Полный текст (165 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بحث كَون أصُول الْفِقْه أَرْبَعَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله الذى أَعلَى منزلَة الْمُؤمنِينَ بكريم خطابه رفع دَرَجَة الْعَالمين بمعاني كِتَابه وَخص المستنبطين مِنْهُم بمزيد الْإِصَابَة وثوابه والصلوة عَليّ النَّبِي وَأَصْحَابه وَالسَّلَام على أبي حنيفَة وأحبابه وَبعد فَإِن أصُول الْفِقْه أَرْبَعَة كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع الْأمة وَالْقِيَاس فَلَا بُد من الْبَحْث فِي كل وَاحِد من هَذِه الأ قسام ليعلم بذلك طَرِيق تخرج الأ حكام
الْبَحْث الأول فِي كتاب الله تَعَالَى
١ - فصل فِي الْخَاص وَالْعَام
فالخاص لفظ وضع لِمَعْنى مَعْلُوم أَو لمسمى مَعْلُوم على الِانْفِرَاد كَقَوْلِنَا فِي تَخْصِيص الْفَرد زيد وَفِي تَخْصِيص النَّوْع رجل وَفِي تَخْصِيص الْجِنْس إِنْسَان
стр. 2
١ - ١ بحث الْعَام وَالْخَاص
وَالْعَام كل لفظ يَنْتَظِم جمعا من الْأَفْرَاد
إِمَّا لفظا كَقَوْلِنَا مُسلمُونَ ومشرقون وَإِمَّا معنى كَقَوْلِنَا من وَمَا
وَحكم الْخَاص من الْكتاب وجوب الْعَمَل بِهِ لَا محَالة فَإِن قابله خبر الْوَاحِد أَو الْقيَاس فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا بِدُونِ تَغْيِير فِي حكم الْخَاص يعْمل بهما وَإِلَّا يعْمل بِالْكتاب وَيتْرك مَا يُقَابله مِثَاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ فَإِن لَفْظَة الثَّلَاثَة خَاص فِي تَعْرِيف عدد مَعْلُوم فَيجب الْعَمَل بِهِ
وَلَو حمل الإ قراء على الا طهار كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي بِاعْتِبَار أَن الطُّهْر مُذَكّر دون الْحيض وَقد ورد الْكتاب فِي الْجمع بِلَفْظ التَّأْنِيث دلّ على أَن جمع الْمُذكر وَهُوَ الطُّهْر لزم ترك الْعَمَل بِهَذَا الْخَاص لِأَن من حمله على الطُّهْر لَا يُوجب ثَلَاثَة أطهار بل طهرين وَبَعض الثَّالِث وَهُوَ الَّذِي وَقع فِيهِ الطَّلَاق فَيخرج على هَذَا حكم الرّجْعَة فِي الْحَيْضَة الثَّالِثَة وزواله وَتَصْحِيح نِكَاح الْغَيْر وإبطاله وَحكم الْحَبْس وَالْإِطْلَاق والمسكن والإنفاق وَالْخلْع وَالطَّلَاق وَتزَوج الزَّوْج بأختها وَأَرْبع سواهَا وَأَحْكَام الْمِيرَاث مَعَ كَثْرَة تعدادها وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى
стр. 3
٢ - ٢ بحث تَقْسِيم الْعَام إِلَى قسمَيْنِ
﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم﴾ خَاص فِي التَّقْدِير الشَّرْعِيّ فَلَا يتْرك الْعَمَل بِهِ بِاعْتِبَار أَنه عقد مَالِي فَيعْتَبر بِالْعُقُودِ الْمَالِيَّة فَيكون تَقْدِير المَال فِيهِ موكولا إِلَى رَأْي الزَّوْجَيْنِ كَمَا ذكره الشَّافِعِي وَفرع على هَذَا أَن التخلي لنفل الْعِبَادَة أفضل من الِاشْتِغَال بِالنِّكَاحِ وأباح إِبْطَاله بِالطَّلَاق كَيفَ مَا شَاءَ الزَّوْج من جمع وتفريق وأباح إرْسَال الثَّلَاث جملَة وَاحِدَة وَجعل عقد النِّكَاح قَابلا للْفَسْخ بِالْخلْعِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ خَاص فِي وجود النِّكَاح من الْمَرْأَة فَلَا يتْرك الْعَمَل بِهِ بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇
أَيّمَا امرآة نكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل بَاطِل بَاطِل وَيتَفَرَّع مِنْهُ الْخلاف فِي حل الْوَطْء وَلُزُوم الْمهْر وَالنَّفقَة وَالسُّكْنَى وَوُقُوع الطَّلَاق وَالنِّكَاح بعد الطلقات الثَّلَاث على مَا ذهب إِلَيْهِ قدماء أَصْحَابه بِخِلَاف مَا اخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ مِنْهُم
وَأما الْعَام فنوعان عَام خص عَنهُ الْبَعْض وعام لم يخص عَنهُ شَيْء فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْخَاص فِي حق لُزُوم الْعَمَل بِهِ لَا محَالة وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قطع يَد السَّارِق بَعْدَمَا هلك الْمَسْرُوق عِنْده لَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان لِأَن الْقطع جَزَاء جَمِيع مَا اكْتَسبهُ
стр. 4
١ - ٣ بحث عُمُوم كلمة مَا
إِن كلمة مَا عَامَّة تتَنَاوَل جَمِيع مَا وجد من السَّارِق وَبِتَقْدِير إِيجَاب الضَّمَان يكون الْجَزَاء هُوَ الْمَجْمُوع وَلَا يتْرك الْعَمَل بِالْقِيَاسِ على الْغَصْب وَالدَّلِيل على أَن كلمة مَا عَامَّة مَا ذكره مُحَمَّد ﵀ إِذا قَالَ الْمولى لجاريته إِن كَانَ مَا فِي بَطْنك غُلَاما فَأَنت حرَّة فَولدت غُلَاما وَجَارِيَة لَا تعْتق وبمثله نقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ فَإِنَّهُ عَام فِي جَمِيع مَا تيَسّر من الْقُرْآن وَمن ضَرُورَته عدم توقف الْجَوَاز على قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَجَاء فِي الْخَبَر أَنه قَالَ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب فعملنا بهما على وَجه لَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْكتاب بِأَن نحمل الْخَبَر على نفي الْكَمَال حَتَّى يكون مُطلق الْقِرَاءَة فرضا بِحكم الْكتاب وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَاجِبَة بِحكم الْخَبَر وَقُلْنَا كَذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَنه يُوجب حُرْمَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَامِدًا وَجَاء فِي الْخَبَر أَنه ﵇ سُئِلَ عَن مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَامِدًا فَقَالَ
(كلوه فَإِن تَسْمِيَة الله تَعَالَى فِي قلب كل امرىء مُسلم) فَلَا يُمكن التَّوْفِيق بينهمالأنه لَو ثَبت الْحل بِتَرْكِهَا عَامِدًا لثبت الْحل بِتَرْكِهَا نَاسِيا فَحِينَئِذٍ يرْتَفع حكم الْكتاب فَيتْرك الْخَبَر
стр. 5
١ - ٤ بحث الْعَام الْمَخْصُوص مِنْهُ الْبَعْض
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ حُرْمَة نِكَاح الْمُرضعَة وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر
لَا تحرم المصة وَلَا المصتان وَلَا الإملاجة وَلَا الإملاجتان فَلم يُمكن التَّوْفِيق بَينهمَا فَيتْرك الْخَبَر
(وَأما الْعَام الَّذِي خص عِنْد الْبَعْض فَحكمه) أَنه يجب الْعَمَل بِهِ فِي الْبَاقِي مَعَ الِاحْتِمَال فَإِذا أَقَامَ الدَّلِيل على تَخْصِيص الْبَاقِي يجوز تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد أَو الْقيَاس إِلَى أَن يبْقى الثُّلُث بعد ذَلِك لَا يجوز فَيجب الْعَمَل بِهِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْمُخَصّص الَّذِي أخرج الْبَعْض عَن الْجُمْلَة لَو أخرج بَعْضًا مَجْهُولا يثبت الِاحْتِمَال فِي كل فَرد معِين فَجَاز أَن يكون بَاقِيا تَحت حكم الْعَام وَجَاز أَن يكون دَاخِلا تَحت دَلِيل الْخُصُوص فَاسْتَوَى الطرفان فِي حق الْمعِين فَإِذا أَقَامَ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ على أَنه من جملَة مَا دخل تَحت دَلِيل الْخُصُوص ترجح جَانب نخصيصه وَإِن كَانَ الْمُخَصّص أخرج بَعْضًا مَعْلُوما عَن الْجُمْلَة جَازَ أَن يكون معلولا بعلة مَوْجُودَة فِي هَذَا الْفَرد الْمعِين فَإِذا قَامَ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ على وجود تِلْكَ الْعلَّة فِي غير هَذَا الْفَرد الْمعِين ترجح جِهَة تَخْصِيصه فَيعْمل بِهِ مَعَ وجود الِاحْتِمَال
стр. 6
الْفَصْل الثَّانِي فصل فِي الْمُطلق والمعيد
٢ - / ١ بحث الْمُطلق إِذا أمكن الْعَمَل بِهِ لَا يجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ
ذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَن الْمُطلق من كتاب الله تَعَالَى إِذا أمكن الْعَمَل بِإِطْلَاقِهِ فَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس لَا يجوز مِثَاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ فالمأمور بِهِ هُوَ الْغسْل على الْإِطْلَاق فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ شَرط النِّيَّة وَالتَّرْتِيب والموالاة وَالتَّسْمِيَة بالْخبر وَلَكِن يعْمل بالْخبر على وَجه لَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْكتاب فَيُقَال الْغسْل الْمُطلق فرض بِحكم الْكتاب وَالنِّيَّة سنة بِحكم الْخَبَر
وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ إِن الْكتاب جعل جلد الْمِائَة حدا للزِّنَا فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ التَّغْرِيب حدا لقَوْله ﵇
(الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام)
بل يعْمل بالْخبر على وَجه لَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْكتاب فَيكون الْجلد حدا شَرْعِيًّا بِحكم الْكتاب والتغريب مَشْرُوعا سياسة بِحكم الْخَبَر
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ مُطلق فِي مُسَمّى الطّواف بِالْبَيْتِ فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ شَرط الْوضُوء بالْخبر بل يعْمل بِهِ على وَجه لَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْكتاب بِأَن يكون مُطلق الطّواف فرضا بِحكم الْكتاب وَالْوُضُوء وَاجِبا بِحكم الْخَبَر فَيجْبر النُّقْصَان اللَّازِم بترك الْوضُوء الْوَاجِب بِالدَّمِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾
стр. 7
٢ - / ٢ بحث جَوَاز التوضي بِمَاء الزَّعْفَرَان وَأَمْثَاله
مُطلق فِي مُسَمّى الرُّكُوع فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ شَرط التَّعْدِيل بِحكم الْخَبَر وَلَكِن يعْمل بالْخبر على وَجه لَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْكتاب
فَيكون مُطلق الرُّكُوع فرضا بِحكم الْكتاب
وَالتَّعْدِيل وَاجِبا بِحكم الْخَبَر وعَلى هَذَا قُلْنَا
يجوز التوضي بِمَاء الزَّعْفَرَان وَبِكُل مَاء خالطه شَيْء طَاهِر فَغير أحد أَوْصَافه لِأَن شَرط الْمصير إِلَى التَّيَمُّم عدم مُطلق المَاء وَهَذَا قد بَقِي مَاء مُطلقًا فَإِن قيد الْإِضَافَة مَا أَزَال عَنهُ اسْم المَاء بل قَرَّرَهُ فَيدْخل تَحت حكم مُطلق المَاء وَكَانَ شَرط بَقَائِهِ على صفة الْمنزل من السَّمَاء قيدا لهَذَا الْمُطلق وَبِه يخرج حكم مَاء الزَّعْفَرَان والصابون والأشنان وَأَمْثَاله وَخرج عَن هَذِه الْقَضِيَّة المَاء النَّجس بقوله تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ وَالنَّجس لَا يُفِيد الطَّهَارَة وبهذه الْإِشَارَة علم أَن الْحَدث شَرط لوُجُوب الْوضُوء فَإِن تَحْصِيل الطَّهَارَة بِدُونِ وجود الْحَدث محَال
قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ الْمظَاهر إِذا جَامع امْرَأَته فِي خلال الْإِطْعَام لَا يسْتَأْنف الْإِطْعَام لِأَن الْكتاب مُطلق فِي حق الْإِطْعَام فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ شَرط عدم الْمَسِيس بِالْقِيَاسِ على الصَّوْم بل الْمُطلق يجْرِي على إِطْلَاقه والمقيد على تَقْيِيده
وَكَذَلِكَ قُلْنَا الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالْيَمِين مُطلقَة فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ شلاط الْإِيمَان بِالْقِيَاسِ على كَفَّارَة الْقَتْل
стр. 8
بحث الْمُشْتَرك والمؤول
إِن قيل أَن الْكتاب فِي مسح الرَّأْس يُوجب مسح مُطلق الْبَعْض وَقد قيدتموه بِمِقْدَار الناصية بالْخبر وَالْكتاب مُطلق فِي انْتِهَاء الْحُرْمَة الغليظة بِالنِّكَاحِ وَقد قيدتموه بِالدُّخُولِ بِحَدِيث امْرَأَة رِفَاعَة
قُلْنَا إِن الْكتاب لَيْسَ بِمُطلق فِي بَاب الْمسْح فَإِن حكم الْمُطلق أَن يكون الْآتِي بِأَيّ فَرد كَانَ آتِيَا بالمأمور بِهِ والآتي بِأَيّ بعض كَانَ هَهُنَا لَيْسَ بآت بالمأمور بِهِ فَإِنَّهُ لَو مسح على النّصْف أَو على الثُّلثَيْنِ لَا يكون الْكل فرضا وَبِه فَارق الْمُطلق الْمُجْمل
وَأما قيد الدُّخُول فقد قَالَ الْبَعْض أَن النِّكَاح فِي النَّص حمل على الوطءإذ العقد مُسْتَفَاد من لفظ الزَّوْج وَبِهَذَا يَزُول السُّؤَال
وَقَالَ الْبَعْض قيد الدُّخُول ثَبت الْخَبَر وجعلوه من الْمَشَاهِير فَلَا يلْزمهُم تَقْيِيد الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد
الْفَصْل الثَّالِث فصل فِي الْمُشْتَرك والمؤول
الْمُشْتَرك مَا وضع لمعنيين مُخْتَلفين أَو لمعان مُخْتَلفَة الْحَقَائِق مِثَاله قَوْلنَا جَارِيَة فَإِنَّهَا تتَنَاوَل الْأمة والسفينة وَالْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يتَنَاوَل قَابل عقد البيع وكوكب السَّمَاء
وَقَوْلنَا بئن فَأن يحْتَمل الْبَين وَالْبَيَان وَحكم الْمُشْتَرك أَنه إِذا تعين الوحد مرَادا بِهِ
стр. 9
سقط اعْتِبَار إِرَادَة غَيره وَلِهَذَا أجمع الْعلمَاء رَحِمهم الله تَعَالَى على أَن لفظ القروء الْمَذْكُور فِي كتاب الله تَعَالَى مَحْمُول إِمَّا على الْحيض كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا أَو على الطُّهْر كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي
وَقَالَ مُحَمَّد إِذا أوصى لموَالِي بني فلَان ولبني فلَان موَالٍ من أَعلَى وموال من أَسْفَل فَمَاتَ بطلت الْوَصِيَّة فِي حق الْفَرِيقَيْنِ لِاسْتِحَالَة الْجمع بَينهمَا وَعدم الرجحان
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا قَالَ لزوجته أَنْت عَليّ مثل أُمِّي لَا يكون مُظَاهرا لِأَن اللَّفْظ مُشْتَرك بَين الْكَرَامَة وَالْحُرْمَة فَلَا يتَرَجَّح جِهَة الْحُرْمَة إِلَّا بِالنِّيَّةِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَا يجب النظير فِي جَزَاء الصَّيْد لقَوْله تَعَالَى ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ لِأَن الْمثل مُشْتَرك بَين الْمثل صُورَة وَبَين الْمثل معنى وَهُوَ الْقيمَة وَقد أُرِيد الْمثل من حَيْثُ الْمَعْنى بِهَذَا النَّص فِي قتل إِذْ لَا عُمُوم للمشترك أصلا فَيسْقط اعْتِبَار الصُّورَة لِاسْتِحَالَة الْجمع
ثمَّ إِذا ترجح بعض وُجُوه الْمُشْتَرك بالغالب الرَّأْي يصير مؤلا وَحكم المؤول وجوب الْعَمَل بِهِ مَعَ احْتِمَال الْخَطَأ ومثاله فِي الحكميات مَا قُلْنَا إِذا أطلق الثّمن ومثاله فِي الحكميات مَا قُلْنَا إِذا أطلق فِي البيع كَانَ على غَالب نقد الْبَلَد وَذَلِكَ بطرِيق التَّأْوِيل
وَلَو كَانَت النُّقُود مُخْتَلفَة فسد البيع لما ذكرنَا وَحمل الإقراء على الْحيض
стр. 10
بحث الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
حمل النِّكَاح فِي الْآيَة على الوطىء وَحمل الْكِنَايَات حَال مذاكرة الطَّلَاق على الطَّلَاق من هَذَا الْقَبِيل وعَلى هَذَا قُلْنَا الدّين الْمَانِع من الزَّكَاة يصرف إِلَى أيسر الْمَالَيْنِ قَضَاء للدّين
فرع مُحَمَّد على هَذَا فَقَالَ إِذا تزوج امْرَأَة على نِصَاب وَله نِصَاب من الْغنم ونصاب من الدَّرَاهِم يصرف الدّين إِلَى الدَّرَاهِم حَتَّى لَو حَال عَلَيْهِمَا الْحول تجب الزَّكَاة عِنْده فِي نِصَاب الْغنم وَلَا تجب فِي الدَّرَاهِم وَلَو ترجح بعض وُجُوه الْمُشْتَرك بِبَيَان من قبل الْمُتَكَلّم كَانَ مُفَسرًا وَحكمه أَنه يجب الْعَمَل بِهِ يَقِينا
مِثَاله إذاقال لفُلَان عَليّ عشرَة دَرَاهِم من نقد بخاري فَقَوله من نقد بخاري تَفْسِير لَهُ فلولا ذَلِك لَكَانَ منصرفا إِلَى غَالب نقد الْبَلَد بطرِيق التَّأْوِيل فيترجح الْمُفَسّر فَلَا يجب نقد الْبَلَد
الْفَصْل الرَّابِع فصل فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
كل لفظ وَضعه وَاضع اللُّغَة بِإِزَاءِ شَيْء فَهُوَ حَقِيقَة لَهُ وَلَو اسْتعْمل فِي غَيره يكون مجَازًا لَا حَقِيقَة
стр. 11
ثمَّ الْحَقِيقَة مَعَ الْمجَاز لَا يَجْتَمِعَانِ ارادة من لفظ وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة وَلِهَذَا قُلْنَا لما أُرِيد مَا يدْخل فِي الصَّاع بقوله ﵇
(لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاع بالصاعين) وَسقط اعْتِبَار نفس الصَّاع حَتَّى جَازَ بيع الْوَاحِد مِنْهُ بالإثنين
وَلما أُرِيد الوقاع من آيَة الْمُلَامسَة سقط اعْتِبَار إِرَادَة الْمس بِالْيَدِ
стр. 12
الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
قَالَ مُحَمَّد إذاأوصى لمواليه وَله موَالٍ أعتقهم ولمواليه موَالٍ اعتقوهم كَانَت الْوَصِيَّة لمواليه دون موَالِي موَالِيه
وَفِي السّير الْكَبِير لَو استأمن أهل الْحَرْب على آبَائِهِم لَا تدخل الأجداد فِي الْأمان وَلَو استأمنوا على أمهاتهم لَا يثبت الْأمان فِي حق الْجدَّات
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا أوصى لأبكار بني فلَان لَا تدخل المصابة بالفجورفي حكم الْوَصِيَّة
وَلَو أوصى لبني فلَان وَله بنُون وَبَنُو بنيه كَانَت الْوَصِيَّة لِبَنِيهِ دون بني بنيه
قَالَ أَصْحَابنَا لَو حلف لَا ينْكح فُلَانَة وَهِي أَجْنَبِيَّة كَانَ ذَلِك على العقد حَتَّى لَو زنا بهَا لَا يَحْنَث
وَلَئِن قَالَ إِذا حلف لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان يَحْنَث لَو دَخلهَا حافيا أَو متنعلا أَو رَاكِبًا وَكَذَلِكَ لَو حلف لَا يسكن دَار فلَان يَحْنَث لَو كَانَت الدَّار ملكا لفُلَان أَو كَانَت بِأُجْرَة اَوْ عَادِية وَذَلِكَ جمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ عَبده حر يَوْم يقدم فلَان فَقدم فلَان لَيْلًا أَو نَهَارا يَحْنَث
قُلْنَا وضع الْقدَم صَار مجَازًا عَن الدُّخُول بِحكم الْعرف وَالدُّخُول لَا يتَفَاوَت فِي الْفَصْلَيْنِ وَدَار فلَان صَار مجَازًا عَن دَار مسكونة لَهُ وَذَلِكَ لَا يتَفَاوَت بَين أَن يكون ملكا لَهُ أَو كَانَت بِأُجْرَة لَهُ
стр. 13
٤ - / ١ بحث تَقْسِيم الْحَقِيقَة إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام
وَالْيَوْم فِي مَسْأَلَة الْقدوم عبارَة عَن مُطلق الْوَقْت لِأَن الْيَوْم إِذا أضيف إِلَى فعل لَا يَمْتَد يكون عبارَة عَن مُطلق الْوَقْت كَمَا عرف فَكَانَ الْحِنْث بِهَذَا الطَّرِيق لَا بطرِيق الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
ثمَّ الْحَقِيقَة أَنْوَاع ثَلَاثَة متعذرة ومهجورة ومستعملة
وَفِي الْقسمَيْنِ الْأَوَّلين يُصَار إِلَى الْمجَاز بالِاتِّفَاقِ
وَنَظِير المتعذرة إِذا حلف لَا يَأْكُل من هَذِه الشَّجَرَة أَو من هَذِه الْقدر فَإِن أكل الشَّجَرَة وَالْقدر مُتَعَذر فَيَنْصَرِف ذَلِك إِلَى ثَمَرَة الشَّجَرَة وَإِلَى مَا يحل فِي الْقدر حَتَّى لَو أكل من عين الشَّجَرَة أَو من عين الْقدر بِنَوْع تكلّف لَا يَحْنَث
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا حلف لَا يشرب من هَذِه البير ينْصَرف ذَلِك إِلَى الاغتراف حَتَّى لَو فَرضنَا أَنه لَو كرع بِنَوْع تكلّف لَا يَحْنَث بالِاتِّفَاقِ
وَنَظِير المهجورة لَو حلف لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان فَإِن إِرَادَة وضع الْقدَم مهجورة عَادَة
وعَلى هَذَا قُلْنَا التَّوْكِيل بِنَفس الْخُصُومَة ينْصَرف إِلَى مُطلق جَوَاب الْخصم حَتَّى يسع للْوَكِيل أَن يُجيب بنعم كَمَا يَسعهُ أَن يُجيب بِلَا لِأَن التَّوْكِيل بِنَفس الْخُصُومَة مهجور شرعا وَعَادَة
стр. 14
وَلَو كَانَت الْحَقِيقَة مستعملة فَإِن لم يكن لَهَا مجَاز مُتَعَارَف فالحقيقة أولى بِلَا خلاف فَإِن كَانَ لَهَا مجَاز مُتَعَارَف
стр. 15
٤ - / ٢ بحث كَون الْمجَاز خلفا عَن الْحَقِيقَة عِنْد أبي حنيفَة
فالحقيقة أولى عِنْد أبي حنيفَة
وَعِنْدَهُمَا الْعَمَل بِعُمُوم الْمجَاز أولى مِثَاله لَو حلف لَا يَأْكُل من هَذِه الْحِنْطَة ينْصَرف ذَلِك إِلَى عينهَا عِنْده حَتَّى لَو أكل من الْخبز الْحَاصِل مِنْهَا لَا يَحْنَث عِنْده وَعِنْدَهُمَا ينْصَرف إِلَى مَا تتضمنه الْحِنْطَة بطرِيق عُمُوم الْمجَاز فَيحنث بأكلها وبأكل الْخبز الْحَاصِل مِنْهَا
وَكَذَا لَو حلف لَا يشرب من الْفُرَات ينْصَرف إِلَى الشّرْب مِنْهَا كرعا عِنْده وَعِنْدَهُمَا إِلَى الْمجَاز الْمُتَعَارف وَهُوَ شرب مَائِهَا بِأَيّ طَرِيق كَانَ
ثمَّ الْمجَاز عِنْد أبي حنيفَة خلف عَن الْحَقِيقَة فِي حق اللَّفْظ وَعِنْدَهُمَا خلف عَن الْحَقِيقَة فِي حق الحكم حَتَّى لَو كَانَت الْحَقِيقَة مُمكنَة فِي نَفسهَا إِلَّا أَنه امْتنع الْعَمَل بهَا لمَانع يُصَار إِلَى الْمجَاز وَإِلَّا صَار الْكَلَام لَغوا
وَعِنْده يُصَار إِلَى الْمجَاز وَإِن لم تكن الْحَقِيقَة مُمكنَة فِي نَفسهَا
أَمْثَاله إِذا قَالَ لعَبْدِهِ وَهُوَ أكبر سنا مِنْهُ هَذَا ابْني
لَا يُصَار إِلَى الْمجَاز عِنْدهمَا لِاسْتِحَالَة الْحَقِيقَة
وَعِنْده يُصَار إِلَى الْمجَاز حَتَّى يعْتق العَبْد
стр. 16
وعَلى هَذَا يخرج الحكم فِي قَوْله لَهُ عَليّ ألف أَو على هَذَا الْجِدَار وَقَوله عَبدِي أَو حماري حر وَلَا يلْزم على هَذَا إِذا قَالَ لامْرَأَته هَذِه ابْنَتي وَلها نسب مَعْرُوف من غَيره حَيْثُ لاتحرم عَلَيْهِ
стр. 17
وَلَا يَجْعَل ذَلِك مجَازًا عَن الطَّلَاق سَوَاء كَانَت الْمَرْأَة أَصْغَر سنا مِنْهُ أَو كبرى لِأَن هَذَا اللَّفْظ لَو صَحَّ مَعْنَاهُ لَكَانَ منافيا للنِّكَاح فَيكون منافيا لحكمه هُوَ الطَّلَاق وَلَا اسْتِعَارَة مَعَ وجود التَّنَافِي
بِخِلَاف قَوْله هَذَا ابْني فَإِن الْبُنُوَّة لَا تنَافِي ثُبُوت الْملك للْأَب بل يثبت الْملك لَهُ ثمَّ يعْتق عَلَيْهِ
الْفَصْل الْخَامِس فصل فِي تَعْرِيف طَرِيق الِاسْتِعَارَة
اعْلَم أَن الِاسْتِعَارَة فِي أَحْكَام الشَّرْع مطردَة بطريقين
أَحدهمَا لوُجُود الِاتِّصَال بَين الْعلَّة وَالْحكم
وَالثَّانِي لوُجُود الِاتِّصَال بَين السَّبَب والمحض وَالْحكم
فَالْأول مِنْهُمَا يُوجب صِحَة الِاسْتِعَارَة من الطَّرفَيْنِ
وَالثَّانِي يُوجب صِحَّتهَا من أحد الطَّرفَيْنِ وَهُوَ اسْتِعَارَة الأَصْل للفرع
مِثَال الأول فِيمَا إِذا قَالَ إِن ملكت عبدا فَهُوَ حر فَملك نصف العَبْد فَبَاعَهُ ثمَّ ملك النّصْف الآخر لم يعْتق إِذْ لم يجْتَمع فِي ملكه كل العَبْد
وَلَو قَالَ إِن اشْتريت عبدا فَهُوَ حر فَاشْترى نصف العَبْد فَبَاعَهُ ثمَّ
стр. 18
اشْترى النّصْف الآخر عتق النّصْف الثَّانِي
وَلَو عَنى بِالْملكِ الشِّرَاء أَو بِالشِّرَاءِ الْملك صحت نِيَّته بطرِيق الْمجَاز لِأَن الشِّرَاء عِلّة الْملك وَالْملك حكمه فعمت الِاسْتِعَارَة بَين الْعلَّة والمعلول من الطَّرفَيْنِ
стр. 19
إلاإنه فِيمَا يكون تَخْفِيفًا فِي حَقه لَا يصدق فِي حق الْقَضَاء خَاصَّة لِمَعْنى التُّهْمَة لَا لعدم صِحَة الِاسْتِعَارَة
وَمِثَال الثَّانِي إِذا قَالَ لامْرَأَته حررتك وَنوى بِهِ الطَّلَاق يَصح لِأَن التَّحْرِير بحقيقته يُوجب زَوَال ملك الْبضْع بِوَاسِطَة زَوَال ملك الرقبه فَكَانَ سَببا مَحْضا لزوَال ملك الْمُتْعَة فَجَاز أَن يستعار عَن الطَّلَاق الَّذِي هُوَ مزيل لملك الْمُتْعَة
وَلَا يُقَال لَو جعل مجَازًا عَن الطَّلَاق لوَجَبَ أَن يكون الطَّلَاق الْوَاقِع بِهِ رَجْعِيًا كصريح الطَّلَاق
لأَنا نقُول لَا نجعله مجَازًا عَن الطَّلَاق بل عَن المزيل لملك الْمُتْعَة وَذَلِكَ فِي الْبَائِن إِذْ لرجعي لَا يزِيل ملك الْمُتْعَة عندنَا
وَلَو قَالَ لأمته طَلقتك وَنوى بِهِ التَّحْرِير لَا يَصح لِأَن الأَصْل جَازَ أَن يثبت بِهِ الْفَرْع وَأما الْفَرْع فَلَا يجوز أَن يثبت بِهِ الأَصْل وعَلى هَذَا نقُول
ينْعَقد النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَالْبيع لِأَن الْهِبَة بحقيقتها توجب ملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة يُوجب ملك الْمُتْعَة فِي الْإِمَاء فَكَانَت الْهِبَة سَببا مَحْضا لثُبُوت ملك الْمُتْعَة فَجَاز أَن يستعار عَن النِّكَاح
стр. 20
وَكَذَلِكَ لفظ التَّمْلِيك وَالْبيع لَا ينعكس حَتَّى لَا ينْعَقد البيع وَالْهِبَة بِلَفْظ النِّكَاح
ثمَّ فِي كل مَوضِع يكون الْمحل مُتَعَيّنا لنَوْع من الْمجَاز لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى النِّيَّة لَا يُقَال وَلما كَانَ إِمْكَان الْحَقِيقَة شرطا لصِحَّة الْمجَاز عِنْدهمَا
стр. 21
كَيفَ يُصَار إِلَى الْمجَاز فِي صُورَة النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة مَعَ أَن تمْلِيك الْحرَّة بِالْبيعِ وَالْهِبَة محَال
لأَنا نقُول ذَلِك مُمكن فِي الْجُمْلَة بِأَن ارْتَدَّت وَلَحِقت بدار الْحَرْب ثمَّ سبيت وَصَارَ هَذَا نَظِير مس السَّمَاء واخواته
الْفَصْل السَّادِس فصل فِي الصَّرِيح وَالْكِنَايَة
الصَّرِيح لفظ يكون المُرَاد بِهِ ظَاهرا كَقَوْلِه بِعْت واشتريت وَأَمْثَاله
وَحكمه أَنه يُوجب ثُبُوت مَعْنَاهُ بِأَيّ طَرِيق كَانَ من إِخْبَار أَو نعت أَو نِدَاء
وَمن حكمه أَنه يَسْتَغْنِي عَن النِّيَّة وعَلى هَذَا قُلْنَا
إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق أَو طَلقتك أَو يَا طَالِق يَقع الطَّلَاق نوى بِهِ الطَّلَاق أَو لم ينْو
وَكَذَا لَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر أَو حررتك أَو يَا حر
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِن التَّيَمُّم يُفِيد الطَّهَارَة لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ صَرِيح فِي حُصُول الطَّهَارَة بِهِ
стр. 22
وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه طَهَارَة ضَرُورِيَّة
وَالْآخر انه لَيْسَ بِطَهَارَة بل هُوَ ساترا للْحَدَث وعَلى هَذَا يخرج الْمسَائِل على المذهبين
من جَوَازه قبل الْوَقْت إداء الفرضين بِتَيَمُّم وَاحِد
وأمامة المتيم للمتوضئين
وجوازه بِدُونِ خوف تلف النَّفس أَو الْعُضْو بِالْوضُوءِ
وجوازه للعيد والجنازة
وجوازه بنية الطَّهَارَة
وَالْكِنَايَة هِيَ مَا استتر مَعْنَاهُ
وَالْمجَاز قبل أَن يصير متعارفا بِمَنْزِلَة الْكِنَايَة وَحكم الْكِنَايَة ثُبُوت الحكم بهَا
стр. 23
عِنْد وجود النِّيَّة أَو بِدلَالَة الْحَال إِذْ لَا بُد لَهُ من دَلِيل يَزُول بِهِ التَّرَدُّد ويترجح بِهِ بعض الْوُجُوه وَلِهَذَا الْمَعْنى سمي لفظ الْبَيْنُونَة وَالتَّحْرِيم كِنَايَة فِي بَاب الطَّلَاق لِمَعْنى التَّرَدُّد واستتار المُرَاد لَا أَنه يعْمل عمل الطَّلَاق وَيتَفَرَّع مِنْهُ حكم الْكِنَايَات فِي حق عدم ولَايَة الرّجْعَة
ولوجود معنى التَّرَدُّد فِي الْكِنَايَة لَا يُقَام بهَا الْعُقُوبَات حَتَّى لَو أقرّ على نَفسه فِي بَاب الزِّنَا وَالسَّرِقَة لَا يُقَام عَلَيْهِ الْحَد مَا لم يذكر اللَّفْظ الصَّرِيح ولهذاالمعنى لَا يُقَام الْحَد على الْأَخْرَس بِالْإِشَارَةِ
وَلَو قذف رجلا بِالزِّنَا فَقَالَ الآخر صدقت لَا يجب الْحَد لاحْتِمَال التَّصْدِيق لَهُ فِي غَيره
الْفَصْل السَّابِع فصل فِي المتقابلات يعْنى بهَا الظَّاهِر وَالنَّص والمفسر والمحكم مَعَ مَا يقابلها من الْخَفي والمشكل والمجمل والمتشابه
فَالظَّاهِر اسْم لكل كَلَام ظهر المُرَاد بِهِ للسامع بِنَفس السماع من غير تَأمل
وَالنَّص مَا سيق الْكَلَام لأَجله ومثاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ فالآية سيقت لبَيَان التَّفْرِقَة بَين البيع والربا ردا لما ادَّعَاهُ الْكفَّار من التَّسْوِيَة بَينهمَا حَيْثُ قَالُوا ﴿إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾
стр. 24
وَقد علم حل البيع وَحُرْمَة الرِّبَا بِنَفس السماع فَصَارَ ذَلِك نصا فِي التَّفْرِقَة ظَاهرا فِي حل البيع وَحُرْمَة الرِّبَا
стр. 25
٧ - / ١ بحث وجوب الْعَمَل بِحكم الظَّاهِر وَالنَّص
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾
سيق الْكَلَام لبَيَان الْعدَد وَقد علم الْإِطْلَاق وَالْإِجَازَة بِنَفس السماع فَصَارَ ذَلِك ظَاهرا فِي حق الْإِطْلَاق نصا فِي بَيَان الْعدَد
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾
نَص فِي حكم من لم يسم لَهَا الْمهْر
وَظَاهر فِي استبداد الزَّوْج بِالطَّلَاق
وَإِشَارَة إِلَى أَن النِّكَاح بِدُونِ ذكر الْمهْر يَصح
وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ
نَص فِي اسْتِحْقَاق الْعتْق للقريب
وَظَاهر فِي ثُبُوت الْملك لَهُ
وَحكم الظَّاهِر وَالنَّص وجوب الْعَمَل بهما عَاميْنِ كَانَا أَو خاصين مَعَ احْتِمَال إِرَادَة الْغَيْر وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة الْمجَاز مَعَ الْحَقِيقَة
وعَلى هذاقلنا إِذا اشْترى قَرِيبه حَتَّى عتق عَلَيْهِ يكون هُوَ معتقا وَيكون الْوَلَاء لَهُ وَإِنَّمَا يظْهر التَّفَاوُت بَينهمَا عِنْد الْمُقَابلَة
стр. 26
وَلِهَذَا لَو قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفسك فَقَالَت أبنت نَفسِي يَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا
لِأَن هَذَا نَص فِي الطَّلَاق وَظَاهر فِي الْبَيْنُونَة فيترجح الْعَمَل بِالنَّصِّ
وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ لأهل عرينة
(إشربوا من أبوالها والبانها)
نَص فِي بَيَان سَبَب الشِّفَاء
وَظَاهر فِي إجَازَة شرب الْبَوْل
وَقَوله ﵇
(استنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ)
نَص فِي وجوب الِاحْتِرَاز عَن الْبَوْل فيترجح النَّص على الظَّاهِر فَلَا يحل شرب الْبَوْل أصلا
стр. 27
٧ - / ٢ بحث تَرْجِيح الْمُفَسّر على النَّص
وَقَوله ﵇
(مَا سقته السَّمَاء فَفِيهِ الْعشْر) نَص فِي بَيَان الْعشْر
وَقَوله ﵇ لَيْسَ
(فِي الخضروات صَدَقَة) مؤول فِي نفي الْعشْر لِأَن الصَّدَقَة تحْتَمل وُجُوهًا فيترجح الأول على الثَّانِي
وَأما الْمُفَسّر فَهُوَ مَا ظهر المُرَاد بِهِ من اللَّفْظ بِبَيَان من قبل الْمُتَكَلّم بِحَيْثُ لَا يبْقى مَعَه احْتِمَال التَّأْوِيل والتخصيص مِثَاله
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فاسم الْمَلَائِكَة ظَاهر فِي الْعُمُوم إِلَّا أَن احْتِمَال التَّخْصِيص قَائِم فانسد بَاب التَّخْصِيص بقوله (كلهم) ثمَّ بَقِي احْتِمَال التَّفْرِقَة فِي السُّجُود فانسد بَاب التَّأْوِيل بقوله أَجْمَعُونَ
وَفِي الشرعيات إِذا قَالَ تزوجت فُلَانَة شهرا بِكَذَا فَقَوله تزوجت ظَاهر فِي النِّكَاح إِلَّا أَن احْتِمَال الْمُتْعَة قَائِم فبقوله شهرا فسر المُرَاد بِهِ فَقُلْنَا هَذَا مُتْعَة وَلَيْسَ بِنِكَاح
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف من ثمن هَذَا العَبْد أَو من ثمن هَذَا الْمَتَاع فَقَوله عَليّ ألف نَص فِي لُزُوم الْألف إِلَّا أَن احْتِمَال التَّفْسِير بَاقٍ
فبقوله من ثمن هَذَا العَبْد اَوْ من ثمن هَذَا الْمَتَاع بَين المُرَاد بِهِ فيترجح الْمُفَسّر على النَّص حَتَّى لَا يلْزمه المَال إِلَّا عِنْد قبض العَبْد أَو الْمَتَاع
стр. 28
وَقَوله لفُلَان عَليّ ألف ظَاهر فِي الْإِقْرَار نَص فِي نقد الْبَلَد فَإِذا قَالَ من نقد بلد كَذَا يتَرَجَّح الْمُفَسّر على النَّص فَلَا يلْزمه نقد الْبَلَد بلد نقد بلد كَذَا وعَلى هَذَا نَظَائِره
стр. 29
٧ - / ٣ بحث الْخَفي والمشكل والمجمل والمتشابه
وَأما الْمُحكم فَهُوَ مَا ازْدَادَ قُوَّة على الْمُفَسّر بِحَيْثُ لَا يجوز خِلَافه أصلا مِثَاله فِي الْكتاب ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ ﴿إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا﴾ وَفِي الحكميات مَا قُلْنَا فِي الْإِقْرَار إِنَّه لفُلَان عَليّ ألف من ثمن هَذَا العَبْد فَإِن هَذَا اللَّفْظ مُحكم فِي لُزُومه بَدَلا عَنهُ وعَلى هَذَا نَظَائِره
وَحكم الْمُفَسّر والمحكم لُزُوم الْعَمَل بهما لَا محَالة
ثمَّ لهَذِهِ الْأَرْبَعَة أَرْبَعَة أُخْرَى تقَابلهَا
فضد الظَّاهِر الْخَفي
وضد النَّص الْمُشكل
وضد الْمُفَسّر الْمُجْمل
وضد الْمُحكم الْمُتَشَابه
فالخفي مَا أخْفى المُرَاد بهَا بِعَارِض لَا من حَيْثُ الصِّيغَة مِثَاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فَإِنَّهُ ظَاهر فِي حق السَّارِق خَفِي فِي حق الطرار والنباش
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ ظاهرفي حق الزَّانِي خَفِي فِي حق اللوطي
وَلَو حلف لَا يَأْكُل فَاكِهَة كَانَ ظَاهرا فِيمَا يتفكه بِهِ خفِيا فِي حق الْعِنَب وَالرُّمَّان
стр. 30
وَحكم الْخَفي وجوب الطّلب حَتَّى يَزُول عَنهُ الخفاء
وَأما الْمُشكل فَهُوَ مَا ازْدَادَ خَفَاء على الْخَفي كَأَنَّهُ بَعْدَمَا خَفِي على السَّامع حَقِيقَة دخل فِي أشكاله وَأَمْثَاله حَتَّى لَا ينَال المُرَاد إِلَّا بِالطَّلَبِ ثمَّ بِالتَّأَمُّلِ حَتَّى يتَمَيَّز عَن أَمْثَاله
وَنَظِيره فِي الْأَحْكَام لَو حلف لَا يأتدم فَإِنَّهُ ظَاهر فِي الْخلّ والدبس فَإِنَّمَا هُوَ مُشكل فِي اللَّحْم وَالْبيض والجبن حَتَّى يطْلب فِي معنى الائتدام ثمَّ يتَأَمَّل أَن ذَلِك الْمَعْنى هَل يُوجد فِي اللَّحْم وَالْبيض والجبن أَولا
ثمَّ وفْق الْمُشكل الْمُجْمل وَهُوَ مَا احْتمل وُجُوهًا فَصَارَ بِحَال لَا يُوقف على المُرَاد بِهِ إِلَّا بِبَيَان من قبل الْمُتَكَلّم
стр. 31
وَنَظِيره فِي الشرعيات قَوْله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ فَإِن الْمَفْهُوم من الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَة الْمُطلقَة وَهِي غير مُرَادة بل المُرَاد الزِّيَادَة الخالية عَن الْعِوَض فِي بيع المقدورات المتجانسة وَاللَّفْظ لَا دلَالَة لَهُ على هَذَا فَلَا ينَال المُرَاد بِالتَّأَمُّلِ
ثمَّ فَوق الْمُجْمل فِي الخفاء الْمُتَشَابه مِثَال الْمُتَشَابه الْحُرُوف المقطعات فِي أَوَائِل السُّور
وَحكم الْمُجْمل والمتشابه اعْتِقَاد حقية المُرَاد بِهِ حَتَّى يَأْتِي الْبَيَان
الْفَصْل الثَّامِن فصل فِيمَا يتْرك بِهِ حقائق الْأَلْفَاظ وَمَا يتْرك بِهِ حَقِيقَة اللَّفْظ خَمْسَة أَنْوَاع
أَحدهَا دلَالَة الْعرف وَذَلِكَ لِأَن ثُبُوت الْأَحْكَام بالألفاظ إِنَّمَا كَانَ لدلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى المُرَاد للمتكلم
فَإِذا كَانَ الْمَعْنى متعارفا بَين النَّاس كَانَ ذَلِك الْمَعْنى الْمُتَعَارف دَلِيلا على أَنه هُوَ المُرَاد بِهِ ظَاهرا فيترتب عَلَيْهِ الحكم
مِثَاله لَو حلف لَا يَشْتَرِي رَأْسا فَهُوَ على مَا تعارفه النَّاس فَلَا يَحْنَث بِرَأْس العصفور والحمامة
стр. 32
وَكَذَلِكَ لَو حلف لَا يَأْكُل بيضًا كَانَ ذَلِك على الْمُتَعَارف فَلَا يَحْنَث بتناول بيض العصفور والحمامة
وَبِهَذَا ظهر أَن ترك الْحَقِيقَة لَا يُوجب الْمصير إِلَى الْمجَاز بل جَازَ أَن تثبت بِهِ الْحَقِيقَة القاصرة ومثاله تَقْيِيد الْعَام بِالْبَعْضِ
стр. 33
بحث ترك الْحَقِيقَة بِدلَالَة فِي نفس الْكَلَام
وَكَذَلِكَ لَو نذر حجا أَو مشيا إِلَى بَيت الله تَعَالَى أَو أَن يضْرب بِثَوْبِهِ حطيم الْكَعْبَة يلْزمه الْحَج بِأَفْعَال مَعْلُومَة لوُجُود الْعرف
وَالثَّانِي قد تتْرك الْحَقِيقَة بِدلَالَة فِي نفس الْكَلَام مِثَاله إِذا قَالَ كل مَمْلُوك لي فَهُوَ حرلم يعْتق مكاتبوه وَلَا من أعتق بعضه إِلَّا إِذا نوى دُخُولهمْ لِأَن لفظ الْمَمْلُوك مُطلق يتَنَاوَل الْمَمْلُوك من كلوجه وَالْمكَاتب لَيْسَ بمملوك وَمن كل وَجه وَلِهَذَا لم يجز تصرفه فِيهِ وَلَا يحل لَهُ وَطْء الْمُكَاتبَة وَلَو تزوج الْمكَاتب بنت مَوْلَاهُ ثمَّ مَاتَ الْمولى ورثته الْبِنْت لم يفْسد النِّكَاح
وَإِذا لم يكن مَمْلُوكا من كل وَجه لَا يدْخل تَحت لفظ الْمَمْلُوك الْمُطلق
وَهَذَا بِخِلَاف الْمُدبر وَأم الْوَلَد فَإِن الْملك فيهمَا كَامِل وَلذَا حل وَطْء الْمُدبرَة وَأم الْوَلَد وَإِنَّمَا النُّقْصَان فِي الرّقّ من حَيْثُ أَنه يَزُول بِالْمَوْتِ لَا محَالة وعَلى هَذَا
قُلْنَا إِذا أعتق الْمكَاتب عَن كَفَّارَة يَمِينه أَو ظهارها جَازَ وَلَا يجوز فيهمَا إِعْتَاق الْمُدبر وَأم الْوَلَد لِأَن الْوَاجِب هُوَ التَّحْرِير وَهُوَ إِثْبَات الْحُرِّيَّة بِإِزَالَة الرّقّ فَإِذا كَانَ الرّقّ فِي الْمكَاتب كَامِلا كَانَ تحريره تحريرا من جَمِيع الْوُجُوه وَفِي الْمُدبر وَأم الْوَلَد لما كَانَ الرّقّ نَاقِصا لَا يكون
стр. 34
التَّحْرِير تحريرا من كل الْوُجُوه
وَالثَّالِث قد تتْرك الْحَقِيقَة بِدلَالَة سِيَاق الْكَلَام قَالَ فِي (السّير الْكَبِير) إِذا قَالَ الْمُسلم للحربي إنزل فَنزل كَانَ آمنا
стр. 35
بحث ترك الْحَقِيقَة بِدلَالَة من قبل الْمُتَكَلّم
وَلَو قَالَ إنزل إِن كنت رجلا فَنزل لَا يكون آمنا
وَلَو قَالَ الْحَرْبِيّ الْأمان الْأمان فَقَالَ الْمُسلم الْأمان الْأمان كَانَ أمنا
وَلَو قَالَ الْأمان ستعلم مَا تلقى غَدا أَو لَا تعجل حَتَّى ترى فَنزل لَا يكون آمنا
وَلَو قا اشْتَرِ لي جَارِيَة لتخدمني فَاشْترى العمياء أَو الشلاء لَا يجوز
وَلَو قَالَ اشْتَرِ لي جَارِيَة حَتَّى أطأها فَاشْترى أُخْته من الرَّضَاع لَا يكون عَن الْمُوكل
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْله ﵇
(إِذا وَقع الذُّبَاب فِي طَعَام أحدكُم فامقلوه ثمَّ انقلوه فَإِن فِي إِحْدَى جناحيه دَاء وَفِي الْأُخْرَى دَوَاء وَإنَّهُ ليقدم الدَّاء على الدَّوَاء)
دلّ سِيَاق الْكَلَام على أَن الْمقل لدفع الْأَذَى عَنَّا لَا لأمر تعبدي حَقًا للشَّرْع فَلَا يكون للْإِيجَاب
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ عقيب قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات﴾ يدل على أَن ذكر الْأَصْنَاف لقطع طمعهم من الصَّدقَات بِبَيَان المصارف لَهَا فَلَا يتَوَقَّف الْخُرُوج عَن الْعهْدَة على الْأَدَاء إِلَى الْكل
وَالرَّابِع قد تتْرك الْحَقِيقَة بِدلَالَة من قبل الْمُتَكَلّم مِثَاله قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾
стр. 36
وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى حَكِيم وَالْكفْر قَبِيح والحكيم لَا يَأْمر بِهِ فَيتْرك دلَالَة اللَّفْظ على الْأَمر بحكمة الْأَمر وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا وكل بشرَاء اللَّحْم
فَإِن كَانَ مُسَافِرًا نزل على الطَّرِيق فَهُوَ على الْمَطْبُوخ أَو على المشوي
وَإِن كَانَ صَاحب منزل فَهُوَ على النيء وَمن هَذَا النَّوْع يَمِين الْفَوْر مِثَاله إِذا قَالَ تعال تغد معي فَقَالَ وَالله لَا أتغدى ينْصَرف ذَلِك إِلَى الْغَدَاء الْمَدْعُو إِلَيْهِ حَتَّى لَو تغدى بعد ذَلِك فِي منزله مَعَه أَو مَعَ غَيره فِي ذَلِك الْيَوْم لايحنث
وَكَذَا إِذا قَامَت الْمَرْأَة تُرِيدُ الْخُرُوج فَقَالَ الزَّوْج إِن خرجت فَأَنت كَذَا كَانَ الحكم مَقْصُورا على الْحَال حَتَّى لَو خرجت بعد ذَلِك لَا يَحْنَث
وَالْخَامِس وَقد تتْرك الْحَقِيقَة بِدلَالَة مَحل الْكَلَام بِأَن كَانَ الْمحل لَا يقبل حَقِيقَة اللَّفْظ ومثاله انْعِقَاد نِكَاح الْحرَّة بِلَفْظ البيع وَالْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَالصَّدَََقَة وَقَوله لعَبْدِهِ وَهُوَ مَعْرُوف النّسَب من غَيره هَذَا إبني وَكَذَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ وَهُوَ أكبر سنا من الْمولى هَذَا إبني كَانَ مجَازًا عَن الْعتْق عِنْد أبي حنيفَة ﵁ خلافًا لَهما بِنَاء على مَا ذكرنَا أَن الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة فِي حق اللَّفْظ عِنْده وَفِي حق الحكم عِنْدهمَا
стр. 37
الْفَصْل التَّاسِع فصل فِي متعلقات النُّصُوص
نعني بهَا عبارَة النَّص وإشارته ودلالته واقتضاءه
فَأَما عبارَة النَّص فَهُوَ مَا سيق الْكَلَام لأَجله وَأُرِيد بِهِ قصدا
وَأما إِشَارَة النَّص فَهِيَ مَا ثَبت بنظم النَّص
стр. 38
من غير زِيَادَة وَهُوَ غير ظَاهر من كل وَجه وَلَا سيق الْكَلَام لأَجله
مِثَاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ﴾ الْآيَة فَإِنَّهُ سيق لبَيَان اسْتِحْقَاق الْغَنِيمَة فَصَارَ نصا فِي ذَلِك وَقد ثَبت فَقرهمْ بنظم النَّص فَكَانَ إِشَارَة إِلَى أَن اسْتِيلَاء الْكَافِر على مَال الْمُسلم سَبَب لثُبُوت الْملك للْكَافِرِ إِذْ لَو كَانَت الْأَمْوَال بَاقِيَة على ملكهم لَا يثبت فَقرهمْ
وَيخرج مِنْهُ الحكم فِي مَسْأَلَة الِاسْتِيلَاء وَحكم ثُبُوت الْملك للتاجر بِالشِّرَاءِ مِنْهُم وتصرفاته من البيع وَالْهِبَة وَالْإِعْتَاق
وَحكم ثُبُوت الاستغنام وَثُبُوت الْملك للغازي وَعجز الْمَالِك عَن انْتِزَاعه من يَده وتفريعاته
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فالإمساك فِي أول الصُّبْح يتَحَقَّق مَعَ الْجَنَابَة لِأَن من ضَرُورَة حل الْمُبَاشرَة إِلَى الصُّبْح أَن يكون الْجُزْء الأول من النَّهَار مَعَ وجود الْجَنَابَة والإمساك فِي ذَلِك الْجُزْء صَوْم أَمر العَبْد بإتمامه فَكَانَ هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الْجَنَابَة لَا تنَافِي الصَّوْم
وَلزِمَ من ذَلِك أَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق لَا يُنَافِي بَقَاء الصَّوْم
стр. 39
وَيتَفَرَّع مِنْهُ أَن من ذاق شَيْئا بفمه لم يفْسد صَوْمه فَإِنَّهُ لَو كَانَ المَاء مالحا يجد طعمه عِنْد الْمَضْمَضَة لَا يفْسد بِهِ الصَّوْم
стр. 40
بحث كَون حكم دلَالَة النَّص عُمُوم الحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ
وَعلم مِنْهُ حكم الِاحْتِلَام والاحتجام والادهان لِأَن الْكتاب لما سمي الْإِمْسَاك اللَّازِم بِوَاسِطَة الِانْتِهَاء عَن الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي أول الصُّبْح صوما علم أَن ركن الصَّوْم يتم بالانتهاء عَن الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة
وعَلى هَذَا يخرج الحكم فِي مَسْأَلَة التبييت فَإِن قصد الْإِتْيَان بالمأمور بِهِ إِنَّمَا يلْزمه عِنْد توجه الْأَمر
وَالْأَمر إِنَّمَا يتَوَجَّه بعد الْجُزْء الأول لقَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾
وَأما دلَالَة النَّص فَهِيَ مَا علم عِلّة للْحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ لُغَة لَا اجْتِهَادًا وَلَا استنباطا مِثَاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾
فالعالم بأوضاع اللُّغَة يفهم بِأول السماع أَن تَحْرِيم التأفيف لدفع الْأَذَى عَنْهُمَا
وَحكم هَذَا النَّوْع عُمُوم الحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ لعُمُوم علته وَلِهَذَا الْمَعْنى قُلْنَا بِتَحْرِيم الضَّرْب والشتم والاستخدام عَن الْأَب بِسَبَب الْإِجَارَة وَالْحَبْس بِسَبَب الدّين وَالْقَتْل قصاصا
следующие страницы →