Полный текст (724 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَإِذا قُلْنَا لَا يجب الضَّمَان كَانَ فِيهِ إهدار حق الْمُتْلف عَلَيْهِ فِي أصل الْمَالِيَّة وَلَا شكّ أَن الْوَصْف دون الأَصْل
وَنحن نقُول قُوَّة ثبات الحكم فِيمَا اعتبرناه لِأَن فِي إِيجَاب الزِّيَادَة معنى الْجور وَلَا يجوز نِسْبَة ذَلِك إِلَى الشَّرْع بِغَيْر وَاسِطَة من الْعباد بِحَال من الْأَحْوَال وَإِذا لم نوجب الضَّمَان فَإِنَّمَا لَا نوجب لعجزنا عَن إِيجَاب الْمثل فِي مَوضِع ثَبت اشْتِرَاط الْمُمَاثلَة فِيهِ بِالنَّصِّ وَبِه فَارق ضَمَان العقد فَإِنَّهُ غير مَبْنِيّ على الْمُمَاثلَة بِأَصْل الْوَضع وَكَيف يكون مَبْنِيا على ذَلِك والمبتغى بِهِ الرِّبْح والامتناع من الْإِقْدَام عِنْد تحقق الْعَجز أصل مَشْرُوع لنا وَالثَّانِي أَن فِي إِيجَاب الزِّيَادَة إهدار حق الْمُتْلف فِي هَذِه الزِّيَادَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَإِذا قُلْنَا لَا يجب الضَّمَان لَا يهدر حق الْمُتْلف عَلَيْهِ أصلا بل يتَأَخَّر إِلَى الْآخِرَة وضرر التَّأْخِير دون ضَرَر الإهدار
وَلَا يدْخل على هَذَا إِتْلَاف مَا لَا مثل لَهُ من جنسه لِأَن الْوَاجِب هُوَ مثل الْمُتْلف فِي الْمَالِيَّة شرعا إِلَّا أَنه آل الْأَمر إِلَى الِاسْتِيفَاء وَذَلِكَ يبتنى على الوسع
قُلْنَا يتَقَدَّر بِقدر الوسع وَيسْقط اعْتِبَار أدنى تفَاوت فِي الْقيمَة لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاع التَّحَرُّز عَن ذَلِك وَلَكِن لَا يتَحَقَّق فِي هَذَا معنى نِسْبَة الْجور إِلَى الشَّرْع فَالْوَاجِب شرعا هُوَ الْمثل لَا غير وَمَا اعْتبر من تَرْجِيح جَانب الْمَظْلُوم فَهُوَ ضَعِيف جدا لِأَن الظَّالِم لَا يظلم وَلَكِن ينتصف مِنْهُ مَعَ قيام حَقه فِي ملكه فَلَو لم نوجب الضَّمَان لسقط حق الْمَظْلُوم لَا بِفعل مُضَاف إِلَيْنَا وَهُوَ أَنا نلزمه أَدَاء ذَلِك بطرِيق الحكم بِهِ عَلَيْهِ ومراعاة الْوَصْف فِي الْوُجُوب كمراعاة الأَصْل أَلا ترى أَن فِي الْقصاص الَّذِي يبتنى على الْمُسَاوَاة التَّفَاوُت فِي الْوَصْف كالصحيحة مَعَ الشلاء يمْنَع جَرَيَان الْقصاص وَلَا ينظر إِلَى تَرْجِيح جَانب الْمَظْلُوم وَإِلَى تَرْجِيح جَانب الأَصْل على الْوَصْف فَعرفنَا أَن قُوَّة الثَّبَات فِيمَا قُلْنَا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِن ملك النِّكَاح لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ فِي الشَّهَادَة على الطَّلَاق قبل الدُّخُول وَملك الْقصاص لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ فِي الشَّهَادَة على الْعَفو وَقد بَينا فِيمَا سبق أَن وجوب الدِّيَة عِنْد إِتْلَاف النَّفس أَو الْأَطْرَاف على وَجه لَا يُمكن إِيجَاب الْمثل فِيهِ حكم ثَابت بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْقيَاس وَهُوَ لصيانة الْمحل عَن
стр. 632
الإهدار لَا للماثلة على وَجه الخبران لِأَن النُّفُوس بأطرافها مصونة عَن الابتذال وَعَن الإهدار
وَأما الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأُصُول فَلِأَن كَثْرَة الْأُصُول فِي الْمَعْنى الَّذِي صَار الْوَصْف بِهِ حجَّة بِمَنْزِلَة الاشتهار فِي الْمَعْنى الَّذِي صَار الْخَبَر بِهِ حجَّة وَهَذَا يظْهر إِذا تَأَمَّلت فِيمَا ذكرنَا من الْمسَائِل وَغَيرهَا وَمَا من نوع من هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة إِذا قَرّرته فِي مَسْأَلَة إِلَّا وَتبين بِهِ إِمْكَان تَقْرِير النَّوْعَيْنِ الآخرين فِيهِ أَيْضا
وَأما الْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ التَّرْجِيح بِعَدَمِ الحكم عِنْد عدم الْعلَّة فَهُوَ أَضْعَف وُجُوه التَّرْجِيح لما بَينا أَن الْعَدَم (لَا يُوجب شَيْئا وَأَن الْعَدَم لَا يكون مُتَعَلقا بعلة وَلَكِن انعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة) يصلح أَن يكون دَلِيلا على وكادة اتِّصَال الحكم بِالْعِلَّةِ فَمن هَذَا الْوَجْه يصلح للترجيح
وَبَيَانه فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ أَيْضا فَإِن التَّعْلِيل بِأَنَّهُ ركن لَا يكون فِي الْقُوَّة كالتعليل بِأَنَّهُ مسح لِأَن حكم ثُبُوت التّكْرَار لَا يَنْعَدِم بانعدام الركنية كَمَا فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَحكم سُقُوط التّكْرَار يَنْعَدِم بانعدام وصف الْمسْح كَمَا فِي اغتسال الْجنب وَالْحَائِض فَإِنَّهُ يسن فِيهِ صفة التّكْرَار لِأَنَّهُ لَيْسَ بمسح
وَكَذَلِكَ فِي كل مَا يعقل تَطْهِيرا صفة التّكْرَار فِيهِ يكون مسنونا وَفِيمَا لَا يعقل تَطْهِيرا لَا يسن فِيهِ صفة التّكْرَار وَقَوْلنَا مسح ينبىء عَن ذَلِك
وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي الْأَخ إِذا ملك أُخْته إِن بَينهمَا قرَابَة مُحرمَة للنِّكَاح وينعدم حكم الْعتْق بِالْملكِ عِنْد انعدام هَذَا الْمَعْنى كَمَا فِي بني الْأَعْمَام وَهُوَ إِذا قَالَ شخصان يجوز لأَحَدهمَا أَن يضع زَكَاة مَاله فِي صَاحبه فَلَا يعْتق أَحدهمَا على صَاحبه إِذا ملكه لِانْعِدَامِ هَذَا الحكم عِنْد انعدام هَذَا الْمَعْنى فَإِن الْمُسلم لَا يجوز لَهُ أَن يضع زَكَاة مَاله فِي الْكَافِر وَذَلِكَ لَا يدل على أَنه يعْتق أَحدهمَا على صَاحبه إِذا ملكه
وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِنَّه لَا يشْتَرط قَبضه فِي الْمجْلس لِأَنَّهُ عين بِعَين وينعدم هَذَا الحكم عِنْد انعدام
стр. 633
هَذَا الْوَصْف فَإِنَّهُ فِي بَاب الصّرْف يشْتَرط الْقَبْض من الْجَانِبَيْنِ لِأَن الأَصْل فِيهِ النُّقُود وَهِي لَا تتَعَيَّن فِي الْعُقُود فَكَانَ دينا بدين وَفِي السّلم يشْتَرط الْقَبْض فِي رَأس المَال لِأَن الْمُسلم فِيهِ دين وَرَأس المَال فِي الْغَالِب نقد فَيكون دينا بدين فَعرفنَا أَنه يَنْعَدِم الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة
وَهُوَ يُعلل فَيَقُول مالان لَو قوبل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ يحرم التَّفَاضُل بَينهمَا فَيشْتَرط التَّقَابُض فِي بيع أَحدهمَا بِالْآخرِ كالذهب وَالْفِضَّة
ثمَّ الحكم لَا يَنْعَدِم عِنْد انعدام هَذَا الْمَعْنى فِي السّلم فَإِنَّهُ يشْتَرط قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس وَإِن جمع العقد هُنَاكَ بدلين لَا يحرم التَّفَاضُل إِذا قوبل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ
فَهَذَا بَيَان الْ فَصْل الرَّابِع
فصل
وَأما المخلص من التَّعَارُض فِي دَلِيل التَّرْجِيح فطريق بَيَانه أَن نقُول إِن كل مُحدث مَوْجُود بصورته وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَة لَهُ ثمَّ تقوم بِهِ أَحْوَال تحدث عَلَيْهِ فَإِذا قَامَ دَلِيل التَّرْجِيح لِمَعْنى فِي ذَات أحد المتعارضين وعارضه دَلِيل التَّرْجِيح لِمَعْنى فِي حَال الآخر على مُخَالفَة الأول فَإِنَّهُ يرجح الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الذَّات على الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الْحَال لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الذَّات أسبق وجودا من الْحَال فبعدما وَقع التَّرْجِيح لِمَعْنى فِيهِ لَا يتَغَيَّر بِمَا حدث من معنى فِي حَال الآخر بعد ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا لَو اتَّصل الحكم بِاجْتِهَاد فتأيد بِهِ ثمَّ لم ينْسَخ بِمَا يحدث من اجْتِهَاد آخر بعد ذَلِك وَإِذا اتَّصل الحكم بِشَهَادَة المستورين بِالنّسَبِ أَو النِّكَاح لرجل لم يتَغَيَّر بعد ذَلِك بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ لآخر
وَالثَّانِي أَن الْأَحْوَال الَّتِي تحدث على الذَّات تقوم بِهِ فَكَانَ الذَّات بِمَنْزِلَة الأَصْل وَمَا يقوم بِهِ من الْحَال بِمَنْزِلَة التبع وَالْأَصْل لَا يتَغَيَّر بالتبع على أَي وَجه كَانَ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَن ابْن الْأَخ لأَب وَأم يكون مقدما فِي الْعُصُوبَة على الْعم لِأَن الْمُرَجح فِيهِ معنى فِي ذَات
стр. 634
الْقَرَابَة وَهُوَ الْأُخوة الَّتِي هِيَ مُقَدّمَة على العمومة وَفِي الْعم الْمُرَجح هُوَ زِيَادَة الْقرب بِاعْتِبَار الْحَال
وَكَذَلِكَ الْعمة لأم مَعَ الْخَالَة لأَب وَأم إِذا اجتمعتا فللعمة الثُّلُثَانِ بِاعْتِبَار أَن الْمُرَجح فِي حَقّهَا هُوَ معنى فِي ذَات الْقَرَابَة وَهُوَ الإدلاء بِالْأَبِ وَفِي الْأُخْرَى معنى فِي حَالهَا وَهُوَ اتصالها من الْجَانِبَيْنِ بِأم الْمَيِّت
وَلَو كَانَا أَخَوَيْنِ أَحدهمَا لأَب وَأم وَالْآخر لأَب فَإِنَّهُ يقدم فِي الْعُصُوبَة الَّذِي لأَب وَأم لِأَنَّهُمَا اسْتَويَا فِي ذَات الْقَرَابَة فيصار إِلَى التَّرْجِيح بِاعْتِبَار الْحَال وَهُوَ زِيَادَة الِاتِّصَال لأَحَدهمَا
وَلَو كَانَ ابْن الْأَخ لأَب مَعَه ابْن ابْن أَخ لأَب وَأم فَإِن الْأَخ لأَب يقدم فِي الْعُصُوبَة بِاعْتِبَار الْحَال لما اسْتَويَا فِي ذَات الْقَرَابَة وَهُوَ الْأُخوة
وَرُبمَا خَفِي على الشَّافِعِي هَذَا الْحَد فِي بعض الْمسَائِل فَهُوَ مَعْذُور لكَونه خفِيا وَمن أصَاب مَرْكَز الدَّلِيل فَهُوَ مأجور مشكور
وَبَيَانه فِي مسَائِل الْغَصْب فَإِن علماءنا أثبتوا التَّرْجِيح بِاعْتِبَار الصِّنَاعَة والخياطة والطبخ والشي وَقَالُوا فِيمَن غصب ساحة وأدخلها فِي بنائِهِ يَنْقَطِع حق الْمَغْصُوب مِنْهُ عَن الساحة لِأَن الصَّنْعَة الَّتِي أحدثها الْغَاصِب فِيهَا قَائِمَة من كل وَجه غير مُضَاف إِلَى صَاحب الْعين وَعين الساحة قَائِم من وَجه مستهلك من وَجه لِأَنَّهُ صَار مُضَافا إِلَى الْحَادِث بِعَمَل الْغَاصِب وَهُوَ الْبناء فرجحنا مَا هُوَ قَائِم من كل وَجه بِاعْتِبَار معنى فِي الذَّات وأسقطنا اعْتِبَار معنى قُوَّة الْحَال فِي الْجَانِب الآخر وَهُوَ أَنه أصل وَفِي الساحة إِذا بنى عَلَيْهَا لما اسْتَويَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَائِم من كل وَجه فرجحنا بِاعْتِبَار الْحَال حق صَاحب الساحة على حق صَاحب الْبناء (لِأَن قوام الْبناء) للْحَال بالساحة وقوام الساحة لَيْسَ بِالْبِنَاءِ
وَكَذَلِكَ الثَّوْب إِذا قطعه وخاطه وَاللَّحم إِذا طبخه أَو شواه لِأَن الْوَصْف الْحَادِث بِعَمَل الْغَاصِب قَائِم من كل وَجه وَمَا هُوَ حق الْمَغْصُوب مِنْهُ قَائِم من وَجه مستهلك من وَجه بِاعْتِبَار الْعَمَل الْمُضَاف إِلَى الْغَاصِب فيترجح مَا هُوَ قَائِم من كل وَجه
وَكَذَلِكَ قُلْنَا صَوْم رَمَضَان يتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ الْمَوْجُودَة فِي أَكثر النَّهَار لِأَن الْإِمْسَاك
стр. 635
فِي جَمِيع النَّهَار ركن وَاحِد وَشرط كَونه صوما شَرْعِيًّا النِّيَّة ليحصل بهَا الْإِخْلَاص فَإِذا ترجح جَانب الْوُجُود باقتران النِّيَّة بِأَكْثَرَ هَذَا الرُّكْن قُلْنَا يحصل بِهِ امْتِثَال الْأَمر
ف الشَّافِعِي يَقُول يُؤْخَذ فِي الْعِبَادَات بِالِاحْتِيَاطِ فَإِذا انعدمت النِّيَّة فِي جُزْء من هَذَا الرُّكْن يتَرَجَّح جَانب الْعَدَم على جَانب الْوُجُود لأجل الِاحْتِيَاط فِي أَدَاء الْفَرِيضَة فَكَانَ مَا اعْتَبرهُ معنى فِي الْحَال وَهُوَ أَنه فرض يُؤْخَذ فِيهِ بِالِاحْتِيَاطِ وَمَا اعتبرناه معنى فِي الذَّات والمرجح فِي الذَّات أولى بِالِاعْتِبَارِ من الْمُرَجح فِي الْحَال
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا كَانَ لرجل مِائَتَا دِرْهَم وَخمْس من الْإِبِل السَّائِمَة فَسبق حول السَّائِمَة فَأدى عَنْهَا شَاة ثمَّ بَاعهَا بِمِائَتي دِرْهَم فَإِنَّهُ لَا يضم ثمنهَا إِلَى مَا عِنْده وَلَكِن ينْعَقد على الثّمن حول جَدِيد فَلَو اسْتَفَادَ مِائَتي دِرْهَم بِهِبَة أَو مِيرَاث فَإِنَّهُ يضمها إِلَى أقرب الْمَالَيْنِ فِي الْحول وَإِن كَانَ الْمُسْتَفَاد ربح أحد الْمَالَيْنِ أَو زِيَادَة مُتَوَلّدَة من عين أحد الْمَالَيْنِ يضم ذَلِك إِلَى الأَصْل وَإِن كَانَ أبعد فِي الْحول لِأَن الْمُرَجح هُنَا معنى فِي الذَّات وَهُوَ كَونه نَمَاء أحد الْمَالَيْنِ فَيسْقط بمقابلته اعْتِبَار الْحَال فِي المَال الآخر وَهُوَ الْقرب فِي الْحول وَفِي الأول لما اسْتَوَى الجانبان فِيمَا يرجع إِلَى الذَّات صرنا إِلَى التَّرْجِيح بِاعْتِبَار الْحَال
والمسائل على هَذَا الأَصْل يكثر تعدادها وَالله أعلم
فصل
وَأما الْفَاسِد من التَّرْجِيح فأنواع أَرْبَعَة أَحدهَا مَا بَينا من تَرْجِيح قِيَاس بِقِيَاس آخر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة شَرْعِيَّة لثُبُوت الحكم بهَا فَلَا تكون إِحْدَاهمَا مرجحة لِلْأُخْرَى بِمَنْزِلَة زِيَادَة الْعدَد فِي الشُّهُود
وَكَذَلِكَ تَرْجِيح أحد القياسين بالْخبر فَاسد لِأَن الْقيَاس مَتْرُوك بالْخبر فَلَا يكون حجَّة فِي مُقَابلَته والمصير إِلَى التَّرْجِيح بعد وُقُوع التَّعَارُض بِاعْتِبَار الْمُمَاثلَة كَمَا بَينا
وَكَذَلِكَ تَرْجِيح أحد الْخَبَرَيْنِ بِنَصّ الْكتاب فَاسد لِأَن الْخَبَر لَا يكون حجَّة فِي مُعَارضَة النَّص
وَالنَّوْع الثَّانِي التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَشْبَاه فَإِنَّهُ فَاسد عندنَا
وَبَيَانه فِيمَا يَقُوله الْخصم إِن الْأَخ يشبه الْأَب من وَجه وَهُوَ الْمَحْرَمِيَّة وَيُشبه ابْن الْعم من وُجُوه نَحْو جَرَيَان الْقصاص من الطَّرفَيْنِ وَقبُول شَهَادَة كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه
стр. 636
وَجَوَاز وضع الزَّكَاة لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحبه وَحل حَلِيلَة كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام
قَالُوا فيرجح بِاعْتِبَار كَثْرَة الْأَشْبَاه وَهُوَ فَاسد عندنَا لِأَن الْأُصُول شَوَاهِد وَقد بَينا أَن التَّرْجِيح بِزِيَادَة عدد الشُّهُود فِي الْخُصُومَات فَاسد وَفِي الْأَحْكَام التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْعِلَل فَاسد فَكَذَلِك التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَشْبَاه
وَالنَّوْع الثَّالِث التَّرْجِيح بِعُمُوم الْعلَّة وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُوله الْخصم إِن تَعْلِيل حكم الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم أولى لِأَنَّهُ يعم الْقَلِيل وَالْكثير وَالتَّعْلِيل بِالْقدرِ يخص الْكثير وَمَا يكون أَعم فَهُوَ أولى
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد لِأَن إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ فرع لإِثْبَات الحكم بِالنَّصِّ وَعِنْدنَا التَّرْجِيح فِي النُّصُوص لَا يَقع بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص وَعِنْده الْخَاص يقْضِي على الْعَام كَيفَ يَقُول فِي الْعِلَل إِن مَا يكون أَعم فَهُوَ مُرَجّح على مَا يكون أخص ثمَّ معنى الْعُمُوم وَالْخُصُوص يبتنى على الصِّيغَة وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي النُّصُوص فَأَما الْعِلَل فَالْمُعْتَبر فِيهَا التَّأْثِير أَو الإحالة على حسب مَا اخْتلفَا فِيهِ وَلَا مدْخل للْعُمُوم وَالْخُصُوص فِي ذَلِك
وَالنَّوْع الرَّابِع التَّرْجِيح بقلة الْأَوْصَاف وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُوله الْخصم فِي أَن مَا جعلته عِلّة فِي بَاب الرِّبَا وصف وَاحِد وَهُوَ الطّعْم فَأَما الجنسية عِنْدِي شَرط وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ عِلّة الرِّبَا ذَات وصفين فتترجح علتي بِاعْتِبَار قلَّة الْأَوْصَاف
وَهَذَا فَاسد عندنَا لما بَينا أَن ثُبُوت الحكم بِالْعِلَّةِ فرع لثُبُوته بِالنَّصِّ وَالنَّص الَّذِي فِيهِ بعض الإيجاز والاختصار لَا يتَرَجَّح على مَا فِيهِ بعض الإشباع فِي الْبَيَان فَكَذَلِك الْعلَّة بل أولى لِأَن ثُبُوت الحكم هُنَاكَ بِصِيغَة النَّص الَّذِي يتَحَقَّق فِيهِ الِاخْتِصَار والإشباع وَهنا بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْمُؤثر وَلَا يتَحَقَّق فِيهِ الإيجاز والإشباع
стр. 637
- ﷺ َ - بَاب وُجُوه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل الطردية الَّتِي يجوز الِاحْتِجَاج بهَا ﷺ َ - هَذِه الْوُجُوه أَرْبَعَة القَوْل بِمُوجب الْعلَّة ثمَّ الممانعة ثمَّ بَيَان فَسَاد الْوَضع ثمَّ النَّقْض
فنقدم بَيَان القَوْل بِمُوجب الْعلَّة لِأَن الْمصير إِلَى الْمُنَازعَة عِنْد تعذر إِمْكَان الْمُوَافقَة وَأما مَعَ إِمْكَان الْمُوَافقَة وَتَحْصِيل الْمَقْصُود بِهِ فَلَا معنى للمصير إِلَى الْمُنَازعَة
ثمَّ تَفْسِير القَوْل بِمُوجب الْعلَّة هُوَ الْتِزَام مَا رام الْمُعَلل الْتِزَامه بتعليله
وَبَيَان ذَلِك فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ أَنه ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كالغسل فِي المغسول لأَنا نقُول بِمُوجب هَذَا
فَنَقُول يسن تثليثه وتربيعه أَيْضا لِأَن الْمَفْرُوض هُوَ الْمسْح بِربع الرَّأْس عندنَا وَعِنْده أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم ثمَّ اسْتِيعَاب جَمِيع الرَّأْس بِالْمَسْحِ سنة وبالاستيعاب يحصل التَّثْلِيث والتربيع وَلَكِن فِي مَحل غير الْمحل الَّذِي قَامَ فِيهِ الْفَرْض لِأَنَّهُ لَا فرق بَين أَن يكون تثليث الْفِعْل فِي مَحل أَو محَال فَإِن من دخل ثَلَاث أدور يَقُول دخلت ثَلَاث دخلات كَمَا أَن من دخل دَارا وَاحِدَة ثَلَاث مَرَّات يَقُول دخلت ثَلَاث دخلات فَإِن غير الحكم فَقَالَ وَجب أَن يسن تكراره
قُلْنَا الْآن هَذَا فِي الأَصْل مَمْنُوع فَإِن الْمسنون فِي الْغسْل لَيْسَ هُوَ التّكْرَار مَقْصُودا عندنَا بل الْإِكْمَال وَذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ على الْفَرِيضَة إِلَّا أَن هُنَاكَ الِاسْتِيعَاب فرض فَالزِّيَادَة بعد ذَلِك الْإِكْمَال لَا يكون إِلَّا بالتكرار فَكَانَ وُقُوع التّكْرَار فِيهِ اتِّفَاقًا لَا أَن يكون مَقْصُودا وَهنا الِاسْتِيعَاب لَيْسَ بِفَرْض فَيحصل الْإِكْمَال فِيهِ بالاستيعاب لوُجُود الزِّيَادَة على الْقدر الْمَفْرُوض والإكمال يحصل بِهِ فِي الْأَركان نَحْو الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة فالإكمال يكون فِيهِ بالإطالة لَا بالتكرار وَكَذَلِكَ الْإِكْمَال فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَلِأَن الْإِكْمَال فِيمَا يعقل فِيهِ الْمَعْنى وَهُوَ التَّطْهِير بتسييل المَاء على الْعُضْو إِنَّمَا يكون بالتكرار كَمَا فِي غسل النَّجَاسَة العينية عَن الْبدن أَو الثَّوْب يكون الْإِكْمَال فِيهِ بالتكرار إِلَى طمأنينة الْقلب فَأَما فِي الْمسْح الَّذِي لَا يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير لَا يكون
стр. 638
للتكرار فِيهِ تَأْثِير فِي الْإِكْمَال بل الْإِكْمَال فِيهِ يكون بالاستيعاب الَّذِي فِيهِ زِيَادَة على الْقدر الْمَفْرُوض وَعند ذَلِك يضْطَر الْمُعَلل إِلَى الرُّجُوع إِلَى طلب التَّأْثِير بِوَصْف الركنية وَوصف الْمسْح الَّذِي تَدور عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة ثمَّ يظْهر تَأْثِير الْمسْح فِي التَّخْفِيف وَتَحْقِيق معنى الْإِكْمَال فِيهِ بالاستيعاب كَمَا فِي الْمسْح بالخف ويتبين أَنه لَا أثر للركنية فِي اشْتِرَاط التّكْرَار فَإِن التّكْرَار مسنون فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مَعَ انعدام الركنية ويتبين أَن مَا يكون ركنا وَمَا يكون سنة وَمَا يكون أصلا وَمَا يكون رخصَة فِي معنى الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض سَوَاء ثمَّ فِي الْمسْح الَّذِي هُوَ رخصَة لما لم يكن الِاسْتِيعَاب ركنا كالمسح بالخف كَانَ الْإِكْمَال فِيهِ بالاستيعاب لَا بالتكرار وَكَذَلِكَ فِي الْمسْح الَّذِي هُوَ أصل وَفِيمَا يكون مسنونا لما كَانَ إِقَامَة أصل السّنة فِيهِ بالاستيعاب كَانَ الْإِكْمَال فِيهِ بالتكرار كالمضمضة وَكَذَلِكَ فِيمَا هُوَ ركن إِذا كَانَ إِقَامَة الْفَرْض لَا تحصل إِلَّا بالاستيعاب كَانَ الْإِكْمَال فِيهِ بالتكرار فَيظْهر فقه الْمَسْأَلَة من هَذَا الْوَجْه
وَمن ذَلِك مَا علل بِهِ الشَّافِعِي فِي صَوْم التَّطَوُّع إِنَّه بَاشر فعل قربَة لَا يمْضِي فِي فاسدها فَلَا يلْزمه الْقَضَاء بالإفساد لأَنا نقُول بِمُوجب هَذِه الْعلَّة فَإِن عندنَا الْقَضَاء لَا يجب بالإفساد وَإِنَّمَا يجب بِمَا وَجب بِهِ الْأَدَاء وَهُوَ الشُّرُوع فَإِن غير الْعبارَة وَقَالَ وَجب أَن لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ كَالْوضُوءِ
قُلْنَا الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة بِاعْتِبَار كَونهَا مِمَّا لَا يمْضِي فِي فاسدها لَا يكون ملزما عندنَا بل بِاعْتِبَار كَونهَا مِمَّا تلتزم بِالنذرِ وَعدم اللُّزُوم بِاعْتِبَار الْوَصْف الَّذِي قَالَه لَا يمْنَع اللُّزُوم بِاعْتِبَار الْوَصْف الَّذِي قُلْنَا وَلَا بُد من إِضَافَة الحكم إِلَى الْوَصْف الَّذِي هُوَ ركن تَعْلِيله فَإِن لم يجب بِاعْتِبَار وصف لَا يدل على أَنه لَا يجب بِاعْتِبَار وصف آخر وَعند ذَلِك يضْطَر إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل على أَن الشُّرُوع غير مُلْزم وَأَنه لَيْسَ نَظِير النّذر فِي كَونه ملزما فَتبين فقه الْمَسْأَلَة
وَمن ذَلِك قَوْلهم إِسْلَام الْمَرْوِيّ فِي الْمَرْوِيّ جَائِز لِأَنَّهُ أسلم مذروعا فِي مذروع فَيجوز كإسلام الْهَرَوِيّ بالمروي لأَنا نقُول بِمُوجبِه فَإِن كَونه مذروعا فِي مذروع لَا يفْسد العقد عندنَا وَلَكِن هَذَا الْوَصْف لَا يمْنَع فَسَاد العقد بِاعْتِبَار
стр. 639
معنى آخر هُوَ مُفسد أَلا ترى أَنه يفْسد بِذكر شَرط فَاسد فِيهِ وبترك قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس مَعَ أَنه أسلم مذروعا فِي مذروع
فَإِذا جَازَ أَن يفْسد هَذَا العقد مَعَ وجود هَذَا الْوَصْف بِاعْتِبَار معنى آخر بالِاتِّفَاقِ فلماذا لَا يجوز أَن يفْسد بِاعْتِبَار الجنسية فيضطر عِنْد ذَلِك إِلَى الشُّرُوع فِي فقه الْمَسْأَلَة والاشتغال بِأَن الجنسية لَا تصلح عِلّة لفساد هَذَا العقد بهَا إِن أمكنه ذَلِك
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي الطَّلَاق الرَّجْعِيّ إِنَّهَا مُطلقَة فَتكون مُحرمَة الْوَطْء كالمبانة لأَنا نقُول بِمُوجبِه فَإنَّا لَا نَجْعَلهَا محللة الْوَطْء لكَونهَا مُطلقَة بل لكَونهَا مَنْكُوحَة وبالاتفاق مَعَ كَونهَا مُطلقَة إِذا كَانَت مَنْكُوحَة تكون محللة الْوَطْء كَمَا بعد الْمُرَاجَعَة فَإِن الطَّلَاق الْوَاقِع بالرجعة لَا يرْتَفع وَلَا تخرج من أَن تكون مُطلقَة فيضطر حِينَئِذٍ إِلَى الرُّجُوع إِلَى فقه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن وُقُوع الطَّلَاق هَل يُمكن خللا فِي النِّكَاح أَو هَل يكون محرما للْوَطْء مَعَ قيام ملك النِّكَاح وعَلى هَذَا يَدُور فقه الْمَسْأَلَة
وَمن ذَلِك مَا قَالُوا فِي المختلعة لَا يلْحقهَا الطَّلَاق لِأَنَّهَا لَيست بمنكوحة فَإِن عندنَا بِاعْتِبَار هَذَا الْوَصْف لَا يكون محلا لوُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا عِنْد الْإِيقَاع وَلَكِن هَذَا لَا يبْقى وَصفا آخر فِيهَا يكون بِهِ محلا لوُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا وَهُوَ ملك الْيَد الْبَاقِي لَهُ عَلَيْهَا بِبَقَاء الْعدة فيضطر بِهَذَا إِلَى الرُّجُوع إِلَى فقه الْمَسْأَلَة
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي إِعْتَاق الرَّقَبَة الْكَافِرَة عَن كَفَّارَة الظِّهَار فَإِنَّهُ تَحْرِير فِي تَكْفِير فَلَا يتَأَدَّى بِالرَّقَبَةِ الْكَافِرَة كَمَا فِي كَفَّارَة الْقَتْل لأَنا نقُول بِمُوجب هَذَا فَإِن عندنَا لَا يتَأَدَّى الْوَاجِب من الْكَفَّارَة بِهَذَا الْوَصْف الَّذِي قَالَ بل بِوُجُود الِامْتِثَال مِنْهُ لِلْأَمْرِ كَمَا يتَأَدَّى بِصَوْم شَهْرَيْن مُتَتَابعين وبإطعام سِتِّينَ مِسْكينا عِنْد الْعَجز عَن الصَّوْم فيضطر عِنْد ذَلِك إِلَى الرُّجُوع إِلَى فقه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن الِامْتِثَال لَا يحصل هُنَا بتحرير الرَّقَبَة الْكَافِرَة كَمَا لَا يحصل فِي كَفَّارَة الْقَتْل لِأَن الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي الْأَخ إِنَّه لَا يعْتق على أَخِيه إِذا ملكه لِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 640
بَينهمَا جزئية فَإنَّا نقُول بِمُوجبِه فباعتبار انعدام الْجُزْئِيَّة بَينهمَا لَا يثبت الْعتْق عندنَا وَلَكِن انعدام الْجُزْئِيَّة لَا يَنْفِي وجود وصف آخر بِهِ تتمّ عِلّة الْعتْق وَهُوَ الْقَرَابَة الْمُحرمَة للنِّكَاح فيضطر عِنْد ذَلِك إِلَى الشُّرُوع فِي فقه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن الْقَرَابَة الْمُحرمَة للنِّكَاح هَل تصلح متممة لعِلَّة الْعتْق مَعَ الْملك بِدُونِ الولاد أم لَا
وَأكْثر مَا يذكر من الْعِلَل الطردية يَأْتِي عَلَيْهَا هَذَا النَّوْع من الِاعْتِرَاض وَهُوَ طَرِيق حسن لإلجاء أَصْحَاب الطَّرْد إِلَى الشُّرُوع فِي فقه الْمَسْأَلَة
فصل فِي الممانعة
قَالَ ﵁ الممانعة على هَذَا الطَّرِيق على أَرْبَعَة أوجه إِحْدَاهَا فِي الْوَصْف وَالثَّانيَِة فِي صَلَاحِية الْوَصْف للْحكم وَالثَّالِثَة فِي الحكم وَالرَّابِعَة فِي إِضَافَة الحكم إِلَى الْوَصْف وَهَذَا لِأَن شَرط صِحَة الْعلَّة عِنْد أَصْحَاب الطَّرْد كَون الْوَصْف صَالحا للْحكم ظَاهرا وَتَعْلِيق الحكم بِهِ وجودا وعدما
أما بَيَان النَّوْع الأول فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْكَفَّارَة على من أفطر بِالْأَكْلِ وَالشرب قَالَ هَذِه عُقُوبَة تتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ فَلَا تتَعَلَّق بِغَيْر الْجِمَاع كالرجم
لأَنا لَا نسلم أَن الْكَفَّارَة تتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ وَإِنَّمَا تتَعَلَّق بالإفطار على وَجه يكون جِنَايَة متكاملة وَعند هَذَا الْمَنْع يضْطَر إِلَى بَيَان حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن السَّبَب الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ الْفطر على وَجه تتكامل بِهِ الْجِنَايَة أَو الْجِمَاع المعدم للصَّوْم وَإِذا ثَبت أَن السَّبَب هُوَ الْفطر بِهَذِهِ الصّفة ظهر تقرر السَّبَب عِنْد الْأكل وَالشرب وَعند الْجِمَاع بِصفة وَاحِدَة
وَبَيَان النَّوْع الثَّانِي فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِن الْخصم إِذا علل فَقَالَ هَذِه طَهَارَة مسح فَيسنّ فِيهَا التَّثْلِيث كالاستنجاء بالأحجار
قُلْنَا لَا نسلم هَذَا الْوَصْف فِي الأَصْل فَإِن الِاسْتِنْجَاء إِزَالَة النَّجَاسَة العينية فَأَما أَن يكون طَهَارَة بِالْمَسْحِ فَلَا وَلِهَذَا لَو لم يتلوث شَيْء من ظَاهر بدنه لَا يكون عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاء وَلِهَذَا كَانَ الْغسْل بِالْمَاءِ أفضل
ثمَّ الْمسْح الَّذِي يدل على التَّخْفِيف لَا يكون صَالحا لتعليق حكم التَّثْلِيث بِهِ وَبِدُون الصلاحية لَا يصلح
стр. 641
التَّعْلِيل فيضطر عِنْد هَذَا الْمَنْع إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ إِثْبَات التَّسْوِيَة بَين الْمَمْسُوح والمغسول بِوَصْف صَالح لتَعلق حكم التّكْرَار بِهِ أَو التَّفْرِقَة بَينهمَا بِوَصْف الْمسْح وَالْغسْل فَإِن أَحدهمَا يدل على الِاسْتِيعَاب وَالْآخر يدل على التَّخْفِيف بِعَين الْمسْح
وَكَذَلِكَ تَعْلِيلهم فِي بيع تفاحة بتفاحتين إِنَّه بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه مجازفة فَلَا يجوز كَبيع صبرَة بصبرة من حِنْطَة
لأَنا نقُول يَعْنِي بِهَذَا المجازفة ذاتا أم قدرا فَلَا يجد بدا من أَن يَقُول ذاتا فَنَقُول حِينَئِذٍ يَعْنِي المجازفة فِي الذَّات صُورَة أم عيارا فَلَا يجد بدا من أَن يَقُول عيارا لِأَن المجازفة من حَيْثُ الصُّورَة فِي الذَّات لَا تمنع جَوَاز البيع بالِاتِّفَاقِ فَإِن بيع قفيز حِنْطَة بقفيز حِنْطَة جَائِز مَعَ وجود المجازفة فِي الذَّات صُورَة فَرُبمَا يكون أَحدهمَا أَكثر فِي عدد الحبات من الآخر
وَإِذا ادّعى المجازفة عيارا قُلْنَا هَذَا الْوَصْف إِنَّمَا يَسْتَقِيم فِيمَا يكون دَاخِلا تَحت المعيار والتفاح وَمَا أشبهه لَا يدْخل تَحت المعيار فَلَا يكون هَذَا الْوَصْف صَالحا لهَذَا الحكم وَلِأَن الْمُسَاوَاة كَيْلا شَرط جَوَاز العقد فِي الْأَمْوَال الربوية بِالْإِجْمَاع وَمن ضَرُورَته أَن يكون ضِدّه وَهُوَ الْفضل فِي المعيار مُفْسِدا للْعقد وَالْفضل فِي المعيار لَا يتَحَقَّق فِيمَا لَا يدْخل تَحت المعيار كَمَا أَن الْمُسَاوَاة فِي المعيار الَّذِي هُوَ شَرط الْجَوَاز عِنْده لَا يتَحَقَّق فِيمَا لَا يدْخل تَحت المعيار فيضطر عِنْد هَذَا إِلَى بَيَان الْحَرْف الَّذِي تَدور عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن حُرْمَة العقد فِي هَذِه الْأَمْوَال عِنْد الْمُقَابلَة بجنسها أصل وَالْجَوَاز يتَعَلَّق بِشَرْطَيْنِ الْمُسَاوَاة فِي المعيار وَالْيَد بِالْيَدِ
وَعِنْدنَا جَوَاز العقد فِيهَا أصل كَمَا فِي سَائِر الْأَمْوَال وَالْفساد بِاعْتِبَار فضل هُوَ حرَام وَهُوَ الْفضل فِي المعيار وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِيمَا تتَحَقَّق فِيهِ الْمُسَاوَاة فِي المعيار إِذْ الْفضل يكون بعد تِلْكَ الْمُسَاوَاة وَلَا تتَحَقَّق هَذِه الْمُسَاوَاة فِيمَا لَا يدْخل تَحت المعيار أصلا
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي الثّيّب الصَّغِيرَة لَا يُزَوّجهَا أَبوهَا لِأَنَّهَا ثيب يُرْجَى مشورتها فَلَا ينفذ العقد عَلَيْهَا بِدُونِ رأيها كالنائمة والمغمى عَلَيْهَا
стр. 642
لأَنا نقُول مَا تعنون بقولكم بِدُونِ رأيها رَأْي قَائِم فِي الْحَال أم رَأْي سيحدث أم أَيهمَا كَانَ فَإِن قَالُوا أَيهمَا كَانَ فَهُوَ بَاطِل من الْكَلَام لِأَن الثّيّب الْمَجْنُونَة تزوج فِي الْحَال ورأيها غير مأنوس عَنْهَا لتوهم الْإِفَاقَة فَلَا نجد بدا من أَن نقُول المُرَاد رَأْي قَائِم لَهَا وَهَذَا مَمْنُوع فِي الْفَرْع فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا رَأْي قَائِم فِي الْحَال فِي الْمَنْع وَلَا فِي الْإِطْلَاق فَإِن من لم يجوز تَزْوِيجهَا لم يفصل فِي ذَلِك بَين أَن يكون العقد برأيها (وَبِدُون رأيها) وَمن جوز العقد فَكَذَلِك لم يفصل فَعرفنَا أَنه لَيْسَ لَهَا رَأْي قَائِم وَمَا سيحدث من عِلّة أَو مَانع لَا يجوز أَن يكون مؤثرا فِي الحكم قبل حُدُوثه وَمن جوز حُدُوثه فِي الْمَنْع لَا فِي الْإِثْبَات إِذْ الحكم لَا يسْبق علته فيضطر عِنْد بَيَان الْمَنْع بِهَذِهِ الصّفة إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن رَأْي الْوَلِيّ هَل يقوم مقَام رأيها لِانْعِدَامِ اعْتِبَار رأيها فِي الْحَال شرعا فِيمَا يرجع إِلَى النّظر لَهَا كَمَا فِي المَال وَالْبكْر والغلام أم لَا يقوم رَأْيه مقَام رأيها لما فِي ذَلِك من تَفْوِيت الرَّأْي عَلَيْهَا إِذا صَارَت من أهل الرَّأْي بِالْبُلُوغِ وبمثل هَذَا الْحَد يتَبَيَّن عوار من شرع فِي الْكَلَام بِنَاء على حسن الظَّن قبل أَن يتَمَيَّز لَهُ الصَّوَاب من الْخَطَأ بطرِيق الْفِقْه
وَبَيَان الممانعة فِي الحكم كَثِيرَة
مِنْهَا تَعْلِيلهم فِي تكْرَار الْمسْح بِأَنَّهُ ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كَغسْل الْوَجْه لأَنا لَا نسلم هَذَا الحكم فِي الأَصْل فالمسنون هُنَاكَ عندنَا لَيْسَ التّكْرَار بل الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على قدر الْمَفْرُوض فِي مَحَله من جنسه كَمَا فِي أَرْكَان الصَّلَاة فَإِن إِكْمَال ركن الْقِرَاءَة بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض فِي مَحَله من جنسه وَهُوَ تِلَاوَة الْقُرْآن
وَكَذَلِكَ الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَّا أَن فِي الْغسْل لما كَانَ الِاسْتِيعَاب فرضا لَا يتَحَقَّق فِيهِ الْإِكْمَال بِهَذِهِ الصّفة إِلَّا بالتكرار فَكَانَ التّكْرَار مسنونا لغيره وَهُوَ تَحْصِيل صفة الْإِكْمَال بِهِ لَا لعَينه وَفِي الْمَمْسُوح الِاسْتِيعَاب لَيْسَ بِرُكْن فَيَقَع الِاسْتِغْنَاء عَن التّكْرَار فِي إِقَامَة سنة الْكَمَال بل بِالزِّيَادَةِ على الْقدر
стр. 643
الْمَفْرُوض باستيعاب جَمِيع الرَّأْس بِالْمَسْحِ مرّة وَاحِدَة يحصل الْإِكْمَال وَمَا كَانَ مَشْرُوعا لغيره فَإِنَّمَا يشرع بِاعْتِبَارِهِ فِي مَوضِع تتَحَقَّق الْحَاجة إِلَيْهِ فَأَما إِذا كَانَ مَا شرع لأَجله يحصل بِدُونِهِ لَا يُفِيد اعْتِبَاره أَلا ترى أَنه لَو كرر الْمسْح فِي ربع الرَّأْس أَو أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم لَا يحصل بِهِ كَمَال السّنة مَا لم يستوعب جَمِيع الرَّأْس بِالْمَسْحِ فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْإِكْمَال هُنَا بالاستيعاب وَأَنه هُوَ الأَصْل فَيجب الْمصير إِلَيْهِ إِلَّا فِي مَوضِع يتَحَقَّق الْعَجز عَنهُ بِأَن يكون الِاسْتِيعَاب ركنا كَمَا فِي المغسولات فَحِينَئِذٍ يُصَار إِلَى الْإِكْمَال بالتكرار وَلَا يلْزمنَا الْمسْح بالأذنين فَإِنَّهُ مسنون لإكمال الْمسْح بِالرَّأْسِ وَإِن لم يكن فِي مَحل الْمَفْرُوض حَتَّى لَا يتَأَدَّى مسح الرَّأْس بمسح الْأُذُنَيْنِ بِحَال لِأَن ذَلِك الْمسْح لإكمال السّنة فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ وَلِهَذَا لَا يَأْخُذ لأذنيه مَاء جَدِيدا عندنَا وَلَكِن يمسح مقدمهما ومؤخرهما مَعَ الرَّأْس وَالْمسح فيهمَا أفضل من الْغسْل إِلَّا أَن كَون الْأُذُنَيْنِ من الرَّأْس لما كَانَ ثَابتا بِالسنةِ دون نَص الْكتاب يثبت اتِّحَاد الْمحل فِيمَا يرجع إِلَى إِكْمَال السّنة بِهِ وَلَا تثبت الْمَحَلِّيَّة فِيمَا يتَأَدَّى بِهِ الْفَرْض الثَّابِت بِالنَّصِّ فَقُلْنَا لَا يَنُوب مسح الْأُذُنَيْنِ عَن الْمسْح بِالرَّأْسِ لهَذَا
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي صَوْم رَمَضَان بِمُطلق النِّيَّة أَنه صَوْم فرض فَلَا يتَأَدَّى بِدُونِ التَّعْيِين بِالنِّيَّةِ كَصَوْم الْقَضَاء
فَإنَّا نقُول مَا تعنون لهَذَا الحكم ألتعين بِالنِّيَّةِ بعد التعين أَو قبل التعين أم فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَجدونَ بدا من أَن يَقُولُوا قبل التعين لِأَن بعد التعين التَّعْيِين غير مُعْتَبر وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْط فِي تأدي صَوْم الْقَضَاء وَإِذا قَالُوا قبل التعين قُلْنَا هَذَا مَمْنُوع فِي الْفَرْع فَإِن التعين حَاصِل هُنَا بِأَصْل الشَّرْع إِذْ الْمَشْرُوع فِي هَذَا الزَّمَان صَوْم الْفَرْض خَاصَّة فَغَيره لَيْسَ بمشروع فَلَا نجد بدا حِينَئِذٍ من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن نِيَّة التَّعْيِين هَل يسْقط اشْتِرَاطه بِكَوْن الْمَشْرُوع مُتَعَيّنا فِي ذَلِك الزَّمَان أم لَا يسْقط اعْتِبَاره
стр. 644
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي بيع المطعوم الَّذِي لَا يدْخل تَحت المعيار بِجِنْسِهِ أَنه بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه لَا تعرف الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي المعيار فَيكون حَرَامًا كَبيع صبرَة حِنْطَة بصبرة حِنْطَة
فَإنَّا نقُول إيش تعنون بِهَذَا الحكم أهوَ حُرْمَة مُطلقَة أم حُرْمَة إِلَى غَايَة التَّسَاوِي فَإِن قَالُوا بِنَا غنية عَن بَيَان هَذَا
قُلْنَا لَا كَذَلِك فالحرمة الثَّابِتَة إِلَى غَايَة غير الْحُرْمَة الْمُطلقَة وَالْحكم الَّذِي يَقع التَّعْلِيل لَهُ لَا بُد أَن يكون مَعْلُوما
فَإِن قَالَ أَعنِي الْحُرْمَة الْمُطلقَة منعنَا هَذَا الحكم فِي الأَصْل لِأَن الْحُرْمَة هُنَاكَ ثَابِتَة إِلَى غَايَة وَهِي الْمُسَاوَاة فِي الْقدر وَإِن عَنى الْحُرْمَة إِلَى غَايَة فقد تعذر إِثْبَات هَذِه الْحُرْمَة بِالتَّعْلِيلِ فِي الْفَرْع لِأَن إِثْبَات الْحُرْمَة إِلَى غَايَة إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي مَال تتَصَوَّر فِيهِ تِلْكَ الْغَايَة وَمَا لَا يدْخل تَحت المعيار لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْغَايَة وَهِي الْمُسَاوَاة فِي المعيار فَكيف يتَحَقَّق إِثْبَات الْحُرْمَة فِيهِ إِلَى غَايَة وَعند هَذَا الْمَنْع يضْطَر إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي السّلم فِي الْحَيَوَان أَنه مَال يثبت دينا فِي الذِّمَّة مهْرا فَيثبت دينا فِي الذِّمَّة سلما كالثياب
فَإنَّا نقُول مَا معنى قَوْلكُم يثبت دينا فِي الذِّمَّة أتريدون بِهِ مَعْلُوم الْوَصْف أم مَعْلُوم الْمَالِيَّة وَالْقيمَة فَإِن قَالَ أَعنِي مَعْلُوم الْوَصْف منعنَا ذَلِك فِي الأَصْل وَهُوَ الْمهْر فقد قَامَت الدّلَالَة لنا على أَنه لَا يشْتَرط فِيمَا يثبت فِي الذِّمَّة مهْرا أَن يكون مَعْلُوم الْوَصْف
فَإِن قَالَ نعني مَعْلُوم الْمَالِيَّة وَالْقيمَة منعنَا ذَلِك فِي الْفَرْع فَإِن الْحَيَوَان بعد ذكر الْأَوْصَاف يتَفَاوَت فِي الْمَالِيَّة تَفَاوتا فَاحِشا
وَإِن قَالُوا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى هَذَا التَّعْيِين قُلْنَا لَا كَذَلِك فاعتبار أحد الدينَيْنِ بِالْآخرِ لَا يَصح مَا لم يثبت أَنَّهُمَا نظيران وَلَا طَرِيق لثُبُوت ذَلِك إِلَّا الإيجاد فِي الطَّرِيق الَّذِي يثبت بِهِ كل وَاحِد من الدينَيْنِ فِي الذِّمَّة وَعند ذَلِك يضْطَر إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن إِعْلَام الْمُسلم فِيهِ على وَجه لَا يبْقى فِيهِ تفَاوت فَاحش فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْمَالِيَّة على وَجه يلْتَحق بذوات الْأَمْثَال فِي صفة الْمَالِيَّة هَل يكون شرطا لجَوَاز عقد السّلم أم لَا
стр. 645
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي اشْتِرَاط التَّقَابُض فِي الْمجْلس فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ أَن العقد جمع بدلين يجْرِي فيهمَا رَبًّا الْفضل فَيشْتَرط التَّقَابُض كالأثمان فَإنَّا نقُول إيش المُرَاد بقولكم فَيشْتَرط فيهمَا تقابض أهوَ التَّقَابُض لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة أَو لإِثْبَات زِيَادَة معنى الصيانة وَأَحَدهمَا يُخَالف الآخر فَلَا بُد من بَيَان هَذَا
فَإِن قَالُوا لِمَعْنى الصيانة منعنَا هَذَا الحكم فِي الْأَثْمَان فاشتراط التَّقَابُض هُنَاكَ عندنَا لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة فَإِن النُّقُود لَا تتَعَيَّن فِي الْعُقُود مَا لم تقبض وَالدّين بِالدّينِ حرَام شرعا
وَإِن قَالُوا لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة لَا يتمكنون من إِثْبَات هَذَا الحكم فِي الْفَرْع فالطعام يتَعَيَّن فِي العقد بِالتَّعْيِينِ من غير قبض فَلَا يَجدونَ بدا من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ بَيَان أَن اشْتِرَاط الْقَبْض فِي الصّرْف لَيْسَ لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة بل للصيانة عَن معنى الرِّبَا بِمَنْزِلَة الْمُسَاوَاة فِي الْقدر
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي من اشْترى أَبَاهُ نَاوِيا عَن كَفَّارَة يَمِينه إِنَّه عتق الْأَب فَلَا تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة كَمَا لَو وَرثهُ لأَنا نقُول إِن عنيتم أَنه لَا تتأدى الْكَفَّارَة بِالْعِتْقِ فَنحْن نقُول فِي الْفَرْع لَا تتأدى الْكَفَّارَة بِالْعِتْقِ بل الْكَفَّارَة تتأدى بِفعل مَنْسُوب إِلَى الْمُكَفّر وَالْعِتْق وصف فِي الْمحل ثَابت شرعا وَإِن عنيتم الْإِعْتَاق فَهَذَا غير مَوْجُود فِي الأَصْل لِأَنَّهُ لَا صنع للْوَارِث فِي الْإِرْث حَتَّى يصير بِهِ معتقا وَعند هَذَا لَا بُد من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن شِرَاء الْقَرِيب هَل هُوَ إِعْتَاق بطرِيق أَنه متمم عِلّة الْعتْق أم لَيْسَ بِإِعْتَاق وَإِنَّمَا يحصل الْعتْق بِهِ حكما للْملك وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي أَن الْكَفَّارَة لَا تتأدى بِطَعَام الْإِبَاحَة إِنَّه نوع تَكْفِير يتَأَدَّى بالتمليك (فَلَا يتَأَدَّى بِدُونِ التَّمْلِيك) كالكسوة لأَنا نقُول لَا تتأدى بِدُونِ التَّمْلِيك مَعَ امْتِثَال الْأَمر (أم بِدُونِ امْتِثَال الْأَمر
فَإِن قَالَ بِي غنية عَن بَيَان هَذَا قُلْنَا لَا كَذَلِك لِأَن التَّكْفِير مَأْمُور بِهِ شرعا فَلَا يتَأَدَّى
стр. 646
الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِمَا فِيهِ امْتِثَال الْأَمر
فَإِن قَالَ مَعَ امْتِثَال الْأَمر منعنَا هَذَا الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ إِعَارَة الثَّوْب من الْمِسْكِين
وَإِن قَالَ بِدُونِ امْتِثَال الْأَمر) قُلْنَا هَذَا مُسلم وَلَكنَّا نمْنَع انعدام امْتِثَال الْأَمر فِي الْفَرْع والمأمور بِهِ هُوَ الْإِطْعَام وَحَقِيقَته التَّمْكِين من الطَّعَام فيضطر إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن حَقِيقَة معنى الْإِطْعَام أهوَ التَّمْكِين بالتغدية والتعشية أم التَّمْلِيك وَمِنْه قَوْلهم فِي الْقطع وَالضَّمان إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ لِأَنَّهُ أَخذ مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذن مَالِكه فَيكون مُوجبا للضَّمَان كالأخذ غصبا
فَإنَّا نقُول مَا معنى هَذَا الحكم أهوَ أَن يكون مُوجبا للضَّمَان مَعَ وجود مَا يُنَافِيهِ أم عِنْد عدم مَا يُنَافِيهِ فَإِن قَالَ مَعَ وجود مَا يُنَافِيهِ منعنَا ذَلِك فِي الأَصْل فَإِن غصب الْبَاغِي مَال الْعَادِل لَا يكون مُوجبا للضَّمَان وَإِن كَانَ آخِذا بِغَيْر حق وَبِغير إِذن الْمَالِك
وَإِن قَالَ عِنْد عدم مَا يُنَافِيهِ قُلْنَا بِمُوجبِه وَلَكِن لَا نسلم انعدام مَا يُنَافِي الضَّمَان هُنَا فَإِن قطع الْيَد بِسَبَب السّرقَة منَاف للضَّمَان عندنَا أَو مسْقط لَهُ كالإبراء فَلَا يجد بدا من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن اسْتِيفَاء الْقطع هَل يكون منافيا للضَّمَان أم لَا وَأما بَيَان إِضَافَة الحكم إِلَى الْوَصْف فَهُوَ على مَا ذكرنَا فِي القَوْل بِمُوجب الْعلَّة فَإِن إِضَافَة الحكم إِلَى الْعِلَل الطردية لَيْسَ بِدَلِيل مُوجب إِضَافَة الحكم إِلَى ذَلِك الْوَصْف بل لكَونه مَوْجُودا عِنْد وجوده ومعدوما عِنْد عَدمه وَقد بَينا أَن الْعَدَم لَا يصلح لإضافة الحكم إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ كل تَعْلِيل يكون بِنَفْي وصف أَو حكم فَإنَّا نمْنَع صَلَاحِية ذَلِك الْوَصْف لإضافة الحكم إِلَيْهِ نَحْو تَعْلِيلهم فِي الْأَخ أَنه لَا يعْتق على أَخِيه إِذا ملكه لِأَنَّهُ لَيْسَ بَينهمَا بعضية كَابْن الْعم فَإنَّا نمْنَع فِي ابْن الْعم أَن يكون انْتِفَاء الْعتْق عِنْد دُخُوله فِي ملكه لهَذَا الْوَصْف إِذْ الْعَدَم لَا يجوز أَن يكون مُوجبا شَيْئا
وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي النِّكَاح إِنَّه لَا يثبت بِشَهَادَة الرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال كالحدود
стр. 647
فَإنَّا نمْنَع إِضَافَة هَذَا الحكم فِي الْحُدُود إِلَى هَذَا الْوَصْف لِأَنَّهُ كَون الْحَد لَيْسَ بِمَال لَا يصلح عِلّة لِامْتِنَاع ثُبُوته بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال
وتعليلهم فِي الْإِحْصَار بِالْمرضِ أَنه لَا يُفَارِقهُ مَا حل بِهِ بالإحلال كَالَّذي ضل الطَّرِيق الممانعة فِي الأَصْل على هَذَا الْوَجْه
وتعليلهم فِي المبتوتة أَنَّهَا لَا تستوجب النَّفَقَة وَلَا يلْحقهَا الطَّلَاق لِأَنَّهَا لَيست بمنكوحة كالمطلقة قبل الدُّخُول فَإنَّا نمْنَع إِضَافَة هَذَا الحكم فِي الأَصْل إِلَى هَذَا الْوَصْف إِذْ الْعَدَم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا شَيْئا
وعَلى هَذَا فَخرج مَا شِئْت من الْمسَائِل
فصل فِي بَيَان فَسَاد الْوَضع
قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن فَسَاد الْوَضع فِي الْعِلَل بِمَنْزِلَة فَسَاد الْأَدَاء فِي الشَّهَادَة وَأَنه مقدم على النَّقْض لِأَن الاطراد إِنَّمَا يطْلب بعد صِحَة الْعلَّة كَمَا أَن الشَّاهِد إِنَّمَا يشْتَغل بتعديله بعد صِحَة أَدَاء الشَّهَادَة مِنْهُ فَأَما مَعَ فَسَاد فِي الْأَدَاء لَا يُصَار إِلَى التَّعْلِيل لكَونه غير مُفِيد
ثمَّ تَأْثِير فَسَاد الْوَضع أَكثر من تَأْثِير النَّقْض لِأَن بعد ظُهُور فَسَاد الْوَضع لَا وَجه سوى الِانْتِقَال إِلَى عِلّة أُخْرَى فَأَما النَّقْض فَهُوَ جحد مجْلِس يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فِي مجْلِس آخر
وَبَيَانه فِيمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي إِسْلَام أحد الزَّوْجَيْنِ إِن الْحَادِث بَينهمَا اخْتِلَاف الدّين فالفرقة بِهِ لَا تتَوَقَّف على قَضَاء القَاضِي كالفرقة بردة أحد الزَّوْجَيْنِ
لأَنا نقُول هَذَا الِاخْتِلَاف إِنَّمَا حصل بِإِسْلَام من أسلم مِنْهُمَا فَأَما بِاعْتِبَار بَقَاء من بَقِي على الْكفْر الْحَال حَال الْمُوَافقَة فقد كَانَ بَينهمَا الْمُوَافقَة وَهَذَا على دينه فَعرفنَا أَن الِاخْتِلَاف الْحَادِث بِإِسْلَام الْمُسلم مِنْهُمَا هُوَ سَبَب لعصمة الْملك وَزِيَادَة معنى الصيانة فِيهِ فالتعليل بِهِ لاسْتِحْقَاق الْفرْقَة يكون فَاسِدا وضعا فِي الْفَرْع وَإِن كَانَ صَحِيحا فِي الأَصْل من حَيْثُ إِن الِاخْتِلَاف هُنَاكَ حَادث بِالرّدَّةِ وَهِي سَبَب لزوَال الْملك والعصمة
وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ إِنَّه ركن فِي الطَّهَارَة فَيسنّ تثليثه كَغسْل الْوَجْه فَاسد وضعا لِأَنَّهُ يرد الْمسْح الْمَبْنِيّ
стр. 648
على التَّخْفِيف إِلَى الْغسْل الْمَبْنِيّ على الْمُبَالغَة ليثبت فِي الْمسْح زِيَادَة غلظ فَوق مَا فِي الْغسْل فَإِن فِي الْغسْل الْإِكْمَال بالتثليث فِي مَحل الْفَرْض خَاصَّة وَبِهَذَا التَّعْلِيل يَجْعَل التَّثْلِيث فِي الْمَمْسُوح مَشْرُوعا للإكمال فِي مَوضِع الْفَرْض وَغير مَوضِع الْفَرْض فَإِن الْفَرْض يتَأَدَّى بِالربعِ وَهُوَ يَجْعَل التَّثْلِيث مسنونا بالاستيعاب
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي الضَّرُورَة إِذا حج بنية النَّفْل يَقع عَن الْفَرْض لِأَن فرض هَذِه الْعِبَادَة يتَأَدَّى بِمُطلق النِّيَّة فيتأدى بنية النَّفْل أَيْضا كَالزَّكَاةِ فَإِن التَّصَدُّق بالنصاب على الْفَقِير بِمُطلق النِّيَّة لما كَانَ يتَأَدَّى بِهِ الزَّكَاة فنية النَّفْل كَانَ كَذَلِك
وَلَكنَّا نقُول هَذَا فَاسد وضعا لِأَنَّهُ بِهَذَا الطَّرِيق يرد الْمُفَسّر إِلَى الْمُجْمل وَيحمل الْمُقَيد على الْمُطلق وَإِنَّمَا الْمُجْمل يرد إِلَى الْمُفَسّر ليصير بِهِ مَعْلُوم المُرَاد وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد عِنْده فِي حادثتين أَو فِي حكمين وَعِنْدنَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة فِي حكم وَاحِد حَتَّى رددنا مُطلق الْقِرَاءَة فِي صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْيَمين إِلَى الْمُقَيد بالتتابع فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﵁ وَأحد لَا يَقُول الْمُقَيد يحمل على الْمُطلق وَهُوَ نَظِير مُطلق النَّقْد ينْصَرف إِلَى نقد الْبَلَد الْمَعْرُوف لدلَالَة الْعرف فَأَما الْمُقَيد بِنَقْد آخر فَإِنَّهُ لَا يحمل على الْمُطلق لينصرف إِلَى نقد الْبَلَد
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي عِلّة الرِّبَا إِن صفة الطّعْم معنى يتَعَلَّق بِهِ الْبَقَاء يعنون أَن بَقَاء النَّفس يكون بالطعم فَيكون ذَلِك عِلّة مُوجبَة لزِيَادَة شرطين فِي العقد على المطعوم عِنْد مُقَابلَة الجنسية
وَنحن نقُول هَذَا فَاسد وضعا لِأَن البيع فِي الأَصْل مَا شرع إِلَّا للْحَاجة وَلِهَذَا اخْتصَّ بِالْمَالِ الَّذِي بذله لحوائج النَّاس وَصفَة الطّعْم تكون عبارَة عَن أعظم أَسبَاب الْحَاجة إِلَى ذَلِك المَال لِأَن مَا يتَعَلَّق بِهِ الْبَقَاء يحْتَاج إِلَيْهِ كل وَاحِد وَذَلِكَ إِنَّمَا يصلح عِلّة لصِحَّة العقد وتوسعة الْأَمر فِيهِ لَا للْحُرْمَة لِأَن تَأْثِير الْحَاجة فِي
стр. 649
الْإِبَاحَة بِمَنْزِلَة إِبَاحَة الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة وَلِهَذَا حل لكل وَاحِد من الْغَانِمين تنَاول مِقْدَار الْحَاجة من الطَّعَام والعلف الَّذِي يكون فِي الْغَنِيمَة فِي دَار الْحَرْب قبل الْقِسْمَة بِخِلَاف سَائِر الْأَمْوَال فَكَانَت الْعلَّة فَاسِدَة وضعا مَعَ أَنه لَا تَأْثِير لَهَا فِي إِثْبَات الْمُمَاثلَة بَين الْعِوَضَيْنِ الَّذِي هُوَ شَرط جَوَاز العقد بِالنَّصِّ
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي طول الْحرَّة إِن الْحر لَا يجوز لَهُ أَن يرق مَاءَهُ مَعَ غنيته عَنهُ كَمَا لَو كَانَ تَحْتَهُ حرَّة فَإِن تَأْثِير الْحُرِّيَّة فِي أصل الشَّرْع فِي اسْتِحْقَاق زِيَادَة النِّعْمَة والكرامة وَفِي إِثْبَات صفة الْكَمَال فِي الْملك وَلِهَذَا حل للْحرّ أَربع نسْوَة بِالنِّكَاحِ وَلم يحل للْعَبد إِلَّا اثْنَتَانِ فالتعليل لإِثْبَات الْحجر عَن العقد بِصفة الْحُرِّيَّة فِيمَا لَا يثبت الْحجر عَنهُ بِسَبَب الرّقّ يكون فَاسِدا فِي الْوَضع مُخَالفا لأصول الشَّرْع
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِيمَن جن فِي وَقت صَلَاة كَامِل أَو فِي يَوْم وَاحِد فِي الصَّوْم إِنَّه لَا يلْزمه الْقَضَاء لِأَن الْخطاب عَنهُ سَاقِط أصلا وَوُجُوب الْقَضَاء يبتنى على وجوب الْأَدَاء بِمَنْزِلَة مَا لَو جن أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة فِي الصَّلَاة أَو استوعب الْجُنُون الشَّهْر كُله فِي الصَّوْم
وَنحن نقُول هَذَا فَاسد وضعا لِأَن الْحَادِث بالجنون عجز عَن فهم الْخطاب والائتمار بِالْأَمر وَلَا أثر للجنون فِي إِخْرَاجه من أَن يكون أَهلا لِلْعِبَادَةِ لِأَن ذَلِك يبتنى على كَونه أَهلا لثوابها والأهلية لثواب الْعِبَادَة بِكَوْنِهِ مُؤمنا وَالْجُنُون لَا يبطل إيمَانه وَلِهَذَا يَرث الْمَجْنُون قَرِيبه الْمُسلم وَلَا يفرق بَين الْمَجْنُونَة وَزوجهَا الْمُسلم
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَا يبطل إِحْرَامه بِسَبَب الْجُنُون فَدلَّ أَنه لَا يبطل بِهِ إيمَانه فَكَذَلِك لَا يبطل صَوْمه حَتَّى لَو جن بعد الشُّرُوع فِي الصَّوْم بَقِي صَائِما وَلَا وَجه لإنكار هَذَا فَإِن بعد صِحَة الشُّرُوع فِي الصَّوْم لَا يشْتَرط قيام الْأَهْلِيَّة للبقاء فِيهَا سوى الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشَّهَوَات وَالْجُنُون لَا يَنْفِي تحقق هَذَا الْفِعْل وَإِذا بَقِي صَائِما حَتَّى تأدى مِنْهُ عرفنَا أَنه تأدى فرضا كَمَا شرع
стр. 650
فِيهِ وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا مَعَ تقرر سَبَب الْوُجُوب فِي حَقه
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ بَقَاء حجَّة الْإِسْلَام فرضا لَهُ بعد الْجُنُون وَبَقَاء مَا أدّى من الصَّلَاة فِي حَالَة الْإِفَاقَة فرضا فِي حَقه فَبِهَذَا التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن سَبَب الْوُجُوب مُتَحَقق مَعَ الْجُنُون وَالْخطاب بِالْأَدَاءِ سَاقِط عَنهُ لعَجزه عَن فهم الْخطاب وَذَلِكَ لَا يَنْفِي صِحَة الْأَدَاء فرضا بِمَنْزِلَة من لم يبلغهُ الْخطاب فَإِنَّهُ تتأدى مِنْهُ الْعِبَادَة بِصفة الْفَرْضِيَّة كمن أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم تبلغه فَرضِيَّة الْخطاب لَا يكون مُخَاطبا بهَا وَمَعَ ذَلِك إِذا أَدَّاهَا كَانَت فرضا لَهُ
وَكَذَلِكَ النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ فَإِن الْخطاب بِالْأَدَاءِ سَاقِط عَنْهُمَا قبل الانتباه والإفاقة ثمَّ كَانَ السَّبَب متقررا فِي حَقّهمَا فَكَانَ التَّعْلِيل بِسُقُوط فعل الْأَدَاء عَنهُ لعَجزه عَن فهم الْخطاب على نفي سَبَب الْوُجُوب فِي حَقه أصلا فَيكون فَاسِدا وضعا مُخَالفا للنَّص وَالْإِجْمَاع وَلِأَن الْخطاب بِالْأَدَاءِ يشْتَرط لثُبُوت التَّمَكُّن من الائتمار وَذَلِكَ لَا يكون بِدُونِ الْعقل والتمييز فسقوطه لِانْعِدَامِ شَرطه لَا يجوز أَن يكون دَلِيلا على نفي تقرر السَّبَب وَثُبُوت الْوُجُوب الَّذِي هُوَ حكم السَّبَب على وَجه لَا صنع للْعَبد فِيهِ بل هُوَ أَمر شَرْعِي يخْتَص بِمحل صَالح لَهُ وَهُوَ الذِّمَّة فَإِذا ثَبت تقرر السَّبَب ثَبت صِحَة الْأَدَاء وَوُجُوب الْقَضَاء عِنْد عدم الْأَدَاء بِشَرْط أَن لَا يلْحقهُ الْحَرج فِي الْقَضَاء فَإِن الْحَرج عذر مسْقط بِالنَّصِّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ فَعِنْدَ تطاول الْجُنُون حَقِيقَة أَو حكما بتكرار الْفَوَائِت من الصَّلَوَات وباستيعاب الْجُنُون الشَّهْر كُله أسقطنا الْقَضَاء لدفع الْحَرج وَهُوَ عذر مسْقط
وَمعنى الْحَرج فِيهِ أَنه تتضاعف عَلَيْهِ الْعِبَادَة الْمَشْرُوعَة فِي وَقتهَا وَلَا يشْتَبه معنى الْحَرج فِي الْأَدَاء عِنْد تضَاعف الْوَاجِب وَلِهَذَا أسقطنا بِعُذْر الْحيض قَضَاء الصَّلَوَات لِأَنَّهَا تبتلى بِالْحيضِ فِي كل شهر عَادَة وَالصَّلَاة يلْزمهَا فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة خمس مَرَّات فَلَو أَوجَبْنَا الْقَضَاء تضَاعف الْوَاجِب فِي زمَان الطُّهْر وَلَا يسْقط بِالْحيضِ قَضَاء الصَّوْم لِأَن فَرضِيَّة
стр. 651
الصَّوْم فِي السّنة فِي شهر وَاحِد وَأكْثر الْحيض فِي ذَلِك الشَّهْر عشرَة فإيجاب قَضَاء عشرَة أَيَّام فِي أحد عشر شهرا لَا يكون فِيهِ كثير حرج وَلَا يُؤَدِّي إِلَى تضَاعف الْوَاجِب فِي وقته
وَكَذَلِكَ إِذا لَزِمَهَا صَوْم شَهْرَيْن فِي كَفَّارَة الْقَتْل فأفطرت بِعُذْر الْحيض لم يلْزمهَا الِاسْتِقْبَال بِخِلَاف مَا إِذا لَزِمَهَا صَوْم عشرَة أَيَّام متتابعة بِالنذرِ فأفطرت بِعُذْر الْحيض فِي خلالها يلْزمهَا الِاسْتِقْبَال لِأَنَّهَا قَلما تَجِد شَهْرَيْن خاليين عَن الْحيض عَادَة فَفِي التَّحَرُّز عَن الْفطر بِعُذْر الْحيض فِي شَهْرَيْن معنى الْحَرج وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي عشرَة أَيَّام وَلِهَذَا أسقطنا قَضَاء الْعِبَادَات عَن الصَّبِي بعد الْبلُوغ لِأَن الصَّبِي لَا يكون إِلَّا متطاولا عَادَة فَيتَحَقَّق معنى الْحَرج فِي إِيجَاب الْقَضَاء
وَلم يسْقط الْقَضَاء عَن النَّائِم لِأَنَّهُ لَا يكون متطاولا عَادَة فَلَا يلْحقهُ الْحَرج فِي إِيجَاب الْقَضَاء بعد الانتباه وألحقنا الْإِغْمَاء بالجنون فِي حكم الصَّلَاة لِأَن ذَلِك يُوجد عَادَة فِي مِقْدَار مَا يتَكَرَّر بِهِ الْفَائِت من الصَّلَاة وألحقناه بِالنَّوْمِ فِي حكم الصَّوْم لِأَنَّهُ لَا يَتَطَاوَل عَادَة بِقدر مَا يثبت بِهِ حكم تطاول الْجُنُون فِي حكم الصَّوْم وَهُوَ أَن يستوعب الشَّهْر كُله
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي النُّقُود إِنَّهَا تتَعَيَّن فِي عُقُود الْمُعَاوَضَات لِأَنَّهَا تتَعَيَّن فِي التَّبَرُّعَات كَالْهِبَةِ وَالصَّدَََقَة فتتعين فِي الْمُعَاوَضَات بِمَنْزِلَة الْحِنْطَة وَسَائِر السّلع لأَنا نقُول هَذَا التَّعْلِيل فَاسد وضعا فَإِن التَّبَرُّعَات مَشْرُوعَة فِي الأَصْل للإيثار بِالْعينِ لَا لإِيجَاب شَيْء مِنْهَا فِي الذِّمَّة والمعاوضات لإِيجَاب الْبَدَل بهَا فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء أَلا ترى أَن البيع فِي الْعرف الظَّاهِر إِنَّمَا يكون بِثمن يجب فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَالنِّكَاح يكون بِصَدَاق يجب فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء فَكَانَ اعْتِبَار مَا هُوَ مَشْرُوع للإلزام فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء إِنَّمَا هُوَ مَشْرُوع لنقل الْملك وَالْيَد فِي الْعين من شخص إِلَى شخص فِي حكم التَّعْيِين فَاسِدا وضعا أَلا ترى أَن البيع لما كَانَ لنقل الْملك وَالْيَد فِي عين الْمَعْقُود عَلَيْهِ لم يجز أَن يكون مُوجبا الْمَبِيع فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء لَا رخصَة بِسَبَب الْحَاجة إِلَيْهِ فِي السّلم وَذَلِكَ حكم ثَابت بِخِلَاف الْقيَاس
стр. 652
فَفِيمَا يكون البيع مُوجبا لَهُ فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَهُوَ الثّمن لَا يجوز أَن يَجْعَل مُوجبه نقل الْملك وَالْيَد فِيهِ من شخص إِلَى شخص بِالتَّعْيِينِ وَقد عرفنَا أَنه لَا يسْتَحق النَّقْد بِالْعقدِ الَّذِي هُوَ مُعَاوضَة إِلَّا ثمنا وَمَعَ التَّعْيِين لَا يُمكن إِثْبَات مُوجبه فَظهر أَن هَذَا التَّعْيِين لم يُصَادف مَحَله وَأَنه بِمَنْزِلَة هبة المَال دينا فِي ذمَّته من إِنْسَان فَإِنَّهُ لَا يكون صَحِيحا لِأَن مُوجب الْهِبَة نقل الْملك وَالْيَد فِي الْعين فَلَا يجوز أَن يَجْعَل مُوجبه الْإِيجَاب فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء بِالشَّكِّ وَمَا كَانَ تعْيين النَّقْد فِي عقد الْمُعَاوضَة إِلَّا نَظِير الْإِيجَاب فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء بِعقد الْهِبَة فَكَمَا أَن ذَلِك يُنَافِي صِحَة العقد لِأَن مُوجبه نقل الْملك فِي الْعين وَالْيَد فبدون مُوجبه لَا يكون صَحِيحا فَهُنَا لَو تعين بَطل العقد لِأَنَّهُ يَنْعَدِم مَا هُوَ مُوجب هَذَا العقد فِي الثّمن وَهُوَ الالزام فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَفِي الْحِنْطَة كَذَلِك فَإِنَّهُ مَتى كَانَ ثمنا كَانَ وَاجِبا فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء فَأَما بعد التَّعْيِين يصير مَبِيعًا فَيكون مُوجب العقد فِيهِ تَحْويل ملك الْعين وَالْيَد من شخص إِلَى شخص والسلع لَا تكون إِلَّا مبيعة وَلِهَذَا لَا يجوز ترك التَّعْيِين فِيهَا فِي غير مَوضِع الرُّخْصَة وَهُوَ السّلم الَّذِي هُوَ ثَابت بِخِلَاف الْقيَاس لِأَنَّهُ لَو صَحَّ ذَلِك كَانَ ثَابتا بِالْعقدِ فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَهُوَ خلاف مُوجب العقد فِيهَا
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي المُشْتَرِي إِذا أفلس فِي الثّمن قبل النَّقْد إِنَّه يثبت للْبَائِع حق نقض البيع واسترداد سلْعَته لِأَن الثّمن أحد الْعِوَضَيْنِ فِي البيع فالعجز عَن تَسْلِيمه بِحكم العقد يثبت للمتملك حق فسخ العقد دفعا للضَّرَر عَن نَفسه كالعوض الآخر وَهُوَ الْمَبِيع إِذا كَانَ عينا فعجز البَائِع عَن تَسْلِيمه بالإباق أَو كَانَ دينا كالسلم فعجز البَائِع عَن تَسْلِيمه بانقطاعه عَن أَيدي النَّاس
لأَنا نقُول هَذَا التَّعْلِيل فَاسد وضعا فَإِن مُوجب البيع فِي الْمَبِيع اسْتِحْقَاق ملك الْعين وَالْيَد وَلِهَذَا لَا نجوز بيع الْعين قبل وجود الْملك وَالْيَد للْبَائِع فِي الْمَبِيع لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق مِنْهُ اكْتِسَاب سَبَب اسْتِحْقَاق ذَلِك لغيره إِذا لم يكن مُسْتَحقّا لَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَبِيع الدّين يشْتَرط قدرته على التَّسْلِيم باكتسابه حكما بِكَوْنِهِ مَوْجُودا فِي الْعَالم وباشتراط الْأَجَل الَّذِي هُوَ مُؤثر
стр. 653
فِي قدرته على التَّسْلِيم باكتسابه فِي الْمدَّة أَو إِدْرَاك غلاته فَإِنَّهُ مُوجب بِالْعقدِ فِي الثّمن الْتِزَامه فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَالشّرط فِيهِ ذمَّة صَالِحَة للالتزام فِيهَا وَلِهَذَا لَا يشْتَرط قيام ملك المُشْتَرِي فِي الثّمن وَقدرته على تَسْلِيمه عِنْد العقد حَقِيقَة وَحكما
فَتبين بِهَذَا أَن بِسَبَب الْعَجز عَن تَسْلِيم الْمَعْقُود عَلَيْهِ يتَمَكَّن خلل فِيمَا هُوَ مُوجب العقد فِيهِ (وَهُوَ) مُسْتَحقّ بِهِ وبسبب الْعَجز عَن تَسْلِيم الثّمن لَا يتَمَكَّن الْخلَل فِيمَا هُوَ مُوجب العقد فِيهِ وَهُوَ الْتِزَام (الثّمن) فِي الذِّمَّة وَأي فَسَاد أبين من فَسَاد قَول من يَقُول إِذا ثَبت حق الْفَسْخ عِنْد تمكن الْخلَل فِي مُوجب العقد يَنْبَغِي أَن يثبت حق الْفَسْخ بِدُونِ تمكن الْخلَل فِي مُوجب العقد
وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا جَوَاز إِسْقَاط حق قبض الثّمن بِالْإِبْرَاءِ أصلا وَعدم جَوَاز ذَلِك فِي الْمَبِيع الْمعِين قبل الْقَبْض حَتَّى إِنَّه إِذا وهبه من البَائِع وَقَبله كَانَ فسخا للْبيع بَينهمَا
وَلَا يدْخل على مَا ذكرنَا الْكِتَابَة فَإِن عجز الْمكَاتب عَن أَدَاء بدل الْكِتَابَة بعد مَحل الْأَجَل تمكن الْمولى من الْفَسْخ وَالْبدل هُنَاكَ مَعْقُود بِهِ يثبت فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَلَا يتَمَكَّن الْخلَل فِيمَا هُوَ مُوجب العقد فِيهِ بِسَبَب الْعَجز عَن تَسْلِيمه لِأَن مُوجب العقد لُزُوم بدل الْكِتَابَة على أَن يصير ملكا للْمولى بعد حل الْأَجَل بِالْأَدَاءِ فَإِن الْمولى لَا يسْتَوْجب على عَبده دينا وَلِهَذَا لَا تجب الزَّكَاة فِي بدل الْكِتَابَة وَلَا تصح الْكفَالَة بِهِ
فَعرفنَا أَن الْملك هُنَاكَ لَا يسْبق الْأَدَاء فَإِذا عجز عَن الْأَدَاء فقد تمكن الْخلَل فِي الْملك الَّذِي هُوَ مُوجب العقد فِيهِ فَأَما هُنَا مُوجب العقد ملك الثّمن دينا فِي الذِّمَّة ابْتِدَاء وَذَلِكَ قد تمّ بِنَفس العقد وبسبب الإفلاس لَا يتَمَكَّن الْخلَل فِيمَا هُوَ مُوجب العقد وَلِهَذَا لَو مَاتَ مُفلسًا لَا يتَمَكَّن البَائِع من فسخ العقد أَيْضا وَإِن لم تبْق صَلَاحِية الْمحل وَهُوَ الذِّمَّة بعد مَوته مُفلسًا لِأَن بِنَفس العقد قد تمّ مُوجب العقد فِيهِ فَمَا كَانَ فَوَاته بعد ذَلِك إِلَّا بِمَنْزِلَة هَلَاك الْمَبِيع بعد الْقَبْض وَذَلِكَ لَا يُوجب انْفِسَاخ العقد وَلَا يثبت للْمُشْتَرِي بِهِ حق الْفَسْخ فَهَذَا مثله
وَهَذِه الْمسَائِل فقههم فِيهَا بطرِيق إِحَالَة الْعلَّة أظهر وأنور للقلوب وَقد بَينا فَسَاد الْوَضع
стр. 654
فِي عللهم فِيهَا ليتبين لَك أَن أَكثر مَا يعللون بِهِ فِي الْمسَائِل بِهَذَا الطَّرِيق فَاسد إِذا تَأَمَّلت فِيهِ وَأَن أعدل الطّرق فِي تَصْحِيح الْعلَّة مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف من اعْتِبَار التَّأْثِير
فصل المناقضة
قد بَينا تَفْسِير النَّقْض وَحده فِيمَا مضى وَهَذَا الْفَصْل لبَيَان الدّفع بالمناقضة يلجىء أَصْحَاب الطَّرْد إِلَى الِاحْتِجَاج بالتأثير
وَبَيَانه فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْوضُوء أَن التَّيَمُّم وَالْوُضُوء طهارتان كَيفَ يفترقان لِأَن عِنْد إِطْلَاق إِنْكَار التَّفْرِقَة بَينهمَا ينْتَقض بِكُل وَجه يفترقان فِيهِ من اشْتِرَاط أصل الْفِعْل فِي التَّيَمُّم دون الْوضُوء وَمن اشْتِرَاط الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة فِي الْوضُوء دون التَّيَمُّم وَمن صفة كل وَاحِد مِنْهُمَا وَغير ذَلِك مِمَّا يفترقان فِيهِ
فَإِن قَالَ عنيت إِثْبَات التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي اشْتِرَاط النِّيَّة خَاصَّة بِهَذَا الْوَصْف قُلْنَا هُوَ بَاطِل بِغسْل النَّجَاسَة عَن الثَّوْب أَو الْبدن فَإِنَّهُ طَهَارَة ثمَّ لَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة فيضطر عِنْد ذَلِك إِلَى الرُّجُوع إِلَى التَّأْثِير وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَهَارَة حكمِيَّة غير معقولة الْمَعْنى بل ثَابِتَة شرعا بطرِيق التَّعَبُّد إِذْ لَيْسَ على الْأَعْضَاء شَيْء يَزُول بِهَذِهِ الطَّهَارَة وَالْعِبَادَة لَا تتأدى بِدُونِ النِّيَّة بِخِلَاف غسل النَّجَاسَة فَإِنَّهُ مَعْقُول بِمَا فِيهِ من إِزَالَة عين النَّجَاسَة عَن الثَّوْب أَو الْبدن
وَنحن نقُول المَاء بطبعه مطهر كَمَا أَنه بطبعه مزيل فَإِنَّهُ خلق لذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ وَالطهُور الطَّاهِر بِنَفسِهِ المطهر لغيره يعْمل فِي التَّطْهِير من غير النِّيَّة كالنار لما كَانَت محرقة بطبعها تعْمل فِي الإحراق بِغَيْر النِّيَّة ثمَّ الْحَدث لَا يخْتَص بالأعضاء بل يثبت حكمه فِي جَمِيع الْبدن كالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس لِأَنَّهُ لَو اخْتصَّ بِموضع كَانَ أولى الْمَوَاضِع بِهِ مخرج الْحَدث وَلَا يثبت لُزُوم التَّطْهِير فِي ذَلِك الْموضع فَعرفنَا أَنه ثَابت فِي جَمِيع الْبدن إِلَّا أَن الشَّرْع أَقَامَ غسل الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ ظَاهِرَة وَهِي بِمَنْزِلَة الْأُمَّهَات فِي تطهيرها بِالْمَاءِ مقَام جَمِيع الْبدن تيسيرا على الْعباد لِأَن إِقَامَة الْغسْل فِيهَا تيسير على وَجه
стр. 655
لَا يَتَيَسَّر فِي سَائِر أَجزَاء الْبدن وَسبب الْحَدث تعم بِهِ الْبلوى ويعتاد تكراره فِي كل وَقت وَبَقِي حكم تَطْهِير جَمِيع الْبدن بِالْغسْلِ فِي الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس على أصل الْقيَاس فَظهر أَن مَا لَا يعقل فِيهِ الْمَعْنى بل هُوَ ثَابت شرعا إِقَامَة الْمحَال الْمَخْصُوصَة مقَام جَمِيع الْبدن لَا فعل هُوَ اسْتِعْمَال المَاء فِي حُصُول الطَّهَارَة بِهِ وكلامنا فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْفِعْل الَّذِي يحصل بِهِ الطَّهَارَة دون الْمحل وَفِي هَذِه الطَّهَارَة من الْحَدث والجنابة بِمَنْزِلَة غسل النَّجَاسَة
وَكَذَلِكَ الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِنَّهُ قَائِم مقَام فعل الْغسْل الَّذِي هُوَ تَطْهِير فِي ذَلِك الْعُضْو بِمَعْنى التَّيْسِير بِخِلَاف التَّيَمُّم فَإِنَّهُ فِي الأَصْل تلويث وتغبير وَهُوَ ضد التَّطْهِير وَلِهَذَا لَا يرْتَفع بِهِ الْحَدث فَعرفنَا أَنه جعل طَهَارَة لضَرُورَة الْحَاجة إِلَى أَدَاء الصَّلَاة فَإِنَّمَا يكون طَهَارَة بِشَرْط إِرَادَة الصَّلَاة وَهَذَا الشَّرْط لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَا يَقُول إِن فِي الْوضُوء والاغتسال معنى الْعِبَادَة فَشرط الْعِبَادَة النِّيَّة فَهُوَ مُسلم عندنَا وَمَتى لم تُوجد النِّيَّة لَا يكون وضوءه عبَادَة وَلَكِن الطَّهَارَة الَّتِي هِيَ شَرط صِحَة أَدَاء الصَّلَاة مَا يكون مزيلا للْحَدَث لَا مَا يكون عبَادَة وَاسْتِعْمَال المَاء فِي مَحل الطَّهَارَة بِدُونِ النِّيَّة مزيل للْحَدَث فَبِهَذَا التَّقْرِير تبين أَن الْوضُوء نَوْعَانِ نوع هُوَ عبَادَة وَهُوَ لَا يحصل بِدُونِ النِّيَّة وَنَوع هُوَ مزيل للْحَدَث وَهُوَ حَاصِل بِغَيْر النِّيَّة بِمَنْزِلَة الْغسْل الَّذِي هُوَ مزيل للنَّجَاسَة وَهُوَ مُثبت شَرط جَوَاز الصَّلَاة
وَمن ذَلِك قَوْلهم الطَّلَاق لَيْسَ بِمَال فَلَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال كالحدود
فَإِن مُطلق هَذِه الْعبارَة تنْتَقض بالبكارة وَالرّضَاع فَلَا بُد من الرُّجُوع إِلَى التَّأْثِير وَهُوَ أَن شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال لَيْسَ بِحجَّة أَصْلِيَّة وَلكنهَا حجَّة ضَرُورَة يجوز الْعَمَل بهَا شرعا فِيمَا تكْثر بِهِ الْبلوى والمعاملة فِيهِ بَين النَّاس فِي كل وَقت وَذَلِكَ الْأَمْوَال وَمَا يتبع الْأَمْوَال فَفِيمَا لَا يكثر فِيهِ الْبلوى لَا تجْعَل فِيهِ شَهَادَة النِّسَاء
стр. 656
حجَّة وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْوكَالَة وَمَا أشبه ذَلِك لَا يُوجد فِيهَا من عُمُوم الْبلوى مثل مَا يكون فِي الْأَمْوَال
وَنحن نقُول إِنَّهَا حجَّة أَصْلِيَّة بِمَنْزِلَة شَهَادَة الرِّجَال وَلَكِن فِيهَا ضرب شُبْهَة بِاعْتِبَار نُقْصَان عقل النِّسَاء لتوهم الضلال وَالنِّسْيَان لِكَثْرَة غفلتهن وَلِهَذَا ضمت إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى ليكونا كَرجل وَاحِد فِي الشَّهَادَة فَإِنَّمَا لَا يثبت بِهَذِهِ الشَّهَادَة مَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ كالحدود فَأَما النِّكَاح يثبت مَعَ الشُّبُهَات أَلا ترى أَنه أسْرع ثبوتا من المَال حَتَّى يَصح من الهازل وَالْمكْره والمخطىء عندنَا وَكَذَلِكَ الطَّلَاق وَالْوكَالَة فَإِنَّهَا تثبت مَعَ الْجَهَالَة فتحتمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَكَانَت أقرب إِلَى الثُّبُوت مَعَ الشُّبْهَة من الْأَمْوَال بِخِلَاف الْحُدُود
وَمن ذَلِك قَوْلهم الْغَصْب عدوان مَحْض فَلَا يكون سَببا للْملك فِي الْعين كَالْقَتْلِ لِأَن هَذَا ينْتَقض باستيلاد الْأَب جَارِيَة ابْنه واستيلاد أحد الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة فَإِنَّهُ عدوان من حَيْثُ إِنَّه حرَام ثمَّ كَانَ سَببا للْملك فيضطر الْمُعَلل عِنْد إِيرَاد هَذَا النَّقْض إِلَى الرُّجُوع إِلَى التَّأْثِير وَهُوَ أَن الْفِعْل إِنَّمَا يتمخض عُدْوانًا إِذا خلا عَن نوع شُبْهَة واستيلاد أحد الشَّرِيكَيْنِ لم يخل عَن ذَلِك فَإِنَّهُ بِاعْتِبَار جَانب ملكه يتَمَكَّن شُبْهَة فِي هَذَا الْفِعْل وَكَذَلِكَ مَا للْأَب من الْحق فِي مَال وَلَده يُمكن شُبْهَة
فَنَقُول عِنْد ذَلِك الْغَصْب الَّذِي هُوَ عدوان مَحْض لَا يكون سَببا لملك الْعين عندنَا وَلَكِن ثُبُوت الْملك فِي بدل الْعين وَهُوَ حكم مَشْرُوع غير مَوْصُوف بِأَنَّهُ عدوان هُوَ الَّذِي ثَبت بِهِ الْملك فِي الْعين شرطا لَهُ على مَا قَررنَا
وَمن ذَلِك قَوْله فِي الْمَنَافِع إِن الْمُتْلف مَال فَيكون مَضْمُونا على الْمُتْلف ضمانا يسْتَوْفى كَالْعَيْنِ لِأَن ظَاهر هَذَا ينْتَقض بِمَا إِذا كَانَ الْمُتْلف مُعسرا لَا يجد شَيْئا
فَإِن قَالَ هُنَاكَ الضَّمَان وَاجِب عِنْدِي وَلَكِن يتَأَخَّر الِاسْتِيفَاء لعجز من عَلَيْهِ عَن الْمثل الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ الضَّمَان
قُلْنَا هَكَذَا نقُول فِي الْفَرْع فَإِن عندنَا يتَأَخَّر اسْتِيفَاء الضَّمَان إِلَى الْآخِرَة للعجز عَن الْمثل الَّذِي يُوفي بِهِ هَذَا
стр. 657
الضَّمَان فَإِن ضَمَان الْعدوان يتَقَدَّر بِالْمثلِ بِالنَّصِّ وَلَيْسَ للمنفعة مثل فِي صفة الْمَالِيَّة يُمكن استيفاؤها فِي الدُّنْيَا وَعند ذَلِك يتَبَيَّن فقه الْمَسْأَلَة أَن الْمَانِع من إِلْزَام الضَّمَان عندنَا انعدام الْمُمَاثلَة لظُهُور التَّفَاوُت بَين الْمَنَافِع والأعيان فِي صفة الْمَالِيَّة وَقد تقدم بَيَان ذَلِك فيقرر بِمَا ذكرنَا أَن الِاعْتِمَاد على الاطراد من غير طلب التَّأْثِير ضَعِيف فِي بَاب الِاحْتِجَاج وَأَنه بِمَنْزِلَة الِاحْتِجَاج بِلَا دَلِيل على مَا أوضحنا فِيهِ السَّبِيل
فصل فِي بَيَان الِانْتِقَال
قَالَ ﵁ الِانْتِقَال على أَرْبَعَة أوجه انْتِقَال من عِلّة إِلَى عِلّة أُخْرَى لإِثْبَات الأولى بهَا وانتقال من حكم إِلَى حكم لإثباته بِالْعِلَّةِ الأولى وانتقال من حكم إِلَى حكم (آخر) لإثباته بعلة أُخْرَى
وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة مُسْتَقِيمَة على طَرِيق النّظر لَا تعد من الِانْقِطَاع
أما الأول فَلِأَن الْمُعَلل إِنَّمَا الْتزم إِثْبَات الحكم بِمَا ذكره من الْعلَّة ويمكنه من ذَلِك بِإِثْبَات الْعلَّة فَمَا دَامَ سَعْيه فِيمَا يرجع إِلَى إِثْبَات تِلْكَ الْعلَّة يكون ذَلِك وَفَاء مِنْهُ بِمَا الْتزم لَا أَن يكون إعْرَاضًا عَن ذَلِك واشتغالا بِشَيْء آخر
وَبَيَان هَذَا فِيمَا إِذا عللنا فِي نفي الضَّمَان عَن الصَّبِي الْمُسْتَهْلك للوديعة بِأَنَّهُ اسْتِهْلَاك عَن تسليط صَحِيح ثمَّ نشتغل بِإِثْبَات هَذِه الْعلَّة فَإِنَّهُ يكون هَذَا انتقالا من عِلّة إِلَى أُخْرَى لإِثْبَات الْعلَّة الأولى بهَا وَلَا يشك أحد فِي أَن ذَلِك مُسْتَقِيم على طَرِيق النّظر وعَلى هَذَا إِذا اشْتغل بِإِثْبَات الأَصْل الَّذِي يتَفَرَّع مِنْهُ مَوضِع الْخلاف حَتَّى يرْتَفع الْخلاف بِإِثْبَات الأَصْل فَإِن ذَلِك حسن صَحِيح نَحْو مَا إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْجَهْر بِالتَّسْمِيَةِ فَإِذا قَالَ الْمُعَلل هَذَا يبتنى على أصل وَهُوَ أَن التَّسْمِيَة لَيست بِآيَة من الْفَاتِحَة ثمَّ يشْتَغل بِإِثْبَات ذَلِك الأَصْل حَتَّى يثبت الْفَرْع بِثُبُوت الأَصْل يكون مُسْتَقِيمًا
وَكَذَلِكَ إِذا علل بِقِيَاس فَقَالَ خَصمه الْقيَاس عِنْدِي لَيْسَ بِحجَّة فاشتغل بِإِثْبَات كَونه حجَّة بقول صَحَابِيّ فَيَقُول خَصمه قَول الْوَاحِد
стр. 658
من الصَّحَابَة عِنْدِي لَيْسَ بِحجَّة فاشتغل بِإِثْبَات كَونه حجَّة بِخَبَر الْوَاحِد فَيَقُول خَصمه خبر الْوَاحِد عِنْدِي لَيْسَ بِحجَّة فيحتج بِكِتَاب على أَن خبر الْوَاحِد حجَّة فَإِنَّهُ يكون طَرِيقا مُسْتَقِيمًا وَيكون هَذَا كُله سعيا فِي إِثْبَات مَا رام إثْبَاته فِي الِابْتِدَاء
وَأما الثَّانِي فَلِأَن الِانْتِقَال من حكم إِلَى حكم إِنَّمَا يكون عِنْد مُوَافقَة الْخصم فِي الحكم الأول وَمَا كَانَ مَقْصُود الْمُعَلل إِلَّا طلب الْمُوَافقَة فِي ذَلِك الحكم فَإِذا وَافقه خَصمه فِيهِ فقد تمّ مَقْصُوده ثمَّ الِانْتِقَال بعده إِلَى حكم آخر ليثبته بِالْعِلَّةِ الأولى يدل على قُوَّة تِلْكَ الْعلَّة فِي إجرائها فِي المعلولات وعَلى حذاقة الْمُعَلل فِي إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ وَذَلِكَ نَحْو مَا إِذا عللنا فِي تَحْرِير الْمكَاتب عَن كَفَّارَة الْيَمين لِأَن الْكِتَابَة عقد مُعَاوضَة يحْتَمل الْفَسْخ فَلَا تخرج الرَّقَبَة من أَن تكون محلا للصرف إِلَى الْكَفَّارَة كَالْبيع فَإِذا قَالَ الْخصم عِنْدِي عقد الْكِتَابَة لَا يخرج الرَّقَبَة من الصلاحية لذَلِك وَلَكِن نُقْصَان الرّقّ هُوَ الَّذِي يخرج الرَّقَبَة من ذَلِك فَنَقُول بِهَذِهِ الْعلَّة يجب أَن لَا يتَمَكَّن نُقْصَان فِي الرّقّ لِأَن مَا يُمكن نُقْصَانا فِي الرّقّ لَا يكون فِيهِ احْتِمَال الْفَسْخ فَهَذَا إِثْبَات الحكم الثَّانِي بِالْعِلَّةِ الأولى أَيْضا وَهُوَ نِهَايَة فِي الحذاقة
وَكَذَلِكَ إِن تعذر إِثْبَات الحكم الثَّانِي بِالْعِلَّةِ الأولى فَأَرَادَ إثْبَاته بِالْعِلَّةِ بعلة أُخْرَى لِأَنَّهُ مَا ضمن بتعليله إِثْبَات جَمِيع الْأَحْكَام بِالْعِلَّةِ الأولى وَإِنَّمَا ضمن إِثْبَات الحكم الَّذِي زعم أَن خَصمه ينازعه فِيهِ فَإِذا أظهر الْخصم الْمُوَافقَة فِيهِ وَاحْتَاجَ إِلَى إِثْبَات حكم آخر يكون لَهُ أَن يثبت ذَلِك بعلة أُخْرَى وَلَا يكون هَذَا انْقِطَاعًا مِنْهُ
فَأَما الْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ الِانْتِقَال من عِلّة إِلَى عِلّة أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول فَمن أهل النّظر من صحّح ذَلِك أَيْضا وَلم يَجعله انْقِطَاعًا اسْتِدْلَالا بِقصَّة الْخَلِيل ﵇ حِين حَاج اللعين بقوله تَعَالَى ﴿رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت﴾ فَلَمَّا قَالَ اللعين ﴿أَنا أحيي وأميت﴾ حاجه بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ وَكَانَ ذَلِك (مِنْهُ)
стр. 659
انتقالا من حجَّة إِلَى حجَّة لإِثْبَات شَيْء وَاحِد وَقد ذكر الله تَعَالَى ذَلِك عَنهُ على وَجه الْمَدْح لَهُ بِهِ فَعرفنَا أَنه مُسْتَقِيم
وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي إِذا أَقَامَ شَاهِدين فعورض بِجرح فيهمَا كَانَ لَهُ أَن يُقيم شَاهِدين آخَرين لإِثْبَات حَقه
وَالْمذهب الصَّحِيح عِنْد عَامَّة الْفُقَهَاء أَن هَذَا النَّوْع من الِانْقِطَاع لِأَنَّهُ رام إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ الأولى فانتقاله عَنْهَا إِلَى عِلّة أُخْرَى قبل أَن يثبت الحكم بِالْعِلَّةِ الأولى لَا يكون إِلَّا لعجز عَن إثْبَاته بِالْعِلَّةِ الأولى وَهَذَا انْقِطَاع على مَا نبينه فِي فَصله
ثمَّ مجَالِس النّظر للإبانة فَلَو جَوَّزنَا الِانْتِقَال فِيهَا من عِلّة إِلَى عِلّة أدّى ذَلِك إِلَى أَن يَتَطَاوَل الْمجْلس وَلَا يحصل مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْإِبَانَة وَكَانَ هَذَا نَظِير نقض يتَوَجَّه على الْعلَّة فَإِنَّهُ لَا يشْتَغل بالاحتراز عَنهُ وَلَكِن إِذا تعذر دَفعه بِمَا ذكره الْمُعَلل فِي الِابْتِدَاء يظْهر بِهِ انْقِطَاعه فِي ذَلِك الْمجْلس فَهَذَا مثله
فَأَما قصَّة الْخَلِيل ﵊ فَهُوَ مَا انْتقل قبل ظُهُور الْحجَّة الأولى لَهُ وَلَكِن الأولى كَانَت حجَّة ظَاهِرَة لم يطعن خَصمه فِيهَا إِنَّمَا ادّعى دَعْوَى مُبتَدأَة بقوله ﴿أَنا أحيي وأميت﴾ وكل مَا صنعه مَعْلُوم الْفساد عِنْد المتأملين إِلَّا أَنه كَانَ فِي الْقَوْم من يتبع الظَّاهِر وَلَا يتَأَمَّل فِي حَقِيقَة الْمَعْنى فخاف الْخَلِيل ﵊ الِاشْتِبَاه على أمثالهم فضم إِلَى الْحجَّة الأولى حجَّة ظَاهِرَة لَا يكَاد يَقع فِيهَا الِاشْتِبَاه فبهت الَّذِي كفر
وَهَذَا مستحسن فِي طَرِيق النّظر لَا يشك فِيهِ فَإِن الْمُعَلل إِذا أثبت علته يَقُول وَالَّذِي يُوضح مَا ذكرت
فَيَأْتِي بِكَلَام آخر هُوَ أوضح من الأول فِي إِثْبَات مَا رام إثْبَاته وَهَذَا لِأَن حجج الشَّرْع أنوار فضم حجَّة إِلَى حجَّة كضم سراج إِلَى سراج وَذَلِكَ لَا يكون دَلِيلا على ضعف أَحدهمَا أَو بطلَان أَثَره فَكَذَلِك ضم حجَّة إِلَى حجَّة وَإِنَّمَا جعلنَا هَذَا انْقِطَاعًا فِي مَوضِع يكون الِانْتِقَال للعجز عَن إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ الأولى
ثمَّ كل هَذِه التَّصَرُّفَات للمجيب لَا للسَّائِل فَإِن الْمُجيب بَان والسائل هَادِم مَانع وَالْحَاجة إِلَى هَذِه الِانْتِقَالَات للباني الْمُثبت لَا للمانع الدَّافِع
على مَا أخبر الله بِهِ عَن اللعين عِنْد إِظْهَار الْخَلِيل ﷺ حجَّته بقوله ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾
стр. 660
فصل بَيَان الِانْقِطَاع
ووجوه الِانْقِطَاع أَرْبَعَة أَحدهَا وَهُوَ أظهرها السُّكُوت
وَالثَّانِي جحد مَا يعلم ضَرُورَة بطرِيق الْمُشَاهدَة لِأَن سعي الْمُعَلل ليجعل الْغَائِب كالشاهد وَالْعلم بالمشاهدات يثبت ضَرُورَة فَإِذا اشْتغل الْخصم بجحد مثله علم أَنه مَا حمله على ذَلِك إِلَّا عَجزه عَن دفع عِلّة الْمُعَلل فَكَانَ انْقِطَاعًا
وَالثَّالِث الْمَنْع بعد التَّسْلِيم فَإِنَّهُ يعلم أَنه لَا شَيْء يحملهُ على الْمَنْع بعد التَّسْلِيم إِلَّا عَجزه عَن الدّفع لما اسْتدلَّ بِهِ خَصمه
وَلَا يُقَال يحْتَمل أَن يكون تَسْلِيمه عَن سَهْو أَو غَفلَة لِأَن عِنْد ذَلِك يبين وَجه الدّفع بطرِيق التَّسْلِيم ثمَّ يبْنى عَلَيْهِ اسْتِدْرَاك مَا سَهَا فِيهِ فَأَما أَن يرجع عَن التَّسْلِيم إِلَى الْمَنْع من غير بَيَان الدّفع بطرِيق التَّسْلِيم فَذَلِك لَا يكون إِلَّا للعجز
وَالرَّابِع عجز الْمُعَلل عَن تَصْحِيح الْعلَّة الَّتِي قصد إِثْبَات الحكم بهَا حَتَّى انْتقل مِنْهَا إِلَى عِلّة أُخْرَى لإِثْبَات الحكم فَإِن ذَلِك انْقِطَاع لِأَن حكم الِانْقِطَاع مقتضب من لَفظه وَهُوَ قُصُور الْمَرْء عَن بُلُوغ مغزاه وعجزه عَن إِظْهَار مُرَاده ومبتغاه
وَهَذَا الْعَجز نَظِير الْعَجز ابْتِدَاء عَن إِقَامَة الْحجَّة على الحكم الَّذِي ادَّعَاهُ وَالله أعلم
ﷺ َ - بَاب أَقسَام الْأَحْكَام وأسبابها وعللها وشروطها وعلاماتها ﷺ َ - اعْلَم أَن جملَة مَا ثَبت بالحجج الشَّرْعِيَّة الْمُوجبَة للْعلم بِمَا تقدم ذكرهَا قِسْمَانِ الْأَحْكَام الْمَشْرُوعَة وَمَا يتَعَلَّق بهَا المشروعات
فنبدأ بِبَيَان قسم الْأَحْكَام فَنَقُول هَذِه الْأَحْكَام أَرْبَعَة حُقُوق الله خَالِصا وَحُقُوق الْعباد خَالِصا أَيْضا وَمَا يشْتَمل على الْحَقَّيْنِ وَحقّ الله فِيهِ أغلب وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِمَا وَحقّ الْعباد فِيهِ أغلب
стр. 661
فَأَما حُقُوق الله خَالِصَة فَهِيَ أَنْوَاع ثَمَانِيَة عبادات مَحْضَة وعقوبات مَحْضَة وعقوبة قَاصِرَة ودائرة بَين الْعِبَادَة والعقوبة وَعبادَة فِيهَا معنى المئونة ومئونة فِيهَا معنى الْعِبَادَة ومئونة فِيهَا معنى الْعقُوبَة وَمَا يكون قَائِما بِنَفسِهِ وَهِي على ثَلَاثَة أوجه مَا يكون مِنْهُ أصلا وَمَا يكون زَائِدا على الأَصْل وَمَا يكون مُلْحقًا بِهِ
فَأَما الْعِبَادَات الْمَحْضَة فرأسها الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وَالْأَصْل فِيهِ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يسْقط بِعُذْر مَا من إِكْرَاه أَو غَيره وتبديله بِغَيْرِهِ يُوجب الْكفْر على كل حَال وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ ركن فِيهِ مَعَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ فِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيعًا وَقد يصير الْإِقْرَار أصلا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا بِمَنْزِلَة التَّصْدِيق حَتَّى إِذا أكره على الْإِسْلَام فَأسلم بِاللِّسَانِ فَهُوَ مُسلم فِي أَحْكَام الدُّنْيَا لوُجُود ركن الْإِقْرَار وَقيام السَّيْف على رَأسه دَلِيل على أَنه غير مُصدق بِالْقَلْبِ وَلِهَذَا لَا يحكم بِالرّدَّةِ إِذا أكره الْمَرْء عَلَيْهَا لِأَن التَّكَلُّم بِاللِّسَانِ هُنَاكَ دَلِيل مَحْض على مَا فِي الضَّمِير من غير أَن يَجْعَل أصلا بِنَفسِهِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَإِن كَانَ دَلِيلا على التَّصْدِيق فَعِنْدَ الْإِكْرَاه يَجْعَل أصلا بِنَفسِهِ يثبت بِهِ الْإِيمَان فِي أَحْكَام الدُّنْيَا بِمَنْزِلَة التَّصْدِيق وَيَسْتَوِي إِن أكره الْحَرْبِيّ على ذَلِك أَو الذِّمِّيّ عندنَا لهَذَا الْمَعْنى
وَعند الشَّافِعِي مَتى كَانَ الْإِكْرَاه بِحَق بِأَن كَانَ الْمُكْره حَرْبِيّا لَا أَمَان لَهُ كَذَلِك الْجَواب وَمَتى كَانَ بِغَيْر حق بِأَن أكره الذِّمِّيّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصير مُسلما بِهِ
ثمَّ الصَّلَاة بعد الْإِيمَان من أقوى الْأَركان فَإِنَّهَا عماد الدّين مَا خلت عَنْهَا شَرِيعَة الْمُرْسلين
وَهِي تَشْمَل الْخدمَة بِظَاهِر الْبدن وباطنه وَلكنهَا صَارَت قربَة بِوَاسِطَة الْبَيْت الَّذِي عظمه الله وأمرنا بتعظيمه لِإِضَافَتِهِ إِلَى نَفسه فَقَالَ ﴿أَن طهرا بَيْتِي للطائفين﴾ الْآيَة حَتَّى لَا تتأدى هَذِه الْقرْبَة إِلَّا باستقبال الْقبْلَة فِي حَالَة الْإِمْكَان وَفِي ذَلِك من معنى التَّعْظِيم مَا أَشَارَ الله تَعَالَى إِلَيْهِ فِي قَوْله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ ليعلم بِهِ أَن الْمَطْلُوب وَجه الله
стр. 662
وَوجه الله لَا جِهَة لَهُ فَجعل الشَّرْع اسْتِقْبَال جِهَة الْكَعْبَة قَائِما مقَام مَا هُوَ الْمَطْلُوب لأَدَاء هَذِه الْقرْبَة
وأصل الْإِيمَان فِيهِ تقرب إِلَى الله تَعَالَى بِلَا وَاسِطَة وَفِي الصَّلَاة تقرب بِوَاسِطَة الْبَيْت فَكَانَت من شرائع الْإِيمَان لَا من نفس الْإِيمَان
ثمَّ الزَّكَاة الَّتِي تُؤدِّي بِأحد نَوْعي النِّعْمَة وَهُوَ المَال فالنعم الدُّنْيَوِيَّة نعمتان نعْمَة الْبدن ونعمة المَال والعبادات مَشْرُوعَة لإِظْهَار شكر النِّعْمَة بهَا فِي الدُّنْيَا ونيل الثَّوَاب فِي الْآخِرَة فَكَمَا أَن شكر نعْمَة الْبدن بِعبَادة تُؤدِّي بِجَمِيعِ الْبدن وَهِي الصَّلَاة فَشكر نعْمَة المَال بِعبَادة مُؤَدَّاة بِجِنْس تِلْكَ النِّعْمَة وَإِنَّمَا صَار الْأَدَاء قربَة بِوَاسِطَة المصروف إِلَيْهِ وَهُوَ الْمُحْتَاج على معنى أَن الْمُؤَدِّي يَجْعَل ذَلِك المَال خَالِصا لله تَعَالَى فِي ضمن صرفه إِلَى الْمُحْتَاج ليَكُون كِفَايَة لَهُ من الله تَعَالَى لهَذَا كَانَ دون الصَّلَاة بِدَرَجَة فَإِنَّهَا قربَة بِوَاسِطَة الْبَيْت الَّذِي لَيْسَ من أهل الِاسْتِحْقَاق بِذَاتِهِ وَهَذَا قربَة بِوَاسِطَة الْفَقِير الَّذِي هُوَ من أهل أَن يكون مُسْتَحقّا بِنَفسِهِ لِحَاجَتِهِ
ثمَّ الصَّوْم الَّذِي هُوَ من جنس الْمَشْرُوع شكرا لنعمة الْبدن وَلكنه دون الصَّلَاة من حَيْثُ إِنَّه لَا يشْتَمل على أَعمال مُتَفَرِّقَة على أَعْضَاء الْبدن بل يتَأَدَّى بِرُكْن وَاحِد وَهُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشهوتين شَهْوَة الْبَطن وشهوة الْفرج فَإِنَّمَا صَارَت قربَة بِوَاسِطَة النَّفس المحتاجة إِلَى نيل اللَّذَّات والشهوات فَهِيَ أَمارَة بالسوء كَمَا وصفهَا الله تَعَالَى بِهِ فَفِي قهرها بالكف عَن اقْتِضَاء شهواتها لابتغاء مرضاة الله تَعَالَى معنى الْقرْبَة وبالتأمل فِي هَذِه الْوَسِيلَة يتَبَيَّن أَنه دون مَا سبق
ثمَّ الْحَج الَّذِي هُوَ زِيَارَة الْبَيْت الْمُعظم وَعبادَة بطرِيق الْهِجْرَة يشْتَمل على أَرْكَان تخْتَص بأوقات وأمكنة وفيهَا معنى الْقرْبَة بِاعْتِبَار معنى التَّعْظِيم لتِلْك الْأَوْقَات والأمكنة
فَأَما الْعمرَة فَإِنَّهَا سنة قَوِيَّة بِاعْتِبَار أَن أَرْكَانهَا من جنس أَرْكَان الْحَج وَمَا بَينا من الْوَسِيلَة لَا يُوجب عددا من الْقرْبَة وَلِهَذَا لَا تَتَكَرَّر فَرضِيَّة
стр. 663
الْحَج فِي الْعُمر فَعرفنَا أَن الْعمرَة زِيَارَة وَهِي سنة قَوِيَّة فعلهَا رَسُول الله ﵇ وَأمر بهَا
وَالْجهَاد قربَة بِاعْتِبَار إعلاء كلمة الله وإعزاز الدّين وَلما فِيهِ من توهين الْمُشْركين وَدفع شرهم عَن الْمُسلمين وَلِهَذَا سَمَّاهُ رَسُول الله ﵇ سَنَام الدّين
وَكَانَ أَصله فرضا لِأَن إعزاز الدّين فرض وَلكنه فرض كِفَايَة لِأَن الْمَقْصُود وَهُوَ كسر شَوْكَة الْمُشْركين وَدفع شرهم وفتنتهم يحصل بِبَعْض الْمُسلمين فَإِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ
وَالِاعْتِكَاف قربَة زَائِدَة لما فِيهَا من تَعْظِيم الْمَكَان الْمُعظم بالْمقَام فِيهِ وَهُوَ الْمَسْجِد وَلما فِي شَرطهَا من منع النَّفس عَن اقْتِضَاء الشَّهَوَات يَعْنِي الصَّوْم
وَالْمَقْصُود بهَا تَكْثِير الصَّلَاة إِمَّا حَقِيقَة أَو حكما بانتظار الصَّلَاة فِي مَكَانهَا على صفة الاستعداد لَهَا بِالطَّهَارَةِ
وَأما صَدَقَة الْفطر فَهِيَ عبَادَة فِيهَا معنى المئونة وَلِهَذَا لَا تتأدى بِدُونِ نِيَّة الْعِبَادَة بِحَال وَلَا تجب إِلَّا على الْمَالِك لما يُؤَدِّي بِهِ حَقِيقَة بِمَنْزِلَة الزَّكَاة وَلَكِن لَا يشْتَرط لوُجُوبهَا صفة كَمَال الْملك وَالْولَايَة حَتَّى تجب على الصَّبِي فِي مَاله بِخِلَاف الزَّكَاة وَتجب على الْغَيْر بِسَبَب الْغَيْر فَعرفنَا أَن فِيهَا معنى المئونة كَالنَّفَقَةِ
وَأما الْعشْر فَهُوَ مئونة فِيهِ معنى الْعِبَادَة
وَالْخَرَاج مئونة فِيهِ معنى الْعقُوبَة من حَيْثُ إِن وجوب كل وَاحِد مِنْهُمَا بِاعْتِبَار حفظ الْأَرَاضِي وإنزالها إِلَّا أَن فِي الْخراج معنى الذل على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ حِين رأى آلَة الزِّرَاعَة فِي دَار قوم فَقَالَ مَا دخل هَذَا فِي دَار قوم إِلَّا ذلوا وَكَأن ذَلِك لما فِي الِاشْتِغَال بالزراعة من الْإِعْرَاض عَن الْجِهَاد وَإِنَّمَا يلْتَزم الْخراج من يشْتَغل بِعَمَل الزِّرَاعَة وَلِهَذَا لَا يبتدأ الْمُسلم بالخراج فِي أرضه وَيبقى عَلَيْهِ الْخراج بعد إِسْلَامه لِأَنَّهُ يتَرَدَّد بَين المئونة والعقوبة فَلَا يُمكن إِيجَابه على الْمُسلم ابْتِدَاء لِمَعْنى المئونة لمعارضة معنى الْعقُوبَة إِيَّاه وَلَا يُمكن إِسْقَاطه
стр. 664
بعد الْوُجُوب إِذا أسلم بِاعْتِبَار معنى الْعقُوبَة لمعارضة معنى المئونة إِيَّاه
وَأما الْعشْر فَفِيهِ معنى الْعِبَادَة على معنى أَنه مَصْرُوف إِلَى الْفَقِير كَالزَّكَاةِ وَقد بَينا أَن بِوَاسِطَة هَذَا المصروف يثبت فِيهِ معنى الْقرْبَة وَإِن كَانَ وُجُوبه بِاعْتِبَار مئونة الأَرْض وَلِهَذَا يجب فِي الْأَرَاضِي النامية من غير اشْتِرَاط الْمَالِك لَهَا نَحْو الْأَرَاضِي الْمَوْقُوفَة وَأَرْض الْمكَاتب وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ إِذا تحولت الأَرْض العشرية إِلَى ملك الذِّمِّيّ تصير خَرَاجِيَّة لِأَن فِيهَا معنى الْعِبَادَة وَالْكَافِر لَيْسَ من أهل الْعِبَادَة أصلا وكل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِب بطرِيق المئونة فَعِنْدَ تعذر أَحدهمَا يتَعَيَّن الآخر وَالْخَرَاج يبْقى وَظِيفَة الأَرْض بعد انْتِقَال الْملك فِيهَا إِلَى الْمُسلم لِأَن الْمُسلم من أهل أَن توجب عَلَيْهِ المئونة الَّتِي فِيهَا معنى الْعقُوبَة فَإِنَّهُ بعد الْإِسْلَام أهل لإلزام الْعقُوبَة عِنْد تقرر سَببهَا مِنْهُ وَالْكَافِر لَيْسَ بِأَهْل الْعِبَادَة أصلا فالأهلية لِلْعِبَادَةِ تبتنى على الْأَهْلِيَّة لثوابها
وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ يتضاعف الْعشْر على الْكَافِر اعْتِبَارا بالصدقات المضاعفة فِي حق بني تغلب
وأبى هَذَا أَبُو حنيفَة ﵀ لِأَن التَّضْعِيف حكم ثَابت بِخِلَاف الْقيَاس بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فِي قوم بأعيانهم وَغَيرهم من الْكفَّار لَيْسُوا بمنزلتهم فَأُولَئِك لَا تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة وَغَيرهم من الْكفَّار تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة
وَمُحَمّد ﵀ يَقُول تبقى عشرِيَّة كَمَا كَانَت لِأَن الْبَقَاء بِاعْتِبَار معنى المئونة كالخراج فِي حق الْمُسلم
ثمَّ عَنهُ رِوَايَتَانِ فِي مصرف هَذَا الْعشْر فِي إِحْدَاهمَا يصرف إِلَى الْمُقَاتلَة كالخراج لاعْتِبَار معنى المئونة الْخَالِصَة (وَفِي الْأُخْرَى تكون مصروفة إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين لِأَنَّهَا لما بقيت بِاعْتِبَار معنى المئونة تبقى) على مَا كَانَت مصروفة إِلَى من كَانَت مصروفة إِلَيْهِ قبل هَذَا كالخراج فِي حق الْمُسلم
وَأما الْحق الْقَائِم بِنَفسِهِ فنحو خمس الْغَنَائِم والمعادن والركاز فَإِنَّهُ لَا يكون وَاجِبا ابْتِدَاء على أحد وَلَكِن بِاعْتِبَار الأَصْل الْغَنِيمَة كلهَا لله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل الْأَنْفَال لله﴾ وَهَذَا لِأَنَّهَا أُصِيبَت لإعلاء كلمة الله تَعَالَى إِلَّا أَن الله تَعَالَى جعل أَرْبَعَة أخماسها للغانمين على سَبِيل الْمِنَّة عَلَيْهِم فَبَقيَ الْخمس لَهُ كَمَا
стр. 665
كَانَ فِي الأَصْل مصروفا إِلَى من أَمر بِالصرْفِ إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ خمس الْمَعَادِن فَإِن الْمَوْجُود مَا كَانَ لأحد فِيهِ حق فَجعل الشَّرْع أَرْبَعَة أخماسه للواجد وَبَقِي الْخمس لله مصروفا إِلَى من أَمر بِالصرْفِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا جَازَ وضع خمس الْغَنِيمَة فِيمَن هُوَ من جملَة الْغَانِمين عِنْد حَاجتهم وَفِي آبَائِهِم وَأَوْلَادهمْ وَجَاز وضع خمس الْمَعْدن فِي الْوَاجِد عِنْد الْحَاجة فَعرفنَا أَنه لَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ بل هُوَ حق الله تَعَالَى قَائِم كَمَا كَانَ وَلِهَذَا جَازَ صرفه إِلَى بني هَاشم لِأَن بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى لَا يتَمَكَّن فِيهِ معنى الأوساخ بِخِلَاف الصَّدقَات وَأمر الله بِصَرْف الْبَعْض مِنْهُ إِلَى ذَوي الْقُرْبَى وَكَانَ ذَلِك عندنَا بِاعْتِبَار النُّصْرَة الْمَخْصُوصَة الَّتِي تحققت مِنْهُم بالانضمام إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي حَال مَا هجره النَّاس وَدخُول الشّعب مَعَه لمؤانسته وَالْقِيَام بنصرته فَإِن ذَلِك كَانَ فعلا من جنس الْقرْبَة فَيجوز أَن يتَعَلَّق بِهِ اسْتِحْقَاق مَا هُوَ صلَة ومنة من الله تَعَالَى كاستحقاق أَرْبَعَة الْأَخْمَاس فَأَما الْقَرَابَة خلقَة لَا تسْتَحقّ بذاتها مَال الله تَعَالَى ثمَّ صِيَانة قرَابَة رَسُول الله ﷺ عَن اسْتِحْقَاق عوض مَالِي بمقابلتها أولى من إِثْبَات الِاسْتِحْقَاق بِسَبَب الْقَرَابَة
وَلَا يجوز جعل الْقَرَابَة قرينَة للنصرة أَو النُّصْرَة قرينَة لِلْقَرَابَةِ لما بَينا أَن التَّرْجِيح إِنَّمَا يكون بِمَا لَا يصلح عِلّة بانفرادها للاستحقاق دون مَا يصلح لذَلِك
وعَلى هَذَا الأَصْل اسْتِحْقَاق الْمُصَاب من الْغَنِيمَة وَتَمَامه يكون بالإحراز بِالدَّار بعد الْأَخْذ
والمسائل على هَذَا الأَصْل يكثر تعدادها إِذا تَأَمَّلت وَذَلِكَ مَعْلُوم فِيمَا أملينا من فروع الْفِقْه
فَأَما الْعُقُوبَات الْمَحْضَة فَهِيَ الْحُدُود الَّتِي شرعت زواجر عَن ارْتِكَاب أَسبَابهَا المحصورة حَقًا لله تَعَالَى خَالِصا نَحْو حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر
أما الْعقُوبَة القاصرة فنحو حرمَان الْمِيرَاث بِسَبَب مُبَاشرَة الْقَتْل الْمَحْظُور فَإِنَّهَا عُقُوبَة وَلكنهَا قَاصِرَة حَتَّى تثبت فِي حق الخاطىء والنائم إِذا انْقَلب
стр. 666
على مُوَرِثه وَلَا تثبت فِي حق الصَّبِي وَالْمَجْنُون عندنَا أصلا لِأَنَّهَا عُقُوبَة والأهلية للعقوبة لَا تسبق الْخطاب بِخِلَاف الخاطىء إِذا كَانَ بَالغا عَاقِلا فالبالغ الْعَاقِل مُخَاطب وَلكنه بِسَبَب الْخَطَأ يعْذر مَعَ نوع تَقْصِير مِنْهُ فِي التَّحَرُّز وَالصَّبِيّ لَا يُوصف بالتقصير الْكَامِل والناقص فَلَا يثبت فِي حَقه مَا يكون عُقُوبَة قَاصِرَة كَانَت أَو كَامِلَة وَلِهَذَا لَا تثبت فِي حق الْقَائِد والسائق وَالشَّاهِد إِذا رَجَعَ عَن شَهَادَته وحافر الْبِئْر وَوَاضِع الْحجر لِأَنَّهُ جَزَاء على مُبَاشرَة الْقَتْل الْمَحْظُور وَالْمَوْجُود من هَؤُلَاءِ تسبب لَا مُبَاشرَة
وَعند الشَّافِعِي هَذَا ضَمَان يتَعَلَّق بِهَذَا الْفِعْل بِمَنْزِلَة الدِّيَة فَيثبت فِي حق الْمُسَبّب والمباشر جَمِيعًا وَفِي حق الصَّبِي والبالغ وَهَذَا غلط بَين لِأَن الضَّمَان مَا يجب جبرانا لحق الْمُتْلف عَلَيْهِ وَيسْقط بِاعْتِبَار رِضَاهُ أَو عَفْو من يقوم مقَامه وحرمان الْمِيرَاث لَيْسَ من ذَلِك فِي شَيْء
فَأَما الدائر بَين الْعِبَادَة والعقوبة كالكفارات لِأَنَّهَا مَا وَجَبت إِلَّا جَزَاء على أَسبَاب تُوجد من الْعباد فسميت كَفَّارَة بِاعْتِبَار أَنَّهَا ستارة للذنب فَمن هَذَا الْوَجْه عُقُوبَة فَإِن الْعقُوبَة هِيَ الَّتِي تجب جَزَاء على ارْتِكَاب الْمَحْظُور الَّذِي يسْتَحق المأثم بِهِ وَهِي عبَادَة من حَيْثُ إِنَّهَا تجب بطرِيق الْفَتْوَى وَيُؤمر من عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ بِنَفسِهِ من غير أَن تُقَام عَلَيْهِ كرها وَالشَّرْع مَا فوض إِقَامَة شَيْء من الْعُقُوبَات إِلَى الْمَرْء على نَفسه وتتأدى بِمَا هُوَ مَحْض الْعِبَادَة
فَعرفنَا أَنَّهَا دَائِرَة بَين الْعِبَادَة والعقوبة وَأَن سَببهَا دائر بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة كاليمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل وَالْقَتْل بِصفة الْخَطَأ وَلِهَذَا لم نجْعَل الْغمُوس والعمد الْمَحْض سَببا لوُجُوب الْكَفَّارَة
وَعند الشَّافِعِي ﵀ هَذِه الْكَفَّارَات وُجُوبهَا بطرِيق الضَّمَان وَقد بَينا أَن هَذَا غلط وَوُجُوب الضَّمَان فِي الأَصْل بطرِيق الْجبرَان وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِيمَا يخلص لله تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى يتعالى عَن أَن يلْحقهُ خسران حَتَّى تتَحَقَّق الْحَاجة إِلَى الْجبرَان وَكَانَ معنى الْعِبَادَة فِي هَذِه الْكَفَّارَات مرجحا على معنى الْعقُوبَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وتكفير الْإِثْم بِهِ بِاعْتِبَار أَنه طَاعَة وَحسن فِي نَفسه قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾
стр. 667
وَلِهَذَا أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة على المخطىء وَالْمكْره والبار فِي الْيَمين والحنث جَمِيعًا بِأَن حلف لَا يكلم هَذَا الْكَافِر فَيسلم ثمَّ يكلمهُ وَلِهَذَا لم نوجب شَيْئا من هَذِه الْكَفَّارَات على الْكَافِر
فَأَما كَفَّارَة الْفطر فِي رَمَضَان فَمَعْنَى الْعقُوبَة فِيهَا مُرَجّح على معنى الْعِبَادَة حَتَّى إِن وُجُوبهَا يَسْتَدْعِي جِنَايَة متكاملة عرفنَا ذَلِك بِخَبَر الْأَعرَابِي حَيْثُ قَالَ هَلَكت وأهلكت
وَقَالَ ﵇ من أفطر فِي رَمَضَان مُتَعَمدا فَعَلَيهِ مَا على الْمظَاهر فاتفق الْعلمَاء على أَنه يسْقط بِعُذْر الْخَطَأ والاشتباه فَلَمَّا ظهر رُجْحَان معنى الْعقُوبَة فِيهَا من هَذَا الْوَجْه جعلنَا وُجُوبهَا بطرِيق الْعقُوبَة فَقُلْنَا إِنَّهَا تندرىء بِالشُّبُهَاتِ حَتَّى لَا تجب على من أفطر بعد مَا أبْصر هِلَال رَمَضَان وَحده للشُّبْهَة الثَّابِتَة بِظَاهِر قَوْله ﵇ صومكم يَوْم تصومون أَو بِصُورَة قَضَاء القَاضِي يكون (الْيَوْم) من شعْبَان وَلم يُوجب على الْمُفطر فِي يَوْم إِذا اعْترض مرض أَو حيض فِي ذَلِك الْيَوْم لتمكن الشُّبْهَة وَلم يُوجب على من أفطر وَهُوَ مُسَافر وَإِن كَانَ الْأَدَاء مُسْتَحقّا عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه بِكَوْنِهِ مُقيما فِي أول النَّهَار وَلم يُوجب على من نوى قبل انتصاف النَّهَار ثمَّ أفطر للشُّبْهَة الثَّابِتَة بِظَاهِر قَوْله ﵇ لَا صِيَام لمن لم يعزم الصّيام من اللَّيْل وَقُلْنَا بالتداخل فِي الْكَفَّارَات والاكتفاء بكفارة وَاحِدَة إِذا أفطر فِي أَيَّام من رَمَضَان لِأَن التَّدَاخُل من بَاب الْإِسْقَاط بطرِيق الشُّبْهَة وأثبتنا معنى الْعِبَادَة فِي الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهَا سميت كَفَّارَة فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون الْوُجُوب بطرِيق الْعقُوبَة والاستيفاء بطرِيق الطهرة كالحدود بعد التَّوْبَة وَلَا يجوز أَن يكون الْوُجُوب بطرِيق الْعِبَادَة والاستيفاء بطرِيق الْعقُوبَة بِحَال
وَمَا يجْتَمع فِيهِ الحقان وَحقّ الله فِيهِ أغلب فنحو حد الْقَذْف عندنَا
فَأَما حد قطاع الطَّرِيق فَهُوَ خَالص لله تَعَالَى بِمَنْزِلَة الْعُقُوبَات الْمَحْضَة وَلِهَذَا لَا نوجب على الْمُسْتَأْمن إِذا ارْتكب سَيِّئَة فِي دَارنَا بِمَنْزِلَة حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة بِخِلَاف حد الْقَذْف وَأما مَا يجْتَمع فِيهِ الحقان وَحقّ الْعباد أغلب فنحو الْقصاص فَإِن فِيهَا حق الله تَعَالَى وَلِهَذَا يسْقط بِالشُّبُهَاتِ وَهِي جَزَاء الْفِعْل فِي الأَصْل وأجزية الْأَفْعَال تجب لحق الله تَعَالَى وَلَكِن لما كَانَ وُجُوبهَا بطرِيق الْمُمَاثلَة عرفنَا أَن معنى حق العَبْد رَاجِح فِيهَا وَأَن وُجُوبهَا للجيران بِحَسب الْإِمْكَان كَمَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَلِهَذَا جرى فِيهِ
стр. 668
الْإِرْث وَالْعَفو والاعتياض بطرِيق الصُّلْح بِالْمَالِ كَمَا فِي حُقُوق الْعباد
وَأما مَا يكون مَحْض حق الْعباد فَهُوَ أَكثر من أَن يُحْصى نَحْو ضَمَان الدِّيَة وَبدل الْمُتْلف وَالْمَغْصُوب وَمَا أشبه ذَلِك
وَهَذِه الْحُقُوق كلهَا تشْتَمل على أصل وَخلف
فَالْأَصْل فِيمَا ثَبت بِهِ الْإِيمَان التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار ثمَّ قد يكون الْإِقْرَار مُسْتَندا فِي حق الْمُكْره على أَنه قَائِم مقَام التَّصْدِيق ثمَّ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار من الْأَبَوَيْنِ يثبت الْإِيمَان فِي حق الْوَلَد الصَّغِير على أَنه خلف عَن التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار فِي حَقه ثمَّ تَبَعِيَّة الدَّار فِي حق الَّذِي سبى صَغِيرا وَأخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام وَحده حلف عَن تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ فِي ثُبُوت حكم الْإِيمَان لَهُ ثمَّ تَبَعِيَّة السابي إِذا قسم أَو بيع من مُسلم فِي دَار الْحَرْب خلف عَن تَبَعِيَّة الدَّار فِي ثُبُوت حكم الْإِيمَان لَهُ حَتَّى إِذا مَاتَ يصلى عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ فِي شَرَائِط الصَّلَاة فَإِن من شرائطها الطَّهَارَة وَالْأَصْل فِيهِ الْوضُوء أَو الِاغْتِسَال ثمَّ التَّيَمُّم يكون خلفا عَن الأَصْل فِي حُصُول الطَّهَارَة الَّتِي هِيَ شَرط الصَّلَاة بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ وَهُوَ خلف مُطلق فِي قَول عُلَمَائِنَا ﵏
وَعند الشَّافِعِي ﵀ هُوَ خلف ضَرُورِيّ وَلِهَذَا لم يعْتَبر التَّيَمُّم قبل دُخُول الْوَقْت فِي حق أَدَاء الْفَرِيضَة وَلم يجوز أَدَاء الفريضتين بِتَيَمُّم وَاحِد لِأَنَّهُ خلف ضَرُورِيّ فَيشْتَرط فِيهِ تحقق الضَّرُورَة بِالْحَاجةِ إِلَى إِسْقَاط الْفَرْض عَن ذمَّته وَبِاعْتِبَار كل فَرِيضَة تتجدد ضَرُورَة أُخْرَى وَلم يجوز التَّيَمُّم للْمَرِيض الَّذِي لَا يخَاف الْهَلَاك على نَفسه لِأَن تحقق الضَّرُورَة عِنْد خوف الْهَلَاك على نَفسه وَجوز التَّحَرِّي فِي إناءين أَحدهمَا طَاهِر
стр. 669
وَالْآخر نجس لِأَن الضَّرُورَة لَا تتَحَقَّق مَعَ وجود المَاء الطَّاهِر عِنْده وَمَعَ رَجَاء الْوُصُول إِلَيْهِ بِالتَّحَرِّي فَلَا تكون فَرضِيَّة التَّيَمُّم وَشرط طلب المَاء لِأَن الضَّرُورَة قبل الطّلب لَا تتَحَقَّق
وَعِنْدنَا هُوَ بدل مُطلق فِي حَال الْعَجز عَن الأَصْل فَثَبت الحكم بِهِ على الْوَجْه الَّذِي يثبت بِالْأَصْلِ مَا بَقِي عَجزه
ثمَّ على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا التُّرَاب خلف عَن المَاء
وَعند مُحَمَّد ﵀ التَّيَمُّم خلف عَن الْوضُوء
وَتظهر الْمَسْأَلَة فِي الْمُتَيَمم عِنْد مُحَمَّد لَا يؤم المتوضئين لِأَن التَّيَمُّم خلف فَكَانَ الْمُتَيَمم صَاحب الْخلف وَلَيْسَ لصَاحب الأَصْل الْقوي أَن يَبْنِي صلَاته على صَلَاة صَاحب الْخلف كَمَا لَا يَبْنِي الْمُصَلِّي بركوع وَسُجُود صلَاته على صَلَاة المومي
وَعِنْدَهُمَا التُّرَاب كَانَ خلفا عَن المَاء فِي حُصُول الطَّهَارَة بِهِ ثمَّ بعد حُصُول الطَّهَارَة كَانَ شَرط الصَّلَاة مَوْجُودا فِي حق كل وَاحِد مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ بِمَنْزِلَة الماسح يؤم الغاسلين لهَذَا الْمَعْنى وَقد يكون التَّيَمُّم خلفا ضَرُورَة فِي حَال وجود المَاء وَهُوَ أَن يخَاف فَوَات صَلَاة الْجِنَازَة أَن لَو اشْتغل بِالْوضُوءِ أَو يخَاف فَوَات صَلَاة الْعِيد أَن لَو اشْتغل بِالْوضُوءِ
ثمَّ الْخلَافَة هُنَا عِنْد مُحَمَّد بَين التَّيَمُّم وَالْوُضُوء بطرِيق الضَّرُورَة حَتَّى لَو صلى عَلَيْهَا بِالتَّيَمُّمِ ثمَّ جِيءَ بِجنَازَة أُخْرَى يلْزمه تيَمّم آخر وَإِن لم يجد بَين الجنازتين من الْوَقْت مَا يُمكنهُ أَن يتَوَضَّأ فِيهِ
وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله التُّرَاب خلف عَن المَاء فَيجوز لَهُ أَن يُصَلِّي على الْجَنَائِز مَا لم يدْرك من الْوَقْت مِقْدَار مَا يُمكنهُ أَن يتَوَضَّأ فِيهِ على وَجه لَا تفوته الصَّلَاة على جَنَازَة
وَهَذَا الَّذِي بَينا يَتَأَتَّى فِي كل حق مِمَّا سبق ذكره إِلَّا أَن بِبَيَان ذَلِك يطول الْكتاب وَالْحَاجة إِلَى معرفَة الأَصْل هُنَا وَهُوَ أَن الْخلف يجب بِمَا بِهِ يجب الأَصْل وَشرط كَونه خلفا أَن ينْعَقد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل بمصادفته مَحَله ثمَّ بِالْعَجزِ عَنهُ يتَحَوَّل الحكم إِلَى الْخلف وَإِذا لم ينْعَقد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل بِاعْتِبَار أَنه لم يُصَادف مَحَله لَا يكون مُوجبا للخلف حَتَّى إِن الْخَارِج من الْبدن إِذا لم يكن مُوجبا للْوُضُوء كالدمع والبزاق والعرق لَا يكون مُوجبا للتيمم وَالطَّلَاق قبل الدُّخُول لما لم يكن مُوجبا لما هُوَ الأَصْل وَهُوَ الِاعْتِدَاد بِالْأَقْرَاءِ لَا يكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الِاعْتِدَاد بِالْأَشْهرِ وَالْيَمِين الصادقة لما لم تكن مُوجبَة للتكفير بِالْمَالِ لَا تكون مُوجبَة لما
стр. 670
هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ التَّكْفِير بِالصَّوْمِ وَالْيَمِين الْغمُوس عندنَا لما لم تَنْعَقِد مُوجبَة للْأَصْل وَهُوَ الْبر بِاعْتِبَار أَنَّهَا أضيفت إِلَى مَحل لَيْسَ فِيهِ تصور الْبر لَا تَنْعَقِد مُوجبَة لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْكَفَّارَة وَالْيَمِين على مس السَّمَاء وَنَحْوه لما انْعَقَدت مُوجبَة للبر لمصادفتها محلهَا كَانَت مُوجبَة لما هُوَ خلف عَن الْبر وَهُوَ الْكَفَّارَة وَقد تقدم بَيَان هَذَا فِيمَن أسلم فِي آخر الْوَقْت بَعْدَمَا بَقِي مِنْهُ مِقْدَار مَا لَا يُمكنهُ أَن يُصَلِّي فِيهِ فَإِن الْجُزْء الآخر من الْوَقْت لما صلح أَن يكون مُوجبا لأَدَاء الصَّلَاة صلح مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْقَضَاء
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا جَاءَ الْمَشْهُود بقتْله حَيا أَو رَجَعَ الشُّهُود وَالْوَلِيّ جَمِيعًا بعد اسْتِيفَاء الْقصاص فَاخْتَارَ ولي الْقَتِيل تضمين الشُّهُود فَإِنَّهُم يرجعُونَ على الْوَلِيّ بِمَا يضمنُون لِأَن السَّبَب وَهُوَ الضَّمَان الَّذِي لَزِمَهُم بطرِيق الْعدوان مُوجب للْملك فِي الْمَضْمُون والمضمون وَهُوَ الدَّم مِمَّا يحْتَمل أَن يكون مَمْلُوكا فِي الْجُمْلَة أَلا ترى أَن نفس من عَلَيْهِ الْقصاص فِي حكم الْقصاص كالمملوك لمن لَهُ الْقصاص فَإِذا انْعَقَد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل لمصادفة مَحَله ينْعَقد مُوجبا للخلف وَهُوَ الدِّيَة عِنْد الْعَجز عَن إِثْبَات مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْقصاص بِمَنْزِلَة من غصب مُدبرا فغصبه مِنْهُ آخر وأبق من يَده ثمَّ ضمن الْمولى الْغَاصِب الأول فَإِنَّهُ يرجع على الْغَاصِب الثَّانِي بِالضَّمَانِ وَإِن لم يملك الْمُدبر وَلَكِن لما انْعَقَد السَّبَب مُوجبا للْأَصْل بمصادفته مَحَله يثبت الْخلف قَائِما مقَامه
وَكَذَلِكَ شُهُود الْكِتَابَة بِبَدَل مُؤَجل إِذا رجعُوا فضمنهم الْمولى قيمَة الْمكَاتب كَانَ لَهُم أَن يرجِعوا على الْمكَاتب بِبَدَل الْكِتَابَة لِأَن السَّبَب قد تقرر مُوجبا للْأَصْل وَهُوَ الْملك فِي الْمَضْمُون لمصادفته مَحَله فَثَبت (بِهِ الْخلف) وَهُوَ الرُّجُوع بِبَدَل الْكِتَابَة لوُجُود الْعَجز عَمَّا هُوَ الأَصْل وَهُوَ ملك الرَّقَبَة بِاعْتِبَار قيام الْكِتَابَة
وَأَبُو حنيفَة ﵁ يَقُول قد وجد من الشُّهُود التَّعَدِّي بِإِتْلَاف النَّفس حكما وَمن الْوَلِيّ التَّعَدِّي بِإِتْلَاف النَّفس حَقِيقَة والمساواة ثَابِتَة بَين الْحكمِي والحقيقي فِي حكم الضَّمَان ثمَّ إِذا اخْتَار تضمين الْمُتْلف حَقِيقَة
следующие страницы →