Полный текст (458 стр.). Показаны 421–458 · переход к 426.
стр. 421
الْحَاجِب فَمن أجل ذَلِك تبين أَنه كَانَ تَابعا للغزالي لِأَن أَبَا مُحَمَّد لم يكن متكلما وَلَا منطقيا حَتَّى يُقَال غلب عَلَيْهِ علمه المألوف وَقد قَالَ الثِّقَات إِن إِسْحَاق العلثي لما اطلع على الرَّوْضَة وَرَأى فِيهَا الْمُقدمَة المنطقية عَاتب الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد فِي إِلْحَاقه هَذِه الْمُقدمَة فِي كِتَابه وَأنكر عَلَيْهِ ذَلِك فأسقطها من الرَّوْضَة بعد أَن انتشرت بَين النَّاس فَلهَذَا تُوجد فِي نُسْخَة دون نُسْخَة وَلما اختصر الطوفي الْكتاب أسقط الْمُقدمَة وَاعْتذر بأعذار
مِنْهَا وَهُوَ الَّذِي عول عَلَيْهِ أَنه لَا تَحْقِيق لَهُ فِي فن الْمنطق وَلَا أَبُو مُحَمَّد لَهُ تَحْقِيق بِهِ أَيْضا فَلَو اختصرها لظهر بَيَان التَّكْلِيف عَلَيْهَا من الْجِهَتَيْنِ فَلَا يتَحَقَّق الِانْتِفَاع بهَا للطَّالِب وَيقطع عَلَيْهِ الْوَقْت وَأما إِسْحَاق العلثي بالثاء الْمُثَلَّثَة فَهُوَ إِسْحَاق بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن غَانِم العلثي الْحَنْبَلِيّ الإِمَام الزَّاهِد الْقدْوَة كَانَ فَقِيها عَالما أمارا بِالْمَعْرُوفِ نهاءا عَن الْمُنكر لَا يخَاف أحدا إِلَّا الله وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم أنكر على الْخَلِيفَة النَّاصِر فَمن دونه وواجه الْخَلِيفَة وصدعه بِالْحَقِّ
قَالَ بَعضهم هُوَ شيخ الْعرَاق والقائم بالإنكار على الْفُقَهَاء والفقراء وَغَيرهم فِيمَا ترخصوا فِيهِ
وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ قيل إِنَّه لم يكن فِي زَمَانه مثل إنكارا للْمُنكر مِنْهُ وَحبس على ذَلِك مُدَّة وَله رسائل كَثِيرَة إِلَى الْأَعْيَان بالإنكار عَلَيْهِم والنصح لَهُم
توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِبَلَدِهِ العلث
هَكَذَا تَرْجمهُ الْحَافِظ ابْن رَجَب وبرهان الدّين ابْن مُفْلِح
ولنرجع إِلَى الْكَلَام على الرَّوْضَة فَنَقُول إِنَّه أَنْفَع كتاب لمن يُرِيد تعَاطِي الْأُصُول من أَصْحَابنَا فمقام هَذَا الْكتاب بَين كتب
стр. 422
الْأُصُول مقَام الْمقنع بَين كتب الْفُرُوع وَلَقَد ابتدأت فِي شَرحه على وَجه يُوضح مَنَارَة ويكشف أستاره وَللَّه الْحَمد ولأصحابنا فِي فن الْأُصُول كتب كَثِيرَة
مِنْهَا الكلفية وَالْمُعْتَمد وَالْعدة
الْجَمِيع للْقَاضِي أبي يعلى
وَمِنْهَا مسودة بني تَيْمِية وهم الشَّيْخ مجدالدين وَولده الشَّيْخ عبد الْحَلِيم وحفيده شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
وَمِنْهَا الْمقنع لِابْنِ حمدَان
وَمِنْهَا الْإِيضَاح فِي الجدل للشَّيْخ أبي مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ عبد الرَّحْمَن ابْن الْجَوْزِيّ
وَمِنْهَا مُخْتَصر الْمقنع لِابْنِ حمدَان وَشَرحه كِلَاهُمَا لأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْحَرَّانِي الْمَعْرُوف بِابْن الحبال أحد من شرح الْخرقِيّ الْمُتَوفَّى سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
وَمِنْهَا مُجَلد كَبِير للعلامة ابْن مُفْلِح صَاحب الْفُرُوع
قَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين المرداوي وَهُوَ أصل كتَابنَا يَعْنِي تَحْرِير الْمَنْقُول فَإِن غَالب استمدادنا مِنْهُ
وَمِنْهَا أصُول الشَّيْخ عبد الْمُؤمن وَهُوَ فِي مُجَلد كَبِير
وَمِنْهَا مُجَلد فِي الْأُصُول لعَلي ابْن عَبَّاس البعلي
وَمِنْهَا التَّذْكِرَة فِي الْأُصُول لِابْنِ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ
стр. 423
وَمِنْهَا مُخْتَصر الْحَاصِل ومختصر الْمَحْصُول ومعراج الْوُصُول إِلَى فن الْأُصُول وَالْكل للطوفي
وَمِنْهَا عير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره
وَأما تَخْرِيج أَحَادِيث الْكتب المصنفة وَكتب الْأَحْكَام
فَأَما الأول فَإِنِّي لم أطلع مِنْهُ إِلَّا على تَخْرِيج أَحَادِيث الْكَافِي فِي الْفِقْه للْإِمَام الْحَافِظ ضِيَاء الدّين مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن السَّعْدِيّ الْمَقْدِسِي الْحَافِظ الْكَبِير لَكِن هَذَا التَّخْرِيج مُخْتَصر جدا لم يشف غليلا وَلِهَذَا الْحَافِظ كتاب الْأَحَادِيث المختارة وَهِي الْأَحَادِيث الَّتِي تصلح أَن يحْتَج بهَا سوى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خرجها من مسموعاته قَالَ بَعضهم هِيَ خير من صَحِيح الْحَاكِم انْتهى
قلت وَقد اطَّلَعت مِنْهَا على مجلدات بِخَطِّهِ قَالَ فِي كشف الظنون نقلا عَن كتاب الشواذ الفياح الْتزم فِيهِ الصِّحَّة فصحح فِيهِ أَحَادِيث لم يسْبق إِلَى تصحيحها
قَالَ ابْن كثير وَهَذَا الْكتاب لم يتم وَكَانَ بعض الْحفاظ من مَشَايِخنَا يرجحه على مُسْتَدْرك الْحَاكِم
توفّي الضياء سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
وَأما كتب الْأَحْكَام فأجلها وأوسعها وأنفعها كتاب منتقى الْأَحْكَام للْإِمَام مجدالدين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية فَإِنَّهُ جمع فِيهِ الْأَحَادِيث الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا عُلَمَاء الْإِسْلَام فِي الْأَحْكَام انتقاها من الْكتب السَّبْعَة صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم ومسند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وجامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن النَّسَائِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَسنَن ابْن مَاجَه
وَتارَة يذكر أَحَادِيث من سنَن الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره ورتب أَحَادِيثه على تَرْتِيب أَبْوَاب كتب الْفِقْه ورتب لَهُ أبوابا بِبَعْض مَا دلّت عَلَيْهِ أَحَادِيثه من الْفَوَائِد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب كَاف للمجتهد وَقد اعتنى المحدثون
стр. 424
بِهَذَا الْكتاب اعتناء تَاما واشتهر عِنْدهم اشتهارا وَأي اشتهار فشرحه سراج الدّين عمر ابْن الملقن الشَّافِعِي الْمُتَوفَّى سنة أَربع وَثَمَانمِائَة لكنه لم يكلمهُ بل كتب قِطْعَة وَقَالَ فِي كِتَابه الْبَدْر الْمُنِير أَحْكَام الْحَافِظ مجد الدّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية الْمُسَمّى بالمنتقى هُوَ كاسمه لَوْلَا إِطْلَاقه فِي كثير من الْأَحَادِيث الْغَزْو إِلَى كتب الْأَئِمَّة دون التحسين والتضعيف يَقُول مثلا رَوَاهُ أَحْمد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيكون الحَدِيث ضَعِيفا وَأَشد من ذَلِك كَون الحَدِيث فِي جَامع التِّرْمِذِيّ مُبينًا ضعفه فيعزيه إِلَيْهِ من غير بَيَان ضعفه فَيَنْبَغِي لِلْحَافِظِ جمع هَذِه الْمَوَاضِع وكتبها على حَوَاشِي هَذَا الْكتاب أَو جمعهَا فِي مُصَنف لتكمل فَائِدَة الْكتاب وَقد شرعت فِي كتب ذَلِك على حَوَاشِي نُسْخَتي وَأَرْجُو إِتْمَامه هَذَا كَلَامه
ولمحمد بن أَحْمد بن عبد الْهَادِي صَاحب تَنْقِيح التَّحْقِيق تَعْلِيقه على الْمُنْتَقى أَيْضا لم تكمل ثمَّ لم يزل هَذَا الْكتاب بكرا يتجول فِي الأقطار حَتَّى حط ركابه فِي الْبِلَاد اليمانية فاشتهر هُنَاكَ وَلَا كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَة النَّهَار فتصدى لشرحه مُجْتَهد الْقطر الْيَمَانِيّ مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله الشَّوْكَانِيّ بِفَتْح الشين وَسُكُون الْوَاو نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى السحامية إِحْدَى قبائل خولان بَينهَا وَبَين صنعاء دون مَسَافَة يَوْم ثمَّ الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ وَكَانَت وِلَادَته سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة وَألف وَتُوفِّي سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف فيسر الله لَهُ إتْمَام شَرحه فِي ثَمَان مجلدات وَسَماهُ نيل الأوطار من أسرار منتقى الْأَخْبَار وَهُوَ على اختصاره واف بالمرام قد جرده عَن كثير من التفريعات والمباحث خُصُوصا فِي المقامات الَّتِي يقل فِيهَا الِاخْتِلَاف وَأطَال فِي المواطن الَّتِي يحتدم فِيهَا الْجِدَال وَبَين مَذَاهِب
стр. 425
الْأَئِمَّة حَتَّى مَذْهَب أهل الْبَيْت وَلم يتعصب فِيهِ لمَذْهَب بل دَار مَعَ الدَّلِيل كَيْفَمَا دَار وَهَذَا الشَّرْح قد طبع فِي مصر وتداوله كل ذِي ذهن وقاد وفكر يسمو إِلَى مدارك الِاجْتِهَاد وغض الطّرف عَنهُ كل حسود مكابر على ذام التَّقْلِيد مطبوع وَعَن غَيره زاجر فنسأل الله السَّلامَة من شُؤْم التَّقْلِيد الْأَعْمَى ولؤم التعصب الذميم وشيطانه الرَّجِيم
وَمِمَّا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ من كتب الْأَحْكَام لِأَصْحَابِنَا كتاب الْمطَالع وَيُقَال لَهُ مطالع ابْن عُبَيْدَان جمع وتأليف الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن مَحْمُود بن عُبَيْدَان البعلبكي الْحَنْبَلِيّ ولد سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ عَارِفًا بالفقه وغوامضه وَالْأُصُول والْحَدِيث والعربية ولازم شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵁ لكنه مَال فِي آخر أمره إِلَى القَوْل بوحدة الْوُجُود واختل عقله حَتَّى توفاه الله تَعَالَى وَكتابه هَذَا فِي مُجَلد جمعه من الْكتب السِّتَّة ورمز فِيهِ إِلَى الحَدِيث الصَّحِيح وَالْحسن ورتبه على أَبْوَاب الْمقنع
وَمِنْهَا الْأَحْكَام الْكُبْرَى الْمرتبَة على أَحْكَام ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي لِلْحَافِظِ مُحَمَّد ابْن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْهَادِي صَاحب تَنْقِيح التَّحْقِيق لكنه لم يكمل بل تمّ مِنْهَا سبع مجلدات
وَمِنْهَا عُمْدَة الْأَحْكَام الْكُبْرَى للْإِمَام الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن عبد الْوَاحِد بن عَليّ بن سرُور الجماعيلي الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ الْمُتَوفَّى سنة سِتّمائَة وَهُوَ كتاب فِي ثَلَاث مجلدات عز نَظِيره قَالَ فِي خطبَته حصرت الْكَلَام فِي خَمْسَة أَقسَام الأول التَّعْرِيف بِمن
стр. 426
ذكر من رُوَاة الحَدِيث إِجْمَالا وَله أَسمَاء رجالها فِي مُجَلد
قَالَ أفردت هَذِه بِكِتَاب سميته الْعدة الثَّانِي فِي أَحَادِيثه الثَّالِث بِبَيَان مَا وَقع فِيهِ من المبهمات الرَّابِع فِي ضبط لَفظه ذكر هَذَا صَاحب كشف الظنون وللحافظ الْمَذْكُور كتاب عُمْدَة الْأَحْكَام أَيْضا وَهِي الصُّغْرَى قَالَ فِي أَولهَا أما بعد فَإِن بعض إخْوَانِي سَأَلَني اخْتِصَار جملَة من أَحَادِيث الْأَحْكَام مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الإمامان الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم البُخَارِيّ وَمُسلم ابْن الْحجَّاج فأجبته إِلَى سُؤَاله وَقد بلغ هَذَا الْكتاب خَمْسمِائَة حَدِيث وَقد اعتنى الْعلمَاء بِهَذَا الْكتاب فشرحه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق التلمساني الْمَالِكِي الْمُتَوفَّى سنة إِحْدَى وثماني وَسَبْعمائة فِي خمس مجلدات شرحا جَمِيع فِيهِ بَين كَلَام ابْن دَقِيق الْعِيد وَابْن الْعَطَّار والفاكهاني وَغَيرهم
وَشَرحه سراج الدّين عمر ابْن الملقن الشَّافِعِي الْمُتَوفَّى سنة أَربع وَثَمَانمِائَة سَمَّاهُ بالأعلام وَهُوَ من أحسن مصنفاته وَشَرحه صَاحب الْقَامُوس مجدالدين مُحَمَّد بن يَعْقُوب الفيروزآبادي الشِّيرَازِيّ وَسَماهُ عدَّة الْحُكَّام فِي شرح عُمْدَة الْأَحْكَام وَهُوَ مجلدان وَكَانَت وَفَاة الْمجد سنة سبع عشرَة وَثَمَانمِائَة وَشَرحه السَّيِّد تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب ابْن مُحَمَّد بن حسن ابْن
стр. 427
أبي الْوَفَاء الْعلوِي الْمُتَوفَّى سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَسَماهُ عدَّة الْحُكَّام وَشَرحه عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن خلف الشَّيْخ زين الدّين أبي الْمَعَالِي الفارسكوري الشَّافِعِي شرحا دلّ على كَثْرَة فَضله وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة قَالَه فِي كشف الظنون ثمَّ قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا عُمْدَة الْفِقْه وَشَرحه الشَّيْخ عمادالدين إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن سعيد بن مُحَمَّد بن الْأَثِير الْحلَبِي الشَّافِعِي ذكر فِيهِ أَنه قَرَأَ هَذَا الْكتاب على ابْن دَقِيق الْعِيد فشرحه لَهُ على طَريقَة الْإِمْلَاء وَسَماهُ أَحْكَام الْأَحْكَام
قلت وَهَذَا الشَّرْح مطبوع ومشهور بِأَنَّهُ لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَقد رَأَيْته وطالعته وَشَرحه أَيْضا الْبرمَاوِيّ الشَّافِعِي وَشَرحه أَيْضا الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الله الْغَزِّي ثمَّ الدِّمَشْقِي شرحا وصل فِيهِ إِلَى بَاب الصَدَاق وَمَات عَنهُ فأتمه الشَّيْخ رَضِي الدّين الْغَزِّي الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي وَشَرحه الْعَلامَة الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد السفاريني الْحَنْبَلِيّ فِي مجلدين وَقد كنت طالعته قَدِيما أثْنَاء الطّلب ثمَّ إِنِّي كنت مِمَّن ولع فِي هَذَا الْكتاب وقرأته درسا فِي جَامع بني أُميَّة تَحت قبَّة النسْر ثمَّ شرحته فِي مجلدين وسميته موارد الأفهام على سلسبيل عُمْدَة الْأَحْكَام سَائِلًا مِنْهُ تَعَالَى أَن ينفع بِهِ من يطالعه بمنه وَكَرمه
وَاعْلَم أَيهَا الطَّالِب للحق أَن الْبَحْر الزاخر فِي هَذَا الْمَوْضُوع والمورد العذب والوابل الصيب إِنَّمَا هُوَ مُسْند الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد
стр. 428
بن حَنْبَل ﵁ وأرضاه وَجعل الْجنَّة منقلبه ومثواه وَإِنَّمَا منع الِاشْتِغَال بِهِ اشتغالا كالاشتغال بالسنن أُمُور أَحدهَا كَونه مُرَتبا على أَحَادِيث الصَّحَابَة وَهَذَا التَّرْتِيب أصبح غير مألوف عِنْد المتوسطين والمتأخرين فَصَارَ بِحَيْثُ لَو أَرَادَ مُحدث أَن يجمع أَحَادِيث بَاب مِنْهُ احْتَاجَ إِلَى مطالعته من أَوله إِلَى آخِره وَهَذَا أَمر عسير جدا
ثَانِيهَا عزة وجوده لطوله فَإِنَّهُ قد ضم ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث وَزَاد عَلَيْهِ وَلَده الإِمَام عبد الله عشرَة آلَاف حَدِيث فَصَارَ أَرْبَعِينَ ألفا وَقد بلغنَا أَن الْحفاظ الْكِبَار كَانُوا يعْجبُونَ إِذا ظفروا بأجزاء مِنْهُ وَلم يطلع عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ إِلَّا النَّادِر وَلَقَد كنت سَمِعت من بعض مَشَايِخنَا الْحَنَابِلَة مِمَّن لَهُم إِلْمَام بِالْحَدِيثِ يَزْعمُونَ أَن الْمسند قد غرق فِي دجلة بَغْدَاد وينكر وجوده فَكنت أفند مزاعمه وَأَقُول لَهُ إِنِّي اطَّلَعت على معظمه فِي خزانَة الْكتب العمومية بِدِمَشْق فيصر على مَا زَعمه وَيَقُول هَذَا مُسْند عبد الْكَرِيم ثمَّ إِن الْكتاب طبع وتجلى للعيان
ثَالِثهَا أَن عزة وجوده كَانَت سَببا لعدم خدمته كَمَا خدمت السّنَن وَغَيرهَا من كتب الحَدِيث وَمَعَ هَذَا فَلم يعْدم معتنيا بِهِ وَقد وَقع لَهُ فِيهِ من الثلاثيات مَا ينوف عَن ثَلَاثمِائَة حَدِيث ثلاثية الْإِسْنَاد وَقد كنت رَأَيْت شرحا لَهَا للعلامة مُحَمَّد بن أَحْمد السفاريني الْحَنْبَلِيّ ثمَّ غَابَ عني وَقد طلب مني أحد أفاضل النجديين شرحها فابتدأت بِهِ وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى أَن يمن بإتمامه وطبعه وَقد حكى الْحفاظ أَن الإِمَام أَحْمد اشْترط أَن لَا يخرج فِي مُسْنده
стр. 429
إِلَّا حَدِيثا صَحِيحا عِنْده
قلت وَهَذَا صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَادِيث الْأَحْكَام وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ إِذا كَانَ الحَدِيث فِي الْحَلَال وَالْحرَام شددنا وَإِذا كَانَ فِي غَيره تساهلنا وَحكى البقاعي عَن أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ يُقَال إِن فِيهِ أَحَادِيث مَوْضُوعَة كَذَا قَالَ وَتَبعهُ الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الموضوعات فأورد فِيهِ أَحَادِيث من مُسْند الإِمَام أَحْمد وانتصر لَهُ الْحَافِظ أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه القَوْل المسدد فِي الذب عَن مُسْند أَحْمد وَبَين خطأ ابْن الْجَوْزِيّ ورد عَلَيْهِ أحسن الرَّد وأبلغ من ذَلِك أَن مِنْهَا حَدِيثا مخرجا فِي صَحِيح مُسلم حَتَّى قَالَ ابْن حجر هَذِه غَفلَة شَدِيد من ابْن الْجَوْزِيّ حَيْثُ حكم على هَذَا الحَدِيث بِالْوَضْعِ وَمهما تعصب الْقَوْم فَإِن أَحَادِيث الْمسند كلهَا يَصح الِاحْتِجَاج بهَا وَهِي صَحِيحَة على طَرِيقَته الَّتِي استقام عَلَيْهَا كَمَا أَشَرنَا إِلَى بعض ذَلِك عِنْد الْكَلَام على أُصُوله وَلَعَلَّ الَّذين قَالُوا بِضعْف بعض أَحَادِيث من مُسْنده جَاءَتْهُم من طرق ضَعِيفَة غير طَرِيقَته فضعفوها بِاعْتِبَار مَا جَاءَهُم من طرقها
وَكَثِيرًا مَا يذهب إِلَى مثل هَذَا أَصْحَاب الحَدِيث مِمَّن لَا يُحِيط علما بالطرق فَتَأمل هَذَا واحفظه وَاعْتبر بِهِ كتب الحَدِيث فَإنَّك تَجِد الْأَمر وَاضحا هَذَا وَقد جمع غَرِيب الْمسند أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب فِي كتاب ذكر فِيهِ مَا فِي أَحَادِيث الْمسند من اللُّغَات الغريبة وَكَانَ حنبليا رُوِيَ عَنهُ أَنه أمْلى من حفظه ثَلَاثِينَ
стр. 430
ألف ورقة فِيمَا نقل وَجَمِيع كتبه الَّتِي بأيدي النَّاس إِنَّمَا أملاها بِغَيْر تصنيف قَالَه ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد
وَتُوفِّي سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَاخْتصرَ الْمسند الشَّيْخ الإِمَام سراج الدّين عمر بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن الملقن الشَّافِعِي الْمُتَوفَّى سنة خمس وَثَمَانمِائَة وَعَلِيهِ تعليقة للسيوطي فِي إعرابه سَمَّاهَا عُقُود الزبرجد
وَقد شرح الْمسند أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي السندي نزيل الْمَدِينَة المنورة الْمُتَوفَّى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَقيل سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَهُوَ شرح مُخْتَصر مُفِيد كَمَا أَخْبرنِي من اطلع عَلَيْهِ فِي خَزَائِن الْكتب بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ فِي نَحْو خمسين كراسة كبار حذا فِيهِ حَذْو حَوَاشِيه على الْكتب السِّتَّة وَاخْتَصَرَهُ الشَّيْخ زين الدّين عمر بن أَحْمد الشماع الْحلَبِي وَسَماهُ در المنتقد من مَذْهَب أَحْمد وَرَأَيْت فِي خزانَة الْكتب العمومية بِدِمَشْق كتابا فِي تراجم رجال الْمسند تأليف الإِمَام الْحَافِظ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف الْجَزرِي سَمَّاهُ الْمَقْصد الأحمد فِي رجال أَحْمد وَله أَيْضا الْمسند الأحمد فِيمَا يتَعَلَّق بِمُسْنَد أَحْمد والمصعد الأحمد فِي ختم مسانيد أَحْمد وَتُوفِّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَمِمَّنْ رتب الْمسند على الْأَبْوَاب عَليّ بن حُسَيْن بن عُرْوَة كَذَا ذكره السخاوي فِي الضَّوْء اللامع وَقَالَ فِي الْمَقْصد الأرشد عَليّ بن عُرْوَة
قلت وَهَكَذَا رَأَيْته بِخَطِّهِ المشرقي ثمَّ الدِّمَشْقِي الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بِابْن زكنون فَإِنَّهُ رتبه فِي كتاب سَمَّاهُ كواكب الدراري فِي تَرْتِيب مُسْند أَحْمد على صَحِيح البُخَارِيّ وَهَذَا الْكتاب
стр. 431
من تعاجيب الْكتب وَقد وَصفه السخاوي فِي الضَّوْء فَقَالَ هَذَا الْكتاب رتب فِيهِ الْمسند وَشَرحه فِي مائَة وَعشْرين مجلدا طَرِيقَته فِيهِ أَنه إِذا جَاءَ حَدِيث الْإِفْك مثلا يَأْخُذ نُسْخَة من شَرحه للْقَاضِي عِيَاض فَيَضَعهَا بِتَمَامِهَا وَإِذا مرت بِهِ مَسْأَلَة فِيهَا تصنيف مُفْرد لِابْنِ الْقيم أَو شَيْخه ابْن تَيْمِية أَو غَيرهمَا وَضعه بِتَمَامِهِ ويستوفي ذَلِك الْبَاب من الْمُغنِي لِابْنِ قدامَة وَنَحْوه وكل ذَلِك مَعَ الزّهْد والورع هَذَا كَلَامه قلت وَقد رَأَيْت من هَذَا الْكتاب أَرْبَعَة وَأَرْبَعين مجلدا فَرَأَيْت مجلداته تَارَة مفتتحة بتفسير الْقُرْآن فَإِذا جَاءَت آيَة فِيهَا أَو إِشَارَة إِلَى مؤلف وَضعه بِتَمَامِهِ وَتارَة مفتتحا بترتيب الْمسند فَيكون على نمط مَا ذكره السخاوي حَتَّى إِن فِيهِ شرح البُخَارِيّ لِابْنِ رَجَب الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ وغالب مصنفات شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية نسخت من هَذَا الْكتاب وطبعت حَيْثُ فِيهِ كثير من كتبه ورسائله وَالنَّاس يظنون أَن مَا فِيهِ من التَّفْسِير لِابْنِ تَيْمِية وَهَذَا غلط وَاضح نعم رَأَيْت فِيمَا رَأَيْت مِنْهُ مجلدين خاصين بترتيب الْمسند ولنذكر تَرْجَمَة هَذَا الرجل لغرابة فَنَقُول أمره وَأمر كِتَابه تَرْجَمَة السخاوي
فَقَالَ ولد قبل السِّتين وَسَبْعمائة وَنَشَأ فِي ابْتِدَائه جمالا ثمَّ أعرض عَن ذَلِك وَحفظ الْقُرْآن وتفقه وبرع وَسمع من عُلَمَاء زَمَنه الحَدِيث وسرد السخاوي مشايخه ثمَّ قَالَ وَانْقطع إِلَى الله تَعَالَى فِي مَسْجِد الْقدَم بآخر أَرض القبيبات بِدِمَشْق يُؤَدب الْأَطْفَال احتسابا مَعَ اعتنائه بتحصيل نفائس الْكتب وَجَمعهَا وكل ذَلِك مَعَ الزّهْد والورع اللَّذين صَار فيهمَا مُنْقَطع النظير والتبتل لِلْعِبَادَةِ ومزيد الإقبال عَلَيْهَا والتقلل من الدُّنْيَا وسد رمقه بِمَا تكتسبه يَدَاهُ فِي نسخ العبي والاقتصار على عباءة يلبسهَا والإقبال على مَا يعنيه حَتَّى صَار قدوة وَحدث سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء وقرىء عَلَيْهِ كِتَابه الْكَوَاكِب أَو أَكْثَره فِي أَيَّام الْجمع بعد الصَّلَاة بِجَامِع بني أُميَّة وَلم يسلم مَعَ هَذَا
стр. 432
كُله من طَاعن فِي علاهُ ظاعن عَن حماه حَتَّى حصلت لَهُ شَدَائِد ومحن كَثِيرَة كلهَا فِي الله وَهُوَ صابر محتسب حَتَّى مَاتَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة فِي مَسْجده بالقدم وترجمه الْحَافِظ ابْن حجر فِي أنباء الْغمر بِنَحْوِ مَا تقدم وَقَالَ كَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا وثار بَينه وَبَين الشَّافِعِيَّة شَرّ كثير بِسَبَب الِاعْتِقَاد وَذكره الْبُرْهَان ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد وَقَالَ رتب مُسْند الإِمَام أَحْمد ﵁ على الْأَبْوَاب وَزَاد فِيهِ أنواعا كَثِيرَة من الْعلم وَقد نُوقِشَ فِي ذَلِك وَكَانَ مِمَّن جبله الله تَعَالَى على حب الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية وَكَانَ النَّاس يعظمونه ويعتقدون فِيهِ الصّلاح وَالْخَيْر ويتباركون بِهِ وبدعائه ويقصدونه من كل نَاحيَة وَكَانَ منجمعا عَن النَّاس فِي منزله وَهُوَ على طَرِيق السّلف الصَّالح انْتهى
وَمِمَّنْ جمع كتابا فِي الْأَحْكَام الْعَلامَة الصَّالح يُوسُف بن مُحَمَّد بن التقي عبد الله بن مُحَمَّد بن مَحْمُود جمال الدّين المرداوي ذكره الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص وَقَالَ فِي حَقه الإِمَام الْمُفْتِي الصَّالح أَبُو الْفضل شَاب خير إِمَام فِي الْمَذْهَب يَعْنِي الْحَنْبَلِيّ شيخ الْمِيزَان وَله اعتناء بِالْمَتْنِ والإسناد
وَقَالَ ابْن حجي كَانَ عَارِفًا بِالْمذهبِ لم يكن فيهم مثله مَعَ فهم وَكَلَام جيد فِي الْبَحْث وَالنَّظَر ومشاركة فِي أصُول وعربية وَجمع كتابا فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام
قَالَ الْبُرْهَان ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد وَكتابه هَذَا سَمَّاهُ الِانْتِصَار وبوبه على أَبْوَاب الْمقنع فِي الْفِقْه وَهُوَ محفوظنا
توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
стр. 433
فصل وَأما مَا اتَّصل بِنَا خَبره من كتب التَّفْسِير لِأَصْحَابِنَا
فَزَاد الْمسير فِي علم التَّفْسِير وَهُوَ فِي أَرْبَعَة أَجزَاء لِلْحَافِظِ أبي الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن الْجَوْزِيّ الْبَغْدَادِيّ الْمُتَوفَّى سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَقد كنت اطَّلَعت على المجلد الْأَخير مِنْهُ
وَمِنْهَا تَفْسِير أبي الْبَقَاء عبد الله بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن الْحُسَيْن العكبري الْحَنْبَلِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه الْمقري الْمُفَسّر النَّحْوِيّ الضَّرِير الْمُتَوفَّى سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وَتَفْسِيره هَذَا غير تَفْسِيره الَّذِي هُوَ إِعْرَاب الْقُرْآن وَهُوَ مطبوع مَشْهُور
وَمِنْهَا مَا ذكره فِي كشف الظنون
قَالَ تَفْسِير الْخرقِيّ هُوَ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم عمر بن الْحُسَيْن الدِّمَشْقِي الْحَنْبَلِيّ الْمُتَوفَّى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة
وَمِنْهَا تَفْسِير الْفَاتِحَة للشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الرقي الْحَنْبَلِيّ الْوَاعِظ الْمُتَوفَّى سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي العبر كَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَمن كبار المذكرين
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب فِي طبقاته صنف تَفْسِير الْقُرْآن وَلَا أعلم هَل أكمله أم لَا
وَمِنْهَا تَفْسِير الْمَقْدِسِي وَهُوَ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحَنْبَلِيّ الْمُتَوفَّى سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَمِنْهَا تَفْسِير الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ زين الدّين أبي هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ مُحَمَّد الْعمريّ العليمي
وَقد رَأَيْته فِي مُجَلد يُفَسر تَفْسِيرا متوسطا وَيذكر
стр. 434
الْقرَاءَات وَإِذا جَاءَت مَسْأَلَة فرعية ذكر أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة بهَا وَفِيه فَوَائِد لَطِيفَة
وَأجل هَذِه التفاسير كلهَا وأنفعها تَفْسِير الإِمَام الْحَافِظ عبد الرَّزَّاق رزق الله بن أبي بكر بن خلف ابْن أبي الهيجاء الرستغني الْفَقِيه الْمُحدث الْحَنْبَلِيّ
ولد سنة تسع وَثَمَانِينَ وخمسائة وَسمع من خلق كثير مِنْهُم الشَّيْخ موفق الدّين الْمَقْدِسِي وتفقه عَلَيْهِ وَحفظ كِتَابه الْمقنع فِي الْفِقْه
وَذكره الذَّهَبِيّ فِي طَبَقَات الْحفاظ وَتُوفِّي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة وَتَفْسِيره سَمَّاهُ رموز الْكُنُوز وَهُوَ فِي أَربع مجلدات وَفِيه فَوَائِد حَسَنَة ويروى فِيهِ أَحَادِيث بِإِسْنَادِهِ وَيذكر الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة مُبينًا خلاف الْأَئِمَّة فِيهَا وَله مناقشات مَعَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلَقَد اطَّلَعت عَلَيْهِ وارتويت من مورده العذب الزلَال وشنفت مسامعي بتحقيقه وارتويت من كوثر تَدْقِيقه فرحم الله مُؤَلفه
هَذَا مَا اتَّصل بِنَا خَبره أَو رَأَيْنَاهُ من كتب التَّفْسِير لِأَصْحَابِنَا وأرجوه تَعَالَى أَن يوفقني لإتمام التَّفْسِير الَّذِي أشتغل الْآن بِهِ وسميته جَوَاهِر الأفكار ومعادن الْأَسْرَار فِي تَفْسِير كَلَام الْعَزِيز الْجَبَّار وَأَن يمْنَع عني الشواغل عَن إِتْمَامه مَعَ إتْمَام شرح سنَن النَّسَائِيّ فَإِنَّهُ تَعَالَى واهب الْفضل ومفيض الْجُود
فصل
وَأما مَا اتَّصل بِنَا من كتب الطَّبَقَات الْخَاصَّة بتراجم أَصْحَابنَا فأجلها الطَّبَقَات لأبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْفراء القَاضِي الشَّهِيد ابْن شيخ الْمَذْهَب القَاضِي أبي يعلى الْمَقْتُول فِي دَاره لَيْلًا سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَقد جعل هَذِه
стр. 435
الطَّبَقَات على سير الطَّبَقَات الأولى ثمَّ الثَّانِيَة وَهَكَذَا مُرَتبا كل طبقَة على حُرُوف المعجم مُرَتبا الطَّبَقَات على تَقْدِيم الْعُمر والوفاة وانْتهى فِيهِ إِلَى سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ ذيله الْحَافِظ زين الدّين عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن رَجَب فوصل فِي الذيل إِلَى سنة خمسين وَسَبْعمائة ثمَّ ذيله الْعَلامَة يُوسُف بن حسن بن أَحْمد الْحَنْبَلِيّ الْمَقْدِسِي مُرَتبا على الْحُرُوف وَفرغ من تأليفه سنة إِحْدَى وَسبعين وَثَمَانمِائَة
قَالَ فِي كشف الظنون وذيله أَيْضا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مُفْلِح وَلم يزدْ على هَذَا وَلم أدر من مُفْلِح
وَمِنْهَا الْمَقْصد الأرشد فِي ذكر أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد للعلامة برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُفْلِح صَاحب الْمُبْدع وَهُوَ كتاب مُسْتَقل فِي مُجَلد ابْتَدَأَ فِيهِ بترجمة الإِمَام أَحْمد ثمَّ رتب تراجم الْأَصْحَاب على حُرُوف المعجم إِلَى زَمَنه وَكَانَت وَفَاته كَمَا تقدم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة غير أَنه مَال فِيهِ إِلَى الِاخْتِصَار وَإِذا ترْجم من الْأَصْحَاب من لَهُ مؤلفات يذكر أَحْيَانًا كتابا من مؤلفاته وَأَحْيَانا لَا يذكر مِنْهَا شَيْئا وَقد كنت عزمت على جمع ذيل لَهُ أثْنَاء الطّلب فسودت مِنْهُ جانبا ثمَّ بعد ذَلِك فترت همتي لعدم اشتهار الْكتاب فصممت أَن أجعَل مَا سودته ذيلا على طَبَقَات الْحَافِظ ابْن رَجَب لكَونه يَسْتَوْفِي أَسمَاء مؤلفات المترجم وَيذكر مَا لأَصْحَاب الاختيارات كثيرا من اختياراتهم ولكونها أشهر من الْمَقْصد وأغزر فَائِدَة
وَمِنْهَا طَبَقَات الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن
стр. 436
العليمي الْمَقْدِسِي وَاسْمهَا الْمنْهَج الأحمد فِي تراجم أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد
وَمِنْهَا الرياض اليانعة فِي أَعْيَان الْمِائَة التَّاسِعَة وَكتاب التَّبْيِين فِي طَبَقَات الْمُحدثين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين كِلَاهُمَا ليوسف ابْن عبد الْهَادِي
وَمِنْهَا النَّعْت الْأَكْمَل لأَصْحَاب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل للفاضل الأديب مُحَمَّد كَمَال الدّين بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي الشهير بالغزي الشَّافِعِي وَهِي طَبَقَات لَطِيفَة جمع فِيهَا مَا كَانَ فِي الْقرن التَّاسِع والعاشر من عُلَمَاء الْمَذْهَب وَقد طالعته بِتَمَامِهِ
стр. 437
فرائد فَوَائِد
من اللَّازِم على من يُرِيد التفقه على مَذْهَب من مَذَاهِب الْأَئِمَّة أَن يعرف أمورا الْأَمر الأول أَن يعرف فن الْحساب وَهُوَ الْعلم بقواعد يعرف بهَا طرق اسْتِخْرَاج المجهولات العددية من المعلومات العددية الْمَخْصُوصَة وَالْمرَاد من الاستخراج معرفَة كمياتها وموضوعه الْعدَد إِذْ يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية وَالْعدَد هُوَ الكمية المتألفة من الوحدات فالوحدة مقومة للعدد
وَأما الْوَاحِد فَلَيْسَ بِعَدَد وَلَا مقوم لَهُ وَقد يُقَال لكل مَا يَقع تَحت الْعد فَيَقَع على الْوَاحِد وَإِنَّمَا جعلنَا فن الْحساب مِمَّا يلْزم المتفقه أَن يُعلمهُ لِأَنَّهُ يدْخل فِي كثير من أَبْوَاب الْفِقْه فَيحْتَاج إِلَيْهِ فِيهَا وَذَلِكَ كضبط الْمُعَامَلَات وَحفظ الْأَمْوَال فِي الشّركَة وَالْمُضَاربَة وَقَضَاء الدُّيُون وَقِسْمَة التركات وَغير ذَلِك وَمَا من علم من الْعُلُوم إِلَّا وَيحْتَاج إِلَيْهِ فيقبح بالمتفقه أَن يكون جَاهِلا بِهِ عَارِيا عَنهُ وخصوصا فِي فن الْفَرَائِض فَإِن مَدَاره على الْحساب وَلَا يَسْتَغْنِي عَنهُ أبدا وَمن ثمَّ قَالَت الْحُكَمَاء الْأَحْسَن الِابْتِدَاء عِنْد التَّعْلِيم بفن الْحساب لِأَنَّهُ معارف منضجة وبراهينه منتظمة فينشأ عَنهُ فِي الْغَالِب عقل يدل على الصَّوَاب وَقد يُقَال إِن من أَخذ
стр. 438
نَفسه بتَعَلُّم الْحساب أول أمره يغلب عَلَيْهِ الصدْق لما فِي الْحساب من صِحَة المباني ومناقشة النَّفس فَيصير لَهُ ذَلِك خلقا ويتعود الصدْق ويلازمه مذهبا
وَمن فروع علم الْحساب علم الْجَبْر والمقابلة وَإِنَّمَا كَانَ من فروعه لِأَنَّهُ علم يعرف بِهِ اسْتِخْرَاج مجهولات عددية من مَعْلُومَات مَخْصُوصَة على وَجه مَخْصُوص وَمعنى الْجَبْر زِيَادَة قدر مَا نقص من الْجُمْلَة المعادلة بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجُمْلَة الْأُخْرَى ليتعادلا وَمعنى الْمُقَابلَة إِسْقَاط الزَّائِد من إِحْدَى الجملتين للتعادل وَقد كَانَ لكثير من أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين ولع بفن الْحساب والجبر وَلَهُم فيهمَا مؤلفات
وَقيل إِن أول من ألف فِي فن الْجَبْر الْأُسْتَاذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ وَقد كَانَ كِتَابه فِيهِ مَعْرُوفا مَشْهُورا وصنف فِيهِ بعده أَبُو كَامِل شُجَاع بن أسلم كِتَابه الشَّامِل وَهُوَ من أحسن الْكتب فِيهِ وَمن أحسن شروحه شرح الْقرشِي وللمسلمين مؤلفات لَا تحصى فِي هذَيْن الفنين ثمَّ إِن الفرنجة أخذُوا هذَيْن الفنين وهذبوهما ونقحوهما واختاروا أقرب الطّرق وأدخلوهما فِي مدارسهما ثمَّ إِن عُلَمَاء الْمُسلمين أخذُوا كتب الفرنجة وترجموها إِلَى لغاتهم وسلكوا فيهمَا طريقهم فانتشر انتشارا باهرا وهجرت كتب الْمُسلمين فِي هذَيْن الفنين حَتَّى صَار المشتغلون بفن الْجَبْر يَعْتَقِدُونَ أَن هَذَا الْفَنّ من مخترعات عُلَمَاء أوروبا وَمن حقق الْأَمر وجده من مخترعات عُلَمَاء الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَنه عَن لبَعض حكمائهم تَحْلِيل الْمُقدمَة الَّتِي استعملها أرشميدس فِي الرَّابِع من الثَّانِيَة من الكرة والإسطوانة بالجبر فتأدى حلهَا إِلَى كعاب وأموال وأعداد متعادلة فَلم يتَّفق لَهُ حلهَا بعد أَن فكر فِيهَا مَلِيًّا فَجزم بِأَنَّهُ مُمْتَنع حَتَّى تبعه أَبُو جَعْفَر الخازن وحلها بالقطوع المخروطية ثمَّ افْتقر بعده جمَاعَة من
стр. 439
المهندسين إِلَى عدَّة أَصْنَاف مِنْهَا فبعض تِلْكَ الْأَصْنَاف حلل الْبَعْض الآخر
الْأَمر الثَّانِي فن المساحة الَّذِي هُوَ فن من فنون الهندسة وَهُوَ فن يحْتَاج إِلَيْهِ فِي مسح الأَرْض وَمَعْنَاهُ اسْتِخْرَاج مِقْدَار الأَرْض الْمَعْلُومَة بِنِسْبَة شبر أَو ذِرَاع أَو غَيرهمَا أَو نِسْبَة أَرض من أَرض إِذا قويست بِمثل ذَلِك
وَهَذَا الْفَنّ يحْتَاج إِلَيْهِ المتفقه فِي مَسْأَلَة المَاء هَل يبلغ قُلَّتَيْنِ أم لَا على قَول الشَّافِعِي وَأحمد فِيمَا إِذا كَانَ مَكَان المَاء مدورا أَو مثلثا أَو مستطيلا أَو كَانَ على وضع من أوضاع أشكال الهندسة
وَفِي مَسْأَلَة هَل يبلغ سطح المَاء عشرا فِي عشر على قَول الْمُتَأَخِّرين من الْحَنَفِيَّة فِيمَا إِذا كَانَ مَحل المَاء على وضع من الأوضاع الْمَذْكُورَة وَيحْتَاج إِلَيْهِ فِي قسْمَة الأَرْض الْمُشْتَركَة الْمُتَنَازع فِيهَا بَين الشُّرَكَاء وَيحْتَاج إِلَيْهِ أَيْضا فِي توظيف الْخراج على الْمزَارِع والفدن وبساتين الغراسة وَفِي قسْمَة الحوائط والأراضي بَين الشُّرَكَاء أَو الْوَرَثَة وأمثال ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ فن لَا يَسْتَغْنِي النَّاس عَنهُ ويقبح بالمتفقه جَهله
الْأَمر الثَّالِث فن الْمِيقَات إِذْ بِهِ تعرف جِهَة الْقبْلَة للصلوات وتعرف بِهِ الْأَوْقَات وَتَصْحِيح السَّاعَات المخترعة لمعْرِفَة الْأَوْقَات وَهَذَا يعرف بالاسطرلاب وللعمل بِهِ رسائل وَكتب كَثِيرَة وبالربعين الْمُجيب والمقنطر وَلَهُمَا أَيْضا رسائل وبآلات أخر مَشْهُورَة وَأَن يعرف من النُّجُوم مَا بِهِ يعرف الْقبْلَة وَكَانَ للفقهاء اعتناء زَائِد بِهَذَا وَهَذَا موفق الدّين الْمَقْدِسِي كَانَ من العارفين بِهَذَا الشَّأْن وَقد ذكر فِي كِتَابه الْمُغنِي لمعْرِفَة الْقبْلَة عدَّة قَوَاعِد تدل على تمكنه من هَذَا الْفَنّ فاللازم على المتفقه أَن لَا يهمله
الْأَمر الرَّابِع معرفَة تراجم عُلَمَاء مذْهبه وَمَا لَهُم من
стр. 440
المؤلفات وَأَن يعرف طبقاتهم وَإِلَّا فقد يمر بِهِ اسْم وَاحِد من الْحَنَابِلَة فيظنه حنفيا أَو من الْحَنَفِيَّة فيظنه شافعيا أَو من الْمُتَقَدِّمين فيظنه مُتَأَخِّرًا أَو من أَرْبَاب الْأَقْوَال وَالْوُجُوه فِي مذْهبه فيظنه مُقَلدًا بحتا وَمثل هَذَا يقبح بالمتفقه وينادي على انحطاطه عَن ذرْوَة الْكَمَال وَالله يتَوَلَّى الصَّالِحين
الْأَمر الْخَامِس أَن يكون لَهُ إِلْمَام بفن الْعرُوض والقوافي وَذَلِكَ أَن كل مَذْهَب لَا يَخْلُو من كتاب فِيهِ منظوم وَقد يذكر الْفُقَهَاء كثيرا من الشُّرُوط أَو الْوَاجِبَات أَو السّنَن أَو الْآدَاب أَو الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة منظومة وَلم يذكروها كَذَلِك إِلَّا ترغيبا للطَّالِب فِي حفظهَا فَإِذا كَانَ المريد لحفظها جَاهِلا بفني الْعرُوض والقوافي حفظهَا مختلة الْوَزْن غير مُسْتَقِيمَة وَرُبمَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يفرق بَين المنظوم والمنثور وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ النَّاسِخ جَاهِلا فَكتب النّظم ككتابه للنثر فهناك يفوت الْمَقْصُود ويعد ذَلِك من الْجَهْل وَقد أدْركْت من عُلَمَاء بلدنا الْكِبَار من إِذا قَرَأَ نظما قَرَأَهُ كقراءته للنثر بِلَا فرق وَرُبمَا لحن فِيهِ لحنا فَاحِشا وَمَا ذَلِك إِلَّا لعدم مزاولته هَذَا الْفَنّ فاللائق بالمتفقه أَن يُعلمهُ لِئَلَّا يكون جَاهِلا بِهِ
الْأَمر السَّادِس أَن يعلم من مُفْرَدَات اللُّغَة مَا بِهِ يَسْتَعِين على فهم الْكتاب الَّذِي يطالع فِيهِ وَإِلَى هَذَا وَجه الْفُقَهَاء أنظار الطّلبَة فقد ألف الْمِصْبَاح الْمُنِير للغات الشَّرْح الْكَبِير على الْوَجِيز للرافعي وَألف الْمغرب للحنفية لهَذِهِ الْغَايَة أَيْضا ولمثلها ألف المطلع على أَبْوَاب الْمقنع الْحَنْبَلِيّ والدر النقي لشرح أَلْفَاظ الْخرقِيّ وَألف الحجاوي كتابا فِي بَيَان غَرِيب كِتَابه الْإِقْنَاع فَيَنْبَغِي للمتفقه أَن لَا يكون خلوا من معرفَة اللُّغَة فَإِن هَذَا يشينه ويعيبه
стр. 441
الْأَمر السَّابِع أَن يتَعَلَّم من فن التجويد مَا يعرف مِنْهُ مخارج الْحُرُوف وَمَا لَا بُد للقارىء أَن يُعلمهُ فَإِن جهل مثل ذَلِك رُبمَا أخل بِصَلَاتِهِ وخصوصا فَإِن لهَذَا مدخلًا فِي بَاب الْإِمَامَة حَيْثُ يَقُول الْفُقَهَاء يقدم الأقرأ فالأقرأ وَمن لم يكن عَارِفًا بفن التجويد كَيفَ يُمَيّز بَين القارىء والأقرأ وَكم رَأينَا من المتصدرين لأقراء الْفِقْه وللإمامة ثمَّ إِنَّهُم إِذا قرأوا فِي الصَّلَاة كَانَت قِرَاءَة الأعجمي أحسن حَالا من قراءتهم وَرُبمَا لم يفرقُوا بَين السِّين وَبَين الثَّاء الْمُثَلَّثَة الْفَوْقِيَّة وَيزِيدُونَ فِي الْكَلِمَات حروفا لَيست مِنْهَا وهم لَا يَشْعُرُونَ وَمثل هَذَا يعاب بِهِ الْعَاميّ فضلا عَن المتفقهه
стр. 442
لطائف قَوَاعِد
اعْلَم أَن كثيرا من النَّاس يقضون السنين الطوَال فِي تعلم الْعلم بل فِي علم وَاحِد وَلَا يحصلون مِنْهُ على طائل وَرُبمَا قضوا أعمارهم فِيهِ وَلم يرتقوا عَن دَرَجَة المبتدئين وَإِنَّمَا يكون ذَلِك لأحد أَمريْن أَحدهمَا عدم الذكاء الفطري وَانْتِفَاء الْإِدْرَاك التصوري وَهَذَا لَا كَلَام لنا فِيهِ وَلَا فِي علاجه
وَالثَّانِي الْجَهْل بطرق التَّعْلِيم وَهَذَا قد وَقع فِيهِ غَالب المعلمين فتراهم يَأْتِي إِلَيْهِم الطَّالِب المبتدىء ليتعلم النَّحْو مثلا فيشغلونه بالْكلَام على الْبَسْمَلَة ثمَّ على الحمدلة أَيَّامًا بل شهورا ليوهموه سَعَة مداركهم وغزارة علمهمْ ثمَّ إِذا قدر لَهُ الْخَلَاص من ذَلِك أخذُوا يلقنونه متْنا أَو شرحا بحواشيه وحواشي حَوَاشِيه ويحشرون لَهُ خلاف الْعلمَاء ويشغلونه بِكَلَام من رد على الْقَائِل وَمَا أُجِيب بِهِ عَن الرَّد وَلَا يزالون يضْربُونَ لَهُ على ذَلِك الْوتر حَتَّى يرتكز فِي ذهنه أَن نوال هَذَا الْفَنّ من قبيل الصعب الَّذِي لَا يصل إِلَيْهِ إِلَّا من أُوتِيَ الْولَايَة وَحضر مجْلِس الْقرب والاختصاص هَذَا إِذا كَانَ الملقن يفهم ظَاهرا من عِبَارَات المصنفين
وَأما إِذا كَانَ من أهل الشغف بالرسوم أُشير إِلَيْهِ بِأَنَّهُ عَالم
стр. 443
فموه على النَّاس وَأنزل نَفسه منزلَة الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وَجلسَ للتعليم فيأتيه الطَّالِب بِكِتَاب مطول أَو مُخْتَصر فيتلقاه مِنْهُ سردا لَا يفتح لَهُ مِنْهُ مغلقا وَلَا يحل لَهُ طلسما فَإِذا سَأَلَهُ ذَلِك الطَّالِب الْمِسْكِين عَن حل مُشكل انتفخ أَنفه وورم وقابله بالسب والشتم وَنسبه إِلَى الْبَهَائِم ورماه بالزندقة وأشاع عَنهُ أَنه يطْلب الِاجْتِهَاد
وَمن أُولَئِكَ من لَا يروم الحماقة لكنه يَقُول إننا نَقْرَأ الْكتب للتبرك بمصنفيها وَأكْثر هَؤُلَاءِ هم الَّذين يتصدرون لأقراء كتب المتصوفة فَإِنَّهُم يصرحون بِأَن كتبهمْ لَا يفهمها إِلَّا أَهلهَا وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يشغلون أوقاتهم بهَا تبركا
ولعمري لَو تبرك هَؤُلَاءِ بِكِتَاب الله الْمنزل لَكَانَ خيرا لَهُم من ذَلِك الفضول وَهَؤُلَاء كالمنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى
وَمِنْهُم من يكون داريا بالمسائل وَحل الْعبارَات وَلكنه متعاظم فِي نَفسه فَإِذا جَاءَهُ طَالب علم الْفِقْه أَحَالهُ على شرح مُنْتَهى الإرادات إِن كَانَ حنبليا وعَلى الْهِدَايَة إِن كَانَ حنفيا وعَلى التُّحْفَة إِن كَانَ شافعيا وعَلى شرح مُخْتَصر خَلِيل للحطاب إِن كَانَ مالكيا ثمَّ إِن كَانَ مبتدئا صَاح قَائِلا إِلَى الْمُلْتَقى يَوْم الدّين
стр. 444
وَإِن كَانَ مِمَّن زاول الْعَرَبيَّة وَأخذ طرفا من فن أصُول الْفِقْه انْتفع انتفاعا نسبيا لَا حَقِيقِيًّا
وَقد تفطن فلاسفة الْمُسلمين لهَذَا الدَّاء فألف أَبُو نصر الفارابي رِسَالَة فِي كَيْفيَّة الْمدْخل إِلَى كتب أرسططاليس الفلسفية وحذا حذوه قوم من عُلَمَاء الشَّرْع فأثبتوا نتفا من الْكَلَام فِي هَذَا الْمَوْضُوع إِذْ غَايَة أَمرهم أَنهم يَتَكَلَّمُونَ على الْفُنُون فَيذكرُونَ الْكتب المختصرة فِي الْفَنّ والمتوسطة والمطولة وَرُبمَا كَانَ مَا ذَكرُوهُ مَشْهُورا فِي أيامهم ثمَّ عز وجوده وَانْقطع خَبره ثمَّ إِنَّه بعد الْألف من الْهِجْرَة ألف الْفَاضِل الْمُحدث الشَّيْخ أَحْمد المنيني الدِّمَشْقِي كتابا لطيفا سَمَّاهُ الفرائد السّنيَّة فِي الْفَوَائِد النحوية وَأَشَارَ فِيهِ إِلَى طرف من آدَاب المطالعة وَقد لخصت ذَلِك الطّرف فِي رِسَالَة وزدت عَلَيْهِ أَشْيَاء استفدتها بالتجربة وَسميت تِلْكَ الرسَالَة آدَاب المطالعة وَذكرت أَيْضا جملَة كَافِيَة فِي مُقَدّمَة كتابي إِيضَاح المعالم من شرح الْعَلامَة ابْن النَّاظِم الَّذِي هُوَ شرح ألفية ابْن مَالك فِي النَّحْو وَحَيْثُ إِن كتابي هَذَا مدْخل لعلم الْفِقْه أَحْبَبْت أَن أذكر من النصائح مَا يتَعَلَّق بذلك الْعلم فَأَقُول لَا جرم أَن النَّصِيحَة كالفرض وخصوصا على الْعلمَاء فَالْوَاجِب الديني على الْمعلم إِذا أَرَادَ إقراء المبتدئين أَن يُقْرِئهُمْ أَولا كتاب أخصر المختصرات أَو الْعُمْدَة للشَّيْخ مَنْصُور متْنا إِن كَانَ حنبليا أَو الْغَايَة لأبي شُجَاع إِن كَانَ شافعيا العشماوية إِن كَانَ مالكيا أَو منية الْمُصَلِّي أَو نور الْإِيضَاح إِن كَانَ حنفيا وَيجب عَلَيْهِ أَن يشْرَح لَهُ الْمَتْن بِلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان بِحَيْثُ يفهم مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ ومريأه أَن يصور مسَائِله فِي ذهنه وَلَا يشْغلهُ مِمَّا زَاد على ذَلِك
стр. 445
وَقد كَانَت هَذِه طَريقَة شَيخنَا الْعَلامَة الشَّيْخ مُحَمَّد بن عُثْمَان الْحَنْبَلِيّ الْمَشْهُور بخطيب دَوْمًا الْمُتَوفَّى بِالْمَدِينَةِ المنورة سنة ثَمَان وثلاثمائة بعد الْألف وَكَانَ ﵀ يَقُول لنا لَا يَنْبَغِي لمن يقْرَأ كتابا أَن يتَصَوَّر أَنه يُرِيد قِرَاءَته مرّة ثَانِيَة لِأَن هَذَا التَّصَوُّر يمنعهُ عَن فهم جَمِيع الْكتاب بل يتَصَوَّر أَنه لَا يعود إِلَيْهِ مرّة ثَانِيَة أبدا وَكَانَ يَقُول كل كتاب يشْتَمل على مسَائِل مَا دونه وَزِيَادَة
فحقق مسَائِل مَا دونه لتوفر جدك على فهم الزِّيَادَة انْتهى
وَلما أخذت نصيحته مَأْخَذ الْقبُول لم أحتج فِي الْقِرَاءَة على الأساتذة فِي الْعُلُوم والفنون إِلَى أَكثر من سِتّ سِنِين فجزاه الله خيرا وَأَسْكَنَهُ فراديس جنانه فَإِذا فرغ الطَّالِب من فهم تِلْكَ الْمُتُون نَقله الْحَنْبَلِيّ إِلَى دَلِيل الطَّالِب وَالشَّافِعِيّ إِلَى شرح الْغَايَة والحنفي إِلَى ملتقى الأبحر والمالكي إِلَى مُخْتَصر خَلِيل وليشرح لَهُ تِلْكَ الْكتب على النمط الَّذِي أسلفناه فَلَا يتعداه إِلَى غَيره لِأَن ذهن الطَّالِب لم يزل كليلا ووهمه لم يزل عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْأولَى عِنْدِي للحنبلي أَن يُبدل دَلِيل الطَّالِب بعمدة موفق الدّين الْمَقْدِسِي إِن ظفر بهَا ليأنس الطَّالِب بِالْحَدِيثِ ويتعود على الِاسْتِدْلَال بِهِ فَلَا يبْقى جَامِدا ثمَّ إِذا شرح لَهُ تِلْكَ الْكتب وَكَانَ قد اشْتغل بفن الْعَرَبيَّة على النمط الْمُتَقَدّم أوفقه هُنَالك وأشغله بشرح أدنى مُخْتَصر فِي مذْهبه فِي فن أصُول الْفِقْه كالورقات لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَشَرحهَا للمحلى دون مَالهَا من شرح الشَّرْح لِابْنِ قَاسم الْعَبَّادِيّ والحواشي الَّتِي على شرحها فَإِذا أتمهَا نَقله إِلَى مُخْتَصر التَّحْرِير إِن كَانَ حنبليا مثلا وَيتَخَيَّر لَهُ من أصُول مذْهبه مَا هُوَ أَعلَى من الورقات وَشَرحهَا فَإِذا أتم شرح ذَلِك أقرأه الْحَنْبَلِيّ الرَّوْض المربع بشرح زَاد
стр. 446
المستنقع والحنفي شرح الْكَنْز للطائي والمالكي أحد شُرُوح متن خَلِيل المختصرة وَالشَّافِعِيّ شرح الْخَطِيب الشربيني للغاية وَلَا يتَجَاوَز الشُّرُوح إِلَى حواشيها وَلَا يقرئها إِيَّاه إِلَّا بعد اطِّلَاعه على طرف من فن أصُول الْفِقْه
وَاعْلَم أَنه لَا يُمكن للطَّالِب أَن يصير متفقها مَا لم تكن لَهُ دراية بالأصول وَلَو قَرَأَ الْفِقْه سنينا وأعواما وَمن ادّعى غير ذَلِك كَانَ كَلَامه إِمَّا جهلا وَإِمَّا مُكَابَرَة فَإِذا انْتهى من هَذِه الْكتب وَشَرحهَا شرح من يفهم الْعبارَات وَيدْرك بعض الإشارات
نَقله الْحَنْبَلِيّ إِلَى شرح الْمُنْتَهى للشَّيْخ مَنْصُور وروضة النَّاظر وجنة المناظر فِي الْأُصُول وَالشَّافِعِيّ إِلَى التُّحْفَة فِي الْفِقْه وَشرح الْإِسْنَوِيّ على منهاج الْبَيْضَاوِيّ فِي الْأُصُول والمالكي إِلَى شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الأصولي وَشرح أقرب المسالك لمَذْهَب مَالك والحنفي إِلَى الْهِدَايَة وَشرح الْمنَار فِي الْأُصُول فَإِذا فرغ من هَذِه الْكتب وَشَرحهَا بفهم واتقان قَرَأَ مَا شَاءَ وطالع مَا أَرَادَ فَلَا حجر عَلَيْهِ بعد هَذَا
وَاعْلَم أَن للمطالعة وللتعليم طرقا ذكرهَا الْعلمَاء وإننا نثبت هُنَا مَا أخذناه بالتجربة ثمَّ نذْكر بَعْضًا من طرقهم لِئَلَّا يَخْلُو كتَابنَا هَذَا من هَذِه الْفَوَائِد
إِذا تمهد هَذَا فَاعْلَم أننا اهتدينا بفضله تَعَالَى أثْنَاء الطّلب إِلَى قَاعِدَة وَهِي أننا كُنَّا نأتي إِلَى الْمَتْن أَولا فنأخذ مِنْهُ جملَة كَافِيَة للدرس ثمَّ نشتغل بِحل تِلْكَ الْجُمْلَة من غير نظر إِلَى شرحها ونزاولها حَتَّى نظن أننا فهمنا ثمَّ نقبل على الشَّرْح فنطالعه المطالعة
стр. 447
الأولى امتحانا لفهمنا فَإِن وجدنَا فِيمَا فهمناه غَلطا صححناه ثمَّ أَقبلنَا على تفهم الشَّرْح على نمط مَا فَعَلْنَاهُ فِي الْمَتْن ثمَّ إِذا ظننا أننا فهمناه راجعنا حَاشِيَته إِن كَانَ لَهُ حَاشِيَة مُرَاجعَة امتحان لفكرنا فَإِذا علمنَا أننا فهمنا الدَّرْس تركنَا التاب وَاشْتَغَلْنَا بتصوير مَسْأَلَة فِي ذهننا فحفظناه حفظ فهم وتصور لَا حفظ تراكيب وألفاظ ثمَّ نجتهد على أَدَاء مَعْنَاهُ بعبارات من عندنَا غير ملتزمين تراكيب الْمُؤلف ثمَّ نَذْهَب إِلَى الْأُسْتَاذ للْقِرَاءَة وهنالك نمتحن فكرنا فِي حل الدَّرْس ونقوم مَا عساه أَن يكون بِهِ من اعوجاج ونوفر الهمة على مَا يُورِدهُ الْأُسْتَاذ مِمَّا هُوَ زَائِد على الْمَتْن وَالشَّرْح وَكُنَّا نرى أَن من قَرَأَ كتابا وَاحِدًا من فن على هَذِه الطَّرِيقَة سهل عَلَيْهِ جَمِيع كتب هَذَا مختصراتها ومطولاتها وَثبتت قَوَاعِده فِي ذهنه وَكَانَ الْأَمر على ذَلِك ثمَّ إِن الأولى فِي تَعْلِيم المبتدىء أَن يجنبه أستاذه عَن إقرائه الْكتب الشَّدِيدَة الِاخْتِصَار الْعسرَة على الْفَهم كمختصر الْأُصُول لِابْنِ الْحَاجِب والكافية لَهُ فِي النَّحْو لِأَن الِاشْتِغَال بِمثل هذَيْن الْكِتَابَيْنِ المختصرين إخلال بالتحصيل لما فيهمَا وَفِي أمثالهما من التَّخْلِيط على المبتدىء بإلقاء الغايات من الْعلم عَلَيْهِ وَهُوَ لم يستعد لقبولها بعد وَهُوَ من سوء التَّعْلِيم ثمَّ فِيهِ مَعَ ذَلِك شغل كَبِير على المتعلم بتتبع أَلْفَاظ الِاخْتِصَار العويصة للفهم بتزاحم الْمعَانِي عَلَيْهَا وصعوبة اسْتِخْرَاج الْمسَائِل من بَينهَا لِأَن أَلْفَاظ المختصرات تجدها لأجل ذَلِك صعبة عويصة فَيَنْقَطِع فِي فهمها حَظّ صَالح عَن الْوَقْت كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك ابْن خلدون فِي مقدمته ثمَّ قَالَ وَبعد ذَلِك فالملكة الْحَاصِلَة من التَّعْلِيم فِي تِلْكَ المختصرات إِذا
стр. 448
تمّ على سداده وَلم تعقبه آفَة فَهِيَ ملكة قَاصِرَة عَن الملكات الَّتِي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة بِكَثْرَة مَا يَقع فِي تِلْكَ من التّكْرَار والإحالة المفيدين لحُصُول الملكة التَّامَّة وَإِذا اقْتصر على التّكْرَار قصرت الملكة لقلته كشأن هَذِه الموضوعات المختصرة فقصدوا إِلَى تسهيل الْحِفْظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عَن تَحْصِيل الملكات النافعة وتمكنها
هَذَا كَلَامه
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قابلت بَين من قَرَأَ الكافية وَبَين من قَرَأَ ابْن عقيل شرح ألفية ابْن مَالك وجدت الأول جَامِدا غير متسع الصَّدْر فِي ذَلِك الْفَنّ وَوجدت الثَّانِي أغزر مَادَّة منفسحا لَهُ المجال
وَحَاصِل الْأَمر أَن الْأُسْتَاذ يَنْبَغِي أَن يكون حكيما يتَصَرَّف فِي طرق التَّعْلِيم بِحَسب مَا يرَاهُ مُوَافقا لاستعداد المتعلم وَإِلَّا ضَاعَ الْوَقْت بِقَلِيل من الْفَائِدَة وَرُبمَا لم تُوجد الْفَائِدَة أصلا
وطرق التَّعْلِيم أَمر ذوقي وَأَمَانَة مودعة عِنْد الأساتذة فَمن أَدَّاهَا أثيب على أَدَائِهَا وَمن جَحدهَا كَانَ مطالبا بهَا
وَقد أودع ابْن خلدون فِي مُقَدّمَة تَارِيخه نفائس من هَذِه المباحث كالمقدمات ومطالعتها تهدي النتيجة لصَادِق الهمة مُطلق من قيد التَّقْلِيد وَللَّه در ابْن عَرَفَة الْمَالِكِي حَيْثُ قَالَ إِذا لم يكن فِي مجْلِس الدَّرْس نُكْتَة وَتَقْرِير إِيضَاح لمشكل صُورَة وعزو غَرِيب النَّقْل أَو حل مقفل أَو إِشْكَال أبدته نتيجة فكرة فدع سَعْيه وَانْظُر لنَفسك واجتهد وَلَا تتركن فالترك أقبح خلة وَهنا وقف بِنَا جواد الْقَلَم عَن المجال فِي هَذَا الميدان على سَبِيل الِاخْتِصَار وَلَو ركبنَا متن الإسهاب لطال الْكتاب والهمم قَاصِرَة
стр. 449
والإقبال فِي عصرنا على الْعلم قد صَار رَوْضَة كالهشيم تَذْرُوهُ الرِّيَاح وغضونه ذابلة وجداوله تشتاق إِلَى المَاء
فنسأله تَعَالَى أَن يرفع لَهُ منارا ويجدد شوقا لأَهله على الإقبال عَلَيْهِ بمنه وَكَرمه
رد الْعَجز على الصَّدْر
لَا يخفاك أَيهَا الْفَاضِل أننا صدرنا كتَابنَا وزيناه بِمَا نَقَلْنَاهُ عَن إِمَام أهل السّنة والأثر أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل ﵁ من رسائله الَّتِي نقلت عَنهُ فِي أصُول الدّين مِمَّا فِيهِ كِفَايَة لمن كَانَ سلفيا وَعَن لنا الْآن أَن نختم كتَابنَا بِذكر شَيْء مِمَّا أَلفه عُلَمَاء مَذْهَب السّلف ليَكُون البدء مُوَافقا للختام رَجَاء مِنْهُ تَعَالَى أَنه كَمَا وفقنا للتوحيد وَجَعَلنَا من أَهله أَن تكون الخاتمة على توحيده الْخَالِص من الزيغ والإلحاد بمنه تَعَالَى وَكَرمه فَنَقُول إِن الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي هَذَا الْعلم لَيست محصورة بمؤلفات أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد بل جَمِيع عُلَمَاء الْقُرُون الثَّلَاثَة وعلماء الحَدِيث بأجمعهم على مُعْتَقد السّلف لَا يشذ مِنْهُم عَن ذَلِك إِلَّا من جعل الفلسفة طَرِيقه الَّتِي يعول عَلَيْهَا وأساسه الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ غير ملتفت إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون وتابعوهم بِإِحْسَان فأعظم كتاب فِي هَذَا النَّوْع كتاب الله تَعَالَى الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه ثمَّ مَا ورد وَصَحَّ عَن نبيه الْمُصْطَفى ﷺ فهما الشِّفَاء من الدَّاء العضال وَالْهَدْي فِي بيداء الْحيرَة والضلال فَلَا يحْتَاج بعدهمَا إِلَى تأليف وَلَا إِلَى تنميق وترصيف تصنيف
وَلَكِن لما ترجمت كتب الْحُكَمَاء وَظَهَرت الْفرق وَتبع أَهلهَا مقالات أرسطو وأفلاطون وَسموا مَا بنوه على ذَلِك بِالْعلمِ الإلهي
стр. 450
احْتَاجَ عُلَمَاء السّلف لتأليف الْكتب وتصنيفها للرَّدّ عَلَيْهِم ولدلالة النَّاس على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَتكلم الْأَئِمَّة بِالرَّدِّ على من حاد عَن الطَّرِيقَة المثلى فَكثر الشغب وتفاقم الْأَمر وَثَبت اتِّبَاع الإِمَام أَحْمد على سَبِيل الْكتاب وَالسّنة وناضلوا عَنهُ أَشد النضال وألفوا فِي ذَلِك كتبا مختصرة وطولة وَلم يتعدوا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة الموثوق بهم كَأبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي عبيد وَدَاوُد وأمثالهم قدما وَلم يثنهم عَن عزمهم طلاقة لِسَان مخادع وَلَا سفسطة متأول وَلَا بهرجة ملحد وَلَا زخرفة متفلسف وَكلما انْقَضتْ طبقَة مِنْهُم أنشأ الله تَعَالَى طبقَة غَيرهَا على سَبِيل من قبلهَا فهم الأبدال والأخيار والأنجاب كَيفَ لَا وَقد أخبر عَنْهُم الصَّادِق الْأمين فِيمَا روينَاهُ من سنَن ابْن مَاجَه عَن أبي عتبَة الْخَولَانِيّ وَكَانَ قد صلى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُول الله ﷺ
قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يزَال الله يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يستعملهم فِي طَاعَته وحصلت الْإِشَارَة إِلَيْهِم أَيْضا فِي الحَدِيث الْمَشْهُور الْمَرْوِيّ بطرق كَثِيرَة عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي قَوَّامَة على أَمر الله لَا يَضرهَا من خالفها وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي الْآدَاب الشَّرْعِيَّة نقل نعيم بن طريف عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ فِي حَدِيث لَا يزَال الله يغْرس إِلَى آخِره هم أَصْحَاب الحَدِيث وَنَصّ أَحْمد على أَن لله أبدالا فِي الأَرْض
وَقَالَ أَيْضا عَنْهُم إِن يَكُونُوا هَؤُلَاءِ النَّاس يَعْنِي أهل الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من النَّاس
стр. 451
ثمَّ اعْلَم أَن أجل كتب اعْتِقَاد السّلف مَا نَقله الْأَئِمَّة الموثوق بهم وَرَوَاهُ الثِّقَات عَن أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فَإِنَّهُم أَكْثرُوا من القَوْل فِي الِاعْتِقَاد الصَّحِيح وَلم تخطف كلمتهم فِيهِ وَقد بنى أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ عقيدته على مَا رَوَاهُ عَن أبي حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت وَأبي يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ وَصرح بِأَنَّهُ نقل عَنْهُم مَا يَعْتَقِدُونَ من أصُول الدّين ويدينون بِهِ رب الْعَالمين وعقيدته هَذِه سلفية مَحْضَة وليت الْحَنَفِيَّة من بعده جعلُوا هَذِه العقيدة أساس معتقدهم وَأكْثر من روى عَنهُ من هَذَا الشَّأْن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل لِأَن زَمَنه كَانَ زمن القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَالْقِيَام بتشييد الْبدع وامتحن على ذَلِك فَأكْثر من القَوْل فِيهِ بِحَيْثُ إِن مَا نقل عَنهُ من الرسائل فِي هَذَا السَّبِيل كَاف لمتبع سَبِيل السّلف وَهَذَا سَبِيل جَمِيع الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وعلماء الحَدِيث دع عَنْك أُولَئِكَ الَّذين يسمون أنفسهم بالخلف ويستندون فِي مقالاتهم إِلَى دَلَائِل التقطوها من مقالات الفلاسفة فَإِنَّهُم مهما جالوا واستطالوا كَانَ قصارى أَمرهم إِلَى الْحيرَة والموفق مِنْهُم من رَجَعَ آخر أمره إِلَى التَّسْلِيم والتفويض وَقدم مَذْهَب سلف الْأَئِمَّة على من انتحله وَلَا يغرنك انتساب أُولَئِكَ إِلَى الإِمَام أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُم عِنْد التَّحْقِيق لم يسلكوا مسلكه وَلم يفهموا مرامه لِأَن هَذَا الإِمَام تصدى أَولا للرَّدّ على الْمُعْتَزلَة بعد أَن كَانَ مِنْهُم وَصَاحب الْبَيْت أدرى بِالَّذِي فِيهِ يكون فسلك فِي الرَّد عَلَيْهِم مَسْلَك فن الجدل وَأخذ يقطع عَلَيْهِم الطَّرِيق بِأَيّ وَجه كَانَ ويزيف مقالاتهم بِأَيّ وَاسِطَة كَانَت كَمَا هُوَ شَأْن فن الجدل الَّذِي قصارى أمره غَلَبَة الْخصم بِأَيّ وَجه وَبِأَيِّ طَريقَة كَانَت وَكَثِيرًا مَا يحْتَاج
стр. 452
المجادل فِي غَلَبَة خَصمه إِلَى السفسطة بل إِلَى إبراز المستحيل فِي صُورَة الْجَائِز والجائز فِي صُورَة الْوَاجِب ثمَّ إِنَّه فِي آخر أمره ألف كِتَابه الْمُسَمّى بالإبابة فأبان بهَا مَذْهَب أهل الْحق وباح باعتقاده وَلما كَانَت خصومه من الدهاء والفطنة بِدَرَجَة لَا تنكر وَكَانَ لَهُم فِي دولتهم مكانة وَلم يطيقوا مدافعة الإِمَام عَمدُوا من بعده إِلَى كتبه فالتقطوا مِنْهَا مَا قَالَه فِي مقَام المدافعة وَلم تكن من عقيدته مِمَّا يقرب من نحلتهم ودونوا ذَلِك وجعلوه مذهبا مَنْسُوبا إِلَيْهِ ثمَّ أخذُوا يثبتون مَا ادعوا أَنه من معتقده بِمَا ألفوه من أدلتهم ثمَّ أَتَى من بعدهمْ فَدس فِيهِ قَوَاعِد الفلاسفة وقواها بأدلتهم حَتَّى أصبح مَا نسب إِلَيْهِ من جنس مَا يذكر فِي الْعلم الْمُسَمّى عِنْد أُولَئِكَ بالإلهي لَا فرق بَينه وَبَينه ثمَّ جَاءَ من بعدهمْ مِمَّن شَأْنه التَّقْلِيد الْأَعْمَى والتقليد يبعد عَن الْحق ويروج الْبَاطِل فَاعْتقد بِأَن تِلْكَ النتف وَتلك المفتراة هِيَ مَذْهَب الإِمَام الْأَشْعَرِيّ فَأَخذهَا قَضِيَّة مسلمة وتلقى أدلتها بِالْقبُولِ فَمنهمْ من اختصرها وَمِنْهُم من نظمها وَمِنْهُم من شرحها وَلَو أبْصر الْأَشْعَرِيّ مَا نسبوه إِلَيْهِ لتبرأ مِنْهُ ولقال لَهُم أخطأتم المرمى وَمَا الغي مِنْكُم بِبَعِيد ألم تروا كتابي الْإِبَانَة الَّذِي هُوَ آخر مؤلفاتي ألم تعلمُوا مقاصدي فِي مسالكي فِي الرَّد على خصومي وَالْحق يُقَال إِن الْأَشْعَرِيّ أجل من أَن تنْسب تِلْكَ المفتريات إِلَيْهِ وَلَقَد تنبه لذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء فتبعوا مذْهبه الْحق وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف وَلَوْلَا خوف الْملَل لذكرتهم وَاحِدًا بعد وَاحِد وَلَكِن أَقُول أَجلهم إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمن رأى كَلَامه فِي آخر عمره يعلم يَقِينا أَنه رَجَعَ عَن جَمِيع مَا كَانَ حَيْثُ قَالَ نِهَايَة إقدام الْعُقُول عقال وَمِمَّنْ صرح بذلك السنوسي صَاحب العقيدة الْمَشْهُورَة
стр. 453
بَين المدعين بِأَنَّهُم أشاعرة فَإِنَّهُ نَادَى بذلك علنا فِي شرح لَهُ كَمَا تقدم ذَلِك أول الْكتاب وَتبع الْأَشْعَرِيّ الْحَقِيقِيّ لَا الْأَشْعَرِيّ الوهمي الَّذِي لَيْسَ لَهُ وجود فِي الْخَارِج وَأَنت أَيهَا الْمُؤَيد بِنور الْحق إِذا رَأَيْت كتب الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم أشاعرة رَأَيْتهمْ على مَذْهَب أرسطاطاليس لَيْسَ وَمن تبعه كَابْن سينا والفارابي وَرَأَيْت كتبهمْ عنوانها علم التَّوْحِيد
وباطنها النَّوْع الْمُسَمّى بالإلهي من الفلسفة وَإِذا كنت فِي ريب مِمَّا قُلْنَاهُ وَالْكَلَام فَانْظُر المواقف لعضد الدّين الآيجي وَشَرحه للسَّيِّد الْجِرْجَانِيّ وَمَا عَلَيْهِ من الْحَوَاشِي ثمَّ تَأمل كتاب الإشارات وَكتاب الشفا لِابْنِ سينا وشروح الأول فَإنَّك تَجِد الْكل من وَاد وَاحِد لَا فرق بَينهمَا إِلَّا بالتصريح باسم الْمُعْتَزلَة والجبرية وَغَيرهمَا فَهَل يُؤْخَذ تَوْحِيد من هَذِه الْكتب إِلَّا بعد الْوُقُوع بِأَلف ورطة ثمَّ إِن سلم السالك من هَذِه الطَّامَّات ظفر بتوحيد من جنس تَوْحِيد الفلاسفة والملاحدة وَمثل هَذَا حَال المشتغل بالطوالع والمطالع وشروحهما وحواشيهما وَمَا أشبههما لطالما أشغلنا بِهَذِهِ الْكتب فَلم نر فِيهَا إِلَّا أَن أَصْحَابهَا فتحُوا على أنفسهم أَبْوَاب شُبُهَات عجزوا عَن سدها فَأخذُوا فِي إقناع أنفسهم وَكلما أغلقوا مِنْهَا بَابا انفتحت لَهُم أَبْوَاب فَأَطَالُوا ذيول الْكَلَام وَكَتَبُوا المجلدات ثمَّ ألزموا النَّاس بهَا وأنفسهم لم ينالوا مِنْهَا هدى فَكيف غَيرهم يَهْتَدِي بهَا على أَنهم لَو أعْطوا عمر نوح وملأوا الدُّنْيَا كتبا يبحثون بهَا عَن الْهدى لم يجدوه إِلَّا فِي الْكتاب وَالسّنة وَالرُّجُوع إِلَى عقيدة السّلف فَكُن عَلَيْهَا أَيهَا الناصح لنَفسِهِ من أول الْأَمر وَلَا تطوح بِنَفْسِك فِي تِلْكَ الأودية فتهلك وَإِنِّي لَك الناصح الْأمين وَالله يتَوَلَّى هداك وَحَيْثُ أفْضى بِنَا الْمقَال إِلَى هَذ الْحَد لزمنا أَن نقُول قد ألف
стр. 454
الْعلمَاء الْأَعْلَام فِي بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف كتبا لَا تحصى مُطَوَّلَة ومختصرة وَأَنا أرشدك إِلَى بَعْضهَا لِأَن من طالع كتابا مِنْهَا فَكَأَنَّهُ قد طالع الْكل لاتفاقهم على طَريقَة وَاحِدَة فأجل مَا كتب فِي هَذَا الْمَوْضُوع رسائل الإِمَام أَحْمد وَأحسن طَريقَة لمن يطْلب التَّحْقِيق والبرهان كتب شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي ﵁ فَإِنَّهُ انتصر لمَذْهَب السّلف انتصارا لَا مزِيد عَلَيْهِ وأخلص لله تَعَالَى فِي عمله ونصح لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم وَلَا يهولنك مَا وصمه بِهِ أعداؤه فَإِن كَلَام الحساد كالزبد يذهب جفَاء ثمَّ من بعده مصنفات صَاحبه شمس الدّين مُحَمَّد بن قيم الجوزية فَإِنَّهُ على طَريقَة شَيْخه مَالك وأثره اقتفى وَحَقِيقَة مؤلفاته بسط مقالات أستاذه وَذَلِكَ كالصواعق المحرقة والجيوش الإسلامية والكافية الشافية الْمُسَمَّاة بالنونية
ثمَّ اعْلَم أَن كتب أُولَئِكَ الْقَوْم تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ الْقسم الأول مِنْهَا قد تكفل بِذكر نحل الْفرق ثمَّ مِنْهُم من يذكر ذَلِك سردا وَلم يتَعَرَّض المرد على أحد مِنْهُم وَذَلِكَ كَأبي مَنْصُور عبد القاهر بن طَاهِر الْبَغْدَادِيّ الْمُتَوفَّى سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فِي كِتَابه الْفرق بَين الْفرق وكأبي الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشهرستاني الْمُتَوفَّى سنة ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَهَذَانِ الكتابان مطبوعان ومشهوران وَمِنْهُم من يذكر الْفرق ويتكفل بِالرَّدِّ عَلَيْهِم وَذَلِكَ كَأبي مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن حزم فِي كِتَابه الْفَصْل بِكَسْر الْفَاء وَفتح الصَّاد وَهُوَ مطبوع مَشْهُور وَكَانَت وَفَاة صَاحبه سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَقد قَالَ عَنهُ الشهرستاني هُوَ عِنْدِي خير
стр. 455
كتاب صنف وَقد اعْتدى الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب ابْن السُّبْكِيّ على الْفَصْل
فَقَالَ فِي كِتَابه الطَّبَقَات هَذَا من أشهر الْكتب وَمَا برح الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَابنَا ينهون عَن النّظر فِيهِ لما فِيهِ من الازدراء بِأَهْل السّنة وَقد أفرط فِي التعصب على أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ حَتَّى صرح بنسبته إِلَى الْبِدْعَة
هَذَا كَلَامه
أَقُول أَرَادَ بِأَهْل السّنة من كَانَ على شاكلته من أَتبَاع الْأَشْعَرِيّ الموهوم الَّذِي لَا تحقق لَهُ فِي الْخَارِج وَإِنَّمَا وجوده فِي مخيلة أَصْحَابه وهم الَّذين افتروا على الْأَشْعَرِيّ الْحَقِيقِيّ فنسبوا إِلَيْهِ مَا هُوَ بَرِيء مِنْهُ وَابْن حزم كَانَ أندلسيا فاتصلت بِهِ تِلْكَ المفتريات فَظن أَنَّهَا من نحلة الْأَشْعَرِيّ الْحَقِيقِيّ فَرد كَلَامه فالجرم على المتسبب لَا على الإِمَام الْكَامِل ابْن حزم
وَالْقسم الثَّانِي مِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوع لبَيَان مَذْهَب السّلف وَهِي كَثِيرَة جدا كَمَا أسلفناه لكننا نرشد الطَّالِب هُنَا إِلَى مَا فِيهِ مقنع لَهُ فَنَقُول مِنْهَا العقيدة الحموية وَشرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَغَيرهَا من رسائله ومصنفاته
وَمِنْهَا لمْعَة الِاعْتِقَاد الْهَادِي إِلَى سَبِيل الرشاد للْإِمَام موفق الدّين عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي وَهِي كراسة لَطِيفَة
وَمِنْهَا مُخْتَصر نِهَايَة المبتدئين للشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد البلباني
وَمِنْهَا الْعين والأثر للشَّيْخ عبد الْبَاقِي
وَمِنْهَا عقيدة الإِمَام حَافظ الْوَقْت عبد الْغَنِيّ بن سرُور عبد الْوَاحِد بن عَليّ بن سرُور الجماعيلي
стр. 456
وَمِنْهَا نجاة الْخلف فِي اعْتِقَاد السّلف للشَّيْخ عُثْمَان بن أَحْمد النجدي
وَمِنْهَا الدرية المضية فِي عقد أهل الْفرْقَة المرضية وَهِي مِائَتَا بَيت وَبضْعَة عشر بَيْتا نظمها الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد السفاريني ثمَّ شرحها فِي مُجَلد وَسَماهُ لوامع الْأَنْوَار البهية
وسواطع الْأَسْرَار الأثرية لشرح الدرة المرضية وَهُوَ شرح مُفِيد إِلَّا أَنه جرى فِيهِ مسلكا وسطا بَين أهل الْأَثر وَبَين طَريقَة الْمُتَأَخِّرين وسلك فِيهِ غير مَسْلَك التَّحْقِيق وَزَاد فِي آخر النّظم وَالشَّرْح أَشْيَاء لم يرض بذكرها من سلف وَلم يجعلوها من الِاعْتِقَاد فِي شَيْء كذكر الْمهْدي وأمثال ذَلِك مِمَّا حَقه أَن يذكر فِي كتب الْمَلَاحِم والواعظ لَا فِي كتب الِاعْتِقَاد وَقد اختصر شيخ مَشَايِخنَا الشَّيْخ حسن الشطي الْحَنْبَلِيّ الدِّمَشْقِي هَذَا الشَّرْح إِلَّا أَنه أَخذ كَلَامه السفاريني بِلَفْظِهِ وَحذف الْأَقْوَال وَالْخلاف فَحق هَذَا الْمُخْتَصر أَن ينْسب للسفاريني لَا لَهُ وعَلى كل فَهَذَا الشَّرْح مُفِيد وَقد طبع واشتهر
وَمِنْهَا كتاب الْمُعْتَمد ومختصره كِلَاهُمَا للْقَاضِي أبي يعلى
وَمِنْهَا كتاب الْإِبَانَة عَن شَرِيعَة الْفرْقَة النَّاجِية ومجانبة الْفرق المذمومة للْإِمَام عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدَان بن بطة العكبري أحد شُيُوخ الإِمَام ابْن حَامِد وَمن مؤلفاته الْإِبَانَة الْكَبِير وَالصَّغِير وَغَيرهمَا من الرسائل
وَقيل إِن مصنفاته تزيد على مائَة مُصَنف
توفّي سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وبطة بِفَتْح الْبَاء والطاء الْمُشَدّدَة قَالَه فِي المطلع
وَمِنْهَا كتاب التَّوْحِيد وَمَعْرِفَة أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته على الِاتِّفَاق والتفرد للْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن يحيى بن مَنْدَه
стр. 457
الْأَصْبَهَانِيّ وَكَانَ من أَصْحَابنَا وَحكي عَنهُ فِي الْمَقْصد الأرشد أَنه قَالَ طفت الشرق والغرب مرَّتَيْنِ وَلم أسمع من المبتدعين حَدِيثا
توفّي سنة نَيف وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَكتابه هَذَا فِي سَبْعَة أَجزَاء وَابْن مَنْدَه اثْنَان وهما من أَصْحَابنَا
أَولهمَا هَذَا
وَالثَّانِي الإِمَام الْحَافِظ صَاحب التصانيف الْكَثِيرَة الَّتِي مِنْهَا تَارِيخ أَصْبَهَان ومناقب الإِمَام أَحْمد ﵁ وَهُوَ مُجَلد كَبِير وَفِيه فَوَائِد حَسَنَة
قَالَ فِي أَوله وَمن أعظم جهالتهم يَعْنِي المبتدعة وغلوهم فِي مقالتهم وقوعهم فِي الإِمَام المرضي إِمَام الْأَئِمَّة وكهف الْأمة نَاصِر الْإِسْلَام وَالسّنة وَمن لم تَرَ عين مثله علما وزهدا وديانة وإمامة إِمَام أهل الحَدِيث أبي عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ قدس الله روحه وَبرد عَلَيْهِ ضريحه الإِمَام الَّذِي لَا يجارى والفحل الَّذِي لَا يُبَارى وَمن أجمع أَئِمَّة الدّين رضوَان الله عَلَيْهِم وَرَحمته فِي زَمَانه على تقدمه فِي شَأْنه ونبله وعلو مقَامه ومكانه وَالَّذِي لَهُ من المناقب مَا لَا يعد وَلَا يُحْصى قَامَ لله مقَاما لولاه لجهم النَّاس ولمشوا على أَعْقَابهم الْقَهْقَرَى ولضعف الْإِسْلَام واندرس الْعلم وَلَقَد صدق الإِمَام أَبُو رَجَاء قُتَيْبَة بن سعيد حَيْثُ قَالَ إِن أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَمَانه بِمَنْزِلَة أبي بكر وَعمر فِي زمانهما وَأحسن من قَالَ لَو كَانَ أَحْمد فِي بني إِسْرَائِيل لَكَانَ آيَة أعاشنا الله على عقيدته وحشرنا يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرته وَحين وقفت على سرائر هَؤُلَاءِ وخبث اعْتِقَادهم فِي هَذَا الإِمَام قصدت لمجموع نبهت فِيهِ على بعض فضائله ونبذه من مناقبه وَذكرت طرفا مِمَّا منحه الله من الْمنزلَة الرفيعة والرتبة الْعلية فِي الْإِسْلَام وَالسّنة مَعَ أَنِّي لست أَدْرِي لنَفْسي أَهْلِيَّة لذَلِك وَأَن الْمَشَايِخ الماضين رَحِمهم الله تَعَالَى قد عنوا بجمعه فشفوا لكني أردْت أَن يبْقى لي بِجمع مناقبه ذكر وَأَن أكون مشرفا فِيمَا بَين أهل الْعلم من أهل السّنة بانتسابي
стр. 458
إِلَيْهِ ومحلى بمذهبه وطريقته
هَذَا كَلَامه
توفّي سنة إِحْدَى عشرَة
وَقيل اثْنَتَا عشرَة وَخَمْسمِائة بأصبهان وَبهَا دفن عِنْد آبَائِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهَا كتاب التَّنْبِيه وَالرَّدّ على أهل الْأَهْوَاء والبدع للمحدث الْكَبِير أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَلْطِي الْمَعْرُوف بالطرائفي وَهُوَ كتاب لطيف يذكر فِيهِ الْفرق المبتدعة وينصر مَذْهَب أهل الحَدِيث
وَمِنْهَا غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى مِمَّا هُوَ مَشْهُور وَأكْثر من أَن يذكر وَلَيْسَ قصدنا استقصاء أَسمَاء الْكتب بل قصدنا التَّنْبِيه على بعض مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِمَّا لَو طبع لأتى بفوائد جمة تعود على مطالعه بالنفع وَإِلَّا فَفِي كتاب كشف الظنون مَا فِيهِ مقنع لمن أَرَادَ معرفَة أَسمَاء كتب لَا يُمكن الْحُصُول إِلَّا على أقل الْقَلِيل مِنْهَا وَالله الْهَادِي والموفق وَهنا ألْقى عَصَاهُ وَاسْتقر بِهِ النَّوَى فَمَا أَجَاد بِهِ فَمن فضل الله مفيض الْجُود وَالْإِحْسَان وَالْكَرم وَمَا عساه أَن يكون زل بِهِ التمس عَنهُ عذرا فَإِن الْإِنْسَان مَحل الْخَطَأ وَالنِّسْيَان
فنسأله تَعَالَى أَن ينفع بِمَا حررناه وَأَن يقبل مَا رقمناه وَأَن يَجعله مَقْبُولًا مُنْتَفعا بِهِ فَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
وَكَانَ الْفَرَاغ من كِتَابَة هَذِه المسودة فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَألف فِي دمشق الزاهرة فِي مدرسة المرحوم عبد الله باشا الْعظم على يَدي وَأَنا مُؤَلفه الْفَقِير عبد الْقَادِر ابْن أَحْمد ابْن مصطفى بن عبد الرَّحِيم ابْن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن بدران
اللَّهُمَّ اغْفِر لي ولوالدي ولمشايخي وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين أَجْمَعِينَ آمين