعباد فالمقصود أَن يمتنعوا مِمَّا كَانَ مهْلكا لمن قبلهم حَتَّى لَا يهْلكُوا أَو أَن يباشروا مَا كَانَ سَببا لاسْتِحْقَاق الْكَرَامَة لمن قبلهم حَتَّى ينالوا مثل ذَلِك وَهُوَ فِي الأَصْل من حُقُوق الْعباد بِمَنْزِلَة الْأكل الَّذِي يكْتَسب بِهِ الْمَرْء سَبَب إبْقَاء نَفسه وإتيان الْإِنَاث فِي مَحل الْحَرْث بطريقه ليكتسب بِهِ سَبَب إبْقَاء النَّسْل ثمَّ طَرِيق ذَلِك الِاعْتِبَار بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَاني اللِّسَان فَإِن أَصله الْخَبَر وَذَلِكَ مِمَّا يعلم بحاسة السّمع ثمَّ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ يدْرك الْمَقْصُود وَلَيْسَ ذَلِك من حكم الشَّرِيعَة فِي شَيْء فقد كَانَ الْوُقُوف على مَعَاني اللُّغَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ بَاقٍ الْيَوْم بَين الْكَفَرَة الَّذين لَا يعلمُونَ حكم الشَّرِيعَة وعَلى هَذَا يخرج أَيْضا مَا أَمر بِهِ رَسُول الله ﵇ من المشورة مَعَ أَصْحَابه فَإِن المُرَاد أَمر الْحَرْب وَمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد أَلا ترى أَن الْمَرْوِيّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه شاورهم فِي ذَلِك وَلم ينْقل أَنه شاورهم قطّ فِي حَقِيقَة مَا هم عَلَيْهِ وَلَا فِيمَا أَمرهم بِهِ من أَحْكَام الشَّرْع وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ بقوله ﵇ إِذا أتيتكم بِشَيْء من أَمر دينكُمْ فاعملوا بِهِ وَإِذا أتيتكم بِشَيْء من أَمر دنياكم فَأنْتم أعلم بِأَمْر دنياكم أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَهَذَا بَيَان شبه الْخُصُوم فِي الْمَسْأَلَة وَالْحجّة لجمهور الْعلمَاء دَلَائِل الْكتاب وَالسّنة والمعقول وَهِي كَثِيرَة جدا قد أورد أَكْثَرهَا المتقدمون من مَشَايِخنَا وَلَكنَّا نذْكر من كل نوع طرفا مِمَّا هُوَ أقوى فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ
следующие страницы →