← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6301

أصول السرخسي = تمهيد الفصول في الأصول - ت الأفغاني

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (724 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ فَفِيهَا بَيَان أَن الْأَشْيَاء كلهَا فِي الْكتاب إِمَّا فِي إِشَارَته أَو دلَالَته أَو فِي اقتضائه أَو فِي نَصه فَإِن لم يُوجد فِي شَيْء من ذَلِك فبالإبقاء على الأَصْل الَّذِي علم ثُبُوته بِالْكتاب وَهُوَ دَلِيل مُسْتَقِيم قَالَ تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ الْآيَة فقد أمره بالاحتجاج بِأَصْل الْإِبَاحَة فِيمَا لَا يجد فِيهِ دَلِيل الْحُرْمَة فِي الْكتاب وَهَذَا مُسْتَمر على أصل من يَقُول الْإِبَاحَة فِي الْأَشْيَاء أصل وعَلى أصلنَا الَّذِي نقُول إِنَّمَا نَعْرِف كل شَيْء بِالْكتاب وَهَذَا مَعْلُوم بقوله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ فَإِن الْإِضَافَة بلام التَّمْلِيك تكون أدل على إِثْبَات صفة الْحل من التَّنْصِيص على الْإِبَاحَة فَلم يبْق الرَّأْي بعد هَذَا إِلَّا لتعرف الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على الْمصلحَة فِيهِ عَاقِبَة وَذَلِكَ مِمَّا لَا مجَال للرأي فِي مَعْرفَته فَإِن الْمصلحَة فِي الْعَاقِبَة عبارَة عَن الْفَوْز والنجاة وَمَا بِهِ الْفَوْز والنجاة فِي الْآخِرَة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا الرَّأْي لمعْرِفَة الْمصَالح العاجلة الَّتِي يعلم جِنْسهَا بالحواس ثمَّ نستدرك نظائرها بِالرَّأْيِ وَهَذَا مثل مَا قُلْتُمْ إِن تَعْلِيل النُّصُوص بعلة لَا يتَعَدَّى إِلَى الْفُرُوع بَاطِل لِأَنَّهَا خَالِيَة عَن إِثْبَات الحكم بهَا فَالْحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ فَلَا يكون فِي هَذَا التَّعْلِيل إِلَّا تعرف وَجه الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على الْمصلحَة فِي الْعَاقِبَة والرأي لَا يَهْتَدِي إِلَى ذَلِك وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ تقدم بَين يَدي الله وَرَسُوله وَهُوَ حكم بِغَيْر مَا أنزل الله فَإِن طَريقَة الاستنباط بآرائنا وَمَا يَبْدُو لنا من آرائنا لَا يكون مِمَّا أنزل الله فِي شَيْء إِنَّمَا الْمنزل كتاب الله وَسنة رَسُوله فقد ثَبت أَنه مَا كَانَ ينْطق إِلَّا عَن وَحي كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَإِنَّمَا الحكم بِالرَّأْيِ من جملَة مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ الْآيَة وَاسْتَدَلُّوا بآثار فَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله قَالَ لم يزل بَنو إِسْرَائِيل على طَريقَة مُسْتَقِيمَة حَتَّى كثر فيهم أَوْلَاد السبايا فقاسوا مَا لم يكن بِمَا

стр. 492

قد كَانَ فضلوا وأضلوا وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ تعْمل هَذِه الْأمة بُرْهَة بِالْكتاب ثمَّ بُرْهَة بِالسنةِ ثمَّ بُرْهَة بِالرَّأْيِ فَإِذا فعلوا ذَلِك ضلوا وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء الدّين أعيتهم السّنة أَن يحفظوها فَقَالُوا برأيهم فضلوا وأضلوا وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ إيَّاكُمْ وأرأيت وأرأيت فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ فِي أَرَأَيْت وأرأيت وَقَالَ النَّبِي ﵇ من فسر الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِعْمَال الرَّأْي للْعَمَل بِهِ فِي الْأَحْكَام فَإِن إِعْمَال الرَّأْي للوقوف على معنى النَّص من حَيْثُ اللِّسَان فقه مُسْتَقِيم وَيكون الْعَمَل بِهِ عملا بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ وَبَيَان هَذَا فِيمَا اخْتلف فِيهِ ابْن عَبَّاس وَزيد ﵃ فِي زوج وأبوين فَقَالَ ابْن عَبَّاس للْأُم ثلث جَمِيع المَال فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ وَالْمَفْهُوم من إِطْلَاق هَذِه الْعبارَة ثلث جَمِيع المَال وَقَالَ زيد للْأُم ثلث مَا بَقِي لِأَن فِي الْآيَة بَيَان أَن للْأُم ثلث مَا وَرثهُ الأبوان فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ وميراث الْأَبَوَيْنِ هُوَ الْبَاقِي بعد نصيب الزَّوْج فللأم ثلث ذَلِك هَذَا وَنَحْوه عمل بِالْكتاب لَا بِالرَّأْيِ فَيكون مُسْتَقِيمًا وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول يستدلون بأنواع من الْكَلَام أَحدهَا من حَيْثُ الدَّلِيل وَهُوَ أَن فِي الْقيَاس شُبْهَة فِي أَصله لِأَن الْوَصْف الَّذِي تعدى بِهِ الحكم غير مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا هُوَ ثَابت بِإِشَارَة النَّص وَلَا بدلالته وَلَا بِمُقْتَضَاهُ فتعيينه من بَين سَائِر الْأَوْصَاف بِالرَّأْيِ لَا يَنْفَكّ عَن شُبْهَة وَالْحكم الثَّابِت بِهِ من إِيجَاب أَو إِسْقَاط أَو تَحْلِيل أَو تَحْرِيم مَحْض حق الله تَعَالَى وَلَا وَجه لإِثْبَات مَا هُوَ حق الله بطرِيق فِيهِ شُبْهَة لِأَن من لَهُ الْحق مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة يتعالى عَن أَن ينتسب إِلَيْهِ الْعَجز أَو الْحَاجة إِلَى إِثْبَات حَقه بِمَا فِيهِ شُبْهَة وَلَا وَجه لإنكار هَذِه الشُّبْهَة فِيهِ فَإِن الْقيَاس لَا يُوجب الْعلم قطعا بالِاتِّفَاقِ وَكَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَصله وعَلى هَذَا التَّقْرِير يكون هَذَا اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾

стр. 493

وَلَا يدْخل على هَذَا أَخْبَار الْآحَاد فَإِن أَصله قَول رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُوجب للْعلم قطعا وَإِنَّمَا تتمكن الشُّبْهَة فِي طَرِيق الِانْتِقَال إِلَيْنَا وَقد كَانَ قَول رَسُول الله حجَّة قبل الِانْتِقَال إِلَيْنَا بِهَذَا الطَّرِيق فلشبهة تتمكن فِي الطَّرِيق لَا يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعلم وَهُوَ كالنص المؤول فَإِن الشُّبْهَة تتمكن فِي تأويلنا فَلَا يخرج النَّص من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعلم وَمِنْهُم من قرر هَذَا الْكَلَام من وَجه آخر وَقَالَ تعْيين وصف فِي الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ لإضافة الحكم إِلَيْهِ يشبه قِيَاس إِبْلِيس لَعنه الله على مَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ وَكَذَلِكَ التَّمْيِيز بَين هَذَا الْوَصْف وَسَائِر الْأَوْصَاف فِي إِثْبَات حكم الشَّرْع أَو التَّرْجِيح بِالرَّأْيِ يشبه مَا فعله إِبْلِيس كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ ﴿خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ فَلَا يشك أحد فِي أَن ذَلِك كَانَ بَاطِلا وَلم يكن حجَّة فَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون عملا بِالْحجَّةِ أَيْضا وَنَوع آخر من حَيْثُ الْمَدْلُول فَإِنَّهُ طَاعَة لله تَعَالَى وَلَا مدْخل للرأي فِي معرفَة مَا هُوَ طَاعَة لله وَلِهَذَا لَا يجوز إِثْبَات أصل الْعِبَادَة بِالرَّأْيِ وَهَذَا لِأَن الطَّاعَة فِي إِظْهَار الْعُبُودِيَّة والانقياد وَمَا كَانَ التَّعَبُّد مَبْنِيا على قَضِيَّة الرَّأْي بل طَرِيقه طَرِيق الِابْتِلَاء أَلا ترى أَن من المشروعات مَا لَا يسْتَدرك بِالرَّأْيِ (أصلا) كالمقادير فِي الْعُقُوبَات والعبادات وَمِنْه مَا هُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْي وَمَا هَذِه صفته فَإِنَّهُ لَا يُمكن مَعْرفَته بِالرَّأْيِ فَيكون الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ عملا بالجهالة لَا بِالْعلمِ وَكَيف يُمكن إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ والمشروعات متباينة فِي أَنْفسهَا يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل فِي جَمِيعهَا وَالْقِيَاس عبارَة عَن رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره يُقَال قس النَّعْل بالنعل أَي احذه بِهِ فَكيف يَتَأَتَّى هَذَا مَعَ التباين يُوضحهُ أَن الْعِلَل الَّتِي تعدى الحكم بهَا من الْمَنْصُوص عَلَيْهِ إِلَى غَيره مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة ولأجلها اخْتلف الْعلمَاء فِي طَرِيق التَّعْدِيَة وَمَا يكون بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّهُ يتَعَذَّر تعْيين وَاحِد مِنْهَا للْعَمَل إِلَّا بِمَا يُوجب الْعلم قطعا وَهُوَ النَّص وَلِهَذَا جَوَّزنَا الْعَمَل بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا كَمَا فِي قَوْله ﵇ الْهِرَّة لَيست بنجسة إِنَّمَا هِيَ من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات فأثبتنا هَذَا الحكم فِي غَيرهَا من حشرات هُوَ الْعلَّة عينا فَيكون الْعَمَل بِهِ بَاطِلا وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْأَخْبَار فَإِنَّهُ لَا اخْتِلَاف فِيهَا فِي الأَصْل لِأَنَّهُ كَلَام رَسُول الله ﷺ وَقد بَينا أَنه قَالَ ذَلِك عَن وَحي وَقد علمنَا بِالنَّصِّ أَنه لَا اخْتِلَاف فِيمَا هُوَ من عِنْد الله قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو﴾ الْبَيْت لِأَن الْعلَّة

стр. 494

مَنْصُوص عَلَيْهَا فَأَما بِالرَّأْيِ فَلَا يُمكن الْوُقُوف على مَا ﴿كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الْأَخْبَار من جِهَة الروَاة وَالْحجّة هُوَ الْخَبَر لَا الرَّاوِي وَمَا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيمَا بَين الروَاة إِلَّا نَظِير اشْتِبَاه النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ فِي كتاب الله فَإِن ذَلِك مَتى ارْتَفع بِمَا هُوَ الطَّرِيق فِي مَعْرفَته يكون الْعَمَل بالناسخ وَاجِبا وَيكون ذَلِك عملا بِالنَّصِّ لَا بالتاريخ فَكَذَلِك فِي الْأَخْبَار وَتَحْت مَا قَررنَا فَائِدَتَانِ بهما قوام الدّين وَنَجَاة الْمُؤمنِينَ إِحْدَاهمَا الْمُحَافظَة على نُصُوص الشَّرِيعَة فَإِنَّهَا قوالب الْأَحْكَام وَالثَّانِي التبحر فِي مَعَاني اللِّسَان فَإِن مَعَانِيه جمة غائرة لَا يفضل عمر الْمَرْء عَن التَّأَمُّل فِيهَا إِذا أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا وَلَا يتفرغ للْعَمَل بالهوى الَّذِي ينشأ مِنْهُ الزيغ عَن الْحق والوقوع فِي الْبِدْعَة وَمَا يحصل بِهِ التَّحَرُّز عَن الْبدع وَاجِبا أَحْكَام الشَّرْع فَلَا شكّ أَن قوام الدّين وَنَجَاة الْمُؤمنِينَ يكون فِيهِ وَلَا يدْخل على شَيْء مِمَّا ذكرنَا إِعْمَال الرَّأْي فِي أَمر الْحَرْب وقيم الْمُتْلفَات وَمهر النِّسَاء وَالْوُقُوف على جِهَة الْكَعْبَة أما على الْوَجْه الأول فَلِأَن هَذَا كُله من حُقُوق الْعباد ويليق بحالهم الْعَجز والاشتباه فِيمَا يعود إِلَى مصالحهم العاجلة فَيعْتَبر فِيهِ الوسع ليتيسر عَلَيْهِم الْوُصُول إِلَى مقاصدهم وَهَذَا فِي غير أَمر الْقبْلَة ظَاهر وَكَذَلِكَ فِي أَمر الْقبْلَة فَإِن الأَصْل فِيهِ معرفَة جِهَات أقاليم الأَرْض وَذَلِكَ من حُقُوق الْعباد وعَلى الثَّانِي فَلِأَن الأَصْل فِيمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد مَا يكون مستدركا بالحواس وَبِه يثبت علم الْيَقِين كَمَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة أَلا ترى أَن الْكَعْبَة جِهَتهَا تكون محسوسة فِي حق من عاينها وَبعد الْبعد مِنْهَا بإعمال الرَّأْي يُمكن تصييرها كالمحسوسة وَكَذَلِكَ أَمر الْحَرْب فالمقصود صِيَانة النَّفس عَمَّا يتلفها أَو قهر الْخصم وأصل ذَلِك محسوس وَمَا هُوَ إِلَّا نَظِير التوقي عَن تنَاول سم الزعاف لعلمه أَنه متْلف والتوقي عَن الْوُقُوع على السَّيْف

стр. 495

والسكين لعلمه أَنه نَاقض للبنية فَعرفنَا أَن أصل ذَلِك محسوس فإعمال الرَّأْي فِيهِ للْعَمَل يكون فِي معنى الْعَمَل بِمَا لَا شُبْهَة فِي أَصله ثمَّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع الضَّرُورَة تتَحَقَّق إِلَى إِعْمَال الرَّأْي فَإِنَّهُ عِنْد الْإِعْرَاض عَنهُ لَا نجد طَرِيقا آخر وَهُوَ دَلِيل الْعَمَل بِهِ فلأجل الضَّرُورَة جَوَّزنَا بِهِ الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ وَهنا الضَّرُورَة لَا تَدْعُو إِلَى ذَلِك لوُجُود دَلِيل فِي أَحْكَام الشَّرْع للْعَمَل بِهِ على وَجه يُغْنِيه عَن إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ وَهُوَ اعْتِبَار الأَصْل الَّذِي قَررنَا وَلَا يدْخل على شَيْء مِمَّا ذكرنَا إِعْمَال الرَّأْي والتفكر فِي أَحْوَال الْقُرُون الْمَاضِيَة وَمَا لحقهم من المثلات والكرامات لِأَن ذَلِك من حُقُوق الْعباد فالمقصود أَن يمتنعوا مِمَّا كَانَ مهْلكا لمن قبلهم حَتَّى لَا يهْلكُوا أَو أَن يباشروا مَا كَانَ سَببا لاسْتِحْقَاق الْكَرَامَة لمن قبلهم حَتَّى ينالوا مثل ذَلِك وَهُوَ فِي الأَصْل من حُقُوق الْعباد بِمَنْزِلَة الْأكل الَّذِي يكْتَسب بِهِ الْمَرْء سَبَب إبْقَاء نَفسه وإتيان الْإِنَاث فِي مَحل الْحَرْث بطريقه ليكتسب بِهِ سَبَب إبْقَاء النَّسْل ثمَّ طَرِيق ذَلِك الِاعْتِبَار بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَاني اللِّسَان فَإِن أَصله الْخَبَر وَذَلِكَ مِمَّا يعلم بحاسة السّمع ثمَّ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ يدْرك الْمَقْصُود وَلَيْسَ ذَلِك من حكم الشَّرِيعَة فِي شَيْء فقد كَانَ الْوُقُوف على مَعَاني اللُّغَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ بَاقٍ الْيَوْم بَين الْكَفَرَة الَّذين لَا يعلمُونَ حكم الشَّرِيعَة وعَلى هَذَا يخرج أَيْضا مَا أَمر بِهِ رَسُول الله ﵇ من المشورة مَعَ أَصْحَابه فَإِن المُرَاد أَمر الْحَرْب وَمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد أَلا ترى أَن الْمَرْوِيّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه شاورهم فِي ذَلِك وَلم ينْقل أَنه شاورهم قطّ فِي حَقِيقَة مَا هم عَلَيْهِ وَلَا فِيمَا أَمرهم بِهِ من أَحْكَام الشَّرْع وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ بقوله ﵇ إِذا أتيتكم بِشَيْء من أَمر دينكُمْ فاعملوا بِهِ وَإِذا أتيتكم بِشَيْء من أَمر دنياكم فَأنْتم أعلم بِأَمْر دنياكم أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَهَذَا بَيَان شبه الْخُصُوم فِي الْمَسْأَلَة وَالْحجّة لجمهور الْعلمَاء دَلَائِل الْكتاب وَالسّنة والمعقول وَهِي كَثِيرَة جدا قد أورد أَكْثَرهَا المتقدمون من مَشَايِخنَا وَلَكنَّا نذْكر من كل نوع طرفا مِمَّا هُوَ أقوى فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ

стр. 496

فَمن دَلَائِل الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ حُكيَ عَن ثَعْلَب قَالَ الِاعْتِبَار فِي اللُّغَة هُوَ رد حكم الشَّيْء إِلَى نَظِيره وَمِنْه يُسمى الأَصْل الَّذِي يرد إِلَيْهِ النَّظَائِر عِبْرَة وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار﴾ وَالرجل يَقُول اعْتبرت هَذَا الثَّوْب بِهَذَا الثَّوْب أَي سويته بِهِ فِي التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ حد الْقيَاس فَظهر أَنه مَأْمُور بِهِ بِهَذَا النَّص وَقيل الِاعْتِبَار التَّبْيِين وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ أَي تبينون والتبيين الَّذِي يكون مُضَافا إِلَيْنَا هُوَ إِعْمَال الرَّأْي فِي معنى الْمَنْصُوص ليتبين بِهِ الحكم فِي نَظِيره فَإِن قيل الِاعْتِبَار هُوَ التَّأَمُّل والتفكر فِيمَا أخبر الله تَعَالَى مِمَّا صنعه بالقرون الْمَاضِيَة قُلْنَا هَذَا مثله وَلكنه غير مَأْمُور بِهِ لعَينه بل ليعتبر حَاله بحالهم فيزجروا عَمَّا استوجبوا بِهِ مَا استوجبوا من الْعقَاب إِذْ الْمَقْصُود من الِاعْتِبَار هُوَ أَن يتعظ بالعبرة وَمِنْه يُقَال السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ وَبَيَان مَا قُلْنَا فِي الْقصاص فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَهُوَ فِي العيان ضد الْحَيَاة وَلَكِن فِيهِ حَيَاة بطرِيق الِاعْتِبَار فِي شَرعه واستبقائه أما الْحَيَاة فِي شَرعه وَهُوَ أَن من قصد قتل غَيره فَإِذا تفكر فِي نَفسه أَنه مَتى قَتله قتل بِهِ انزجر عَن قَتله فَتكون حَيَاة لَهما والحياة فِي استبقائه أَن الْقَاتِل عمدا يصير حَربًا لأولياء الْقَتِيل لخوفه على نَفسه مِنْهُم فَالظَّاهِر أَنه يقْصد قَتلهمْ ويستعين على ذَلِك بأمثاله من السُّفَهَاء ليزيل الْخَوْف عَن نَفسه فَإِذا استوفى الْوَلِيّ الْقصاص مِنْهُ انْدفع شَره عَنهُ وَعَن عشيرته فَيكون حَيَاة لَهُم من هَذَا الْوَجْه لِأَن إحْيَاء الْحَيّ فِي دفع سَبَب الْهَلَاك عَنهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا﴾ وَإِذا تبين هَذَا الْمَعْنى فَنَقُول لَا فرق بَين حكم هُوَ هَلَاك فِي مَحل بِاعْتِبَار معنى هُوَ كفر وَبَين حكم هُوَ تَحْرِيم أَو تَحْلِيل فِي مَحل بِاعْتِبَار معنى هُوَ قدر وجنس فالتنصيص على الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ يكون تنصيصا على الْأَمر بِهِ فِي الْموضع الآخر فَإِن قيل الْكفْر فِي كَونه عِلّة لما استوجبوه مَنْصُوص عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْقَتْل فِي كَونه عِلّة للْقصَاص وَنحن لَا ننكر هَذَا الِاعْتِبَار فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منصوصة

стр. 497

فَذَلِك نَحْو مَا رُوِيَ أَن ماعزا ﵁ زنا وَهُوَ مُحصن فرجم فَإنَّا نثبت هَذَا الحكم بِالزِّنَا بعد الْإِحْصَان فِي حق غير مَاعِز وَإِنَّمَا ننكر هَذَا فِي عِلّة مستنبطة بِالرَّأْيِ نَحْو الْكَيْل وَالْجِنْس فَإِنَّكُم تجعلونه عِلّة الرِّبَا فِي الْحِنْطَة بِالرَّأْيِ إِذْ لَيْسَ فِي نَص الرِّبَا مَا يُوجب تعْيين هَذَا الْوَصْف من بَين سَائِر أَوْصَاف الْمحل دلَالَة وَلَا إِشَارَة قُلْنَا نَحن لَا نثبت حكم الرِّبَا فِي الْفُرُوع بعلة الْقدر وَالْجِنْس إِلَّا من الْوَجْه الَّذِي ثَبت حكم الرَّجْم فِي حق غير مَاعِز بعلة الزِّنَا بعد الْإِحْصَان فَإِن ماعزا إحْصَانه كَانَ مَوْجُودا قبل الزِّنَا ثمَّ لما ظهر مِنْهُ الزِّنَا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن إحْصَانه فَلَمَّا ظهر إحْصَانه عِنْده أَمر برجمه فَعرفنَا يَقِينا أَن عِلّة مَا أَمر بِهِ هُوَ مَا ظهر عِنْده وَالزِّنَا يصلح أَن يكون عِلّة لذَلِك لِأَن الْمَأْمُور بِهِ عُقُوبَة وَالزِّنَا جريمة يسْتَوْجب بهَا الْعقُوبَة والإحصان لَا يصلح أَن يكون عِلّة لِأَنَّهَا خِصَال حميدة وَبهَا يَسْتَفِيد الْمَرْء كَمَال الْحَال وتتم عَلَيْهِ النِّعْمَة فَلَا يصلح عِلّة للعقوبة وَلَكِن تتغلظ الْجِنَايَة بِالزِّنَا بعد وجودهَا لِأَن بِحَسب زِيَادَة النِّعْمَة يزْدَاد غلظ الجريمة أَلا ترى أَن الله تَعَالَى هدد نسَاء رَسُوله بِضعْف مَا هدد بِهِ سَائِر النِّسَاء فَقَالَ تَعَالَى ﴿من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة﴾ الْآيَة وَكَانَ ذَلِك لزِيَادَة النِّعْمَة عَلَيْهِنَّ وبتغلظ الجريمة تتغلظ الْعقُوبَة فَيصير رجما بعد أَن كَانَ جلدا فِي حق غير الْمُحصن فَعرفنَا أَن الْإِحْصَان حَال فِي الزَّانِي يصير الزِّنَا بِاعْتِبَارِهِ مُوجبا للرجم فَكَانَ شرطا وبمثل هَذَا الطَّرِيق تثبت عِلّة الرِّبَا فِي مَوضِع النَّص ثمَّ تعدى الحكم بِهِ إِلَى الْفُرُوع فَإِن النَّص قَوْله ﵇ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ أَي بيعهَا وَقَوله مثل بِمثل تَفْسِير على معنى أَنه إِنَّمَا يكون بيعا فِي حَال مَا يكون مثلا بِمثل (وَالْفضل رَبًّا) أَي حَرَامًا بِسَبَب الرِّبَا فَيثبت بِالنَّصِّ أَن الْفضل محرم وَقد علمنَا أَنه لَيْسَ المُرَاد كل فصل فَالْبيع مَا شرع إِلَّا للاستفضال والاسترباح وَإِنَّمَا المُرَاد الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض لِأَن البيع الْمَشْرُوع الْمُعَاوضَة فَلَا يجوز أَن يسْتَحق بِهِ فضلا خَالِيا عَن الْعِوَض ثمَّ خلو الْفضل عَن الْعِوَض لَا يظْهر يَقِينا بِعَدَد الحبات والحفنات وَلَا يظْهر إِلَّا بعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة قطعا فِي الْوَصْف الَّذِي صَار بِهِ محلا للْبيع وَهُوَ الْمَالِيَّة وَهَذِه الْمُسَاوَاة إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى مَعْرفَتهَا شرعا وَعرفا وَالشَّرْع إِنَّمَا أثبت هَذِه الْمُسَاوَاة

стр. 498

بِالْكَيْلِ لَا بالحبات والحفنات فَإِنَّهُ قَالَ (كَيْلا بكيل) وَكَذَلِكَ فِي عرف التُّجَّار إِنَّمَا يطْلب الْمُسَاوَاة بَين الْحِنْطَة وَالْحِنْطَة بِالْكَيْلِ وَعند الْإِتْلَاف يجب ضَمَان الْمثل بِالنَّصِّ وَيعْتَبر ذَلِك بِالْكَيْلِ فَثَبت بِهَذَا الطَّرِيق أَن الْعلَّة الْمُوجبَة للْحُرْمَة مَا يكون مؤثرا فِي الْمُسَاوَاة حَتَّى يظْهر بعده الْفضل الْخَالِي عَن الْمُقَابلَة فَيكون حَرَامًا بِمَنْزِلَة سَائِر الْأَشْيَاء الَّتِي لَهَا طول وَعرض إِذا قوبل وَاحِد بآخر وَبَقِي فضل فِي أحد الْجَانِبَيْنِ يكون خَالِيا عَن الْمُقَابلَة ثمَّ الْمُسَاوَاة من حَيْثُ الذَّات لَا تعرف إِلَّا بِالْجِنْسِ وَمن حَيْثُ الْقدر على الْوَجْه الَّذِي هُوَ مُعْتَبر شرعا وَعرفا لَا يعرف إِلَّا بِالْكَيْلِ وَهَذِه الْمُسَاوَاة لَا يتَيَقَّن إِلَّا بعد سُقُوط قيمَة الْجَوْدَة فأسقطنا قيمَة الْجَوْدَة مِنْهَا عِنْد الْمُقَابلَة بجنسها بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله ﵊ (جيدها ورديئها سَوَاء) وبدليل شَرْعِي وَهُوَ حُرْمَة الِاعْتِيَاض عَنْهَا بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ لَو بَاعَ قفيز حِنْطَة جَيِّدَة بقفيز حِنْطَة رَدِيئَة وَدِرْهَم على أَن يكون الدِّرْهَم بِمُقَابلَة الْجَوْدَة لَا يجوز وَمَا يكون مَالا مُتَقَوّما يجوز الِاعْتِيَاض عَنهُ شرعا إِلَّا أَن إِسْقَاط قيمَة الْجَوْدَة يكون شرطا لَا عِلّة لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهَا فِي إِحْدَاث الْمُسَاوَاة فِي الْمحل وَالْحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وجوب الْمُسَاوَاة فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْإِحْصَان لإِيجَاب الرَّجْم والمساواة الَّتِي هِيَ الحكم لما كَانَ يثبت بِالْقدرِ وَالْجِنْس عرفنَا أَن هذَيْن الوصفين هما الْعلَّة وَقد وجد التَّنْصِيص عَلَيْهَا فِي حَدِيث الرِّبَا بِمَنْزِلَة الزِّنَا فَإِنَّهُ مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي حَدِيث مَاعِز وَهُوَ مُؤثر فِي إِيجَاب الحكم فَعرفنَا أَنه عِلّة فِيهِ ثمَّ بعد مَا ثَبت الْمُسَاوَاة قطعا فِي صفة الْمَالِيَّة بِاعْتِبَار الْقدر إِذا كَانَ فِي أحد الْجَانِبَيْنِ فضل فَهُوَ خَال عَن الْعِوَض فَيكون رَبًّا حَرَامًا لَا يجوز أَن يكون مُسْتَحقّا بِالْبيعِ وَإِذا جعل مَشْرُوطًا فِي البيع يفْسد بِهِ البيع وَهَذَا فضل ظهر شرعا وَلَو ظهر شرطا بِأَن بَاعَ من آخر عبدا بِعَبْد على أَن يسلم إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك ثوبا قد عينه من غير أَن يكون بِمُقَابلَة الثَّوْب عوض فَإِنَّهُ لَا يجوز ذَلِك البيع فَكَذَلِك إِذا ثَبت شرعا أَلا ترى أَنه لما ثَبت شرعا اسْتِحْقَاق صفة السَّلامَة عَن الْعَيْب بِمُطلق البيع فَإِذا فَاتَ ذَلِك يثبت حق الرَّد بِمَنْزِلَة مَا هُوَ ثَابت شرطا بِأَن يَشْتَرِي عبدا على

стр. 499

أَنه كَاتب فيجده غير كَاتب وَبِهَذَا تبين أَن مَا صرنا إِلَيْهِ هُوَ الِاعْتِبَار الْمَأْمُور بِهِ فَإِنَّهُ تَأمل فِي معنى النُّصُوص لإضافة الحكم إِلَى الْوَصْف الَّذِي هُوَ مُؤثر فِيهِ بِمَنْزِلَة إِضَافَة الْهَلَاك إِلَى الْكفْر الَّذِي هُوَ مُؤثر فِيهِ وَالرَّجم إِلَى الزِّنَا الَّذِي هُوَ مُؤثر فِيهِ وكل عَاقل يعرف أَن قوام أُمُوره بِمثل هَذَا الرَّأْي فالآدمي مَا سخر غَيره مِمَّن فِي الأَرْض إِلَّا بِهَذَا الرَّأْي وَمَا ظهر التَّفَاوُت بَينهم فِي الْأُمُور العاجلة إِلَّا بالتفاوت فِي هَذَا الرَّأْي فالمنكر لَهُ يكون مُتَعَنتًا وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ والاستنباط لَيْسَ إِلَّا اسْتِخْرَاج الْمَعْنى من الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ وَقيل المُرَاد بأولي الْأَمر أُمَرَاء السَّرَايَا وَقيل المُرَاد الْعلمَاء وَهُوَ الْأَظْهر فَإِن أُمَرَاء السَّرَايَا إِنَّمَا يستنبطون بِالرَّأْيِ إِذا كَانُوا عُلَمَاء واستنباط الْمَعْنى من الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ إِمَّا أَن يكون مَطْلُوبا لتعدية حكمه إِلَى نَظَائِره وَهُوَ عين الْقيَاس أَو ليحصل بِهِ طمأنينة الْقلب وطمأنينة الْقلب إِنَّمَا تحصل بِالْوُقُوفِ على الْمَعْنى الَّذِي لأَجله ثَبت الحكم فِي الْمَنْصُوص وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى جعل هَذِه الشَّرِيعَة نورا وشرحا للصدور فَقَالَ ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾ وَالْقلب يرى الْغَائِب بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ كَمَا أَن الْعين ترى الْحَاضِر بِالنّظرِ إِلَيْهِ أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي بَيَان حَال من ترك التَّأَمُّل ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ ثمَّ فِي رُؤْيَة الْعين لَا إِشْكَال أَنه يحصل بِهِ من الطُّمَأْنِينَة فَوق مَا يحصل بالْخبر وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة وَنحن نعلم أَن الضال عَن الطَّرِيق (الْعَادِل) يكون ضيق الصَّدْر فَإِذا أخبرهُ مخبر بِالطَّرِيقِ واعتقد الصدْق فِي خَبره يتَبَيَّن فِي صَدره بعض الانشراح وَإِنَّمَا يتم انْشِرَاح صَدره إِذا عاين أَعْلَام الطَّرِيق الْعَادِل فَكَذَلِك فِي رُؤْيَة الْقلب فَإِنَّهُ إِذا تَأمل فِي الْمَعْنى الْمَنْصُوص حَتَّى وقف عَلَيْهِ يتم بِهِ انْشِرَاح صَدره وتتحقق طمأنينة قلبه وَذَلِكَ بِالنورِ الَّذِي جعله الله فِي قلب كل مُسلم فالمنع من هَذَا التَّأَمُّل وَالْأَمر بِالْوُقُوفِ على مَوَاضِع النَّص من غير طلب الْمَعْنى فِيهِ يكون بقوله تَعَالَى ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ نوع حجر ورفعا

стр. 500

لتحقيق معنى انْشِرَاح الصَّدْر وطمأنينة الْقلب الثَّابِت فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وعندكم الْقيَاس لَا يُوجب الْعلم والمجتهد قد يخطىء وَقد يُصِيب قُلْنَا نعم وَلَكِن يحصل لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْعلم من طَرِيق الظَّاهِر على وَجه يطمئن قلبه وَإِن كَانَ لَا يدْرك مَا هُوَ الْحق بِاجْتِهَادِهِ لَا محَالة فَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ فَإِن المُرَاد بِهِ الْعلم من حَيْثُ الظَّاهِر فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَأكْثر المشروعات بِخِلَاف الْمَعْهُود الْمُعْتَاد بَين النَّاس قُلْنَا نعم هُوَ بِخِلَاف الْمَعْهُود الْمُعْتَاد عِنْد اتِّبَاع هوى النَّفس وإشارتها وَأما إِذا ترك ذَلِك وَرجع إِلَى مَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يرجع إِلَيْهِ فَإِن يكون ذَلِك مُوَافقا لما هُوَ الْمَعْهُود الْمُعْتَاد عِنْد الْعُقَلَاء فباعتبار هَذَا التَّأَمُّل يحصل الْبَيَان على وَجه يطمئن الْقلب إِلَيْهِ فِي الِانْتِهَاء واعتقاد الحقية فِي النُّصُوص فرض حق وَطلب طمأنينة الْقلب فِيهِ حسن كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ ﴿قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فقد بَينا أَن المُرَاد بِهِ الْقيَاس الصَّحِيح وَالرُّجُوع إِلَيْهِ عِنْد الْمُنَازعَة وَفِيه بَيَان أَن الرُّجُوع إِلَيْهِ يكون بِأَمْر الله وَأمر الرَّسُول وَلَا يجوز أَن يُقَال المُرَاد هُوَ الرُّجُوع إِلَى الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ علق ذَلِك بالمنازعة وَالْأَمر بِالْعَمَلِ بِالْكتاب وَالسّنة غير مُتَعَلق بِشَرْط الْمُنَازعَة وَلِأَن الْمُنَازعَة بَين الْمُؤمنِينَ فِي أَحْكَام الشَّرْع قَلما تقع فِيمَا فِيهِ نَص من كتاب أَو سنة فَعرفنَا أَن المُرَاد بِهِ الْمُنَازعَة فِيمَا لَيْسَ فِي عينه نَص وَأَن المُرَاد هُوَ الْأَمر بِالرَّدِّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة بطرِيق التَّأَمُّل فِيمَا هُوَ مثل ذَلِك الشَّيْء من الْمَنْصُوص وَإِنَّمَا تعرف هَذِه الْمُمَاثلَة بإعمال الرَّأْي وَطلب الْمَعْنى فِيهِ ثمَّ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تخفى

стр. 501

فَوجه من ذَلِك مَا علمنَا رَسُول الله ﷺ من طَرِيق المقايسة على مَا رُوِيَ أَنه قَالَ لعمر حِين سَأَلَهُ عَن الْقبْلَة فِي حَالَة الصَّوْم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك وَهَذَا تَعْلِيم المقايسة فَإِن بالقبلة يفْتَتح طَرِيق اقْتِضَاء الشَّهْوَة وَلَا يحصل بِعَيْنِه اقْتِضَاء الشَّهْوَة كَمَا أَن بِإِدْخَال المَاء فِي الْفَم يفْتَتح طَرِيق الشّرْب وَلَا يحصل بِهِ الشّرْب وَقَالَ للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت تقضينه فَقَالَت نعم قَالَ فدين الله أَحَق وَهَذَا تَعْلِيم المقايسة وَبَيَان بطرِيق إِعْمَال الرَّأْي وَقَالَ للَّذي سَأَلَهُ عَن قَضَاء رَمَضَان مُتَفَرقًا أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَيْك دين فَقضيت الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ أَكَانَ يقبل مِنْك قَالَ نعم فَقَالَ الله أَحَق بالتجاوز وَقَالَ للمستحاضة إِنَّه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صَلَاة فَهَذَا تَعْلِيم للمقايسة بطرِيق أَن النَّجس لما سَالَ حَتَّى صَار ظَاهرا وَوَجَب غسل ذَلِك الْموضع للتطهير وَجب تَطْهِير أَعْضَاء الْوضُوء بِهِ وَقَالَ ﵇ الْهِرَّة لَيست بنجسة لِأَنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات وَهَذَا تَعْلِيم للمقايسة بِاعْتِبَار الْوَصْف الَّذِي هُوَ مُؤثر فِي الحكم فَإِن الطوف مُؤثر فِي معنى التَّخْفِيف وَدفع صفة النَّجَاسَة لأجل عُمُوم الْبلوى والضرورة فَظهر أَنه علمنَا الْقيَاس وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ كَمَا علمنَا أَحْكَام الشَّرْع وَمَعْلُوم أَنه مَا علمنَا ذَلِك لنعمل بِهِ فِي مُعَارضَة النُّصُوص فَعرفنَا أَنه علمنَا ذَلِك لنعمل بِهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَوجه آخر أَنه ﵊ أَمر أَصْحَابه بذلك فَإِنَّهُ قَالَ لِمعَاذ ﵁ حِين وَجهه إِلَى الْيمن بِمَ تقضي قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله قَالَ بِسنة رَسُول الله قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي سنة رَسُول الله قَالَ اجْتهد رَأْيِي قَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضى بِهِ رَسُوله وَقَالَ لأبي مُوسَى ﵁ حِين وَجهه إِلَى الْيَمين اقْضِ بِكِتَاب الله فَإِن لم تَجِد فبسنة رَسُول الله فَإِن لم تَجِد فاجتهد رَأْيك وَقَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ اقْضِ بَين هذَيْن قَالَ على مَاذَا أَقْْضِي فَقَالَ على أَنَّك إِن اجتهدت فَأَصَبْت

стр. 502

فلك عشر حَسَنَات وَإِن أَخْطَأت فلك حَسَنَة وَاحِدَة فَلَو لم يكن اجْتِهَاد الرَّأْي فِيمَا لَا نَص فِيهِ مدْركا من مدارك أَحْكَام الشَّرْع لما أَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ بِحَضْرَتِهِ وَوجه آخر أَنه ﵇ كَانَ يشاور أَصْحَابه فِي أُمُور الْحَرْب تَارَة وَفِي أَحْكَام الشَّرْع تَارَة أَلا ترى أَنه شاورهم فِي أَمر الْأَذَان والقصة فِيهِ مَعْرُوفَة وشاورهم فِي مفاداة الْأُسَارَى يَوْم بدر حَتَّى أَشَارَ أَبُو بكر ﵁ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ وَأَشَارَ عمر ﵁ بِالْقَتْلِ فَاسْتحْسن مَا أَشَارَ بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِرَأْيهِ حَتَّى شبه أَبَا بكر فِي ذَلِك بإبراهيم من الْأَنْبِيَاء حَيْثُ قَالَ ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ وبميكائيل من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ ينزل بِالرَّحْمَةِ وَشبه عمر بِنوح من الْأَنْبِيَاء ﵈ حَيْثُ قَالَ ﴿لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ وبجبريل من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ ينزل بِالْعَذَابِ ثمَّ مَال إِلَى رَأْي أبي بكر فَإِن قيل فَفِي ذَلِك نزل قَوْله ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم﴾ الْآيَة وَلَو كَانَ مستحسنا لما عوتبوا عَلَيْهِ قُلْنَا العتاب مَا كَانَ فِي المشورة بل فِيمَا نَص الله عَلَيْهِ بقوله ﴿لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم﴾ ثمَّ هَذَا إِنَّمَا يلْزم من يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب وَنحن لَا نقُول بِهَذَا وَلَكِن نقُول إِعْمَال الرَّأْي والمشورة مستحسن ثمَّ الْمُجْتَهد قد يخطىء وَقد يُصِيب كَمَا فِي هَذِه الْحَادِثَة فقد شاورهما رَسُول الله واجتهد كل وَاحِد مِنْهُم رَأْيه ثمَّ أصَاب أَحدهمَا دون الآخر وَبِهَذَا تبين أَن قَوْله ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ لَيْسَ فِي الْحَرْب خَاصَّة وَلَكِن يتَنَاوَل كل مَا يَتَأَتَّى فِيهِ إِعْمَال الرَّأْي وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي بكر وَعمر ﵄ يَوْمًا وَقد شاورهما فِي شَيْء قولا فَإِنِّي فِيمَا لم يُوح إِلَيّ مثلكما وَقد تَركهم رَسُول الله على الْمُشَاورَة بعده فِي أَمر الْخلَافَة حِين لم ينص على أحد بِعَيْنِه مَعَ علمه أَنه لَا بُد لَهُم من ذَلِك وَلما شاوروا فِيهِ تكلم كل وَاحِد بِرَأْيهِ إِلَى أَن اسْتَقر الْأَمر على مَا قَالَه عمر بطرِيق المقايسة والرأي فَإِنَّهُ قَالَ أَلا ترْضونَ لأمر

стр. 503

دنياكم بِمن رَضِي بِهِ رَسُول الله ﷺ لأمر دينكُمْ يَعْنِي الْإِمَامَة للصَّلَاة وَاتَّفَقُوا على رَأْيه وَأمر الْخلَافَة من أهم مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الشَّرْع وَقد اتَّفقُوا على جَوَاز الْعَمَل فِيهِ بطرِيق الْقيَاس وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول إِن كَانَ هَذَا قِيَاسا فَهُوَ منتقض فَإِن رَسُول الله ﷺ قد اسْتخْلف عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ليُصَلِّي بِالنَّاسِ وَلم يكن ذَلِك دَلِيل كَونه خَليفَة بعده وَذَلِكَ لِأَن عمر ﵁ أَشَارَ إِلَى الِاسْتِدْلَال على وَجه لَا يرد هَذَا النَّقْض وَهُوَ أَنه فِي حَال توفر الصَّحَابَة وَحُضُور جَمَاعَتهمْ وَوُقُوع الْحَاجة إِلَى الِاسْتِخْلَاف خص أَبَا بكر بِأَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْدَمَا راجعوه فِي ذَلِك وَسموا لَهُ غَيره كل هَذَا قد صَار مَعْلُوما بِإِشَارَة كَلَامه وَإِن لم ينص عَلَيْهِ وَلم يُوجد ذَلِك فِي حق عبد الرَّحْمَن وَلَا فِي حق غَيره ثمَّ عمر جعل الْأَمر شُورَى بعده بَين سِتَّة نفر فاتفقوا بِالرَّأْيِ على أَن يجْعَلُوا الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى عبد الرَّحْمَن بَعْدَمَا أخرج نَفسه مِنْهَا فَعرض على عَليّ أَن يعْمل بِرَأْي أَبى بكر وَعمر فَقَالَ أعمل بِكِتَاب الله وبسنة رَسُول الله ثمَّ أجتهد رَأْيِي وَعرض على عُثْمَان هَذَا الشَّرْط أَيْضا فَرضِي بِهِ فقلده وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ علم أَن النَّاس قد استحسنوا سيرة العمرين فَتبين بِهَذَا أَن الْعَمَل بِالرَّأْيِ كَانَ مَشْهُورا مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الصَّحَابَة ثمَّ محاجتهم بِالرَّأْيِ فِي الْمسَائِل لَا تخفى على أحد فَإِنَّهُم تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْجد مَعَ الْإِخْوَة وَشبهه بَعضهم بواد يتشعب مِنْهُ نهر وَبَعْضهمْ بشجرة تنْبت غصنا وَقد بَينا ذَلِك فِي فروع الْفِقْه وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي الْعَوْل وَفِي التَّشْرِيك فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُم فِيهِ بِالرَّأْيِ وبالرأي اعْترضُوا على قَول عمر ﵁ فِي عدم التَّشْرِيك حِين قَالُوا هَب أَن أَبَانَا كَانَ حمارا حَتَّى رَجَعَ عمر إِلَى التَّشْرِيك فَعرفنَا أَنهم كَانُوا مُجْمِعِينَ على جَوَاز الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَكفى بإجماعهم حجَّة فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد قَالَ أَبُو بكر ﵁ أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى برأيي وَقَالَ عمر ﵁ إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَقَالَ عَليّ ﵁ لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من ظَاهره وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ إيَّاكُمْ وأرأيت

стр. 504

وأرأيت قُلْنَا أما القَوْل بِالرَّأْيِ عَن أبي بكر ﵁ فَهُوَ أشهر من أَن يُمكن إِنْكَاره لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقُول قولا برأيي فَإِن يَك صَوَابا فَمن الله وَإِن يَك خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَمَا رووا عَنهُ قد اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَة فَقَالَ فِي بَعْضهَا إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى بِخِلَاف مَا أَرَادَ الله وَلَئِن ثَبت مَا رووا فَإِنَّمَا استبعد قَوْله بِالرَّأْيِ فِيمَا فِيهِ نَص بِخِلَاف النَّص وَهَذَا لَا يجوز مِنْهُ وَلَا من غَيره وَلَا يظنّ بِهِ وَأما عمر ﵁ فَالْقَوْل عَنهُ بِالرَّأْيِ أشهر من الشَّمْس وَبِه يتَبَيَّن أَن مُرَاده بذم الرَّأْي عِنْد مُخَالفَة النَّص أَو الْإِعْرَاض عَن النَّص فِيمَا فِيهِ نَص والاشتغال بِالرَّأْيِ الَّذِي فِيهِ مُوَافقَة هوى النَّفس وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ فِي قَوْله أعيتهم السّنة أَن يحفظوها وَالْقَوْل بِالرَّأْيِ عَن عَليّ ﵁ مَشْهُور فَإِنَّهُ قَالَ اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر على حُرْمَة بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد ثمَّ رَأَيْت أَن أرقهن وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن مُرَاده بقوله لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ أصل مَوْضُوع الشَّرْع وَبِه نقُول فَإِن أصل أَحْكَام الشَّرْع غير مَبْنِيّ على الرَّأْي وَلِهَذَا لَا يجوز إِثْبَات الحكم بِهِ ابْتِدَاء وَقد اشْتهر القَوْل بِالرَّأْيِ عَن ابْن مَسْعُود حَيْثُ قَالَ فِي المفوضة أجتهد رَأْيِي فَعرفنَا أَن مُرَاده ذمّ السُّؤَال على وَجه التعنت بَعْدَمَا يتَبَيَّن الْحق أَو التَّكَلُّف فِيمَا لَا يحْتَاج الْمَرْء إِلَيْهِ وَهُوَ نَظِير قَوْله ﵇ ذروني مَا تركتكم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ والْآثَار الَّتِي ذكرهَا مُحَمَّد فِي أول أدب القَاضِي كلهَا دَلِيل على أَنهم (كَانُوا) مُجْمِعِينَ على الْعَمَل بِالرَّأْيِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِحَدِيث عمر حِين كتب إِلَى أبي مُوسَى اعرف الْأَمْثَال والأشباه وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك وَذكر عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ لقد أَتَى علينا زمَان لسنا نسْأَل ولسنا هُنَالك الحَدِيث فاتضح بِمَا ذكرنَا اتِّفَاقهم على الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع فَأَما من طعن فِي السّلف من نفاة الْقيَاس لاحتجاجهم بِالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَام فَكَلَامه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾

стр. 505

لِأَن الله تَعَالَى أثنى عَلَيْهِم فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه﴾ الْآيَة وَرَسُول الله ﷺ وَصفهم بِأَنَّهُم خير النَّاس فَقَالَ خير النَّاس قَرْني الَّذين أَنا فيهم والشريعة إِنَّمَا بلغتنا بنقلهم فَمن طعن فيهم فَهُوَ ملحد منابذ لِلْإِسْلَامِ دواؤه السَّيْف إِن لم يتب وَمن قَالَ مِنْهُم إِن القَوْل بِالرَّأْيِ كَانَ من الصَّحَابَة على طَرِيق التَّوَسُّط وَالصُّلْح دون إِلْزَام الحكم فَهُوَ مكابر جَاحد لما هُوَ مَعْلُوم ضَرُورَة لِأَن الَّذين نقلوا إِلَيْنَا مَا احْتَجُّوا بِهِ من الرَّأْي فِي الْأَحْكَام قوم عالمون عارفون بِالْفرقِ بَين الْقَضَاء وَالصُّلْح فَلَا يظنّ بهم أَنهم أطْلقُوا لفظ الْقَضَاء فِيمَا كَانَ طَرِيقه طَرِيق الصُّلْح بِأَن لم يعرفوا الْفرق بَينهمَا أَو قصدُوا التلبيس وَلَا يُنكر أَنه كَانَ فِي ذَلِك مَا هُوَ بطرِيق الصُّلْح كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود حِين تحاكم إِلَيْهِ الْأَعرَابِي مَعَ عُثْمَان أرى أَن يَأْتِي هَذَا واديه فيعطي بِهِ ثمَّ إبِلا مثل إبِله وفصلانا مثل فصلانه فَرضِي بذلك عُثْمَان وَفِي قَوْله فَرضِي بِهِ بَيَان أَن هَذَا كَانَ بطرِيق الصُّلْح فَعرفنَا أَن فِيمَا لم يذكر مثل هَذَا اللَّفْظ أَو ذكر لفظ الْقَضَاء وَالْحكم فَالْمُرَاد بِهِ الْإِلْزَام وَقد كَانَ بعض ذَلِك على سَبِيل الْفَتْوَى والمفتي فِي زَمَاننَا يبين الحكم للمستفتي وَلَا يَدعُوهُ إِلَى الصُّلْح إِلَّا نَادرا فَكَذَلِك فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد كَانَ بعض ذَلِك بَيَانا فِيمَا لم يكن فِيهِ خُصُومَة أَولا تجْرِي فِيهِ الْخُصُومَة كالعبادات وَالطَّلَاق وَالْعتاق نَحْو اخْتلَافهمْ فِي أَلْفَاظ الْكِنَايَات وَاعْتِبَار عدد الطَّلَاق بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَمَا أشبه ذَلِك فَعرفنَا أَن قَول من قَالَ لم يكن ذَلِك مِنْهُم إِلَّا بطرِيق الصُّلْح والتوسط مُنكر من القَوْل وزور وَمِنْهُم من قَالَ كَانُوا مخصوصين بِجَوَاز الْعَمَل وَالْفَتْوَى بِالرَّأْيِ كَرَامَة لَهُم كَمَا كَانَ رَسُول الله مَخْصُوصًا بِأَن قَوْله مُوجب للْعلم قطعا أَلا ترى أَنه قد ظهر مِنْهُم الْعَمَل فِيمَا فِيهِ نَص بِخِلَاف النَّص بِالرَّأْيِ وبالاتفاق ذَلِك غير جَائِز لأحد بعدهمْ فَعرفنَا أَنهم كَانُوا مخصوصين بذلك وَبَيَان هَذَا فِيمَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ خرج لصلح بَين الْأَنْصَار فَأذن بِلَال وَأقَام فَتقدم أَبُو بكر ﵁ للصَّلَاة فجَاء رَسُول الله وَهُوَ فِي الصَّلَاة الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ

стр. 506

فَأَشَارَ على أبي بكر أَن أثبت فِي مَكَانك وَرفع أَبُو بكر ﵁ يَدَيْهِ وَحمد الله ثمَّ اسْتَأْخَرَ وَتقدم رَسُول الله وَكَانَت سنة الْإِمَامَة لرَسُول الله ﷺ مَعْلُوما بِالنَّصِّ ثمَّ تقدم أَبُو بكر بِالرَّأْيِ وَقد أمره أَن يثبت فِي مَكَانَهُ نصا ثمَّ اسْتَأْخَرَ بِالرَّأْيِ وَلما أَرَادَ رَسُول الله أَن يتَقَدَّم للصَّلَاة على ابْن أبي الْمُنَافِق جذب عمر ﵁ رِدَاءَهُ وَفِي رِوَايَة استقبله وَجعل يمنعهُ من الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ بِالرَّأْيِ ثمَّ نزل الْقُرْآن على مُوَافقَة رَأْيه يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ وَلما أَرَادَ عَليّ أَن يكْتب كتاب الصُّلْح عَام الْحُدَيْبِيَة كتب هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد رَسُول الله وَسُهيْل بن عَمْرو على أهل مَكَّة قَالَ سُهَيْل لَو عرفناك رَسُولا مَا حاربناك اكْتُبْ مُحَمَّد بن عبد الله فَأمر رَسُول الله عليا أَن يمحو رَسُول الله فَأبى عَليّ ﵁ ذَلِك حَتَّى أمره أَن يرِيه مَوْضِعه فمحاه رَسُول الله بِيَدِهِ وَكَانَ هَذَا الإباء من عَليّ بِالرَّأْيِ فِي مُقَابلَة النَّص وَقد كَانَ الحكم للمسبوق أَن يبْدَأ بِقَضَاء مَا سبق بِهِ ثمَّ يُتَابع الإِمَام حَتَّى جَاءَ معَاذ يَوْمًا وَقد سبقه رَسُول الله بِبَعْض الصَّلَاة فتابعه فِيمَا بَقِي ثمَّ قضى مَا فَاتَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله مَا حملك على مَا صنعت قَالَ وَجَدْتُك على شَيْء فَكرِهت أَن أخالفك عَلَيْهِ فَقَالَ سنّ لكم معَاذ سنة حَسَنَة فاستنوا بهَا وَكَانَ هَذَا مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ فِي مَوضِع النَّص ثمَّ استصوبه رَسُول الله فِي ذَلِك وَأَبُو ذَر حِين بَعثه رَسُول الله مَعَ إبل الصَّدَقَة إِلَى الْبَادِيَة أَصَابَته جَنَابَة فصلى صلوَات بِغَيْر طَهَارَة إِلَى أَن جَاءَ إِلَى رَسُول الله الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ لَهُ التُّرَاب كافيك وَلَو إِلَى عشر حجج مَا لم تَجِد المَاء وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ فِي مَوضِع النَّص وَكَذَلِكَ عَمْرو بن الْعَاصِ أَصَابَته جَنَابَة فِي لَيْلَة بَارِدَة فَتَيَمم وَأم أَصْحَابه مَعَ وجود المَاء وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ فِي مَوضِع النَّص ثمَّ لم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ذَلِك فَعرفنَا أَنهم كَانُوا مخصوصين بذلك وَكَذَلِكَ ظهر مِنْهُم الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا يعرف بِالرَّأْيِ من الْمَقَادِير نَحْو حد الشّرْب كَمَا قَالَ عَليّ ﵁ فَإِنَّهُ ثَبت بآرائنا وَلَا وَجه لذَلِك إِلَى الْحمل على معنى الخصوصية لَا بَيَان الْكَرَامَة لَهُم لِأَن كرامتهم إِنَّمَا تكون بِطَاعَة الله وَطَاعَة رَسُوله فالسعي لإِظْهَار مُخَالفَة مِنْهُم فِي أَمر الله وَأمر الرَّسُول يكون طَعنا فيهم وَمَعْلُوم أَن رَسُول الله مَا وَصفهم بِأَنَّهُم خير النَّاس إِلَّا بعد علمه بِأَنَّهُم أطوع النَّاس لَهُ وَأظْهر النَّاس انقيادا لأَمره وتعظيما لأحكام الشَّرْع وَلَو جَازَ إِثْبَات مُخَالفَة الْأَمر بِالرَّأْيِ لَهُم بطرِيق الْكَرَامَة والاختصاص بِنَاء على الْخَيْرِيَّة الَّتِي وَصفهم بهَا رَسُول الله لجَاز مثل ذَلِك لمن بعدهمْ بِنَاء على مَا وَصفهم الله بِهِ بقوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾

стр. 507

وَالْجَوَاب أَن نقُول هَذَا الْكَلَام عِنْد التَّأَمُّل فِيهِ من جنس الطعْن عَلَيْهِم الْآيَة وَلَو جَازَ ذَلِك فِي فتاويهم لجَاز فِيمَا نقلوا إِلَيْنَا من أَحْكَام الشَّرْع فَتبين أَن هَذَا من جنس الطعْن وَأَنه لَا بُد من طلب التَّأْوِيل فِيمَا كَانَ مِنْهُم فِي صُورَة الْخلاف ظَاهرا بِمَا هُوَ تَعْظِيم وموافقة فِي الْحَقِيقَة وَوجه ذَلِك بطرِيق الْفِقْه أَن نقُول قد كَانَ من الْأُمُور مَا فِيهِ احْتِمَال معنى الرُّخْصَة وَالْإِكْرَام أَو معنى الْعَزِيمَة والإلزام ففهموا أَن مَا اقْترن بِهِ من دلَالَة الْحَال أَو غَيره مِمَّا يتَبَيَّن بِهِ أحد المحتملين ثمَّ رَأَوْا التَّمَسُّك بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة أولى لَهُم من التَّرَخُّص بِالرُّخْصَةِ وَهَذَا أصل فِي أَحْكَام الشَّرْع وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث الصّديق فَإِن إِشَارَة رَسُول الله ﷺ لَهُ بِأَن يثبت فِي مَكَانَهُ كَانَ مُحْتملا معنى الْإِكْرَام لَهُ وَمعنى الْإِلْزَام وَعلم بِدلَالَة الْحَال أَنه على سَبِيل التَّرَخُّص وَالْإِكْرَام لَهُ فَحَمدَ الله تَعَالَى على ذَلِك ثمَّ تَأَخّر تمسكا بالعزيمة الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى ﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله مَا كَانَ لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يتَقَدَّم بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ كَانَ تقدمه للْإِمَامَة قبل أَن يحضر رَسُول الله فَإِن التَّأْخِير إِلَى أَن يحضر كَانَ رخصَة ومراعاة حق الله فِي أَدَاء الصَّلَاة فِي الْوَقْت الْمَعْهُود كَانَ عَزِيمَة فَإِنَّمَا قصد التَّمَسُّك بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة لعلمه أَن رَسُول الله ﵇ كَانَ يستحسن ذَلِك مِنْهُ فَعرفنَا أَنه مَا قصد إِلَّا تَعْظِيم أَمر الله وتعظيم رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَاشرهُ

стр. 508

بِالرَّأْيِ وَكَذَلِكَ فعل عمر ﵁ بالامتناع من الصَّلَاة على من شهد الله بِكُفْرِهِ وَهُوَ الْعَزِيمَة لِأَن الصَّلَاة على الْمَيِّت الْمُسلم يكون إِكْرَاما لَهُ وَذَلِكَ لَا يشك فِيهِ إِذا كَانَ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَن التَّقَدُّم للصَّلَاة عَلَيْهِ كَانَ بطرِيق حسن الْعشْرَة ومراعاة قُلُوب الْمُؤمنِينَ من قراباته فجذب عمر رِدَاءَهُ تمسكا بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة وتعظيما لرَسُول الله لَا قصدا مِنْهُ إِلَى مُخَالفَته وَكَذَلِكَ حَدِيث عَليّ فَإِنَّهُ أَبى أَن يمحو ذَلِك تَعْظِيمًا لرَسُول الله وَهُوَ الْعَزِيمَة وَقد علم أَن رَسُول الله مَا قصد بِمَا أَمر بِهِ إِلَّا تتميم الصُّلْح لما رأى فِيهِ من الْحَظ للْمُسلمين بفراغ قُلُوبهم وَلَو علم عَليّ أَن ذَلِك كَانَ أمرا بطرِيق الْإِلْزَام لمحاه من سَاعَته أَلا ترى أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ إِنَّك ستبعثني فِي أَمر أفأكون فِيهِ كالسكة المحماة أم الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب فَقَالَ بل الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب فَبِهَذَا تبين أَنه عرف بِأَن ذَلِك الْأَمر مِنْهُ لم يكن إلزاما وَرَأى إِظْهَار الصلابة فِي الدّين بِمحضر من الْمُشْركين عَزِيمَة فتمسك بِهِ ثمَّ الرَّغْبَة فِي الصُّلْح مَنْدُوب إِلَيْهِ الإِمَام بِشَرْط أَن يكون فِيهِ مَنْفَعَة للْمُسلمين وَتَمام هَذِه الْمَنْفَعَة فِي أَن يظْهر الإِمَام الْمُسَامحَة والمساهلة مَعَهم فِيمَا يطْلبُونَ وَيظْهر الْمُسلمُونَ الْقُوَّة والشدة فِي ذَلِك ليعلم الْعَدو أَنهم لَا يرغبون فِي الصُّلْح لضعفهم فلأجل هَذَا فعل عَليّ ﵁ مَا فعله وَكَأَنَّهُ تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا﴾ وَكَذَلِكَ حَدِيث معَاذ ﵁ فَإِن السّنة الَّتِي كَانَت فِي حق الْمَسْبُوق من الْبِدَايَة بِمَا فَاتَهُ فِيهَا احْتِمَال معنى الرُّخْصَة ليَكُون الْأَدَاء عَلَيْهِ أيسر فَوقف معَاذ على ذَلِك وَعرف أَن الْعَزِيمَة مُتَابعَة رَسُول الله ﷺ واعتقاد الْغَنِيمَة فِيمَا أدْركهُ مَعَه فاشتغل بإحراز ذَلِك أَولا تمسكا بالعزيمة لَا مُخَالفَة للنَّص وَكَذَلِكَ حَدِيث أبي ذَر إِن صَحَّ أَنه أدّى صلَاته فِي تِلْكَ الْحَالة بِغَيْر طَهَارَة فَإِن فِي حكم التَّيَمُّم للْجنب بعض الِاشْتِبَاه فِي النَّص بِاعْتِبَار الْقِرَاءَتَيْن ﴿أَو لامستم﴾

стр. 509

﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ فَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْده أَن المُرَاد الْمس بالي وَأَنه لَا يجوز التَّيَمُّم للْجنب كَمَا هُوَ مَذْهَب عمر وَابْن مَسْعُود ﵄ ثمَّ رأى أَن بِسَبَب الْعَجز يسْقط عَنهُ فرض الطَّهَارَة فِي الْوَقْت وَأَن أَدَاء الصَّلَاة فِي الْوَقْت عَزِيمَة فاشتغل بِالْأَدَاءِ تَعْظِيمًا لأمر الله وتمسكا بالعزيمة وَكَذَلِكَ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِنَّهُ رأى أَن فرض الِاغْتِسَال سَاقِط عَنهُ لما يلْحقهُ من الْحَرج بِسَبَب الْبرد أَو لخوفه الْهَلَاك على نَفسه وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن التَّيَمُّم مَشْرُوع لدفع الْحَرج فَعرفنَا أَنه لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْآثَار معنى يُوهم مُخَالفَة النَّص من أحد مِنْهُم وَأَنَّهُمْ فِي تَعْظِيم رَسُول الله كَمَا وَصفهم الله بِهِ وَأما حد الشّرْب فَإِنَّمَا أثبتوه اسْتِدْلَالا بِحَدّ الْقَذْف على مَا رُوِيَ أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ لعمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا شرب هذي وَإِذا هذي افترى وحد المفترين فِي كتاب الله ثَمَانُون جلدَة ثمَّ الحكم الثَّابِت بِالْإِجْمَاع لَا يكون محالا بِهِ على الرَّأْي وَقد بَينا أَن الْإِجْمَاع يُوجب علم الْيَقِين والرأي لَا يُوجب ذَلِك ثمَّ هَذَا دَعْوَى الخصوصية من غير دَلِيل وَمن لَا يرى إِثْبَات شَيْء بِالْقِيَاسِ فَكيف يرى إِثْبَات مُجَرّد الدَّعْوَى من غير دَلِيل وَالْكتاب يشْهد بِخِلَاف ذَلِك فَالنَّاس فِي تَكْلِيف الِاعْتِبَار الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ سَوَاء وهم كَانُوا أَحَق بِهَذَا الْوَصْف وَهَذَا أقوى مَا نعتمده من الدَّلِيل الْمَعْقُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ لَا فرق بَين التَّأَمُّل فِي إشارات النّصْف فِيمَا أخبر الله بِهِ عَن الَّذين لحقهم المثلات بِسَبَب كفرهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب﴾ الْآيَة لنعتبر بذلك وننزجر عَن مثل ذَلِك السَّبَب وَبَين التَّأَمُّل فِي إشارات النَّص فِي حَدِيث الرِّبَا ليعرف بِهِ أَن الْمحرم هُوَ الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض فَثَبت ذَلِك الحكم بِعَيْنِه فِي كل مَحل يتَحَقَّق فِيهِ الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض مَشْرُوطًا فِي البيع كالأرز والسمسم والجص وَمَا أشبه ذَلِك وَقد قَررنَا هَذَا يُوضحهُ أَن التَّأَمُّل فِي معنى النَّص الثَّابِت بِإِشَارَة ثمَّ التَّأَمُّل فِي ذَلِك للوقوف على طَرِيق الِاسْتِعَارَة حَتَّى يَجْعَل ذَلِك اللَّفْظ مستعارا فِي مَحل آخر بطريقه جَائِز مُسْتَقِيم من عمل الراسخين فِي الْعلم فَكَذَلِك التَّأَمُّل فِي مَعَاني النَّص لإِثْبَات حكم النَّص فِي كل مَوضِع علم أَنه مثل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَهَذَا لنوعين من الْكَلَام أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى نَص على أَن الْقُرْآن تبيان لكل شَيْء بقوله تَعَالَى ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا﴾ صَاحب الشَّرْع بِمَنْزِلَة التَّأَمُّل فِي معنى اللِّسَان

стр. 510

الثَّابِت بِوَضْع وَاضع اللُّغَة ﴿لكل شَيْء﴾ وَلَا يتَمَكَّن أحد من أَن يَقُول كل شَيْء فِي الْقُرْآن باسمه الْمَوْضُوع لَهُ فِي اللُّغَة فَعرفنَا أَنه تبيان لكل شَيْء بِمَعْنَاهُ الَّذِي يسْتَدرك بِهِ حكمه وَمَا ثَبت بِالنَّصِّ فإمَّا أَن يُقَال هُوَ ثَابت بِصُورَة النَّص لَا غير أَو بِالْمَعْنَى الَّذِي صَار مَعْلُوما بِإِشَارَة النَّص وَالْأول بَاطِل فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ ثمَّ أحد لَا يَقُول إِن هَذَا نهي عَن صُورَة التأفيف دون الشتم وَالضَّرْب وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يظْلمُونَ نقيرا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار﴾ فَعرفنَا أَن ثُبُوت الحكم بِاعْتِبَار الْمَعْنى الَّذِي وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي النَّص ثمَّ ذَلِك الْمَعْنى نَوْعَانِ جلي وخفي وَيُوقف على الْجَلِيّ بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَلَا يُوقف على الْخَفي إِلَّا بِزِيَادَة التَّأَمُّل وَهُوَ المُرَاد بقوله ﴿فاعتبروا﴾ وَبَعْدَمَا ثَبت لُزُوم اعْتِبَار ذَلِك الْمَعْنى بِالنَّصِّ وَإِثْبَات الحكم فِي كل مَحل قد وجد فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى يكون إِثْبَاتًا بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ وَإِن لم يكن صِيغَة النَّص متناولا إِلَّا ترى أَن الحكم بِالرَّجمِ على مَاعِز لم يكن حكما على غَيره بِاعْتِبَار صورته وَلَكِن بِاعْتِبَار الْمَعْنى الَّذِي لأَجله توجه الحكم عَلَيْهِ بِالرَّجمِ كَانَ ذَلِك بَيَانا فِي حق سَائِر الْأَشْخَاص بِالنَّصِّ وَالثَّانِي أَنه مَا من حَادِثَة إِلَّا وفيهَا حكم لله تَعَالَى من تَحْلِيل أَو تَحْرِيم أَو إِيجَاب أَو إِسْقَاط وَمَعْلُوم أَن كل حَادِثَة لَا يُوجد فِيهَا نَص فالنصوص مَعْدُودَة متناهية وَلَا نِهَايَة لما يَقع من الْحَوَادِث إِلَى قيام السَّاعَة وَفِي تَسْمِيَته حَادِثَة إِشَارَة إِلَى أَنه لَا نَص فِيهَا فَإِن مَا فِيهِ النَّص يكون أصلا معهودا وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة مَا اشتغلوا باعتماد نَص فِي كل حَادِثَة (طلبا أَو رِوَايَة فَعرفنَا أَنه لَا يُوجد نَص فِي كل حَادِثَة)

стр. 511

وَقد لزمنا معرفَة حكم الْحَادِثَة بِالْحجَّةِ بِحَسب الوسع فإمَّا أَن يكون الْحجَّة استنباط الْمَعْنى من النُّصُوص أَو اسْتِصْحَاب الْحَال كَمَا قَالُوا وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ فِي اسْتِصْحَاب الْحَال إِلَّا عمل بِلَا دَلِيل وَلَا دَلِيل جهل وَالْجهل لَا يصلح أَن يكون حجَّة بِاعْتِبَار الأَصْل وَهُوَ أَيْضا مِمَّا لَا يُوقف عَلَيْهِ فَمن الْمُحْتَمل أَن لَا يكون عِنْد بعض النَّاس فِيهِ دَلِيل وَيكون عِنْد بَعضهم وَالْقِيَاس من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا حجَّة وَإِن كَانَ لَا يُوجب علم الْيَقِين أَلا ترى أَن الشَّرْع جوز لنا الْإِقْدَام على الْمُبَاحَات لقصد تَحْصِيل الْمَنْفَعَة يَعْنِي المسافرة للتِّجَارَة والمحاربة لِلْعَدو وَالْغَلَبَة على الْأَعْدَاء بغالب الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِي أَمر الْقبْلَة والاشتغال بالمعالجة لتَحْصِيل صفة الْبُرْء وكل ذَلِك إقدام من غير بِنَاء على مَا يُوجب علم الْيَقِين ثمَّ هُوَ حسن فِي بعض الْمَوَاضِع وَاجِب فِي بعض الْمَوَاضِع وَكَذَلِكَ تَقْوِيم الْمُتْلفَات واعتقاد الْمَعْرُوف فِي النَّفَقَات والمتعة فَإِن ذَلِك مَنْصُوص عَلَيْهِ ثمَّ الْإِقْدَام عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ جَائِز فَكَانَ ذَلِك عملا بِالْحجَّةِ فَتبين أَن الْقيَاس من نوع الْعَمَل بِمَا هُوَ حجَّة فِي الأَصْل وَلكنه دون الثَّابِت من الحكم بِالنَّصِّ فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا فِي وضع لَا يُوجد فِيهِ نظر فَأَما اسْتِصْحَاب الْحَال فَهُوَ عمل بِالْجَهْلِ فَلَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة الْمَحْضَة بِمَنْزِلَة تنَاول الْميتَة وسنقرر هَذَا فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فبهم التَّقْرِير يتَبَيَّن أَن نفاة الْقيَاس يتمسكون بِالْجَهْلِ وَأَن فُقَهَاء الْأَمْصَار يعلمُونَ بِمَا هُوَ الْحق وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال وَأما استدلالهم بقوله تَعَالَى ﴿أَو لم يَكفهمْ﴾ قُلْنَا نَحن نقُول بِأَن مَا أنزل من الْكتاب كَذَلِك وَلَكِن الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ مِمَّا أنزل فِي الْكتاب إِشَارَة وَإِن كَانَ لَا يُوجد فِيهِ نصا فَإِنَّهُ الِاعْتِبَار الْمَأْمُور بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا﴾ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الحكم بِهِ حكم بِمَا أنزل الله فيضعف بِهِ استدلالهم بقوله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله﴾ وَبِه يتَبَيَّن أَنه من جملَة مَا تنَاوله قَوْله تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وَقد قيل المُرَاد بِالْكتاب هُنَا اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ

стр. 512

لَا يكون تقدما بَين يَدي الله وَرَسُوله بل هُوَ ائتمار بِأَمْر الله وَأمر رَسُوله وسلوك طَرِيق قد علم رَسُول الله أمته بِالْوُقُوفِ بِهِ على أَحْكَام الشَّرْع وَهَذَا لأَنا إِنَّمَا نثبت الحكم فِي الْفُرُوع بِالْعِلَّةِ المؤثرة وَالْعلَّة مَا صَارَت مُؤثرَة بآرائنا بل بِجعْل الله إِيَّاهَا مُؤثرَة وَإِنَّمَا إِعْمَال الرَّأْي فِي تَمْيِيز الْوَصْف الْمُؤثر من سَائِر أَوْصَاف الأَصْل وَإِظْهَار التَّأْثِير فِيهِ فَلَا يكون الْعَمَل فِيهِ عملا بِالرَّأْيِ إِنَّمَا التَّقَدُّم بَين يَدي الله وَرَسُوله فِيمَا ذهب إِلَيْهِ الْخصم من القَوْل بِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجد ذَلِك فِي كتاب الله نصا وَهُوَ لَا يجوز الاستنباط ليقف بِهِ على إِشَارَة النَّص فَيكون ذَلِك قولا بِغَيْر حجَّة ثمَّ يكون عَاملا فِي الْأَحْكَام بِلَا دَلِيل وَقد بَينا أَن هَذَا لَا يصلح أَن يكون حجَّة أَصْلِيَّة وَأما قَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فالمذكور هُوَ علم مُنكر فِي مَوضِع النَّفْي والنكرة فِي مَوضِع النَّفْي تعم فاستعمال الرَّأْي يثبت نوع علم من طَرِيق الظَّاهِر وَإِن كَانَ لَا يثبت علم الْيَقِين وبالاتفاق علم الْيَقِين لَيْسَ بِشَرْط لوُجُوب الْعَمَل وَلَا لجوازه فَإِن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَاجِب وَلَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي الْحَرْب جَائِز وَفِي بَاب الْقبْلَة عِنْد الِاشْتِبَاه وَاجِب وَفِي المعالجة بالأدوية جَائِز وَإِن كَانَ شَيْء من ذَلِك لَا يُوجب علم الْيَقِين وَهَذَا لِأَن التَّكْلِيف بِحَسب الوسع وَلَيْسَ فِي وسعنا تَحْصِيل علم الْيَقِين فِي حكم كل حَادِثَة والحرج مَدْفُوع فَفِي إِثْبَات الْحجر عَن إِعْمَال الرَّأْي فِي الْحَوَادِث الَّتِي لَا نَص فِيهَا من الْحَرج مَا لَا يخفى ثمَّ لَا إِشْكَال أَن مَا يثبت من الْعلم بطرِيق الْقيَاس فَوق مَا يثبت باستصحاب الْحَال لِأَن اسْتِصْحَاب الْحَال إِنَّمَا يكون دَلِيلا عِنْدهم لعدم الدَّلِيل المغير وَذَلِكَ مِمَّا لَا يعلم يَقِينا قد يجوز أَن يكون الدَّلِيل المغير ثَابتا وَإِن لم يبلغ الْمُبْتَلى بِهِ وَلِهَذَا لَا تقبل الْبَيِّنَة على النَّفْي فِي بَاب الْخُصُومَات وَتقبل على الْإِثْبَات بِاعْتِبَار طَرِيق لَا يُوجب علم الْيَقِين فَإِن الشَّهَادَة بِالْملكِ لظَاهِر الْيَد أَو الْيَد مَعَ التَّصَرُّف تكون مَقْبُولَة وَإِن كَانَت لَا توجب علم الْيَقِين فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾ قُلْنَا مَا يظْهر عِنْد اسْتِعْمَال الرَّأْي بِالْوَصْفِ الْمُؤثر حق فِي حَقنا وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَنه هُوَ الْحق عِنْد الله تَعَالَى أَلا ترى أَن المتحري فِي بَاب الْقبْلَة يلْزمه التَّوَجُّه إِلَى الْجِهَة الَّتِي يسْتَقرّ عَلَيْهَا الرَّأْي وَمَعْلُوم أَنه لَا يلْزمه مُبَاشرَة مَا لَيْسَ بِحَق أصلا

стр. 513

فَعرفنَا أَنه حق عندنَا وَإِن كُنَّا لَا نقطع القَوْل بِأَنَّهُ الْحق عِنْد الله تَعَالَى فقد يُصِيب الْمُجْتَهد ذَلِك بِاجْتِهَادِهِ وَقد يخطىء ثمَّ التَّكْلِيف بِحَسب الوسع وَلَيْسَ فِي وَضعنَا الْوُقُوف على مَا هُوَ حق عِنْد الله لَا محَالة وَإِنَّمَا الَّذِي فِي وسعنا طلبه بطرِيق الِاعْتِبَار الَّذِي أمرنَا بِهِ وَبعد إِصَابَة ذَلِك الطَّرِيق يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ فَكَذَلِك فِي الْأَحْكَام وَمَا أشاروا إِلَيْهِ من الْفرق بَين مَا هُوَ مَحْض حق الله تَعَالَى وَبَين مَا فِيهِ حق الْعباد لَيْسَ بِقَوي لِأَن الْمَطْلُوب هُنَا جِهَة الْقبْلَة لأَدَاء مَا هُوَ مَحْض حق الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة وَمَعَ ذَلِك أطلق لنا الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ إِمَّا لتحقيق معنى الِابْتِلَاء أَو لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعنا مَا هُوَ أقوى من ذَلِك بعد انْقِطَاع الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة وَهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَوْجُود فِي الْأَحْكَام ثمَّ الِاحْتِمَال الَّذِي يبْقى بعد اسْتِعْمَال الرَّأْي بِمَنْزِلَة الِاحْتِمَال فِي خبر الْوَاحِد فَإِن قَول صَاحب الشَّرْع مُوجب علم الْيَقِين وَإِنَّمَا يثبت فِي حَقنا الْعلم وَالْعَمَل بِهِ إِذا بلغنَا ذَلِك وَفِي الْبلُوغ والاتصال برَسُول الله ﷺ احْتِمَال فَكَذَلِك الحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ على وَجه يُوجب علم الْيَقِين وَفِيه معنى هُوَ مُؤثر فِي الحكم شرعا وَلَكِن فِي بُلُوغ الآراء وَإِدْرَاك ذَلِك الْمَعْنى نوع احْتِمَال فَلَا يمْنَع ذَلِك وجوب الْعَمَل بِهِ عِنْد انعدام دَلِيل هُوَ أقوى مِنْهُ وَلِهَذَا شرطنا للْعَمَل بِالرَّأْيِ أَن تكون الْحَادِثَة لَا نَص فِيهَا من كتاب وَلَا سنة فَتبين أَن فِيمَا قُلْنَا مُبَالغَة فِي الْمُحَافظَة على النُّصُوص بظواهرها ومعانيها فَإِنَّهُ مَا لم يقف على النُّصُوص لَا يعرف أَن الْحَادِثَة لَا نَص فِيهَا وَمَا لم يقف على مَعَاني النُّصُوص لَا يُمكنهُ أَن يرد الْحَادِثَة إِلَى مَا يكون مثلهَا من النُّصُوص ثمَّ مَعَ ذَلِك فِيهِ تَعْمِيم الْمَعْنى فِي الْفُرُوع وتعظيم مَا هُوَ حق الله تَعَالَى فَإِن اعْتِقَاد الحقية فِي الحكم الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ وَمعنى شرح الصَّدْر وطمأنينة الْقلب ثَابت بِالْوُقُوفِ على الْمَعْنى وَلَا معنى لاستدلالهم باخْتلَاف أَحْكَام النُّصُوص لأَنا إِنَّمَا نجوز اسْتِعْمَال الرَّأْي عِنْد معرفَة مَعَاني النُّصُوص وَإِنَّمَا يكون هَذَا فِيمَا يكون مَعْقُول الْمَعْنى فَأَما فِيمَا لَا يعقل الْمَعْنى فِيهِ فَنحْن لَا نجوز إِعْمَال الرَّأْي لتعدية الحكم إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ وسيأتيك بَيَان هَذَا فِي شَرط الْقيَاس ويتبين بِهَذَا أَن مُرَاد رَسُول الله صلى

стр. 514

الله عَلَيْهِ وَسلم بذم الرَّأْي فِيمَا رووا من الْآثَار الرَّأْي الَّذِي ينشأ عَن مُتَابعَة هوى النَّفس أَو الرَّأْي الَّذِي يكون الْمَقْصُود مِنْهُ رد الْمَنْصُوص نَحْو مَا فعله إِبْلِيس فَأَما الرَّأْي الَّذِي يكون الْمَقْصُود بِهِ إِظْهَار الْحق من الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا لَا يكون مذموما أَلا ترى أَن الله تَعَالَى أَمر بِهِ فِي إِظْهَار قيمَة الصَّيْد بقوله ﴿يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم﴾ فَإِن رَسُول الله ﷺ قد علم ذَلِك أَصْحَابه وَالصَّحَابَة عَن آخِرهم أَجمعُوا على اسْتِعْمَاله من غير نَكِير من أحد مِنْهُم على من اسْتَعْملهُ فَكيف يظنّ بهم الِاتِّفَاق على مَا ذمه رَسُول الله أَو جعله مدرجة الضلال هَذَا شَيْء لَا يَظُنّهُ إِلَّا ضال وَالله أعلم فصل فِي بَيَان مَا لَا بُد للْقِيَاس من مَعْرفَته قَالَ ﵁ وَذَلِكَ معنى الْقيَاس لُغَة فالصورة بِلَا معنى يكون فَاسِدا من الدَّعْوَى ثمَّ شَرطه فَإِن وجود الشَّيْء على وَجه يكون مُعْتَبرا شرعا لَا يكون إِلَّا بِوُجُود شَرطه ثمَّ رُكْنه فقوام الشَّيْء يكون بركنه ثمَّ حكمه فَإِن الشَّيْء إِنَّمَا يخرج من حد الْعَبَث والسفه إِلَى حد الْحِكْمَة بِكَوْنِهِ مُفِيدا وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِحكمِهِ ثمَّ بِالدفع بعد ذَلِك فَإِن تَمام الْإِلْزَام إِنَّمَا يتَبَيَّن بِالْعَجزِ عَن الدّفع فَأَما الأول فَهُوَ معرفَة الْقيَاس لُغَة فَنَقُول للْقِيَاس تَفْسِير هُوَ المُرَاد بصيغته وَمعنى هُوَ المُرَاد بدلالته بمنزله فعل الضَّرْب فَإِن لَهُ تَفْسِيرا هُوَ الْمَعْلُوم بصورته وَهُوَ إِيقَاع الْخَشَبَة على جسم وَمعنى هُوَ المُرَاد بدلالته وَهُوَ الإيلام فَأَما تَفْسِير صِيغَة الْقيَاس فَهُوَ التَّقْدِير يُقَال قس النَّعْل بالنعل أَي قدره بِهِ وقاس الطَّبِيب الْجرْح إِذا سبره بالمسبار ليعرف مِقْدَار غوره وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن مَعْنَاهُ لُغَة فِي الْأَحْكَام رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره ليَكُون مثلا لَهُ فِي الحكم الَّذِي وَقعت الْحَاجة إِلَى إثْبَاته وَلِهَذَا يُسمى مَا يجْرِي بَين المناظرين مقايسة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْعَى ليجعل جَوَابه فِي الْحَادِثَة مثلا لما اتفقَا على كَونه أصلا بَينهمَا يُقَال قايسته مقايسة وَقِيَاسًا وَيُسمى ذَلِك نظرا أَيْضا إِذْ لَا يصاب إِلَّا بِالنّظرِ عَن إنصاف وَيُسمى ذَلِك اجْتِهَادًا مجَازًا أَيْضا لِأَن ببذل المجهود يحصل هَذَا الْمَقْصُود

стр. 515

وَأما الْمَعْنى الَّذِي هُوَ المُرَاد بدلالته وَهُوَ أَنه مدرك من مدارك أَحْكَام الشَّرْع ومفصل من مفاصله وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هُنَا ببسط الْكَلَام فَنَقُول إِن الله تَعَالَى ابتلانا بِاسْتِعْمَال الرَّأْي وَالِاعْتِبَار وَجعل ذَلِك مَوْضُوعا على مِثَال مَا يكون بَين الْعباد مِمَّا شَرعه من الدَّعْوَى والبينات فالنصوص شُهُود على حُقُوق الله تَعَالَى وَأَحْكَامه بِمَنْزِلَة الشُّهُود فِي الدَّعَاوَى وَمعنى النُّصُوص (شَهَادَته بِمَنْزِلَة) شَهَادَة الشَّاهِد ثمَّ لَا بُد من صَلَاحِية الشَّاهِد بِكَوْنِهِ حرا عَاقِلا بَالغا فَكَذَلِك لَا بُد من صَلَاحِية النَّص لكَونه شَاهدا بِكَوْنِهِ مَعْقُول الْمَعْنى وَلَا بُد من صَلَاحِية الشَّهَادَة بِوُجُود لَفظهَا فَكَذَلِك لَا بُد من صَلَاحِية الْوَصْف الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة وَذَلِكَ بِأَن يكون ملائما للْحكم أَو مؤثرا فِيهِ على مَا نبين الِاخْتِلَاف فِيهِ وَلَا بُد مِمَّا هُوَ قَائِم مقَام الطَّالِب فِيهِ وَهُوَ القائس وَلَا بُد من مَطْلُوب وَهُوَ الحكم الشَّرْعِيّ فالمقصود تَعديَة الحكم إِلَى الْفُرُوع وَلَا بُد من مقضي عَلَيْهِ وَهُوَ عقد الْقلب ليترتب عَلَيْهِ الْعَمَل بِالْبدنِ إِن كَانَ يحاج نَفسه وَإِن كَانَ يحاج غَيره فَلَا بُد من خصم هُوَ كالمقضي عَلَيْهِ من حَيْثُ إِنَّه يلْزمه الانقياد لَهُ وَلَا بُد من قَاض فِيهِ وَهُوَ الْقلب بِمَنْزِلَة القَاضِي فِي الْخُصُومَات ثمَّ بعد اجْتِمَاع هَذِه الْمعَانِي يتَمَكَّن الْمَشْهُود عَلَيْهِ من الدّفع كَمَا فِي الدَّعْوَى الْمَشْهُود عَلَيْهِ يتَمَكَّن من الدّفع بعد ظُهُور الْحجَّة فَإِن تَمام الْإِلْزَام إِنَّمَا يتَبَيَّن بِالْعَجزِ عَن الدّفع وَرُبمَا يخالفنا فِي بعض هَذَا الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء أَيْضا فصل فِي تَعْلِيل الْأُصُول قَالَ فريق من الْعلمَاء الْأُصُول غير معلولة فِي الأَصْل مَا لم يقم الدَّلِيل على كَونه معلولا فِي كل أصل وَقَالَ فريق آخر هِيَ معلولة إِلَّا بِدَلِيل مَانع وَالْأَشْبَه بِمذهب الشَّافِعِي ﵀ أَنَّهَا معلولة فِي الأَصْل إِلَّا أَنه لَا بُد لجَوَاز التَّعْلِيل فِي كل أصل من دَلِيل مُمَيّز وَالْمذهب عِنْد عُلَمَائِنَا أَنه لَا بُد مَعَ هَذَا من قيام دَلِيل يدل على كَونه معلولا فِي الْحَال وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هَذَا فِي مَسْأَلَة

стр. 516

الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن اسْتِدْلَال من يسْتَدلّ من أَصْحَابنَا على كَون الحكم الثَّابِت فيهمَا معلولا بِأَن الْأُصُول فِي الأَصْل معلولة لَا يكون صَحِيحا حَتَّى يثبت بِالدَّلِيلِ أَن النَّص الَّذِي فيهمَا مَعْلُول فِي الْحَال وَحجَّة الْفَرِيق الأول أَن الحكم فِي الْمَنْصُوص قبل التَّعْلِيل ثَابت بِصِيغَة النَّص وَفِي التَّعْلِيل تَغْيِير لذَلِك الحكم حَتَّى يكون ثَابتا بِالْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنى فِي الْمَنْصُوص فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة الْمجَاز من الْحَقِيقَة وَلَا يجوز الْعُدُول عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز إِلَّا بِدَلِيل بل أولى فالمجاز أحد نَوْعي اللِّسَان وَالْمعْنَى الَّذِي يستنبط من الْمَنْصُوص لَيْسَ من نوع اللِّسَان فِي شَيْء يُوضحهُ أَن الْمعَانِي تتعارض فِي الْمَنْصُوص وَبِاعْتِبَار الْمُعَارضَة لَا يتَعَيَّن وصف مِنْهَا بل كل وصف يحْتَمل أَن يكون هُوَ الْمَعْنى الْمُوجب للْحكم فِيهِ والمحتمل لَا يكون حجَّة وَلَا بُد من تَرْجِيح بعض الْأَوْصَاف عِنْد الِاشْتِغَال بِالتَّعْلِيلِ وَالتَّرْجِيح بعد الْمُعَارضَة لَا يكون إِلَّا بِالدَّلِيلِ على أَنا نفهم من خطاب الشَّرْع مَا نفهم من مخاطباتنا وَمن يَقُول لغيره أعتق عَبدِي هَذَا لم يكن لَهُ أَن يصير إِلَى التَّعْلِيل فِي هَذَا الْأَمر فَكَذَلِك فِي مخاطبات الشَّرْع لَا يجوز الْمصير إِلَى التَّعْلِيل حَتَّى يقوم الدَّلِيل وَحجَّة الْفَرِيق الثَّانِي أَن الدَّلِيل الَّذِي دلّ على صِحَة الْقيَاس وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ يكون دَلِيلا على جَوَاز التَّعْلِيل فِي كل أصل فَإِن مَا هُوَ طَرِيق التَّعْلِيل وَهُوَ الْوُقُوف على معنى النَّص وَالْوَصْف الَّذِي هُوَ صَالح لِأَن يكون عِلّة للْحكم مَوْجُود فِي كل نَص فَيكون جَوَاز التَّعْلِيل أصلا فِي كل نَص وَتَكون صفة الصلاحية أصلا فِي كل وصف فَيكون التَّعْلِيل بِهِ أصلا مَا لم يظْهر الْمَانِع بِمَنْزِلَة الْعَمَل بالأخبار فَإِن وجوب الْعَمَل بِكُل خبر ثَبت عَن صَاحب الشَّرْع هُوَ الأَصْل حَتَّى يمْنَع مِنْهُ مَانع وَلَا تتَحَقَّق الْمُعَارضَة الْمُوجبَة للتوقف بِمُجَرَّد اخْتِلَاف الْآثَار عِنْد إِمْكَان الْعَمَل بِالْكُلِّ فَكَذَلِك لَا تثبت الْمُعَارضَة الْمُوجبَة للتوقف عِنْد كَثْرَة أَوْصَاف الأَصْل مَعَ إِمْكَان الْعَمَل بِالْكُلِّ إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع وَلَيْسَ هَذَا نَظِير خطاب الْعباد فِي معاملاتهم فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا نشتغل فِيهِ

стр. 517

بِطَلَب الْمَعْنى لجَوَاز أَن يكون خَالِيا عَن معنى مُؤثر وَعَن حِكْمَة حميدة بِخِلَاف خطاب الشَّرْع أَلا ترى أَن هُنَاكَ وَإِن كَانَ التَّعْلِيل فِيهِ مَنْصُوصا لَا يُصَار إِلَى التَّعْدِيَة فَإِنَّهُ لَو قَالَ أعتق عَبدِي هَذَا فَإِنَّهُ أسود لم يكن لَهُ أَن يعدي الحكم بِهَذَا التَّعْلِيل إِلَى غَيره وَفِي خطاب الشَّرْع فِيمَا يكون التَّعْلِيل مَنْصُوصا يثبت حكم التَّعْدِيَة بالِاتِّفَاقِ كَقَوْلِه ﵇ الْهِرَّة لَيست بنجسة لِأَنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات ودعواهم أَن فِي التَّعْلِيل تَغْيِير الحكم كَلَام بَاطِل فَإِن الحكم فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل ثَابت بِالنَّصِّ كَمَا كَانَ قبل التَّعْلِيل وَإِنَّمَا التَّعْلِيل لتعدية الحكم إِلَى مَحل آخر لَا نَص فِيهِ على مَا نبينه فِي فصل الشَّرْط فَعرفنَا أَن أثر التَّعْلِيل فِي الْمَنْصُوص من حَيْثُ شرح الصَّدْر وطمأنينة الْقلب وَذَلِكَ تَقْرِير للْحكم لَا تَغْيِير كالوقوف على معنى اللِّسَان وَقَوْلهمْ إِن فِي كل وصف احْتِمَالا قُلْنَا لَا كَذَلِك بل الأَصْل فِي النُّصُوص وجوب التَّعْلِيل لتعميم الحكم على مَا قَررنَا فَبعد هَذَا فِي كل وصف احْتِمَال أَنه لَيْسَ بِمُرَاد بعد قيام الدَّلِيل على كَونه حجَّة (وَمَا ثَبت حجَّة بِالدَّلِيلِ فَإِنَّهُ لَا يخرج بِالِاحْتِمَالِ من أَن يكون حجَّة) وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالدَّلِيلِ الْمَانِع وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ يَقُول قد علمنَا بِالدَّلِيلِ أَن عِلّة النَّص أحد أَوْصَافه لَا كل وصف مِنْهُ فَإِن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع باختلافهم فِي الْوَصْف الَّذِي هُوَ عِلّة فِي النَّص فَكل وَاحِد مِنْهُم ادّعى أَن الْعلَّة مَا قَالَه وَذَلِكَ اتِّفَاق مِنْهُم أَن أحد الْأَوْصَاف هُوَ الْعلَّة ثمَّ ذَلِك الْوَصْف مَجْهُول والمجهول لَا يصلح اسْتِعْمَاله مَعَ الْجَهَالَة لتعدية الحكم فَلَا بُد من دَلِيل التَّمْيِيز بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف حَتَّى يجوز التَّعْلِيل بِهِ فَإِنَّهُ لَا يجوز التَّعْلِيل بِسَائِر الْأَوْصَاف لِاتِّفَاق الصَّحَابَة على ذَلِك وَعلمنَا بِبُطْلَان التَّعْلِيل فِي مُخَالفَة الْإِجْمَاع ثمَّ على أَصله التَّعْلِيل تَارَة يكون للْمَنْع من التَّعْدِيَة وَتارَة يكون لإِثْبَات التَّعْدِيَة وَلَا شكّ أَن الْوَصْف الَّذِي بِهِ يثبت الْحجر عَن التَّعْدِيَة غير الْوَصْف الَّذِي يثبت بِهِ حكم التَّعْدِيَة فَمَا لم يتَمَيَّز أحد الوصفين من الآخر بِالدَّلِيلِ لَا يجوز تَعْلِيل النَّص

стр. 518

وَأما عُلَمَاؤُنَا فقد شرطُوا الدَّلِيل الْمُمَيز وَلَكِن بطرِيق آخر سوى مَا ذكره الشَّافِعِي على مَا نذكرهُ فِي بَابه (إِن شَاءَ الله) وشرطوا قبل ذَلِك أَن يقوم الدَّلِيل فِي الأَصْل على كَونه معلولا فِي الْحَال لِأَن النُّصُوص نَوْعَانِ مَعْلُول وَغير مَعْلُول والمصير إِلَى التَّعْلِيل فِي كل نَص بعد زَوَال هَذَا الِاحْتِمَال وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بِدَلِيل يقوم فِي النَّص على كَونه معلولا فِي الْحَال وَإِنَّمَا نَظِيره مَجْهُول الْحَال إِذا شهد فَإِنَّهُ مَا لم نثبت حُرِّيَّته بِقِيَام الدَّلِيل عَلَيْهِ لَا تكون شَهَادَته حجَّة فِي الْإِلْزَام وَقبل ثُبُوت ذَلِك بِالدَّلِيلِ الْحُرِّيَّة ثَابِتَة بطرِيق الظَّاهِر وَلَكِن هَذَا يصلح للدَّفْع لَا للإلزام فَكَذَلِك الدَّلِيل الَّذِي دلّ فِي كل نَص على أَنه مَعْلُول ثَابت من طَرِيق الظَّاهِر وَفِيه احْتِمَال فَمَا لم يثبت بِالدَّلِيلِ الْمُوجب لكَون هَذَا النَّص معلولا لَا يجوز الْمصير إِلَى تَعْلِيله لتعدية الحكم إِلَى الْفُرُوع فَفِيهِ معنى الْإِلْزَام وَهُوَ نَظِير اسْتِصْحَاب الْحَال فَإِنَّهُ يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للإلزام لبَقَاء الِاحْتِمَال فِيهِ فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الِاقْتِدَاء برَسُول الله ﷺ فِي أَفعاله جَائِز مَا لم يقم الدَّلِيل الْمَانِع وَقد ظَهرت خصوصيته فِي بعض الْأَفْعَال ثمَّ لم يُوجب ذَلِك الِاحْتِمَال فِي كل فعل حَتَّى يُقَال لَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا بعد قيام الدَّلِيل قُلْنَا رَسُول الله ﷺ إِمَام مقتدى بِهِ مَا بعث إِلَّا ليَأْخُذ النَّاس بهديه وهداه فَيكون الِاقْتِدَاء بِهِ هُوَ الأَصْل وَإِن كَانَ قد يجوز أَن يكون هُوَ مَخْصُوصًا بِبَعْض الْأَشْيَاء وَلَكِن الخصوصية فِي حَقه بِمَنْزِلَة دَلِيل التَّخْصِيص فِي الْعُمُوم وَالْعَمَل بِالْعَام مُسْتَقِيم حَتَّى يقوم دَلِيل التَّخْصِيص فَكَذَلِك الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفعاله فَأَما هُنَا فاحتمال كَون النَّص غير مَعْلُول ثَابت فِي كل أصل مثل احْتِمَال كَونه معلولا فَيكون هَذَا بِمَنْزِلَة الْمُجْمل فِيمَا يرجع إِلَى الِاحْتِمَال وَالْعَمَل بالمجمل لَا يكون إِلَّا بعد قيام دَلِيل هُوَ بَيَان فَكَذَلِك تَعْلِيل الْأُصُول يُوضحهُ أَن هُنَاكَ

стр. 519

قد قَامَ الدَّلِيل الْمُوجب لعلم الْيَقِين على جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ مُطلقًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَهَهُنَا الدَّلِيل هُوَ صَلَاحِية الْوَصْف الْمَوْجُود فِي النَّص وَذَلِكَ إِنَّمَا يعلم بِالرَّأْيِ فَلَا يَنْعَدِم بِهِ احْتِمَال كَون النَّص غير مَعْلُول لأَنا قد بَينا أَن فِي تَعْلِيل النَّص معنى الِابْتِلَاء والابتلاء بِمَا يكون غير مَعْلُول من النُّصُوص أظهر وَبَعْدَمَا تحققت الْمُسَاوَاة فِي معنى الِابْتِلَاء لَا بُد من قيام الدَّلِيل فِي الْمَنْصُوص على أَنه مَعْلُول للْحَال وَبَيَان هَذَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن حكم الرِّبَا ثَابت فيهمَا بِالنَّصِّ وَهُوَ مَعْلُول عندنَا بعلة الْوَزْن وَأنكر الشَّافِعِي هَذَا فَيحْتَاج إِلَى أَن يثبت بِالدَّلِيلِ أَنه مَعْلُول وَفِيه نَوْعَانِ من الدَّلِيل أَحدهَا قَوْله ﵇ يَد بيد فَفِيهِ إِيجَاب التَّعْيِين وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا بُد من تعْيين أحد الْبَدَلَيْنِ فِي كل عقد فَإِن الدّين بِالدّينِ حرَام بِالنَّصِّ وَذَلِكَ رَبًّا كَمَا قَالَ ﵇ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ثمَّ وجوب التَّعْيِين فِي الْبَدَل الآخر هُنَا لاشْتِرَاط الْمُسَاوَاة فالمساواة فِي الْبَدَلَيْنِ عِنْد اتِّفَاق الْجِنْس شَرط بقوله ﵇ مثل بِمثل وَعند اخْتِلَاف الْجِنْس الْمُسَاوَاة فِي العينية شَرط بقوله ﵊ وَإِذا اخْتلف النوعان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم بعد أَن يكون يدا بيد وَهَذَا حكم مُتَعَدٍّ إِلَى الْفُرُوع فَإِن الشَّافِعِي يشْتَرط التقايض فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مَعَ اخْتِلَاف الْجِنْس بِهَذَا النَّص وَنحن لَا نجوز بيع قفيز من حِنْطَة بِعَينهَا بقفيز من شعير بِغَيْر عينه غير مَقْبُوض فِي الْمجْلس وَإِن كَانَ مَوْصُوفا وَحل التَّفَاضُل بَينهمَا لِأَن بترك التَّعْيِين فِي الْمجْلس يَنْعَدِم الْمُسَاوَاة فِي الْيَد بِالْيَدِ وشرطنا الْقَبْض فِي رَأس مَال السّلم فِي الْمجْلس لتحقيق معنى التَّعْيِين فَعرفنَا أَنه مَعْلُول وَالتَّعْلِيل بالثمنية يمْنَع التَّعْدِيَة فباعتبار كَونه معلولا يكون مُتَعَدِّيا إِلَى الْفُرُوع فالوصف الَّذِي يمْنَع التَّعْدِيَة لَا يقْدَح فِيهِ وَلَا يُخرجهُ من أَن يكون شَاهدا بِمَنْزِلَة صفة الْجَهْل فِي الشَّاهِد فَإِنَّهُ لَا يكون طَعنا فِي شَهَادَته لِأَنَّهُ لَا يخرج بِهِ من أَن يكون أَهلا للولاية وَالشَّهَادَة تبتنى على ذَلِك بِخِلَاف صفة الرّقّ فَإِن الطعْن بِهِ يمْنَع الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ حَتَّى تثبت حُرِّيَّته بِالْحجَّةِ لِأَنَّهُ يخرج بِهِ من أَن يكون أهل الْولَايَة والصلاحية للشَّهَادَة تبتنى على

стр. 520

ذَلِك وَمِثَال هَذَا أَيْضا مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي تَحْرِيم الْخمر إِنَّه مَعْلُول من غير قيام الدَّلِيل فِيهِ على كَونه معلولا بل الدَّلِيل من النَّص دَال على أَنه غير مَعْلُول وَهُوَ قَوْله ﵇ حرمت الْخمر لعينها وَالسكر من كل شراب وَإِثْبَات الْحُرْمَة وَصفَة النَّجَاسَة فِي بعض الْأَشْرِبَة المسكرة لَا يكون تَعديَة للْحكم الثَّابِت فِي الْخمر أَلا ترى أَنه لَا يثبت على ذَلِك الْوَجْه حَتَّى لَا يكفر مستحله وَلَا يكون التَّقْدِير فِي النَّجَاسَة فِيهِ كالتقدير فِي الْخمر وَإِنَّمَا تِلْكَ حُرْمَة ثَابِتَة بِاعْتِبَار نوع من الِاحْتِيَاط فَلَا يتَبَيَّن بِهِ كَون النَّص معلولا ثمَّ تَعْلِيل النَّص قد يكون تَارَة بِالنَّصِّ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم﴾ وَقَول النَّبِي ﵇ لبريرة ملكت بضعك فاختاري وَقد يكون بفحوى النَّص كَقَوْل النَّبِي ﵇ فِي السّمن الَّذِي وَقعت فِيهِ فَأْرَة إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وكلوا مَا بَقِي وَإِن مَائِعا فأريقوه فَإِن فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه مَعْلُول بعلة مجاورة النَّجَاسَة إِيَّاه وَكَذَلِكَ خبر الرِّبَا من هَذَا النَّوْع كَمَا بَينا وَقد يكون بالاستدلال بِحكم النَّص كَقَوْلِه ﵇ فِي دم الِاسْتِحَاضَة إِنَّه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صَلَاة وَقد يكون على اتِّفَاق الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ على كَونه معلولا فَعِنْدَ وجود شَيْء من هَذِه الْأَدِلَّة فِي النَّص سقط اعْتِبَار احْتِمَال كَونه غير مَعْلُول فصل فِي ذكر شَرط الْقيَاس وَإِنَّمَا قدمنَا الشَّرْط لِأَن الشرعيات لَا تصير مَوْجُودَة بركنها قبل وجود الشَّرْط أَلا ترى أَن من أَرَادَ النِّكَاح فَلَا بُد لَهُ من أَن يبْدَأ بإحضار الشُّهُود وَمن أَرَادَ الصَّلَاة لم يجد بدا من الْبِدَايَة بِالطَّهَارَةِ وَستر الْعَوْرَة وَهَذِه الشُّرُوط خَمْسَة أَحدهَا أَن لَا يكون حكم الأَصْل مَخْصُوصًا بِهِ بِنَصّ آخر وَالثَّانِي أَن لَا يكون معدولا بِهِ عَن الْقيَاس وَالثَّالِث أَن لَا يكون التَّعْلِيل للْحكم الشَّرْعِيّ الثَّابِت بِالنَّصِّ بِعَيْنِه حَتَّى يتَعَدَّى بِهِ إِلَى فرع هُوَ نَظِيره وَلَا نَص

стр. 521

فِيهِ وَالرَّابِع أَن يبْقى الحكم فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله وَالْخَامِس أَن لَا يكون التَّعْلِيل متضمنا إبِْطَال شَيْء من أَلْفَاظ الْمَنْصُوص أما الأول فَلِأَن التَّعْلِيل لتعدية الحكم وَذَلِكَ يبطل التَّخْصِيص الثَّابِت بِالنَّصِّ فَكَانَ هَذَا تعليلا فِي مُعَارضَة النَّص لدفع حكمه وَالْقِيَاس فِي مُعَارضَة النَّص بَاطِل وَأما الثَّانِي فَلِأَن التَّعْلِيل يكون مقايسة وَالْحكم المعدول بِهِ عَن الْقيَاس الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ على مُوَافقَة النَّص وَلَا مُعْتَبر بِالْقِيَاسِ فِيهِ على مُخَالفَة النَّص لِأَن الْمَقْصُود بِالتَّعْلِيلِ إِثْبَات الحكم بِهِ فِي الْفَرْع وَالْقِيَاس يَنْفِي هَذَا الحكم وَلَا يتَحَقَّق الْإِثْبَات بِحجَّة النَّفْي كَمَا لَا يتَحَقَّق التَّحْلِيل بِمَا هُوَ حجَّة التَّحْرِيم وَأما الثَّالِث فَلِأَن المقايسة إِنَّمَا تكون بَين شَيْئَيْنِ ليعلم بِهِ أَنَّهُمَا مثلان فَلَا تصور لَهُ فِي شَيْء وَاحِد وَلَا فِي شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين لَا تتَحَقَّق الْمُمَاثلَة بَينهمَا فَإِذا لم يَتَعَدَّ الحكم بِالتَّعْلِيلِ عَن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ يكون شَيْئا وَاحِدًا لَا تتَحَقَّق فِيهِ المقايسة وَإِذا كَانَا مُخْتَلفين لَا يصيران بِالتَّعْلِيلِ مثلين وَمحل الانفعال شَرط كل فعل وَقَول كمحل هُوَ حَيّ فَإِنَّهُ شَرط ليَكُون صدمه ضربا وقطعه قتلا وَاشْتِرَاط كَونه حكما شَرْعِيًّا لِأَن الْكَلَام فِي الْقيَاس على الْأُصُول الثَّابِتَة شرعا وبمثل هَذَا الْقيَاس لَا يعرف إِلَّا حكم الشَّرْع فَإِن الطِّبّ واللغة لَا يعرف بِمثل هَذَا الْقيَاس وَأما الرَّابِع فَلِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ يكون بعد النَّص وَفِي الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا مدْخل للْقِيَاس فِي التَّغْيِير كَمَا لَا مدْخل لَهُ فِي الْإِبْطَال فَإِذا لم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل فِي الْمَنْصُوص على مَا كَانَ قبله كَانَ هَذَا بَيَانا مغيرا لحكم النَّص أَو مُبْطلًا لَهُ وَلَا مُعْتَبر بِالْقِيَاسِ فِي مُعَارضَة النَّص وَأما الْخَامِس فَلِأَن النَّص مقدم على الْقيَاس بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَكَمَا لَا يعْتَبر

стр. 522

الْقيَاس فِي مُعَارضَة النَّص بِإِبْطَال حكمه لَا يعْتَبر فِي ممارسته بِإِبْطَال لَفظه وَفِي بعض هَذِه الْفُصُول يخالفنا الشَّافِعِي ﵀ على مَا نبينه فَأَما الْمِثَال الأول وَهُوَ أَن الْعدَد مُعْتَبر فِي الشَّهَادَات الْمُطلقَة بِالنَّصِّ وَقد فسر الله تَعَالَى الشَّاهِدين برجلَيْن أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ تنصيص على أدنى مَا يكون من الْحجَّة لإِثْبَات الْحق ثمَّ خص رَسُول الله ﷺ خُزَيْمَة ﵁ بِقبُول شَهَادَته وَحده فَكَانَ ذَلِك حكما ثَبت بِالنَّصِّ اخْتِصَاصه بِهِ كَرَامَة لَهُ فَلم يجز تَعْلِيله أصلا حَتَّى لَا يثبت ذَلِك الحكم فِي شَهَادَة غير خُزَيْمَة مِمَّن هُوَ مثله أَو دونه أَو فَوْقه فِي الْفَضِيلَة لِأَن التَّعْلِيل يبطل خصوصيته وَكَذَلِكَ رَسُول الله ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِأَن حل لَهُ تسع نسْوَة فقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الْحل بِالنِّكَاحِ يقْتَصر على الْأَرْبَعَة ثمَّ ظَهرت خُصُوصِيَّة رَسُول الله ﵊ بِالزِّيَادَةِ بِنَصّ آخر فَلم يكن ذَلِك قَابلا للتَّعْلِيل وَكَذَلِكَ ظَهرت خصوصيته بِالنِّكَاحِ (بِغَيْر مهر بِالنَّصِّ فَلم يكن ذَلِك قَابلا للتَّعْلِيل وَقَالَ الشَّافِعِي قد ظَهرت خصوصيته بِالنِّكَاحِ) بِلَفْظ الْهِبَة بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾ فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ لتعدية الحكم إِلَى نِكَاح غَيره وَلَكنَّا نقُول المُرَاد بِالنَّصِّ الْمُوجب للتخصيص ملك الْبضْع نِكَاحا بِغَيْر مهر فَإِنَّهُ ذكر فعل الْهِبَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي مصدرا ثمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَة لَك﴾ نعت ذَلِك الْمصدر أَي إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي هبة خَالِصَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم﴾ أَي من الابتغاء بِالْمَالِ الْمُقدر فالفرض عبارَة عَن التَّقْدِير وَذَلِكَ فِي المَال يكون لَا فِي لفظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج أَو المُرَاد اخْتِصَاصه بِالْمَرْأَةِ حَتَّى لَا تحل لأحد بعده فيتأدى هُوَ بِكَوْن الْغَيْر شَرِيكا لَهُ فِي فراشها من حَيْثُ الزَّمَان وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا﴾ أَلا ترى أَن معنى الْكَرَامَة بالاختصاص إِنَّمَا تظهر فِيمَا يتَوَهَّم فِيهِ الْحَرج بإلزامه إِيَّاه وَذَلِكَ

стр. 523

لَا يتَحَقَّق فِي اللَّفْظ فقد كَانَ أفْصح الْعَرَب لَا يلْحقهُ الْحَرج فِي لفظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج وَمن هَذِه الْجُمْلَة اشْتِرَاط الْأَجَل فِي السّلم فَإِنَّهُ حكم ثَابت بِالنَّصِّ فِي هَذَا العقد خَاصّا وَهُوَ قَوْله ﵇ من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم فَلَا يجوز الْمصير فِيهِ إِلَى التَّعْلِيل حَتَّى يجوز السّلم حَالا بِالْقِيَاسِ على البيع بعلة أَنه نوع بيع لِأَن الأَصْل فِي جَوَاز البيع اشْتِرَاط قيام الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْعَاقِد وَالْقُدْرَة على التَّسْلِيم حَتَّى لَو بَاعَ مَا لَا يملكهُ ثمَّ اشْتَرَاهُ فسلمه لَا يجوز ثمَّ ترك هَذَا الأَصْل فِي السّلم رخصَة بِالنَّصِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم وَهَذَا لِأَن الْمُسلم فِيهِ غير مَقْدُور التَّسْلِيم للعاقد عِنْد العقد وَلَا يصير مَقْدُور التَّسْلِيم لَهُ بِنَفس العقد لِأَن العقد سَبَب للْوُجُوب عَلَيْهِ وَقدرته على التَّسْلِيم يكون بِمَا لَهُ لَا بِمَا عَلَيْهِ وَلكنه مُحْتَاج إِلَى مُبَاشرَة هَذَا العقد لتَحْصِيل الْبَدَل مَعَ عَجزه عَن تَسْلِيم الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الْحَال وَقدرته على ذَلِك بعد مُضِيّ مُدَّة مَعْلُومَة بطرِيق الْعَادة إِمَّا بِأَن يكْتَسب أَو يدْرك غلاته بمجيء أَوَانه فجوز الشَّرْع هَذَا العقد مَعَ عدم الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي ملكه رخصَة لِحَاجَتِهِ وَلَكِن بطرِيق يقدر على التَّسْلِيم عِنْد وجوب التَّسْلِيم عَادَة وَذَلِكَ بِأَن يكون مُؤَجّلا فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ لكَونه حكما خَاصّا ثَبت الخصوصية فِيهِ بِالنَّصِّ كَمَا بَينا وَكَذَلِكَ قُلْنَا الْمَنَافِع لَا تضمن بِالْإِتْلَافِ وَالْغَصْب لِأَن وجوب الضَّمَان يَسْتَدْعِي الْمَالِيَّة والتقوم فِي الْمُتْلف وَذَلِكَ لَا يسْبق الْإِحْرَاز وَلَا تصور للإحراز فِي الْمَنَافِع ثمَّ ثُبُوت الْمَالِيَّة والتقوم فِيهَا بِالْعقدِ حكم خَاص ثَبت بِالنَّصِّ فَلم يكن قَابلا للتَّعْلِيل وَكَذَلِكَ إِثْبَات المعادلة بَينهمَا وَبَين الْأَعْيَان فِي مُوجب العقد الْفَاسِد وَالصَّحِيح حكم خَاص فِيهَا لِأَنَّهُ لَا مماثلة بَين الْمَنَافِع وَبَين الْأَعْيَان بِاعْتِبَار الأَصْل فالعين جَوْهَر يقوم بِهِ الْعرض وَالْمَنْفَعَة عرض يقوم بالجوهر

стр. 524

وَالْمَنَافِع لَا تبقى وَقْتَيْنِ وَالْعين تبقى وَبَين مَا يبْقى وَبَين مَا لَا يبْقى تفَاوت فَعرفنَا أَن ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي مُقْتَضى العقد حكم خَاص ثَابت بِالنَّصِّ فَلَا يقبل التَّعْلِيل وَكَذَلِكَ إِلْزَام العقد على الْمَنَافِع قبل وجودهَا حكم خَاص ثَبت للْحَاجة أَو للضَّرُورَة من حَيْثُ إِنَّه لَا يتَصَوَّر العقد عَلَيْهَا بعد الْوُجُود لِأَن الْمَوْجُود لَا يبْقى إِلَى وَقت التَّسْلِيم وَمَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّسْلِيم بِحكم العقد لَا يكون محلا للْعقد فَلَا يجوز تَعديَة هَذَا الحكم بِالتَّعْلِيلِ إِلَى الْمحل الَّذِي يتَصَوَّر العقد عَلَيْهِ بعد الْوُجُود وَهُوَ نَظِير حل الْميتَة عِنْد المخمصة فَإِن ثُبُوته لما كَانَ بطرِيق الضَّرُورَة لم يجز تَعْلِيله لتعدية ذَلِك الحكم إِلَى مَحل آخر وَمِثَال الْفَصْل الثَّانِي مَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ فِي جَوَاز التوضي بنبيذ التَّمْر فَإِنَّهُ حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يكن قَابلا للتَّعْلِيل حَتَّى لَا يتَعَدَّى ذَلِك الحكم (إِلَى سَائِر الأنبذة وَوُجُوب الطَّهَارَة بالقهقهة فِي الصَّلَاة حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يكن قَابلا للتَّعْلِيل حَتَّى لَا يتَعَدَّى الحكم) إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة لِأَن النَّص ورد فِي صَلَاة مُطلقَة وَهِي مَا تشْتَمل على جَمِيع أَرْكَان الصَّلَاة وَكَذَلِكَ بَقَاء الصَّوْم مَعَ الْأكل وَالشرب نَاسِيا فَإِنَّهُ معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ لِأَن ركن الصَّوْم يَنْعَدِم بِالْأَكْلِ مَعَ النسْيَان والركن هُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشَّهَوَات وَأَدَاء الْعِبَادَة بعد فَوَات ركنها لَا يتَحَقَّق فَعرفنَا أَنه عَن معدول بِهِ عَن الْقيَاس فَلم يجز تَعديَة الحكم فِيهِ إِلَى المخطىء وَالْمكْره والنائم يصب فِي حلقه بطرِيق التَّعْلِيل فَإِن قيل قد عديتم حكم النَّص إِلَى الْجِمَاع وَقد ورد فِي الْأكل وَالشرب وَكَانَ ذَلِك بطرِيق التَّعْلِيل قُلْنَا لَا كَذَلِك بل قد ثَبت بِالنَّصِّ الْمُسَاوَاة بَين الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي حكم الصَّوْم وَإِن ركن الصَّوْم هُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشهوتين جَمِيعًا فَيكون الحكم الثَّابِت (بِالنَّصِّ)

стр. 525

فِي أَحدهمَا ثَابتا فِي الآخر بِالنَّصِّ أَيْضا لَا بالمقايس لِأَنَّهُ لَيْسَ بَينهمَا فرق فِي حكم الصَّوْم الشَّرْعِيّ سوى اخْتِلَاف الِاسْم فَإِن الْإِقْدَام على كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيهِ تَفْوِيت ركن الصَّوْم لِأَنَّهُ جِنَايَة على مَحل الْفِعْل من بضع أَو طَعَام وَهُوَ نَظِير جُزْء الرَّقَبَة مَعَ شقّ الْبَطن فَإِنَّهُمَا فعلان مُخْتَلِفَانِ فِي الِاسْم وكل وَاحِد مِنْهُمَا قتل مُوجب للقود بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ وَكَذَلِكَ من بِهِ سَلس الْبَوْل يتَوَضَّأ لوقت كل صَلَاة كالمستحاضة وَكَانَ الحكم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ثَابتا بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ لِأَن النَّص ورد عِنْد اسْتِدَامَة الْعذر وعَلى هَذَا قُلْنَا من سبقه الْحَدث فِي خلال الصَّلَاة بِأَيّ وَجه سبقه فَإِنَّهُ يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته بِالنَّصِّ وَذَلِكَ حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس وَإِنَّمَا ورد النَّص فِي الْقَيْء والرعاف ثمَّ جعل ذَلِك ورودا فِي سَائِر الْأَحْدَاث الْمُوجبَة للْوُضُوء وَلم يَجْعَل ورودا فِي الْحَدث الْمُوجب للاغتسال لتحَقّق الْمُغَايرَة فِيمَا بَينهمَا فَإِن قيل فَكَذَلِك نقُول فِي الْمُكْره والخاطىء فالمساواة بَينهمَا وَبَين النَّاسِي ثَابت من حَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا غير قَاصد إِلَى الْجِنَايَة على الصَّوْم قُلْنَا نعم وَلَكِن هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا ثَبت أَن الْقَصْد مُعْتَبر فِي تَفْوِيت ركن الصَّوْم وَإِذا كَانَ الْقَصْد لَا يعْتَبر فِي تحقق ركن الصَّوْم حَتَّى إِن من كَانَ مغمى عَلَيْهِ فِي جَمِيع النَّهَار يتَأَدَّى ركن الصَّوْم مِنْهُ فَكَذَلِك ترك الْقَصْد لَا يمْنَع تحقق فَوَات ركن الصَّوْم وَكَذَلِكَ مَعَ عدم الْقَصْد قد يتَحَقَّق فَوَات ركن الصَّوْم وانعدام الْأَدَاء بِهِ فَإِن من أغمى قبل غرُوب الشَّمْس وَبَقِي كَذَلِك إِلَى آخر الْغَد فَإِنَّهُ لَا يكون صَائِما وَإِن انْعَدم مِنْهُ الْقَصْد إِلَى ترك الصَّوْم ثمَّ لَا مُسَاوَاة أَيْضا بَين الخاطىء وَالْمكْره وَبَين النَّاسِي فِيمَا يرجع إِلَى عدم الْقَصْد فَإِن الخاطىء إِنَّمَا انعدام الْقَصْد مِنْهُ بِاعْتِبَار قَصده إِلَى الْمَضْمَضَة وَإِنَّمَا ابْتُلِيَ بالشرب خطأ بطرِيق يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ وَأما النَّاسِي فانعدم الْقَصْد مِنْهُ لعدم علمه بِالصَّوْمِ أصلا وَذَلِكَ بنسيان لَا صنع لَهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﵇ فِي قَوْله إِن الله أطعمك وسقاك وَلما كَانَ سَبَب الْعذر مِمَّن لَهُ الْحق على وَجه لَا صنع للعباد فِيهِ استقام أَن يَجْعَل الرُّكْن بِاعْتِبَارِهِ

стр. 526

قَائِما حكما فَأَما فِي الْمُكْره والنائم سَبَب الْعذر جَاءَ من جِهَة الْعباد وَالْحق فِي أَدَاء الصَّوْم لله فَلم يكن هَذَا فِي (معنى) سَبَب كَانَ مِمَّن لَهُ الْحق أَلا ترى أَن الْمَرِيض يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا برأَ والمقيد يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا رفع الْقَيْد عَنهُ وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله الَّذِي شج فِي صلَاته لَا يَبْنِي بعد الْوضُوء وَالَّذِي ابْتُلِيَ بقيء أَو رُعَاف يَبْنِي على صلَاته بعد الْوضُوء لما أَن ذَلِك حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ وَمَا يبتنى على صنع الْعباد لَيْسَ نَظِير مَا لَا صنع للعباد من كل وَجه وَمن هَذِه الْجُمْلَة قُلْنَا حل الذَّبِيحَة مَعَ ترك التَّسْمِيَة نَاسِيا حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يجز تَعْلِيله لتعدية الحكم إِلَى الْعَامِد وَلَا مُسَاوَاة بَينهمَا فالناسي مَعْذُور غير معرض عَن ذكر اسْم الله تَعَالَى والعامد جَان معرض عَن ذكر اسْم الله تَعَالَى على الذَّبِيحَة وَمن أَصْحَابنَا من ظن أَن المستحسنات كلهَا بِهَذِهِ الصّفة وَلَيْسَ كَمَا ظن فالمستحسن قد يكون معدولا بِهِ عَن الْقيَاس وَقد يكون ثَابتا بِنَوْع من الْقيَاس إِلَّا أَنه قِيَاس خَفِي على مَا نبينه فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمن أَصْحَابنَا من ظن أَن فِي الحكم الَّذِي يكون ثَابتا بِالنَّصِّ فِيهِ معنى مَعْقُول إِلَّا أَنه يُعَارض ذَلِك الْمَعْنى معَان أخر تخَالفه فَالْجَوَاب فِيهِ كَذَلِك إِلَّا أَنه لَا يجوز التَّعْلِيل فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الأَصْل بِمَنْزِلَة الرَّاوِي وَالْوَصْف الَّذِي بِهِ تعلل بِمَنْزِلَة الحَدِيث وَفِي رِوَايَة الْأَخْبَار قد يَقع التَّرْجِيح بِاعْتِبَار كَثْرَة الروَاة على مَا بَينا وَلَكِن بِهِ لَا يخرج من أَن تكون رِوَايَة الْوَاحِد مُعْتَبرا فَعرفنَا أَنه مَتى كَانَ النَّص مَعْقُول الْمَعْنى فَإِنَّهُ يجوز تَعْلِيله بذلك الْمَعْنى ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى فرع وَإِن عَارض ذَلِك الْمَعْنى معَان أخر فِي الأَصْل فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط التَّعْلِيل للتعدية اعْتِبَار جَمِيع مَعَاني الأَصْل وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَهُوَ أعظم هَذِه الْوُجُوه فقها وأعمها نفعا وَهُوَ شَرط وَاحِد اسْما وَلَكِن يدْخل تَحْتَهُ أصُول

стр. 527

فَمِنْهَا أَن الْكَلَام مَتى كَانَ من معنى اللُّغَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمصير فِيهِ إِلَى الْإِثْبَات بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ وَبَيَان هَذَا فِي الْيَمين الْغمُوس فَإِن علماءنا قَالُوا إِنَّهَا لَا تَنْعَقِد مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا لَيست بِيَمِين معقودة وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِالنَّصِّ فِي الْيَمين المعقودة وَكَانَ الِاشْتِغَال فِي الحكم بِالتَّعْلِيلِ بقوله يَمِين بِاللَّه مَقْصُودَة بَاطِلا من الْكَلَام لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات الِاسْم حَقِيقَة فعندنا هَذِه لَيست بِيَمِين حَقِيقَة وَإِنَّمَا سميت يَمِينا مجَازًا لِأَن ارْتِكَاب هَذِه الْكَبِيرَة كَانَ بِاسْتِعْمَال صُورَة الْيَمين كَبيع الْحر يُسمى بيعا مجَازًا وَإِن لم يكن بيعا على الْحَقِيقَة وَإِذا كَانَ الْكَلَام فِي إِثْبَات اسْم الْيَمين حَقِيقَة وَذَلِكَ لَا يُمكن مَعْرفَته بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ كَانَ الِاشْتِغَال بِهِ فضلا من الْكَلَام وَلَكِن طَرِيق مَعْرفَته التَّأَمُّل فِي أصُول أهل اللُّغَة وهم إِنَّمَا وضعُوا الْيَمين لتحقيق معنى الصدْق من الْخَبَر فَعرفنَا أَن مَا لَيْسَ فِيهِ توهم الصدْق بِوَجْه لَا يكون محلا للْيَمِين لخلوه عَن فَائِدَة وَبِدُون الْمحل لَا يتَصَوَّر انْعِقَاد الْيَمين وَلذَلِك قَالَ أَبُو حنيفَة فِي اللواطة إِنَّهَا لَا توجب الْحَد لِأَنَّهَا لَيست بزنا واشتغال الْخُصُوم بتعليل نَص الزِّنَا لتعدية الحكم أَو إِثْبَات الْمُسَاوَاة بَينه وَبَين اللواطة يكون فَاسِدا لِأَن طَرِيق معرفَة الِاسْم النّظر فِي مَوْضُوعَات أهل اللُّغَة لَا الأقيسة الشَّرْعِيَّة وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْرِبَة سوى الْخمر لَا يجب الْحَد بِشرب الْقَلِيل مَا لم يسكر واشتغال الْخصم بتعليل نَص الْخمر لتعدية الحكم أَو لإِثْبَات الْمُسَاوَاة فَاسد لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات هَذَا الِاسْم كَسَائِر الْأَشْرِبَة فَإِن قيل اعْتِبَار الْمَعْنى لإِثْبَات الْمُسَاوَاة فِي الِاسْم لُغَة لَا شرعا فالزنا عِنْد أهل اللُّغَة اسْم لفعل فِيهِ اقْتِضَاء الشَّهْوَة على قصد سفح المَاء دون النَّسْل وَلِهَذَا سموهُ سِفَاحًا وَسموا النِّكَاح إحصانا واللواطة مثل الزِّنَا فِي هَذَا الْمَعْنى من كل وَجه وَكَذَلِكَ الْخمر اسْم لعين تحصل مخامرة الْعقل

стр. 528

بشربه وَلِهَذَا لَا يُسمى الْعصير بِهِ قبل التخمر وَلَا بعد التخلل وَهَذِه الْأَشْرِبَة مُسَاوِيَة للخمر فِي هَذَا الْمَعْنى قُلْنَا هَذَا فَاسد لِأَن الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة للأعيان أَو للأشخاص عِنْد أهل اللُّغَة الْمَقْصُود بهَا تَعْرِيف الْمُسَمّى وإحضاره بذلك الِاسْم لَا تحقق ذَلِك الْوَصْف فِي الْمُسَمّى بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة للرِّجَال وَالنِّسَاء كزيد وَعمر وَبكر وَمَا أشبهه فَكَذَلِك أَسمَاء الْأَفْعَال كَالزِّنَا واللواطة وَأَسْمَاء الْأَعْيَان كَالْخمرِ وَمَا هَذِه الدَّعْوَى إِلَّا نَظِير مَا يحْكى عَن بعض الموسوسين أَنه كَانَ يَقُول أَنا أبين الْمَعْنى فِي كل اسْم لُغَة أَنه لماذا وضع ذَلِك الِاسْم لُغَة لما يُسمى بِهِ فَقيل لَهُ لماذا يُسمى الجرجير جرجيرا فَقَالَ لِأَنَّهُ يتجرجر إِذا ظهر على وَجه الأَرْض أَي يَتَحَرَّك فَقيل لَهُ فلحيتك تتحرك أَيْضا وَلَا تسمى جرجيرا فَقيل لَهُ لماذا سميت القارورة قَارُورَة قَالَ لِأَنَّهُ يسْتَقرّ فِيهَا الْمَائِع فَقيل لَهُ فجوفك أَيْضا يسْتَقرّ فِيهِ الْمَائِع وَلَا يُسمى قَارُورَة وَلَا شكّ أَن الِاشْتِغَال بِمثل هَذَا فِي الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة يكون من نوع الْجُنُون فَإِن قيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تبتنى على الْأَسَامِي الثَّابِتَة شرعا وَذَلِكَ نوع من الْأَسَامِي لَا يعرفهُ أهل اللُّغَة كاسم الصَّلَاة للأركان الْمَعْلُومَة وَاسم الْمُنَافِق لبَعض الْأَشْخَاص وَمَا أشبه ذَلِك قُلْنَا الْأَسْمَاء الثَّابِتَة شرعا تكون ثَابِتَة بطرِيق مَعْلُوم شرعا كالأسماء الْمَوْضُوعَة لُغَة تكون ثَابِتَة بطرِيق يعرفهُ أهل اللُّغَة ثمَّ ذَلِك الِاسْم لَا يخْتَص بِعِلْمِهِ وَاحِد من أهل اللُّغَة بل يشْتَرك فِيهِ جَمِيع أهل اللُّغَة لاشتراكهم فِي طَرِيق مَعْرفَته فَكَذَلِك هَذَا الِاسْم يشْتَرك فِي مَعْرفَته جَمِيع من يعرف أَحْكَام الشَّرْع وَمَا يكون بطرِيق الاستنباط والرأي فَإِنَّمَا يعرفهُ القايس فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا يجوز إِثْبَات الِاسْم بِالْقِيَاسِ على أَي وَجه كَانَ وعَلى هَذَا لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي إِلْحَاق النباش بالسارق فِي حكم الْقطع لِأَن الْقطع بِالنَّصِّ وَاجِب على السَّارِق فَالْكَلَام فِي إِثْبَات اسْم السّرقَة حَقِيقَة وَقد قدمنَا الْبَيَان فِي نفي التَّسْوِيَة

стр. 529

بَين النباش وَالسَّارِق فِي فعل السّرقَة وَهَذَا لِأَن الْأَسْمَاء نَوْعَانِ حَقِيقَة ومجاز فطريق معرفَة الْحَقِيقَة هُوَ السماع من أهل اللُّغَة وَطَرِيق معرفَة الْمجَاز مِنْهُ الْوُقُوف على اسْتِعَارَة أهل اللُّغَة وَنحن نعلم أَن طَرِيق الِاسْتِعَارَة فِيمَا بَين أهل اللُّغَة غير طَرِيق التَّعْدِيَة فِي أَحْكَام الشَّرْع فَلَا يُمكن معرفَة هَذَا النَّوْع بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي هُوَ لتعدية حكم الشَّرْع وعَلى هَذَا قُلْنَا الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ لتصحيح اسْتِعَارَة أَلْفَاظ الطَّلَاق لِلْعِتْقِ يكون بَاطِلا وَإِنَّمَا نشتغل فِيهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا هُوَ طَرِيق الِاسْتِعَارَة عِنْد أهل اللُّغَة وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الِاسْتِعَارَة فِي أَلْفَاظ التَّمْلِيك للنِّكَاح يكون اشتغالا بِمَا لَا معنى لَهُ وَكَذَلِكَ فِي إِثْبَات اسْتِعَارَة لفظ النّسَب لِلْعِتْقِ وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ فِي تَصْحِيح إِرَادَة الْعدَد من لفظ الطَّلَاق والاشتغال بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الْمُوَافقَة بَين الشَّاهِدين إِذا شهد أَحدهمَا بِمِائَة وَالْآخر بمائتين أَو شهد أَحدهمَا بتطليقة وَالْآخر بِنصْف تَطْلِيقَة فَإِنَّمَا يكون من نوع هَذَا (فالحاجة فِيهِ إِلَى إِثْبَات الِاسْم وَطَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهِ التَّأَمُّل فِي طَرِيقه عِنْد أهل اللُّغَة) فَكَانَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ فِيهِ اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَكَذَلِكَ الْإِطْعَام فِي الْكَفَّارَات فَإِن اشْتِرَاط التَّمْلِيك فِيهِ بِالْقِيَاسِ على الْكسْوَة بَاطِل لِأَن الْكَلَام فِي معنى الْإِطْعَام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا مدْخل للْقِيَاس الشَّرْعِيّ فِي معرفَة معنى الِاسْم لُغَة وَإِنَّمَا الطَّرِيق فِيهِ التَّأَمُّل فِي معنى اللَّفْظ لُغَة وَهُوَ فعل مُتَعَدٍّ فلازمه طعم وَحَقِيقَته فِيمَا يصير الْمِسْكِين بِهِ طاعما وَذَلِكَ بالتمكين من الْإِطْعَام بِمَنْزِلَة الإيكال ثمَّ يجوز التَّمْلِيك فِيهِ بِدلَالَة النَّص فَأَما الْكسْوَة فَهُوَ عبارَة عَن الملبوس دون فعل اللّبْس وَدون مَنْفَعَة الثَّوْب وَعين الملبوس لَا يصير كَفَّارَة إِلَّا بالتمليك من الْمِسْكِين فَأَما الإلباس فَهُوَ تَمْكِين من الِانْتِفَاع بالملبوس وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاخْتِلَاف فِي شَرط التَّعْدِيَة وَالْمذهب عندنَا أَن تَعْلِيل النَّص بِمَا لَا يتَعَدَّى لَا يجوز أصلا وَعند الشَّافِعِي هَذَا التَّعْلِيل جَائِز وَلكنه لَا يكون مقايسة وعَلى هَذَا جوز هُوَ تَعْلِيل نَص الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة

стр. 530

بالثمينة وَإِن كَانَت لَا تتعدى فَنحْن لَا نجوز ذَلِك وَالْمذهب عندنَا أَن حكم التَّعْلِيل هُوَ تَعديَة حكم الأَصْل إِلَى الْفُرُوع وكل تَعْلِيل لَا يُفِيد ذَلِك فَهُوَ خَال عَن حكمه وعَلى قَوْله حكم التَّعْلِيل ثُبُوت الحكم فِي الْمَنْصُوص بِالْعِلَّةِ ثمَّ تتعدى تِلْكَ الْعلَّة إِلَى الْفُرُوع تَارَة فَيثبت بهَا الحكم فِي الْفُرُوع كَمَا فِي الأَصْل وَتارَة لَا تتعدى فَيبقى الحكم فِي الأَصْل ثَابتا وَبِه يكون ذَلِك تعليلا مُسْتَقِيمًا بِمَنْزِلَة النَّص الَّذِي هُوَ عَام مَعَ النَّص الَّذِي هُوَ خَاص احْتج وَقَالَ لِأَن التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ حجَّة لإِثْبَات حكم الشَّرْع فَيكون بِمَنْزِلَة سَائِر أَنْوَاع الْحجَج وَسَائِر الْحجَج من الْكتاب وَالسّنة أَيْنَمَا وجدت يثبت الحكم بهَا فَكَذَلِك التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِلَّا أَن سَائِر الْحجَج تكون ثَابت بِغَيْر صنع منا وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِنَّمَا يحصل بصنعنا وَمَتى وجد ذَلِك كَانَ ثُبُوت الحكم مُضَافا إِلَيْهِ سَوَاء تعدى إِلَى الْفُرُوع أَو لم يَتَعَدَّ وَهَذَا لِأَن الشَّرْط فِي الْوَصْف الَّذِي يتعلل الأَصْل بِهِ قيام دلَالَة التَّمْيِيز بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي الْوَصْف الَّذِي يقْتَصر على مَوضِع النَّص وَفِي الْوَصْف الَّذِي يتَعَدَّى إِلَى مَحل آخر وَبعد مَا وجد فِيهِ شَرط صِحَة التَّعْلِيل بِهِ لَا يثبت الْحجر عَن التَّعْلِيل بِهِ إِلَّا بمانع فكونه غير مُتَعَدٍّ لَا يصلح أَن يكون مَانِعا إِنَّمَا الْمَانِع مَا يُخرجهُ من أَن يكون حجَّة وانعدام وصف التَّعَدِّي فِيهِ لَا يُخرجهُ من أَن يكون حجَّة كالنص وَالْجَوَاب عَن هَذَا الْكَلَام بِمَا هُوَ الْحجَّة لنا وَهُوَ أَن الْحجَج الشَّرْعِيَّة لَا بُد أَن تكون مُوجبَة علما أَو عملا وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ لَا يُوجب الْعلم بالِاتِّفَاقِ فَعرفنَا أَنه مُوجب للْعَمَل وَأَنه بِاعْتِبَارِهِ يصير حجَّة والموجب للْعَمَل مَا يكون مُتَعَدِّيا إِلَى الْفُرُوع لِأَن وجوب الْعَمَل بِالْعِلَّةِ إِنَّمَا يظْهر فِي الْفَرْع فَأَما الأَصْل فقد كَانَ مُوجبا للْعَمَل فِي الْمحل الَّذِي تنَاوله قبل التَّعْلِيل فَإِذا خلا عَن التَّعْلِيل لم يكن مُوجبا شَيْئا فَلَا يكون حجَّة شرعا
следующие страницы →