Полный текст (724 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
على مُوَرِثه وَلَا تثبت فِي حق الصَّبِي وَالْمَجْنُون عندنَا أصلا لِأَنَّهَا عُقُوبَة والأهلية للعقوبة لَا تسبق الْخطاب بِخِلَاف الخاطىء إِذا كَانَ بَالغا عَاقِلا فالبالغ الْعَاقِل مُخَاطب وَلكنه بِسَبَب الْخَطَأ يعْذر مَعَ نوع تَقْصِير مِنْهُ فِي التَّحَرُّز وَالصَّبِيّ لَا يُوصف بالتقصير الْكَامِل والناقص فَلَا يثبت فِي حَقه مَا يكون عُقُوبَة قَاصِرَة كَانَت أَو كَامِلَة وَلِهَذَا لَا تثبت فِي حق الْقَائِد والسائق وَالشَّاهِد إِذا رَجَعَ عَن شَهَادَته وحافر الْبِئْر وَوَاضِع الْحجر لِأَنَّهُ جَزَاء على مُبَاشرَة الْقَتْل الْمَحْظُور وَالْمَوْجُود من هَؤُلَاءِ تسبب لَا مُبَاشرَة
وَعند الشَّافِعِي هَذَا ضَمَان يتَعَلَّق بِهَذَا الْفِعْل بِمَنْزِلَة الدِّيَة فَيثبت فِي حق الْمُسَبّب والمباشر جَمِيعًا وَفِي حق الصَّبِي والبالغ وَهَذَا غلط بَين لِأَن الضَّمَان مَا يجب جبرانا لحق الْمُتْلف عَلَيْهِ وَيسْقط بِاعْتِبَار رِضَاهُ أَو عَفْو من يقوم مقَامه وحرمان الْمِيرَاث لَيْسَ من ذَلِك فِي شَيْء
فَأَما الدائر بَين الْعِبَادَة والعقوبة كالكفارات لِأَنَّهَا مَا وَجَبت إِلَّا جَزَاء على أَسبَاب تُوجد من الْعباد فسميت كَفَّارَة بِاعْتِبَار أَنَّهَا ستارة للذنب فَمن هَذَا الْوَجْه عُقُوبَة فَإِن الْعقُوبَة هِيَ الَّتِي تجب جَزَاء على ارْتِكَاب الْمَحْظُور الَّذِي يسْتَحق المأثم بِهِ وَهِي عبَادَة من حَيْثُ إِنَّهَا تجب بطرِيق الْفَتْوَى وَيُؤمر من عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ بِنَفسِهِ من غير أَن تُقَام عَلَيْهِ كرها وَالشَّرْع مَا فوض إِقَامَة شَيْء من الْعُقُوبَات إِلَى الْمَرْء على نَفسه وتتأدى بِمَا هُوَ مَحْض الْعِبَادَة
فَعرفنَا أَنَّهَا دَائِرَة بَين الْعِبَادَة والعقوبة وَأَن سَببهَا دائر بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة كاليمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل وَالْقَتْل بِصفة الْخَطَأ وَلِهَذَا لم نجْعَل الْغمُوس والعمد الْمَحْض سَببا لوُجُوب الْكَفَّارَة
وَعند الشَّافِعِي ﵀ هَذِه الْكَفَّارَات وُجُوبهَا بطرِيق الضَّمَان وَقد بَينا أَن هَذَا غلط وَوُجُوب الضَّمَان فِي الأَصْل بطرِيق الْجبرَان وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِيمَا يخلص لله تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى يتعالى عَن أَن يلْحقهُ خسران حَتَّى تتَحَقَّق الْحَاجة إِلَى الْجبرَان وَكَانَ معنى الْعِبَادَة فِي هَذِه الْكَفَّارَات مرجحا على معنى الْعقُوبَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وتكفير الْإِثْم بِهِ بِاعْتِبَار أَنه طَاعَة وَحسن فِي نَفسه قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾
стр. 667
وَلِهَذَا أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة على المخطىء وَالْمكْره والبار فِي الْيَمين والحنث جَمِيعًا بِأَن حلف لَا يكلم هَذَا الْكَافِر فَيسلم ثمَّ يكلمهُ وَلِهَذَا لم نوجب شَيْئا من هَذِه الْكَفَّارَات على الْكَافِر
فَأَما كَفَّارَة الْفطر فِي رَمَضَان فَمَعْنَى الْعقُوبَة فِيهَا مُرَجّح على معنى الْعِبَادَة حَتَّى إِن وُجُوبهَا يَسْتَدْعِي جِنَايَة متكاملة عرفنَا ذَلِك بِخَبَر الْأَعرَابِي حَيْثُ قَالَ هَلَكت وأهلكت
وَقَالَ ﵇ من أفطر فِي رَمَضَان مُتَعَمدا فَعَلَيهِ مَا على الْمظَاهر فاتفق الْعلمَاء على أَنه يسْقط بِعُذْر الْخَطَأ والاشتباه فَلَمَّا ظهر رُجْحَان معنى الْعقُوبَة فِيهَا من هَذَا الْوَجْه جعلنَا وُجُوبهَا بطرِيق الْعقُوبَة فَقُلْنَا إِنَّهَا تندرىء بِالشُّبُهَاتِ حَتَّى لَا تجب على من أفطر بعد مَا أبْصر هِلَال رَمَضَان وَحده للشُّبْهَة الثَّابِتَة بِظَاهِر قَوْله ﵇ صومكم يَوْم تصومون أَو بِصُورَة قَضَاء القَاضِي يكون (الْيَوْم) من شعْبَان وَلم يُوجب على الْمُفطر فِي يَوْم إِذا اعْترض مرض أَو حيض فِي ذَلِك الْيَوْم لتمكن الشُّبْهَة وَلم يُوجب على من أفطر وَهُوَ مُسَافر وَإِن كَانَ الْأَدَاء مُسْتَحقّا عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه بِكَوْنِهِ مُقيما فِي أول النَّهَار وَلم يُوجب على من نوى قبل انتصاف النَّهَار ثمَّ أفطر للشُّبْهَة الثَّابِتَة بِظَاهِر قَوْله ﵇ لَا صِيَام لمن لم يعزم الصّيام من اللَّيْل وَقُلْنَا بالتداخل فِي الْكَفَّارَات والاكتفاء بكفارة وَاحِدَة إِذا أفطر فِي أَيَّام من رَمَضَان لِأَن التَّدَاخُل من بَاب الْإِسْقَاط بطرِيق الشُّبْهَة وأثبتنا معنى الْعِبَادَة فِي الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهَا سميت كَفَّارَة فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون الْوُجُوب بطرِيق الْعقُوبَة والاستيفاء بطرِيق الطهرة كالحدود بعد التَّوْبَة وَلَا يجوز أَن يكون الْوُجُوب بطرِيق الْعِبَادَة والاستيفاء بطرِيق الْعقُوبَة بِحَال
وَمَا يجْتَمع فِيهِ الحقان وَحقّ الله فِيهِ أغلب فنحو حد الْقَذْف عندنَا
فَأَما حد قطاع الطَّرِيق فَهُوَ خَالص لله تَعَالَى بِمَنْزِلَة الْعُقُوبَات الْمَحْضَة وَلِهَذَا لَا نوجب على الْمُسْتَأْمن إِذا ارْتكب سَيِّئَة فِي دَارنَا بِمَنْزِلَة حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة بِخِلَاف حد الْقَذْف وَأما مَا يجْتَمع فِيهِ الحقان وَحقّ الْعباد أغلب فنحو الْقصاص فَإِن فِيهَا حق الله تَعَالَى وَلِهَذَا يسْقط بِالشُّبُهَاتِ وَهِي جَزَاء الْفِعْل فِي الأَصْل وأجزية الْأَفْعَال تجب لحق الله تَعَالَى وَلَكِن لما كَانَ وُجُوبهَا بطرِيق الْمُمَاثلَة عرفنَا أَن معنى حق العَبْد رَاجِح فِيهَا وَأَن وُجُوبهَا للجيران بِحَسب الْإِمْكَان كَمَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَلِهَذَا جرى فِيهِ
стр. 668
الْإِرْث وَالْعَفو والاعتياض بطرِيق الصُّلْح بِالْمَالِ كَمَا فِي حُقُوق الْعباد
وَأما مَا يكون مَحْض حق الْعباد فَهُوَ أَكثر من أَن يُحْصى نَحْو ضَمَان الدِّيَة وَبدل الْمُتْلف وَالْمَغْصُوب وَمَا أشبه ذَلِك
وَهَذِه الْحُقُوق كلهَا تشْتَمل على أصل وَخلف
فَالْأَصْل فِيمَا ثَبت بِهِ الْإِيمَان التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار ثمَّ قد يكون الْإِقْرَار مُسْتَندا فِي حق الْمُكْره على أَنه قَائِم مقَام التَّصْدِيق ثمَّ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار من الْأَبَوَيْنِ يثبت الْإِيمَان فِي حق الْوَلَد الصَّغِير على أَنه خلف عَن التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار فِي حَقه ثمَّ تَبَعِيَّة الدَّار فِي حق الَّذِي سبى صَغِيرا وَأخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام وَحده حلف عَن تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ فِي ثُبُوت حكم الْإِيمَان لَهُ ثمَّ تَبَعِيَّة السابي إِذا قسم أَو بيع من مُسلم فِي دَار الْحَرْب خلف عَن تَبَعِيَّة الدَّار فِي ثُبُوت حكم الْإِيمَان لَهُ حَتَّى إِذا مَاتَ يصلى عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ فِي شَرَائِط الصَّلَاة فَإِن من شرائطها الطَّهَارَة وَالْأَصْل فِيهِ الْوضُوء أَو الِاغْتِسَال ثمَّ التَّيَمُّم يكون خلفا عَن الأَصْل فِي حُصُول الطَّهَارَة الَّتِي هِيَ شَرط الصَّلَاة بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ وَهُوَ خلف مُطلق فِي قَول عُلَمَائِنَا ﵏
وَعند الشَّافِعِي ﵀ هُوَ خلف ضَرُورِيّ وَلِهَذَا لم يعْتَبر التَّيَمُّم قبل دُخُول الْوَقْت فِي حق أَدَاء الْفَرِيضَة وَلم يجوز أَدَاء الفريضتين بِتَيَمُّم وَاحِد لِأَنَّهُ خلف ضَرُورِيّ فَيشْتَرط فِيهِ تحقق الضَّرُورَة بِالْحَاجةِ إِلَى إِسْقَاط الْفَرْض عَن ذمَّته وَبِاعْتِبَار كل فَرِيضَة تتجدد ضَرُورَة أُخْرَى وَلم يجوز التَّيَمُّم للْمَرِيض الَّذِي لَا يخَاف الْهَلَاك على نَفسه لِأَن تحقق الضَّرُورَة عِنْد خوف الْهَلَاك على نَفسه وَجوز التَّحَرِّي فِي إناءين أَحدهمَا طَاهِر
стр. 669
وَالْآخر نجس لِأَن الضَّرُورَة لَا تتَحَقَّق مَعَ وجود المَاء الطَّاهِر عِنْده وَمَعَ رَجَاء الْوُصُول إِلَيْهِ بِالتَّحَرِّي فَلَا تكون فَرضِيَّة التَّيَمُّم وَشرط طلب المَاء لِأَن الضَّرُورَة قبل الطّلب لَا تتَحَقَّق
وَعِنْدنَا هُوَ بدل مُطلق فِي حَال الْعَجز عَن الأَصْل فَثَبت الحكم بِهِ على الْوَجْه الَّذِي يثبت بِالْأَصْلِ مَا بَقِي عَجزه
ثمَّ على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا التُّرَاب خلف عَن المَاء
وَعند مُحَمَّد ﵀ التَّيَمُّم خلف عَن الْوضُوء
وَتظهر الْمَسْأَلَة فِي الْمُتَيَمم عِنْد مُحَمَّد لَا يؤم المتوضئين لِأَن التَّيَمُّم خلف فَكَانَ الْمُتَيَمم صَاحب الْخلف وَلَيْسَ لصَاحب الأَصْل الْقوي أَن يَبْنِي صلَاته على صَلَاة صَاحب الْخلف كَمَا لَا يَبْنِي الْمُصَلِّي بركوع وَسُجُود صلَاته على صَلَاة المومي
وَعِنْدَهُمَا التُّرَاب كَانَ خلفا عَن المَاء فِي حُصُول الطَّهَارَة بِهِ ثمَّ بعد حُصُول الطَّهَارَة كَانَ شَرط الصَّلَاة مَوْجُودا فِي حق كل وَاحِد مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ بِمَنْزِلَة الماسح يؤم الغاسلين لهَذَا الْمَعْنى وَقد يكون التَّيَمُّم خلفا ضَرُورَة فِي حَال وجود المَاء وَهُوَ أَن يخَاف فَوَات صَلَاة الْجِنَازَة أَن لَو اشْتغل بِالْوضُوءِ أَو يخَاف فَوَات صَلَاة الْعِيد أَن لَو اشْتغل بِالْوضُوءِ
ثمَّ الْخلَافَة هُنَا عِنْد مُحَمَّد بَين التَّيَمُّم وَالْوُضُوء بطرِيق الضَّرُورَة حَتَّى لَو صلى عَلَيْهَا بِالتَّيَمُّمِ ثمَّ جِيءَ بِجنَازَة أُخْرَى يلْزمه تيَمّم آخر وَإِن لم يجد بَين الجنازتين من الْوَقْت مَا يُمكنهُ أَن يتَوَضَّأ فِيهِ
وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله التُّرَاب خلف عَن المَاء فَيجوز لَهُ أَن يُصَلِّي على الْجَنَائِز مَا لم يدْرك من الْوَقْت مِقْدَار مَا يُمكنهُ أَن يتَوَضَّأ فِيهِ على وَجه لَا تفوته الصَّلَاة على جَنَازَة
وَهَذَا الَّذِي بَينا يَتَأَتَّى فِي كل حق مِمَّا سبق ذكره إِلَّا أَن بِبَيَان ذَلِك يطول الْكتاب وَالْحَاجة إِلَى معرفَة الأَصْل هُنَا وَهُوَ أَن الْخلف يجب بِمَا بِهِ يجب الأَصْل وَشرط كَونه خلفا أَن ينْعَقد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل بمصادفته مَحَله ثمَّ بِالْعَجزِ عَنهُ يتَحَوَّل الحكم إِلَى الْخلف وَإِذا لم ينْعَقد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل بِاعْتِبَار أَنه لم يُصَادف مَحَله لَا يكون مُوجبا للخلف حَتَّى إِن الْخَارِج من الْبدن إِذا لم يكن مُوجبا للْوُضُوء كالدمع والبزاق والعرق لَا يكون مُوجبا للتيمم وَالطَّلَاق قبل الدُّخُول لما لم يكن مُوجبا لما هُوَ الأَصْل وَهُوَ الِاعْتِدَاد بِالْأَقْرَاءِ لَا يكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الِاعْتِدَاد بِالْأَشْهرِ وَالْيَمِين الصادقة لما لم تكن مُوجبَة للتكفير بِالْمَالِ لَا تكون مُوجبَة لما
стр. 670
هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ التَّكْفِير بِالصَّوْمِ وَالْيَمِين الْغمُوس عندنَا لما لم تَنْعَقِد مُوجبَة للْأَصْل وَهُوَ الْبر بِاعْتِبَار أَنَّهَا أضيفت إِلَى مَحل لَيْسَ فِيهِ تصور الْبر لَا تَنْعَقِد مُوجبَة لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْكَفَّارَة وَالْيَمِين على مس السَّمَاء وَنَحْوه لما انْعَقَدت مُوجبَة للبر لمصادفتها محلهَا كَانَت مُوجبَة لما هُوَ خلف عَن الْبر وَهُوَ الْكَفَّارَة وَقد تقدم بَيَان هَذَا فِيمَن أسلم فِي آخر الْوَقْت بَعْدَمَا بَقِي مِنْهُ مِقْدَار مَا لَا يُمكنهُ أَن يُصَلِّي فِيهِ فَإِن الْجُزْء الآخر من الْوَقْت لما صلح أَن يكون مُوجبا لأَدَاء الصَّلَاة صلح مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْقَضَاء
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا جَاءَ الْمَشْهُود بقتْله حَيا أَو رَجَعَ الشُّهُود وَالْوَلِيّ جَمِيعًا بعد اسْتِيفَاء الْقصاص فَاخْتَارَ ولي الْقَتِيل تضمين الشُّهُود فَإِنَّهُم يرجعُونَ على الْوَلِيّ بِمَا يضمنُون لِأَن السَّبَب وَهُوَ الضَّمَان الَّذِي لَزِمَهُم بطرِيق الْعدوان مُوجب للْملك فِي الْمَضْمُون والمضمون وَهُوَ الدَّم مِمَّا يحْتَمل أَن يكون مَمْلُوكا فِي الْجُمْلَة أَلا ترى أَن نفس من عَلَيْهِ الْقصاص فِي حكم الْقصاص كالمملوك لمن لَهُ الْقصاص فَإِذا انْعَقَد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل لمصادفة مَحَله ينْعَقد مُوجبا للخلف وَهُوَ الدِّيَة عِنْد الْعَجز عَن إِثْبَات مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْقصاص بِمَنْزِلَة من غصب مُدبرا فغصبه مِنْهُ آخر وأبق من يَده ثمَّ ضمن الْمولى الْغَاصِب الأول فَإِنَّهُ يرجع على الْغَاصِب الثَّانِي بِالضَّمَانِ وَإِن لم يملك الْمُدبر وَلَكِن لما انْعَقَد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل بمصادفته مَحَله يثبت الْخلف قَائِما مقَامه
وَكَذَلِكَ شُهُود الْكِتَابَة بِبَدَل مُؤَجل إِذا رجعُوا فضمنهم الْمولى قيمَة الْمكَاتب كَانَ لَهُم أَن يرجِعوا على الْمكَاتب بِبَدَل الْكِتَابَة لِأَن السَّبَب قد تقرر مُوجبا للْأَصْل وَهُوَ الْملك فِي الْمَضْمُون لمصادفته مَحَله فَثَبت (بِهِ الْخلف) وَهُوَ الرُّجُوع بِبَدَل الْكِتَابَة لوُجُود الْعَجز عَمَّا هُوَ الأَصْل وَهُوَ ملك الرَّقَبَة بِاعْتِبَار قيام الْكِتَابَة
وَأَبُو حنيفَة ﵁ يَقُول قد وجد من الشُّهُود التَّعَدِّي بِإِتْلَاف النَّفس حكما وَمن الْوَلِيّ التَّعَدِّي بِإِتْلَاف النَّفس حَقِيقَة والمساواة ثَابِتَة بَين الْحكمِي والحقيقي فِي حكم الضَّمَان ثمَّ إِذا اخْتَار تضمين الْمُتْلف حَقِيقَة
стр. 671
وَهُوَ الْوَلِيّ لم يرجع على الشُّهُود بِشَيْء لِأَنَّهُ ضمن بِجِنَايَتِهِ من حَيْثُ الْإِتْلَاف فَكَذَلِك إِذا اخْتَار تضمين الشُّهُود قُلْنَا لَا يرجعُونَ على الْوَلِيّ لأَنهم ضمنُوا بجنايتهم بِخِلَاف مَا إِذا شهدُوا بِالْقَتْلِ الْخَطَأ وَأخذ الْوَلِيّ الدِّيَة لِأَن وجوب الضَّمَان هُنَاكَ بِاعْتِبَار تملك المَال على من ألزمهُ القَاضِي الدِّيَة فَإِذا ضمن الْوَلِيّ كَانَ هُوَ المتملك والمملوك سَالم لَهُ وَإِذا ضمن الشُّهُود كَانُوا هم الَّذين تملكوا والمملوك فِي يَد الْمولى أَو قد صرفه إِلَى حَاجته فيرجعون عَلَيْهِ بِمَا ملكوه لهَذَا الْمَعْنى
قَوْلهمَا إِن السَّبَب هُنَا انْعَقَد مُوجبا للْأَصْل مَمْنُوع لِأَن الدَّم لَا يملك بِالضَّمَانِ بِحَال وَفِي الْقصاص الَّذِي قَالَا الْوَلِيّ لَا يملك نفس من عَلَيْهِ الْقصاص وَإِنَّمَا يَسْتَوْفِيه بطرِيق الْإِبَاحَة وَلِهَذَا لم يكن لَهُ حق الِاسْتِيفَاء فِي الْحرم وَلَا يتَحَوَّل حَقه إِلَى الْبَدَل إِذا قتل من عَلَيْهِ الْقصاص ظلما وَإِذا لم يكن محلا للْملك عرفنَا أَن السَّبَب مَا انْعَقَد مُوجبا للْأَصْل وَلَو كَانَ الدَّم بِمحل أَن يملك لم يكن إِيجَاب الضَّمَان للشُّهُود على الْوَلِيّ أَيْضا لِأَنَّهُ صَار متلفا عَلَيْهِم ملك الدَّم وَإِتْلَاف ملك الدَّم لَا يُوجب الضَّمَان سَوَاء أتْلفه حَقِيقَة أَو حكما أَلا ترى أَن من قتل من عَلَيْهِ الْقصاص فَإِنَّهُ لَا يضمن لمن لَهُ الْقصاص شَيْئا
وَكَذَلِكَ شُهُود الْعَفو إِذا رجعُوا أَو الْمُكْره على الْعَفو لَا يضمن أحد مِنْهُم شَيْئا وَإِن أتلف ملك الدَّم الثَّابِت لمن لَهُ الْقصاص وَبِه فَارق الْمُدبر وَالْمكَاتب لِأَن هُنَاكَ مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ ملك الرَّقَبَة فِي الْموضع الَّذِي يكون ثَابتا يكون مُوجبا ضَمَان خَلفه عِنْد الْإِتْلَاف فَكَذَلِك إِذا انْعَقَد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل ثمَّ لم يعْمل لعَارض وَهُوَ التَّدْبِير وَالْكِتَابَة قُلْنَا يكون مُوجبا لما هُوَ خَلفه وَهُوَ الْقيمَة وَبدل الْكِتَابَة فَيرجع بهما
стр. 672
فصل فِي بَيَان الْكَلَام فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ السَّبَب
أما الْكَلَام فِي الْقسم الثَّانِي فَنَقُول تَفْسِير السَّبَب لُغَة الطَّرِيق إِلَى الشَّيْء قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ من كل شَيْء سَببا فأتبع سَببا﴾ أَي طَرِيقا
وَقيل هُوَ بِمَعْنى الْبَاب قَالَ تَعَالَى ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات﴾ أَي أَبْوَابهَا وَمِنْه قَول زُهَيْر وَلَو نَالَ أَسبَاب السَّمَاء بسلم أَي أَبْوَابهَا
وَقيل هُوَ بِمَعْنى الْحَبل قَالَ تَعَالَى ﴿فليمدد بِسَبَب إِلَى السَّمَاء﴾ الْآيَة يَعْنِي بِحَبل من سقف الْبَيْت فَالْكل يرجع إِلَى معنى (وَاحِد) وَهُوَ طَرِيق الْوُصُول إِلَى الشَّيْء
وَفِي الْأَحْكَام السَّبَب عبارَة عَمَّا يكون طَرِيقا للوصول إِلَى الحكم الْمَطْلُوب من غير أَن يكون الْوُصُول بِهِ وَلكنه طَرِيق الْوُصُول إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة طَرِيق الْوُصُول إِلَى مَكَّة فَإِن الْوُصُول إِلَيْهَا يكون بمشي الْمَاشِي وَفِي ذَلِك الطَّرِيق لَا بِالطَّرِيقِ وَلَكِن يتَوَصَّل إِلَيْهَا من ذَلِك الطَّرِيق عِنْد قصد الْوُصُول إِلَيْهَا
وَكَذَلِكَ الْحَبل فَإِنَّهُ طَرِيق للوصول إِلَى قَعْر الْبِئْر أَو إِلَى المَاء الَّذِي فِي الْبِئْر وَلَكِن لَا بالحبل بل بنزول النَّازِل أَو استقاء النازح بالحبل
وَأما تَفْسِير الْعلَّة فَهِيَ الْمُغيرَة بحلولها حكم الْحَال وَمِنْه سمي الْمَرَض عِلّة لِأَن بحلولها بالشخص يتَغَيَّر حَاله وَمِنْه يُسمى الْجرْح عِلّة لِأَن بحلوله بالمجروح يتَغَيَّر حكم الْحَال
وَقيل الْعلَّة حَادث يظْهر أَثَره فِيمَا حل بِهِ لَا عَن اختبار مِنْهُ وَلِهَذَا سمي الْجرْح عِلّة وَلَا يُسمى الْجَارِح عِلّة لِأَنَّهُ يفعل عَن اخْتِيَار وَلِأَنَّهُ غير حَال بالمجروح
وَفِي أَحْكَام الشَّرْع الْعلَّة معنى فِي النُّصُوص وَهُوَ تغير حكم الْحَال بحلوله بِالْمحل يُوقف عَلَيْهِ بالاستنباط فَإِن قَوْله ﵇ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل غير حَال بِالْحِنْطَةِ وَلَكِن فِي الْحِنْطَة وصف هُوَ حَال بهَا وَهُوَ كَونه مَكِيلًا مؤثرا فِي الْمُمَاثلَة ويتغير حكم الْحَال بحلوله فَيكون عِلّة لحكم الرِّبَا فِيهِ حَتَّى إِنَّه لما لم يحل
стр. 673
الْقَلِيل الَّذِي لَا يدْخل تَحت الْكَيْل لَا يتَغَيَّر حكم العقد فِيهِ بل يبْقى بعد هَذَا النَّص على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبله
وَكَذَلِكَ البيع عِلّة للْملك شرعا وَالنِّكَاح عِلّة للْحلّ شرعا وَالْقَتْل الْعمد عِلّة لوُجُوب الْقصاص شرعا بِاعْتِبَار أَن الشَّرْع جعلهَا مُوجبَة لهَذِهِ الْأَحْكَام وَقد بَينا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا تكون مُوجبَة بذواتها وَأَنه لَا مُوجب إِلَّا الله إِلَّا أَن ذَلِك الْإِيجَاب غيب فِي حَقنا فَجعل الشَّرْع الْأَسْبَاب الَّتِي يمكننا الْوُقُوف عَلَيْهَا عِلّة لوُجُوب الحكم فِي حَقنا للتيسير علينا فَأَما فِي حق الشَّرْع فَهَذِهِ الْعِلَل لَا تكون مُوجبَة شَيْئا وَهُوَ نَظِير الإماتة فَإِن المميت والمحيي هُوَ الله تَعَالَى حَقِيقَة ثمَّ جعله مُضَافا إِلَى الْقَاتِل بعلة الْقَتْل فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ من الْأَحْكَام
وَكَذَلِكَ أجزية الْأَعْمَال فَإِن الْمُعْطِي للجزاء هُوَ الله تَعَالَى بفضله ثمَّ جعل ذَلِك مُضَافا إِلَى عمل الْعَامِل بقوله تَعَالَى ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب المرضي التَّوَسُّط بَين الطَّرِيقَيْنِ لَا كَمَا ذهب إِلَيْهِ الجبرية من إِلْغَاء الْعَمَل أصلا وَلَا كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْقَدَرِيَّة من الْإِضَافَة إِلَى الْعَمَل حَقِيقَة وَجعل (الْعَامِل) مستبدا بِعَمَلِهِ
ثمَّ هَذِه الْعِلَل الشَّرْعِيَّة تسمى نظرا وَتسَمى قِيَاسا وَتسَمى دَلِيلا أَيْضا على معنى أَنه يُوقف بِهِ على معرفَة الحكم وَالدَّلِيل على الشَّيْء مَا يُوقف بِهِ على مَعْرفَته كالدخان دَلِيل على النَّار وَالْبناء دَلِيل على الْبَانِي وَلَكِن مَا يكون عِلّة يجوز أَن يُسمى دَلِيلا وَمَا يكون دَلِيلا مَحْضا لَا يجوز أَن يُسمى عِلّة أَلا ترى أَن حُدُوث الْأَعْرَاض دَلِيل على حُدُوث الْأَجْسَام وَلَا يجوز أَن يُقَال إِنَّهَا عِلّة لحدوث الْأَجْسَام والمصنوعات دَلِيل على الصَّانِع وَلَا يجوز أَن يُقَال إِنَّهَا عِلّة للصانع تَعَالَى فَعرفنَا أَن الدَّلِيل قطّ لَا يكون عِلّة وَقد تكون الْعلَّة دَلِيلا
وَأما الشَّرْط فَمَعْنَاه لُغَة الْعَلامَة اللَّازِمَة وَمِنْه يُقَال أَشْرَاط السَّاعَة
стр. 674
أَي علاماتها اللَّازِمَة لكَون السَّاعَة آتِيَة لَا محَالة وَمِنْه الشرطي لِأَنَّهُ نصب نَفسه على زِيّ وهيئة لَا يُفَارِقهُ ذَلِك فِي أغلب أَحْوَاله فَكَأَنَّهُ لَازم لَهُ وَمِنْه شَرط الْحجام لِأَنَّهُ يحصل بِفِعْلِهِ فِي مَوضِع المحاجم عَلامَة لَازِمَة وَمِنْه الشُّرُوط فِي الوثائق لِأَنَّهَا تكون لَازِمَة فَعرفنَا أَن الشَّرْط فِي اللُّغَة الْعَلامَة اللَّازِمَة وَمِنْه سمى أهل اللُّغَة حرف إِن حرف الشَّرْط من قَول الْقَائِل لغيره إِن أكرمتني أكرمتك فَإِن قَوْله أكرمتك بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي وَلَكِن بقوله إِن أكرمتني يصير إكرام الْمُخَاطب عَلامَة لَازِمَة لإكرام الْمُخَاطب إِيَّاه فَكَانَ شرطا من هَذَا الْوَجْه
وَفِي أَحْكَام الشَّرْع (الشَّرْط) اسْم لما يُضَاف الحكم إِلَيْهِ وجودا عِنْده لَا وجوبا بِهِ فَإِن قَول الْقَائِل لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق يَجْعَل دُخُول الدَّار شرطا حَتَّى لَا يَقع الطَّلَاق بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا عِنْد الدُّخُول وَيصير الطَّلَاق عِنْد وجود الدُّخُول مُضَافا إِلَى الدُّخُول مَوْجُودا عِنْده لَا وَاجِبا بِهِ بل الْوُقُوع بقوله أَنْت طَالِق عِنْد الدُّخُول وَمن حَيْثُ إِنَّه لَا أثر للدخول فِي الطَّلَاق من حَيْثُ الثُّبُوت بِهِ وَلَا من حَيْثُ الْوُصُول إِلَيْهِ لم يكن الدُّخُول سَببا وَلَا عِلّة وَمن حَيْثُ إِنَّه مُضَاف إِلَيْهِ وجودا عِنْده كَانَ الدُّخُول شرطا فِيهِ وَلِهَذَا لَا نوجب الضَّمَان على شُهُود الشَّرْط بِحَال وَإِنَّمَا نوجب الضَّمَان على شُهُود التَّعْلِيق بعد وجود الشَّرْط إِذا رجعُوا
وَقد يُقَام الشَّرْط مقَام السَّبَب فِي حكم الضَّمَان عِنْد تعذر إِضَافَة الْإِتْلَاف إِلَى السَّبَب نَحْو حافر الْبِئْر على الطَّرِيق يكون ضَامِنا لما يسْقط فِيهِ وَهُوَ صَاحب الشَّرْط من حَيْثُ إِنَّه أَزَال بِفِعْلِهِ المسكة عَن الأَرْض وَهُوَ مَحل يسْتَقرّ فِيهِ الثقيل والمحال فِي حكم الشُّرُوط وَلَكِن لما تعذر إِضَافَة الْإِتْلَاف إِلَى مَا هُوَ السَّبَب حَقِيقَة وَهُوَ ثقل الْمَاشِي ومشبه جعل مُضَافا إِلَى الشَّرْط فِي حكم الضَّمَان حَتَّى لَو دفع الْوَاقِع فِي الْبِئْر إِنْسَان فَإِن الضَّمَان يكون على الدَّافِع دون الْحَافِر لِأَن السَّبَب هُنَا صَالح لإضافة الْإِتْلَاف إِلَيْهِ
وسنقرر هَذَا فِي فصل الشَّرْط إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 675
أما الْعَلامَة لُغَة فَهِيَ الْمُعَرّف بِمَنْزِلَة الْميل والمنارة والميل عَلامَة الطَّرِيق لِأَنَّهُ معرف لَهُ والمنارة عَلامَة الْجَامِع لِأَنَّهَا معرفَة لَهُ وَمِنْه سمي الْمُمَيز بَين الْأَرْضين من المسناة منار الأَرْض قَالَ ﵇ لعن الله من غير منار الأَرْض أَي الْعَلامَة الَّتِي تعرف بهَا لتمييز بَين الْأَرْضين
وَكَذَلِكَ فِي أَحْكَام الشَّرْع الْعَلامَة مَا يكون مُعَرفا للْحكم الثَّابِت بعلته من غير أَن يكون الحكم مُضَافا إِلَى الْعَلامَة وجوبا لَهَا لَا وجودا عِنْدهَا على مَا نبينه فِي فصل على حِدة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل فِي بَيَان تَقْسِيم السَّبَب
قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن أَسبَاب الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة أَنْوَاع أَرْبَعَة سَبَب صُورَة لَا معنى وَهُوَ يُسمى سَببا مجَازًا وَسبب صُورَة وَمعنى وَهُوَ يُسمى سَببا مَحْضا وَسبب فِيهِ شُبْهَة الْعلَّة وَسبب هُوَ بِمَعْنى الْعلَّة
وَقد بَينا أَن السَّبَب مَا هُوَ طَرِيق الْوُصُول إِلَى الشَّيْء
فَأَما الَّذِي يُسمى السَّبَب مجَازًا فنحو الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى يُسمى سَببا لِلْكَفَّارَةِ مجَازًا بِاعْتِبَار الصُّورَة وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَب معنى فَإِن أدنى حد السَّبَب أَن يكون طَرِيقا للوصول إِلَى الْمَقْصُود وَالْكَفَّارَة بِالْيَمِينِ إِنَّمَا تجب بعد الْحِنْث وَهِي مَانِعَة من الْحِنْث مُوجبَة لضده وَهُوَ الْبر فَعرفنَا أَنه لَيْسَ بِسَبَب لِلْكَفَّارَةِ معنى قبل الْحِنْث وَلَكِن يُسمى سَببا مجَازًا لِأَنَّهُ طَرِيق الْوُصُول إِلَى وجوب الْكَفَّارَة بعد زَوَال الْمَانِع وَهُوَ الْبر وَكَذَلِكَ النّذر الْمُعَلق بِالشّرطِ الَّذِي لَا يُرِيد كَونه سَبَب لوُجُوب الْمَنْذُور صُورَة لَا معنى لِأَنَّهُ يقْصد بِهِ منع مَا يجب الْمَنْذُور عِنْد وجوده وَهُوَ إِيجَاد الشَّرْط وَإِنَّمَا يكون سَببا بعد زَوَال الْمَانِع حَقِيقَة
وَكَذَلِكَ الطَّلَاق وَالْعتاق الْمُعَلق بِالشّرطِ فَإِن التَّعْلِيق سَبَب صُورَة لَا معنى لِأَنَّهُ بِالتَّعْلِيقِ يمْنَع نَفسه مِمَّا يَقع الطَّلَاق وَالْعتاق عِنْد وجوده
стр. 676
وعَلى هَذَا قُلْنَا التَّعْلِيق بِالْملكِ صَحِيح وَإِن لم يكن الْملك مَوْجُودا فِي الْحَال لِأَن الْمُعَلق لَيْسَ بِطَلَاق وَلَا هُوَ سَبَب الطَّلَاق حَقِيقَة وَلَكِن يصير سَببا عِنْد وجود الشَّرْط وَهَذَا لِأَن الطَّلَاق وَالْعتاق لَا يكون بِدُونِ الْمحل وَالتَّعْلِيق يمْنَع الْوُصُول إِلَى الْمحل
وَكَذَلِكَ النّذر فَإِنَّهُ الْتِزَام فِي الذِّمَّة وَالتَّعْلِيق يمْنَع وُصُول الْمَنْذُور إِلَى الذِّمَّة وَالتَّصَرُّف بِدُونِ الْمحل لَا يكون سَببا كَبيع الْحر إِلَّا أَن هُنَاكَ ينْعَقد تصرف آخر وَهُوَ الْيَمين لِأَنَّهُ عقد مَشْرُوع لمقصود وَفِي ذَلِك الْمَقْصُود التَّصَرُّف صَادف مَحَله وَهُوَ ذمَّة الْحَالِف بِخِلَاف بيع الْحر فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد أصلا وعَلى هَذَا لَا يجوز التَّكْفِير بعد الْيَمين قبل الْحِنْث بِالْمَالِ وَلَا بِالصَّوْمِ لِأَنَّهَا لَيست بِسَبَب لِلْكَفَّارَةِ معنى وَالْأَدَاء قبل تحقق السَّبَب لَا يجوز بِخِلَاف تَعْجِيل الْكَفَّارَة بعد الْجرْح قبل زهوق الرّوح فِي الْآدَمِيّ وَالصَّيْد لِأَنَّهُ سَبَب مَحْض من حَيْثُ إِنَّه طَرِيق مفض إِلَى الْقَتْل عِنْد زهوق الرّوح بِالسّرَايَةِ يُوضحهُ أَن الْيَمين لَا تبقى بعد الْحِنْث لِأَنَّهَا مَشْرُوعَة لمقصود وَهُوَ الْبر وَذَلِكَ يفوت بِالْحِنْثِ أصلا وَالْعقد لَا يبْقى بعد فَوَات مَقْصُوده
وَلما كَانَت الْكَفَّارَة لَا تجب إِلَّا بعد الْحِنْث الَّذِي يرْتَفع بِهِ الْيَمين عرفنَا أَن الْيَمين لَيست بِسَبَب لَهَا معنى إِذْ العقد لَا يكون سَببا للْحكم الَّذِي يثبت (بعد فَسخه
وَكَذَلِكَ الْيَمين بِالطَّلَاق فَإِن الطَّلَاق إِنَّمَا يكون وَاقعا بِمَا يبْقى بعد وجود الشَّرْط وَهُوَ قَوْله أَنْت طَالِق وَالنّذر إِنَّمَا يثبت) بِاعْتِبَار مَا يبْقى بعد وجود الشَّرْط وَهُوَ قَوْله على صَوْم أَو صَلَاة فَعرفنَا أَن الْمَوْجُود قبل وجود الشَّرْط لَا يكون سَببا معنى بِخِلَاف كَفَّارَة الْقَتْل فَإِنَّهُ جَزَاء الْفِعْل وَالْفِعْل بِالسّرَايَةِ يَتَقَرَّر وَلَا يرْتَفع فَكَانَ قبل السَّرَايَة سَببا وَملك النّصاب قبل كَمَال الْحول هَكَذَا لِأَنَّهُ يَتَقَرَّر عِنْده مَا لأَجله كَانَ النّصاب سَببا وَهُوَ معنى النمو إِلَّا أَن مَعَ هَذَا التَّعْلِيق بِالشّرطِ لكَونه سَببا مجَازًا أثبتنا فِيهِ معنى السَّبَبِيَّة بِوَجْه بِخِلَاف مَا يَقُوله زفر ﵀ إِنَّه لَا يثبت فِيهِ حكم السَّبَبِيَّة بِوَجْه
وَبَيَان هَذَا فِي تَنْجِيز الثَّلَاث بعد
стр. 677
صِحَة التَّعْلِيق فَإِنَّهُ مُبْطل للتعليق عندنَا لِأَن التَّعْلِيق يَمِين وموجبه الْبر فَإِذا كَانَ هَذَا السَّبَب مَضْمُونا (بِالْبرِّ) كَانَ لَهُ شُبْهَة السَّبَبِيَّة فِي الحكم الَّذِي يجب بِهِ بعد فَوَات الْبر على وَجه الْخلف عَنهُ كالغصب فَإِنَّهُ مُوجب ضَمَان الرَّد فِي الْعين ثمَّ لَهُ شُبْهَة السَّبَبِيَّة فِي حكم ضَمَان الْقيمَة الَّذِي ثَبت خلفا عَن رد الْعين عِنْد فَوَات الْعين فَكَمَا يشْتَرط قيام الْملك وَصفَة الْحل فِي الْمحل لبَقَاء مَا هُوَ سَبَب للْحكم حَقِيقَة فَكَذَلِك يشْتَرط لبَقَاء مَا فِيهِ شُبْهَة السَّبَبِيَّة للْحكم وتنجيز الثَّلَاث يفوت ذَلِك كُله
وَزفر يَقُول لَيْسَ فِي التَّعْلِيق شُبْهَة السَّبَبِيَّة للْحكم وَهُوَ الطَّلَاق وَالْعتاق وَإِنَّمَا هُوَ تصرف آخر وَهُوَ الْيَمين محلهَا الذِّمَّة وَاشْتِرَاط الْملك فِي الْمحل عِنْد انْعِقَاده ليترجح جَانب الْوُجُود على جَانب الْعَدَم حَتَّى يَصح إِيجَاب الْيَمين بِهِ وَهَذَا غير مُعْتَبر فِي حَال الْبَقَاء أَلا ترى أَن بعد التطليقات الثَّلَاث لَو علق الطَّلَاق ابْتِدَاء بِالنِّكَاحِ كَانَ صَحِيحا وَصفَة الْحل الَّذِي بِهِ يصير الْمحل محلا للطَّلَاق مَعْدُوم أصلا
وَلَكنَّا نقُول الْملك سَبَب هُوَ فِي معنى الْعلَّة فَإِن النِّكَاح عِلّة لملك الطَّلَاق فالتطليق بِمَنْزِلَة سَبَب هُوَ فِي معنى الْعلَّة على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَأَما الْإِضَافَة إِلَى وَقت لَا تعدم السَّبَبِيَّة معنى كَمَا يعدمه التَّعْلِيق بِالشّرطِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ إِنَّه لَا يخرج شُهُود الشَّهْر من أَن يكون سَببا حَقِيقَة فِي حق جَوَاز الْأَدَاء
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾ يخرج الْمُتَمَتّع من أَن يكون سَببا لصوم السَّبْعَة قبل الرُّجُوع من منى حَتَّى لَو أَدَّاهُ لَا يجوز لِأَنَّهُ لما تعلق بِشَرْط الرُّجُوع فَقبل وجود الشَّرْط لَا يتم سَببه معنى وَهُنَاكَ إِضَافَة الصَّوْم إِلَى وَقت فَقبل وجود الْوَقْت يتم السَّبَب فِيهِ معنى حَتَّى يجوز الْأَدَاء
وَأما السَّبَب الْمَحْض وَهُوَ مَا يكون طَرِيقا للوصول إِلَى الحكم وَلَكِن
стр. 678
لَا يُضَاف الحكم إِلَيْهِ وجوبا بِهِ وَلَا وجودا عِنْده بل تتخلل بَين السَّبَب وَالْحكم الْعلَّة الَّتِي يُضَاف الحكم إِلَيْهَا وَتلك الْعلَّة غير مُضَافَة إِلَى السَّبَب وَذَلِكَ نَحْو حل قيد العَبْد فَإِنَّهُ طَرِيق لوصول العَبْد إِلَى الْإِبَاق الَّذِي هُوَ متو مَالِيَّة الْمولى فِيهِ وَلَكِن يَتَخَلَّل بَينه وَبَين الْإِبَاق الَّذِي تتوى بِهِ الْمَالِيَّة قصد وَذَهَاب من العَبْد وَهُوَ غير مُضَاف إِلَى السَّبَب السَّابِق فَيبقى حل الْقَيْد سَببا مَحْضا
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو فتح بَاب الاصطبل فندت الدَّابَّة أَو بَاب القفص فطار الطير لم يجب الضَّمَان عَلَيْهِ لِأَن الْعلَّة قُوَّة الدَّابَّة فِي نَفسهَا على الذّهاب وَقُوَّة الطير على الطيران وَهُوَ غير مُضَاف إِلَى السَّبَب الأول
وَكَذَلِكَ لَو دلّ إنْسَانا على مَال الْغَيْر فأتلفه أَو على نَفسه فَقتله أَو على قافلة حَتَّى قطع الطَّرِيق عَلَيْهِم لم يكن ضَامِنا شَيْئا لِأَن الدّلَالَة سَبَب مَحْض من حَيْثُ إِنَّه طَرِيق الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود ويتخلل بَينه وَبَين حُصُول الْمَقْصُود مَا هُوَ عِلّة وَهُوَ غير مُضَاف إِلَى السَّبَب الأول وَذَلِكَ الْفِعْل الَّذِي يباشره الْمَدْلُول
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو قَالَ لرجل هَذِه الْمَرْأَة حرَّة فَتَزَوجهَا فَذهب وَتَزَوجهَا واستولدها ثمَّ ظهر أَنَّهَا كَانَت أمة فَإِنَّهُ لَا يرجع بِضَمَان قيمَة الْأَوْلَاد على الْمخبر بِخِلَاف مَا إِذا زَوجهَا مِنْهُ على أَنَّهَا حرَّة لِأَن إخْبَاره سَبَب للوصول إِلَى الْمَقْصُود وَلَكِن تخَلّل بَينه وَبَين الْمَقْصُود وَهُوَ الِاسْتِيلَاد مَا هُوَ عِلّة فَهُوَ غير مُضَاف إِلَى السَّبَب الأول وَذَلِكَ عقد النِّكَاح الَّذِي باشرته الْمَرْأَة على نَفسهَا
وعَلى هَذَا قُلْنَا الْمَوْهُوب لَهُ الْجَارِيَة إِذا اسْتَوْلدهَا ثمَّ اسْتحقَّت لم يرجع بِقِيمَة الْأَوْلَاد على الْوَاهِب وَالْمُسْتَعِير إِذا أتلف الْعين بِاسْتِعْمَالِهِ ثمَّ ظهر الِاسْتِحْقَاق لم يرجع بِالْقيمَةِ على الْمُعير لِأَن الْهِبَة والإعارة سَبَب وَلَكِن تخَلّل بَينه وَبَين حُصُول الْأَوْلَاد مَا هُوَ عِلّة وَهُوَ الِاسْتِيلَاد والاستعمال المفضي إِلَى التّلف وَذَلِكَ غير مُضَاف إِلَى السَّبَب الأول بِخِلَاف المُشْتَرِي إِذا اسْتَوْلدهَا ثمَّ ظهر الِاسْتِحْقَاق فَإِنَّهُ يرجع بِقِيمَة الْأَوْلَاد لِأَن بِمُبَاشَرَة عقد الضَّمَان قد الْتزم لَهُ صفة السَّلامَة عَن الْعَيْب وَلَا عيب فَوق الِاسْتِحْقَاق وبمباشرة عقد التَّبَرُّع لَا يصير مُلْتَزما سَلامَة الْمَعْقُود عَلَيْهِ عَن الْعَيْب وَلِهَذَا لَا يرجع بِالْعقدِ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لزمَه بَدَلا عَمَّا اسْتَوْفَاهُ وَلَا رُجُوع
стр. 679
لَهُ بِسَبَب الْعَيْب فِيمَا اسْتَوْفَاهُ لنَفسِهِ وَإِن كَانَ البَائِع ضمن لَهُ صفة السَّلامَة عَن الْعَيْب
وَزعم بعض أَصْحَابنَا أَن رُجُوع الْمَغْرُور بِاعْتِبَار الْكفَالَة وَذَلِكَ بِاشْتِرَاط الْبَدَل فَإِن البَائِع يصير كَأَنَّهُ قَالَ ضمنت لَك سَلامَة الْأَوْلَاد على أَنه إِن لم يسلم لَك فَأَنا ضَامِن لَك مَا يلزمك بِسَبَبِهِ
وَهَذَا الضَّمَان لَا يثبت فِي عقد التَّبَرُّع وَإِنَّمَا يثبت فِي حق الضَّمَان بِاشْتِرَاط الْبَدَل إِلَّا أَن الأول أصح
وَقد قَالَ فِي كتاب الْعَارِية العَبْد الْمَأْذُون إِذا آجر دَابَّة فَتلفت بِاسْتِعْمَال الْمُسْتَأْجر ثمَّ ظهر الِاسْتِحْقَاق رَجَعَ الْمُسْتَأْجر بِمَا ضمن من قيمتهَا على العَبْد فِي الْحَال وَالْعَبْد لَا يُؤَاخذ بِضَمَان الْكفَالَة مَا لم يعْتق وَهُوَ مؤاخذ بِالضَّمَانِ الَّذِي يكون سَببه الْعَيْب بَعْدَمَا الْتزم صفة السَّلامَة عَن الْعَيْب بِعقد الضَّمَان
وَلَا يدْخل على مَا قُلْنَا دلَالَة الْمحرم على قتل الصَّيْد فَإِنَّهَا توجب عَلَيْهِ ضَمَان الْجَزَاء وَهِي سَبَب مَحْض لَا يَتَخَلَّل بَينهَا وَبَين الْمَقْصُود مَا هُوَ الْعلَّة وَهُوَ الْقَتْل من الْمَدْلُول وَهَذَا لِأَن وجوب الضَّمَان عَلَيْهِ بِجِنَايَتِهِ بِإِزَالَة الْأَمْن عَن الصَّيْد فَإِن أَمنه فِي الْبعد عَن أَيدي النَّاس وأعينهم وَقد الْتزم بِعقد الْإِحْرَام الْأَمْن للصَّيْد عَنهُ فَإِذا صَار بِالدّلَالَةِ جانيا من حَيْثُ إِزَالَته الْأَمْن كَانَ ضَامِنا لذَلِك إِلَّا أَن قبل الْقَتْل لَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان لبَقَاء التَّرَدُّد فقد يتَوَارَى الصَّيْد على وَجه لَا يقدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ فَيَعُود آمنا كَمَا كَانَ فبالقتل تَسْتَقِر جِنَايَته بِإِزَالَة الْأَمْن
فَهُوَ نَظِير الْجراحَة الَّتِي يتَوَهَّم فِيهَا الِانْدِمَال بالبرء على وَجه لَا يبْقى لَهَا أثر فَإِنَّهُ يستأني فِيهَا مَعَ كَون الْجرْح جِنَايَة وَلَكِن لبَقَاء التَّرَدُّد يستأني حَتَّى يَتَقَرَّر حكمهَا فِي حق الضَّمَان بِخِلَاف الدّلَالَة على مَال الْغَيْر فَإِن حفظ الْأَمْوَال بِالْأَيْدِي لَا بالبعد عَن الْأَيْدِي والأعين فالدال لَا يصير جانيا بِإِزَالَة الْحِفْظ بدلالته وَهَذَا بِخِلَاف الْمُودع إِذا دلّ سَارِقا على سَرقَة الْوَدِيعَة فَإِنَّهُ يصير ضَامِنا لِأَنَّهُ جَان بترك مَا الْتَزمهُ من الْحِفْظ بعقده وَهُوَ ترك التضييع وبالدلالة يصير مضيعا فَهُوَ نَظِير الْمحرم يدل على قتل الصَّيْد حَتَّى يصير ضَامِنا لتَركه مَا الْتَزمهُ بِالْعقدِ وَهُوَ أَمن الصَّيْد عَنهُ
وعَلى هَذَا قُلْنَا من أخرج ظَبْيَة من الْحرم فَولدت فَهُوَ ضَامِن للْوَلَد لِأَنَّهَا بِالْحرم آمِنَة وَثُبُوت يَده عَلَيْهَا يفوت معنى الصيدية فَيثبت بِهِ معنى إِزَالَة الْأَمْن فِي حق الْوَلَد
стр. 680
بِخِلَاف الْغَاصِب فَإِنَّهُ لَا يكون ضَامِنا للزوائد لِأَن الْأَمْوَال مَحْفُوظَة بِالْأَيْدِي فَإِنَّمَا يجب الضَّمَان هُنَا بِالْغَصْبِ الَّذِي هُوَ مُوجب قصر يَد الْمَالِك عَن مَاله وَذَلِكَ غير مَوْجُود فِي الزِّيَادَة مُبَاشرَة وَلَا تسبيبا وَلَا يُنكر كَونه مُتَعَدِّيا فِي إمْسَاك الْوَلَد وَلِهَذَا نجعله آثِما ونوجب عَلَيْهِ رده
وَلَكنَّا نقُول هُوَ لَيْسَ بغاصب للْوَلَد تسبيبا وَلَا مُبَاشرَة وبتعد آخر سوى الْغَصْب لَا يُوجب ضَمَان الْغَصْب وَالْيَد الثَّابِتَة على الْأُم عِنْد انْفِصَال الْوَلَد عَنْهَا حكم الْغَصْب لَا نفس الْغَصْب فَعرفنَا أَنه لم يثبت الْغَصْب فِي الْوَلَد بطرِيق السَّرَايَة وَلَا قصدا بطرِيق الْمُبَاشرَة وَلَا بطرِيق التَّسَبُّب بِغَصب الْأُم لِأَن قصر يَد الْمَالِك تكون بِإِزَالَة يَده عَمَّا كَانَ فِي يَده أَو بِإِزَالَة تمكنه من أَخذ مَا لم يكن فِي يَده وَذَلِكَ غير مَوْجُود فِي الْوَلَد أصلا قبل أَن يُطَالِبهُ بِالرَّدِّ
وَمن السَّبَب الْمَحْض أَن يدْفع سكينا إِلَى صبي فيجأ الصَّبِي بِهِ نَفسه فَإِنَّهُ لَا يجب على الدَّافِع ضَمَان وَإِن كَانَ فعله بعلة طَرِيق الْوُصُول وَلَكِن قد تخَلّل بَينه وَبَين الْمَقْصُود مَا هُوَ عِلّة وَهُوَ غير مُضَاف إِلَى السَّبَب الأول وَذَلِكَ قتل الصَّبِي بِهِ نَفسه بِخِلَاف مَا إِذا سقط من يَده على رجله فعقره لِأَن السُّقُوط من يَده مُضَاف إِلَى السَّبَب الأول وَهُوَ مناولته إِيَّاه فَكَانَ هَذَا سَببا فِي معنى الْعلَّة على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكَذَلِكَ لَو أَخذ صَبيا حرا من يَد وليه فَمَاتَ فِي يَده بِمَرَض لم يضمن الْآخِذ شَيْئا بِخِلَاف مَا إِذا قربه إِلَى مسبعَة حَتَّى افترسه سبع فَإِن السَّبَب هُنَا بِمَعْنى الْعلَّة بِاعْتِبَار الْإِضَافَة إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَال لَوْلَا تقريبه إِيَّاه من هَذِه المسبعة مَا افترسه السَّبع وَلَا يُقَال لَوْلَا أَخذه من يَد وليه لم يمت من مَرضه
وَلَو قتل الصَّبِي فِي يَد الْآخِذ رجلا فضمن عَاقِلَته الدِّيَة لم يرجِعوا بِهِ على عَاقِلَة الْآخِذ لِأَنَّهُ تخَلّل بَين السَّبَب وَوُجُوب الضَّمَان عَلَيْهِم مَا هُوَ عِلّة وَهُوَ غير مُضَاف إِلَى ذَلِك التسبيب
وعَلى هَذَا لَو قَالَ لصبي ارق هَذِه الشَّجَرَة فانفضها لي فَسقط كَانَ ضَامِنا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ كل ثَمَرَتهَا أَو فانفضها لنَفسك لِأَن كَلَامه تسبيب قد تخَلّل بَينه وَبَين السُّقُوط مَا هُوَ عِلّة وَهُوَ صعُود الصَّبِي الشَّجَرَة لمَنْفَعَة نَفسه وَفِي الأول لما كَانَ صُعُوده لمَنْفَعَة الْآمِر صَار بِسَبَبِهِ فِي معنى الْعلَّة بطرِيق
стр. 681
الْإِضَافَة إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ لَو حمل صَبيا على الدَّابَّة فَسقط مَيتا كَانَ الْحَامِل ضَامِنا لديته وَلَو سَيرهَا الصَّبِي فَسقط مِنْهَا فَمَاتَ لم يضمن الَّذِي حمله عَلَيْهَا شَيْئا
ليعلم أَن السَّائِل على هَذَا الأَصْل أَكثر من أَن تحصى
وَمِمَّا هُوَ فِي معنى السَّبَب الْمَحْض مَا هُوَ أحد شطري عِلّة الحكم نَحْو إِيجَاب البيع وَأحد وصفي عِلّة الرِّبَا فَإِنَّهُ سَبَب مَحْض على معنى أَنه طَرِيق الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود عِنْد غَيره وَذَلِكَ الْغَيْر لَيْسَ بمضاف إِلَيْهِ فَيكون سَببا مَحْضا
فَإِن قيل قد جعلتم حد السَّبَب مَا يَتَخَلَّل بَينه وَبَين الْمَقْصُود مَا هُوَ عِلّة للْحكم وَهنا الَّذِي يَتَخَلَّل هُوَ الْوَصْف الآخر وَهُوَ لَيْسَ بعلة للْحكم بِانْفِرَادِهِ فَكيف يَسْتَقِيم قَوْلكُم إِن أحد الوصفين سَبَب مَحْض قُلْنَا هُوَ مُسْتَقِيم من حَيْثُ إِن الحكم مَتى تعلق بعلة ذَات وصفين فَإِنَّهُ يُضَاف إِلَى آخر الوصفين على معنى أَن تَمام الْعلَّة بِهِ حصل وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الْمُوجب لِلْعِتْقِ الْقَرَابَة الْقَرِيبَة مَعَ الْملك ثمَّ يُضَاف الْعتْق إِلَى آخر الوصفين وجودا حَتَّى إِذا كَانَ العَبْد مُشْتَركا بَين اثْنَيْنِ ادّعى أَحدهمَا نسبه كَانَ ضَامِنا لشَرِيكه وَإِذا اشْترى نصف قَرِيبه من أحد الشَّرِيكَيْنِ كَانَ ضَامِنا لشَرِيكه
وَكَذَلِكَ النّسَب مَعَ الْمَوْت مُوجب للإرث فيضاف إِلَى آخر الوصفين ثبوتا حَتَّى إِن شُهُود النّسَب بعد الْوَفَاة إِذا رجعُوا ضمنُوا بِخِلَاف شُهُود النّسَب فِي حَالَة الْحَيَاة فَإِذا ثَبت أَن إِضَافَة الحكم إِلَى آخر الوصفين وَهُوَ يَتَخَلَّل بَين الْوَصْف الأول وَبَين الحكم عرفنَا أَن الْوَصْف الأول فِي معنى السَّبَب الْمَحْض
وَهَذَا أصل مُسْتَمر فِي الشُّرُوط والعلل جَمِيعًا حَتَّى قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت هَاتين الدَّاريْنِ فَأَنت طَالِق فَأَبَانَهَا وَدخلت إِحْدَى الدَّاريْنِ فِي غير ملكه ثمَّ تزَوجهَا فَدخلت الْأُخْرَى فِي ملكه تطلق لِأَن الحكم يكون مُضَافا إِلَى تَمام الشَّرْط وجودا عِنْده وَذَلِكَ حصل بِدُخُول الدَّار الْأُخْرَى فَيشْتَرط قيام الْملك عِنْده لَا عِنْد دُخُول الأولى
وَمن الْأَسْبَاب السَّفِينَة إِذا كَانَت تحْتَمل مائَة من وَقد جعل فِيهَا ذَلِك الْقدر فَوضع إِنْسَان آخر فِيهَا منا فغرقت كَانَ ضَامِنا
стр. 682
للْجَمِيع لِأَن تَمام عِلّة الْغَرق حصل بِفِعْلِهِ
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف ﵄ فِي المثلث إِن السكر مِنْهُ حرَام ثمَّ السكر الَّذِي هُوَ حرَام الْقدح الْأَخير لِأَن تَمام عِلّة الْإِسْكَار عِنْدهَا فَيكون مُضَافا إِلَيْهَا خَاصَّة
وَمُحَمّد ﵀ ترك هَذَا الأَصْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة احْتِيَاطًا لإِثْبَات الْحُرْمَة فَإِنَّهَا تثبت بِاعْتِبَار الصُّورَة تَارَة وَبِاعْتِبَار الْمَعْنى أُخْرَى
وَأما السَّبَب الَّذِي هُوَ فِي معنى الْعلَّة فنحو قَود الدَّابَّة وسوقها فَإِنَّهُ طَرِيق الْوُصُول إِلَى الْإِتْلَاف غير مَوْضُوع لَهُ ليَكُون عِلّة وَهُوَ فِي معنى الْعلَّة من حَيْثُ إِن الْإِتْلَاف مُضَاف إِلَيْهِ يُقَال أتْلفه بقود الدَّابَّة أَو سوقها
وَكَذَلِكَ إِذا أشرع جنَاحا فِي الطَّرِيق أَو وضع حجرا أَو ترك هدم الْحَائِط المائل بعد التَّقَدُّم إِلَيْهِ فِيهِ فَهَذَا كُله سَبَب فِي معنى الْعلَّة
وَكَذَلِكَ إِذا أَدخل دَابَّته زرع إِنْسَان حَتَّى أكلت الدَّابَّة الزَّرْع فَهَذَا سَبَب فِي معنى الْعلَّة للإتلاف وَلِهَذَا كَانَ مُوجبا عَلَيْهِ ضَمَان الْمُتْلف وَلَا يكون شَيْء من هَذَا مُوجبا لحرمان الْمِيرَاث وَلَا الْكَفَّارَة فَإِن ذَلِك جَزَاء مُبَاشرَة الْفِعْل
وَكَذَلِكَ قطع حَبل الْقنْدِيل الْمُعَلق وشق الزق وَفِيه مَائِع سَبَب هُوَ فِي معنى الْعلَّة
وَكَذَلِكَ شَهَادَة الشُّهُود بِالْقصاصِ يكون سَببا للْقَتْل من غير مُبَاشرَة لِأَن قَضَاء القَاضِي بعد الشَّهَادَة يكون عَن اخْتِيَار
وَكَذَلِكَ اسْتِيفَاء الْوَلِيّ وَالشَّهَادَة غير مَوْضُوعَة للْقَتْل فِي الأَصْل وَلِهَذَا لَا يُوجب الْكَفَّارَة وَلَا يثبت حرمَان الْمِيرَاث فِي حق الشُّهُود وَلَا يُوجب عَلَيْهِم الْقصاص
وَالشَّافِعِيّ ﵀ لَا يُنكر هَذَا وَلَكِن يَقُول هُوَ تسبيب قوي من حَيْثُ إِنَّه قصد بِهِ شخصا بِعَيْنِه فيصلح أَن يكون مُوجبا للقود عَلَيْهِ لِأَن فِيهِ معنى الْعلَّة من حَيْثُ إِن قَضَاء القَاضِي من مُوجبَات الشَّهَادَة وَالْقَتْل مُضَاف إِلَى ذَلِك
إِلَّا أَنا نقُول القَاضِي إِنَّمَا يقْضِي عَن اخْتِيَار مِنْهُ وَلَيْسَ فِي وسع الشَّاهِد مَا يظهره القَاضِي بِقَضَائِهِ أَو يُوجِبهُ فَبَقيت شَهَادَة الشُّهُود تسبيبا فِي الْحَقِيقَة وَلَا مماثلة بَين التسبيب والمباشرة وَوُجُوب الْقصاص يعْتَمد الْمُبَاشرَة
وعَلى هَذَا قَالَ فِي السّير إِذا قَالَ للغزاة أدلكم على حصن فِي دَار الْحَرْب تَجِدُونَ فِيهِ الْغَنَائِم فَإِن ذهب مَعَهم حَتَّى دلهم عَلَيْهِ كَانَ شريكهم فِي الْمُصَاب لِأَن فعله تسبيب
стр. 683
فِيهِ معنى الْعلَّة وَإِن وصف لَهُم الطَّرِيق حَتَّى وصلوا إِلَيْهِ بوصفه وَلم يذهب مَعَهم لم يكن شريكهم فِي الْمُصَاب لِأَن مَا صنعه تسبيب مَحْض وَلَيْسَ فِيهِ من معنى الْعلَّة شَيْء
وَأما السَّبَب الَّذِي لَهُ شُبْهَة الْعلَّة كحفر الْبِئْر فِي الطَّرِيق فَإِنَّهُ سَبَب للْقَتْل من حَيْثُ إِيجَاد شَرط الْوُقُوع وَهُوَ زَوَال المسكة وَلَيْسَ بعلة فِي الْحَقِيقَة فالعلة ثقل الْمَاشِي فِي نَفسه وَالسَّبَب الْمُطلق مَشْيه فِي ذَلِك الْموضع فَأَما الْحفر فَهُوَ إِيجَاد شَرط الْوُقُوع وَلَكِن لَهُ شُبْهَة الْعلَّة من حَيْثُ إِن الحكم يُضَاف إِلَيْهِ وجودا عِنْده لَا ثبوتا بِهِ وَلِهَذَا لم يكن مُوجبا الْكَفَّارَة وَلَا حرمَان الْمِيرَاث فَإِن ذَلِك جَزَاء الْفِعْل وَفعله تمّ من غير اتِّصَال بالمقتول وَإِنَّمَا اتَّصل بالمقتول عِنْد الْوُقُوع بِسَبَب آخر وَهُوَ مَشْيه إِلَّا أَنه يجب ضَمَان الدِّيَة عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك بدل الْمُتْلف لَا جَزَاء الْفِعْل وَقد حصل التّلف مُضَافا إِلَى حفره وجودا عِنْده فَإِذا كَانَ ذَلِك تَعَديا مِنْهُ وَجب الضَّمَان عَلَيْهِ بِمُقَابلَة الْمُتْلف حَتَّى لَو اعْترض على فعله مَا يُمكن إِضَافَة الحكم إِلَيْهِ نَحْو دفع دَافع إِيَّاه فِي الْبِئْر فَإِنَّهُ يكون الضَّمَان على الدَّافِع دون الْحَافِر
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا تزوج كَبِيرَة ورضيعة فأرضعت الْكَبِيرَة الرضيعة فَإِن الزَّوْج يغرم نصف صَادِق الصَّغِيرَة ثمَّ يرجع بِهِ على الْكَبِيرَة إِن تَعَمّدت الْفساد وَإِن لم تتعمد ذَلِك لم يرجع عَلَيْهَا بِشَيْء لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة بالإرضاع وَذَلِكَ مَوْجُود من الصبية إِلَّا أَن إلقام الثدي إِيَّاهَا سَبَب من الْكَبِيرَة لَهُ شُبْهَة الْعلَّة من حَيْثُ إِن الحكم يُضَاف إِلَيْهِ وجودا عِنْده
وَهَذَا الضَّمَان لَيْسَ بِضَمَان إِتْلَاف ملك النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ عندنَا وَلَكِن ضَمَان تَقْرِير نصف صدَاق على الزَّوْج فَإِذا صَار ذَلِك مُضَافا إِلَى فعلهَا وجودا عِنْده كَانَ لفعلها شُبْهَة الْعلَّة وَقد كَانَت متعدية فِي ذَلِك حِين تَعَمّدت الْفساد فيلزمها ضَمَان الْعدوان وَالله أعلم
فصل فِي تَقْسِيم الْعلَّة
قَالَ ﵁ أَنْوَاع الْعلَّة سِتَّة عِلّة اسْما وَمعنى وَحكما وَهُوَ حَقِيقَة الْعلَّة وَعلة اسْما لَا معنى وَلَا حكما وَهُوَ يُسمى عِلّة مجَازًا وَعلة
стр. 684
اسْما وَمعنى لَا حكما وَعلة تشبه السَّبَب وَعلة معنى وَحكما لَا اسْما وَعلة اسْما وَحكما لَا معنى
فَالْأول نَحْو البيع للْملك وَالنِّكَاح للْحلّ وَالْإِعْتَاق لزوَال الرّقّ وَإِثْبَات الْحُرِّيَّة وإيقاع الطَّلَاق للوقوع فَإِن هَذَا كُله عِلّة اسْما من حَيْثُ إِنَّه مَوْضُوع لهَذَا الْمُوجب فَإِن هَذَا الْمُوجب مُضَاف إِلَيْهِ لَا بِوَاسِطَة وَهُوَ عِلّة معنى من حَيْثُ إِنَّه مَشْرُوع لأجل هَذَا الْمُوجب وَهُوَ عِلّة حكما من حَيْثُ إِن هَذَا الحكم يثبت بِهِ وَلَا يجوز أَن يتراخى عَنهُ
وَاخْتلف مَشَايِخنَا فِي أَن مثل هَذِه الْعلَّة الْمُطلقَة هَل يجوز أَن تكون مَوْجُودَة وَالْحكم مُتَأَخّر عَنهُ فَمنهمْ من جوز ذَلِك وَقَالَ الَّذِي لَا يجوز كَون الْعلَّة خَالِيَة عَن الحكم فَأَما يجوز أَن لَا يتَّصل الحكم بهَا وَلَكِن يتَأَخَّر لمَانع
وَالأَصَح عندنَا أَنه لَا يجوز تَأَخّر الحكم عَن هَذِه الْعلَّة وَلَكِن الحكم يتَّصل ثُبُوته بِوُجُود هَذِه الْعلَّة بعد صِحَّتهَا لَا محَالة وَهُوَ عندنَا بِمَنْزِلَة الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل لَا يجوز القَوْل بِأَنَّهَا تسبق الْفِعْل
وَأما الْعلَّة اسْما لَا معنى وَلَا حكما فبيانها فِيمَا ذكرنَا من تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعتاق بِالشّرطِ وَالْيَمِين قبل الْحِنْث فَإِنَّهَا عِلّة اسْما لَا معنى وَلَا حكما لِأَن الْعلَّة معنى وَحكما مَا يكون ثُبُوت الحكم عِنْد تقرره لَا عِنْد ارتفاعه وَبعد الْحِنْث لَا تبقى الْيَمين بل ترْتَفع وَكَذَلِكَ بعد وجود الشَّرْط فِي الْيَمين بِالطَّلَاق وَالْعتاق لَا يبْقى الْيَمين
وَأما الْعلَّة اسْما وَمعنى لَا حكما فنحو البيع الْمَوْقُوف فَإِنَّهُ عِلّة للْملك اسْما من حَيْثُ إِنَّه بيع حَقِيقَة مَوْضُوع لهَذَا الْمُوجب وَمعنى من حَيْثُ إِنَّه مُنْعَقد شرعا بَين الْمُتَعَاقدين لإِفَادَة هَذَا الحكم فَإِن انْعِقَاده وَتَمَامه معنى بِمَا هُوَ من خَالص حَقّهَا وَلَيْسَ فِيهِ تعدِي الضَّرَر إِلَى الْغَيْر وَهُوَ لَيْسَ بعلة حكما لما فِي ثُبُوت الْملك بِهِ من الْإِضْرَار بالمالك فِي خُرُوج الْعين عَن ملكه من غير رِضَاهُ وَلِهَذَا إِذا وجد الْإِجَازَة مِنْهُ يسْتَند الحكم إِلَى وَقت العقد حَتَّى يملكهُ المُشْتَرِي بزوائده فيتبين بِهِ أَن الْعلَّة مَوْجُودَة اسْما وَمعنى
стр. 685
وَكَذَلِكَ إِذا صرح بِشَرْط الْخِيَار للْبَائِع فَإِنَّهُ عِلّة اسْما وَمعنى لَا حكما لِأَن خِيَار الشَّرْط دَاخل على الحكم لَا على أصل البيع وَكَانَ الْقيَاس أَن لَا يجوز اشْتِرَاط الْخِيَار فِي البيع لِمَعْنى الْغرَر إِلَّا أَنا لَو أدخلنا الشَّرْط على أصل السَّبَب دخل على الحكم ضَرُورَة وَلَو أدخلْنَاهُ على الحكم خَاصَّة لم يكن دَاخِلا على أصل السَّبَب فَكَانَ معنى الْغرَر والجهالة فِي هَذَا أقل وَإِذا ظهر أَن الشَّرْط دخل على الحكم خَاصَّة عرفنَا أَن البيع بِهَذَا الشَّرْط عِلّة اسْما وَمعنى لموجبه لَا حكما وَلِهَذَا لَو سقط الْخِيَار يثبت الْملك للْمُشْتَرِي من وَقت العقد حَتَّى يملك البيع بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَة والمنفصلة إِلَّا أَن أصل الْملك لما صَار مُتَعَلقا بِالشّرطِ لم يكن مَوْجُودا قبل الشَّرْط أصلا فالعتق الْمَوْجُود فِي هَذِه الْحَالة من المُشْتَرِي لَا يتَوَقَّف على أَن ينفذ ثُبُوت الْملك لَهُ إِذا سقط الْخِيَار وَفِي الأول إِنَّمَا يثبت فِي الْملك صفة التَّوَقُّف لَا التَّعْلِيق بِالشّرطِ وَتوقف الشَّيْء لَا يعْدم أَصله فَثَبت إِعْتَاقه بِصفة التَّوَقُّف أَيْضا على أَن ينفذ بنفوذ الْملك لَهُ بِالْإِجَارَة
وَمن هَذَا النَّوْع الْإِجَارَة فَإِنَّهَا عِلّة للْملك اسْما وَمعنى لَا حكما لِأَنَّهَا تتَنَاوَل الْمَعْدُوم حَقِيقَة والمعدوم لَا يكون محلا للْملك وَلِهَذَا لم يثبت الْملك فِي الْأجر لِانْعِدَامِ الْعلَّة حكما وَيملك بِشَرْط التَّعْجِيل لوُجُود الْعلَّة اسْما وَمعنى إِلَّا أَن هُنَاكَ وجود الْعلَّة اسْما وَمعنى من حَيْثُ إِن المنتفع بِهِ جعل كالمنفعة الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَة بِالْعقدِ فَأَما العقد فِي حق الحكم حَقِيقَة وَهُوَ ملك الْمَنْفَعَة صَار مُضَافا إِلَى حَالَة الْوُجُود فَيَقْتَضِي الْملك فِي الْأجر على حَال اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة لهَذَا وَلَا يثبت مُسْتَندا إِلَى وَقت العقد لِأَن إِقَامَة الْعين مقَام الْمَنْفَعَة فِي حكم صِحَة الْإِيجَاب دون الحكم وعَلى هَذَا الطَّلَاق الرَّجْعِيّ فَإِنَّهُ عِلّة اسْما وَمعنى لَا حكما لِأَن حكم زَوَال الْملك بِهِ مُتَعَلق بِشَرْط انْقِضَاء الْعدة قبل الرّجْعَة وَهُوَ فِي حكم حُرْمَة الْمحل ركن من أَرْكَان الْعلَّة فَعرفنَا أَنه
стр. 686
لَيْسَ بعلة حكما وَلِهَذَا لم يثبت زَوَال ملك الْحل بِهِ وَلَا حُرْمَة الْوَطْء أصلا
وَأما الْعلَّة الَّتِي تشبه السَّبَب فصورتها أَن يكون مَا يُضَاف إِلَيْهِ الحكم أَصله مَوْجُودا وَصفته منتظرا مُتَأَخِّرًا فِي وجوده خطر
فَمن حَيْثُ وجود الأَصْل كَانَ عِلّة لِأَن الصّفة تَابِعَة للْأَصْل وبانعدام الْوَصْف لَا يَنْعَدِم الأَصْل وَمن حَيْثُ إِن كَونه مُوجبا للْحكم بِاعْتِبَار الصّفة وَهُوَ منتظر مُتَأَخّر فَالْأَصْل قبل وجود الْوَصْف كَانَ طَرِيقا للوصول إِلَيْهِ فَكَانَ سَببا
وَبَيَان ذَلِك فِي النّصاب لِلزَّكَاةِ فَإِنَّهُ سَبَب لوُجُوب الزَّكَاة بِصفة النَّمَاء وَحُصُول هَذَا النَّمَاء منتظر لَا يكون إِلَّا بعد مُدَّة قدر الشَّرْع تِلْكَ الْمدَّة بالحول وَبِمَا ذكره لم ينْتَصب الْحول شرطا فَإِنَّهُ قَالَ (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) وَحَتَّى كلمة غَايَة لَا كلمة شَرط وبانعدام صفة النَّمَاء للْحَال لَا يَنْعَدِم أصل المَال الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ هَذَا الحكم شرعا فجعلناه عِلّة تشبه السَّبَب حَتَّى يجوز التَّعْجِيل بعد كَمَال النّصاب وَلَا يكون الْمُؤَدى زَكَاة لِلْمَالِ لِانْعِدَامِ صفة الْعلَّة بِخِلَاف الْمُسَافِر إِذا صَامَ فِي شهر رَمَضَان والمقيم إِذا صلى فِي أول الْوَقْت فالمؤدى يكون فرضا لوُجُود الْعلَّة مُطلقَة بصفتها ثمَّ إِذا تمّ الْحول حَتَّى وَجب الزَّكَاة جَازَ الْمُؤَدى عَن الزَّكَاة بِاعْتِبَار أَن الْأَدَاء وجد بعد وجود الْعلَّة وَلَو كَانَ مَحْض سَبَب لم يكن الْمُؤَدى قبل وجود الْعلَّة محسوبا من الزَّكَاة كالمؤدى قبل كَمَال النّصاب
فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن حولان الْحول لَيْسَ بتأجيل فِيهِ لِأَن التَّأْجِيل مهلة لمن عَلَيْهِ الْحق بعد كَمَال الْعلَّة فَإِذا أسقط المهلة بالتعجيل كَانَ فِي الْحَال مُؤديا للْوَاجِب وَهنا لَا يكون فِي الْحَال مُؤديا للْوَاجِب وَإِذا تمّ الْحول ونصابه غير كَامِل كَانَ الْمُؤَدى تَطَوّعا فَعرفنَا أَن النّصاب قبل وجود صفة النَّمَاء يمْضِي الْمدَّة يكون عِلّة فِي معنى السَّبَب حَتَّى يثبت حكم الْأَدَاء بِحَسب هَذِه الْعلَّة وَلَا يثبت الْوُجُوب أصلا بل يكون الْمُؤَدى مَوْقُوف الصِّحَّة على أَن يكون عَن الْوَاجِب إِذا تمّ مَا هُوَ صفة الْعلَّة باستناد حكم الْوُجُوب إِلَيْهِ وعَلى أَن يكون تَطَوّعا إِذا لم يتم ذَلِك الْوَصْف
وَلَا يدْخل على هَذَا إِذا كَانَت الْإِبِل علوفة فَعجل عَنْهَا الزَّكَاة ثمَّ جعلهَا سَائِمَة لِأَن هُنَاكَ أصل الْعلَّة لم يُوجد
стр. 687
وَهُوَ المَال النامي فَإِن الْغناء مُطلقًا لَا يحصل شرعا إِلَّا بِالْمَالِ النامي وَبِمَا لَا يحصل الْغناء من المَال لَا تكون الْعلَّة مَوْجُودَة بِمَنْزِلَة مَا دون النّصاب
وعَلى هَذَا مرض الْمَوْت فَإِنَّهُ عِلّة للحجر عَن التَّبَرُّعَات فِيمَا هُوَ حق الْوَارِث بعد الْمَوْت بِصفة إِيصَال الْمَوْت بِهِ وَهَذَا منتظر فَكَانَ الْمَوْجُود فِي الْحَال عِلّة تشبه السَّبَب فَإِذا تمّ باتصال الْمَوْت بِهِ اسْتندَ حكمه إِلَى أول الْمَرَض حَتَّى يبطل تبرعه بِمَا زَاد على الثُّلُث وَإِذا برأَ من مَرضه كَانَ تبرعه نَافِذا لِأَن الْعلَّة لم تتمّ بصفتها
وَكَذَلِكَ الْجرْح عِلّة لوُجُوب الْكَفَّارَة فِي الصَّيْد والآدمي بِصفة السَّرَايَة وَهِي صفة منتظرة فَكَانَ الْمَوْجُود قبل السَّرَايَة عِلّة تشبه السَّبَب حَتَّى يجوز أَدَاء الْكَفَّارَة بِالْمَالِ وَالصَّوْم جَمِيعًا وَإِذا اتَّصل بِهِ الْمَوْت كَانَ الْمُؤَدى جَائِزا عَن الْوَاجِب وَهَذَا كُله لِأَن الْوَصْف لَا يقوم بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يقوم بالموصوف فَلَا يُمكن جعل الْمَوْصُوف أحد وصفي الْعلَّة ليَكُون سَببا لَا عِلّة كَمَا بَينا فِي فصل السَّبَب وَلَا يُمكن جعل الْوَصْف عِلّة معنى وَحكما بِمَنْزِلَة آخر الوصفين وجودا من عِلّة هِيَ ذَات وصفين فَلهَذَا جعلناها عِلّة تشبه السَّبَب
وَمن هَذَا النَّوْع عِلّة الْعلَّة وَذَلِكَ أَن تكون الْعلَّة مُوجبَة للْحكم بِوَاسِطَة تِلْكَ الْعلَّة من مُوجبَات الْعلَّة الأولى فَتكون بِمَنْزِلَة عِلّة توجب الحكم بِوَصْف وَذَلِكَ الْوَصْف قَائِم بِالْعِلَّةِ فَكَمَا أَن الحكم هُنَاكَ يكون مُضَافا إِلَى الْعلَّة دون الصّفة فَهُنَا يكون أَيْضا مُضَافا إِلَى الْعلَّة دون الْوَاسِطَة وَذَلِكَ نَحْو الرَّمْي فَإِنَّهُ يُوجب تحرّك السهْم ومضيه فِي الْهَوَاء ونفوذه فِي الْمَقْصُود حَتَّى يبتنى عَلَيْهِ عِلّة الْقَتْل وَلَكِن هَذِه الواسطات من مُوجبَات الرَّمْي فَكَانَ الرَّمْي عِلّة تَامَّة لمباشرة الْقَتْل حَتَّى يجب الْقصاص على الرَّامِي وَلِهَذَا قُلْنَا فِي شِرَاء الْقَرِيب إِنَّه إِعْتَاق تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة إِذا نَوَاه لِأَن الشِّرَاء مُوجب للْملك وَالْملك فِي الْقَرِيب مُوجب لِلْعِتْقِ فَيصير الحكم مُضَافا إِلَى السَّبَب الأول لكَون الْوَاسِطَة من موجباته بِخِلَاف مَا إِذا اشْترى الْمَحْلُوف بِعِتْقِهِ بنية الْكَفَّارَة لِأَن الْوَاسِطَة وَهِي الشَّرْط يُضَاف إِلَيْهِ الْعتْق وجودا عِنْده لَا وجوبا بِهِ وَالْعِتْق عِنْد
стр. 688
وجوده مُضَاف إِلَى مَا وجد من التَّعْلِيق بِمَا هُوَ بَاقٍ بعد وجود الشَّرْط وَهُوَ قَوْله أَنْت حر وَلم تقترن بِهِ نِيَّة الْكَفَّارَة
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ فِي المزكين لشهود الزِّنَا إِذا رجعُوا ضمنُوا لِأَن التَّزْكِيَة فِي معنى عِلّة الْعلَّة فَإِن الْمُوجب للْحكم بِالرَّجمِ شَهَادَة الشُّهُود وَالشَّهَادَة لَا تكون مُوجبَة بِدُونِ التَّزْكِيَة فَمن هَذَا الْوَجْه يصير الحكم مُضَافا إِلَى التَّزْكِيَة وَمن حَيْثُ إِن التَّزْكِيَة صفة للشَّهَادَة بَقِي الحكم مُضَافا إِلَى الشَّهَادَة أَيْضا فَأَي الْفَرِيقَيْنِ رَجَعَ كَانَ ضَامِنا
وَمِمَّا هُوَ نَظِير الْعلَّة الَّتِي تشبه السَّبَب مَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ فِي رجل قَالَ آخر عبد أشتريه فَهُوَ حر فَاشْترى عبدا ثمَّ عبدا ثمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يعْتق الثَّانِي من حِين اشْتَرَاهُ
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ آخر امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق لِأَن الثَّانِي مَوْصُوف بِصفة الآخرية بِاعْتِبَار معنى منتظر وَهُوَ أَن لَا يَشْتَرِي بعده غَيره حَتَّى يَمُوت وَلَا يتَزَوَّج بعْدهَا غَيرهَا فَلم يكن الحكم ثَابتا فِي الْحَال لِمَعْنى الِانْتِظَار فِي هَذَا الْوَصْف فَإِذا زَالَ الِانْتِظَار وتقرر الْوَصْف كَانَ الحكم ثَابتا من حِين وجدت الْعلَّة لَا من حِين زَوَال الِانْتِظَار كَمَا هُوَ حكم الْعلَّة الَّتِي تشبه السَّبَب
وَقد جعل بعض مَشَايِخنَا الْإِيجَاب الْمُضَاف إِلَى وَقت من هَذَا الْقسم
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه من الْقسم الثَّالِث فَإِنَّهُ عِلّة اسْما وَمعنى لَا حكما وَلِهَذَا لَو نذر أَن يتَصَدَّق بدرهم غَدا فَتصدق بِهِ الْيَوْم جَازَ عَن الْمَنْذُور للْحَال وَلَو كَانَ هَذَا من نَظِير الْقسم الرَّابِع لتأخر حكم جَوَازه عَن الْمَنْذُور إِلَى مَجِيء ذَلِك الْوَقْت كَمَا بَينا فِي تَعْجِيل الزَّكَاة
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ فِي النّذر بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة إِذا أَضَافَهُ إِلَى وَقت فِي الْمُسْتَقْبل يجوز تَعْجِيله قبل ذَلِك الْوَقْت لوُجُود الْعلَّة اسْما وَمعنى وَإِن تَأَخّر حكم وجوب الْأَدَاء إِلَى مَجِيء ذَلِك الْوَقْت بِمَنْزِلَة الصَّوْم فِي حق الْمُسَافِر
وَقَالَ مُحَمَّد ﵀ لَا يجوز اعْتِبَارا لما يُوجِبهُ على نَفسه فِي وَقت بِعَيْنِه بِمَا أوجب الله عَلَيْهِ فِي وَقت بِعَيْنِه حَتَّى لَا يَنْفَكّ ذَلِك الْوَقْت عَن وجوب الْأَدَاء أَو وجود الْأَدَاء فِيهِ وَإِذا جَازَ التَّعْجِيل خلا الْوَقْت الْمُضَاف عَن ذَلِك أصلا
فَأَما الْعلَّة الَّتِي هِيَ معنى حكما لَا اسْما فَهُوَ آخر الوصفين من عِلّة تشْتَمل
стр. 689
على وصفين مؤثرين فِي الْعتْق نَحْو مَا بَينا فِي الْقَرَابَة الْمُحرمَة للنِّكَاح مَعَ الْملك فَإِنَّهُمَا وصفان مؤثران فِي الْعتْق ثمَّ آخرهما وجودا يكون عِلّة معنى وَحكما وَالْمرَاد بِالْمَعْنَى كَونه مؤثرا فِيهِ وبالحكم أَنه يثبت الحكم عِنْده وَهَذَا لِأَن الْوَصْف الثَّانِي مَعَ الأول اسْتَويَا فِي الْوُجُوب بهما وترجح الثَّانِي بالوجود عِنْده فَكَانَ عِلّة معنى وَحكما لَا اسْما فَإِن الحكم مُضَاف إِلَى الوصفين جَمِيعًا فَمن حَيْثُ الِاسْم الْوَصْف الثَّانِي شطر الْعلَّة
وعَلى هَذَا قُلْنَا أحد وصفي عِلّة الرِّبَا يحرم النسأ بِانْفِرَادِهِ لِأَن كل وَاحِد من الوصفين عِلّة معنى وَحكما إِذا تَأَخّر وجوده عَن الْوَصْف الآخر وَحُرْمَة النسأ مَبْنِيّ على الِاحْتِيَاط وَهُوَ أسْرع ثبوتا من حُرْمَة الْفضل لقَوْله ﵇ إِذا اخْتلف النوعان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم بعد أَن يكون يدا بيد فَجعل ثَابتا بِوُجُود أحد الوصفين
وَلَا يدْخل على هَذَا حكم الشَّهَادَة فَإِن شَهَادَة الشَّاهِد الثَّانِي بعد الأول لَا تجْعَل عِلّة للاستحقاق معنى وَحكما وَإِن كَانَ اسْتِحْقَاق الحكم عِنْده يكون لِأَن هُنَاكَ الِاسْتِحْقَاق لَا يثبت بِالشَّهَادَةِ بل بِقَضَاء القَاضِي وَقَضَاء القَاضِي يكون بِشَهَادَة الشَّاهِدين جَمِيعًا فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ كَون أَحدهمَا سَابِقًا وَالْآخر متمما لعِلَّة الِاسْتِحْقَاق
فَأَما الْعلَّة اسْما وَحكما لَا معنى فَهُوَ السّفر وَالْمَرَض فِي ثُبُوت الرُّخص بهما فَإِنَّهَا فِي الشَّرِيعَة مُضَافَة إِلَى السّفر وَالْمَرَض فَعرفنَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة اسْما وَكَذَلِكَ من حَيْثُ الحكم فَحكم جَوَاز التَّرَخُّص بِالْفطرِ وَنَحْوه يثبت عِنْد وجود السّفر وَالْمَرَض فَأَما الْمَعْنى الْمُؤثر فِي هَذِه الرُّخْصَة فَهُوَ الْمَشَقَّة الَّتِي تلْحقهُ بِالصَّوْمِ دون السّفر وَالْمَرَض لما بَينا أَن الْمَعْنى مَا يكون مؤثرا فِي الحكم وَذَلِكَ الْمَشَقَّة وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ إِلَّا أَن الْمَشَقَّة بَاطِن تَتَفَاوَت أَحْوَال النَّاس فِيهِ وَلَا يُمكن الْوُقُوف على حَقِيقَته فَأَقَامَ الشَّرْع السّفر بِصفة مَخْصُوصَة مقَام تِلْكَ الْمَشَقَّة لكَونه دَالا عَلَيْهَا غَالِبا وَكَذَلِكَ أَقَامَ الْمَرَض بِوَصْف مَخْصُوص مقَام تِلْكَ الْمَشَقَّة فَعرفنَا أَنه عِلّة اسْما وَحكما لَا معنى وَلِهَذَا لَو أصبح مُقيما صَائِما ثمَّ سَافر فَأفْطر لم تلْزمهُ الْكَفَّارَة لوُجُود عِلّة الْإِسْقَاط اسْما وَإِن انْعَدم
стр. 690
معنى وَحكما حَتَّى لَا يكون الْفطر مُبَاحا لَهُ فِي هَذَا الْيَوْم أصلا
وعَلى هَذَا قُلْنَا النّوم فِي كَونه حَدثا عِلّة اسْما وَحكما لَا معنى إِذْ الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مُؤثر فِي الْحَدث خُرُوج نجس من الْبدن أَو من أحد السَّبِيلَيْنِ على حسب مَا اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ وَذَلِكَ غير مَوْجُود فِي النّوم إِلَّا أَن النّوم بِصفة مَخْصُوصَة وَهُوَ أَن يكون مُضْطَجعا أَو مُتكئا لكَونه دَلِيل استرخاء المفاصل يقوم مقَام خُرُوج شَيْء من الْبدن تيسيرا
وعَلى هَذَا حكم النّسَب فَإِن ملك النِّكَاح عِلّة لثُبُوت النّسَب اسْما وَحكما لَا معنى لِأَن الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مُؤثر فِي النّسَب كَون الْوَلَد مخلوقا من مَائه وَلكنه بَاطِن فَقَامَ النِّكَاح الَّذِي هُوَ ظَاهر مقَامه تيسيرا
وَكَذَلِكَ الْمس عَن شَهْوَة وَالنِّكَاح فِي حكم حُرْمَة الْمُصَاهَرَة فَإِنَّهُ يكون اسْما وَحكما لَا معنى
وَكَذَلِكَ الِاسْتِبْرَاء فَإِن استحداث ملك الْوَطْء بِملك الْيَمين عِلّة لوُجُوب الِاسْتِبْرَاء اسْما وَحكما لَا معنى لِأَن الْمُؤثر فِي إِيجَاب الِاسْتِبْرَاء اشْتِغَال الرَّحِم بِمَاء الْغَيْر لمقصود صِيَانة مَائه عَن الْخَلْط بِمَاء آخر وَذَلِكَ بَاطِن فَقَامَ السَّبَب الظَّاهِر الدَّال عَلَيْهِ وَهُوَ استحداث ملك الْوَطْء بِملك الْيَمين مقَام ذَلِك الْمَعْنى فِي وجوب الِاسْتِبْرَاء بِهِ
وَلم يقم ملك النِّكَاح مقَام ذَلِك الْمَعْنى لِأَن زَوَال ملك النِّكَاح بعد وجود السَّبَب الْمُوجب لشغل الرَّحِم يعقب عدَّة بهَا يحصل الْمَقْصُود وَهُوَ بَرَاءَة الرَّحِم فَلَا حَاجَة إِلَى إِيجَاب الِاسْتِبْرَاء عِنْد حُدُوث ملك وَأما زَوَال ملك الْيَمين بعد الْوَطْء لَا يعقب وجوب مَا هُوَ دَلِيل بَرَاءَة الرَّحِم فَتَقَع الْحَاجة إِلَى إِيجَاب الِاسْتِبْرَاء عِنْد حُدُوث ملك الْحل بِملك الْيَمين لمقصود بَرَاءَة الرَّحِم
وأمثلة هَذَا النَّوْع أَكثر من أَن تحصى
وَهَذَا فِي الْحَاصِل نَوْعَانِ أَحدهمَا إِقَامَة الدَّاعِي مقَام الْمَدْعُو كالمس وَالنِّكَاح الدَّاعِي (إِلَى) مَا يثبت بِهِ معنى البعضية
وَالثَّانِي إِقَامَة الدَّلِيل مقَام الْمَدْلُول كاسترخاء المفاصل بِالنَّوْمِ فَإِنَّهُ دَلِيل خُرُوج شَيْء من الْبدن والتقاء الختانين فِي كَونه مُوجبا للاغتسال لِأَنَّهُ دَلِيل خُرُوج الْمَنِيّ عَن شَهْوَة والمباشرة الْفَاحِشَة فِي كَونه حَدثا عِنْد أبي حنيفَة وأبى يُوسُف رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ دَلِيل خُرُوج شَيْء مِنْهُ حِين انتشرت الْآلَة بِالْمُبَاشرَةِ
وعَلى
стр. 691
هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن كنت تحبيني أَو تبغضيني فَأَنت كَذَا فَإِن إخبارها بِهِ فِي الْمجْلس يكون دَلِيل وجود مَا جعله شرطا فَجعل قَائِما مقَام الْمَدْلُول
وَفِيه ثَلَاثَة أوجه من الْفِقْه أَحدهَا الضَّرُورَة وَالْعجز عَن الْوُقُوف على مَا هُوَ الْحَقِيقَة كَمَا فِي الْمحبَّة والبغض وَبِه تعدى الحكم إِلَى قَوْله إِن حِضْت فَأَنت كَذَا فَقَالَت حِضْت فَإِنَّهُ يُقَام خَبَرهَا بِهِ مقَام حَقِيقَة الشَّرْط فِي وُقُوع الطَّلَاق
وَالثَّانِي الِاحْتِيَاط فِي بَاب الحرمات والعبادات
وَالثَّالِث دفع الْحَرج عَن النَّاس فِيمَا تتَحَقَّق فِيهِ الْحَاجة لَهُم وَلِهَذَا جعل الشَّرْع فِي بَاب الْإِجَارَة ملك الْعين المنتفع بِهِ مقَام ملك الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَة فِي جَوَاز العقد وَأقَام سَبَب وجود الْمَنْفَعَة وَهُوَ كَون الْعين مُنْتَفعا بهَا مقَام حَقِيقَة وجودهَا لِأَنَّهَا بعد الْوُجُود لَا تبقى وَقْتَيْنِ فَلَا يُمكن إبراد العقد عَلَيْهَا وتسليمها فلدفع الْحَرج فِيمَا للنَّاس حَاجَة إِلَيْهِ أَقَامَ الشَّرْع غير الْمَقْصُود بِالْعقدِ مقَام الْمَقْصُود فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عقد الْمُعَاوضَة وَهُوَ وجود الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَكَونه مَمْلُوكا للعاقد
فَهَذِهِ حُدُود يتم بمعرفتها فقه الرجل وَلَكِن فِي ضبط حُدُودهَا بعض الْحَرج لما فِيهَا من الدقة فَلَا يطْلبهَا فَقِيه بكسل وَلَا يَقِفن عَن طلبَهَا بفشل وَالله الْهَادِي لمن جَاهد فِي سَبيله
فصل فِي بَيَان تَقْسِيم الشَّرْط
وَهِي سِتَّة أَقسَام شَرط مَحْض وَشرط فِي حكم الْعلَّة وَشرط فِيهِ شُبْهَة الْعلَّة وَشرط فِي معنى السَّبَب وَشرط اسْما لَا حكما وَشرط بِمَعْنى الْعَلامَة الْخَالِصَة
فَأَما الشَّرْط الْمَحْض فَهُوَ مَا يتَوَقَّف وجود الْعلَّة على وجوده وَيمْتَنع وجود الْعلَّة حَقِيقَة بعد وجودهَا صُورَة حَتَّى يُوجد ذَلِك الشَّرْط فَتَصِير مَوْجُودَة عِنْدهَا حَقِيقَة على مَا بَينا فِي الْفرق بَين الشَّرْط وَالْعلَّة أَن الحكم مُضَاف إِلَى الشَّرْط وجودا عِنْده لَا وجوبا بِهِ وَذَلِكَ نَحْو كَلِمَات الشَّرْط كلهَا كَقَوْلِه لعَبْدِهِ إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر أَو إِذا دخلت أَو مَتى دخلت أَو كلما دخلت فَإِن التَّحْرِير الَّذِي هُوَ عِلّة يتَوَقَّف وجوده على وجود الشَّرْط حَقِيقَة بعد
стр. 692
مَا وجد صورته بكلماته من الْمولى وَعند وجود الشَّرْط يُوجد التَّحْرِير حَقِيقَة فَيثبت بِهِ حكم الْعتْق
وعَلى هَذَا حكم الْعِبَادَات والمعاملات فَإِنَّهَا تعلّقت بِأَسْبَاب جعلهَا الشَّرْع سَببا للْوُجُوب كَمَا بَينا ثمَّ وجود الْعلَّة حَقِيقَة يتَأَخَّر إِلَى وجود مَا هُوَ شَرط فِيهِ وَهُوَ الْعلم بِهِ أَو مَا يقوم مقَام الْعلم بِهِ حَتَّى إِن النَّص النَّازِل قبل علم الْمُخَاطب بِهِ جعل فِي حَقه كَأَنَّهُ غير نَازل وَلِهَذَا قُلْنَا من أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى زمَان ثمَّ علم بذلك فَإِنَّهُ لَا يلْزمه قَضَاء شَيْء بِاعْتِبَار السَّبَب فِي الْمَاضِي وَإِذا أسلم فِي دَار الْإِسْلَام يلْزمه الْقَضَاء لَا لِأَن الْعلم لَيْسَ بِشَرْط وَلَكِن لِأَن شيوع الْخطاب فِي دَار الْإِسْلَام وتيسير الْوُصُول إِلَيْهِ بِأَدْنَى طلب يقوم مقَام وجود الْعلم بِهِ فَتَصِير الْعلَّة مَوْجُودَة حَقِيقَة بِوُجُود الشَّرْط حكما وعَلى هَذَا تُؤَدّى الْعِبَادَات بأَدَاء أَرْكَانهَا نَحْو الصَّلَاة فَإِن أَرْكَانهَا الْقيام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود ثمَّ لَا يُوجد الْأَدَاء بهَا إِلَّا بعد وجود الشَّرْط وَهُوَ النِّيَّة وَالطَّهَارَة
وَكَذَلِكَ الْمُعَامَلَات فَإِن ركن النِّكَاح وَهُوَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول لَا يُوجد بِهِ انْعِقَاد العقد إِلَّا عِنْد وجود الشَّرْط وَهُوَ الشُّهُود ثمَّ هَذَا النَّوْع من الشَّرْط إِنَّمَا يعرف بصيغته أَو بدلالته فَمَتَى وجد صِيغَة كلمة الشَّرْط لم يَنْفَكّ عَن معنى الشَّرْط
وَالَّذِي قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين من مَشَايِخنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ إِنَّه مَذْكُور على سَبِيل الْعَادة وَإنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ سوى أَن الْحَاجة إِلَى الْكِتَابَة أمس فِي هَذِه الْحَالة قَالَ ﵁ هَذَا لَيْسَ بِقَوي عِنْدِي لِأَن تَحت هَذَا الْكَلَام أَنه لَيْسَ فِي ذكر هَذَا الشَّرْط فَائِدَة معنى الشَّرْط وَكَلَام الله تَعَالَى منزه عَن هَذَا بل فِيهِ فَائِدَة الشَّرْط
وَبَيَانه أَن الْأَمر للْإِيجَاب تَارَة وللندب أُخْرَى وَالْمرَاد النّدب هُنَا بِدَلِيل مَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ فَإِنَّهُ للنَّدْب دون الْإِيجَاب وَعقد الْكِتَابَة وَإِن كَانَ مُبَاحا قبل أَن يعلم فِيهِ خيرا فَإِنَّمَا يصير مَنْدُوبًا إِلَيْهِ إِذا علم أَن فِيهِ خيرا فَظهر فَائِدَة الشَّرْط من هَذَا الْوَجْه
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا﴾ فَإِنَّهُ غير مَذْكُور على وفَاق الْعَادة عندنَا بل لبَيَان النّدب فَإِن نِكَاح الْأمة مَعَ طول الْحرَّة عدم طول الْحرَّة
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ﴾ وَإِن كَانَ مُبَاحا
стр. 693
لَهُ إِلَّا أَنه غير مَنْدُوب إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ينْدب إِلَيْهِ بِشَرْط غير مَذْكُور على وفَاق الْعَادة بل هُوَ بِمَعْنى الشَّرْط حَقِيقَة لِأَن المُرَاد هُوَ الْقصر فِي أَحْوَال الصَّلَاة كالأداء رَاكِبًا بِالْإِيمَاءِ والإيجاز فِي الْقِرَاءَة وَتَخْفِيف الرُّكُوع وَالسُّجُود وَذَلِكَ إِنَّمَا يُوجد عِنْد وجود هَذَا الشَّرْط وَهُوَ الْخَوْف أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا اطمأننتم فأقيموا الصَّلَاة﴾ فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ فَهُوَ غير مَذْكُور بِصِيغَة الشَّرْط فِيهِ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ وَحكم الْجَوَاز لَا يثبت إِلَّا عِنْد وجود هَذَا الشَّرْط
وَبَيَان دلَالَة الشَّرْط فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِذا قَالَ لنسوة الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا مِنْكُن طَالِق أَو قَالَ لأَرْبَع نسْوَة لَهُ الْمَرْأَة الَّتِي تدخل الدَّار مِنْكُن طَالِق فَإِنَّهُ يتَوَقَّف وجود الْعلَّة حَقِيقَة على وجود التَّزَوُّج وَالدُّخُول لوُجُود دلَالَة الشَّرْط فِيهِ وَهُوَ أَنه مَذْكُور على سَبِيل الْوَصْف للنكرة بِخِلَاف مَا لَو قَالَ هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا أَو هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي تدخل الدَّار فَإِنَّهُ مَذْكُور على سَبِيل الْوَصْف للعين فَلَا يكون شرطا وَلَا يتَوَقَّف وجود الْعلَّة على وجوده وَلَو أَتَى بِصِيغَة الشَّرْط فِي الْوَجْهَيْنِ يُوقف وجود الْعلَّة على وجوده بِأَن قَالَ إِن تزوجت امْرَأَة مِنْكُن أَو هَذِه الْمَرْأَة إِن تَزَوَّجتهَا
وَأما الشَّرْط الَّذِي هُوَ حكم الْعلَّة فنحو شقّ الزق حَتَّى يسيل مَا فِيهِ من الدّهن وَقطع حَبل الْقنْدِيل حَتَّى يسْقط فينكسر فَإِن الشق فِي الصُّورَة مُبَاشرَة إِتْلَاف جُزْء من الزق وَفِي حق الدّهن هُوَ إِيجَاد شَرط السيلان وَلَكِن جعل هَذَا الشَّرْط فِي حكم الْعلَّة حَتَّى يَجْعَل كَأَنَّهُ بَاشر إِرَاقَة الدّهن لِأَن الْمَائِع لَا يكون مَحْفُوظًا إِلَّا بوعاء فإزالة مَا بِهِ تماسكه يكون مُبَاشرَة تَفْوِيت مَا كَانَ مَحْفُوظًا بِهِ وَكَذَلِكَ الْقنْدِيل على مَا هُوَ مَصْنُوع لَهُ
стр. 694
عَادَة لَا يكون مَحْفُوظًا إِلَّا بِحَبل يعلقه بِهِ فَكَانَ قطع ذَلِك الْحَبل مُبَاشرَة تَفْوِيت مَا كَانَ مَحْفُوظًا بِهِ فَيكون إِلْقَاء وكسرا
وعَلى هَذَا جرح الْإِنْسَان إِذا اتَّصل بِهِ السَّرَايَة يكون مُبَاشرَة الْقَتْل حَتَّى يجب الْقصاص بِهِ إِذا كَانَ عمدا لِأَن الْحَيَاة لَا يُمكن إزهاقه حَقِيقَة بِالْأَخْذِ والإخراج وَلكنه مَحْفُوظ فِي الْبدن بسلامة البنية فنقض البنية بِالْجرْحِ وَالْقطع يكون تفويتا لما كَانَ بِهِ مَحْفُوظًا فَيجْعَل ذَلِك مُبَاشرَة عِلّة الْقَتْل حكما بِخِلَاف الطَّلَاق وَالْعتاق فَإِنَّهُ مَحْفُوظ عِنْد الْمَالِك بامتناعه عَن التَّكَلُّم بِكَلِمَة الْإِيقَاع فَبعد مَا تكلم بِكَلِمَة الْإِيقَاع كَانَ التَّعْلِيق بِالشّرطِ للْمَنْع من الْوُقُوع وَمن أَن يكون ذَلِك التَّكَلُّم عِلّة حَقِيقَة وَإِذا صَار عِنْد وجود الشَّرْط عِلّة حَقِيقَة كَانَ الحكم مُضَافا إِلَى الْعلَّة ثبوتا بِهِ وَإِلَى الشَّرْط وجودا عِنْده فَلم يكن الشَّرْط هُنَاكَ فِي حكم الْعلَّة حَتَّى كَانَ وجوب الضَّمَان عِنْد الرُّجُوع على شُهُود التَّعْلِيق دون شُهُود الشَّرْط وَلَا ضَمَان على شُهُود الشَّرْط إِذا رجعُوا دون شُهُود التَّعْلِيق
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة فِيمَن قيد عَبده ثمَّ قَالَ إِن كَانَ فِي قيدك عشرَة أَرْطَال حَدِيد فَأَنت حر وَإِن حل هَذَا الْقَيْد فَأَنت حر فَشهد الشَّاهِدَانِ أَن فِي الْقَيْد عشرَة أَرْطَال حَدِيد فَأعْتقهُ القَاضِي ثمَّ حل الْقَيْد فَإِذا فِيهِ خَمْسَة أَرْطَال فَإِن الشُّهُود يضمنُون قيمَة العَبْد لِأَن قَضَاء القَاضِي عِنْده بِشَهَادَة الزُّور ينفذ ظَاهرا وَبَاطنا فَكَانَ الْعتْق ثَابتا بِقَضَاء القَاضِي بعد شَهَادَتهمَا قبل أَن يحل الْقَيْد وهما فِي الصُّورَة شَاهدا الشَّرْط ولكنهما مثبتان عِلّة الْعتْق بِشَهَادَتِهِمَا لِأَنَّهُمَا شَهدا أَن الْمولى علق عتقه بِشَرْط مَوْجُود وَالتَّعْلِيق بِشَرْط مَوْجُود يكون تنجيزا فكأنهما شَهدا بتنجيز الْعتْق فضمنا لإثباتهما شرطا هُوَ عِلّة فِي الحكم
وَأما الشَّرْط الَّذِي يشبه الْعلَّة فَهُوَ أَن يُعَارضهُ مَا لَا يصلح أَن يكون عِلّة للْحكم بِانْفِرَادِهِ وَمَتى عَارضه مَا يصلح عِلّة بِانْفِرَادِهِ فَذَلِك الشَّرْط لَا يشبه الْعلَّة لِمَعْنى وَهُوَ أَن الأَصْل فِي إِضَافَة الحكم إِلَيْهِ (الْعلَّة)
стр. 695
وَعلل الشَّرْع فِيمَا يرجع إِلَى ثُبُوت الحكم بهَا كَأَنَّهَا شُرُوط على معنى أَنَّهَا أَمَارَات غير مُوجبَة للْحكم بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا كَذَلِك وَالشّرط من وَجه يشبهها على معنى أَن الحكم يصير مُضَافا إِلَى الشَّرْط وجودا عِنْده فَأمكن جعله خلفا عَن الْعلَّة فِي الحكم فَقُلْنَا مَتى عَارض الشَّرْط مَا لَا يصلح أَن يكون عِلّة فِي الحكم صَار مَوْجُودا بعد وجود الشَّرْط فَلَا بُد من أَن يَجْعَل الشَّرْط خلفا عَن الْعلَّة فِي إِثْبَات الحكم بِهِ وَمَتى أمكن جعل الْمعَارض عِلّة بِانْفِرَادِهِ فَلَا حَاجَة إِلَى إِثْبَات هَذِه الْخلَافَة فَلم يَجْعَل للشّرط شبه الْعلَّة
وَبَيَانه فِيمَا قُلْنَا إِن حفر الْبِئْر فِي الطَّرِيق إِيجَاد شَرط الْوُقُوع بِإِزَالَة المسكة عَن ذَلِك الْموضع إِلَّا أَن مَا عَارضه من الْعلَّة وَهُوَ ثقل الْمَاشِي لَا يصلح بِانْفِرَادِهِ عِلّة الْإِتْلَاف بطرِيق الْعدوان وَمَا هُوَ سَببه وَهُوَ مَشْيه لَا يصلح عِلّة لذَلِك فَإِنَّهُ مُبَاح مُطلقًا فَكَانَ الشَّرْط بِمَنْزِلَة الْعلَّة فِي إِضَافَة الحكم إِلَيْهِ حَتَّى يجب الضَّمَان على الْحَافِر وَلَكِن لَا يصير مباشرا للإتلاف حَتَّى لَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة وَلَا يحرم عَن الْمِيرَاث فَكَانَ لهَذَا الشَّرْط شبه الْعلَّة لَا أَن يكون عِلّة حكما
وَقُلْنَا فِي شُهُود التَّعْلِيق وشهود الشَّرْط إِذا رجعُوا فَالضَّمَان على شُهُود التَّعْلِيق خَاصَّة لأَنهم نقلوا قَول الْمولى أَنْت حر وَهَذَا بِانْفِرَادِهِ عِلّة تَامَّة لإضافة حكم الْعتْق إِلَيْهِ فَلم يكن للشّرط هُنَاكَ شبه الْعلَّة فَلهَذَا لَا يضمن شُهُود الشَّرْط شَيْئا سَوَاء رَجَعَ الْفَرِيقَانِ أَو رَجَعَ شُهُود الشَّرْط خَاصَّة
وَكَذَلِكَ إِذا رَجَعَ شُهُود التَّخْيِير وشهود الِاخْتِيَار فَإِن الضَّمَان على شُهُود الِاخْتِيَار خَاصَّة لِأَن التَّخْيِير سَبَب وَمَا عَارضه وَهُوَ الِاخْتِيَار عِلّة تَامَّة للْحكم فَكَانَ الحكم مُضَافا إِلَيْهِ دون السَّبَب فَلم يضمن شُهُود السَّبَب شَيْئا كَمَا لَا يضمن شُهُود الشَّرْط
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا اخْتلف حافر الْبِئْر مَعَ ولي الْوَاقِع فِيهَا وَقَالَ الْحَافِر أوقع فِيهَا نَفسه وَقَالَ الْوَلِيّ لَا بل وَقع فِيهَا فَالْقَوْل قَول الْحَافِر اسْتِحْسَانًا لِأَن الْحفر شَرط جعل خلفا عَن الْعلَّة لضَرُورَة كَون الْعلَّة غير صَالِحَة فالحافر يتَمَسَّك بِمَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ صَلَاحِية
стр. 696
الْعلَّة للْحكم وينكر سَبَب الْخلَافَة وَذَلِكَ حكم ضَرُورِيّ فَكَانَ القَوْل قَوْله بِخِلَاف الْجَارِح إِذا ادّعى أَن الْمَجْرُوح مَاتَ بِسَبَب آخر وَقَالَ الْوَلِيّ مَاتَ من تِلْكَ الْجَارِحَة فَإِن القَوْل قَول الْوَلِيّ لِأَن الْجَارِح صَاحب عِلّة لَا صَاحب شَرط كَمَا بَينا وَالْأَصْل فِي الْعلَّة الصلاحية للْحكم فَكَانَ الْوَلِيّ هُوَ المتمسك بِالْأَصْلِ هُنَا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا غصب من آخر حِنْطَة فزرعها فَإِن الزَّرْع يكون مَمْلُوكا للْغَاصِب لِأَن مَا هُوَ الْعلَّة لحُصُول الْخَارِج وَهُوَ قُوَّة الأَرْض والهواء وَالْمَاء مسخر بِتَقْدِير الله تَعَالَى لَا اخْتِيَار لَهُ فَلَا يصلح لإضافة الحكم إِلَيْهِ وَالْإِلْقَاء الَّذِي هُوَ شَرط جَامع بَين هَذِه الْأَشْيَاء يَجْعَل كالعلة خلفا عَنْهَا فِي الحكم فَبِهَذَا الطَّرِيق يصير الزَّرْع كسب الْغَاصِب مُضَافا إِلَى عمله فَيكون مَمْلُوكا لَهُ وَإِذا سقط الْحبّ فِي الأَرْض من غير صنع أحد بِأَن هبت بِهِ الرّيح فقد تعذر جعل هَذَا الشَّرْط خلفا عَن الْعلَّة فَجعل الْمحل الَّذِي هُوَ فِي حكم الشَّرْط كالعلة خلفا حَتَّى يكون الْخَارِج لصَاحب الْحِنْطَة لكَونهَا محلا لما حصل وَهُوَ الْخَارِج
وَأما الشَّرْط الَّذِي هُوَ فِي معنى السَّبَب فَهُوَ أَن يعْتَرض عَلَيْهِ فعل من مُخْتَار وَيكون سَابِقًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو مَا إِذا حل قيد عبد فأبق لم يضمن عِنْد أَصْحَابنَا جَمِيعًا وَحل الْقَيْد إِزَالَة الْمَانِع للْعَبد من الذّهاب فَكَانَ شرطا فقد اعْترض عَلَيْهِ فعل من مُخْتَار وَهُوَ الذّهاب من العَبْد الَّذِي هُوَ عِلّة تلف الْمَالِيَّة فِيهِ فَمَا هُوَ الشَّرْط كَانَ سَابِقًا عَلَيْهِ وَمَا هُوَ الْعلَّة غير مُضَاف إِلَى السَّابِق من الشَّرْط فَتبين بِهِ أَنه بِمَنْزِلَة السَّبَب الْمَحْض لِأَن سَبَب الشَّيْء يتقدمه وَشَرطه يكون مُتَأَخِّرًا عَن صورته وجودا وَإِذا كَانَ بِمَعْنى السَّبَب كَانَ تلف الْمَالِيَّة مُضَافا إِلَى مَا اعْترض عَلَيْهِ من الْعلَّة دون مَا سبق من السَّبَب
وعَلى هَذَا لَو أرسل دَابَّة فِي الطَّرِيق فجالت يمنة أَو يسرة عَن سنَن الطَّرِيق ثمَّ سَارَتْ فأصابت شَيْئا فَلَا ضَمَان
стр. 697
على الْمُرْسل لِأَن الْإِرْسَال هُنَاكَ سَبَب مَحْض وَقد اعْترض عَلَيْهِ فعل من مُخْتَار وَهُوَ غير مَنْسُوب إِلَى السَّبَب الأول حِين لم تذْهب على سنَن إرْسَاله حَتَّى يكون سَابِقًا بذلك الْإِرْسَال فَكَانَ الأول الْمُتَقَدّم شرطا بِمَعْنى السَّبَب ثمَّ فِي الْوَجْهَيْنِ يُضَاف الْهَلَاك إِلَى مَا اعْترض من الْفِعْل دون مَا سبق وَفعل الدَّابَّة لَا يُوجب الضَّمَان على مَالِكهَا
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي الدَّابَّة المنفلتة إِذا أتلفت زرع إِنْسَان لَيْلًا أَو نَهَارا لم يضمن صَاحبهَا شَيْئا لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ عِلّة وَلَا سَبَب وَلَا شَرط يصير بِهِ الْإِتْلَاف مُضَافا إِلَيْهِ
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف ﵄ إِذا فتح بَاب القفص فطار الطير أَو فتح بَاب الاسطبل فندت الدَّابَّة فِي فَور ذَلِك فَإِن الفاتح للباب لم يضمن شَيْئا لِأَن فعله شَرط لِأَنَّهُ إِزَالَة الْمَانِع من الانطلاق وَذَلِكَ شَرط الانطلاق ثمَّ اعْترض عَلَيْهِ فعل من مُخْتَار غير مَنْسُوب إِلَيْهِ فَكَانَ الأول شرطا فِي معنى السَّبَب فَلَا يصير الْهَلَاك مُضَافا إِلَيْهِ وَقد اعْترض عَلَيْهِ مَا هُوَ الْعلَّة بِخِلَاف حفر الْبِئْر إِذا وَقع فِيهِ الْمَاشِي فَإِن مَا اعْترض هُنَاكَ من مَشْيه لَا يصلح أَن يكون عِلّة الْإِتْلَاف حِين لم يكن عَالما بعمق ذَلِك الْمَكَان حَتَّى لَو أوقع نَفسه فِي الْبِئْر لم يضمن الْحَافِر شَيْئا لِأَن مَا اعْترض عِلّة صَالِحَة للْحكم وَهُوَ فعل حصل من مُخْتَار على وَجه الْقَصْد إِلَيْهِ وَلِهَذَا لَو مَشى على قنطرة واهية مَوْضُوعَة بِغَيْر حق وَهُوَ عَالم بِهِ فانخسفت بِهِ لم يضمن الْوَاضِع شَيْئا وَكَذَلِكَ إِذا مَشى فِي مَوضِع من الطَّرِيق قد صب فِيهِ المَاء وَهُوَ عَالم بِهِ فزلقت رجله
وَلَكِن مُحَمَّدًا ﵁ يَقُول فعل الدَّابَّة هدر شرعا وَهُوَ غير صَالح لإضافة الحكم إِلَيْهِ فَيكون مُضَافا إِلَى الشَّرْط السَّابِق الَّذِي هُوَ فِي معنى السَّبَب بِخِلَاف فعل العَبْد من الْإِبَاق فَإِنَّهُ صَالح شرعا لإضافة الحكم إِلَيْهِ
وَالْجَوَاب لَهما أَن فعل الدَّابَّة لَا يصلح لإِيجَاب حكم بِهِ وَلَكِن يصلح لقطع الحكم أَلا ترى أَن فِي الدَّابَّة الَّتِي أرسلها صَاحبهَا فِي الطَّرِيق إِذا جالت يمنة أَو يسرة اعْتبر فعلهَا فِي قطع حكم إرْسَال صَاحبهَا
وَكَذَلِكَ الصَّيْد إِذا خرج من الْحرم يعْتَبر فعله فِي
стр. 698
قطع الحكم وَهُوَ الْحُرْمَة الثَّابِتَة لَهُ بِسَبَب الْحرم
وَإِذا صال على إِنْسَان فَكَذَلِك الْجَواب
وبظاهر هَذَا الْكَلَام يَقُول الشَّافِعِي فِي الْجمل إِذا صال على إِنْسَان فَقتله إِنَّه لَا يضمن شَيْئا لِأَن فعل الْجمل صَالح لقطع الحكم الثَّابِت بِهِ وَهُوَ الْعِصْمَة والتقوم الثَّابِت فِيهِ لحق الْمَالِك
وَلَكنَّا نقُول فعل الدَّابَّة غير صَالح لإِيجَاب الشَّيْء على مَالِكهَا وَفِي إِسْقَاط حَقه فِي تضمين الْمُتْلف إِيجَاب حكم عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَفّ عَن الاعتداء على من اعْتدى عَلَيْهِ بِإِتْلَاف مَاله وَمثله لَا يُوجد فِي صيد الْحرم
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو أرسل كَلْبا على صيد مَمْلُوك لإِنْسَان فَقتله الْكَلْب أَو أشلاه على بعير إِنْسَان فَقتله أَو على ثوب إِنْسَان فخرقه لم يضمن شَيْئا لِأَن مَا وجد مِنْهُ من الإشلاء سَبَب قد اعْترض عَلَيْهِ فعل من مُخْتَار غير مَنْسُوب إِلَى ذَلِك السَّبَب فَإِن بِمُجَرَّد الإشلاء لَا يكون سَابِقًا لَهُ بِخِلَاف مَا إِذا أرسل كَلْبه الْمعلم على صيد فذبحه فَإِنَّهُ يَجْعَل كَأَنَّهُ ذبحه بِنَفسِهِ فِي حكم الْحل لِأَن الِاصْطِيَاد نوع كسب يَنْفِي عَنهُ معنى الْحَرج وَيَبْنِي الحكم فِيهِ على قدر الْإِمْكَان فَأَما فِي ضَمَان الْعدوان يجب الْأَخْذ بمحض الْقيَاس لِأَن مَعَ الشَّك فِي السَّبَب الْمُوجب للضَّمَان لَا يجب الضَّمَان بِحَال
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو أوقد نَارا فِي ملكه فَهبت الرّيح بهَا إِلَى أَرض جَاره حَتَّى أحرقت كدسه لم يضمن وَلَو ألْقى شَيْئا من الْهَوَام على الطَّرِيق فَانْقَلَبت من مَكَان إِلَى مَكَان آخر ثمَّ لدغت إنْسَانا لم يضمن الملقي شَيْئا
فَمَا كَانَ من هَذَا الْجِنْس فتخريجه على الأَصْل الَّذِي قُلْنَا
وَأما الشَّرْط اسْما لَا حكما وَهُوَ الْمجَاز فِي هَذَا الْبَاب فنحو الشَّرْط السَّابِق وجودا فِيمَا علق بالشرطين نَحْو أَن يَقُول لعَبْدِهِ إِن دخلت هَاتين الدَّاريْنِ فَأَنت حر فَإِن دُخُوله فِي الدَّار الأولى شَرط اسْما لَا حكما لِأَن الحكم غير مُضَاف إِلَيْهِ وجوبا بِهِ وَلَا وجودا عِنْده وَلِهَذَا لم يعْتَبر عُلَمَاؤُنَا قيام الْملك عِنْد وجود الشَّرْط الأول خلافًا لزفَر ﵁ وَهَذَا لِأَن الْملك فِي الْمحل شَرط
стр. 699
لنزول الْجَزَاء أَو لصِحَّة الْإِيجَاب وَالْحكم غير مُضَاف إِلَى الشَّرْط وجوبا بِهِ فَإِنَّهُ لَا تَأْثِير للشّرط فِي ذَلِك وَلَا وجودا عِنْده فَإِنَّهُ لَا يتْرك الطَّلَاق فِي الْمحل مَا لم يتم الشَّرْط فَلَو اعْتبرنَا الْملك عِنْد وجوده إِنَّمَا يعْتَبر لبَقَاء الْيَمين وَمحل الْيَمين الذِّمَّة فَكَانَت بَاقِيَة بِبَقَاء محلهَا من غير أَن يشْتَرط فِيهِ الْملك فِي الْمحل
وَأما الشَّرْط الَّذِي هُوَ عَلامَة فنحو الْإِحْصَان لإِيجَاب الرَّجْم فَإِنَّهُ عَلامَة يعرف بظهوره كَون الزِّنَا مُوجبا للرجم وَهُوَ فِي نَفسه لَيْسَ بعلة وَلَا سَبَب وَلَا شَرط مَحْض فِي إِيجَاب الرَّجْم
وحد الشَّرْط مَا يمْتَنع ثُبُوت الْعلَّة حَقِيقَة بعد وجودهَا صُورَة إِلَى وجوده كَمَا فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِدُخُول الدَّار وَالزِّنَا مُوجب للعقوبة بِنَفسِهِ وَلَا يمْتَنع ثُبُوت الحكم بِهِ إِلَى وجود الْإِحْصَان كَيفَ وَلَو وجد الْإِحْصَان بعد الزِّنَا لَا يثبت بِوُجُودِهِ حكم الرَّجْم فَعرفنَا أَنه غير مُضَاف إِلَيْهِ وجوبا بِهِ وَلَا وجودا عِنْد وجوده وَلكنه يعرف بظهوره أَن الزِّنَا حِين وجد كَانَ مُوجبا للرجم فَكَانَ عَلامَة وَلِهَذَا لَا يُوجب الضَّمَان على شُهُود الْإِحْصَان إِذا رجعُوا بِخِلَاف مَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ فِي المزكين لشهود الزِّنَا إِذا رجعُوا بعد الرَّجْم فَإِن التَّزْكِيَة بِمَنْزِلَة عِلّة الْعلَّة (كَمَا بَينا) وَلِهَذَا يثبت الْإِحْصَان بعد الزِّنَا بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ عندنَا خلافًا لزفَر لِأَنَّهُ لما كَانَ مُعَرفا وَلم يكن الرَّجْم مُضَافا إِلَيْهِ وجوبا وَلَا وجودا كَانَت هَذِه الْحَالة كَغَيْرِهَا من الْأَحْوَال فِي حكم الشَّهَادَة فَكَمَا ثَبت النِّكَاح بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ فِي غير هَذِه الْحَالة فَكَذَلِك فِي هَذِه الْحَالة
فَإِن قيل أَنا أثبت النِّكَاح بِهَذِهِ الشَّهَادَة وَلَكِن لَا يثبت التَّمَكُّن للْإِمَام من إِقَامَة الرَّجْم لِأَنَّهُ كَمَا لَا مدْخل لشهادة النِّسَاء فِي إِيجَاب الرَّجْم فَلَا مدْخل لشهادتهن
стр. 700
فِي إِثْبَات التَّمَكُّن من إِقَامَة الرَّجْم بِمَنْزِلَة مَا لَو كَانَ الزَّانِي عبدا مُسلما لنصراني فَشهد عَلَيْهِ نصرانيان أَن مَوْلَاهُ كَانَ أعْتقهُ قبل الزِّنَا فَإِنَّهُ تثبت الْحُرِّيَّة بِهَذِهِ الشَّهَادَة وَلَا يثبت تمكن الإِمَام من إِقَامَة الرَّجْم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَمَا لَا مدْخل لشهادة الْكفَّار فِي إِيجَاب الرَّجْم على الْمُسلم فَلَا مدْخل لشهادتهم فِي إِثْبَات التَّمَكُّن من إِقَامَة الرَّجْم على الْمُسلم
قُلْنَا هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن شَهَادَة النِّسَاء دَخلهَا الْخُصُوص فِي الْمَشْهُود بِهِ لَا فِي الْمَشْهُود عَلَيْهِ والمشهود بِهِ لَيْسَ يمس الرَّجْم أصلا وَشَهَادَة الْكفَّار دَخلهَا الْخُصُوص فِي الْمَشْهُود عَلَيْهِ لَا فِي الْمَشْهُود بِهِ فَإِن شَهَادَتهم حجَّة فِي الْحَد على الْكفَّار وَلكنهَا لَيست بِحجَّة على الْمُسلم وَالْإِقَامَة عِنْد الشَّهَادَة تكون على الْمُسلم وَهُوَ حَادث فَلَا تجْعَل شَهَادَتهم فِيهِ حجَّة وَهَذَا لِأَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا فِي الشَّهَادَة معنى تَكْثِير مَحل الْجِنَايَة من حَيْثُ الْجِنَايَة على نعْمَة الْحُرِّيَّة فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ وعَلى نعْمَة إِصَابَة الْحَلَال بطريقه فِي الْموضع الآخر وَهُوَ الْإِحْصَان
ثمَّ فِي تَكْثِير مَحل الْجِنَايَة يتَضَرَّر الْجَانِي والجاني مُسلم وَشَهَادَة الْكفَّار فِيمَا يتَضَرَّر بِهِ الْمُسلم لَا تكون حجَّة أصلا فَأَما شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا يتَضَرَّر بِهِ الرجل تكون حجَّة وَإِنَّمَا لَا تكون حجَّة فِيمَا تُضَاف إِلَيْهِ الْعقُوبَة وجوبا بِهِ أَو جودا عِنْده وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي هَذِه الشَّهَادَة أصلا
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا علق طَلَاقا أَو عتاقا بِوِلَادَة امْرَأَة وَلم يقر بِأَنَّهَا حُبْلَى ثمَّ شهِدت الْقَابِلَة على وِلَادَتهَا يثبت بهَا وُقُوع الطَّلَاق وَالْعتاق لِأَن هَذَا شَرط بِمَنْزِلَة الْعَلامَة من حَيْثُ إِن الطَّلَاق إِنَّمَا يصير مُضَافا إِلَى نفس الْولادَة وجودا عِنْدهَا وَأما ظُهُور الْولادَة فمعرف لَا يُضَاف إِلَيْهِ الطَّلَاق وجوبا بِهِ وَلَا وجودا عِنْده والولادة تظهر بِشَهَادَة النِّسَاء فِي غير هَذِه الْحَالة حَتَّى يثبت النّسَب بِشَهَادَة الْقَابِلَة وَحدهَا فَكَذَلِك فِي هَذِه الْحَالة كَمَا فِي مَسْأَلَة الْإِحْصَان
وَلَكِن أَبُو حنيفَة ﵁ يَقُول الْولادَة شَرط مَحْض من حَيْثُ إِنَّه يمْنَع ثُبُوت عِلّة الطَّلَاق وَالْعتاق حَقِيقَة إِلَى وجوده ثمَّ لَا يكون الطَّلَاق وَالْعتاق من أَحْكَام الْولادَة وَشَهَادَة الْقَابِلَة حجَّة ضَرُورِيَّة فِي الْولادَة لِأَنَّهُ لَا يطلع عَلَيْهَا الرِّجَال فَإِنَّمَا تكون حجَّة فِيمَا هُوَ من أَحْكَام الْولادَة أَو مِمَّا لَا تنفك الْولادَة عَنهُ خَاصَّة فَأَما فِي الطَّلَاق وَالْعتاق هَذَا الشَّرْط كَغَيْرِهِ من الشَّرَائِط
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي الْمُعْتَدَّة إِذا جَاءَت بِولد فَشَهِدت الْقَابِلَة على الْولادَة يثبت النّسَب بشهادتها
стр. 701
وَإِن لم يكن هُنَاكَ حَبل ظَاهر وَلَا فرَاش قَائِم وَلَا إِقْرَار من الزَّوْج بالحبل لإن الْولادَة لثُبُوت النّسَب شَرط بِمَنْزِلَة الْعَلامَة فَإِن بهَا يظْهر وَيعرف مَا كَانَ مَوْجُودا فِي الرَّحِم قبل الْولادَة وَكَانَ ثَابت النّسَب من حِين وجد فَلم يكن النّسَب مُضَافا إِلَى الْولادَة وجوبا بهَا وَلَا وجودا عِنْدهَا والولادة فِي غير هَذِه الْحَالة تثبت بِشَهَادَة الْقَابِلَة وَحدهَا يَعْنِي إِذا كَانَ هُنَاكَ فرَاش قَائِم أَو حَبل ظَاهر أَو إِقْرَار من الزَّوْج بالحبل فَكَذَلِك فِي هَذِه الْحَالة
وَأَبُو حنيفَة ﵀ يَقُول الْولادَة بِمَنْزِلَة الْمُعَرّف كَمَا قَالَا وَلَكِن فِي حق من يعرف الْبَاطِن فَأَما فِي حَقنا فالنسب مُضَاف إِلَى الْولادَة لأَنا نَبْنِي الحكم على الظَّاهِر وَلَا نَعْرِف الْبَاطِن فَمَا كَانَ بَاطِنا يَجْعَل فِي حَقنا كَالْمَعْدُومِ إِلَى أَن يظْهر بِالْولادَةِ بِمَنْزِلَة الْخطاب النَّازِل فِي حق من لم يعلم بِهِ فَإِنَّهُ يَجْعَل كَالْمَعْدُومِ مَا لم يعلم بِهِ وَإِذا صَار النّسَب مُضَافا إِلَى الْولادَة من هَذَا الْوَجْه لَا تثبت الْولادَة فِي حَقه إِلَّا بِمَا هُوَ حجَّة لإِثْبَات النّسَب بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْفراش قَائِما فالفراش الْمَعْلُوم هُنَاكَ مُثبت للنسب قبل الْولادَة فَكَانَت الْولادَة عَلامَة معرفَة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْحَبل ظَاهرا أَو أقرّ الزَّوْج بالحبل فقد كَانَ السَّبَب هُنَاكَ ثَابتا بِظُهُور مَا يُثبتهُ لنا قبل الْولادَة
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ استهلال الْمَوْلُود فِي حكم الْإِرْث لَا يثبت بِشَهَادَة الْقَابِلَة وَحدهَا لِأَن حَيَاة الْوَلَد كَانَ غيبا عَنَّا وَإِنَّمَا يظْهر عِنْد استهلاله فَيصير مُضَافا إِلَيْهِ فِي حَقنا وَالْإِرْث يبتنى عَلَيْهِ فَلَا يثبت بِشَهَادَة الْقَابِلَة كَمَا لَا يثبت حق الرَّد بِالْغَيْبِ بِشَهَادَة النِّسَاء فِي جَارِيَة اشْتَرَاهَا بِشَرْط الْبكارَة إِذا شهِدت أَنَّهَا ثيب قبل الْقَبْض وَلَا بعده وَلَكِن يسْتَحْلف البَائِع فعلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله الاستهلال (معرف فَإِن حَيَاة الْوَلَد لَا تكون مُضَافا إِلَيْهِ وجوبا بِهِ وَلَا وجودا عِنْده وَنَفس الاستهلال) فِي غير حَالَة التوريث يثبت بِشَهَادَة الْقَابِلَة حَتَّى يصلى على الْمَوْلُود فَكَذَلِك فِي حَالَة التوريث
стр. 702
فصل فِي بَيَان تَقْسِيم الْعَلامَة
الْعَلامَة أَنْوَاع أَرْبَعَة عَلامَة هِيَ دلَالَة الْوُجُود فِيمَا كَانَ مَوْجُودا قبله
وَمِنْه علم الثَّوْب وَمِنْه علم الْعَسْكَر وَهَذَا حد الْعَلامَة الْمَحْضَة
وعلامة هِيَ بِمَعْنى الشَّرْط وَذَلِكَ الْإِحْصَان فِي حكم الرَّجْم كَمَا بَينا
وعلامة هِيَ عِلّة فقد بَينا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة بِمَنْزِلَة العلامات للْأَحْكَام فَإِنَّهَا غير مُوجبَة بذواتها شَيْئا بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة وعلامة تَسْمِيَة ومجازا وَهِي علل الْحَقَائِق الْمُعْتَبرَة بذواتها على مَا نبينها فِي موضعهَا
وَقد جعل الشَّافِعِي عجز الْقَاذِف عَن إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء عَلامَة لبُطْلَان شَهَادَة الْقَاذِف لَا شرطا حَتَّى قَالَ الْقَذْف مُبْطل شَهَادَته قبل ظُهُور عَجزه عَن إِقَامَة الشُّهُود ثمَّ ظُهُور الْعَجز يعرف لنا هَذَا الحكم فَكَانَ عَلامَة بِخِلَاف الْجلد فَإِنَّهُ فعل يُقَام على الْقَاذِف فَكَانَ الْعَجز فِيهِ شرطا لِأَن إِقَامَة الْحَد يصير مُضَافا إِلَيْهِ وجودا عِنْده فَأَما سُقُوط شَهَادَته أَمر حكمي فَيثبت بِنَفس الْقَذْف لِأَنَّهُ كَبِيرَة لما فِيهِ من إِشَاعَة الْفَاحِشَة وهتك ستر الْعِفَّة على الْمُسلم فَالْأَصْل فِي النَّاس هُوَ الْعِفَّة عَن الزِّنَا والتمسك بِالْأَصْلِ وَاجِب حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه وَبِاعْتِبَار هَذَا الأَصْل كَانَ الْقَذْف كَبِيرَة فَيكون بِمَنْزِلَة سَائِر الْكَبَائِر فِي ثُبُوت سمة الْفسق وَسُقُوط الشَّهَادَة بِنَفسِهَا
وَلَكنَّا نقُول الْعَجز عَن إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء شَرط لإِقَامَة الْجلد ولإبطال شَهَادَة الْقَاذِف وَالْحكم الْمُعَلق بِالشّرطِ لَا يكون ثَابتا قبل وجود الشَّرْط وَهَذَا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فعل خُوطِبَ الإِمَام بإقامته على الْقَاذِف وَأَحَدهمَا مَعْطُوف على الآخر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ ثمَّ هَذَا الْعَجز الَّذِي هُوَ شَرط يثبت بِمَا ثَبت بِهِ الْعَجز عَن دفع سَائِر الْحجَج فِي إِلْزَام الحكم بهَا وَذَلِكَ بِأَن يمهله على قدر مَا يرى إِلَى آخر الْمجْلس أَو إِلَى الْمجْلس الثَّانِي وَالَّذِي قَالَ الْقَذْف كَبِيرَة قُلْنَا هَذِه الصّفة للقذف غير ثَابت بِنَفسِهِ مُسْتَحقّا شرعا بِدَلِيل أَنه يتَمَكَّن من إثْبَاته بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ فِي نَفسه خبر متميل بَين الصدْق
стр. 703
وَالْكذب وَقد يتَعَيَّن فِيهِ معنى الْحِسْبَة إِذا كَانَ الزَّانِي مصرا غير تائب وللقاذف شُهُود يشْهدُونَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا ليقام عَلَيْهِ الْحَد وَكَيف يكون نفس الْقَذْف كَبِيرَة وَقد تتمّ بِهِ الْحجَّة مُوجبا للرجم فَإِن الشُّهُود على الزِّنَا قذفة فِي الْحَقِيقَة ثمَّ كَانَت شَهَادَتهم حجَّة لإِيجَاب الرَّجْم فَعرفنَا أَن مَا ادَّعَاهُ الْخصم من الْمَعْنى الَّذِي يَجْعَل بِهِ نفس الْقَذْف مسْقطًا للشَّهَادَة بحث لَا يُمكن تحقيقة وَبَعْدَمَا ظهر عَجزه عَن إِقَامَة الشُّهُود إِنَّمَا تسْقط شَهَادَته بِسَبَب ظُهُور عَجزه وَهُوَ من حَيْثُ الظَّاهِر حَتَّى إِن بعد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ وَبطلَان شَهَادَته لَو أَقَامَ أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء على زنا الْمَقْذُوف فَإِن الشَّهَادَة تكون مَقْبُولَة حَتَّى يُقَام الْحَد على الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَيصير الْقَاذِف مَقْبُول الشَّهَادَة إِن لم يتقادم الْعَهْد وَإِن تقادم الْعَهْد يصير مَقْبُول الشَّهَادَة أَيْضا وَإِن كَانَ لَا يُقَام الْحَد على الْمَشْهُود عَلَيْهِ
أورد ذَلِك فِي الْمُنْتَقى رِوَايَة عَن أبي يُوسُف أَو مُحَمَّد هَذَا قَول أَحدهمَا وَفِي قَول الآخر لَا تقبل الشَّهَادَة بعد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ لِأَن إِقَامَة الْحَد على الْقَاذِف حكم يكذب الشُّهُود فِي شَهَادَتهم على الْمَقْذُوف بِالزِّنَا وكل شَهَادَة جرى الحكم بتعين جِهَة الْكَذِب فِيهَا لَا تكون مَقْبُولَة أصلا كالفاسق إِذا شهد فِي حَادِثَة فَردَّتْ شَهَادَته ثمَّ أَعَادَهَا بعد التَّوْبَة وَالله المجزي لمن اتَّقى وَأحسن
ﷺ َ - بَاب أَهْلِيَّة الْآدَمِيّ لوُجُوب الْحُقُوق لَهُ وَعَلِيهِ وَفِي الْأَمَانَة الَّتِي حملهَا الْإِنْسَان ﷺ َ - قَالَ ﵁ فَهَذِهِ الْأَهْلِيَّة نَوْعَانِ أَهْلِيَّة الْوُجُوب وأهلية الْأَدَاء فَأَما أَهْلِيَّة الْوُجُوب وَإِن كَانَ يدْخل فِي فروعها تَقْسِيم فأصلها وَاحِد وَهُوَ الصلاحية لحكم الْوُجُوب فَمن كَانَ فِيهِ هَذِه الصلاحية كَانَ أَهلا للْوُجُوب عَلَيْهِ وَمن لَا فَلَا
وأهلية الْأَدَاء نَوْعَانِ كَامِل وقاصر
стр. 704
فالكامل مَا يلْحق بِهِ الْعهْدَة والتبعية
والقاصر مَا لَا يلْحق بِهِ ذَلِك
فنبدأ بِبَيَان أَهْلِيَّة الْوُجُوب
فَنَقُول أصل هَذِه الْأَهْلِيَّة لَا يكون إِلَّا بعد ذمَّة صَالِحَة لكَونهَا محلا للْوُجُوب فَإِن الْمحل هُوَ الذِّمَّة وَلِهَذَا يُضَاف إِلَيْهَا وَلَا يُضَاف إِلَى غَيرهَا بِحَال وَلِهَذَا اخْتصَّ بِهِ الْآدَمِيّ دون سَائِر الْحَيَوَانَات الَّتِي لَيست لَهَا ذمَّة صَالِحَة
ثمَّ الذِّمَّة فِي اللُّغَة هُوَ الْعَهْد قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يرقبون فِي مُؤمن إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ وَقَالَ ﵇ وَإِن أرادوكم أَن تعطوهم ذمَّة الله فَلَا تعطوهم وَمِنْه يُقَال أهل الذِّمَّة للمعاهدين وَالْمرَاد بِهَذَا الْعَهْد مَا أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ والجنين مَا دَامَ مجننا فِي الْبَطن لَيست لَهُ ذمَّة صَالِحَة لكَونه فِي حكم جُزْء من الْأُم وَلكنه مُنْفَرد بِالْحَيَاةِ معد ليَكُون نفسا لَهُ ذمَّة فباعتبار هَذَا الْوَجْه يكون أَهلا لوُجُوب الْحق لَهُ من عتق أَو إِرْث أَو نسب أَو وَصِيَّة ولاعتبار الْوَجْه الأول لَا يكون أَهلا لوُجُوب الْحق عَلَيْهِ فَأَما بَعْدَمَا يُولد فَلهُ ذمَّة صَالِحَة وَلِهَذَا لَو انْقَلب على مَال إِنْسَان فأتلفه كَانَ ضَامِنا لَهُ وَيلْزمهُ مهر امْرَأَته بِعقد الْوَلِيّ عَلَيْهِ وَهَذِه حُقُوق تثبت شرعا
ثمَّ بعد هَذَا زعم بعض مَشَايِخنَا أَن بِاعْتِبَار صَلَاحِية الذِّمَّة يثبت وجوب حُقُوق الله تَعَالَى فِي حَقه من حِين يُولد
وَإِنَّمَا يسْقط مَا يسْقط بعد ذَلِك بِعُذْر الضَّمَان لدفع الْحَرج
قَالَ لِأَن الْوُجُوب بِأَسْبَاب هِيَ الْوُجُوب شرعا وَقد تقدم بَيَانهَا وَتلك الْأَسْبَاب متقررة فِي حَقه وَالْمحل صَالح للْوُجُوب فِيهِ فَيثبت الْوُجُوب بِاعْتِبَار السَّبَب وَالْمحل وَهَذَا لِأَن الْوُجُوب خبر لَيْسَ للْعَبد فِيهِ اخْتِيَار حَتَّى يعْتَبر فِيهِ عقله وتمييزه بل هُوَ ثَابت عِنْد وجود السَّبَب علينا شرعا شِئْنَا أَو أَبينَا قَالَ تَعَالَى ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه﴾ وَالْمرَاد بالعنق الذِّمَّة وَإِنَّمَا يعْتَبر تَمْيِيزه أَو تمكنه من الْأَدَاء فِي وجوب الْأَدَاء وَذَلِكَ حكم وَرَاء أصل الْوُجُوب أَلا ترى أَن النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ يثبت حكم وجوب الصَّلَاة فِي حَقّهمَا بِوُجُود النّسَب مَعَ عدم التَّمْيِيز والتمكن من الْأَدَاء للْحَال ثمَّ يتَأَخَّر وجوب الْأَدَاء إِلَى الانتباه والإفاقة وَهَذَا
стр. 705
لِأَن الله تَعَالَى لما خلق الْإِنْسَان لحمل أَمَانَته أكْرمه بِالْعقلِ والذمة ليَكُون بهَا أَهلا لوُجُوب حُقُوق الله تَعَالَى عَلَيْهِ ثمَّ أثبت لَهُ الْعِصْمَة وَالْحريَّة والمالكية ليبقى فيتمكن من أَدَاء مَا حمل من الْأَمَانَة ثمَّ هَذِه الْحُرِّيَّة والعصمة والمالكية ثَابِتَة للمرء من حِين يُولد الْمُمَيز وَغير الْمُمَيز فِيهِ سَوَاء فَكَذَلِك الذِّمَّة الصَّالِحَة لوُجُوب الْحُقُوق فِيهَا ثَابتا لَهُ من حِين يُولد يَسْتَوِي فِيهِ الْمُمَيز وَغير الْمُمَيز ثمَّ كَمَا يثبت الْوُجُوب بِوُجُود السَّبَب شرعا فِي مَحَله تثبت الْحُرْمَة يَعْنِي الْحُرْمَة بِالنّسَبِ وَالرّضَاع والمصاهرة وَتلك الْحُرْمَة تثبت فِي حق الْمُمَيز وَغير الْمُمَيز لوُجُود السَّبَب بعد صَلَاحِية الْمحل وَإِن كَانَ ذَلِك حكما شَرْعِيًّا فَكَذَلِك الْوُجُوب ثمَّ وجوب الْأَدَاء بعد هَذَا يكون بِالْأَمر الثَّابِت بِالْخِطَابِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد اعْتِدَال الْحَال وَالْعلم بِهِ وَقد بَينا أَن الْمُطَالبَة بأَدَاء الْوَاجِب غير أصل الْوُجُوب وَهُوَ تَأْوِيل الحَدِيث الْمَرْوِيّ (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث) فَالْمُرَاد بالقلم الْحساب وَذَلِكَ يَنْبَنِي على وجوب الْأَدَاء (دون أصل الْوُجُوب كَمَا فِي الدّين الْمُؤَجل إِنَّمَا تكون المحاسبة بعد وجوب الْأَدَاء) بِمُضِيِّ الْأَجَل وأصل الْوُجُوب ثَابت لوُجُود سَببه
وَزعم بعض مَشَايِخنَا أَن الْوُجُوب لَا يثبت إِلَّا بعد اعْتِدَال الْحَال بِالْبُلُوغِ عَن عقل لِأَن الْمُوجب هُوَ الله تَعَالَى لما خَاطب بِهِ عباده من الْأَمر وَالنَّهْي وَحكم هَذَا الْخطاب لَا يثبت فِي حق الْمُخَاطب مَا لم يعلم بِهِ علما مُعْتَبرا فِي الْإِلْزَام شرعا وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بعد اعْتِدَال الْحَال
وَمن جعل السَّبَب مُوجبا فقد أخلى صِيغَة الْأَمر عَن حكمه لِأَن حكم الْأَمر الْمُطلق الْوُجُوب واللزوم وَإِذا كَانَ الْوُجُوب ثَابتا بِالسَّبَبِ قبل ثُبُوت الْخطاب فِي حَقه لم يبْق لِلْأَمْرِ حكم فَيُؤَدِّي هَذَا إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي أوَامِر الله تَعَالَى ونواهيه وَأي قَول أقبح من هَذَا وَلِأَنَّهُ لَا يفهم من الْوُجُوب شَيْء سوى وجوب الْأَدَاء وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد اعْتِدَال الْحَال وَهُوَ حكم الْأَمر بالِاتِّفَاقِ فَعرفنَا أَن الْوُجُوب كَذَلِك فَكَانَت الْأَسْبَاب بِمَنْزِلَة العلامات فِي حَقنا لنعرف بظهورها الْوُجُوب بِحكم
следующие страницы →