← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6309

المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران

ابن بدران

Полный текст (458 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الذُّنُوب الَّتِي قد اسْتوْجبَ بهَا الْعقُوبَة فَأمره إِلَى الله إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ غفر لَهُ قَالَ وَمن الْإِيمَان الِاعْتِقَاد بِأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان قد خلقتا كَمَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت قصرا وَرَأَيْت فِيهَا الْكَوْثَر واطلعت فِي الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا كَذَا وأطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا كَذَا وَكَذَا فَمن زعم أَنَّهُمَا لم يخلقا فَهُوَ مكذب بِالْقُرْآنِ وَأَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وَلَا أَحْسبهُ يُؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار

стр. 37

وَمن مَاتَ من أهل الْقبْلَة موحدا نصلي عَلَيْهِ ونستغفر لَهُ وَلَا يحجب عَنهُ الاسْتِغْفَار وَلَا نَتْرُك الصَّلَاة عَلَيْهِ لذنب أذنبه صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا ونفوض أمره إِلَى الله وقتال اللُّصُوص والخوارج جَائِز إِذا عرضوا للرجل فِي نَفسه وَمَاله فَلهُ أَن يُقَاتل عَن نَفسه وَمَاله وَيدْفَع عَنْهُمَا بِكُل مَا يقدر وَلَيْسَ لَهُ إِذا فارقوه أَو تَرَكُوهُ أَن يطلبهم وَلَا يتتبع آثَارهم لَيْسَ لأحد إِلَّا للْإِمَام أَو وُلَاة الْمُسلمين إِنَّمَا لَهُ أَن يدْفع عَن نَفسه فِي مقَامه وَيَنْوِي بِجهْدِهِ أَن لَا يقتل أحدا فَإِن أَتَى على بدنه فِي دَفعه عَن نَفسه فِي المعركة فأبعد الله الْمَقْتُول وَإِن قتل هَذَا فِي تِلْكَ الْحَال وَهُوَ يدْفع عَن نَفسه وَمَاله رَجَوْت لَهُ الشَّهَادَة كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث وَجَمِيع الْآثَار فِي هَذَا إِنَّمَا أَمر بقتاله وَلم يُؤمر بقتْله وَلَا اتِّبَاعه وَلَا يُجهز عَلَيْهِ إِن صرع وَإِن كَانَ طريحا وَإِن أَخذه أَسِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَن يقْتله وَلَا أَن يُقيم عَلَيْهِ الْحَد وَلَكِن يرفع أمره إِلَى من ولاه الله فَيحكم فِيهِ والسمع وَالطَّاعَة للأئمة وأمير الْمُؤمنِينَ الْبر والفاجر وَمن ولي الْخلَافَة من اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ ورضوه وَمن غلبهم بِالسَّيْفِ حَتَّى صَار خَليفَة وَيُسمى أَمِير الْمُؤمنِينَ والغزو مَاض مَعَ الْأُمَرَاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الْبر والفاجر لَا يتْرك وَقِسْمَة الْفَيْء وَإِقَامَة الْحُدُود إِلَى الْأَئِمَّة مَاض لَيْسَ لأحد أَن يطعن عَلَيْهِم وَلَا ينازعهم وَدفع الصَّدقَات إِلَيْهِم جَائِزَة نَافِذَة من دَفعهَا إِلَيْهِم أَجْزَأت عَنهُ برا كَانَ أَو فَاجِرًا

стр. 38

وَصَلَاة الْجُمُعَة خَلفه وَخلف من ولي جَائِزَة إِمَامَته رَكْعَتَيْنِ من أعادهما فَهُوَ مُبْتَدع تَارِك للآثار مُخَالف للسّنة لَيْسَ لَهُ من فضل الْجُمُعَة شَيْء إِذا لم ير الصَّلَاة خلف الْأَئِمَّة كائنين من كَانُوا برهم وفاجرهم فَالسنة أَن تصلي مَعَهم رَكْعَتَيْنِ وَتَدين بِأَنَّهَا تَامَّة لَا يكن فِي صدرك شكّ وَمن خرج على إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين وَقد كَانُوا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ وأقروا لَهُ بالخلافة بِأَيّ وَجه كَانَ بِالرِّضَا أَو بالغلبة فقد شقّ هَذَا الْخَارِج عَصا الْمُسلمين وَخَالف الْآثَار عَن رَسُول الله فَإِن مَاتَ الْخَارِج عَلَيْهِ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة وَلَا يحل قتال السُّلْطَان وَلَا الْخُرُوج عَلَيْهِ لأحد من النَّاس فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع على غير السّنة وَالطَّرِيق انْتَهَت رِوَايَة عَبدُوس وَإِلَيْك غَيرهَا أخرج أَبُو يعلى فِي الطَّبَقَات والحافظ ابْن الْجَوْزِيّ فِي المناقب وَذكر الْبُرْهَان ابْن مُفْلِح فِي الطَّبَقَات عَن الْحسن بن إِسْمَاعِيل الربعِي أَنه قَالَ قَالَ لي أَحْمد بن حَنْبَل إِمَام أهل السّنة والصابر لله تَحت المحنة اجْمَعْ تسعون رجلا من التَّابِعين وأئمة الْمُسلمين وأئمة السّلف وفقهاء الْأَمْصَار على أَن السّنة الَّتِي توفّي عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ أَولهَا الرضاء بِقَضَاء الله تَعَالَى وَالتَّسْلِيم لأَمره وَالصَّبْر تَحت حكمه وَالْأَخْذ بِمَا أَمر الله بِهِ وَالنَّهْي عَمَّا نهى الله عَنهُ وإخلاص الْعَمَل لله وَالْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره وَترك المراء والجدال والخصومات فِي الدّين وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ وَالْجهَاد مَعَ كل خَليفَة بر وَفَاجِر وَالصَّلَاة على من تَابَ من أهل الْقبْلَة وَالْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد الطَّاعَة وَينْقص بالمعصية وَالْقُرْآن كَلَام الله منزل على قلب نبيه ﷺ غير مَخْلُوق من حَيْثُ تلى وَالصَّبْر تَحت لِوَاء

стр. 39

السُّلْطَان مَا كَانَ مِنْهُ من عدل أَو جور وَلَا نخرج على الْأُمَرَاء بِالسَّيْفِ وَإِن جاروا وَلَا نكفر أحدا من أهل التَّوْحِيد وَإِن عمِلُوا بالكبائر والكف عَمَّا شجر بَين أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأفضل النَّاس بعد رَسُول الله أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ابْن عَم رَسُول الله والترحم على جَمِيع أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وأزواجه وَأَوْلَاده وأصهاره رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَهَذِهِ هِيَ السّنة الزموها تسلموا أَخذهَا بركَة وَتركهَا ضَلَالَة

стр. 40

رَوْضَة فِي كَلِمَات للْإِمَام فِي مسَائِل من أصُول الدّين روى عَنهُ أَبُو دَاوُد صَاحب السّنَن أَنه قَالَ الْإِيمَان قَول وَعمل وَيزِيد وَينْقص الْبر كُله من الْإِيمَان والمعاصي تنقص الْإِيمَان وروى الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ عَن صَالح بن الإِمَام أَحْمد قَالَ تناهى إِلَيّ أَن أَبَا طَالب يَحْكِي عَن أبي أَنه يَقُول لَفْظِي بالمخلوق غير مَخْلُوق فَأخْبرت أبي بذلك فَقَالَ من أخْبرك فَقلت فلَان فَقَالَ ابْعَثْ إِلَى أبي طَالب فوجهت إِلَيْهِ فجَاء وَجَاء بوران فَقَالَ لَهُ إِنِّي أَنا قلت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق وَغَضب وَجعل يرعد فَقَالَ قَرَأت قل هُوَ الله أحد فَقلت هَذَا لَيْسَ بمخلوق فَقَالَ لَهُ لم حكيت عني أَنِّي قلت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق وَبَلغنِي أَنَّك وضعت ذَلِك فِي كتاب وكتبت بِهِ إِلَى قوم فَإِن كَانَ فِي كتابك فامحه أَشد المحو واكتب إِلَى الْقَوْم الَّذين كتبت إِلَيْهِم إِنَّنِي لم أقل ذَلِك فَجعل بوران يعْتَذر لَهُ وَانْصَرف أَبُو طَالب فَذكر أَنه قد كَانَ حك ذَلِك من كِتَابه وَأَنه قد كتب إِلَى الْقَوْم يُخْبِرهُمْ أَنه وهم على أبي فِي الْحِكَايَة هَذَا

стр. 41

قلت وَلَقَد وهم أَبُو طَالب حَقًا فَإِن قَول الإِمَام هَذَا لَيْسَ بمخلوق أَشَارَ بِهِ إِلَى المقروء وَأَبُو طَالب فهم أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَلْفَاظ القارىء وَهَذَا أَشد الْغَلَط وحاشا أَن يَجْعَل لَفظه بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فليفهم وَكَانَ يَقُول فِي أَحَادِيث الصِّفَات يرونها كَمَا جَاءَت وَكَانَ يَقُول عُلَمَاء الْمُعْتَزلَة زنادقة وَقَالَ لِابْنِهِ عبد الله لَا تصل خلف من قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَإِن صلى رجل خَلفه أعَاد الصَّلَاة وَقَالَ للميموني يَا أَبَا الْحسن إِذا رَأَيْت رجلا يذكر أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بِسوء فاتهمه على الْإِسْلَام وَقَالَ لما مرض رَسُول الله ﷺ قدم أَبَا بكر ليُصَلِّي بِالنَّاسِ وَقد كَانَ فِي الْقَوْم من هُوَ أَقرَأ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخلَافَة وَأخرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي المناقب وَأَبُو يعلى فِي طبقاته عَن عَبدُوس بن مَالك الْعَطَّار قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل يَقُول خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر بن الْخطاب ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان نقدم هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَمَا قدمهم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك ثمَّ من بعد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَصْحَاب الشورى الْخَمْسَة عَليّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد وَكلهمْ يصلح للخلافة وَكلهمْ إِمَام نَذْهَب فِي ذَلِك إِلَى حَدِيث ابْن عمر كُنَّا نعد وَرَسُول الله حَيّ وَأَصْحَابه

стр. 42

متوافرون أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ونسكت ثمَّ نعد أَصْحَاب الشورى أهل بدر من الْمُهَاجِرين وَأهل بدر من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على قدر الْهِجْرَة والسابقة أَولا فأولا ثمَّ أفضل النَّاس بعد هَؤُلَاءِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الْقرن الَّذِي بعث فيهم كل من صَحبه سنة أَو شهرا أَو يَوْمًا أَو سَاعَة أَو رَآهُ فَهُوَ من أَصْحَابه لَهُ من الصُّحْبَة على قدر مَا صَحبه وَكَانَت سابقته مَعَه وَسمع مِنْهُ وَنظر إِلَيْهِ نظرة فأدناهم صُحْبَة هُوَ أفضل من الْقرن الَّذِي لم يروه وَلَو لقوا الله بِجَمِيعِ الْأَعْمَال كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذين صحبوا النَّبِي ﷺ ورأوه وسمعوا مِنْهُ وَرَآهُ بِعَيْنِه وآمن بِهِ وَلَو سَاعَة أفضل لصحبتهم من التَّابِعين وَلَو عمِلُوا كل أَعمال الْخَيْر وَمن انْتقصَ أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وأبغضه لحَدث كَانَ مِنْهُ أَو ذكر مساويه كَانَ مبتدعا حَتَّى يترحم عَلَيْهِم جَمِيعًا وَيكون قلبه سليما تَنْبِيه أدرج أَبُو يعلى هَذِه الرِّوَايَة فِي رِوَايَة عَبدُوس السَّابِقَة وأفردها ابْن الْجَوْزِيّ وَنحن تَبِعْنَاهُ فِي إفرادها وَكَانَ يَقُول قدمُوا عُثْمَان على عَليّ وَقَالَ من قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بأصحاب الشورى وَقَالَ أَيْضا من فضل عليا على أبي بكر فقد طعن على رَسُول الله ﷺ وَمن قدم عليا على عمر فقد طعن على رَسُول الله ﷺ وعَلى أبي بكر وَمن قدم عليا على عُثْمَان فقد طعن على رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر وعَلى الْمُهَاجِرين وَلَا أَحسب يصلح لَهُ عمل روى ابْن الْجَوْزِيّ ذَلِك عَن مُحَمَّد بن عَوْف عَن أَحْمد

стр. 43

وروى أَيْضا عَن عبد الله بن الإِمَام أَحْمد قَالَ كنت بَين يَدي أبي جَالِسا ذَات يَوْم فَجَاءَت طَائِفَة من الكرخية فَذكرُوا خلَافَة أبي بكر وَخِلَافَة عمر وَخِلَافَة عُثْمَان فَأَكْثرُوا وَذكروا خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب فزادوا وأطالوا فَرفع أبي رَأسه إِلَيْهِم فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ قد أَكثرْتُم القَوْل فِي عَليّ والخلافة إِن الْخلَافَة لَا تزين عليا بل عَليّ يزينها قَالَ البشاري فَحدثت بِهَذَا بعض الشِّيعَة فَقَالَ لي قد أخرجت نصف مَا كَانَ فِي قلبِي على أَحْمد بن حَنْبَل من البغض وَكَانَ الإِمَام أَحْمد يَقُول مَا لأحد من الصَّحَابَة من الْفَضَائِل بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح مَا لعَلي ﵁ وَقَالَ من لم يثبت الْإِمَامَة لعَلي فَهُوَ أضلّ من حمَار أَهله وروى ابْن الْجَوْزِيّ عَن حَنْبَل قَالَ قلت لأبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل هَل خلَافَة عَليّ ثَابِتَة فَقَالَ سُبْحَانَ الله يُقيم على الْحُدُود وَيقطع وَيَأْخُذ الصَّدَقَة ويقسمها بِلَا حق وَجب لَهُ أعوذ بِاللَّه من هَذِه الْمقَالة نعم هُوَ خَليفَة رضية أَصْحَاب رَسُول الله وصلوا خَلفه وغزوا مَعَه وَجَاهدُوا وحجوا وَكَانُوا ي بُد الله سَأَلت أبي عَن رجل شتم رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله فَقَالَ مَا أرَاهُ على الْإِسْلَام

стр. 44

شذرة أَيْضا فِي كَلَامه فِي الْأُصُول أخرج ابْن الْجَوْزِيّ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن هانىء الطَّائِي الْمَعْرُوف بالأثرم قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول إِنَّمَا هُوَ السّنة والاتباع وَإِنَّمَا الْقيَاس يقيس على أصل ثمَّ يَجِيء إِلَى الأَصْل فيهدمه ثمَّ يَقُول هَذَا قِيَاس فعلى أَي شَيْء كَانَ هَذَا الْقيَاس وَقيل لَهُ لَا يَنْبَغِي أَن يقيس إِلَّا رجل عَالم كَبِير يعرف نِسْبَة الشَّيْء بالشَّيْء معرفَة كَثِيرَة فَقَالَ أجل لَا يَنْبَغِي قَالَ الْأَثْرَم وَسمعت أَبَا عبد الله يَقُول إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة عَن النَّبِي ﷺ حَدِيث لم نَأْخُذ فِيهَا بقول أحد من الصَّحَابَة وَلَا بقول من بعدهمْ وَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَول مُخْتَلف نتخير من أقاويلهم وَلَا نَأْخُذ بقول من بعدهمْ وَإِذا لم يكن فِيهَا حَدِيث وَلَا قَول لأحد من الصَّحَابَة نتخير من أَقْوَال التَّابِعين وَرُبمَا كَانَ الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ وَفِي إِسْنَاده شَيْء فنأخذ بِهِ إِذا لم يجىء خِلَافه قَالَ أَخذنَا بِالْحَدِيثِ الْمُرْسل إِذا لم يجىء خِلَافه وروى مُحَمَّد بن عَوْف بن سُفْيَان الطَّائِي الْحِمصِي عَن الإِمَام أَحْمد مقَالَة طَوِيلَة فِي الِاعْتِقَاد حَكَاهَا عَنهُ أَبُو يعلى فِي الطَّبَقَات لَكِنَّهَا لما كَانَت مسائلها قد تضمنتها رسالتي مُسَدّد وعبدوس أضربنا عَن ذكرهَا خوف التَّطْوِيل وروى أَبُو يعلى فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن يَعْقُوب الْفَارِسِي

стр. 45

الأصطخري عَنهُ رِسَالَة مُطَوَّلَة عَن الإِمَام أَحْمد وَنحن ننقلها هُنَا وَإِن كَانَ فِيهَا تكْرَار لما مضى فَإِن المكرر أحلى قَالَ الأصطخري قَالَ أَبُو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل هَذِه مَذَاهِب أهل الْعلم وَأَصْحَاب الْأَثر وَأهل السّنة المتمسكين بعروقها المعروفين بهَا المقتدى بهم فِيهَا من لدن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَأدْركت من أدْركْت من عُلَمَاء أهل الْحجاز وَالشَّام وَغَيرهم عَلَيْهَا فَمن خَالف شَيْئا من هَذِه الْمذَاهب أَو طعن فِيهَا أَو أعاب قَائِلهَا فَهُوَ مُبْتَدع خَارج من الْجَمَاعَة زائل عَن مَنْهَج السّنة وسبيل الْحق وَكَانَ قَوْلهم إِن الْإِيمَان قَول وَعمل وَنِيَّة وَتمسك بِالسنةِ وَالْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَيسْتَثْنى فِي الْإِيمَان غير أَن لَا يكون الِاسْتِثْنَاء شكا إِنَّمَا هِيَ سنة عِنْد الْعلمَاء مَاضِيَة قَالَ وَإِذا سُئِلَ رجل أمؤمن أَنْت فَإِنَّهُ يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله أَو مُؤمن أَرْجُو أَو يَقُول آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله أَن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل فَهُوَ مرجىء

стр. 46

وَمن زعم أَن الْإِيمَان هُوَ القَوْل والأعمال شرائع فَهُوَ مرجىء وَمن زعم أَن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص فقد قَالَ بقول المرجئة وَمن لم ير الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان فَهُوَ مرجىء وَمن زعم أَن إيمَانه كَإِيمَانِ جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة فَهُوَ مرجىء قَالَ وَمن زعم أَن الْمعرفَة تَنْفَع فِي الْقلب لَا يتَكَلَّم بهَا فَهُوَ مرجىء قَالَ وَالْقدر خَيره وشره وقليله وَكَثِيره وَظَاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وَحسنه وقبيحه وأوله وَآخره من الله قَضَاء قَضَاهُ وَقدرا قدره عَلَيْهِم لَا يعدو أحد مِنْهُم مَشِيئَة الله وَلَا يُجَاوز قَضَاءَهُ بل هم كلهم صائرون إِلَى مَا خلقهمْ لَهُ واقعون فِيمَا قدر عَلَيْهِم لأفعاله وَهُوَ عدل مِنْهُ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَقتل النَّفس وَأكل المَال الْحَرَام والشرك بِاللَّه والمعاصي كلهَا بِقَضَاء وَقدر من غير أَن يكون أحد من الْخلق على الله حجَّة بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة على خلقه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الْأَنْبِيَاء ٢٣ علم الله تَعَالَى مَاض فِي خلقه بِمَشِيئَة مِنْهُ قد علم من إِبْلِيس وَمن غَيره مِمَّن عَصَاهُ من لدن أَن عصي ﵎ إِلَى أَن تقوم السَّاعَة الْمعْصِيَة وخلقهم لَهَا وَعلم الطَّاعَة من أهل الطَّاعَة وخلقهم لَهَا وكل يعْمل لما خلق لَهُ وصائر إِلَى مَا قضي عَلَيْهِ وَعلم مِنْهُ لَا يعدو أحد مِنْهُم قدر الله ومشيئته وَالله الْفَاعِل لما يُرِيد الفعال لما يَشَاء وَمن زعم أَن الله شَاءَ لِعِبَادِهِ الَّذين عصوه الْخَيْر وَالطَّاعَة وَأَن الْعباد شَاءُوا لأَنْفُسِهِمْ الشَّرّ وَالْمَعْصِيَة فعملوا على مشيئتهم فقد زعم أَن مَشِيئَة الْعباد أغْلظ من مَشِيئَة الله ﵎ فَأَي افتراء أكبر على الله من هَذَا وَمن زعم أَن الزِّنَا لَيْسَ بِقدر قيل لَهُ أَرَأَيْت هَذِه الْمَرْأَة إِن

стр. 47

حملت من الزِّنَا وَجَاءَت بِولد هَل شَاءَ الله أَن يخلق هَذَا الْوَلَد وَهل مضى فِي سَابق علمه فَإِن قَالَ لَا فقد زعم أَن مَعَ الله خَالِقًا وَهَذَا هُوَ الشّرك صراحا وَمن زعم أَن السّرقَة وَشرب الْخمر وَأكل المَال الْحَرَام لَيْسَ بِقَضَاء وَقدر فقد زعم أَن هَذَا الْإِنْسَان قَادر على أَن يَأْكُل رزق غَيره وَهَذَا صراح قَول الْمَجُوسِيَّة بل أكل رزقه وَقضى الله أَن يَأْكُلهُ من الْوَجْه الَّذِي أكله وَمن زعم أَن قتل النَّفس لَيْسَ بِقدر من الله فقد زعم أَن الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْر أَجله وَأي كفر أوضح من هَذَا بل ذَلِك بِقَضَاء الله وَذَلِكَ بمشيئته فِي خلقه وتدبيره فيهم وَمَا جرى من سَابق علمه فيهم وَهُوَ الْعدْل الْحق الَّذِي يفعل مَا يُرِيد وَمن أقرّ بِالْعلمِ لزمَه الْإِقْرَار بِالْقُدْرَةِ والمشيئة على الصغر والقمأ وَلَا نشْهد على أحد من أهل الْقبْلَة أَنه فِي النَّار لذنب عمله وَلَا لكبيرة أَتَاهَا إِلَّا أَن يكون فِي ذَلِك كَمَا جَاءَ على مَا رُوِيَ بِصَدقَة ونعلم أَنه كَمَا جَاءَ وَلَا ننص الشَّهَادَة والخلافة فِي قُرَيْش مَا بَقِي من النَّاس اثْنَان لَيْسَ لأحد من النَّاس أَن ينازعهم فِيهَا وَلَا يخرج عَلَيْهِم وَلَا يقر لغَيرهم بهَا إِلَى قيام السَّاعَة وَالْجهَاد مَاض قَائِم مَعَ الْأَئِمَّة بروا أَو فجروا لَا يُبطلهُ جور

стр. 48

جَائِر وَلَا عدل عَادل وَالْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَالْحج مَعَ السُّلْطَان وَإِن لم يَكُونُوا بررة وَلَا أتقياء وَلَا عُدُولًا وَدفع الصَّدقَات وَالْخَرَاج والأعشار والفيء والغنائم إِلَى الْأُمَرَاء عدلوا فِيهَا أم جارو والانقياد إِلَى من ولاه الله أَمركُم لَا تنْزع يدا من طَاعَته وَلَا تخرج عَلَيْهِ بسيفك حَتَّى يَجْعَل الله لَك فرجا ومخرجا وَلَا تخرج على السلطات وَتسمع وتطيع وَلَا تنكث بيعَة فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع مُخَالف مفارق للْجَمَاعَة وَإِن أَمرك السُّلْطَان بِأَمْر هُوَ لله مَعْصِيّة فَلَيْسَ لَك أَن تُطِيعهُ أَلْبَتَّة وَلَيْسَ لَك أَن تخرج عَلَيْهِ وَلَا تَمنعهُ حَقه والإمساك فِي الْفِتْنَة سنة مَاضِيَة وَاجِب لُزُومهَا فَإِن ابْتليت فَقدم نَفسك دون دينك وَلَا تعن على الْفِتْنَة وَلَا بِلِسَان وَلَكِن اكفف يدك وَلِسَانك وهواك وَالله الْمعِين والكف عَن أهل الْقبْلَة وَلَا تكفر أحدا مِنْهُم بذنب وَلَا تخرجه من الْإِسْلَام بِعَمَل إِلَّا أَن يكون فِي ذَلِك حَدِيث فيروى الحَدِيث كَمَا جَاءَ وكما رُوِيَ ونصدقه ونقبله ونعلم أَنه كَمَا رُوِيَ نَحْو ترك الصَّلَاة وَشرب الْخمر وَمَا أشبه ذَلِك أَو يبتدع بِدعَة ينْسب صَاحبهَا إِلَى الْكفْر وَالْخُرُوج من الْإِسْلَام فَاتبع الْأَثر فِي ذَلِك وَلَا تجاوزه والأعور الدَّجَّال خَارج لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ارتياب وَهُوَ أكذب الْكَاذِبين وَعَذَاب الْقَبْر حق يسْأَل العَبْد عَن دينه وَعَن ربه وَعَن الْجنَّة وَعَن النَّار ومنكر وَنَكِير حق وهما فتانا الْقَبْر فنسأل الله الثَّبَات وحوض مُحَمَّد ﷺ حق ترده أمته وَله آنِية يشربون بهَا مِنْهُ

стр. 49

والصراط حق وضع على سَوَاء جَهَنَّم ويمر النَّاس عَلَيْهِ وَالْجنَّة من وَرَاء ذَلِك نسْأَل الله السَّلامَة وَالْمِيزَان حق توزن بِهِ الْحَسَنَات والسيئات كَمَا شَاءَ الله أَن توزن والصور حق ينْفخ فِيهِ إسْرَافيل فَيَمُوت الْخلق ثمَّ ينْفخ فِيهِ الْأُخْرَى فَيقومُونَ لرب الْعَالمين والحساب وَالْقَضَاء وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْجنَّة وَالنَّار واللوح الْمَحْفُوظ تستنسخ مِنْهُ أَعمال الْعباد سبق فِيهِ من الْمَقَادِير وَالْقَضَاء والقلم حق كتب الله بِهِ مقادير كل شَيْء وأحصاه فِي الذّكر ﵎ والشفاعة يَوْم الْقِيَامَة حق يشفع قوم فِي قوم فَلَا يصيرون إِلَى النَّار وَيخرج قوم من النَّار بعد مَا دخلوها بشفاعة الشافعين وَيخرج قوم من النَّار بعد مَا دخلوها وَلَبِثُوا فِيهَا مَا شَاءَ الله ثمَّ يخرجهم من النَّار وَقوم يخلدُونَ فِيهَا أبدا أبدا وهم أهل الشّرك والتكذيب والجحود وَالْكفْر بِاللَّه ويذبح الْمَوْت يَوْم الْقِيَامَة بَين الْجنَّة وَالنَّار وَقد خلقت الْجنَّة وَمَا فِيهَا وَالنَّار وَمَا فِيهَا خلقهما الله وَخلق الْخلق لَهما وَلَا يفنيان وَلَا يفنى مَا فيهمَا أبدا فَإِن احْتج مُبْتَدع أَو زنديق بقول الله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ الْقَصَص ٨٨ وَنَحْو هَذَا من متشابه الْقُرْآن قيل لَهُ كل شَيْء مِمَّا كتب الله عَلَيْهِ الفناء والهلاك هَالك وَالْجنَّة وَالنَّار خلقا للبقاء لَا للفناء وَلَا للهلاك وهما من الْآخِرَة لَا من الدُّنْيَا والحور الْعين لَا يمتن عِنْد قيام السَّاعَة وَلَا عِنْد النفخة وَلَا أبدا لِأَن الله خَلقهنَّ للبقاء لَا للفناء وَلم يكْتب عَلَيْهِنَّ الْمَوْت فَمن قَالَ خلاف هَذَا فَهُوَ مُبْتَدع وَقد ضل عَن سَوَاء السَّبِيل وَخلق سبع سموات بَعْضهَا فَوق بعض وَسبع أَرضين

стр. 50

بَعْضهَا أَسْفَل من بعض وَبَين الأَرْض العلياء وَالسَّمَاء الدُّنْيَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَبَين كل سَمَاء إِلَى سَمَاء مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَالْمَاء فَوق السَّمَاء الْعليا السَّابِعَة وعرش الرَّحْمَن فَوق المَاء وَالله على الْعَرْش والكرسي مَوضِع قَدَمَيْهِ وَهُوَ يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرضين السَّبع وَمَا بَينهمَا وَمَا تَحت الثرى وَمَا فِي قَعْر الْبحار ومنبت كل شَعْرَة وشجرة وكل زرع وكل نَبَات ومسقط كل ورقة وَعدد كل كلمة وَعدد الْحَصَا والرمل وَالتُّرَاب وَمَثَاقِيل الْجبَال وأعمال الْعباد وآثارهم وَكَلَامهم وأنفاسهم وَيعلم كل شَيْء لَا يخفى عَلَيْهِ من ذَلِك شَيْء وَهُوَ على الْعَرْش فَوق السَّمَاء السَّابِعَة ودونه حجب من نَار وظلمة وَمَا هُوَ أعلم بهَا فَإِن احْتج مُبْتَدع ومخالف بقول الله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الْحَدِيد ٤ وَبِقَوْلِهِ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ المجادلة ٧ وَنَحْو هَذَا من متشابه الْقُرْآن فَقل إِنَّمَا يَعْنِي بذلك الْعلم لِأَن الله تَعَالَى على الْعَرْش فَوق السَّمَاء السَّابِعَة الْعليا يعلم ذَلِك كُله وَهُوَ بَائِن من خلقه لَا يَخْلُو من علمه مَكَان وَللَّه عرش وللعرش حَملَة يحملونه وَالله على عَرْشه وَلَيْسَ لَهُ حد وَالله أعلم بحده وَالله سميع لَا يشك بَصِير لَا يرتاب عليم لَا يجهل جواد لَا يبخل حَلِيم لَا يعجل حفيظ لَا ينسى يقظان لَا يسهو قريب لَا يغْفل يَتَحَرَّك وَيتَكَلَّم وَينظر ويبسط ويضحك ويفرح وَيُحب وَيكرم وَيبغض ويرضى ويغضب ويسخط وَيرْحَم وَيَعْفُو وَيُعْطِي وَيمْنَع وَينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كَيفَ يَشَاء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى

стр. 51

١١ -) وَقُلُوب الْعباد بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبها كَيفَ يَشَاء ويوعيها مَا أَرَادَ وَخلق آدم بِيَدِهِ على صورته وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة فِي كَفه وَيَضَع قدمه فِي النَّار فتنزوي وَيخرج قوما من النَّار بِيَدِهِ

стр. 52

وَينظر إِلَى وَجهه أهل الْجنَّة يرونه فيكرمهم ويتجلى لَهُم فيعطيهم وَتعرض عَلَيْهِ الْعباد يَوْم الْقِيَامَة ويتولى حسابهم بِنَفسِهِ لَا يَلِي ذَلِك غَيره وَالْقُرْآن كَلَام الله تكلم بِهِ لَيْسَ بمخلوق وَمن زعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ جهمي كَافِر وَمن زعم أَن الْقُرْآن كَلَام الله ووقف وَلم يقل لَيْسَ بمخلوق فَهُوَ أَخبث من قَول الأول وَمن زعم أَن ألفاظنا بِهِ وتلاوتنا لَهُ مخلوقة وَالْقُرْآن كَلَام الله فَهُوَ جهمي وَمن لم يكفر هَؤُلَاءِ الْقَوْم كلهم فَهُوَ مثلهم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ النِّسَاء ١٦٤ من فِيهِ وناوله التَّوْرَاة من يَده إِلَى يَده وَلم يزل الله متكلما ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١٤ والرؤيا من الله وَهِي حق إِذا رأى صَاحبهَا شَيْئا فِي مَنَامه مَا لَيْسَ هُوَ صَعب فَقَصَّهَا على عَالم وَصدق فِيهَا وأولها الْعَالم على أصل تَأْوِيلهَا الصَّحِيح وَلم يحرف فالرؤيا تَأْوِيلهَا حِينَئِذٍ حق وَقد كَانَت الرُّؤْيَا من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَحيا فَأَي جَاهِل أَجْهَل مِمَّن يطعن فِي الرُّؤْيَا وَيَزْعُم أَنَّهَا لَيست بِشَيْء وَبَلغنِي أَن من قَالَ هَذَا القَوْل لَا يرى الِاغْتِسَال من الِاحْتِلَام وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَن رُؤْيا الْمُؤمن كَلَام يكلم الرب عَبده وَقَالَ إِن الرُّؤْيَا من الله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 53

وَمن الْحجَّة الْوَاضِحَة الثَّابِتَة الْبَيِّنَة الْمَعْرُوفَة ذكر محَاسِن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كلهم أَجْمَعِينَ والكف عَن ذكر مساويهم الَّتِي شجرت بَينهم فَمن سبّ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَو وَاحِدًا مِنْهُم أَو تنقص أَو طعن عَلَيْهِم أَو عرض بعيبهم أَو عَابَ وَاحِدًا مِنْهُم فَهُوَ مُبْتَدع رَافِضِي خَبِيث مُخَالف لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا بل حبهم سنة وَالدُّعَاء لَهُم قربَة والاقتداء بهم وَسِيلَة وَالْأَخْذ بآثارهم فَضِيلَة وَخير الْأمة بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر وَعمر بعد أبي بكر وَعُثْمَان بعد عمر وَعلي بعد عُثْمَان ووقف قوم على عُثْمَان وهم خلفاء راشدون مهديون ثمَّ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بعد هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة خير النَّاس لَا يجوز لأحد أَن يذكر شَيْئا من مساويهم وَلَا يطعن على أحد مِنْهُم بِعَيْب وَلَا بِنَقص فَمن فعل ذَلِك فقد وَجب على السُّلْطَان تأديبه وعقوبته لَيْسَ لَهُ أَن يعْفُو عَنهُ بل يُعَاقِبهُ ويستتيبه فَإِن تَابَ قبل مِنْهُ وَإِن ثَبت أعَاد عَلَيْهِ الْعقُوبَة وخلده فِي الْحَبْس حَتَّى يَمُوت أَو يُرَاجع ونعرف للْعَرَب حَقّهَا وفضلها وسابقتها ونحبهم لحَدِيث النَّبِي ﷺ فَإِن حبهم إِيمَان وبغضهم نفاق وَلَا نقُول بقول الشعوبية وأراذل الموَالِي الَّذين لَا يحبونَ الْعَرَب وَلَا يقرونَ لَهَا بِفضل فَإِن لَهُم بِدعَة ونفاقا وَخِلَافًا وَمن حرم من المكاسب والتجارات وَطيب المَال من وَجهه

стр. 54

فقد جهل وَأَخْطَأ وَخَالف بل المكاسب من وَجههَا حَلَال قد أحلهَا الله وَرَسُول الله ﷺ وَالرجل يَنْبَغِي لَهُ أَن يسْعَى على نَفسه وَعِيَاله من فضل ربه فَإِن ترك ذَلِك على أَنه لَا يرى الْكسْب فَهُوَ مُخَالف وكل أحد أَحَق بِمَالِه الَّذِي وَرثهُ واستفاده أَو أوصى بِهِ أَو كَسبه لَا كَمَا يَقُول المتكلمون المخالفون وَالدّين إِنَّمَا هُوَ كتاب الله وآثار وَسنَن وَرِوَايَات صِحَاح عَن الثِّقَات الصَّحِيحَة القوية الْمَعْرُوفَة يصدق بَعْضهَا بَعْضًا حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم وَالتَّابِعِينَ وتابع التَّابِعين أَو من بعدهمْ من الْأَئِمَّة المعروفين المقتدى بهم المتمسكين بِالسنةِ والمتعلقين بالآثار لَا يعْرفُونَ بِدعَة وَلَا يطعن فيهم بكذب وَلَا يرْمونَ بِخِلَاف وَلَيْسوا أَصْحَاب قِيَاس وَلَا رَأْي لِأَن الْقيَاس فِي الدّين بَاطِل والرأي كَذَلِك وأبطل مِنْهُ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَالْقِيَاس فِي الدّين مبتدعة ضلال إِلَّا أَن يكون فِي ذَلِك أثر عَمَّن سلف من الْأَئِمَّة الثِّقَات وَمن زعم أَنه لَا يرى التَّقْلِيد وَلَا يُقَلّد دينه أحدا فَهُوَ قَول فَاسق عِنْد الله وَرَسُوله ﷺ إِنَّمَا يُرِيد بذلك إبِْطَال الْأَثر وتعطيل الْعلم وَالسّنة والتفرد بِالرَّأْيِ وَالْكَلَام والبدعة وَالْخلاف وَهَذِه الْمذَاهب والأقاويل الَّتِي وصفت مَذَاهِب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والْآثَار وَأَصْحَاب الرِّوَايَات وَحَملَة الْعلم الَّذين أدركناهم وأخدنا عَنْهُم الحَدِيث وتعلمنا مِنْهُم السّنَن وَكَانُوا أَئِمَّة معروفين ثِقَات أَصْحَاب صدق يقْتَدى بهم وَيُؤْخَذ عَنْهُم وَلم يَكُونُوا أَصْحَاب بِدعَة وَلَا خلاف وَلَا تَخْلِيط وَهُوَ قَول أئمتهم وعلمائهم الَّذين كَانُوا قبلهم فَتمسكُوا بذلك رحمكم الله وتعلموه وعلموه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ولأصحاب الْبدع ألقاب وَأَسْمَاء لَا تشبه أَسمَاء الصَّالِحين وَلَا الْعلمَاء من أمة مُحَمَّد ﷺ وَمن أسمائهم

стр. 55

المرجئة وهم الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْإِيمَان قَول وَلَا عمل وَأَن الْإِيمَان قَول والأعمال شرائع وَأَن الْإِيمَان مُجَرّد وَأَن النَّاس لَا يتفاضلون فِي إِيمَانهم وَأَن إِيمَان الْمَلَائِكَة والأنبياء وَاحِد وَأَن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص وَأَن الْإِيمَان لَيْسَ فِيهِ اسْتثِْنَاء وَأَن من آمن بِلِسَانِهِ وَلم يعْمل فَهُوَ مُؤمن حَقًا هَذَا قَول المرجئة وَهُوَ أَخبث الْأَقَاوِيل وأضلها وأبعدها من الْهدى والقدرية وهم الَّذين يَزْعمُونَ أَن إِلَيْهِم الاستطالة والمشيئة وَالْقُدْرَة وَأَنَّهُمْ يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ الْخَيْر وَالشَّر والضر والنفع وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَالْهدى والضلالة وَأَن الْعباد يعلمُونَ بديا من غير أَن يكون سبق لَهُم ذَلِك من الله أَو فِي علم وَقَوْلهمْ يضارع الْمَجُوسِيَّة والنصرانية وَهُوَ أصل الزندقة والمعتزلة وهم يَقُولُونَ قَول الْقَدَرِيَّة ويدينون بدينهم ويكذبون بِعَذَاب الْقَبْر والشفاعة والحوض وَلَا يرَوْنَ الصَّلَاة خلف أحد من أهل الْقبْلَة وَلَا الْجُمُعَة إِلَّا من كَانَ على هواهم ويزعمون أَن أَعمال الْعباد لَيست فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ والنصيرية وهم قدرية وهم أَصْحَاب الْجنَّة والقيراط وَالَّذين يَزْعمُونَ أَن من أَخذ حَبَّة أَو قيراطا أَو دانقا حَرَامًا فَهُوَ كَافِر وَقَوْلهمْ يضاهي قَول الْخَوَارِج والجهمية أَعدَاء الله وهم الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْقُرْآن مَخْلُوق وَأَن الله لم يكلم مُوسَى وَأَن الله لَيْسَ بمتكلم وَلَا يتَكَلَّم وَلَا ينْطق وكلاما كثيرا أكره حكايته وهم كفار زنادقة أَعدَاء الله والواقفة يَزْعمُونَ أَن الْقُرْآن كَلَام الله وَلَكِن ألفاظنا بِالْقُرْآنِ وقرائتنا لَهُ مخلوقة وهم جهمية فساق

стр. 56

والرافضة وهم الَّذين يتبرأون من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ويسبونهم وينتقصونهم ويكفرون الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة إِلَّا عَليّ وعمار والمقداد وَسليمَان وَلَيْسَت الرافضة من الْإِسْلَام فِي شَيْء والمنصورية وهم رافضة أَخبث من الروافض وهم الَّذين يَقُولُونَ من قتل أَرْبَعِينَ نفسا مِمَّن خَالف هواهم دخل الْجنَّة وهم الَّذين يخيفون النَّاس ويستحلون أَمْوَالهم وهم الَّذين يَقُولُونَ أَخطَأ جِبْرِيل ﵇ بالرسالة وَهَذَا هُوَ الْكفْر الْوَاضِح الَّذِي لَا يشوبه إِيمَان فنعوذ بِاللَّه مِنْهُ والسبائية وهم رافضة وهم قريب مِمَّن ذكرت يخالفون الْأَئِمَّة كذابون وصنف مِنْهُم يَقُولُونَ عَليّ فِي السَّحَاب وَعلي يبْعَث قبل يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا كذب وزور وبهتان والزيدية وهم رافضة وهم الَّذين يتبرأون من عُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة ويرون الْقِتَال مَعَ كل من خرج من ولد عَليّ ﵁ برا كَانَ أَو فَاجِرًا حَتَّى يغلب أَو يقتل والخشبية وهم يَقُولُونَ بقول الزيدية وهم فِيمَا يَزْعمُونَ ينتحلون آل مُحَمَّد ﷺ وكذبوا بل هم المبغضون لآل مُحَمَّد ﷺ دون النَّاس إِنَّمَا الشِّيعَة لآل مُحَمَّد المتقون أهل السّنة والأثر من كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا الَّذين يحبونَ آل مُحَمَّد ﷺ وَجَمِيع أَصْحَاب مُحَمَّد لَا يذكرُونَ أحدا مِنْهُم بِسوء وَلَا عيب وَلَا منقصة فَمن ذكر أحدا من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ بِسوء أَو طعن عَلَيْهِم أَو تَبرأ من أحد مِنْهُم أَو سبهم أَو عرض بشتمهم فَهُوَ رَافِضِي خَبِيث مخبث

стр. 57

وَأما الْخَوَارِج فمرقوا من الدّين وفارقوا الْملَّة وشردوا عَن الْإِسْلَام وشذوا عَن الْجَمَاعَة فضلوا عَن السَّبِيل وَالْهدى وَخَرجُوا على السُّلْطَان وسلوا السَّيْف على الْأَئِمَّة وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وأبعدوا من خالفهم إِلَّا من قَالَ بقَوْلهمْ وَكَانَ على مثل قَوْلهم ورأيهم وَثَبت مَعَهم فِي بَث ضلالتهم وهم يشتمون أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وأصهاره وأختانه ويتبرأون مِنْهُم ويرمونهم بالْكفْر والعظائم ويرون خلافهم فِي شرائع الْإِسْلَام وَلَا يُؤمنُونَ بِعَذَاب الْقَبْر وَلَا الْحَوْض وَلَا الشَّفَاعَة وَلَا خُرُوج أحد من النَّار وَيَقُولُونَ من كذب كذبة أَو أَتَى صَغِيرَة أَو كَبِيرَة من الذُّنُوب فَمَاتَ من غير تَوْبَة فَهُوَ فِي النَّار خَالِدا مخلدا أبدا وهم يَقُولُونَ بقول البكرية فِي الْحبَّة والقيراط وهم قدرية جهمية مرجئة رافضة لَا يرَوْنَ الْجَمَاعَة إِلَّا خلف إمَامهمْ وهم يرَوْنَ الصَّوْم قبل رُؤْيَة الْهلَال وَالْفطر قبل رُؤْيَته وهم يرَوْنَ النِّكَاح بِغَيْر ولي وَلَا سُلْطَان ويرون الْمُتْعَة دينهم ويرون الدِّرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ يدا بيد وَلَا يرَوْنَ الصَّلَاة فِي الأخفاف وَلَا الْمسْح عَلَيْهَا وَلَا يرَوْنَ للسُّلْطَان عَلَيْهِم طَاعَة وَلَا لقرشي عَلَيْهِم خلَافَة وَأَشْيَاء كَثِيرَة يخالفون عَلَيْهَا الْإِسْلَام وَأَهله وَكفى بِقوم ضَلَالَة يكون هَذَا رَأْيهمْ ومذهبهم وَدينهمْ وَلَيْسوا من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَمن أَسمَاء الْخَوَارِج الحرورية وهم أَصْحَاب حرروا والأزارقة وهم أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق وَقَوْلهمْ أَخبث الْأَقَاوِيل وأبعده من الْإِسْلَام وَالسّنة والنجدية وهم أَصْحَاب نجدة بن عَامر الحروري والأباضية وهم أَصْحَاب عبد الله بن إباض

стр. 58

والصفرية وهم أَصْحَاب دَاوُد بن النُّعْمَان والمهلبية والحارثية والحازمية كل هَؤُلَاءِ خوارج فساق مخالفون للسّنة خارجون من الْملَّة أهل بِدعَة وضلالة والشعبية أَو الشعوبية وهم أَصْحَاب بِدعَة وضلالة وهم يَقُولُونَ إِن الْعَرَب والموالي عندنَا وَاحِد لَا يرَوْنَ للْعَرَب حَقًا وَلَا يعْرفُونَ لَهُم فضلا وَلَا يحبونهم بل يبغضون الْعَرَب ويظهرون لَهُم الغل والحسد والبغضة فِي قُلُوبهم وَهَذَا قَول قَبِيح ابتدعه رجل من أهل الْعرَاق فتابعه يسير فَقتل عَلَيْهِ وَأَصْحَاب الرَّأْي وهم مبتدعة ضلال أَعدَاء السّنة والأثر يبطلون الحَدِيث ويردون على الرَّسُول ﷺ ويتخذون صَاحب الرَّأْي وَمن قَالَ بقوله إِمَامًا ويتدينون بدينهم وَأي ضَلَالَة أبين مِمَّن قَالَ بِهَذَا وَترك قَول الرَّسُول وَأَصْحَابه وَيتبع صَاحب الرَّأْي وَأَصْحَابه فَكفى بِهَذَا غيا مرديا وطغيانا وَالْولَايَة بِدعَة والبراءة بِدعَة وهم الَّذين يَقُولُونَ نتولى فلَانا ونتبرأ من فلَان وَهَذَا القَوْل بِدعَة فَاحْذَرُوهُ فَمن قَالَ بِشَيْء من هَذِه الْأَقَاوِيل أَو رَآهَا أَو صوبها أَو رضيها أَو أحبها فقد خَالف السّنة وَخرج من الْجَمَاعَة وَترك الْأَثر وَقَالَ بِالْخِلَافِ وَدخل فِي الْبِدْعَة وَزَل عَن الطَّرِيق وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وَقد رَأَيْت لأهل الْبدع والأهواء وَالْخلاف أَسمَاء مشنعة قبيحة يسمون بهَا أهل السّنة يُرِيدُونَ بذلك عيبهم والطعن عَلَيْهِم والوقعية فيهم والإزراء بهم عِنْد السُّفَهَاء والجهال

стр. 59

فَأَما المرجئة فَإِنَّهُم يسمون أهل السّنة شكاكا وكذبت المرجئة بل هم بِالشَّكِّ أولى وبالتكذيب أشبه وَأما الْقَدَرِيَّة فَإِنَّهُم يسمون أهل السّنة وَالْإِيمَان مجبرة وكذبت الْقَدَرِيَّة بل هم أولى بالتكذيب وَالْخلاف ألغوا قدر الله عَن خلقه وَقَالُوا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل ﵎ وَأما الْجَهْمِية فَإِنَّهُم يسمون أهل السّنة المشبهة وكذبت الْجَهْمِية أَعدَاء الله بل هم أولى بِالنِّسْبَةِ والتكذيب افتروا على الله الْكَذِب وَقَالُوا الْإِفْك والزور وَكَفرُوا بقَوْلهمْ وَأما الرافضة فَإِنَّهُم يسمون أهل السّنة الناصبة وكذبت بل هم أولى بِهَذَا لإنصابهم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بالسب والشتم وَقَالُوا فيهم بِغَيْر الْحق ونسبوهم إِلَى غير الْعدْل كفرا وظنا وجرأة على الله تَعَالَى واستخفافا بِحَق الرَّسُول ﷺ وَالله أولى بالتعيير والانتقام مِنْهُم وَأما الْخَوَارِج فَإِنَّهُم يسمون أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مرجئة وكذبت الْخَوَارِج فِي قَوْلهم بل هم المرجئة يَزْعمُونَ أَنهم على إِيمَان وَحقّ دون النَّاس وَمن خالفهم كَافِر وَأما أَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم يسمون أهل السّنة ثابتية وحشوية وَكذب أَصْحَاب الرَّأْي أَعدَاء الله بل هم الثابتية والحشوية تركُوا آثَار الرَّسُول وَحَدِيثه وَقَالُوا بِالرَّأْيِ وقاسوا الدّين بالاستحسان وحكموا خلاف الْكتاب وَالسّنة وهم أَصْحَاب بِدعَة جهلة ضلال وطلاب دنيا بِالْكَذِبِ والبهتان رحم الله عبدا قَالَ بِالْحَقِّ وَاتبع الْأَثر وَتمسك بِالسنةِ واقتدى بالصالحين اللَّهُمَّ ادحض بَاطِل المرجئة وأوهن كيد الْقَدَرِيَّة وأزل دولة

стр. 60

الرافضة وامحق سنة أَصْحَاب الرَّأْي واكفنا مُؤنَة الخارجية وَعجل الانتقام من الْجَهْمِية انْتهى مَا رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي طبقاته عَن الأصطخري وَلم أجد هَذِه الرسَالَة فِي المناقب لِابْنِ الْجَوْزِيّ وَذكر الْبُرْهَان ابْن مُفْلِح صدرها فِي طبقاته وَفِي هَذِه الرسَالَة حط على بعض الْأَئِمَّة وَلم يقْصد بذلك تنقيصهم وَلَكِن سَبيله فِي ذَلِك على مَا قَالَه الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد كَانَ الإِمَام أَحْمد لشدَّة تمسكه بِالسنةِ وَنَهْيه عَن الْبِدْعَة يتَكَلَّم فِي جمَاعَة من الأخيار إِذا صدر مِنْهُم مَا يُخَالف السّنة وَكَلَامه فِي ذَلِك مَحْمُول على النَّصِيحَة فِي الدّين ثمَّ رُوِيَ عَنهُ أَنه طلب من إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق السراج أَن يسمعهُ كَلَام الْحَارِث المحاسبي فأحضر إِسْمَاعِيل بشرا وَأَجْلسهُ فِي مَكَان مَعَ أَصْحَابه بِحَيْثُ يسمعهُ الإِمَام أَحْمد وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا فَتكلم من نصف اللَّيْل إِلَى الصَّباح فَلَمَّا انْقَضى كَلَامه قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل كَيفَ رَأَيْت هَؤُلَاءِ يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ مَا أعلم أَنِّي رَأَيْت مثل هَؤُلَاءِ فِي عُلُوم الْحَقَائِق وَلَا سَمِعت مثل كَلَام هَذَا الرجل وعَلى مَا وصفت من أَحْوَالهم وَلَا أرى لَك صحبتهم وروى عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ أَنه قَالَ من رد حَدِيث رَسُول الله فَهُوَ على شفا هلكة وَإِنَّمَا كَانَ ينْهَى عَن الرَّأْي ليتوفر النَّاس على النَّقْل

стр. 61

وَقَالَ لعُثْمَان بن سعيد لَا تنظر فِي كتب أبي عبيد وَلَا فِيمَا وضع إِسْحَاق وسُفْيَان وَلَا الشَّافِعِي وَلَا مَالك وَعَلَيْك بِالْأَصْلِ وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء سَأَلته عَن كتب أبي ثَوْر فَقَالَ كتاب ابتدع فِيهِ بِدعَة عَلَيْكُم بِالْحَدِيثِ وَقَالَ لَهُ رجل أكتب كتب الرَّأْي فَقَالَ لَا قَالَ فَابْن الْمُبَارك قد كتبهَا فَقَالَ إِن ابْن الْمُبَارك لم ينزل من السَّمَاء إِنَّمَا أمرنَا أَن نَأْخُذ الْعلم من فَوق قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَكَانَ ينْهَى عَن كِتَابَة كَلَامه فَنظر الله إِلَى حسن قَصده فنقلت أَلْفَاظه وحفظت فَقل أَن تقع مَسْأَلَة إِلَّا وَله فِيهَا نَص من الْفُرُوع وَالْأُصُول وَرُبمَا عدمت فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة نُصُوص الْفُقَهَاء الَّذين صنفوا وجمعوا فَرضِي الله عَنهُ وأرضاه آمين

стр. 62

العقد الثَّانِي فِي السَّبَب الَّذِي لأَجله اخْتَار كثير من كبار الْعلمَاء مَذْهَب الإِمَام أَحْمد على مَذْهَب غَيره هَذَا العقد لَهُ مدْخل عَظِيم لمن يُرِيد التمذهب بِمذهب أَحْمد وَمَا ذَلِك إِلَّا لِأَن الدَّاخِل على بَصِيرَة فِي شَيْء أَعقل من الدَّاخِل فِيهِ على غير بَصِيرَة وَأبْعد عَن التعصب والتقليد الْمَحْض وكل إِنْسَان يخْتَار لمطعمه وملبسه وحوائجه الضرورية فلإن يخْتَار ويحتاط لدينِهِ أولى وَلما كَانَ الْمُقَلّد لَا رَأْي لَهُ وَلَا تَرْجِيح وَإِنَّمَا نصِيبه من الْعلم أَن يَقُول قَالُوا فَقُلْنَا أثبتنا لَهُ هَذَا العقد ليزين بِهِ ونصبنا لَهُ هَذَا السّلم أملا بِأَنَّهُ إِن ترك التعصب الذميم وَالْجهل الْمركب ارْتقى قَلِيلا إِلَى دَرَجَات أَوَائِل الْعلم ولاح لَهُ لمعان من نور الْهدى فيجره اخْتِيَار الْمَذْهَب إِلَى اخْتِيَار بعض الْفُرُوع بِالدَّلِيلِ والبرهان فَيكون حِينَئِذٍ من المفلحين ويتزحزح عَن نَار الْغَفْلَة والتقليد الْأَعْمَى المذموم على لِسَان كل عَاقل لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد وَإِلَيْك بَيَان مَا نوهنا بِهِ وأشرنا إِلَيْهِ قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن ابْن الْجَوْزِيّ أحد الْمُجْتَهدين فِي مَذْهَب أَحْمد فِي كتاب المناقب فِي الْبَاب السَّابِع وَالتسْعين مِنْهُ اعْلَم وفقك الله أَنه مِمَّا يتَبَيَّن الصَّوَاب فِي الْأُمُور

стр. 63

المشتبهة لمن أعرض عَن الْهوى والتفت عَن العصبية وَقصد الْحق بطريقه وَلم ينظر فِي أَسمَاء الرِّجَال وَلَا فِي صيتهم فَذَلِك الَّذِي ينجلي لَهُ غامض المشتبه فَأَما من مَال بِهِ الْهوى فعسير تقويمه وَاعْلَم أننا نَظرنَا فِي أَدِلَّة الشَّرْع وأصول الْفِقْه وسبرنا أَحْوَال الْأَعْلَام الْمُجْتَهدين فَرَأَيْنَا هَذَا الرجل يَعْنِي الإِمَام أَحْمد أوفرهم حظا من تِلْكَ الْعُلُوم فَإِنَّهُ كَانَ من الحافظين لكتاب الله وقرأه على أساطين أهل زَمَانه وَكَانَ لَا يمِيل شَيْئا فِي الْقُرْآن ويروي قَوْله ﷺ أنزل الْقُرْآن فخما ففخموه وَكَانَ لَا يدغم شَيْئا فِي الْقُرْآن إِلَّا اتخذتم وبابه كَأبي عمر ويمد مدا متوسطا وَكَانَ ﵁ من المصنفين فِي فنون عُلُوم الْقُرْآن من التَّفْسِير والناسخ والمنسوخ والمقدم والمؤخر فِي الْقُرْآن وجوابات الْقُرْآن والمسند وَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف حَدِيث وَكَانَ يَقُول لِابْنِهِ عبد الله احتفظ بِهَذَا الْمسند فَإِنَّهُ سَيكون للنَّاس إِمَامًا والتاريخ وَحَدِيث شُعْبَة والمناسك الْكَبِير وَالصَّغِير وَأَشْيَاء أخر وَقَالَ عبد الله قَرَأَ علينا أبي الْمسند وَمَا سَمعه مِنْهُ غَيرنَا وَقَالَ لنا هَذَا كتاب قد جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة ألف حَدِيث فَمَا اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَإِن وجدتموه فِيهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة قَالَ

стр. 64

ابْن الْجَوْزِيّ وَأما النَّقْل فقد سلم الْكل لَهُ بِانْفِرَادِهِ فِيهِ بِمَا لم ينْفَرد بِهِ سواهُ من الْأَئِمَّة من كَثْرَة محفوظه مِنْهُ وَمَعْرِفَة صَحِيحَة من سقيمه وفنون علومه وَقد ثَبت أَنه لَيْسَ فِي الْأَئِمَّة الْأَعْلَام قبله من لَهُ حَظّ فِي الحَدِيث كحظ مَالك وَمن أَرَادَ مقَام معرفَة أَحْمد فِي ذَلِك من مقَام مَالك فَلْينْظر فرق مَا بَين الْمسند والموطأ وَقَالَ ابْنه عبد الله سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يحفظ ألف ألف حَدِيث بتكرير الْألف مرَّتَيْنِ فَقيل لَهُ وَمَا يدْريك قَالَ ذاكرته فَأخذت عَلَيْهِ الْأَبْوَاب وَقيل لأبي زرْعَة من رَأَيْت من الْمَشَايِخ الْمُحدثين أحفظ فَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل حزمت كتبه فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فبلغت اثْنَي عشر حملا وعزل مَا كَانَ على ظهر كتاب مِنْهَا حَدِيث فلَان وَفِي بَطنهَا حَدثنَا فلَان وكل ذَلِك كَانَ يحفظه أَحْمد عَن ظهر قلبه قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد كَانَ أَحْمد يذكر الْجرْح وَالتَّعْدِيل من حفظه إِذا سُئِلَ عَنهُ كَمَا يقْرَأ الْفَاتِحَة وَمن نظر فِي كتاب الْعِلَل لأبي بكر الْخلال عرف ذَلِك وَلم يكن هَذَا لأحد من بَقِيَّة الْأَئِمَّة وَكَذَلِكَ انْفِرَاده فِي علم النَّقْل بفتاوى الصَّحَابَة وقضاياهم وإجماعهم وَاخْتِلَافهمْ لَا تنَازع فِي ذَلِك وَأما علم الْعَرَبيَّة فقد قَالَ أَحْمد كتب من الْعَرَبيَّة أَكثر مِمَّا كتب أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَأما الْقيَاس فَلهُ من الاستنباط مَا يطول شَرحه قَالَ أَبُو الْقَاسِم ابْن الْجبلي

стр. 65

أَكثر النَّاس يظنون أَن أَحْمد إِنَّمَا كَانَ أَكثر ذكره لموْضِع الْمحبَّة وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل إِذا سُئِلَ عَن الْمَسْأَلَة كَانَ علم الدُّنْيَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أدْركْت ثَلَاثَة لن يرى النَّاس مثلهم أبدا وتعجز النِّسَاء أَن يلدن مثلهم رَأَيْت أَبَا عبيد الْقَاسِم ابْن سَلام فَمَا مثلته إِلَّا بجبل نفح فِيهِ روح وَرَأَيْت بشر بن الْحَارِث فَمَا شبهته إِلَّا بِرَجُل عجن من قرنه إِلَى قدمه عقلا وَرَأَيْت أَحْمد بن حَنْبَل فرأيته كَأَن الله جمع لَهُ علم الْأَوَّلين والآخرين من كل صنف يَقُول مَا شَاءَ ويمسك مَا شَاءَ وَقَالَ أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ مَا رَأَيْت أسود رَأس أحفظ لحَدِيث رَسُول الله وَلَا أعلم بفقهه ومعانيه من أَحْمد قَالَ الْخلال كَانَ أَحْمد قد كتب كتب الرَّأْي وحفظها ثمَّ لم يلْتَفت إِلَيْهَا وَكَانَ إِذا تكلم فِي الْفِقْه تكلم كَلَام رجل قد انتقد الْعُلُوم فَتكلم عَن معرفَة قَالَ الإِمَام أَبُو الْوَفَاء عَليّ بن عقيل الْحَنْبَلِيّ الْبَغْدَادِيّ وَمن عَجِيب مَا نَسْمَعهُ عَن هَؤُلَاءِ الْجُهَّال أَنهم يَقُولُونَ أَحْمد لَيْسَ بفقيه لكنه مُحدث وَهَذَا غَايَة الْجَهْل لِأَنَّهُ قد خرج عَنهُ اختيارات بناها على الْأَحَادِيث بِنَاء لَا يعرفهُ أَكْثَرهم وَخرج عَنهُ من دَقِيق الْفِقْه مَا لَيْسَ نرَاهُ لأحد مِنْهُم وَانْفَرَدَ بِمَا سلموه لَهُ من الْحِفْظ وشاركهم وَرُبمَا زَاد على كبارهم ثمَّ ذكر ابْن عقيل مسَائِل دقيقة مِمَّا استنبطه الإِمَام ثمَّ قَالَ وَمِمَّا وجدنَا من فقه الإِمَام أَحْمد ودقة علمه أَنه

стр. 66

سُئِلَ عَن رجل نذر أَن يطوف بِالْبَيْتِ على أَربع قَالَ يطوف طوافين وَلَا يطوف على أَربع فانظروا إِلَى هَذَا الْفِقْه كَأَنَّهُ نظر إِلَى الْمَشْي على أَربع فَرَآهُ مثله وخروجا عَن صُورَة الْحَيَوَان النَّاطِق إِلَى التَّشْبِيه بالبهائم فصانه وصان الْبَيْت وَالْمَسْجِد عَن الشُّهْرَة وَلم يبطل حكم الْقَضِيَّة فِي الْمَشْي على الْيَدَيْنِ بل أبدلها بِالرجلَيْنِ اللَّتَان هما آلَة الْمَشْي ثمَّ ذكر مسَائِل من هَذَا الْقَبِيل ثمَّ قَالَ وَلَقَد كَانَت نَوَادِر أَحْمد نَوَادِر بَالِغَة فِي الْفَهم إِلَى أقْصَى طبقَة قَالَ وَمن هَذَا فقهه واختياراته لَا يحسن بالمنصف أَن يغض مِنْهُ فِي هَذَا الْعلم وَمَا يقْصد هَذَا إِلَّا مُبْتَدع قد تمزق فُؤَاده من خمول كَلمته وانتشار علم أَحْمد حَتَّى إِن أَكثر الْعلمَاء يَقُولُونَ أُصَلِّي أصل أَحْمد وفرعي فرع فلَان فحسبك مِمَّن يرضى بِهِ فِي الْأُصُول قدوة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِن أَحْمد ضم إِلَى مَا لَدَيْهِ من الْعلم مَا عجز عَنهُ الْقَوْم من الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَقُوَّة الْوَرع وَلم ينْقل عَن أحد من الْأَئِمَّة أَنه امْتنع من قبُول أوقاف السلاطين وهدايا الإخوان كامتناعه وَلَوْلَا خدش وُجُوه فضائلهم ﵃ لذكرنا عَنْهُم مَا قبلوا ورخصوا بِأَخْذِهِ وَقد عقد ابْن الْجَوْزِيّ فِي مناقبه بَابا خَاصّا فِي بَيَان زهده فِي الْمُبَاحَات ثمَّ إِنَّه ضم إِلَى ذَلِك الصَّبْر على الامتحان وبذل المهجة فِي نصْرَة الْحق وَلم يكن ذَلِك لغيره وَقد أخرج أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه قَالَ قَالَ لي مُحَمَّد بن الْحسن صاحبنا أعلم أم صَاحبكُم قلت تُرِيدُ المكابرة أم الْإِنْصَاف قَالَ بل الْإِنْصَاف فَقلت لَهُ فَمَا الْحجَّة عنْدكُمْ قَالَ الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس قَالَ قلت أنْشدك الله صاحبنا أعلم بِكِتَاب الله أم صَاحبكُم فَقَالَ إِذا أنشدتني بِاللَّه فصاحبكم قلت فصاحبنا أعلم

стр. 67

بِسنة رَسُول الله ﷺ أم صَاحبكُم قَالَ صَاحبكُم قلت فصاحبكم أعلم بأقاويل أَصْحَاب رَسُول الله أم صَاحبكُم قَالَ صَاحبكُم قلت فَبَقيَ شَيْء غير الْقيَاس قَالَ لَا قلت فَنحْن ندعي الْقيَاس أَكثر مِمَّا تَدعُونَهُ وَإِنَّمَا يُقَاس على الْأُصُول فَيعرف الْقيَاس قَالَ وَيُرِيد بصاحبكم مَالِكًا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فقد كفانا الشَّافِعِي ﵁ بِهَذِهِ الْحِكَايَة المناظرة لأَصْحَاب أبي حنيفَة وَقد عرف فضل صاحبنا على مَالك فَإِنَّهُ حصل مَا حصله مَالك وَزَاد عَلَيْهِ كثيرا وَقد ذكرنَا شَاهد هَذَا بِاعْتِبَار الْمسند مَعَ الْمُوَطَّأ وَقد كَانَ الشَّافِعِي عَالما بفنون الْعُلُوم إِلَّا أَنه سلم لِأَحْمَد علم النَّقْل الَّذِي عَلَيْهِ مدَار الْفِقْه وَقد روى ابْن الْجَوْزِيّ عَن عبد الله بن أَحْمد قَالَ سَمِعت أبي يَقُول قَالَ لي الشَّافِعِي أَنْتُم أعلم بِالْحَدِيثِ منا فَإِذا صَحَّ الحَدِيث فَقولُوا لنا حَتَّى نَذْهَب إِلَيْهِ وَأخرج هَذِه الْحِكَايَة الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم الْحَافِظ وروى الطَّبَرَانِيّ أَن أَحْمد كَانَ يَقُول اسْتَفَادَ منا الشَّافِعِي مَا لم نستفد مِنْهُ وَأخرج الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر عَن الْحسن بن الرّبيع أَنه قَالَ أَحْمد إِمَام الدُّنْيَا وَقَالَ لَوْلَا أَحْمد لأحدثوا فِي الدّين وَقَالَ إِن لِأَحْمَد أعظم منَّة على جَمِيع الْمُسلمين وَحقّ على كل مُسلم أَن يسْتَغْفر لَهُ قلت وَقد ذكرنَا كثيرا من مناقبه فِي كتَابنَا تَهْذِيب تَارِيخ ابْن عَسَاكِر قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ قلت فَهَذَا بَيَان طَرِيق الْمُجْتَهدين من أَصْحَاب أَحْمد لقُوَّة علمه وفضله الَّذِي حث على اتِّبَاعه عَامَّة المتبعين يَعْنِي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة فَأَما الْمُجْتَهد من أَصْحَابه فَإِنَّهُ تتبع دَلِيله من غير تَقْلِيد لَهُ وَلِهَذَا يمِيل إِلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ

стр. 68

دون الْأُخْرَى وَرُبمَا اخْتَار مَا لَيْسَ فِي الْمَذْهَب أصلا لِأَنَّهُ تَابع للدليل وَإِنَّمَا ينْسب هَذَا إِلَى مذْهبه لميله لعُمُوم أَقْوَاله ثمَّ قَالَ فَإِن قَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن أَبَا حنيفَة قد لَقِي الصَّحَابَة فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا إِن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ لم يلق أَبُو حنيفَة أحدا من الصَّحَابَة وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب رأى أنس بن مَالك وَالثَّانِي إِن سعيد بن الْمسيب وَغَيره وَمن التَّابِعين لقوا الصَّحَابَة فَإِن كَانَ الْفضل باللقي فَلم لم يقدموهم عَلَيْهِ وَإِن قَالَ أَصْحَاب مَالك إِن مَالِكًا لَقِي التَّابِعين قُلْنَا هَذَا يُوجب تَقْدِيم التَّابِعين لرؤيتهم الصَّحَابَة وَإِن قَالَ الشَّافِعِيَّة إِن الشَّافِعِي نسبه أقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ من غَيره قُلْنَا النّسَب لَا يُوجب التَّقْدِيم فِي الْعلم فَإِن الْحسن وَابْن سِيرِين وَعَطَاء وَطَاوُس وَعِكْرِمَة وَمَكْحُول وَغَيرهم بل عُمُوم التَّابِعين كَانُوا من الموَالِي وتقدموا على خلق كثير من أهل الشّرف بِالنّسَبِ لِأَن تقدمهم كَانَ بِكَثْرَة الْعلم لَا بِقرب النّسَب وَقد أَخذ النَّاس بقول ابْن مَسْعُود وَزيد مَا لم يَأْخُذُوا بقول ابْن عَبَّاس قلت وَهَذَا بَاب وَاسع جدا

стр. 69

وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ من هَذَا كثيرا ثمَّ قَالَ هَذَا قدر الِانْتِصَار لاختيارنا لمَذْهَب أَحْمد وَرَحْمَة الله على الْكل وَلِلنَّاسِ فِيمَا يعشقون مَذَاهِب وَكَانَ الإِمَام أَبُو الْوَفَاء عَليّ بن عقيل الْبَغْدَادِيّ يَقُول هَذَا الْمَذْهَب يَعْنِي مَذْهَب أَحْمد إِنَّمَا ظلمه أَصْحَابه لِأَن أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ إِذا برع أَحْمد مِنْهُم فِي الْعلم تولى الْقَضَاء وَغَيره من الولايات فَكَانَت الْولَايَة سَببا لتدريسه واشتغاله بِالْعلمِ فَأَما أَصْحَاب أَحْمد فَإِنَّهُ قل فيهم من يعلم بِطرف من الْعلم إِلَّا ويخرجه ذَلِك إِلَى التَّعَبُّد والتزهد لغَلَبَة الْخَيْر على الْقَوْم فينقطعون عَن التشاغل بِالْعلمِ انْتهى وَهَذَا غَايَة مَا وَقع اختيارنا عَلَيْهِ من القَوْل فِي هَذَا الْمَوْضُوع ليعلم المتبع لمَذْهَب مَا لأي معنى اتبعهُ ولأي برهَان اخْتَارَهُ دون غَيره فَلَا يكون مُتبعا للهوى والتقليد الْأَعْمَى الضار والتعصب الذميم وَالله الْمُسْتَعَان تَنْبِيه لَا يذهب بك الْوَهم مِمَّا قدمنَا إِلَى أَن الَّذين اخْتَارُوا مَذْهَب أَحْمد وقدموه على غَيره من الْأَئِمَّة وهم من كبار أَصْحَابه أَنهم اخْتَارُوا تَقْلِيده على تَقْلِيد غَيره فِي الْفُرُوع فَإِن مثل هَؤُلَاءِ يَأْبَى ذَلِك مسلكهم فِي كتبهمْ ومصنفاتهم بل المُرَاد بِاخْتِيَار

стр. 70

مذْهبه إِنَّمَا هُوَ السلوك على طَريقَة أُصُوله فِي استنباط الْأَحْكَام وَإِن شِئْت قل السلوك فِي طَرِيق الِاجْتِهَاد مسلكه دون مَسْلَك غَيره على الطَّرِيقَة الَّتِي سنبينها فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله وَأما التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع فَإِنَّهُ يترفع عَنهُ كل من لَهُ ذكاء وفطنة وقدرة على تأليف الدَّلِيل ومعرفته وَمَا التَّقْلِيد إِلَّا للضعفاء الجامدين الَّذين لَا يفرقون بَين الغث والسمين وَكَيف يظنّ بِمثل أَحْمد بن جَعْفَر ابْن الْمُنَادِي وَأبي بكر النجاد وَمُحَمّد بن الْحسن أَبُو بكر الْآجُرِيّ وَالْحسن بن حَامِد وَالْقَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن خلف بن الفرا وَأبي الْوَفَاء عَليّ بن عقيل الْبَغْدَادِيّ وَأبي الْخطاب مَحْفُوظ بن أَحْمد الكلوذاني وَعلي بن عبيد الله الزاغواني وموفق الدّين عبد الله بن قدامَة الْمَقْدِسِي وَشَيخ الْإِسْلَام الْمجد ابْن تَيْمِية وحفيده الإِمَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية والمحقق شمس الدّين مُحَمَّد بن الْقيم وَغَيرهم أَنهم مقلدون فِي الْفُرُوع وكتبهم الممتلئة بالأدلة طبقت الْآفَاق ومداركهم ومسالكهم سَارَتْ بمدحها الركْبَان وكتبهم مَلَأت قلب كل منصف من الْإِيمَان والإيقان فَتنبه أَيهَا الألمعي وَلَا تكن من المقلدين الغافلين

стр. 71

العقد الثَّالِث فِي ذكر أصُول مذْهبه فِي استنباط الْفُرُوع وَبَيَان طَرِيقَته فِي ذَلِك أما طَريقَة الإِمَام فِي الْأُصُول الْفِقْهِيَّة فقد كَانَت طَريقَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان لَا يتَعَدَّى طريقتهم وَلَا يتجاوزها إِلَى غَيرهَا كَمَا هِيَ عَادَته فِي مسالكه فِي التَّوْحِيد والفتيا فِي الْفِقْه وَفِي جَمِيع حركاته وسكناته وكما تقدم لَك آنِفا مَا كَانَ عَلَيْهِ من الِاعْتِقَاد وكما سنبينه من مسالكه فِي الِاجْتِهَاد وَحَيْثُ علمت ذَلِك فَاعْلَم أَنه قد صرح المجتهدون من أهل مذْهبه التَّابِعين لَهُ فِي الْأُصُول أَن فَتَاوَاهُ ﵁ مَبْنِيَّة على خَمْسَة أصُول الأَصْل الأول النَّص كَانَ إِذا وجد النَّص أفتى بِمُوجبِه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه لَا إِلَى من خَالفه كَائِنا من كَانَ وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى خلاف عمر فِي المبتوتة لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَلَا

стр. 72

إِلَى خِلَافه فِي التَّيَمُّم للْجنب لحَدِيث عمار بن يَاسر الْمُصَرّح بِصِحَّة تيَمّم الْجنب وَكَذَلِكَ لم يلْتَفت إِلَى قَول عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَأبي أَيُّوب وَأبي بن كَعْب فِي ترك الْغسْل من الإكسال لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا فعلته هِيَ وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ كثير جدا وَلم يكن يقدم على الحَدِيث الصَّحِيح عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا قَول صَاحب وَلَا عدم علمه بالمخالف الَّذِي يُسَمِّيه كثير

стр. 73

من النَّاس بِالْإِجْمَاع ويقدمونه على الحَدِيث الصَّحِيح وَقَالَ الإِمَام ابْن الْقيم وَغَيره من عُلَمَاء الْأُصُول قد كذب أَحْمد من ادّعى هَذَا الْإِجْمَاع وَلم يسغْ تَقْدِيمه على الحَدِيث الثَّابِت وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي أَيْضا نَص فِي رسَالَته الجديدة على أَن مَا لم يعلم فِيهِ خلاف لَا يُقَال لَهُ إِجْمَاع وَلَفظه (مَا لَا يعلم فِيهِ خلاف فَلَيْسَ إِجْمَاعًا) وَقَالَ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد سَمِعت أبي يَقُول مَا يَدعِي فِيهِ الرجل الْإِجْمَاع فَهُوَ كذب وَمن ادّعى الْإِجْمَاع فَهُوَ كَاذِب لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا مَا يدريه وَلم ينْتَه إِلَيْهِ فَلْيقل لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم وَلكنه يَقُول لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا أَو لم يبلغنِي ذَلِك هَذَا لَفظه ونصوص رَسُول الله أجل عِنْد الإِمَام أَحْمد وَسَائِر أَئِمَّة الحَدِيث من أَن يقدموا عَلَيْهَا توهم إِجْمَاع مضمونه عدم الْعلم بالمخالف وَلَو سَاغَ لتعطلت النُّصُوص وساغ لكل من لم يعلم مُخَالفا فِي حكم مَسْأَلَة أَن يقدم جَهله بالمخالف على النُّصُوص فَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكرهُ الإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ من دَعْوَى الْإِجْمَاع مَا لَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه استبعاد لوُجُوده الأَصْل الثَّانِي من أصُول فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد مَا أفتى بِهِ الصَّحَابَة فَكَانَ ﵁ إِذا وجد لبَعْضهِم فَتْوَى لَا يعرف لَهُ مُخَالف مِنْهُم فِيهَا لم يتجاوزها إِلَى غَيرهَا وَلم يقل إِن ذَلِك إِجْمَاع بل من ورعه فِي الْعبارَة يَقُول لَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ أَو نَحْو هَذَا وَكَانَ إِذا وجد هَذَا النَّوْع عَن الصَّحَابَة لم يقدم عَلَيْهِ عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا فَكَانَت فَتَاوَاهُ لذَلِك من تأملها وَتَأمل فَتَاوَى الصَّحَابَة رأى مُطَابقَة كل مِنْهُمَا على الْأُخْرَى وَرَأى الْجَمِيع كَأَنَّهَا تخرج من مشكاة وَاحِدَة حَتَّى إِن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ جَاءَ عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَكَانَ تحريه لفتاوى الصَّحَابَة كتحري

стр. 74

أَصْحَابه لفتاواه ونصوصه بل أعظم حَتَّى إِنَّه ليقدم فتاواهم على الحَدِيث الْمُرْسل قَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء فِي مسَائِله قلت لأبي عبد الله حَدِيث عَن رَسُول الله مُرْسل بِرِجَال ثَبت أحب إِلَيْك أَو حَدِيث عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مُتَّصِل بِرِجَال ثَبت قَالَ أَبُو عبد الله ﵀ عَن الصَّحَابَة أعجب إِلَى وَمن ثمَّ صَارَت فَتَاوَاهُ إِمَامًا وقدوة لأهل السّنة على اخْتِلَاف طبقاتهم حَتَّى إِن الْمُخَالفين لمذهبه فِي الِاجْتِهَاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لَهَا حَقّهَا وقربها من النُّصُوص وفتاوى الصَّحَابَة الأَصْل الثَّالِث من أُصُوله إِذا اخْتلف الصَّحَابَة تخير من أَقْوَالهم مَا كَانَ أقربها إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلم يخرج عَن أَقْوَالهم فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ مُوَافقَة أحد الْأَقْوَال حكى الْخلاف فِيهَا وَلم يجْزم بقول قَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء فِي مسَائِله قيل لأبي عبد الله يكون الرجل فِي قومه فَيسْأَل عَن الشَّيْء فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ يُفْتِي بِمَا وَافق الْكتاب وَالسّنة وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة أمسك عَنهُ قيل لَهُ أفيجاب عَلَيْهِ قَالَ لَا الأَصْل الرَّابِع الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس وَلَيْسَ المُرَاد بالضعيف عِنْده الْبَاطِل وَلَا الْمُنكر وَلَا فِي رِوَايَته مُتَّهم بِحَيْثُ لَا يسوغ الذّهاب إِلَيْهِ فَالْعَمَل بِهِ بل الحَدِيث الضَّعِيف عِنْده قسيم الصَّحِيح وَقسم من أَقسَام الْحسن وَلم يكن يقسم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف بل إِلَى صَحِيح وَضَعِيف وللضعيف عِنْده مَرَاتِب فَإِذا لم يجد فِي الْبَاب أثرا يَدْفَعهُ وَلَا قَول صَحَابِيّ وَلَا إِجْمَاع على خِلَافه كَانَ الْعَمَل بِهِ عِنْده أولى من الْقيَاس

стр. 75

وَلَيْسَ أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا وَهُوَ مُوَافق لَهُ على هَذَا الأَصْل من حَيْثُ الْجُمْلَة فَإِنَّهُ مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد قدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس فَأَبُو حنيفَة قدم حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس على مَا فِيهِ من الْمقَال بِحَيْثُ إِنَّه أجمع أهل الحَدِيث على ضعفه وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس وَأكْثر أهل الحَدِيث يُضعفهُ وَقدم حَدِيث أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام وَهُوَ ضَعِيف باتفاقهم على مَحْض الْقيَاس فَإِن الَّذِي ترَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر مسَاوٍ فِي الْحَد والحقيقة وَالصّفة لدم الْيَوْم الْعَاشِر
следующие страницы →