Полный текст (458 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
العقد الثَّالِث
فِي ذكر أصُول مذْهبه فِي استنباط الْفُرُوع وَبَيَان طَرِيقَته فِي ذَلِك
أما طَريقَة الإِمَام فِي الْأُصُول الْفِقْهِيَّة فقد كَانَت طَريقَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان لَا يتَعَدَّى طريقتهم وَلَا يتجاوزها إِلَى غَيرهَا كَمَا هِيَ عَادَته فِي مسالكه فِي التَّوْحِيد والفتيا فِي الْفِقْه وَفِي جَمِيع حركاته وسكناته وكما تقدم لَك آنِفا مَا كَانَ عَلَيْهِ من الِاعْتِقَاد وكما سنبينه من مسالكه فِي الِاجْتِهَاد
وَحَيْثُ علمت ذَلِك فَاعْلَم أَنه قد صرح المجتهدون من أهل مذْهبه التَّابِعين لَهُ فِي الْأُصُول أَن فَتَاوَاهُ ﵁ مَبْنِيَّة على خَمْسَة أصُول
الأَصْل الأول النَّص كَانَ إِذا وجد النَّص أفتى بِمُوجبِه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه لَا إِلَى من خَالفه كَائِنا من كَانَ وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى خلاف عمر فِي المبتوتة لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَلَا
стр. 72
إِلَى خِلَافه فِي التَّيَمُّم للْجنب لحَدِيث عمار بن يَاسر الْمُصَرّح بِصِحَّة تيَمّم الْجنب وَكَذَلِكَ لم يلْتَفت إِلَى قَول عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَأبي أَيُّوب وَأبي بن كَعْب فِي ترك الْغسْل من الإكسال لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا فعلته هِيَ وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ كثير جدا وَلم يكن يقدم على الحَدِيث الصَّحِيح عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا قَول صَاحب وَلَا عدم علمه بالمخالف الَّذِي يُسَمِّيه كثير
стр. 73
من النَّاس بِالْإِجْمَاع ويقدمونه على الحَدِيث الصَّحِيح
وَقَالَ الإِمَام ابْن الْقيم وَغَيره من عُلَمَاء الْأُصُول قد كذب أَحْمد من ادّعى هَذَا الْإِجْمَاع وَلم يسغْ تَقْدِيمه على الحَدِيث الثَّابِت وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي أَيْضا نَص فِي رسَالَته الجديدة على أَن مَا لم يعلم فِيهِ خلاف لَا يُقَال لَهُ إِجْمَاع وَلَفظه (مَا لَا يعلم فِيهِ خلاف فَلَيْسَ إِجْمَاعًا) وَقَالَ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد سَمِعت أبي يَقُول مَا يَدعِي فِيهِ الرجل الْإِجْمَاع فَهُوَ كذب وَمن ادّعى الْإِجْمَاع فَهُوَ كَاذِب لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا مَا يدريه وَلم ينْتَه إِلَيْهِ فَلْيقل لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا
هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم وَلكنه يَقُول لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا أَو لم يبلغنِي ذَلِك هَذَا لَفظه
ونصوص رَسُول الله أجل عِنْد الإِمَام أَحْمد وَسَائِر أَئِمَّة الحَدِيث من أَن يقدموا عَلَيْهَا توهم إِجْمَاع مضمونه عدم الْعلم بالمخالف وَلَو سَاغَ لتعطلت النُّصُوص وساغ لكل من لم يعلم مُخَالفا فِي حكم مَسْأَلَة أَن يقدم جَهله بالمخالف على النُّصُوص فَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكرهُ الإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ من دَعْوَى الْإِجْمَاع مَا لَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه استبعاد لوُجُوده
الأَصْل الثَّانِي من أصُول فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد مَا أفتى بِهِ الصَّحَابَة فَكَانَ ﵁ إِذا وجد لبَعْضهِم فَتْوَى لَا يعرف لَهُ مُخَالف مِنْهُم فِيهَا لم يتجاوزها إِلَى غَيرهَا وَلم يقل إِن ذَلِك إِجْمَاع بل من ورعه فِي الْعبارَة يَقُول لَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ أَو نَحْو هَذَا
وَكَانَ إِذا وجد هَذَا النَّوْع عَن الصَّحَابَة لم يقدم عَلَيْهِ عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا فَكَانَت فَتَاوَاهُ لذَلِك من تأملها وَتَأمل فَتَاوَى الصَّحَابَة رأى مُطَابقَة كل مِنْهُمَا على الْأُخْرَى وَرَأى الْجَمِيع كَأَنَّهَا تخرج من مشكاة وَاحِدَة حَتَّى إِن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ جَاءَ عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَكَانَ تحريه لفتاوى الصَّحَابَة كتحري
стр. 74
أَصْحَابه لفتاواه ونصوصه بل أعظم حَتَّى إِنَّه ليقدم فتاواهم على الحَدِيث الْمُرْسل
قَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء فِي مسَائِله قلت لأبي عبد الله حَدِيث عَن رَسُول الله مُرْسل بِرِجَال ثَبت أحب إِلَيْك أَو حَدِيث عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مُتَّصِل بِرِجَال ثَبت قَالَ أَبُو عبد الله ﵀ عَن الصَّحَابَة أعجب إِلَى وَمن ثمَّ صَارَت فَتَاوَاهُ إِمَامًا وقدوة لأهل السّنة على اخْتِلَاف طبقاتهم حَتَّى إِن الْمُخَالفين لمذهبه فِي الِاجْتِهَاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لَهَا حَقّهَا وقربها من النُّصُوص وفتاوى الصَّحَابَة
الأَصْل الثَّالِث من أُصُوله إِذا اخْتلف الصَّحَابَة تخير من أَقْوَالهم مَا كَانَ أقربها إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلم يخرج عَن أَقْوَالهم فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ مُوَافقَة أحد الْأَقْوَال حكى الْخلاف فِيهَا وَلم يجْزم بقول
قَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء فِي مسَائِله قيل لأبي عبد الله يكون الرجل فِي قومه فَيسْأَل عَن الشَّيْء فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ يُفْتِي بِمَا وَافق الْكتاب وَالسّنة وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة أمسك عَنهُ قيل لَهُ أفيجاب عَلَيْهِ قَالَ لَا
الأَصْل الرَّابِع الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس وَلَيْسَ المُرَاد بالضعيف عِنْده الْبَاطِل وَلَا الْمُنكر وَلَا فِي رِوَايَته مُتَّهم بِحَيْثُ لَا يسوغ الذّهاب إِلَيْهِ فَالْعَمَل بِهِ بل الحَدِيث الضَّعِيف عِنْده قسيم الصَّحِيح وَقسم من أَقسَام الْحسن وَلم يكن يقسم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف بل إِلَى صَحِيح وَضَعِيف وللضعيف عِنْده مَرَاتِب فَإِذا لم يجد فِي الْبَاب أثرا يَدْفَعهُ وَلَا قَول صَحَابِيّ وَلَا إِجْمَاع على خِلَافه كَانَ الْعَمَل بِهِ عِنْده أولى من الْقيَاس
стр. 75
وَلَيْسَ أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا وَهُوَ مُوَافق لَهُ على هَذَا الأَصْل من حَيْثُ الْجُمْلَة فَإِنَّهُ مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد قدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس فَأَبُو حنيفَة قدم حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس على مَا فِيهِ من الْمقَال بِحَيْثُ إِنَّه أجمع أهل الحَدِيث على ضعفه وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس وَأكْثر أهل الحَدِيث يُضعفهُ وَقدم حَدِيث أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام وَهُوَ ضَعِيف باتفاقهم على مَحْض الْقيَاس فَإِن الَّذِي ترَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر مسَاوٍ فِي الْحَد والحقيقة وَالصّفة لدم الْيَوْم الْعَاشِر
стр. 76
وَقدم حَدِيث لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم وَأَجْمعُوا على ضعفه بل بُطْلَانه على مَحْض الْقيَاس فَإِن بذل الصَدَاق مُعَاوضَة فِي مُقَابلَة بذل الْبضْع فَمَا تراضينا عَلَيْهِ جَازَ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا وَقدم الشَّافِعِي خبر تَحْرِيم صيدوج مَعَ ضعفه على الْقيَاس وَقدم خبر جَوَاز الصَّلَاة بِمَكَّة فِي وَقت النَّهْي مَعَ ضعفه ومخالفته لقياس غَيرهَا من الْبِلَاد وَقدم فِي أحد قوليه حَدِيث من قاء أَو رعف فَليَتَوَضَّأ أَو ليبن على صلَاته على الْقيَاس مَعَ ضعف الْخَبَر وإرساله
стр. 77
وَأما مَالك فَإِنَّهُ يقدم الحَدِيث الْمُرْسل والمنقطع والبلاغات وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس فَإِذا لم يكن عِنْد الإِمَام أَحْمد فِي الْمَسْأَلَة نَص وَلَا قَول الصَّحَابَة أَو وَاحِد مِنْهُم وَلَا أثر مُرْسل أَو ضَعِيف عدل إِلَى الأَصْل الْخَامِس الَّذِي سَنذكرُهُ
الأَصْل الْخَامِس الْقيَاس كَانَ الإِمَام أَحْمد يَسْتَعْمِلهُ للضَّرُورَة على مَا علمت مِمَّا سبق فَفِي كتاب الْخلال عَن أَحْمد قَالَ سَأَلت الشَّافِعِي عَن الْقيَاس فَقَالَ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَهَذِهِ الْأُصُول الْخَمْسَة من أصُول فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد وَعَلَيْهَا مدارها
وَكَانَ ﵁ يتَوَقَّف أَحْيَانًا فِي الْفَتْوَى لتعارض الْأَدِلَّة عِنْده أَو لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهَا أَو لعدم اطِّلَاعه فِيهَا على أثر أَو قَول أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكَانَ شَدِيد الْكَرَاهَة وَالْمَنْع للإفتاء بِمَسْأَلَة لَيْسَ فِيهَا أثر عَن السّلف كَمَا قَالَ لبَعض أَصْحَابه إياك أَن تَتَكَلَّم فِي مَسْأَلَة لَيْسَ لَك فِيهَا إِمَام
وَكَانَ يسوغ استفتاء فُقَهَاء الحَدِيث وَأَصْحَاب مَالك وَيدل عَلَيْهِم وَيمْنَع من استفتاء من يعرض عَن الحَدِيث وَلَا يَبْنِي مذْهبه عَلَيْهِ وَلَا يسوغ الْعَمَل بفتواه قَالَ ابْن هانىء سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث أجرؤكم على الْفتيا أجرؤكم على النَّار
стр. 78
قَالَ أَبُو عبد الله يُفْتِي بِمَا لم يسمع قَالَ وَسَأَلته عَمَّن أفتى يفتيا يَعْنِي فِيهَا قَالَ فإثمها على من أفتاها قلت على أَي وَجه يُفْتِي حَتَّى يعلم مَا فِيهَا قَالَ يُفْتِي بالبحث لَا يدْرِي (إيش أَصْلهَا)
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي مسَائِله مَا أحصى مَا سَمِعت أَحْمد سُئِلَ عَن كثير مِمَّا فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي الْعلم فَيَقُول لَا أَدْرِي قَالَ وسمعته يَقُول مَا رَأَيْت مثل ابْن عُيَيْنَة فِي الْفَتْوَى أحسن فتيا مِنْهُ كَانَ أَهْون عَلَيْهِ أَن يَقُول لَا أَدْرِي
وَقَالَ عبد الله ابْنه فِي مسَائِله سَمِعت أبي يَقُول وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي سَأَلَ رجل من أهل الغرب مَالك ابْن أنس عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله تَقول لَا أَدْرِي قَالَ نعم فأبلغ من ورائك أَنِّي لَا أَدْرِي
وَقَالَ عبد الله كنت أسمع أبي كثيرا يسْأَل عَن الْمسَائِل فَيَقُول لَا أَدْرِي وَيقف إِذا كَانَت مَسْأَلَة فِيهَا اخْتِلَاف وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُول سل غَيْرِي فَإِن قيل لَهُ من نسْأَل قَالَ سلوا الْعلمَاء وَلَا يكَاد يُسَمِّي رجلا بِعَيْنِه قَالَ وَسمعت أبي يَقُول كَانَ ابْن عُيَيْنَة لَا يُفْتِي فِي الطَّلَاق وَيَقُول من يحسن هَذَا قَالَ ابْن الْقيم قلت الجرأة على الْفتيا تكون من قلَّة الْعلم وَمن غزارته وسعته فَإِذا قل علمه أفتى عَن كل مَا يسْأَل عَنهُ بِغَيْر علم وَإِذا اتَّسع علمه اتسعت فتياه وَلِهَذَا كَانَ ابْن عَبَّاس من أوسع الصَّحَابَة فتيا فقد جمع أَبُو بكر مُحَمَّد ابْن مُوسَى بن يَعْقُوب ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فتيا ابْن عَبَّاس فِي عشْرين كتابا وَأَبُو بكر مُحَمَّد الْمَذْكُور أحد أَئِمَّة الْعلم
стр. 79
وَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَاسع الْفتيا وَمَعَ ذَلِك كَانُوا يسمونه الجريء
هَذَا مُجمل مسالك الإِمَام أَحْمد فِي الْفتيا وَالِاجْتِهَاد واستنباط الْكَلَام
تَتِمَّة وَرَأَيْت لِلْحَافِظِ عبد الرَّحْمَن بن رَجَب الْحَنْبَلِيّ مُحدث الشَّام كلَاما حسنا فِي هَذَا الْمَوْضُوع فِي كِتَابه جَامع الْعُلُوم وَالْحكم عِنْد كَلَامه على الحَدِيث التَّاسِع من الْأَرْبَعين النواوية قَالَ قَالَ الْمَيْمُونِيّ سَمِعت أَبَا عبد الله يَعْنِي أَحْمد يسْأَل عَن مَسْأَلَة فَقَالَ وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة بليتم بهَا بعد قَالَ ابْن رَجَب وَقد انقسم النَّاس فِي هَذَا أقساما فَمن أَتبَاع أهل الحَدِيث من سد بَاب الْمسَائِل حَتَّى قل فقهه وَعلمه بحدود مَا أنزل الله على رَسُوله وَصَارَ حَامِل فقه غير فَقِيه وَمن فُقَهَاء أهل الرَّأْي من توسع فِي توليد الْمسَائِل قبل وُقُوعهَا مَا يَقع فِي الْعَادة مِنْهَا وَمَا لَا يَقع وَاشْتَغلُوا بتكليف الْجَواب عَن ذَلِك وَكَثْرَة الْخُصُومَات فِيهِ والجادل عَلَيْهِ حَتَّى يتَوَلَّد من ذَلِك افْتِرَاق الْقُلُوب ويستقر فِيهَا بِسَبَبِهِ الْأَهْوَاء والشحناء والعداوة والبغضاء ويقترن ذَلِك كثيرا بنية المغالبة وَطلب الْعُلُوّ والمباهاة وَصرف وُجُوه النَّاس وَهَذَا مِمَّا ذمه الْعلمَاء الربانيون ودلت السّنة على قبحه وتحريمه وَأما فُقَهَاء أهل الحَدِيث الْعَامِلُونَ بِهِ فَإِن مُعظم هممهم الْبَحْث عَن مَعَاني كتاب الله وَمَا يفسره من السّنَن الصَّحِيحَة وَكَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
стр. 80
لَهُم بِإِحْسَان وَعَن سنة رَسُول الله ﷺ وصحيحها وسقيمها ثمَّ الْفِقْه فِيهَا وتفهيمها وَالْوُقُوف على مَعَانِيهَا ثمَّ معرفَة كَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان فِي أَنْوَاع الْعُلُوم من التَّفْسِير والْحَدِيث ومسائل الْحَلَال وَالْحرَام وأصول السّنة والزهد وَالرَّقَائِق وَغير ذَلِك وَهَذَا هُوَ طَريقَة الإِمَام أَحْمد وَمن وَافقه من أهل الحَدِيث الربانيين وَفِي معرفَة هَذَا شغل شاغل عَن التشاغل بِمَا أحدث من الرَّأْي مِمَّا لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يَقع وَإِنَّمَا يُورث التجادل فِيهِ الْخُصُومَات والجدال وَكَثْرَة القيل والقال
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد كثيرا إِذا سُئِلَ عَن شَيْء من الْمسَائِل المولدات الَّتِي لَا تقع يَقُول دَعونَا من هَذِه الْمسَائِل المحدثة
قَالَ ابْن رَجَب وَمن سلك طَريقَة طلب الْعلم على مَا ذَكرْنَاهُ تمكن من فهم جَوَاب الْحَوَادِث الْوَاقِعَة غَالِبا لِأَن أُصُولهَا تُوجد فِي تِلْكَ الْأُصُول الْمشَار إِلَيْهَا وَلَا بُد أَن يكون سلوك هَذَا الطَّرِيق خلف أَئِمَّة أَهله الْمجمع على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَمن سلك مسلكهم فَإِن من ادّعى سلوك هَذَا الطَّرِيق على غير طريقهم وَقع فِي مفاوز ومهالك وَأخذ بِمَا لَا يجوز الْأَخْذ بِهِ وَترك مَا يجب الْعَمَل بِهِ انْتهى
وَمن هُنَا تزداد علما بمسالك الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ
стр. 81
العقد الرَّابِع
فِي مسالك كبار أَصْحَابه فِي تَرْتِيب مذْهبه واستنباطه من فتياه وَالرِّوَايَات عَنهُ وتصرفهم فِي ذَلِك الْإِرْث المحمدي الأحمدي
اعْلَم أَن الإِمَام أَحْمد ﵁ كَانَ يكره وضع الْكتب الَّتِي تشْتَمل على التَّفْرِيع والرأي وَمَا ذَلِك إِلَّا ليتوفر الِالْتِفَات إِلَى النَّقْل ويزرع فِي الْقُلُوب التَّمَسُّك بالأثر وَقَالَ يَوْمًا لعُثْمَان بن سعيد لَا تنظر فِي كتب أبي عبيد وَلَا فِيمَا وضع إِسْحَاق وَلَا سُفْيَان وَلَا الشَّافِعِي وَلَا مَالك وَعَلَيْك بِالْأَصْلِ
وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء سَأَلت أَحْمد عَن كتب أبي ثَوْر فَقَالَ كتاب ابتدع فِيهِ بِدعَة وَلم يُعجبهُ وضع الْكتب وَكَذَلِكَ كَانَ يكره أَن يكْتب شَيْء من رَأْيه وفتواه
وروى الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ فِي مناقبه عَن أَحْمد أَنه قَالَ القلانس من السَّمَاء تنزل على رُؤُوس قوم يَقُولُونَ برؤوسهم هَكَذَا وَهَكَذَا
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الْمَعْنى لَا يريدها وَقَوله هَكَذَا وَهَكَذَا أَي يميلون رؤوسهم عَن أَن تتمكن مِنْهَا
وَمعنى الْكَلَام أَنهم لَا يُرِيدُونَ الرياسة وَهِي تقع عَلَيْهِم وَيحْتَمل أَن يُرِيد أَنهم يطأطؤن رؤوسهم تواضعا فَلذَلِك كَانَ أَحْمد ينْهَى عَن كتب كَلَامه تواضعا فَقدر الله لَهُ أَن دون ورتب وشاع انْتهى
قلت وَالْمعْنَى الثَّانِي هُوَ الْأَقْرَب فقد رُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ
стр. 82
يَقُول طُوبَى لمن أخمل الله ذكره وَكَانَ لَا يدع أحدا يتبعهُ فِي مَشْيه وَرُبمَا كَانَ مَاشِيا فيتبعه أحد من النَّاس فيقف حَتَّى ينْصَرف الَّذِي يتبعهُ وَكَانَ يمشي وَحده متواضعا
وَحَيْثُ إِن الإِمَام أَحْمد كَانَ يحب توفر الِالْتِفَات إِلَى النَّقْل ويختار التَّوَاضُع أشغل أوقاته فِي جمع السّنة والأثر وَتَفْسِير كتاب الله تَعَالَى وَلم يؤلف كتابا فِي الْفِقْه وَكَانَ غَايَة مَا كتب فِيهِ رِسَالَة فِي الصَّلَاة كتبهَا إِلَى إِمَام صلى وَرَاءه فأساء فِي صلَاته وَهِي رِسَالَة قد طبعت ونشرت فِي أيامنا فَعلم الله من حسن نِيَّته وقصده فَكتب عَنهُ أَصْحَابه من كَلَامه وفتواه أَكثر من ثَلَاثِينَ سفرا انتشرت كلهَا فِي الْآفَاق ثمَّ جَاءَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن هَارُون أَبُو بكر الْخلال فصرف عنايته إِلَى جَمِيع عُلُوم أَحْمد بن حَنْبَل وَإِلَى كِتَابَة مَا رُوِيَ عَنهُ وَطَاف لأجل ذَلِك الْبِلَاد وسافر للاجتماع بأصحاب أَحْمد وَكتب مَا رُوِيَ عَنهُ بِالْإِسْنَادِ وَتبع فِي ذَلِك طرفه من الْعُلُوّ وَالنُّزُول وصنف كتبا فِي ذَلِك مِنْهَا كتاب الْجَامِع وَهُوَ فِي نَحْو مِائَتي جُزْء وَلم يقارنه أحد من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد فِي ذَلِك وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة هَذَا مَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي المناقب من أَن جَامع الْخلال فِي نَحْو من مِائَتي جُزْء
وَقَالَ ابْن الْقيم فِي أَعْلَام الموقعين وَجمع الْخلال نصوصه فِي الْجَامِع الْكَبِير فَبلغ نَحْو عشْرين سفرا أَو أَكثر انْتهى
وَلَا مُعَارضَة بَين قوليهما لِأَن الْمُتَقَدِّمين كَانُوا يطلقون على الكراس وعَلى مَا يقرب من الكراسين جُزْءا وَأما السّفر فَهُوَ مَا جمع أَجزَاء فَتنبه
وَمن ثمَّ كَانَ جَامع الْخلال هُوَ الأَصْل لمَذْهَب أَحْمد فَنظر الْأَصْحَاب فِيهِ وألفوا كتب الْفِقْه مِنْهُ وَكَانَ من جملَة من سلك فِي مذْهبه مسالك الِاجْتِهَاد فِي تَرْجِيح الرِّوَايَات المنقولة
стр. 83
عَنهُ بَعْضهَا على بعض عمر بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن أَحْمد أَبُو الْقَاسِم الْخرقِيّ فَإِنَّهُ صنف فِي مَذْهَب أَحْمد مُخْتَصره الْمَشْهُور الَّذِي شَرحه القَاضِي أَبُو يعلى وَشَيْخه ابْن حَامِد وموفق الدّين الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه الْمُغنِي وَغَيرهم وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي عدد مسَائِل الْخرقِيّ أَلفَانِ وثلاثمائة مَسْأَلَة
وَكتب أَبُو بكر عبد الْعَزِيز على نُسْخَة مُخْتَصر الْخرقِيّ خالفني الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره فِي سِتِّينَ مَسْأَلَة وَلم يسمهَا قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فتتبعتها فَوَجَدتهَا ثَمَانِيَة وَتِسْعين مَسْأَلَة وَكَانَت وَفَاة الْخرقِيّ فِي دمشق سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَأما أَبُو بكر فَهُوَ عبد الْعَزِيز بن جَعْفَر بن أَحْمد بن دَارا كَانَ يعرف بِغُلَام الْخلال فَهُوَ صَاحب كتابي الشافي والتنبيه فِي فقه الْمَذْهَب الأحمدي وَصَاحب الْخلاف مَعَ الشَّافِعِي وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وعَلى الْجُمْلَة فَإِن الْخلال لما جمع الرِّوَايَات عَن أَحْمد ومهدها فِي كتبه أَخذ الْأَصْحَاب فِي الْجمع وَتَدْوِين الْمَذْهَب وتأليف كتب الْفِقْه فجزاهم الله خيرا
стр. 84
شذرة فِي بَيَان طَريقَة الْأَصْحَاب فِي فهم كَلَام الإِمَام أَحْمد وَطَرِيق تصرفهم فِي الرِّوَايَات عَنهُ
أَظُنك أَيهَا السَّامع لما علمت أَن فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد كَانَت هِيَ وفتاوى الصَّحَابَة كَأَنَّهَا تخرج من مشكاة وَاحِدَة حَتَّى إِن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ جَاءَ عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَقد يكون لَهُ فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة رِوَايَات ثمَّ إِنَّك تنظر فِي كتب الْأَصْحَاب فتجد غالبها مَبْنِيا على قَول وَاحِد وَرِوَايَة وَاحِدَة أخذك الشوق إِلَى أَن تعلم كَيفَ كَانَ تصرف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك وَمَا هِيَ طَريقَة المرجحين لإحدى الرِّوَايَات على الْأُخْرَى وَكَيف كَانَت طريقتهم فِي الْمسَائِل الَّتِي لَيْسَ فِيهَا رِوَايَة عَن الإِمَام فَإِذا سما بك الشوق إِلَى هَذَا فاستمع لما أتلو عَلَيْك لتتجلى لَك الْحَقَائِق ولتكون من أَمرك على يَقِين
لَا يخفاك أَن الْأَصْحَاب أخذُوا مَذْهَب أَحْمد من أَقْوَاله وأفعاله وأجوبته وَغير ذَلِك فَكَانُوا إِذا وجدوا عَن الإِمَام فِي مَسْأَلَة قَوْلَيْنِ عدلوا أَولا إِلَى الْجمع بَينهمَا بطريقة من طرق الْأُصُول إِمَّا يحمل عَام على خَاص أَو مُطلق على مُقَيّد فَإِذا أمكن ذَلِك كَانَ الْقَوْلَانِ مذْهبه وَإِن تعذر الْجمع بَينهمَا وَعلم التَّارِيخ فَاخْتلف الْأَصْحَاب فَقَالَ قوم الثَّانِي مَذْهَب وَقَالَ آخَرُونَ الثَّانِي وَالْأول وَقَالَت طَائِفَة الأول وَلَو رَجَعَ عَنهُ
وَصَحَّ القَوْل الأول الشَّيْخ عَلَاء الدّين المرداوي فِي كِتَابه تَصْحِيح الْفُرُوع وَتبع غَيره فِي ذَلِك فَإِن جهل
стр. 85
التَّارِيخ فمذهب أقرب الْأَقْوَال من الْأَدِلَّة أَو قَوَاعِد مذْهبه ويخص عَام كَلَامه بِخَاصَّة فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي الْأَصَح والمقيس على كَلَامه مذْهبه فِي الْأَشْهر فَإِن أفتى فِي مَسْأَلَتَيْنِ متشابهتين بحكمين مُخْتَلفين فِي وَقْتَيْنِ قَالَ بَعضهم وَبعد الزَّمن فَفِي جَوَاز النَّقْل والتخريج وَلَا مَانع وَجْهَان وَقَوله لَا يَنْبَغِي وَلَا يصلح أَو استقبحه أَو هُوَ قَبِيح أَو لَا أرَاهُ يحملهُ الْأَصْحَاب على التَّحْرِيم قَالَه ابْن مُفْلِح فِي فروعه ثمَّ قَالَ وَقد ذكرُوا أَنه يسْتَحبّ فِرَاق غير القفيفة وَاحْتَجُّوا بقول أَحْمد لَا يَنْبَغِي أَن يمْسِكهَا وَسَأَلَهُ أَبُو طَالب عَن الرجل يُصَلِّي إِلَى الْقَبْر وَالْحمام والحوش فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يكون لَا يُصَلِّي إِلَيْهِ قَالَ أَبُو طَالب قلت فَإِن كَانَ قَالَ يجْزِيه وَنقل عَنهُ أَبُو طَالب فِيمَن يقْرَأ فِي الْأَرْبَع كلهَا بِالْحَمْد وَسورَة أَنه قَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يفعل وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحُسَيْن بن حسان فِي الإِمَام يقصر فِي الأولى وَيطول فِي الثَّانِيَة لَا يَنْبَغِي هَذَا قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى كره ذَلِك لمُخَالفَة السّنة انْتهى
هَذَا يدل على أَنه لَيْسَ جَمِيع الْأَصْحَاب يحملون قَول الإِمَام لَا يَنْبَغِي وَنَحْوه على التَّحْرِيم بل فِي ذَلِك الْحمل خلاف فَإِن بَعضهم حمل قَوْله لَا يَنْبَغِي فِي مَوَاضِع من كَلَامه على الْكَرَاهَة كَمَا رَأَيْته آنِفا وَقدم فِي الرِّعَايَة أَن قَوْله لَا يَنْبَغِي يحمل على الْكَرَاهَة وَقَوله أكره أَو لَا يُعجبنِي أَو لَا أحبه أَو لَا أستحسنه للنَّدْب وَاخْتَارَ هَذَا المسلك شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي وَجعل غَيرهمَا فِي ذَلِك وَجْهَان وَجعلُوا قَوْله للسَّائِل يفعل كَذَا احْتِيَاطًا للْوُجُوب قدمه فِي الرِّعَايَة وَالْحَاوِي الْكَبِير
стр. 86
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِير وآداب المستفتي الأولى النّظر إِلَى الْقَرَائِن فِي الْكل فَإِن دلّت على وجوب أَو ندب أَو تَحْرِيم أَو كَرَاهَة أَو إِبَاحَة حمل قَوْله عَلَيْهِ سَوَاء تقدّمت أَو تَأَخَّرت أَو توسطت قَالَ فِي تَصْحِيح الْفُرُوع وَهُوَ الصَّوَاب وَكَلَام أَحْمد يدل على ذَلِك انْتهى
وَقَالَ الإِمَام ابْن الْقيم فِي كِتَابه أَعْلَام الموقعين قد غلط كثير من الْمُتَأَخِّرين من أَتبَاع الْأَئِمَّة على أئمتهم حَيْثُ تورع الْأَئِمَّة من إِطْلَاق لفظ التَّحْرِيم وأطلقوا لفظ الْكَرَاهَة فنفى الْمُتَأَخّرُونَ التَّحْرِيم عَمَّا أطلق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة الْكَرَاهَة ثمَّ سهل عَلَيْهِم لفظ الْكَرَاهَة وَخفت مُؤْنَته عَلَيْهِم فَحَمله بَعضهم على التَّنْزِيه وَتجَاوز بِهِ آخَرُونَ إِلَى كَرَاهَة ترك الأولى وَهَذَا كثير جدا فِي تصرفاتهم فَحصل بِسَبَبِهِ غلط عَظِيم على الشَّرِيعَة وعَلى الْأَئِمَّة
وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين أكرهه وَلَا أَقُول هُوَ حرَام ومذهبه تَحْرِيمه وَإِنَّمَا تورع عَن إِطْلَاق لفظ التَّحْرِيم لأجل قَول عُثْمَان يَعْنِي بِجَوَازِهِ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْخرقِيّ فِيمَا نَقله عَن الإِمَام أَحْمد وَيكرهُ أَن يتَوَضَّأ فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ومذهبه أَنه لَا يجوز
وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد يسْتَحبّ أَن لَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَهَذَا اسْتِحْبَاب وجوب وَقَالَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن مَنْصُور إِذا كَانَ أَكثر مَال الرجل حَرَامًا فَلَا يُعجبنِي أَن يُؤْكَل مَاله وَهَذَا على سَبِيل التَّحْرِيم
стр. 87
ثمَّ إِن ابْن الْقيم أَطَالَ النَّفس فِي هَذَا الْمَوْضُوع فَنقل رِوَايَات كَثِيرَة عَن الإِمَام أَحْمد جَاءَت بِلَفْظ الْكَرَاهَة وَالْمَقْصُود التَّحْرِيم ثمَّ حُكيَ عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه قَالَ إِن كل مَكْرُوه فَهُوَ حرَام إِلَّا أَنه لما لم يجد فِيهِ نصا قَاطعا لم يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْحَرَام
وروى مُحَمَّد أَيْضا عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَنه إِلَى الْحَرَام أقرب انْتهى
قلت وَمرَاده بذلك مَا وَقع فِي كَلَام الْأَئِمَّة من أَن هَذَا مَكْرُوه لَا بِالنّظرِ إِلَى مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ من بعدهمْ من التقسيمات الَّتِي يذكرونها فِي كتب الْأُصُول وَالْفُرُوع فَإِن هَذَا اصْطِلَاح حَادث لَا ينزل عَلَيْهِ كَلَام الْأَئِمَّة
وَأما الْمَالِكِيَّة فقد حملُوا قَول مَالك أكره كَذَا وَشبهه على جعله مرتبَة متوسطة بَين الْحَرَام والمباح وَلَا يطلقون عَلَيْهِ اسْم الْجَوَاز على أَن مَالِكًا قَالَ فِي كثير من أجوبته أكره كَذَا وَهُوَ حرَام فَمِنْهَا أَن مَالِكًا نَص على كَرَاهَة الشطرنج وَهَذَا عِنْد أَكثر أَصْحَابه على التَّحْرِيم وَحمله بَعضهم على الْكَرَاهَة الَّتِي هِيَ دون التَّحْرِيم وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي اللّعب بالشطرنج إِنَّه لَهو شبه الْبَاطِل أكرهه وَلَا يتَبَيَّن لي تَحْرِيمه فقد نَص على كَرَاهَته وَتوقف فِي تَحْرِيمه فَلَا يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِ وَلَا إِلَى مذْهبه أَن اللّعب بهَا جَائِز وَأَنه مُبَاح فَإِنَّهُ لم يقل هَذَا وَلَا مَا يدل عَلَيْهِ وَالْحق أَن يُقَال إِنَّه كرهها وَتوقف فِي تَحْرِيمهَا فَأَيْنَ هَذَا من أَن يُقَال إِن مذْهبه جَوَاز اللّعب بهَا وإباحته وَمن هَذَا أَيْضا أَنه نَص على كَرَاهَة تزوج الرجل ابْنَته من مَاء
стр. 88
الزِّنَا وَلم يقل قطّ إِنَّه مُبَاح وَلَا جَائِز وَالَّذِي يَلِيق بجلالته وإمامته ومنصبه الَّذِي أحله الله بِهِ من الدّين إِن هَذِه الْكَرَاهَة مِنْهُ على وَجه التَّحْرِيم وَأطلق لفظ الْكَرَاهَة لِأَن الْحَرَام يكرههُ الله وَرَسُوله
وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ الْإِسْرَاء ٣٨ وَفِي الصَّحِيح إِن الله كره لكم قيل وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال وإضاعة المَال فالسلف كَانُوا يستعملون الْكَرَاهَة فِي مَعْنَاهَا الَّذِي اسْتعْملت فِيهِ فِي كَلَام الله تَعَالَى وَرَسُوله وَلَكِن الْمُتَأَخّرُونَ اصْطَلحُوا على تَخْصِيص الْكَرَاهَة بِمَا لَيْسَ بِمحرم وَتَركه أرجح من فعله ثمَّ حمل من حمل كَلَام الْأَئِمَّة على الِاصْطِلَاح الْحَادِث فغلط وأقبح غَلطا مِنْهُ من حمل لفظ الْكَرَاهَة أَو لفظ لَا يَنْبَغِي فِي كَلَام الله وَرَسُوله على الْمَعْنى الاصطلاحي الْحَادِث وَقد اطرد فِي كَلَام الله وَرَسُوله اسْتِعْمَال لَا يَنْبَغِي فِي الْمَحْظُور شرعا أَو قدرا وَفِي المستحيل الْمُمْتَنع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ مَرْيَم ٩٢ وَقَوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ يس ٦٩ وَقَوله ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ الشُّعَرَاء ٢١٠ ٢١١ وَقَوله على لِسَان نبيه كَذبَنِي ابْن آدم وَمَا يَنْبَغِي لَهُ وَشَتَمَنِي ابْن آدم وَمَا يَنْبَغِي لَهُ وَقَوله ﷺ إِن الله لَا ينَام وَلَا
стр. 89
يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام وَقَوله فِي لِبَاس الْحَرِير لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتقين وأمثال ذَلِك وَالْمَقْصُود من ذَلِك أَن الْمُجْتَهد إِذا رأى دَلِيلا قَطْعِيا بِحل أَو حُرْمَة صرح بِلَفْظ الْحل أَو التَّحْرِيم وَإِذا لم يجد نصا قَاطعا فاجتهد واستفرغ وَسعه فِي معرفَة الْحق فأداه اجْتِهَاده إِلَى استنباط حكم تحاشى إِطْلَاق لفظ التَّحْرِيم وأبدله بقوله أكره وَنَحْوه ويقصد بذلك مَعْنَاهُ الْمَفْهُوم من الْكتاب وَالسّنة لَا مَعْنَاهُ الَّذِي اصْطلحَ عَلَيْهِ الْمُتَأَخّرُونَ وَكَذَلِكَ لَا يجوز تَنْزِيل كَلَام الله وَرَسُوله على الاصطلاحات الْحَادِثَة وَإِنَّمَا تنزل على مُقْتَضى مَا كَانَ يفهمهُ الصَّحَابَة من الْمَعْنى اللّغَوِيّ لَا غير وعَلى الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة فَافْهَم هَذَا فَإِنَّهُ هِدَايَة واستبصار وَبَيَان لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد
وروى أَبُو عمر بن عبد الْبر أَن مَالِكًا كَانَ إِذا اجْتهد فِي مَسْأَلَة واستنبط لَهَا حكما يَقُول إِن نظن إِلَّا ظنا وَمَا نَحن بمستيقنين
стр. 90
فصل
وَإِذا قَالَ الإِمَام أحب كَذَا أَو يُعجبنِي أَو أعجب إِلَيّ فَعِنْدَ الْأَكْثَر يحمل على النّدب وَقدمه فِي الْفُرُوع وَغَيره وَقيل يحمل على الْوُجُوب قيل وَكَذَا إِذا قَالَ هَذَا حسن أَو أحسن وَقَوله أخْشَى أَو أَخَاف أَن يكون أَو أَلا كيجوز أَو لَا يجوز وأجبن عَنهُ فَقيل يحمل على التَّوَقُّف لتعارض الْأَدِلَّة وَقيل هُوَ على ظَاهره وَإِن أجَاب عَن شَيْء ثمَّ قَالَ عَن غَيره أَهْون أَو أَشد أَو أشنع فَقيل هما سَوَاء وَقيل بِالْفرقِ قَالَه فِي الْفُرُوع
وَقَالَ الشَّيْخ عبد الْحَلِيم بن تَيْمِية وَالِد شيخ الإِمَام فِي مسودة الْأُصُول إِذا سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فِيهَا بحظر أَو إِبَاحَة ثمَّ سُئِلَ عَن غَيرهَا فَقَالَ ذَلِك أسهل أَو ذَلِك أَشد أَو قَالَ كَذَا أسهل من كَذَا فَهَل يتَضَمَّن ذَلِك الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي الحكم أم لَا اخْتلف فِي ذَلِك الْأَصْحَاب فَذهب أَبُو بكر غُلَام الْخلال إِلَى الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي الحكم وَقَالَ أَبُو عبد الله بن حَامِد يَقْتَضِي ذَلِك الِاخْتِلَاف انْتهى
وَإِذا قَالَ أَحْمد أجبن عَنهُ فَفِيهِ خلاف ذهب فِيهِ صَاحب الرِّعَايَة إِلَى الْجَوَاز وَجعله فِي الْفُرُوع فِي الْقُوَّة كقوة كَلَام لم يُعَارضهُ أقوى مِنْهُ وَذهب بعض الْأَصْحَاب بِهِ إِلَى الْكَرَاهَة وَقَول أحد من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد فِي تَفْسِير مذْهبه وأخباره
стр. 91
عَن رَأْيه وَمَفْهُوم كَلَامه وَفعله ينزل منزل مذْهبه فِي الْأَصَح كإجابته فِي شَيْء بِدَلِيل وَالْأَشْهر أَنه كإجابته يَقُول صَحَابِيّ وَاخْتَارَ ابْن حَامِد أَنه كَقَوْل فَفِيهِ يَعْنِي مُجْتَهدا قَالَ فِي تَصْحِيح الْفُرُوع وَهُوَ أقرب إِلَى الصَّوَاب ويعضده منع الإِمَام أَحْمد من اتِّبَاع آراء الرِّجَال وَإِن أجَاب الإِمَام بقول فَقِيه فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه مذْهبه
وَالثَّانِي لَا وَمَا انْفَرد بِهِ وَاحِد وَقَوي دَلِيله أَو صحّح الإِمَام خَبرا أَو حسنه أَو دونه وَلم يردهُ فَفِي كَونه مذْهبه وَجْهَان قَالَ فِي الرِّعَايَة وَمَا انْفَرد بِهِ بعض الروَاة عَنهُ وَقَوي دَلِيله فَهُوَ مذْهبه وَقيل بل مَا رَوَاهُ جمَاعَة بِخِلَافِهِ وَإِن ذكر قَوْلَيْنِ وَحسن أَحدهمَا أَو علله فَفِيهِ خلاف فَقَالَ فِي الرَّوْضَة الْأُصُولِيَّة ومختصرها للطوفي ومختصر التَّحْرِير أَن الحكم يتبع الْعلَّة فَمَا وجدت فِيهِ الْعلَّة فَهُوَ قَوْله سَوَاء قيل بتخصيص الْعلَّة أَو لم يقل وَقيل لَا يكون ذَلِك مذهبا لَهُ وَإِن ذكر قَوْلَيْنِ وَفرع على أَحدهمَا فَقيل هُوَ مذْهبه لتحسينه إِيَّاه أَو تَعْلِيله وَقدم هَذَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَغَيرهم وَهُوَ مَذْهَب الْأَثْرَم والخرقي وَغَيرهمَا
قَالَه ابْن حَامِد فِي تَهْذِيب الْأَجْوِبَة وَقيل لَا يكون مذْهبه وَاخْتَارَهُ جمَاعَة
قَالَ ابْن حَامِد وَالْأَفْضَل أَن يفصل فَمَا كَانَ من جَوَاب لَهُ فِي أصل يحتوي مسَائِل خرج جَوَابه على بَعْضهَا فَإِنَّهُ جَائِز أَن ينْسب
стр. 92
إِلَيْهِ نَفسه ذَلِك الأَصْل من حَيْثُ الْقيَاس وَمن ثمَّ قَالَ فِي التَّحْرِير مفرعا على هَذَا فَلَو أفتى فِي مَسْأَلَتَيْنِ متشابهتين مُخْتَلفين لم يجز نقل الحكم من كل مِنْهُمَا إِلَى الْأُخْرَى وَلَو نَص على حكم مَسْأَلَة ثمَّ قَالَ لَو قَالَ قَائِل بِكَذَا أَو ذهب ذَاهِب إِلَيْهِ يُرِيد خِلَافه كَانَ مذهبا لم يكن ذَلِك مذهبا لَهُ وَإِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فتوقف فِيهَا كَانَ مذْهبه فِيهَا الْوَقْف انْتهى
وَقَالَ فِي تَصْحِيح الْفُرُوع فِيمَا لَو ذكر قَوْلَيْنِ وَفرع على أَحدهمَا الْمَذْهَب لَا يكون بِالِاحْتِمَالِ وَإِلَّا فمذهبه أقربهما من الدَّلِيل وَإِذا أفتى بِحكم فَسكت وَنَحْوه لم يكن رُجُوعا قدمه ابْن حَامِد فِي تَهْذِيب الْأَجْوِبَة وَتَابعه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية
قَالَ المرداوي فِي تَصْحِيح الْفُرُوع وَهُوَ أولى
وَقَالَ فِي الْفُرُوع وَفِي سُكُوته رُجُوعا وَجْهَان وَمَا علله بعلة تُوجد فِي مسَائِل فالأكثر أَن مذْهبه فِيهَا كالمعللة وَقيل لَا وَيلْحق مَا توقف فِيهِ بِمَا يُشبههُ وَإِن اشتبهت مَسْأَلَتَانِ أَو أَكثر مُخْتَلفَة بالخفة والثقل فَقَالَ فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى وَتَبعهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِير الأولى الْعَمَل بِكُل مِنْهُمَا كمن هُوَ أصلح لَهُ وَالْأَظْهَر عَنهُ هُنَا التَّخْيِير وَقَالَ نجم الدّين الطوفي فِي مُخْتَصر الرَّوْضَة الْأُصُولِيَّة إِذا
стр. 93
نَص الْمُجْتَهد على حكم فِي مَسْأَلَة لعِلَّة فبينها فمذهبه فِي كل مَسْأَلَة وجدت فِيهَا تِلْكَ الْعلَّة كمذهبه فِيهَا إِذْ الحكم يتبع الْعلَّة وَإِن لم يبين الْعلَّة فَلَا وَإِن اشتبهتا إِذْ هُوَ إِثْبَات مَذْهَب بِالْقِيَاسِ ولجواز ظُهُور الْفرق لَهُ لَو عرضت عَلَيْهِ وَلَو نَص فِي مَسْأَلَتَيْنِ مشتبهتين على حكمين مُخْتَلفين لم يجز أَن يَجْعَل فيهمَا رِوَايَتَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج كَمَا لَو سكت عَن إِحْدَاهمَا وَأولى وَالْأولَى جَوَاز ذَلِك بعد الْجد والبحث من أَهله إِذْ خَفَاء الْفرق مَعَ ذَلِك وَإِن رق مُمْتَنع عَادَة وَقد وَقع فِي مَذْهَبنَا فَقَالَ فِي الْمُحَرر وَمن لم يجد إِلَّا ثَوابًا نجسا صلى فِيهِ وَأعَاد نَص عَلَيْهِ وَنَصّ فِيمَن حبس فِي مَوضِع نجس فصلى أَنه لَا يُعِيد فيتخرج فيهمَا رِوَايَتَانِ وَذكر مثل ذَلِك فِي الْوَصَايَا وَالْقَذْف وَمثله فِي مَذْهَب الشَّافِعِي كثير ثمَّ التَّخْرِيج قد يقبل تقريرا لنصين وَقد لَا يقبل وَإِذا نَص على حكمين مُخْتَلفين فِي مَسْأَلَة فمذهبه آخرهما إِن علم التَّارِيخ كتناسخ أَخْبَار الشَّارِع وَإِلَّا فأشبههما بأصوله وقواعد مذْهبه وأقربهما إِلَى الدَّلِيل الشَّرْعِيّ وَقيل كِلَاهُمَا مَذْهَب لَهُ إِذْ لَا ينْقض الِاجْتِهَاد بِالِاجْتِهَادِ فَإِن أُرِيد ظَاهره فَمَمْنُوع وَإِن أُرِيد أَن مَا عمل بِالْأولِ لَا ينْقض فَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ ثمَّ يبطل بِمَا لَو صرح بِرُجُوعِهِ عَنهُ فَكيف يَجْعَل مذهبا لَهُ مَعَ تصريحه باعتقاد بُطْلَانه وَلَو خَالع مُجْتَهد زَوجته ثَلَاث مَرَّات يعْتَقد الْخلْع فسخا ثمَّ تغير اجْتِهَاده فاعتقده طَلَاقا لزمَه فراقها وَلَو حكم بِصِحَّة نِكَاح مُخْتَلف فِيهِ حَاكم ثمَّ تغير اجْتِهَاده لم ينْتَقض للُزُوم التسلسل بِنَقْض النَّقْض واضطراب الْأَحْكَام
стр. 94
وَلَو نكح مقلد بفتوى مُجْتَهد ثمَّ تغير اجْتِهَاده فَالظَّاهِر لَا يلْزمه فراقها إِذْ عمله بالفتوى جرى حكم الْحَاكِم هَذَا كَلَامه وَبسطه تكفل بِهِ الْعَلامَة نجم الدّين الطوفي فِي شَرحه فَلَا نطيل بِهِ وَحَاصِل مَا تقدم أَن نُصُوص الْأَئِمَّة بِالْإِضَافَة إِلَى مقلديهم كنصوص الشَّارِع بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَئِمَّة
وَاعْلَم أَيْضا أَن بَين التَّخْرِيج وَالنَّقْل فرقا من حَيْثُ إِن الأول أَعم من الثَّانِي لِأَن التَّخْرِيج يكون من الْقَوَاعِد الْكُلية للْإِمَام أَو الشَّرْع أَو الْعقل لِأَن حَاصِل مَعْنَاهُ بِنَاء فرع على أصل بِجَامِع مُشْتَرك كتخريجنا على تَفْرِيق الصَّفْقَة فروعا كَثِيرَة وعَلى قَاعِدَة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق أَيْضا فروعا كَثِيرَة فِي أصُول الْفِقْه وفروعه وَقد جعل فقهاؤنا ذَلِك كَأَنَّهُ فن مُسْتَقل فألف فِيهِ الْحَافِظ كِتَابه الْمُسَمّى بالقواعد الْفِقْهِيَّة وَألف بعده فِي ذَلِك ابْن اللحام كَمَا ستعلمه فِيمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى لكنهما لم يتجاوزا فِي التَّخْرِيج الْقَوَاعِد الْكُلية الْأُصُولِيَّة وَأما النَّقْل فَهُوَ أَن ينْقل النَّص عَن الإِمَام ثمَّ يخرج عَلَيْهِ فروعا فَيجْعَل كَلَام الإِمَام أصلا وَمَا يُخرجهُ فرعا وَذَلِكَ الأَصْل مُخْتَصّ بنصوص الإِمَام فَظهر الْفرق بَينهمَا
فصل أَرَاك أَيهَا النَّاظر قد علمت عَمَّا رقمناه آنِفا
مسالك تصرف الْأَصْحَاب فِي رِوَايَات الإِمَام وَأَنَّهُمْ أثبتوا لَهَا أصولا كَمَا أثبت الْأَئِمَّة أصولا لمسالك الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَإِن ذَلِك التَّصَرُّف مُفَرع على أصُول الْفِقْه عَامَّة وَعلمت إِن هَذِه التَّصَرُّفَات لَا تخْتَص بِمذهب بِعَيْنِه
стр. 95
بِالْإِضَافَة إِلَى التَّصَرُّف فِي كَلَام الْأَئِمَّة وَإِن المتبع لِلْأُصُولِ الْمُطلقَة يُقَال لَهُ مُجْتَهد مُطلق والمتبع لِلْأُصُولِ الْخَاصَّة بِكَلَام الإِمَام يُقَال مُجْتَهد الْمَذْهَب سما بك الشوق للنفع أَن نذْكر جملا من كَلَام الباحثين فِي تِلْكَ الْأُصُول الْخَاصَّة لتَكون كالإثبات لما تقدم وكالتفصيل وَلَا تسأم مِمَّا وَقع فِيهِ مكررا فَإِن المكرر أحلى وَإِلَيْك الْمَوْعُود بِهِ منثورا
مَذْهَب الْإِنْسَان مَا قَالَه أَو دلّ عَلَيْهِ بِمَا يجْرِي مجْرى القَوْل عَن تَنْبِيه أَو غَيره فَإِن عدم ذَلِك لم يجز إِضَافَته إِلَيْهِ ذكره أَبُو الْخطاب
وَقَالَ أَيْضا مذْهبه مَا نَص أَو نبه عَلَيْهِ أَو شملته علته الَّتِي علل بهَا
وَقَالَ الشَّيْخ عبد الحليم وَالِد شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية اخْتلف أَصْحَابنَا فِي إِضَافَة الْمَذْهَب إِلَيْهِ من جِهَة الْقيَاس على قَوْله فَذهب الْخلال وَأَبُو بكر عبد العزيز إِلَى أَنه لَا يجوز ذَلِك وَنَصره الْحلْوانِي وَذهب الْأَثْرَم والخرقي وَابْن حَامِد إِلَى جَوَاز ذَلِك
وَقَالَ الشَّيْخ مجدالدين بن تَيْمِية اذا نَص الإِمَام على مَسْأَلَة وَكَانَت الْأُخْرَى تشبهها شبها يجوز أَن يخفى على مُجْتَهد لم يجز أَن تجْعَل الْأُخْرَى مذْهبه بذلك هَذَا قَول أبي الْخطاب فَأَما لَا يخفى على بعض الْمُجْتَهدين فَلَا يفرق الإِمَام بَينهمَا وَهَذَا فِي ظَاهره متناقض فَيحمل على مَسْأَلَتَيْنِ يتَرَدَّد فيهمَا هَل هما مِمَّا يخفى الشّبَه بَينهمَا على بعض الْمُجْتَهدين أَو لَا يخفى وَقد ذكر فِي الْمَسْأَلَة بعد هَذِه أَنه لَو قَالَ الشُّفْعَة لِجَار الدَّار وَلَا شُفْعَة فِي الدّكان فَلَا ينْقل حكم أَحدهمَا إِلَى الْأُخْرَى فَأَما إِذا لم يُصَرح فِي الْأُخْرَى بِحكم فَالظَّاهِر حملهَا على نظيرتها وَهَذَا يَقْتَضِي الْقيَاس على قَوْله إِذا لم يُصَرح بالمعرفة وَإِنَّمَا تكون هَذِه فِيمَا يخفى على بعض
стр. 96
الْمُجْتَهدين وَإِذا لم يُصَرح فِي الْأُخْرَى بِحكم فَالظَّاهِر حملهَا على نظيرتها وَقَالَ ابْن حمدَان مَا قيس على كَلَامه فَهُوَ مذْهبه وَقيل لَا وَقيل إِن جَازَ تَخْصِيص الْعلَّة وَإِلَّا فَهُوَ مذْهبه
وَقَالَ أَيْضا وَهُوَ من عِنْده إِن نَص عَلَيْهَا أَو أَوْمَأ إِلَيْهَا أَو علل الأَصْل بهَا فَهُوَ مذْهبه وَإِلَّا فَلَا إِلَّا أَن تشهد أَقْوَاله أَو أَفعاله أَو أَحْوَاله لِلْعِلَّةِ المستنبطة بِالصِّحَّةِ وَالتَّعْيِين
قَالَ ابْن حمدَان فعلى قَوْله إِن مَا قيس على كَلَامه مذْهبه
وَقَالَ من عِنْده أَيْضا إِن أفتى فِي مَسْأَلَتَيْنِ متشابهتين بحكمين مُخْتَلفين فِي وَقْتَيْنِ جَازَ نقل الحكم وتخريجه من كل وَاحِدَة إِلَى الْأُخْرَى وَقيل لَا يجوز كَمَا لَو فرق هُوَ بَينهمَا أَو قرب الزَّمن وَاخْتَارَ أَيْضا إِن علم التَّارِيخ وَلم يَجْعَل أول قوليه فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة مذهبا لَهُ جَازَ نقل الثَّانِيَة إِلَى الأولى فِي الأقيس وَلَا عكس إِلَّا أَن يَجْعَل أول قوليه فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة مذهبا لَهُ مَعَ معرفَة التَّارِيخ وَإِن جهل التَّارِيخ جَازَ نقل أقربهما من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو أثر أَو قَوَاعِد الإِمَام وَنَحْو ذَلِك إِلَى الْأُخْرَى فِي الأقيس وَلَا عكس إِلَّا أَن يَجْعَل أول قوليه فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة مذهبا لَهُ مَعَ معرفَة التَّارِيخ وَأولى لجَوَاز كَونهَا الْأَخِيرَة دون الراجحة
فصل
قَالَ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية قدس الله روحه فِي مسودة الْأُصُول الرِّوَايَات الْمُطلقَة نُصُوص الإِمَام أَحْمد وَكَذَا
стр. 97
قَوْلنَا وَعنهُ
وَأما التَّنْبِيهَات بِلَفْظِهِ فقولنا أَوْمَأ إِلَيْهِ أَحْمد أَو أَشَارَ إِلَيْهِ أَو دلّ كَلَامه عَلَيْهِ أَو توقف
وَأما الْأَوْجه فأقوال الْأَصْحَاب وتخريجهم إِن كَانَت مَأْخُوذَة من كَلَام الإِمَام أَحْمد أَو إيمائه أَو دَلِيله أَو تَعْلِيله أَو سِيَاق كَلَامه وقوته
وَإِن كَانَت مَأْخُوذَة من نُصُوص الإِمَام ومخرجة مِنْهَا فَهِيَ رِوَايَات مخرجة لَهُ أَو مفتولة من نصوصه إِلَى مَا يشبهها من الْمسَائِل إِن قُلْنَا مَا قيس على كَلَامه مَذْهَب لَهُ
وَإِن قُلْنَا لَا فَهِيَ أوجه لمن خرجها وقاسها فَإِن تخرج من نَص وَنقل إِلَى مَسْأَلَة فِيهَا نَص يُخَالف مَا خرج فِيهَا صَار فِيهَا رِوَايَة منصوصة وَرِوَايَة مخرجة وَإِن لم يكن فِيهَا مَا يُخَالف النَّص الْمخْرج فِيهَا من نَصه فِي غَيرهَا فَهُوَ وَجه لمن خرجه فَإِن خَالفه غَيره من الْأَصْحَاب فِي الحكم دون طَرِيق التَّخْرِيج فَفِيهَا لَهما وَجْهَان وَيُمكن جعلهَا مذهبا لِأَحْمَد بالتخريج دون النَّقْل لعدم أخذهما من نَصه وَإِن جهلنا مستندهما فَلَيْسَ أَحدهمَا قولا مخرجا للْإِمَام وَلَا مذهبا لَهُ بِحَال فَمن قَالَ من الْأَصْحَاب هُنَا هَذِه الْمَسْأَلَة رِوَايَة وَاحِدَة أَرَادَ نَصه وَمن قَالَ فِيهَا رِوَايَتَانِ فإحداهما نَص وَالْأُخْرَى بإيماء أَو تَخْرِيج من نَص آخر لَهُ أَو بِنَصّ جَهله ومنكره وَمن قَالَ فِيهَا وَجْهَان أَرَادَ عدم نَصه عَلَيْهِمَا سَوَاء جهل مُسْتَنده أم لَا وَلم يَجعله مذهبا لِأَحْمَد فَلَا يعْمل إِلَّا بأصح الْوَجْهَيْنِ وأرجحهما سَوَاء وَقعا مَعًا أَو لَا من وَاحِد أَو أَكثر وساء علم التَّارِيخ أَو جهل
وَأما الْقَوْلَانِ هُنَا فقد يكون الإِمَام نَص عَلَيْهِمَا كَمَا ذكره أَبُو بكر عبد العزيز فِي زَاد الْمُسَافِر أَو نَص على إِحْدَاهمَا وَأَوْمَأَ إِلَى
стр. 98
الآخر وَقد يكون مَعَ أَحدهمَا وَجه أَو تَخْرِيج أَو احْتِمَال بِخِلَافِهِ
وَأما الِاحْتِمَال فقد يكون الدَّلِيل مرجوحا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خَالفه أَو لدَلِيل مسَاوٍ لَهُ
وَأما التَّخْرِيج فَهُوَ نقل حكم مَسْأَلَة إِلَى مَا يشبهها والتسوية بَينهمَا فِيهِ
وَأما التَّوَقُّف فَهُوَ ترك الْعَمَل بِالْأولِ وَالثَّانِي وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات إِن لم يكن فِيهَا قَول لتعارض الْأَدِلَّة وتعازلها عِنْده فَلهُ حكم مَا قبل الشَّرْع من حظر وَإِبَاحَة ووقف
فصل فِي قَول الشَّافِعِي ﵁ إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة
رَسُول الله فَقولُوا بسنته ودعوا مَا قلت
اخْتلف الْعلمَاء فِي تَفْسِيره والإنصاف فِيهِ مَا قَالَه أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح مَعْنَاهُ من وجد من الشَّافِعِيَّة حَدِيثا يُخَالف مذْهبه فَإِن كملت فِيهِ آلَات الِاجْتِهَاد مُطلقًا أَو فِي ذَلِك الْبَاب أَو فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة كَانَ لَهُ الِاسْتِقْلَال بِالْعَمَلِ بذلك الحَدِيث وَإِن لم تكمل آلَة وَوجد فِي قلبه حزازة من مُخَالفَة الحَدِيث بعد أَن بحث فَلم يجد لمُخَالفَته عَنهُ جَوَابا شافيا فَإِن كَانَ قد عمل بذلك الحَدِيث إِمَام مُسْتَقل فَلهُ أَن يتمذهب بمذهبه فِي الْعَمَل بذلك الحَدِيث وَيكون ذَلِك عذرا لَهُ فِي ترك مَذْهَب إِمَامه فِي ذَلِك هَذَا كَلَامه قلت وَيجوز أَن يسْلك هَذَا المسلك فِي مَذْهَب أَحْمد أَيْضا
стр. 99
العقد الْخَامِس
فِي الْأُصُول الْفِقْهِيَّة الَّتِي دونهَا الْأَصْحَاب
لَعَلَّك إِذا اطَّلَعت على مَا رقمناه سَابِقًا من الْأُصُول الْكُلية الَّتِي تَدور عَلَيْهَا فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد وَلَا تتعداها حداك الشوق إِلَى زِيَادَة بَيَان عَن تفصيلها مِمَّا أسسه فطاحل الْأَصْحَاب ونظارهم فبنوا بهَا الْفُرُوع على أساس متين وَجعلُوا مَا أَصله الإِمَام أصلا لقواعدهم وَمَا كني بِهِ تَصْرِيحًا بعوائدهم فها أَنا أشفي مِنْك غلَّة الصدى وأريحك من التَّعَب فِي تنقيب الْأَسْفَار وأقدم لديك اعتذاري بِأَن كتب الْأُصُول قد دونت فَنًّا مُسْتقِلّا بنيت قَوَاعِده على الدَّلِيل وسلكت بهَا مسالك الْخلاف والجدل وناقش الْوَاحِد مِنْهُم من خَالف مسالكه الْحساب وَأظْهر كل مؤلف مِنْهُم مَا لَدَيْهِ من البراعة ودقة الْفَهم فَمن مسهب جعل كِتَابه أسفارا
وَمن متوسط غيث فَوَائده أصبح مدرارا
من موجز كَادَت كَلِمَاته أَن تعد يحْتَاج متفهمها إِلَى إِعْمَال الْفِكر والتوغل فِي الْجد وَأكْثر هَذِه قد كثر ظُهُورهَا طبعا وَعم نوالها فَأخذ حبها من المغرمين بهَا قلبا وسمعا وَإِنِّي وَإِن كنت تعرضت لهَذَا الْبَحْر الزاخر ونصبت نَفسِي هُنَا خَادِمًا لتِلْك المآثر والمفاخر إِلَّا أَنِّي لست الْآن بصدد تأليف مُسْتَقل أَقُول فِي خطبَته هَذَا جهد الْمقل لكنني رمت بَيَان قَوَاعِد مُجَرّدَة عَن دليلها وفوائد لَا أصحبها بتعليلها أمليتها تذكرة وتذكارا وهذبتها جاعلا لَهَا
стр. 100
التَّصْحِيح مسبارا وَقد وفْق الله أَن ابتدأت بشرح رَوْضَة النَّاظر وجنة المناظر لموفق الدّين الْمَقْدِسِي فبينت اخْتِيَار مَا هُوَ الْمُخْتَار وناقشت فِي الدَّلِيل حَسْبَمَا سلكه النظار وَحَيْثُ ظَنَنْت أَن عُذْري وَقع موقع الْقبُول سَاغَ لي أَن أتجاسر فَأَقُول
стр. 101
مُقَدّمَة
اعْلَم أَن أصُول الْفِقْه وأدلة الشَّرْع ثَلَاثَة أضْرب أصل وَمَفْهُوم أصل واستصحاب حَال وَالْأَصْل ثَلَاثَة أضْرب الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة
وَالْكتاب ضَرْبَان مُجمل ومفصل
وَالسّنة ضَرْبَان مسموع من النَّبِي ﷺ ومنقول عَنهُ
وَالْكَلَام فِي الْمَنْقُول فِي سَنَده من حَيْثُ التَّوَاتُر والآحاد وَفِي مَتنه من حَيْثُ هُوَ قَول أَو فعل وَالْإِقْرَار قسم من أَقسَام الْفِعْل وَالْقَوْل لِأَنَّهُ إِقْرَار على وَاحِد مِنْهُمَا
وَالْإِجْمَاع سكوتي وَقَوْلِي
وَمَفْهُوم الأَصْل ثَلَاثَة أضْرب مَفْهُوم الْخطاب وَدَلِيله وَمَعْنَاهُ
واستصحاب الْحَال ضَرْبَان أَحدهمَا اسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة وَالثَّانِي اسْتِصْحَاب حكم الْإِجْمَاع بعد الْخلاف وَلَك إِجْمَال آخر يمكنك مَعَه أَن تَقول إِن أصُول الْفِقْه وأدلة الشَّرْع على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا مَا طَريقَة الْأَقْوَال
وَالثَّانِي الاستخراج فَأَما الْأَقْوَال فَهِيَ النَّص والعموم وَالظَّاهِر وَمَفْهُوم الْخطاب وفحواه وَالْإِجْمَاع وَأما الاستخراج فَهُوَ الْقيَاس والإجمال الأول أصح لِأَنَّهُ أعلم لوُجُود دَلِيل الْخطاب واستصحاب الْحَال وَذَلِكَ حجَّة عِنْد أَصْحَاب أَحْمد وَأما قَول الصَّحَابِيّ إِذا لم يُخَالف غَيره فمختلف فِيهِ عِنْد أَحْمد وَهَذَا الضَّبْط تقريبي حدانا إِلَيْهِ الِاخْتِصَار
стр. 102
بسط هَذَا الْإِجْمَال
اعْلَم أَن الْمركب من لَا يُمكن مَعْرفَته إِلَّا بعد معرفَة مفرداته وَلما كَانَ أصُول الْفِقْه مركب من كَلِمَتَيْنِ مُضَاف إِلَيْهِ كَانَ لأصول الْفِقْه تعريفان لِأَنَّهُ إِن نظر إِلَيْهِ من حَيْثُ اعْتِبَار مَجْمُوع لَفظه الَّذِي تركب مِنْهُ سمي فِي الِاصْطِلَاح إجماليا لقبيا وَكَانَ تَعْرِيفه الْعلم بالقواعد الَّذِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية من أدلتها التفصيلية وَإِن نظر إِلَيْهِ بِاعْتِبَار كل وَاحِد من مفرداته الْأُصُول كَانَ تَعْرِيفه بِأَنَّهُ الْأَدِلَّة لِأَن الْمَادَّة الَّتِي تركب مِنْهَا لفظ أصُول الْفِقْه هِيَ الْأُصُول وَالْفِقْه فِيهَا مُفْرد ذَلِك الْمركب فَيحْتَاج فِي تَعْرِيفه التفصيلي إِلَى تَعْرِيف كل وَاحِد مِنْهَا على حِدته
فالأصول الْأَدِلَّة الْآتِي ذكرهَا يَعْنِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَمَا فِي خلال ذَلِك من الْقَوَاعِد
وَالْأُصُول جمع أصل وأصل الشَّيْء مَا يسْتَند تحقق ذَلِك الشَّيْء إِلَيْهِ تَأْثِيرا وَإِنَّمَا زِدْنَا تَأْثِيرا احْتِرَازًا من استناد الْمُمكن إِلَى الْمُؤثر مَعَ أَنه لَيْسَ أصلا لَهُ وَلَا شكّ أَن الْفِقْه مُسْتَند فِي تحقق وجوده إِلَى الْأَدِلَّة فَهُوَ كالغصن من الشَّجَرَة وَالْفِقْه فِي اللُّغَة الْفَهم وَاصْطِلَاحا قيل الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة الفرعية عَن أدلتها التفصيلية بالاستدلال وَقيل ظن جملَة من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية باستنباطها من أَدِلَّة تفصيلية وعَلى كل من التعريفين مؤاخذات وَلَكِن القَوْل الثَّانِي أخف إشْكَالًا
стр. 103
فصل فِي التَّكْلِيف
هُوَ لُغَة إِلْزَام مَا فِيهِ كلفة أَي مشقة وَشرعا إِلْزَام مُقْتَضى خطاب الشَّرْع وعَلى هَذَا تكون الْإِبَاحَة تكليفا لِأَنَّهَا من مقتضيات الْخطاب الْمَذْكُور
وَمن قَالَ إِن الْإِبَاحَة لَيست تكليفا يَقُول التَّكْلِيف هُوَ الْخطاب بِأَمْر أَو نهي وَله شُرُوط يتَعَلَّق بَعْضهَا بالمكلف وَبَعضهَا بالمكلف بِهِ فَأَما الَّذِي يتَعَلَّق بالمكلف فالعقل وَفهم الْخطاب فَلَا تَكْلِيف على صبي وَلَا مَجْنُون لعدم الْمُصَحح للامتثال مِنْهُمَا وَهُوَ قصد الطَّاعَة والمميز مثل الصَّبِي فِي عدم التَّكْلِيف فَإِن قيل كَيفَ أوجبتم الزَّكَاة والغرامات فِي مَال الصَّبِي وَالْمَجْنُون ونفيتم عَنْهُمَا التَّكْلِيف قُلْنَا الْوُجُوب لَيْسَ على نفسهما بل هُوَ ربط الْأَحْكَام بالمسببات لوُجُود الضَّمَان بِبَعْض أَفعَال الْبَهَائِم وَلَا تَكْلِيف على النَّائِم وَالنَّاسِي والسكران الَّذِي لَا يعقل بِعَدَمِ الْفَهم وَالْحق أَن الْمُكْره إِذا بلغ بِهِ إِلَّا كراه إِلَى حد الإلجاء سقط عَنهُ التَّكْلِيف وَالْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الْإِسْلَام على أصح الْقَوْلَيْنِ
وَأما مَا يتَعَلَّق بالمكلف بِهِ فَهُوَ أَن يكون الْمُكَلف بِهِ مَعْلُوم الْحَقِيقَة للمكلف وَإِلَّا لم يتَوَجَّه قَصده إِلَيْهِ وَأَن يكون مَعْلُوما كَونه مَأْمُورا بِهِ وَإِلَّا لم يتَصَوَّر مِنْهُ قصد الطَّاعَة والامتثال مَعْدُوم إِذْ إِيجَاد الْمَوْجُود محَال وَيَنْقَطِع التَّكْلِيف حَال حُدُوث الْفِعْل وَأَن يكون الْمُكَلف بِهِ مُمكنا لِأَن الْمُكَلف بِهِ يَسْتَدْعِي حُصُوله وَذَلِكَ يسْتَلْزم تصور وُقُوعه والمحال لَا يتَصَوَّر وُقُوعه فَلَا يَسْتَدْعِي حُصُوله فَلَا تَكْلِيف بِهِ وَلَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل لِأَن مُتَعَلق التَّكْلِيف الْأَمر وَالنَّهْي وَكِلَاهُمَا لَا يكون إِلَّا فعلا أما فِي الْأَمر فَظَاهر لِأَن مُقْتَضَاهُ إِيجَاد فعل مَأْمُور بِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَأما فِي النَّهْي فمتعلق التَّكْلِيف فِيهِ كف النَّفس عَن الْمنْهِي عَنهُ كَالْكَفِّ عَن الزِّنَا وَهُوَ أَيْضا فعل
стр. 104
فصل فِي أَحْكَام التَّكْلِيف
الحكم فِي اللُّغَة الْمَنْع وَفِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ مُقْتَضى خطاب الشَّرْع الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين اقْتِضَاء أَو تخييرا ثمَّ إِن ذَلِك الْخطاب إِمَّا أَن يرد باقتضاء الْفِعْل مَعَ الْجَزْم وَهُوَ الْوُجُوب أَو يرد باقتضاء الْفِعْل لَكِن لَيْسَ مَعَ الْجَزْم وَهُوَ النّدب أَو باقتضاء التّرْك مَعَ الْجَزْم وَهُوَ التَّحْرِيم أَولا مَعَ الْجَزْم وَهُوَ الْكَرَاهَة أَو التَّخْيِير وَهِي الْإِبَاحَة وَعِنْدنَا أَن الْإِبَاحَة من خطاب الشَّرْع فَهِيَ حكم شَرْعِي خلافًا للمعتزلة
стр. 105
فَالْوَاجِب مَا ذمّ شرعا تَاركه مُطلقًا أَي فِي كل الْأَزْمَان فقولنا مُطلقًا احْتِرَاز من الْوَاجِب الموسع والمخير وَفرض الْكِفَايَة فَإِن التّرْك يلْحقهَا فِي الْجُمْلَة وَهُوَ ترك الموسع فِي بعض أَجزَاء وقته وَترك بعض أَعْيَان الْمُخَير وَترك بعض الْمُكَلّفين لفرض الْكِفَايَة لَكِن ذَلِك لَيْسَ تركا مُطلقًا إِذْ الموسع إِن ترك فِي بعض أَجزَاء وقته فعل فِي الْبَعْض الآخر والمخير إِن ترك بعض أعيانه فعل الْبَعْض الآخر وَفرض الْكِفَايَة إِن تَركه بعض الْمُكَلّفين فعله الْبَعْض الآخر وَكلهمْ فِيهِ كالشخص الْوَاحِد فَلَا يتَعَلَّق بِهَذَا التّرْك ذمّ لِأَنَّهُ لَيْسَ تركا مُطلقًا بِمَعْنى خلو مَحل التَّكْلِيف عَن إِيقَاع الْمُكَلف بِهِ
وَالْوَاجِب مرادف للْفَرض عندنَا على الْأَصَح من أَقْوَال الْأُصُولِيِّينَ
أَن الْوَاجِب الشَّامِل للْفَرض يَنْقَسِم إِلَى معِين وَإِلَى مُبْهَم فِي أَقسَام محصورة
وتلخيص القَوْل فِيهِ أَن الْوَاجِب إِمَّا أَن يكون معينا كَأَن ينذر عتق هَذَا العَبْد الْمعِين أَو عتق سَالم من عبيده فَيكون مُخَاطبا بِعِتْقِهِ على التَّعْيِين وَكَذَا لَو نذر الصَّدَقَة بِمَال بِعَيْنِه كهذه الدَّنَانِير أَو الْإِبِل وَنَحْو ذَلِك وَإِمَّا أَن يكون مُبْهما فِي أَقسَام محصورة كإحدى خِصَال الْكَفَّارَة ككفارة الْيَمين الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الْمَائِدَة ٨٩ وَهَذِه الْمَسْأَلَة تعرف بِمَسْأَلَة الْوَاجِب الْمُخَير
وَأما وَقت الْوُجُوب فإمَّا أَن يكون مُقَدرا بِقدر الْفِعْل بِحَيْثُ ضيق على الْمُكَلف فِيهِ حَتَّى لَا يجد سَعَة يُؤَخر فِيهَا الْفِعْل أَو بعضه ثمَّ يتداركه إِذا بل من ترك شَيْئا مِنْهُ لم يُمكن تَدَارُكه إِلَّا
стр. 106
قَضَاء وَذَلِكَ كَالْيَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْم وَيُسمى هَذَا بِالْوَاجِبِ الْمضيق
وَإِمَّا أَن يكون وَقت الْوُجُوب أقل من قدر فعله كإيجاب عشْرين رَكْعَة فِي زمن لَا يسع أَكثر من رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا فَرد من أَفْرَاد التَّكْلِيف بالمحال الْمُسَمّى بتكليف مَا لَا يُطَاق وَفِي جَوَازه خلاف بَين الْعلمَاء وَالصَّحِيح مَنعه
وَأما أَن يكون وَقت الْوَاجِب أَكثر من وَقت فعله وَهَذَا يُقَال لَهُ الْوَاجِب الموسع وَذَلِكَ كأوقات الصَّلَوَات وَهَذَا مَا فِيهِ خلاف
فعندنا وَعند الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالْأَكْثَر للمكلف فعل الْوَاجِب من الصَّلَوَات فِي أَي أَجزَاء الْوَقْت شَاءَ فِي أَوله أَو آخِره أَو وَسطه وَمَا بَين ذَلِك مِنْهُ وَأوجب أَكثر أَصْحَابنَا والمالكية الْغرم على الْفِعْل إِذا أخر إِلَى آخر الْوَقْت وَيتَعَيَّن آخِره وَهُوَ قَول الأشعرية والجبائي وَابْنه من الْمُعْتَزلَة وَلم يُوجِبهُ من أَصْحَابنَا أَبُو الْخطاب ومجد الدّين بن تَيْمِية وَجمع وَمن الْمُعْتَزلَة أَبُو الْحُسَيْن
وَأنكر أَكثر الْحَنَفِيَّة الْوَاجِب الموسع وَقَالُوا وَقت الْوُجُوب هُوَ آخر الْوَقْت وَإِذا فعل قبل الآخر فَقَالَ بَعضهم هُوَ نفل يسْقط بِهِ الْفَرْض وَتردد الْكَرْخِي مِنْهُم فَتَارَة قَالَ يتَعَيَّن الْوَاجِب فِي أَي أَجزَاء الْوَقْت كَانَ وَتارَة قَالَ إِن بَقِي الْفَاعِل مُكَلّفا إِلَى آخر الْوَقْت كَانَ مَا فعله قبل ذَلِك وَاجِبا وَإِلَّا فَهُوَ نفل انْتهى
قلت وَالْمُخْتَار قَول الْجُمْهُور الْمُتَقَدّم وَهُوَ الَّذِي تدل عَلَيْهِ السّنة
وَإِذا مَاتَ الْمُكَلف فِي أثْنَاء وَقت الْوَاجِب الموسع قبل فعله وضيق وقته مثل أَن مَاتَ بعد زَوَال الشَّمْس وَقد بَقِي من وَقت الظّهْر مَا يَتَّسِع لفعلها وَلم يصلها لم يمت عَاصِيا لِأَنَّهُ فعل مُبَاحا
стр. 107
وَهُوَ التَّأْخِير الْجَائِز بِحكم توسيع الْوَقْت
أما لَو أَخّرهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْت عَن فعله مثل أَن مَاتَ وَلم يبْق مَا يَتَّسِع إِلَّا لأَقل من أَربع رَكْعَات فَإِنَّهُ يَمُوت عَاصِيا هَذَا مَا قَالَه الْأَكْثَر وَالتَّحْقِيق أَن عصيانه يكون مُقَدرا بِقدر مَا أَخّرهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْت عَنهُ فَإِن ضَاقَ عَن رَكْعَة أَو رَكْعَتَيْنِ أَو ثَلَاث كَانَ عَاصِيا بِحَسب ذَلِك وَلَا يَجْعَل فِي مَعْصِيَته كمن أخر الْوَاجِب كُله
стр. 108
فصل فِي مَسْأَلَة مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ
اعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَهَا ملحظان أَولهمَا مَا يتَوَقَّف على وجوب الْوَاجِب وَهَذَا لَا يجب إِجْمَاعًا سَوَاء كَانَ سَببا أَو شرطا أَو انْتِفَاء مَانع فالسبب كالنصاب يتَوَقَّف عَلَيْهِ وجوب الزَّكَاة فَلَا يجب تَحْصِيله على الْمُكَلف لتجب عَلَيْهِ الزَّكَاة
وَالشّرط كالإقامة فِي الْبَلَد إِذْ هِيَ شَرط لوُجُوب أَدَاء الصَّوْم فَلَا يجب تَحْصِيلهَا إِذا عرض مُقْتَضى السّفر ليجب عَلَيْهِ فعل الصَّوْم وَالْمَانِع كَالدّين فَلَا يجب نَفْيه لتجب الزَّكَاة
وَثَانِيهمَا مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ إِيقَاع الْوَاجِب أَي الَّذِي لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا لَيْسَ فِي قدرَة الْمُكَلف ووسعه وطاقته تَحْصِيله وَلَا هُوَ إِلَيْهِ كالقدرة وَالْيَد فِي الْكِتَابَة فَإِنَّهُمَا شَرط فيهمَا وهما مخلوقتان لله فِي الْمُكَلف لَا قدرَة لَهُ على إيجادهما ولحضور الإِمَام وَالْعدَد الْمُشْتَرط فِي الْجُمُعَة للْجُمُعَة فَإِنَّهُمَا شَرط لَهَا وَلَيْسَ إِلَى أحد الْمُكَلّفين بِالْجمعَةِ إِحْضَار الْخَطِيب ليُصَلِّي الْجُمُعَة وَلَا إِحْضَار آحَاد
стр. 109
النَّاس ليتم بهم الْعدَد فَهَذَا النَّوْع غير وَاجِب إِلَّا على القَوْل بتكليف الْمحَال
ثَانِيهمَا مَا هُوَ مَقْدُور للمكلف وَهُوَ إِمَّا أَن يكون شرطا لوُقُوع الْفِعْل أَو غير شَرط فَإِن كَانَ شرطا كالطهارة وَسَائِر الشُّرُوط للصَّلَاة وكالسعي إِلَى الْجُمُعَة فَإِن صرح بِعَدَمِ إِيجَابه كَقَوْلِه صل وَلَا أوجب عَلَيْك الْوضُوء لم يجب عملا بِمُوجب التَّصْرِيح وَإِن صرح بإيجابه وَجب لذَلِك وَإِن لم يُصَرح بِإِيجَاب وَلَا عَدمه بل أطلق وَجب أَيْضا عندنَا وَهُوَ قَول الأشعرية والمعتزلة وَقيل لَا يجب وَإِن لم يكن الَّذِي لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ شرطا كمسح جُزْء من الرَّأْس فِي غسل الْوَجْه فِي الْوضُوء وإمساك جُزْء من اللَّيْل مَعَ النَّهَار فِي الصَّوْم فَمثل هَذَا لَا يجب خلافًا للأكثرين حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِهِ
قلت الْمُخْتَار الْوُجُوب لِأَن مَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْوَاجِب هُوَ من لوازمه وَالْأَمر بالملزوم أَمر باللازم وَيتَفَرَّع على هَذِه الْمَسْأَلَة فرعان أَحدهمَا إِذا اشتبهت أُخْته أَو زَوجته بأجنبية أَو ميتَة بمذكاة حرمتا إِحْدَاهمَا بِالْأَصَالَةِ وَالْأُخْرَى بِعَارِض الِاشْتِبَاه
ثَانِيهمَا الزِّيَادَة على الْوَاجِب إِمَّا أَن تكون متميزة عَنهُ أَو لَا فَإِن تميزت عَنهُ كَصَلَاة التَّطَوُّع بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكتوبات فَتلك الزِّيَادَة ندب اتِّفَاقًا وَإِن لم تتَمَيَّز عَن الْوَاجِب بِأَن لَا تنفصل حَقِيقَتهَا من حَقِيقَته حسا كالزيادة فِي الطُّمَأْنِينَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَمُدَّة الْقيام وَالْقعُود على أقل الْوَاجِب وَهُوَ مَا لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم هَذِه
стр. 110
الْأَفْعَال فَتلك الزِّيَادَة الَّتِي هَذَا شَأْنهَا وَاجِبَة عِنْد القَاضِي أبي يعلى ندب عِنْد أبي الْخطاب وَهُوَ الصَّوَاب
تَنْبِيه الْوَاجِب هُوَ الْمَأْمُور بِهِ جزما وَشرط ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِ نِيَّة التَّقَرُّب بِفِعْلِهِ وَالْحرَام هُوَ الْمنْهِي عَنهُ جزما وَشرط ترَتّب الثَّوَاب على تَركه نِيَّة التَّقَرُّب بِهِ فترتب الثَّوَاب وَعَدَمه فِي فعل الْوَاجِب وَترك الْحَرَام وعدمهما رَاجع إِلَى وجود شَرط الثَّوَاب وَعَدَمه وَهُوَ النِّيَّة لَا إِلَى انقسام الْوَاجِب وَالْحرَام فِي نفسهما
فصل
وَأما النّدب فَهُوَ لُغَة الدُّعَاء إِلَى الْفِعْل وَقيل إِلَى أَمر مُبْهَم وَشرعا مَا أثيب فَاعله وَلم يُعَاقب تَاركه مُطلقًا سَوَاء تَركه إِلَى بدل أَو لَا وَهُوَ مرادف للسّنة وَالْمُسْتَحب فالسواك وَالْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وتخليل الْأَصَابِع وَنَحْو هَذَا مَا يُقَال لَهُ مَنْدُوب وَسنة ومستحب وَالْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ لقَوْله ﷺ لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ
следующие страницы →