Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اطلع في بروج اعتدال القدود شموس المحاسن والجمال وأهل في منازل السعود بدور اللطائف والكمال وزين أغصان القدود برمان النهود ورياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود وألف بين ما نظم في الثغور وقلائد النحور وجعل تسريح الأبصار لذوي البصائر ولطافة الأفكار من أسباب الافتتان بتأمل الحسان فنزلهم وإن اختلفت أغراضهم منزلة الأغراض لرشق قسي الحواجب بسهام الألحاظ نحمده على تعديل أمزجة فرعها صحة التأمل في حسن التجمل وتصفية نفس لازمها الاستبصار والتبصر في الفرق بين الجهل والتعقل ونصلي ونسلم على من بعث ينهي النفس عن الهوى والإرشاد إلى طريق العدل والاستوا والأمر باعلاء العقل على النفس وقهر شهوات الجسم وتقييد مدارك الحس فحث على تهذيب النفس الأبية عن الرذائل الدنيئة سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه المتخلقين بأكرم الأخلاق والأوصاف وأجمل اللطافة والعفاف ما نضرت الحدائق ونظرت الحدق وتأنق المفلق وتألق الفلق.
وبعد فلما دل تنويع أصل الإيجاد وتفريع عالم السكون والفساد مع قدرة الموجد على جعل ما أوجد من أصل واحد على سأم النفس من ملازمة الشيء الواحد في كل حال واستراحتها في اختلاف الأطوار بالنظر والانتقال وكان أعظم مطلوب منها تحصيل العلوم التي هي سبب السعادة الدينية وتشييد المباني الشرعية وجب إسعافها بالمفاكهات الأنيقة والأخبار اللطيفة الرشيقة لتنشط من عقال التعب وتستريح فتعود إلى المطلوب منها خفيفة من كل الوصب والنصب وذلك هو العلوم الأدبية كالتواريخ والأخبار ولطائف الحكايات والأشعار ولما من الله تعالى علي بعد تحرير العلوم العقلية وتهذيب النفس بالدائق الحكمية بالهجرة إلى الديار المصرية فمثلت بها بين يدي الأماثل وخدمت من سما فيها من أرباب الفضائل من أيضاً كجاري عوائده السنية بتحصيل ما أمكن من العلوم الشرعية بيد أني رميت في خلال الاشتغال بما شوش الفكر وغير البال وهيج أليم البلبال
من هموم وحاجة واغتراب ... كدرت مني القوى النفيسه
فهي في كل ساعة في ازدياد ... غبت منه عن مدرك الحميه
فأنا وهي في التلازم صرنا ... كالهيولي والصورة الجنسيه
لا أجد من يفرج الكرب إذا شكوت إليه ولا من أعول إذا ضاق الأمر عليه كان الزمان كما قيل:
ففي المساوي يد التساوي ... فلا معين ولا معين
стр. 2
فغيرت ذلك إدراكي الثاقب فقصرت عن بلوغ المآرب فأعملت الحيلة فيما به أريح النفس وأنفي اللبس في الفكر بعد طول التعب إن امتطى غارب الأدب فارست من الأصحاب من هوله كالعناصر فمال إليه ذهني الفاتر فشرعت في جمع شيء في محاسنه المختلفة وضمها بحيث تكون في الجنس وإن اختلفت بالنوع مؤتلفة فكان أول ما سطرته وأحكمت قواعده وحررته طبقات ذكرت فيها أخبار الحكماء ولطائف الأطباء ثم لم أزل أجيل النظر في مجاميع مختلفة إلى أن وقع اختياري على اختصار الأشواق المأخوذ من مصارع العشاق المنسوب إلى أبي بكر محمد بن جعفر البغدادي السراج ﵀ فإنه وإن كان قد جمع فيه بين جد القول وهزله وظرائف نكت العشق وأهله ورقيق اللفظ وجزله إذ هو صنيعة وحيد زمانه ورئيس أقرانه وواحد عصره ونادرة دهره مولانا أبي الحسن إبراهيم بن حسن بن عمر الرباط الشهير بالبقاعي تغمده الله برضوانه وأسكنه فسيح جنانه إلا أنه كتاب طال في غير طائل وجمع ما لا حاجة بهذه الصناعة إليه من المسائل كذكر الأسانيد والتكرار الذي هو شأن الأحاديث النبوية لتوثيق الأحكام الدينية كالإخلال بمحاسن الأخبار ولطائف الأشعار التي هي بهذا الفن أعلق من الجوى بأهل الهوى وعدم الترتيب المستلزم لاختلال التهذيب وكالاعراض عن ذكر غالب أسباب وقوع بعض العشاق في شرك الحب إلى غير ذلك مما يظهر لمتأمل كتابنا مع أصله إذا طرح الهوى وانتظم في سلك الانصاف وأهله فألفت هذا الكتاب الذي هو في قلادة هذا الفن درة بيضاء وفي جبهة جواده غرة غراء أكملت فيه فوائده ورددت شوارده وأضفت ما نبذه ظهريا ولم آت شيافريا فزاد على أصله بأمور إثني عشر أحدها وهو الأعظم تبديل ما في الباب العاشر الذي سماه بالشارع الجامع لما في المصارع بما هو خليق بهذا الاسم وجدير بهذا الرسم ضمنته ما حل مما تقدمه محل الأصول من الفروع كجعلك الغيرة أصلاً لنحو حكاية ديك الجن وكتم الأسرار لنحو صاحب الجارية في عرفة وتأمل الخيال لنحو من عشق في نومه إلى غير ذلك وجمعت فيه ديوان الصبابة وغيره وهو نمط ما بسط قبل وثانيها حسن التقسيم في الأبواب وثالثها لطف الترتيب وضم الأنواع المتماثلة ورابعها حذف الأسانيد والتكرار مع ذكر ما اختلف باشارات كان وقيها وخامسها ذكر السبب الموقع لصاحب الحكاية فيها وسادسها تمييز من جهل شيء من أحواله ممن علم بسائر أقواله وأفعاله وسابعها تفصيل من علق الأحرار من أهل الرق والمسلمين من أهل الشرك وأمثال ذلك من قديم ومحمد وثامنها ذكر ما في الأصل من الألفاظ اللغوية مفسراً ذلك بازائه مبدلاً ذلك بأوضح منه وتاسعها شرح ما في الأشعار من الغريب وعاشرها تعليل الأسباب المتعلقة بهذا الفن بالعلل الحكمية مأخوذاً من الأصول والأدلة الفلسفية والقواعد الطبية وحادي عشرها ذكر تعلق هذا الفن بأنواع المواليد الثلاثة وكيفية دخوله فيه وثاني عشرها الزيادات في الأبواب فربما كانت أنواعاً مستقلة وتكميلاً لما وجد بعضه في الجملة وربما زاد عليه بأشياء غير المذكورة في مطاوي معانيه فترعن استحضارها الذهن هنا كل ذلك مما استخرجه فكري القاصر وذهني الفاتر أو ظفرت به في كتب ربما أسمى بعضها فيه هذا كله مع إني والله لم أخل في يوم من أيام عمله في مشوش طارىء على ما عندي لها سبقت الاشارة إلى ذكره ولما كمل واتسق وانتظم في أكمل نسق سنه بتزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق ورتبته على مقدمة وخمسة أبواب وخاتمة والله المسؤول أن ينفع به فيما قصد بترتيبه وأن يوفقنا إلى أصح القول وتهذيبه أنه أكرم من أعطى المراد وسئل فجاد فالمقدمة فيما جاء فيه من الأخبار والآثار ويلي ذلك أربعة فصول الأول في الترغيب فيه والثاني في رسمه والثالث في مراتبه والرابع في علاماته.
والباب الأول في مصارع محبي الله تعالى وفيه فصل ميزنا فيه من قتله التذكر بنحو سماع آية.
والباب الثاني في عشاق الجواري وهو ستة أقسام الأول فيمن اشتهر الثاني فيمن جهل الثالث في عشاق الاماء الرابع فيمن حظي بالتلاق بعد تجرع كأس من الفراق الخامس فيمن وسموا بالفساق من العشاق السادس فيمن نكث الصحبة وحل عقد المحبة وفي كل أقسام أصناف وأنواع بحسب ما احتمله المقام من صحة الانقسام.
стр. 3
والباب الثالث في عشاق الغلمان وهو أربعة أقسام الأول فيمن استلب الهوى نفسه الثاني فيمن جهل حاله الثالث فيمن ظفر بمطلوبه الرابع فيمن منعه الزهد والعبادة أن يقضي مراده وألحقت ذلك بخاتمة تشتمل على ذكر دوا للسلو عن الهوى.
والباب الرابع في ذكر دخول العشق فيما سوى البشر وهو نوعان الأول في الجن والثاني في الحيوان والنبات والمعدن والعناصر والأفلاك.
والباب الخامس قد اشتمل على فصول كل فصل منها قد احتوى على النكت والعجائب واللطائف والغرائب من أصول هذه الصناعة وقد ألزمت نفسي أن أفتح كل فصل منه بكلام استاذ الحقيقة ورئيس أهل الطريقة مسكت كل لافظ ومبين ما في الطريق من القواطع والعوارض سيدي عمر بن الفارض غمرنا الله تعالى ببركاته وطيبنا بنفحاته متبعاً ذلك بما تيسر من حل ألفاظه حسب ما سنح في الذهن ثم أقول بعد انتهاء متعلق الطريقة رجع إلى كلام المترسمين من أهل الظاهر واختم الفصل بما سمعت به القريحة الفاترة والفكرة القاصرة من لطائف النظم المناسب لما ذكر عن أهل الصناعة هنالك واتبعت الفصول بتتمة في لطائف الغزل الخاص والعام وتقسيم ذلك.
وأما الخاتمة ففي لطائف ونكت متفرقة لا التزم تعلقها بالعشق وبها يتم الكتاب.
المقدمة
فيما جاء فيه الكتاب من الأحاديث والآثار وفي حده ومراتبه
стр. 4
أعلم أن واهب الصور لما صدر عنه العقل كان أعظم صادر لقربه من الكمال الذاتي فالعود إليه وطلب القرب منه واجب على كل ذي نفس قدسية ومن تطابقت الأدوار شاهدة بذلك ويدل له عموم فقال له أقبل الحديث وعنه النفس الكلية ثم قسما الأجسام الفلكية والعنصرية كما هو في محله إلى أن كان أشرف النفوس وأرفعها على الاطلاق النفس الانسانية ولشبه الشيء بأصوله كما هو واضح مقرر في محله بالبراهين انقسمت هذه النفس باعتبار أصولها إلى ثلاثة أقسام أحدها النفوس المعدنية وهي الجامدة التي لا تعقل ما يراد منها ولا نعرف إلا ما تقوم به بنيتها ويصدر عنها وذلك أما بالخاصية أو بأمر أودعها صانعها فيها لمصالح يعلمها ويشهد لذلك ما يشاهد من صور في الجبال والطن ونحوهما وثانيهما النباتية وهي أرفع من الأولى باعتبار الذبول والتحلل الظاهر وثالثها الحيوانية وتفصل السابقة بالحركة الارادية والحساسية ونحوهما من العوارض ثم كل واحدة من هذه الثلاث تنقسم باعتهار ما تشابهه من النوع كانقسامه في نفسه وذلك كانقسام الأولى إلى ما يكون صافي الجوهر جيده كالياقوت والذهب والثانية إلى ما هو كثير النفع طيب الطعم والرائحة كالعنبر والعود والثالثة إلى ما هو صالح للنفع والزينة كالخيل وإلى شجاع كالأسد وخبيث كالنمر وحافظ للعهد كالكلب وقوام على حفظ ما يستحفظ كالقرد ونظائر ذلك ولما كانت النفس الانسانية زبدة الكائنات وخاتمة طرفي سلسلة العلل والمعلولات لا جرم كانت مقتدرة على أن تتبع شهوات الجسم وعوارض الكثيف فتكون حيوانية بحتة أو تعمل في خلاص النفس من ظلمة الطبيعة وقفص الجسم فتحلق بعالمها الأصلي وهي النفس الملكية المقرة بالمبدأ والمعاد المخلصة من محض الكثافة المنتظمة في سلك محض اللطافة أو تجمع بين الأمرين وتؤلف بين الطريقين وهذه هي الانسان المطلق والأولى الحيواني والثانية الملكي فقد بان لك أن الإنسان منقسم كأصله ومميز بفعله ثم لا شبهة في انقسام كل كالمنتسب إليه ويكون كماله منزلاً عليه فالحكيم محتاج في اصلاح الأولى إلى ما يكون بمجرد حسن اللفظ والسياسة كالطيور أو بالضرب والاهانة كالدب والحمار وباطعام الطعام كالخيل والكلاب أو بالارسال والجدب والتحفظ من غدرها كالأسود والجمال والثانية وإن تفاوتت مراتبها غنية عن الاصلاح إلا من قبل مبدعها والثالثة هي المحتاجة إلى العلاج وملاطفة الزاج والعشق الحقيقي لها غالباً لأنه تابع للأمزجة ولأن عشق الملكي والحيواني بسيط إذ الأول يكون لمحض ذات واجب الوجود ومبدع الفيض والجود والثاني لمحض قضاء شهوات الجسم الفاسدة الناشئة عن الفكر الجامدة إذا تقرر هذا فاعلم أن العشق بعد أن سمعت ما سمعت يختلف باختلاف المزاج على أنحاء أربعة سريع التعلق والزوال كما في الصفراويين وعكسه كما في السوداويين وسريع التعلق بطيء الزوال كما في الدمويين وعكسه كما في البلغميين ومثل هذه مراتب الحفظ والنسيان وأما المعتدل فيكون العشق فيه كذلك فعلى هذا يكون قولهم لكل أحد صبوة الأمل جفت خلقته أو نقصت بنيته أو خرجت عن الاعتدال أمزجته محمولاً على الاعتدال النسبي الذي إذا حصل لشخص كان به على ما ينبغي أن يكون عليه لا الحقيقي لعزة وجوده ولزوم ندور العشق حينئذ والواقع خلافه ثم هو متى وقع على ما وصفناه أمكن حصول المزايا المذكورة فيه فقد قال الاستاذ أن أقل مزاياه تعليم الكرم والشجاعة والنظافة وحسن الأخلاق وذلك أن غاية مراد العاشق رضا معشوقه ورضا المعشوق يكون بانصاف العاشق بما يوجب المدح ويحسن المرتبة في القلب فعلى ثبوت هاتين المقدمتين ينتج ما قلناه واللازم واقع فكذا الملزوم وبيان الملازمة ظاهر وايضاحه أن العاشق وإن بخل جداً فلا يمكن بخله على المعشوق ومنه يتطرق الحال إلى من يعلم أنه متى بخل عليه أوصل الأمر إلى معشوقه وهكذا فيؤدي الحال إلى مطلق الكرم وكذا باقي السجايا المذكورة ولذلك جاء الناموس الشرعي بمطابقة القانون الحكمي كما هو شأن الشارع في غير هذا أيضاً ليكون التطابق بين الحكمة والشرع في كل شيء ولا عبرة بكلام بعض الأغبياء عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ من عشق فعف فمات دخل الجنة زاد الخطيب عن فظفر ثم أبدل قوله دخل الجنة بقوله مات شهيداً وفي أخرى وكتم والحديث بسائر ما ذكر صححه مغلطاي وأمحله البيهقي
стр. 5
والجرجاني والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به ورواه ابن الجوزي مرفوعاً وأبو محمد بن الحسين موقوفاً وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضاً وحاصل الأمر ما صحته أو حسنه والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره وحكايته تحديثاً وكونه قبل عماه فلا تدليس وإذ قد ثبت فهو شاهد بما قلناه لأن غاية الغايات دخول الجنة وهو مستلزم لرضا الله الذي لا مطلب أعلى منه وقد جعلت مقدمة هذا المطلب العالي العفة وهي مذهب الحكماء بل أساس الحكمة وهي كما صرح به المعلم ثمرة الأصل الطاهر لأن أعلى الخلق الرضا والمزاج المعتدل ومنا الكتم وهي ثمرة المروأة والشهامة وكلاهما مستلزم علو النفس وصحة المزاج فقد اتضح ما قلناه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له ووجهه الاعجاب القدرة على حكم زمام النفس وزجرها مع تركيب الشهية وتوفر الدواعي وما تكلفه في الأصل من أن المواد بالإعجاب أثره واضح لا يحتاج إليه لأنه وما شاكله من الرحمة التي هي رقة القلب لا تكون إلا لذي المزاج ولما علم بالضرورة تنزهه عن الأجسام والأعراض علم برؤه من لوازمها فما وقع مما يوهم شيئاً فالمراد لازمه ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيراً فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ: والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به ورواه ابن الجوزي مرفوعاً وأبو محمد بن الحسين موقوفاً وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضاً وحاصل الأمر ما صحته أو حسنه والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره وحكايته تحديثاً وكونه قبل عماه فلا تدليس وإذ قد ثبت فهو شاهد بما قلناه لأن غاية الغايات دخول الجنة وهو مستلزم لرضا الله الذي لا مطلب أعلى منه وقد جعلت مقدمة هذا المطلب العالي العفة وهي مذهب الحكماء بل أساس الحكمة وهي كما صرح به المعلم ثمرة الأصل الطاهر لأن أعلى الخلق الرضا والمزاج المعتدل ومنا الكتم وهي ثمرة المروأة والشهامة وكلاهما مستلزم علو النفس وصحة المزاج فقد اتضح ما قلناه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له ووجهه الاعجاب القدرة على حكم زمام النفس وزجرها مع تركيب الشهية وتوفر الدواعي وما تكلفه في الأصل من أن المواد بالإعجاب أثره واضح لا يحتاج إليه لأنه وما شاكله من الرحمة التي هي رقة القلب لا تكون إلا لذي المزاج ولما علم بالضرورة تنزهه عن الأجسام والأعراض علم برؤه من لوازمها فما وقع مما يوهم شيئاً فالمراد لازمه ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيراً فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ:
سأكتم ما ألقاه يا نور ناظري ... من الأجر كيلا يذهب الأجر باطلا
فقد جاءنا عن سيد الخلق أحمد ... ومن كان براً بالعباد وواصلا
بأن الذي في الحب يكتم وجده ... يموت شهيداً في الفراديس نازلا
رواه سويد عن علي بن مسهر ... فما فيه من شك لمن كان عاقلاً
وماذا كثيراً للذي مات مغرماً ... سقيماً عليلاً بالهوى متشاغلا
وألطف من ذلك ما حكاه التاج السبكي في الطبقات الكبرى عن أبي نواس قال مضيت إلى باب أزهر والمحدثون ينتظرون خروجه فما كان إلا أن خرج وجعل يعظهم واحداً بعد واحد حتى التفت إلي فقال ما حاجتك فقلت:
ولقد كنت رويتم ... عن سعيد عن قتادة
عن سعيد بن المسيب ... أن سعد بن عباده
قال من مات محباً ... فله أجر شهاده
فقال أزهر نعم وذكر الحديث ولأبي نواس أيضاً:
حدثنا الخفاف عن وائل ... وخالد الحذاء عن جابر
ومسعر عن بعض أصحابه ... يرفعه الشيخ إلى عامر
وابن جريج عن سعيد وعن ... قتادة الماضي وعن غابر
قالوا جميعاً أيما طفلة ... علقها ذو خلق طاهر
فواصلته ثم دامت له ... على وصال الحافظ الذاكر
كانت لها الجنة مبذولة ... تمرح في مرتعها الزاهر
وأي معشوق جفا عاشقاً ... بعد وصال ناعم ناضر
ففي عذاب الله مثوى له ... بعداً له من ظالم غادر
стр. 6
وفي رستاق الاتفاق في ملح شعراء الآفاق لابن المبارك الامام:
حدثنا سفيان عن جابر ... عن خالد عن سهل الساعدي
يرفعه من مات عشقاً فقد ... استوجب الأجر من الماجد
وأما الآثار فكثيرة لا تكاد تحصى ولكن نورد ألطفها كم هو شأننا فمن ذلك ما روى عن المهدي قال: أشتهي أن أصلي على جنازة عاشق مات في الحب وكان شريح يكثر الجلوس في الطرقات ويقول لعلي أرى صورة حسنة وكان ابن الليث قاضي مصر يكتب في فتياً فسمع جارية تقول:
ترى في الحكومة يا سيدي ... على من تعشق أن يقتلا
فرمى القلم من يده وهو يقول: لا. وعن ابن عباس الهوى إله معبود فقيل له أتقول ذلك فقال نعم أليس الله تعالى يقول أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال العباس بن الأحنف:
ويح المحبين ما أشقى جدودهم ... إن كان مثلي الذي بي للمحبينا
يشقون في هذه الدنيا بعشقهم ... لا يدركون بها دنيا ولا دينا
يرق قلبي لأهل العشق إنهم ... إذا رأوني وما ألقى يرقونا
وله أيضاً:
أيها النادب قوماً هلكوا ... صارت الأرض عليهم طبقا
أندب العشاق لا غيرهم ... إنما الهالك من قد عشقا
وأخرج ابن الحسين الجاذري عن معن بن عيسى قال دخل ابن سجنون على مالك فقال يا إمام اجعلني في حل من أبيات قلتها فيك فقال وقد ظن أنه هجاه أنت في خل من ذلك فأنشد الأبيات بين يديه وهي:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والغنا ... وحب الحسان المعجبات الفوارك
ينبئكم إني مصاب وإنما ... أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والهوى ... أثام وهل في ضمة المتهالك
فضحك وقال لا إن شاء الله وأظرف من ذلك ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن الربيع بن سليمان قال دخل شاب على الشافعي برقعة فوقع فيها بعدما نظر وناوله إياها فتبعته على أنها فتياً أكتبها فإذا هي:
سل العالم المكي هل في تزاوره ... وضم المشتاق الفؤاد جناح
فكتب تحته:
أقول معاذ الله أن يذهب التقي ... تلاصق أكباد بهن جراح
فأنكرت كتابته مثل هذا الشاب وذكرته له فقال أنه هاشمي وقد دخل بعرسه في هذا الشهر يعني رمضان فسأل عن الضم والتقبيل هل يفسدان الصوم فقلت له لا قال الربيع فعاودته فإذا الأمر كذلك فعجبت من فراسته وحكى في الأصل عن ابن حجر قال أخرج أبو نعيم أيضاً عن ابن سيرين أنهم كانوا يعشون بلا ريبة وفي الطبقات الكبرى لابن السبكي وحكاه في الأصل متردداً قال كتب جلال الدولة إلى أبي الطيب الطبري سؤالاً صورته:
يا أيها العالم ماذا ترى ... في عاشق ذاب من الوجد
من حب ظبي أهيف أغيد ... سهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزاً ... في النحر والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبة ... بل بعناق جائز الحد
إن أنت لم تفت فإني إذاً ... أصيح من وجدي واستعدي
فأجابه:
يا أيها السائل إني أرى ... تقبيلك العين مع الخد
يفضي إلى ما بعده فاجتنب ... قبلته بالجد والجهد
فإن من يرتع في روضة ... لا بد أن يجني من الورد
وإن من تحسبه ناسكاً ... لا بد أن يغلب بالوجد
فاستشعر العفة وأعصى الهوى ... يسلم لك الدين مع الود
تغنيك عنه كاعب ناهد ... تضمها بالملك والعقد
تملك منها كلمة تشتهي ... من غير ما فحش ولا رد
هذا جوابي لقتيل الهوى ... فلا تكن بالحق تستعدي
وأخرج الخطيب البغدادي عن الغزي قال رأيت عاشقين اجتمعا فتحدثا من أول الليل إلى الغداة ثم قاما إلى الصلاة وفي معناه أنشد العلامة محمود لنفسه وهو من لزوم ما لا يلزم
لله وقفة عاشقين تلاقيا ... من بعد طول نوى وبعد مزار
يتعاطيان من الغرام مدامة ... زاتهما بعداً من الأوزار
стр. 7
صدقا الغرام فلم يمل طرف إلى ... فحش ولا كف لحل ازار
فتلاقيا وتفرقا وكلاهما ... لم يخش مطعن عائب أوزاري
ومنه ما حكى عن بعضهم قال حكت لي امرأة عن شخص هويها وهويته أنه قال لها يوماً ها لك أن نحقق ما قيل فينا فقالت معاذ الله أن أفعل ذلك وأنا أقرأ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وقيل لأعرابي ليلة تزويج محبوبته أيسرك أن تظفر بها قال نعم قيل فما كنت تصنع بها قال أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في اثمها.
وعن الأصمعي قيل لأعرابي ما تصنع إن ظفرت بمحبوبتك قال امتع عيني من وجهها وسمعي من حديثها واستر منها ما يحرم كشفه إلا عند حله وأنشد ابن القاسم في المعنى وإن كان فيه بعد لأنك تعتبر الحياء من الايمان اللازم للعفة وخوف الله تعالى
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وقد أودى بمعقولي
يأبى الحياء وشيبي أن ألم به ... وخشية اللوم من قال ومن قيل
وأصرح منه في المقصود ما أنشده إبراهيم بن عرفة
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الحسان وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحب لا اتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
وأخرج صاحب الأصل عن سعيد بن عقبة الهمذاني قال لأعرابي حضر مجلسه ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا فقال عذري ورب الكعبة ثم سأله علة ذلك فقال لأن في نسائنا صباحة وفي فتياتنا عفة وأخرجه في الخليفيات أيضاً وفي معناه أنشد حرب
ما أن دعاني الهوى لفاحشة ... ألا عصاني الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يدي ... ولا مشت بي لزلة قدم
هذا ما جاء في الآثار من العشق مع العفة وأما ما يدل على كثرة وقوعه واختصاص قوم بمزيد منه فكثير. فمن ذلك ما أخرجه التنوخي عن عروة بن الزبير قال قلت لعذري أنكم أرق الناس قلوباً يريد أصباهم إلى الحب فقال نعم لقد تركت ثلاثين شاباً خامرهم السل ما بهم داء إلا الحب وقيل لشخص منهم مثله فقال كقوله وزاد لكن غلبتنا بنو عامر بمجونها وفي منازل الأحباب للشهاب محمود ليس حي أصدق في الحب من بني عذرة ولا نضرب الأمثال فيه إلا بهم وقال قلت يوماً أتعدون موتكم في الحب مزية وهو من ضعف البنية وهن العقدة وضيق الرئة فقال أما والله لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالعيون الدعج من تحت الحواجب الزج والشفاه السمر تبسم عن الثنايا الغر كأنها شذر الدر لجعلتموها اللات والعزى وتركتم الإسلام وراء ظهوركم وعن أبي عمرو بن العلاء قال استنطقت إعرابياً عند الكعبة واستنسبته لماذا هو فصيح عذري فسألته هل علقه الحب فأنبأ عن شدة ولوع فسألته ما قال في ذلك فأنشد
تتبعن مرمى الوحش حتى رميتنا ... من النبل لا بالطائشات المخاطف
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجباً للقاتلات الضعائف
وللعين ملهى في البلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الظرائف
وقال بعض حكماء الهند ما علق العشق بأحد عندنا إلا وعزينا أهله فيه. وحكى الحافظ مغلطاي أن العشق يختلف باختلاف أصحابه قال الغرام أشد ما يكون مع الفراغ وتكرار التردد إلى المعشوق والعجز عن الوصول إليه فعلى هذا يكون أخف الناس عشقاً الملوك ثم من دونهم لاشتغالهم بتدبير الملك وقدرتهم على مرادهم ولكن قد يتذللون للمحبوب لما في ذلك من مزيد اللذة كقول الحكم بن هشام
ظل من فرط حبه مملوكاً ... ولقد كان قبل ذاك مليكا
تركته جآذر القصر صباً ... مستهاماً على الصعيد تريكا
يجعل الخد واضعاً تحت ترب ... للذي يجعل الحرير أريكا
هكذا يحسن التذلل بالحرّ ... إذا كان في الهوى مملوكا
وقول الرشيد أيضاً
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطعيهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني
стр. 8
وقال ابن الأحمر سلطان الأندلس
أيا ربة الخدر التي أذهبت نسكي ... على كل حال أنت لا بد لي منك
فأما بذل وهو أليق بالهوى ... وأما بعز وهو أليق بالملك
وقال ابن طاهر صاحب خراسان
فإني وإن حنت إليك ضمائري ... فما قدر حبي أن يذلك له قدري
ودونهم أفرغ لقلة الاشتغال حتى يكون المتفرغ له بالذات أهل البادية لعدم اشتغالهم بعوائق ومن ثم هم أكثر الناس موتاً به. ثم أعلم أن العشق متى استولى لم يبق صفة سواه ولذلك يذهب الأخلاق العسرة وقوة النفس وفي معنى ذلك أنشد بعضهم حيث قال في رسالة أرسلها إلى محبوبته
شكوت فقالت كل هذا تبرم ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فما كتمت الحب قالت لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
وأدنو فتعصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
ومنهم من تحمله الأنفة على أن يفارق بعد إظهار شدة شوق وقوة ميل وكذا شدة الإقبال من المحبوب فيتوهم حيث تشيع نفسه أن الشوق لا يعاوده فيفارق ويعود ذلك عليه بتلف نفسه والحق أن ذلك كله مع عدم التمكن وهو الموسوم بالاشراك وإلا فالصدق منه لا يرى وجوداً لسوى المحبوب ومن ثم طعن على من يرى الدنيا مثالاً لمحبوبه أو يظن وجوده ودونوا ما صدر عمن بدأ بالسلوان ثم ندم فمن ألطف ما قيل في ذلك قول الهذلي
ويمنعني من بعض إظهار ظلمها ... إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت إذا بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر
وإني لا أدري إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر
وقال ابن الجهم
نوب الزمان كثيرة وأشدها ... شمل تحكم فيه يوم فراق
يا قلب لم عرضت نفسك للهوى ... أو ما رأيت مصارع العشاق
فصل في الترغيب في العشق والحث عليه
قيل أن بهرام جور لم يرزق سوى ولد فأخذ في ترشيحه للملك وهو ساقط الهمة إلى أن اتفق المعلمون من الحكماء وغيره على أن لا نافع له غير العشق فسلط عليه الجواري يعبثن به إلى أن علق بواحدة منهن فأمرها الملك بالتجني عليه وإنها لا تطلب إلا رفيع الهمة ذا رغبة في العلم والملك فكان بسبب ذلك من أجل ملوك الفرس وأعلمها وفي المعنى قال ابن الأحنف:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق
وقال بعضهم:
وما سرني إني خليّ من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق إلى غرب
وقال ابن أبي كثير لابن أبي الزرقاء هل عشقت حتى تكاتب وتراسل فقال لا قال لن تفلح والله أبداً وأنشد الشعبي:
إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء
وعجزه غيره فقال:
فكن حجراً من يابس الصخر جلدا
وأنشد ابن معاذ:
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... خليلاً ولم ينظر إليك حبيب
وقالت امرأة فيه أيضاً:
رأيت الهوي حلواً إذا اجتمع الشمل ... ومرا على الهجران لا بل هو القتل
ومن لم يذق للهجر طعماً فإنه ... إذا ذاق طعم الحب لم يدر ما الوصل
وقد ذقت طعميه على القرب والنوي ... فأبعده قتل وأقربه خبل
فصل في رسومه وحدوده
وما جاء عن الحكماء وغيرهم في ذلك
стр. 9
قال بعضهم العشق مجهول لا يعرف ومعروف لا يجهل هزله جد وجده هزل وهذا في الحقيقة تعريف بالعوارض غير اللازمة واشارات إلى اختلاف الحالات الكائنة عنه فإن الجهل يعتري العشاق عند تزايد الحب فيوجب الحيرة في الأمر وعكسه عند انفصاله عن المخيلة والهزل مباديه والجد تمكنه ونحوه ما أجاب ابن أكتم به وقد سأله المأمون ما العشق فقال سوانح للمرء تؤثرها النفس ويهيم بها القلب فقال له ثمامة إنما شأنك أن تفتي في مسئلة طلاق أو محرم فقال المأمون قل يا ثمامة فقال العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب مالك وملك قاهر مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جائرة ملك الأبدان وأرواحها والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها وأعطى عنان طاعتها وقياد ملكها وقوى تصرفها توارى على الأبصار مدخله وغمض في القلوب ملكه فقال له المأمون أحسنت يا ثمامة وأمر له بألف دينار.
وفي رواية أنه قال له إذا امتزجت جواهر النفس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضيء به بواصر العقل ويتصور من ذلك اللوامح نور خاص بالنفس متصل بجواهرها يسعى عشقاً أقول وهذا تعريف له بحقائقه ومواده الذاتية والأول تعريف بالعوارض والغايات وهذا بالحكمة أليق وإيضاحه نور البصر يوصل ما يدركه إلى المشترك وهو إلى الواهمة حتى يرتسم في القوة العاقلة المعروفة بالنفس الناطقة فقوله بوصل المشاكلة يريدان النظر الواقع عن تأمل عارف بتأمل المحاسن ودقائق لطيف الشمائل يوجب ارتسام أنوار في النفس تشبه الجواهر المجردة تزدوج بالنفس لاتحاد بينهما في اللطف والصفاء وهذا دليل على أن العشق لا يتصور من جاهل غليظ الطبع ووصفه بعض البلغاء بأنه فضيلة تنتج الحيلة وتشجع الجبان وتسخي كف البخيل وتصفي ذهن الغبي وتطلق بالشعر لسان الأعجم وتبعث حزم العاجز الضعيف وهو عزيز يذل له عز الملوك وتضرع له صولة الشجاع وهو داعية للأدب وأول باب تفتق به الأذهان والفطن ويستخرج به دقائق المكايد والحيل وإليه تستريح الهمم وتسكن به فواتر الأخلاق والشيم يمتع جليسه ويؤنس أليف وله سرور يجول في النفوس وفرح يسكن في القلوب وقال سعيد بن سالم وقد قيل له أن ابنك شرع في الرقيق من الشعر فقال دعوه ينظف ويلطف ويظرف يعني أنه يطلع من رقيق العشر على أسرار البلغاء وليس أرق من الغزل ولا أدق لما فيه من تعلق العشق ومدح المحبوب وذلك يؤدي إلى ما ذكر فإن العاشق إذا علم ما يقربه إلى محبوبه بذلك فيه إمكانه والظرافة واللطافة والنظافة أعظم مقرب فكأنه قال دعوه لعله يتصف بالعشق ولولا الجمل على ذلك لم يصلح سوق هذا هنا لأنه على ظاهره ترغيب في مطلب الشعر فليتأمل ونقل ابن خلكان في ترجمة العلاف ما ملخصه أن العشق جرعة من حياض الموت وبقعة من رياض الثكل لكنه لا يكون إلا عن أريحية في الطبع ولطافة في الشمائل وجود لا يتفق معه منع وميل لا ينفع فيه عذل وفي معنى شدة العشق أنشد المؤمل:
شق المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر
وعرفه أرسطو بأنه جهل عارض صادف قلباً فارغاً دق عن الأفهام مسلكه وخفي عن الأبصار موضعه وحارت العقول في كيفية تمكنه غير ابتداء حركته وعظم سلطانه من القلب ثم يتغشى على سائر الأعضاء فيبدي الرعدة في الأطراف والصفرة في الأبدان واللجلجة في الكلام والضعف في الرأي والزلل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى الجنون زادت إعرابية يذهب العقل وينحل الجسم ويهمل الدمع بحدوده مرور الأيام ولا تفسده بل لا تغيره إساءة المحبوب على الدوام ومن ثم قال الأصمعي وقد سأله الرشيد ما حقيقة العشق فقال أنه شيء يستغرق القلب في محاسن المحبوب ويذهله عن مساويه فيجد رائحة البصل من المحبوب أعظم من المسك والعنبر وتعاقب امرأتان من أهل المدينة فيا لهوى فقالت إحداهما تعذل الأخرى ذكروا في الحكمة لا تلم من أساء بك الظن إذا جعلت نفسك غرضاً للتهمة ومن لم يكن عوناً على نفسه من خصمه لم يكن عنده شيء من عقدة الرأي ومن قدم على الهوى وهو يعلم ما فيه من المتعبة سلط على نفسه لسان العذل وضيع الحزم فقالت المعدولة ليس الهوى إلى الرأي فيملكه ولا إلى العقل فيدركه أما سمعت قول الشاعر
стр. 10
ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبئك عنه مثل خبير
ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتفكير
إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور
وقيل هي لعلية بنت المهدي حكاه الصولي ووجد على صخرة العشق ملك غشوم مسلط ظلوم دانت له القلوب وانقادت له الألباب وخضعت له النفوس فالعقل أسيره والنظر رسوله واللحظ حامله والتفكر جاسوسه والشغف حاجبه والهيمان نائبه بحر مستقره غامض ويم تياره طافح وفائض وهو دقيق المسلك عسير المخرج وضرب بعض الحكماء مثلاً للشهوة والعشق فقال هما كالنحل يستميل القلوب بحلاوة عسله وربما قتل بسمعه وذلك لأن الإنسان أما ذو عقل ملكي يتعقل الأشياء فينزجر أو نفس شهوانية ترى اللذات فتنهمك ومن ثم إذا وقع عن صدق جعل المتحابين كنفس واحدة.
حكي الغنوي قال دعيت إلى عيادة مريض أحبه آخر فدخلنا عليهما والمحب الصحيح يذب عنه فكان إذا شكا المريض شيئاً شكا الآخر مثله فقدر أن قضى ونحن عنده فحال مفارقة نفسه فارق الصحيح نفسه ومثله ما حكاه في ذيل الأمالي عن التميمي أن أخوين من امرأة يقال لهما فضل وفضيل قضى أحدهما فلما دفن طأطأ الآخر ينظره فلما سوي عليه اللبن أنشد
سأبكيك لا مستقصياً فيض عبرة ... ولا مبتغ بالصبر عاقبة الصبر
ثم عاد فلزم المنزل حتى قضى من الغد
فصل في بيان مراتبه
وما ورد في كيفية ترقيه حتى يستولي على الحواس النفسية ويستغرق القوى الحسية ويملك العقل والبدن ويورث الذل والمحن ويسهل الوقوع في المهالك ويغري على سلوك أوعر المسالك أعلم أنه ألطف موجود نشأ في الوجود كما حققناه وحيث هو كذلك فتعلقه لا يبد وأن يشاكله لاحتياج كل اثنين تألفاً إلى نسبة تأليفية ولا شبهة أن الروح ألطف ما في البدن فلذلك كان العشق أول ما يتشبث بها فهذا دليل على أنه يقابل الأمراض كلها ومن ثم قال المعلم العشق نصف الأمراض وشطر الأعراض وقسيم الأسقام وجل الآلام وهذا واضح لأن الروح ولا شك أن سريان اللطيف في اللطيف أسرع ملاكاً وأعظم استملاكاً ويليه اللطيف في الكثيف كالحمى في البدن ثم الكثيف في الكثيف كالفالج فيه فعلى هذا يتجه كلام المعلم بل أقول أن العشق غالب الأمراض وليست بالنسبة إليه إلا كالعشر إلى الكل والقطرة إلى البحر وبرهانه أن الأمراض غالباً تخص البدن وإنما اشتغال الروح حينئذ بالتدبير والأفهى في نفسها صحيحة وأما العشق فعاقبته إفساد البدن وتعطيل الفكر وإلحاق العقلاء بأهل الجنون ثم مرتبته الثانية تتولد عن تكرار نظر أو سماع خطاب يتعقل له في الذهن معن يكون لحديد القلوب مغناطيسياً جاذباً ولأنظارها السفسطية برهاناً غالياً ويسمى حينئذ العشق الحسي وقال فيثاغورس لا يسمى حسياً إلا إذا تولد عن مباشرة الحس وهذا عندي ليس بشرط وإن اشترط ففي حق البلداء من الناس ومن في حواسهم الباطنة ضعف وإلا فأحد الحاستين الأصليتين كاف في إيصاله إلى الحس المشترك ثم مرتبته الثالثة الخيالية وهي عبارة عن استيعابه التخيل حتى لم يبق للعاشق تخيل إلا صورة المعشوق وإن شارك الناس في الأمور الظاهرة.
كانت تلك المشاركة غير تامة وعلاماتها غلبة السهو ونقص الأفعال والاحتياج إلى محرك باعث ثم مرتبته الرابعة مرتبة الحفظ وهي الاستيلاء على الاستيلاء على الحفظ فتصرف القوة عن تحصيل كل كمال والنظر إلى كل جمال وهذا هو العشق الذي يرى صاحبه الميل إلى سوى المحبوب إشراكاً والفكر في غيره ضياعاً وأشغل الزمان بما سواه فساداً وخروجاً وإليه أشار الفارضي بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردتي
فتعبيره بالسهو إشارة إلى تقصي المراتب واستيفاء الشروط وكأنه يقول من المعلوم أن السهر لا يحدث إلا من كثرة الواردات ولم يبق على قلبي وارداً سواك فكيف أسهو ومن ثم أشار بعد ذلك إلى طرح المراد وإماطة العلائق واتحاد الطالب مع المطلوب وعدم الأثنينية بقوله:
وكل الذي ترضاه والموت دونه ... به أنا راض والصبابة أرضت
بعد أن كان قبل الوصول إلى هذه المرتبة قد أثبت لنفسه مراداً حيث قال:
وعيدك لي وعد وإنجازه مني ... ولىّ بغير البعد أن يرم يثبت
стр. 11
ثم الخامسة مرتبة الاستغراق وهي استيلاء الاشتغال بالمحبوب على النفس الناطقة بأسرها وارتسام صورة المحبوب في مرآة العاقلة وحدها مع محو ما سواها وإلى ذلك أشار العارف المذكور بقوله:
ولا غرو إن صلى الأنام إلى أن ... ثوت بفؤادي فهي قبلة قبلتي
وقوله:
ووجدي بها ما حيّ والفقد مثبتي
يعني إن وجدي الصحيح بالمحبوبة محاني أي صورتي التي كانت مع العالم الدنيوي فكأن فقدي لها هو الذي أثبتني وهذه المرتبة على الأصح من كلام كثير هي أول المراتب التي يقع ببلوغها اليأس من الانتفاع بالعلاج الذي ذكرته الأطباء كالنظر في الحساب والمحاورات وتذكر مساوىء المحبوب والنظر إلى أمثاله وما يقاربه إلى غير ذلك مما هو مقرر في مواضعه السادسة مرتبة الانقلاب وهي مرتبة ينقلب فيها ادراك العاشق في سائر آلاته فيصير إذا لمس الحجر أو ذاق الصبر أو سمع الإيذاء أو رأى شيئاً كالجيفة أو شم رائحتها فضلاً عن أضداد ذلك يعتقده المحبوب وربما تجرد عن صورته فشاهدها المحبوب وإليه أشار بقوله:
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ... ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وهذه المرتبة مع العناية والاخلاص تنقل قدسية إذا كانت النفس الناطقة قبل ذلك قد تخلصت بالكمالات عن البهيمية وإلا ألحقت صاحبها بالحيوانات وعنها عبرت الأطباء بألمانيا والسرسام والسهر السباتي والماليخوليا.
والسابعة مرتبة العدم الكلي والمفارقة الأبدية وهي التي إذا بلغتها النفس لم تستقر في البدن وربما كانت مفارقتها بتذكر أو سماع ذكر أو تنفس صعداء أوامر من المحبوب وحاصلها أن يصير الموت أعظم أمنية للنفس كما أشار إليه بقوله:
فموتي بها وجدا حياة هنيئة ... وإن لم أمت بالحب عشت بغصتي
وقد صرت أرجو ما يخاف فاسعدي ... به روح ميت للحياة استعدت
إلى غير ذلك ما لو منح الله تعالى شخصاً مدداً يستغرق المدد وحياة تستفرغ الأبد وفراغاً يذر الشواغل سدى ونفحات قدسية تصقل مرآة عقله لقبوله الفيض أبداً وأفرغ ذلك كله في تحرير ما أودعه عارف الزمان وسلطان الآفاق وفرد دائرة الأكوان وجامع فضائل العشاق سيدي عمر بن الفارض أعاد الله علينا وعلى المسلمين من فواضل بركاته وفضائل نفحاته من مراتب العشق وأدواره وتنقلاته وأطواره لغني الزمان ولم يدرك معشاره وبادت الأكوان ولم يعرف قراره ولولا ضيق هذا المختصر لأوضحت لك من بعض عجائب تدقيقاته في أقل أبياته وكلماته ما يدعك في حيرة الفكر وبحار التعجب غارقاً ويسكتك وإن كنت مصقاعاً ناطقاً ومن ثم قيل المحبوب خير من الحياة والمكروه بالطبع شر من الموت لتمنى كل عند حصول ذلك أما ما نقل عنه في بيان مراتبه خصوصاً ما ذكره هنا فليس بالجيد إذ بالبعض دال على الأسماء والبعض على الماهية والبعض على السبب فلم يحققه غيرنا أحد فاحفظ مقادير ما ظفرت به وها أنا أبين لك عدم انطباق ما ذكروه على المطلوب قال ابن صاعد في طبقات الأمم عن فيثاغورس صاحب سليمان نبي الله ﵇ العشق طمع يتولد في القلب يعني عن النظر ثم ينمو ويحدث اللجاج والاحتراق حتى أن الدم يهرب عند ذكر المحبوب وقد يموت من شهقة أو برؤية المحبوب بغتة وربما اختنقت الروح من نحو ذلك فدفن ولم يمت وفي سيرة الاسكندر أن هذا لابقراط زاد التميمي في كتاب امتزاج النفوس عن جالينوس إن العشق من فعل النفس وذلك كامن في الأعضاء الرئيسية فمتى تمكن أفسدها وهذا كله إشارة إلى المراتب إجمالاً وفي كتاب المتيمين نظر رجل إلى معشوقته فغشى عليه فقال حكيم إنه من انفراج قلبه اضطرب جسمه فقيل له ما بالنا لا نكون كذلك عند النظر إلى أهلنا فقال محبة الأهل قلبية وهذه روحانية فهي أدق وألطف وأعظم سرياناً وفعلاً وقال أفلاطون العشق غزيرة تتولد عن الطمع زاد المعلم وهو يحدث عمى القلب عن عيوب المعشوق وبه جاءت السنة حيث قال حبك للشيء يعمي ويصم رواه أبو داود وأحمد وأنشد فيه
فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت رائيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
стр. 12
ورأيت في نسخة، ولا بعض ما فيه إذا كنت راضياً، وهي أليق بتحسين الكلام لما فيها من المقابلة وفي أخرى، ولا بعض ما فيه وإن كنت رائياً، وهذا أليق بالمقام وألطف وأحسن دلالة على المقصود فيه من دفع التوهم من كونه ضعيف النظر فإنه يقول لا أرى له عيباً مع إني صحيح النظر فهذا على حد قوله:
فوالله ما أدري وإن كنت دراياً ... بسبع رمين الجمر أم بثمان
وقال السكري وابن أبي طاهر في المنثور والمنظوم وأبو عبيد البكري في كتابه اللآلي في شرح الآمالي أن اليقين لجرير بن الخطفي وقال السمعاني هما لعلي والأول أصح قال الحاتمي وقد سرق ابن عبد الأعلى هذا المعنى حيث قال:
وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخ الرضى عن ذاك تعمي
وأما الشيخ فقد حده بأنه مرض يشبه الماليخوليا تولده الفكرة من استحسان الصور والشمائل ولا يشترط اقترانه بشهوة جماع وقالت إعرابية العشق جل أن يرى وخفي عن الورى فهو كامن في الصدور كالنار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى وهذا حد له بحقيقته في النفس ويؤيد عدم اشتراط الشهوة فيه والحسن قول بعضهم:
وما الحب من حسن ولا من سماحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف
وعلامة ما يكون منه عن شهوة فقط زواله إذا زالت لأنه عرض وأما الكائن عن مشاكلة في النفس وارتسام في الذهن فحد لا يزول ومتى صح ارتسم عند كل من المتحابين ما عند الآخر لصفاء جوهر النفس وخلوها للمحبوب وقد تكون العوارض المذكورة سبباً لانقلابه إلى الحد الأصلي كما ستجده وأما نحو الرسيس والحب وغيرهما فأسماء اقترحتها الشعراء للتغزل والتشبيب لا تنطبق في الحقيقة على ما ذكرنا لكن وربما كان لبعض منها مسيس مناسبة فالرسيس من الرس وهو الثبات ورسوخ صورة المحبوب في النفس وزعموا أنه أول المراتب ولا ينطبق على المعنى اللغوي ويليه الحب وهو في الحقيقة أول الإلفة واشتق من حبة القلب أو من حباب الماء أو من حب البعير إذا برك أو من حبب الأسنان وهو بياضها وحدت المحبة بالميل الدائم بالقلب الهائم أو قيام للمحبوب بما يحب وعدم مشاركة شيء معه وفيه أنشد المتنبي:
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
وأنشد بعضهم:
ومن عجب إني أحسن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وألطف منه قوله:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
والحب أخص من العشق لأنه عن أول نظرة وأقصاه امتزاج الأرواح والرأفة أشد لأنها مبالغة في الرحمة قال الحراني هي أرق الرحمة والرحمة أعم لوقوعها على غير ذي صلة بخلاف الرأفة ويقرب من الحب الودأ وخالصه فيكون من الحب كالرأفة من الرحمة وفي معناه المقة والتتيم حالة يملك بها المعشوق العاشق فإذا زاد فهو الوله أعني الخروج عن حد الترتيب وأنشد في المعنى:
الحب أوله ميل يهيم به ... قلب المحب فيلقي الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت ... أو مزحة أشعلت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحة فإذا ... تضرمت أحرقت مستجمع الحطب
وأنشد أيضاً:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... كذا حب تملاق وحب هو القتل
стр. 13
والشجو هو الحزن والطرب أيضاً ضده ويطلق على القهر والغلبة وهو هنا عشق يقترن بالهم كما في ديوان الصبابة والخلة هي تمام المحبة سواء كانت بلا علة وهي الصداقة أو بها وهي فرط العشق الذي لا يخالطه غيره أخذت من الخلو أو التخلي فكان القلب لما تخلى للمحبوب دون غيره اتصف بها والعلاقة وهي في الصحيح اسم لمبادىء المحبة أخذت من علق بالتحريك أي حب وكسحاب الهوى وبهاء ويجوز أن يراد بها شدة اختلاط القلب بالحب ويقرب منها الغرام وهو أشد لأنه ولع واشتغال بالحب والهوى مطلق الميل والارادة ويطلق على ذهاب العقل في العشق وعلى نفس المحبوبة وأما العشق فأعم منها وقيل أخص وهو إعجاب بالحب أو افراط فيه وأخذ من العاشقة وهي شجرة تعلق وتلصق بما يليها وهي اللباب ومن ثم تسميه العامة عاشق الشجر والغمرة سكر القلب يتذاكر الحب واشتغاله به والشغف شدته مأخوذ من شغاف القلب أي غلافه أو سويدائه وبالمهملة رأس القلب مما يلي نياطه ويؤنث كأن النوع من الحب المجعول هذا الاسم علماً عليه قد بلغ هذا المحل والمراد من القلب هنا أمر معنوي في الانسان والشكل المعلوم وعنه ينتج الوله ثم الهيام وأما الاستكانة فالخضوع أوثق ينزع النفس من البدن إلى لقاء الحب ومن ثم قد يقتل عند الرؤية والشوق أرفع وهل يزيده الوصل أو ينقصه خلاف واستدل للأول بقول الشاعر.
وأعظم ما يكون الشوق يوماً ... إذ أدنت الخيام من الخيام
وللثاني بقوله
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالاياب المسافر
والأصح أنه إن كان لمجرد شهوة تنقص بقضائها بل ربما عدم وإلا كان كلفاً لا تكلفاً وطبعاً لا تطبعاً وميلاً نفسانياً أنشأته المشاكلة فلا يزيده الوصل إلا رسوخاً على أنه لا دليل في الثاني على الدعوى لعدم ذكر الشوق في الشعر لأنه ذكر استقرار النوى وهو البعد الذي هو أعم فيجوز تفسيره بفرد غير الشوق على أن المحققين أجمعوا على الشوق حال الغيبة يغاير الشوق حال الحضور كما أنشد ابن الرومي في ذلك.
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني
وألثم فاهاً كي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقي من الهيماني
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن ترى الروحين يمتزجان
وأما الصبوة فلا تطلق حقيقة إلا على الميل والافتتان الواقعين زمن الصبا لكن تطلق تجوزاً على مطلق الميل للمشابهة والنزوع والاشتياق كالصبابة أو هي رقة وحرارة في الشوق والوجد شدتها والكلف الاستغراق والاشتغال وبالكسر العاشق نفسه والشجن الهم والكرب تحمل النفس كل مشقة متعلقها الحب والكآبة شدة الحزن كالتفجع أو هو توجع وبكاء على الفقد والبرح والغل شدة العشق أو الغل من الغلل يعني العطش والجامع ميل النفس والحنين شوق ممزوج برقة وكلف وتذكر يهيج الباعثة والبلبال شدة الشوق والجوى ضيق الصدر وكتم الهوى والأرق والسهد شدة السهر وتواتر أحوال المحبوب على القلب وفي معناه التحرق واللذع والولع وكذا اللوعة واللاعج وأما الوصب والنصب فلوعة مع مرض وغم وكذا الكمد والدنف شدته قيل مع صفرة أو الكمد تغير إلى سواد والدنف إلى صفرة وهو مولد والتبل والخبل الجنون وهذا في الأصح آخر المراتب والجزع عدم الصبر على الفرقة والهلع أشده والدله بالمهملة احتراق القلب بنار الحب والخلابة سلب العقل والهيام مجرد الحب أو هو السياحة فيه والبله حمق أو غفلة فيكون هنا استغراقاً في الحب فهذه حقيقة أسمائه التي جعلها مراتبه وليست إلا باعتبار صفة أو أول أو تسمية جزءاً وسبب بكل أو مسبب وعكس ذلك وإنما المراتب ما قررناه وفي ترتيب هذه الأسماء خلاف يرد على من التزم ترتيبها ونحن قد أوضحنا نفس المعاني ومنها يسهل الترتيب والتنزيل على المراتب فتأمله.
فصل فيما ذكر له من العلامات
стр. 14
وهي أحوال يتصف بها البدن كتغير الألوان والعينين وتواتر النبض والخفقان وربما ازدادت هذه عند رؤية المحبوب أو سماع ذكره حتى إنها قد تقضي بالهلاك وكذا اعتقال اللسان وأحوال يتصف بها الفكر كفساد الذهن والتعقل وقد مر ثم هذه قد يستدل عليها بالتطور والتنقل قيل أتى بشاب إلى طبيب فلما تأمله لم يجد به ألماً فقال وهو قابض على نبضه لغلامه قد أخذني البرد فأتني بالفرجية فتغير نبض الشاب تحت يده فقال لأمه أن هذا عاشق امرأة اسمها فرجية فقال وهو كذلك وأنشد.
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشواق الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
وفي معناه محبة كل ما ينسب إلى المحبوب حتى الجدار وفيه قيل.
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وأبلغ من ذلك هجر ما كان عليه زمن الوصل زمن الفرقة من نحو ملبس ومأكل والاستلذاذ بتقبيل النعل قال ابن أبي حجلة وقد رأيت من فعل ذلك وعنفته فادعى في ذلك لذة عظيمة فقلت له بعدها وقد رأيته بمكة كيف على ما أعلم فيك فأنشد يقول:
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب
أقول وفيه تظرف عظيم حيث جعل حصة الله منه نصفاً وعدد المقابل وهو دليل مزيد الاشتغال بالله حيث لم يجعل المقاسم واحداً خصوصاً واللهو في شعره أعم من أن يكون بالمحبوب وغيره وأما التشبه بالمحبوب في سائر الأفعال والأقوال والميل إلى ما يحبه والاستلذاذ باستعمال ما كان من أثره فأمر معلوم لا يجهل ومطلوب بين العشاق حتى قيل أن شخصاً وجد في تركته إثنا عشر حملاً وفردة من السراويل لكونه رأى ميل محبوبه إليها وآخر ألف هاون لسماع صوت هاون محبوبته وأما اتحاد الأجساد والمرض حيث يمرض فكثير قيل مرض أبو نواس ولم يعلم سبب مرضه حتى عاده شخص فأخبره بمرض عنان جارية الناطفي وأنها نشطت فكتب إليها:
إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى يحدث عوادي بشكواك
فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا لحماك
وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك
حتى قد اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك
وفي معناه أنشد:
وقف الهوى بي وحيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوّم
ويقرب من هذا قول الشافعي:
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه
إذا تقرر هذا فليكن الأخف منه كالغيرة وبذل النفس وترك ما سوى المحبوب بالطريق الأولى وكذا نظائرها كاستحلاء ما يتعلق به من نحو حديث وملبوس رؤية ما ينسب إليه ويقوله حسناً صحيحاً وإن كان بالخلاف ولم ينسب نحو هذا إلى المبالغة عند العشاق للاتيان بأعظم منه كما سمعت قال الزراع ودع هندي جارية كان يهواها فذرفت إحدى عينيه فغمض الأخرى عن الملاذ عقوبة لها أربعاً وستين سنة حتى مات.
وأما حصول العشق برؤية في النوم أو بالأثر أو بالسماع أو بالكلام أو الوصف أو اللمس أو بأول نظرة أو بالمطاولة والمعاشرة وزيادته بالبعد لقوم والقرب لآخرين فبحسب الأمزجة وقد أسلفت في طالعة الكتاب تفصيل ذلك وقبول المزاج سرعة الانتقاش والفرق بين لطافة المزاج وكثافته ونحو ذلك مما ينبئك على تعليل هذا فليراجع وقد ظهر لي في ذلك أن الناس أما ناظرون بلا حجب أو بها أما من العاشق والمعشوق معاً أو من أحدهما فقط وتختلف الحجب لطفاً وصفاء معكسهما فهذه أسباب الاختلاف وإن كانت لأهل الحقيقة بالذات.
الباب الأول
فيمن استشهد من المحبين شوقاً إلى حضرة رب العالمين
стр. 15
لما كان غاية المحبة أما وصولاً إلى المطلوبات الدنيوية أو الأخروية ومبدؤها من الحواس الظاهرة غالباً والباطنة ومطالبها العالية ومقاصدها الذاتية وأما اشتغال عن الحق بخيالات وهمية تنتقش في العقل من الخلق أو ميل نفسي إلى المبدع باستيحاش ممن سواه لا جرم قسمت المحبة قسمين أشرفها متعلقاً الثوابي وهو الحب في الله لأنه لا يفني متعلقه ولا تكيف غايته ولا يفضله شيء في الحقيقة إذ ما سواه وهام وتضمحل وتزول وأعراض تفني وتحول ولا شبهة في أن إدخار ما لا يتطرق إليه تغير ولا فناء أولى في الحكمة عند العقلاء فلذلك صدرت به الأبواب ومدار ما يذكر هنا في الأصل على ذكر من أنفى نفسه في طاعة ربه وأكثر اغترافه من الحلية لأبي نعيم إذا تقرر هذا فحد المحبة كما قال الحصري وصول إلى مقام الأنس والنعمة باطناً والوحشة والبلاء ظاهراً بشرط الإشراف على الغيوب وفناء الكل في بقاء المحبوب وهذا تعريف لها بحسب الغاية الخاصة وكان عليه أن يورد التعريف التام العام أولاً ثم يفصل وقال الاستاذ أبو يزيد البسطامي هي استهلاك النفسانية مع بقاء الروحانية وهذا عندي قريب من الأول غير أن بعض شراح النصوص قال أن فيه تعريفاً بالمادة وأظنه أخذ ذلك من قوله استهلاك وفيه تكلف ونقل الحدين البحراني في شرح التائية على قول الاستاذ فقالت هوى غيري قصدت وأقرهما وأحسن منهما ما نقل عن شيخ الطريقة الجنيد ﵁ وقد سئل ما المحبة فقال هي الصفاء في الباطن مع حقائق الحق والوفاء في الظاهر مع استعمال دقائق الشرع فهذا والله هو الحد التام وإن كان إلى الخاص أميل فإن قوله الصفاء في الباطن يريد به الخلوة الحقيقية التي هي قفل أبواب الحواس عن ممارسة الخلق ونشر القلب بالاستكانة والخضوع على أعتاب الحق ونفي الكدورات الحسية عن الحواس النفسية لإلحاقها بالحضرة القدسية وذلك غير تام قبل نفي العوائق وقطع العلائق والخروج من شوائب الخلائق ليتحقق الصفاء والتخلق بتلك الحقائق
هناك وجدت الكائنات تحالفت ... على أنها والعون مني معينتي
حيث انتفت معاندات الأغيار وتحققت ممازجات الأخيار حتى انتقشت المطلوبات الحقية في مرآت الصورة الخلقية وانبسطت أشعة الأحوال البسطية حيث انتفت الكدورات الوحشية.
فلم تهوني ما لم تكن في فانياً ... لم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وقوله والوفاء في الظاهر يعني لكل معاهد بعهده وموعود بوعده وضال برده ومتغفل بتنبيهه وتقوية جده لأن العارض المتصف بما ذكر خليفة الله على خلقه ينفذ فيهم أوامره ويقيم شرائعه فإن فعل ذلك ظاهراً وباطناً فهو النبي وخلفاؤه ومن فعله على الأول فهم السلاطين أو على الثاني فهم الأفراد الأقطاب جوامع الأسرار ومعادن الحقائق والاستبصار علماء أمتى كأنبياء بني إسرائيل وورثة الأنبياء
فعالمنا منهم نبى ومن دعا ... إلى الحق منا قام بالرسلية
وأما قوله استعمال دقائق الشرع فإشارة إلى معنى لا يدركه إلا الخواص وإن غاص عليه من غاص فإن فيه إشارة إلى حفظ الكليات التي عليها مدار النظام واستقصاء الجزئيات التي قصر عنها الكلام واجتهاد النفس في جمع ما تفرقت فيه الآراء وتشعبت إليه الأهواء بيد أن ذلك قباء لم يخط على كل ذي قد وأشكال أقيسة فكر لم يستخلصها كل ذي جد اللهم حققنا بحقائق معارفك وأرفعنا من حضيض زوايا الخمول إلى أوج استقامة لطائفك وأنقل أنفسنا من مراكز عكس الصعود إلى أشرف منازل السعود وأما قول بعضهم وينسب إلى ذي النون المصري المحبة أرق بلا رقاد وجسم بلا فؤاد وتهتك في العباد وتشتت عن البلاد فتعريف بصورة الحالة الراهنة من المحبة بعد قطع الطرق فإن الأرق الذي هو السهر من الفكر في الأمور الطارئة على النفس لا يكون إلا بعد تمكن تلك الأمور في الذهن وإن الجسم لا يكون بلا فؤاد إلا إذا فني فهي كناية عن عدم الالتفات إلى ما من شأنه أن يدرك القلب مما سوى الموجود المطلق بقرينة المقام وفيه تكلف وخلط لحالة المجانين بأحوال المحبين وباقي الكلام ظاهر وعندي أن المحبة ميل نفساني إلى المراد يعضده الجزم بالاعتقاد ورؤية ما سوي المطلوب من الفساد وفي الدين ارتداد وإليه أشار عارف الوقت والحقيقة وسلطان عشاق الخليقة بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردتي
стр. 16
فقولنا ميل كالجنس ونفساني كالفصل وإلى المراد فصل قريب ولذلك أخره وهذا هو فعل المادة والصورة والجزم في الاعتقاد بالفاعلية وغاية ذلك الثبات على الحب حيث ثبت أن ما سواه فساد فقد جمع هذا الحد مطرداً ومنعكساً أحوال المحبة على وجه العموم فمن أراد تخصيصه فبالفصول اللائقة ثم لهذه المحبة أوصاف وشروط منها أن لا يبالي المحب بما يرد من المحبوب وأن يؤثر رضاه على نفسه فيتلذذ فيه بالبلاء كالعطاء وبالغيبة كالحضور والهجر كالوصل والفناء كالبقاء إذا كان ذلك رضا المحبوب قال العارف:
فكل الذي ترضاه والموت دونه ... به أنا راض والصبابة أرضت
فانظر إلى هذا الاستاذ كيف أوضح طرق السلوك للسالك ودل على المطالب والمسالك وأوضح مرقاة الوصول للدارج ونكب عن المعارج إلى أسنى المعارج حيث قال: نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي، لأن الزمان المذكور محل الميل إلى مرادات النفس وشهواتها ففي البيت مع الجناس التام واستيفاء مادة الكلام تحرير أحوال الغرام بأقصى المراد ثم أكد ما أسس وأبدع ما جنس وقوى جزئي الميل حتى صار كلياً بما وشح من بديع نظامه وأنق من لطيف كلامه بقوله:
محجبة بين الأسنة والظبا ... إليها انثنت ألبابنا إذ انثنت
ممنعة خلع العذار نقابها ... مسربلة بردين قلبي ومهجتي
فجدوا أيها المقصرون وانتبهوا أيها الغافلون وبادروا أيها المثمرون فإن المطلوب خطير والوصول عسير وليس هذا قطعاً عن الطريق وتخذيلاً للهمم كما زعمه بعض الشراح المتلبسين بهذه الصناعة الظانين أن الوصول إلى هذا النفس بالظاهر من البلاغة والبراعة كلا بل هو تبيين وتحقيق لئلا يقدم على هذا الأمر إلا من أراد علو همته وغلو قيمته ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا يتلبس بالعلم غير أهله ولا يبسق الفرع على غير أصله:
فللحب أقوام كرام نفوسهم ... منزهة عما سوى الحب يا خلي
стр. 17
إلى غير ذلك مما دلت عليه أبياته الفائقة وعباراته الرائقة وألفاظه الشاقة التي هي لصوادق الهمم إلى مقام الوصول سائقة ولولا ما في ذلك من التطويل الذي يستغرق المدد مع المدد ويستنفذ الأبد فضلاً عن طول الأمد لأوضحت لك ما في كلامه من الأسرار الحقيقية الدالة على أن أبيات القصيدة وضعت كدرج المرقاة في الإبرام والنقض لا يجوز تقدم بعضها على بعض ومن لطيف ما اتفق لي إني خلوت بنفسي ليلة وكانت ليلة الجمعة سادس رجب الفرد من شهور إحدى وسبعين وتسعمائة فأخذت أتفكر في كلامه متصفحاً في دقائقه إلى أن قام في فكري معارضة بين ما اتفق له من قوله وعيدك لي وعد البيت. وقوله عذب بما شئت غير البعد وقوله وأصعب شيء دون اعراضكم سهل. وبين قوله ولك الذي ترضاه البيت فإنه في جميع الأبيات أشار إلى أنه راض بكل أفعال المحبوب خلا البعد والهجر ثم أشار في هذا البيت إلى الرضا بسائر الحالات ومنها البعد والهجر ثم قام عندي جواب إن ذلك عام خصص ثم غشيني النوم فرأيت كأني بالمدرسة الأشرفية وقد زينت بأنواع الزينة وليس فيها غيري وإذا برجل طويل غليظ شديد البياض في يده عكاز أخضر متوشح بثوبين أبيضين وعلى رأسه كالأزار فقام عندي أنه الشيخ فإذا هو هو فسلم علي ووضع يده على كتفي ووقفنا متقابلين وهو يقول لي هذا جواب الفقهاء ولم أقصده فقلت يا سيدي وما الذي قصدت قال أما تعلم أنا لمسافر أثقل ما يكون في مبادي سفره ثم لم يزل يخف إذا طالت طريقه حتى لم يبق إلا هو وربما فني قلت نعم قال وكذلك السالك لم يزل يلقي مرادات نفسه حتى إذا وصل انطوى في دائرة المحبوب فلم يبق له مطلوب كما في الحديث القدسي فبي يسمع وبي يبصر فعلمت أن هذا الشأن لا يدرك بالعلوم الظاهرة إن لم تداركها نفحات من الحضرة الطاهرة فرجعت عما كنت عزمت عليه من الكتابة على القصيدة إلا أن تداركني الألطاف الباهرة وقال بعض العارفين شرط المحبة أن تكون ميلاً بلا نيل وشرطاً بلا جزاء لئلا تزول عند زوال العوض ويتأكد ذلك في أحباء الله . روي عن علي ﵁ أنه كان يقول في مناجاته إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني وجدتك أهلاً للعبادة ومن ثم قيل أفضل الحمد ما وقع دالاً على استحقاق الله له بلا شرط نحو نحمدك يا من جلت صفاته عن الاحصاء بخلاف ما وقع في مقابلة شيء كالحمد لله على ما أنعم وأخبر السراج عن أبي بكر الازدستاني بسنده إلى ابن كثر قال لما تاب داو ﵇ كان له يوم نوح تجتمع إليه فيه الناس حتى الوحوش والطيور فينوح ويعظ مذكراً بالجنة ثم النار ثم الأهوال ثم الخوف من الله وفي كل واحدة يموت من كل طائفة خلق وولده قائم على رأسه فيقول حسبك يا أبت قد مات الناس ثم يقول له العباد لا تعجل بطلب الجزاء فيخر ساجداً مغشياً عليه فتأخذ كل طائفة من مات منها وتذهب ثم يدخل بيت عبادته وهو يقول يا إله داود غضبان أنت عليه أم راض إلى أن يخر مغشياً عليه وأخرج عبد العزيز بن علي الطحان عن ابن عطاء في معنى قوله إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين أن أيوب لم يزل يأكله الدود حتى لم يبقى غير قلبه ولسانه فأكل بعضه بعضاً حتى بقيت واحدة فدبت إلى قلبه فقال ذلك لأنه قال أي رب لم أخف من بلاء ما دام قلبي عارفاً بحلاوة ذكرك فأوحى الله إليه بم تنظر إلي غداً قال بهاتين العينين قال لا ولكن أخلق لك عينين يسميان البقاء لتنظر إلى البقاء بالبقاء وقيل خرج عيسى ﵇ في سياحته ليلة برد وريح ومطر فعاج إلى كهف ليستظل فخرج إليه أسد فقال أنت أحق بمكانك وعاد وهو يقول رب لكل ذي روح ملجأ إلا عيسى فأوحى إليه كأنك استبطأتني فوعزتي وجلالي لأزوجنك بجواري ولأولمن عليك أربعة آلاف سنة وحكى المنذري عن ابن سعد يرفعه أن أنصارياً بكي من خشية الله خوفاً من النار حتى حبسه البكاء في بيته فحكى ذلك لرسول الله ﷺ فأتاه فلما اعتنقه خر ميتاً فقال جهزوا صاحبكم فإن الفرق بتحريك الراء يعني الخوف فلذ بالمعجمة يعني قطع كبده وحكى أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الواحد بن زيد عن الفضيل بن عياض أن ابن زيد سأل ربه ثلاث ليال أن يريه رفيقه في الجنة فإذا بقائل يقول له هي ميمونة السوداء قال فقلت وأين هي قال بالكوفة فخرجت في طلبها فلما سألت عنها قالوا هي مجنونة وأنها بموضع كذا ترعى
стр. 18
غنيمات لنا فجئتها فرأيتها قد غرست عكازاً وعليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشرى والغنم ترعى مع الذئاب بلا ضرر وهي تصلي فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت يا ابن زيد ليس هذا موضع الموعد فقلت ومن أين عرفتيني فقالت الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي رواية أخرى قالت جالت روحي وروحك في عالم الملكوت فتعارفنا فقلت لها عظيني فقالت واعجبا من واعظ يوعظ ثم قالت يا ابن زيد لو وضعت معيار القسط على جوارحك لخبرتك بمكنون ما فيها يا ابن زيد ما من عبد أعطاه الله شيئاً من الدنيا فأبتغى إليه ثانياً إلا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة وأنشدت: مات لنا فجئتها فرأيتها قد غرست عكازاً وعليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشرى والغنم ترعى مع الذئاب بلا ضرر وهي تصلي فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت يا ابن زيد ليس هذا موضع الموعد فقلت ومن أين عرفتيني فقالت الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي رواية أخرى قالت جالت روحي وروحك في عالم الملكوت فتعارفنا فقلت لها عظيني فقالت واعجبا من واعظ يوعظ ثم قالت يا ابن زيد لو وضعت معيار القسط على جوارحك لخبرتك بمكنون ما فيها يا ابن زيد ما من عبد أعطاه الله شيئاً من الدنيا فأبتغى إليه ثانياً إلا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة وأنشدت:
يا واعظاً قام لاحتساب ... يزجر قوماً عن الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقاً ... هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا ... غيك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي ... موقع صدق من القلوب
تنهي عن الغيّ والتمادي ... وأنت في النهي كالمريب
قال ثم سألتها ما بال الذئاب التي مع الغنم لا تضرها فقالت أصلحت ما بيني وبينه فأصلح ما بين الذئاب والغنم وفي الكتاب المذكور عن ابن المبارك قال بينما أطوف في الجبال إذا أنا بشخص فلما دنا مني إذا هو امرأة عليها ثياب من صوف فلما دنت سلمت ثم قالت من أين قلت غريب قالت وهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الضعفاء ومحدث الفقراء فبكيت فقالت ما بكاؤك ما أسرع ما وجدت طعم الدواء قلت هكذا العليل ثم قلت عظيني يرحمك الله فأنشدت:
دنياك غرارة فذرها ... فإنها مركب جموح
دون بلوغ الجهول منها ... منيته نفسه تطوح
لا تركب الشرّ فاجتنبه ... فإنه فاحش قبيح
والخير فاقدم عليه جهراً ... فإنه واسع فسيح
فقلت زيديني قالت سبحان الله أو ما في هذا الموقف من الفوائد ما أغنى عن الزائد قلت لا غنى لي عنه فقالت أحبب ربك شوقاً إلى لقائه فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه.
وفيه عن أبي الفيض ذي النون المصري ﵁ قال بينما أنا في السياحة إذا لقيتني امرأة فقالت من أين قلت غريب فقالت كما قيل لابن المبارك إلا أنها زادت حيث نهت عن البكاء بأن قالت البكاء راحة القلب فما كتم شيء أحق من الشهيق والزفير فإذا أسبلت الدمعة استرحت وهذا ضعف عند العقلاء فتعجبت من ذلك وقال وصف لي رجل فقصدته فأقمت على بابه أربعين يوماً فلما رآني بعدها هرب مني فقلت له سألتك بالله إلا ما وقفت فقال ما تريد فقلت تعرفني بما عرفته فقال إن لي حبيباً إذا قربت منه قربني وأدناني وإذا بعدت صوب بي وناداني وإذا قمت باليسير رغبني ومناني وإذا عملت بالطاعة زادني وأعطاني وإذا عملت بالمعصية صبر علي وتأناني فهل رأيت مثله انصرف عني ولا تشغلني ثم ولى يقول:
حسب المحبين في الدنيا بأنّ لهم ... من ربهم سبباً يدني إلى سبب
قوم جسومهم في الأرض سائرة ... وإن أرواحهم تختال في الحجب
لهفي على خلوة منه تسدّدني ... إذا تضرّعت بالاشفاق والرغب
يا رب يا رب أنت الله معتمدي ... متى أراك جهاراً غير محتجب
стр. 19
وعن أبي الفتح بن سحنون قال كان سعدون صاحب محبة الله لهجاً بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنوناً لتردد قوله في المحبة فغاب عنا زماناً وكنت مشتاقاً إلى لقائه فبينما أنا بفسطاط مصر على حلقة ذي النون وإذا به وعليه جبة من صوف فنادى يا ذا النون متى يكون القلب أميراً بعدما كان أسيراً فقال إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير فيه إلا هو قال فخر مغشياً عليه ثم أفاق وهو يقول:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال يا أبا الفيض إن من القلوب قلوباً تستغفر الله قبل أن تذنب قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع قال يا أبا الفيض اشرح لي ذلك قال يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين فهم قد فطموا النفوس عن روح الشهوات فهم رهبان من الراهبين وملوك العباد وأمراء في الزاد للغيث الذي أمطر في قلوبهم المولهة بالقدوم إلى الله تعالى شوقاً فليس فيهم من آنس بمخلوق ولا مسترزق من مرزوق فهو في الملأ حقير وعند الله خطير ثم ولى.
وعن أبي سليمان قال مررت ليلة فسمعت في جبل اللكام رجلاً يقول في دعائه سيدي وأملي وموئلي ومن به تم عملي أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك وقلب لا يشتاق إليك ودعاء لا يصل إليك وعين لا تبكي عليك فعلمت أنه عارف ثم صعق فتركته وانصرفت وإذا أنا برجل نائم فركضته وقلت قم فإن الموت لم يمت فرفع رأسه وقال ما بعد الموت أشد منه.
وعن عبد الله بن المبارك قال مررت في سياحتي بالشام بطبيب يصف لكل ما يحب فقلت له يا طبيب أعندك دواء المذنوب فقال نعم فلما تفترق الناس قال لي يا هذا عليك بورق الفقر وعروق الصبر واهليلج الصاف وبليلج الرضا وغارقون في الكتمان وسقمونا الأحزان فأمر سهم بماء الأجفان ودعهم في طاجن القلق وأوقد تحتهم نار الفرق وصفهم بمنخل الأرق واشربهم على الحرق فإنه شفاؤك وأنشد:
يا طبيباً بذكره يتداوى ... وصفوه لكل داء غريب
ليس حزني عليك شيء عجيب ... إنما الصبر عنك شيء عجيب
وسئل أبو بكر الشبلي ما علامات العارف قال صدره مشروح وقلبه مجروح وجسمه مطروح قيل من العالم قال من عرف الله وعمل بما علمه الله وأعرض عما نهاه الله قيل فما الصوفي قال من صفا قلبه ورمى الدنيا وجفا الهوى واتبع المصطفى قيل فما التصوف قال التألف والأعراض عن التكلف وأحسن منه تصفية القلوب لعلام الغيوب وأحسن منه التعظيم لأمر الله والشفقة على عباد الله وأحسن منه من صفا من الكدر وخلص من العكر، وامتلأ من الفكر وتساوى عنده الذهب والمدر.
وعن إبراهيم بن أدم ﵁ قال كنت يوماً من الأيام ماراً بقبر فترحمت عليه وبكيت عليه فسألني من معي عنه فقلت قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن غرق في الدنيا ثم استنقذه الله بلغني أنه سر يوماً من الأيام بما هو فيه ثم نام مع بعض محاظيه فرأى رجلاً واقفاً على رأسه وفي يده كتاب فناوله إياه ففتحه فإذا هو مكتوب بالذهب لا تؤثر فانيا على باق ولا تغتر بملكك وسلطانك وخدمك ولذاتك فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم وملك لولا أن بعده هلك وفرح وسرور لولا أن بعده غرور فسارع إلى أمر الله فإنه يقول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم فانتبه مرعوباً وخرج إلى هذا الجبل فما زلت أتعهده حتى مات ودفن ههنا.
وحكي أن ملكاً أراد الركوب يوماً فدعا بثياب الزينة فجيء بها فردها وقال أريد ثياب كذا فجيء بها فردها حتى جيء بأصناف كثيرة ثم اختار ما أراد وفعل كذلك بالدواب فلما ركب نفخ إبليس في أنفه فعلاه من التكبر ما لا يوصف حتى أنه لم يخاطب أحداً فبينما هو في موكبه إذا برجل رث الهيئة قد قبض على لجام دابته وهو يقول لي إليك حاجة قال حتى أرجع قال لا بل مكانك قال اذكرها فقال أدن مني فطأطأ فقال له أنا ملك الموت فتغير واضطرب وسأله أن يعود فيودع أهله فأبى وقبضه مكانه.
وحكى أنه عارض في ذلك الوقت رجلاً زاهداً فقال له كما قال للملك فقال حباً وكرامة فقال له ملك الموت هل لك حاجة تمضي إليها فقال لا حاجة أحب إلي من لقاء الله فقال اختر على أي حالة أقبضك فقال ألك ذلك قال نعم فتوضأ وصلى فلما سجد قبضه.
стр. 20
وعن عتبة المعروف بالغلام وسمي بذلك لكثرة خدمته أنه كان مقيماً بالجبانة فبلغ خبره علي بن سلمان أمير العراق فخرج حتى وقف عليه فسلم فرفع رأسه فرد عليه فقال له الأمير كيف أصبحت قال متفكراً في القدوم على الله بخير أم بشر ثم بكى وأطرق رأسه منكساً إلى الأرض فقال الأمير قد أمرت لك بألف درهم فقال قبلتها على أن تقضيني معها حاجة فقال وقد سر بذلك وما هي قال تقبل مني ما وهبتني فقال قد فعلت وانصرف ولقد كان عتبة هذا لا ينام إلا أول الليل ثم يستيقظ فزعاً مرعوباً ينادي النار النار قد شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ثم يتوضأ ويقف للخدمة وإن البكاء ليمنعه القراءة وكثيراً ما يقول اللهم يا عالماً بحاجتي غير معلم بما أطلب وما أطلب إلا فكاكي من النار اللهم إن الجزع قد أرقني من الخوف فلم يؤمني وكل هذا من نعمتك السابقة علي وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك إلهي قد علمت لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين.
وعن سهل ابن عبد الله التستري ﵁ الناس ثلاثة أصناف صنف مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مضطجع على بابه ينتظر الكرامة وصنف مضروب بسوط التوبة مقتول بسيف الندامة مضطجع على بابه ينتظر العفو وصنف مضروب بسوط الغفلة مقتول بسيف الشهوة مضطجع على بابه ينتظر العقوبة.
وعن حيان القيسي العباد مع الله على ثلاث طبقات قوم ظعن بهم عن البلاء لئلا يسترق الجزع سرهم فيكون هذا حكمة أو يكون في صدورهم حرج من قضائه وقوم ظعن بهم عن مساكنة أهل المعاصي لئلا تغتم قلوبهم فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم وقوم صب عليهم العذاب صباً فما ازدادوا بذلك إلا حباً.
أقول والتقسيم الأول شامل لطبقات العالم السعيد منهم والشقي إلا أن القسم الأول أسعد السعداء وأما هذا التقسيم فهو تقسيم لأهل الله فقط على أن لنا أن نتكلف للأول أن يكون مثله وفي هذا تلميح إلى التسليم البحت في القضاء والقدر والأول إلى الاختيار.
وعن سحنون بن حمزة الخواص أن أبا بكر البصري وكان رجلاً من أكابر الأولياء مات قبل الجنيد بيسير وكان قد سمي نفسه بالكذب لبيت قاله وهو:
فليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فامتحني
فحصر بوله أثر قوله هذا فتضجر فسمي نفسه الكذاب في المحبة غيره:
ولو قيل طأفي النار أعلم أنه ... رضا لك أو مد لنا من وصالك
لقدّمت رجلي نحوها فوطئتها ... سرور الآتي قد خطرت ببالك
وله أيضاً:
وكان فؤادي خالياً قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببين منك إن كنت كاذباً ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني بعيشي يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي بغيرك يصلح
وله أيضاً:
يا من فؤادي عليه موقوف ... وكل همي إليه مصروف
يا حسرتي حسرة أموت بها ... إن لم يكن لي إليك معروف
وعن الجنيد ﵁ قال أنفذ في السري في حاجة فلما قضيتها دفع إلي رقعة وقال قد أجزتك هذه الرقعة ففتحتها فإذا فيها:
ولما شكوت الحب قالت كذبتني ... ألست أرى منك العظام كواسيا
وما الحب حتى يلصق بالجلد بالحشا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وتضعف حتى لا يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
ودخل أبو بكر الشبلي يوماً المارستان فوجد غلاماً أسود قد غل إلى سارية فلما رآه قال يا أبا بكر قل لربك ما كفاه أن تيمنى بحبه حتى قيدني وأنشد يقول:
على بعدك لا يصبر من عادته القرب
وعن قربك لا يصبر من تيمه الحب
فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب
стр. 21
فصعق الشبلي وخر مغشياً عليه فلما أفاق وجد القيود مطروحة ولم ير الأسود. وعن علي ابن سعيد العطار قل مررت بعبادان بمكفوف مجذوم فإذا الزنبور يقع عليه فيقطع لحمه فقلت الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه وفتح من عيني ما أغلق من عينيه قال فبينما أنا أردد الحمد إذ صرع فبينما هو يتخبط نظرت إليه فإذا هو مقعد فقلت مكفوف يصرع مقعد مجذوم قال فما استتممت كلامي حتى صاح بي فقال ما دخولك فيما بيني وبين ربي دعه يفعل بي ما يشاء ثم قال وعزتك وجلالك لو قطعتني إرباً إرباً أو صببت علي العذاب صباً ما ازددت لك إلا حباً وللشبلي ﵁.
إن المحبين أحياء ولو دفنوا ... في الترب أو غرقوا في الماء أو حرقوا
أو يقتلوا بسيوف وسط معركة ... أو حتف أنف وإن أضناهم الغرق
لو يسمعون منادي الحب صاح بهم ... يوماً للباه من بالحب يحترق
وعن أحمد بن عيسى الجزار قال دعتني امرأة إلى غسل ولدها فلما جردته قبض علي يدي فقلت سبحان الله أحياه بعد موت فقال إن المحبين لله أحياء وإن ماتوا. ودعا عبد الواحد يوماً جماعة من الصوفية فأولمهم وكان فيهم عتبة الغلام فقام لخدمتهم ولم يأكل فلما انصرفوا قال له عبد الواحد لم لا تأكل قال ذكرت أهل الجنة واجتماعهم على الموائد وقيام الخدم على رؤوسهم فاشتقت إلى ذلك فأبت نفسي الطعام فبكى عبد الواحد وتفرقا متعاهدين على أن لا يولما ولا يشبعا من نوم ولا طعام. وقيل إن عتبة عاهد الله على أن لا ينام إلا مغلوباً وقرأ غلام يوماً بين يدي صالح المزي بالمعجمة نسبه إلى قرية بدمشق وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فقال كيف يكون لهم حميم وشفيع مطاع والمطالب لهم رب العالمين والملائكة تسوقهم بمقامع الحديد يسحبون تارة على الوجوه ويمشون أخرى ما بين باك ومناد بالويل ثم صاح يا ويلتاه ويا سوء منظراه. وبكى وبكت الناس فقام فيه تأنث فقال أوكل ذلك في القيامة يا أبا بشر فقال وأكثر من ذلك لقد بلغني أنهم يصرخون إلى أن تنقطع أصواتهم فقال الشاب إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى وخر ميتاً بعد أن استقبل ودعا بالتوبة فرؤي بعد قليل في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال أدخلني الجنة ببركة مجلس صالح ودعا صالح يوماً فمر به مخنث وهو يقول في دعائه اللهم أغفر لأقسانا قلباً واجمدنا عيناً واقربنا بالذنوب عهداً، فسمع المخنث فمات فرؤي في المنام فقال كما قال الشاب.
وقال عبد الوارث نظرت إلى رباح القيسي يقبل غلاماً من أهله فقلت تحبه قال نعم قلت ما كنت أظن أن في قلبك بقية لأحد فخر مغشياً عليه فلما أفاق مسح وجهه وقال إنما هي رحمة منه ألقاها في قلوب العباد.
وحكى ابن سعيد التيمي قال نظرت إلى جارية سوداء تسف الخوص وهي تقول:
لك علم بما يجنّ فؤادي ... فارحمن ذل ذلتي وانفرادي
فقلت لها ما علامة الحب وكان إلى جانبها يصرع فقال يا بطال الحب أن تقول لهذا المجنون قم فيقوم ورمقته فقام والجني يقول ويحك لا عدت إليه أبداً فهذا ملخص ما ناسب ترجمة الباب وقد ذكر في الأصل ما لا علاقة له إذا أمعن النظر بهذا المحل وربما يأتي بعضه حيث نجد له محلاً.
فصل من الباب
في ذكر من فارقت روحه من الأحباب
قال عبد الرحمن الصوفي مررت في أسواق بغداد بسوق النخاسين فرأيت جمعاً كبيراً على شاب مطروح فقلت ما باله قالوا سمع قارئاً يقرأ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله فسقط مغشياً عليه قال فلما سمع الكلام انتبه وهو يقول:
ألم يأن للهجران أن يتصرما ... وللغصن غصن البان أن يتبسما
وللعاشق الصب الذي مات وانحنى ... أما آن أن يبكي عليه ويرحما
كتبت بماء الشوق بين جوانحي ... كتاباً على نقش الوشاة منمنما
ثم صاح وخر مغشياً عليه.
وروى عن الحواري مثل ذلك إلا أنه زاد. وللغصن غصن البان أن يتكلما. وفي البيت الأخير كتاباً حكى نقش الوشاة. وقام أبو زهير في مجلس المزي فقال له اقرأ فقرأ صالح وقدمنا إلى ما عملوا من عمل إلى قوله وأحسن مقيلاً فقال له أعدها فلم يزل يكررها حتى سقط ميتاً.
стр. 22
وفي رواية الحافظ مغلطاي عن أبي القاسم في الأمالي وابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين عن صالح ومحمد بن واسع وحبيب وثابت البنالي ومالك بن دينار أنهم قالوا أتينا أبا زهير الضرير المذكور وقت الظهيرة للزيارة فخرج إلينا وكأنه نشر من قبر فصلى وجلس كالمهموم فسلمنا عليه فقال لصالح اقرأ فقرأ الآية المذكورة فخر ميتاً فقلنا هل له من أحد فقال الحاضرون نعرف امرأة تأتيه من هنا ببعض حاجاته فاستحضرناها بالقصة فقالت لعل فيكم صالحاً قلنا وما يدريك به قالت كثيراً ما كان يقول لي أن أقرأ علي صالح قتلني فجهزناه رحمه الله تعالى.
أخبرنا أبو الطيب وكان صوفياً من أهل سر من رأى مدينة بالعراق قال حضرنا يوماً في مجلس ومعنا رجل صوفي يقال له أبو الفتح فقرأ قارىء ولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فقال الرجل بلى وخر مغشياً عليه فلم يفق إلى أن ذهب النهار ثم مضى فبلغني بعد أيام أنه حضر بالكرخ مجلساً فأنشدت فيه جارية الأبيات المنسوبة إلى عبد الصمد المغربي الاشبيلي المعروف بالمعدل:
يا بديع الدل والغنج ... لك سلطان على المهج
إن بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج
وجهك المعشوق حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج
فاعتراه اضراب شديد وأقبل يقول للصبية كيف قلت فلما بلغت البيت خر ميتاً وأخرج في الأمالي عن عبد المؤمن القصة إلا أن البيت الأخير. وجهك المأمول حجتنا. قلت ولعل الذي مات من سماعه الرجل هو هذا لأن العارفين إذا سمعوا ما يدل على صاحب البقاء كان أكثر أخذاً من نفوسهم ولا شبهة في أن المأمول أبلغ.
وحكى أبو الفرج الصوفي قال كنا نجتمع للخدمة وكان بالقرب منا رجل اسمه القاسم الشركي يرعى عنيزات وكلما دعوناه إلى السماع أبى فمر به صبي يوماً يغني:
إنّ هواك الذي بقلبي ... صيرني سامعاً مطيعاً
أخذت قلبي وغمض عيني ... سلبتني العقل والهجوعا
فدع فؤادي وخذ رقادي ... فقال لابل هما جميعا
فراح مني بحاجتيه ... وبت تحت الهوى صريعا
فاعتراه اضطراب شديد وأقبل يقول للصبي كيف قلت فخاف الصبي منه ومضى فجعل يقول له لا بأس عليك كيف قلت فلم يجبه وانصرف فرجع هائماً إلى رجل هناك بطبرية يقال لها حامد الفاخوري وكان عارفاً بالأشعار فجعل يردد الأبيات عليه ثلاثة أيام وهو يضطرب حتى مات.
وأخرج مغلطاي عن ابن أبي الدنيا والمنذري آخر الترغيب في فضل الخوف عن ابن عمر وصححه الحاكم أن رجلاً حبشياً أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت أكون معك في الجنة قال نعم ثم قال ﷺ من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله ومن قال سبحانا لله كتب له بها مائة ألف حسنة فقال رجل يا رسول الله كيف يهلك بعد هذا فقال النبي ﷺ والذي نفسي بيده أن الرجل ليجيء يوم القيامة بعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد تستنفد ذلك كله لولا ما يتفضل الله من رحمته ثم نزلت هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً إلى قوله وملكاً كبيراً فقال الحبشي يا رسول الله وهل ترى عيني في الجنة مثل ما ترى عينك فقال نعم فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه ﵁.
стр. 23
قال ابن عمر رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حرفته بيده رواه الطبراني عن أيوب عن عتبة. وأخرج مغلطاي عن ابن أبي الدنيا كتاب الخوف باسناده إلى عاصم البصري قال كنت إماماً بمسجد ابن جراد وكان يتردد إلي رجل فسألني يوماً مصحفاً ينظر فيه فأعطيته إياه فخرج وهو يقول فسيكون لي ولهذا المصحف نبأ عظيم واختفى فلم أره بقية اليوم يحضر الصلاة فلما كان الصباح دخلت عليه فوجدته ميتاً والمصحف على صدره فخرجت متفكراً في أي شيء أكفنه وإذا أنا بجماعة من العباد منهم حسان وحبيب وابن واسع ومع كل كفن وحنوط فقالوا أتعرف هنا رجلاً مات فقلت لا أعرف إلا رجلاً غريباً كان يصلي هنا فقالوا أنت أشقى من أن تعرف ثم دخلوا عليه وجعلوا يتنافسون في تجهيزه ثم صلوا عليه ودفنوه ورأيت هذه الحكاية في أنيس الجليس إلا أنه زاد ورأيت المصحف مفتوحاً وأول سطر فيه الله نزل أحسن الحديث الآية.
وفي الحلية عن ابن السماك قال دخلت البصرة على رجل أعرفه فسألته أن يدلني على رجل من العباد فدخلنا على رجل منكس الرأس كثير الصمت لابس الشعر فلم يكلمنا وخرجنا فقال لي أتدخل على ابن العجوز فدخلنا على شخص يشبه الأول وعنده أم له عجوز فقالت لا تذكروا لولدي ناراً ولا جنة فتفجعوني فيه فلما جلنا عنده رفع رأسه فقال أما للعباد موقف يقفون فيه فقلنا بين يدي من خلقهم فشهق شهقة فارق الدنيا.
وفيه قال دخل جماعة على أبي سعيد القطان فقرأ رجل منهم سورة الدخان فلما انتهى إلى قوله أن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين جعل يضرب ويعلو صدره حتى غشي عليه وأصاب صدره فأدماه وجاءت النساء وخرجنا إلى الباب فلما سكنت الغوغاء دخلنا عليه فإذا هو على فراشه يردد الآية حتى قضى عليه.
وحكى مغلطاي عن ابن أبي الدنيا قال كرر ابن خليد قوله كل نفس ذائقة الموت فناداه مناد كم تكرر هذه الآية فقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لا يرفعون رؤوسهم حتى يموتوا ورأيت في أنيس الجليس القصة وزاد فيه أن رجلاً قصد الحاج فعدل عن الطريق تائهاً أثر نوم فإذا هو في أرض لا يعهد مثلها وإذا بقوم قد أقبلوا إلى ماء هناك فتوضئوا ودعوه إلى الصلاة بهم فصلى وقرأ الآية فخروا إلى الأرض وحركوا فوجدوا أمواتاً وقائل يقول له يا عبد الله أن هؤلاء قوم من الجن قد اعتزلوا ههنا للعبادة وإن الخوف لم يترك فيهم بقية وأنت إن أردت الحاج فامض أمامك فستظفر بأصحابك طلوع الفجر قال الرجل فكان كذلك.
وعنه عن محمد بن صالح قال خرجنا ومعنا قارىء يقرأ فسمعته امرأة من أهل البصرة على سطح فاضطربت حتى غشي عليها واحتملت إلى بيتها فلم نبرح حتى قضت نحبها وكان لها مشهد عظيم.
وعن محمد عن منصور بن عمار قال مررنا في جوف الليل فإذا بشاب قائم يصلي وهو يقول في مناجاته إلهي ما أردت بمعصيتي مخالفتك ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بناكلك جاهل ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخي وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك مني واشباباه واشباباه فلما فرغ تلوت آية من كتاب الله وهي فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا الآية فسمعت دكدكة وانقطع الصوت فلما أصبحنا رجعنا على الأثر وإذا بجنازة وعجوز قد أخذ منها الكبر فسألناها فقالت مر قارىء بولدي فقرأ آية فتفرطت مرارته ومات.
وعنه من طريق آخر الحكاية زاد فيها بعد قوله إن قطعت حبلك عني واسوأتاه إذا قيل للمخففين جوزوا وللمثقلين حطوا فيا ليت شعري أمع المثقلين نحط أو مع المخفين نجوز ويحي كلما طال عمري كثرت ذنوبي ويحي كلما كبر سني كبرت خطاياي فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولا استحي من ربي قال منصور فلما سمعت كلام الشاب وضعت فمي على باب داره وقرأت الآية المذكورة وعلمت الباب فلما رجعت الحكاية إلا أنه ذكر عن العجوز أن الشاب كان يصنع الخوص ويبيعه ويقسمه بين القوت والصدقة وشراء الخوص.
стр. 24
وعن ذي النون المصري قال بينما أنا أسير على جانب البحر في الليل وإذا أنا بجارية عليها أطمار شعر وهي ناحلة ذابلة فدنوت منها لسماع ما تقول وإذا هي متصلة الأحزان بالأشجان وقد عصفت الرياح واضطربت الأمواج وظهرت الحيتان فصرخت وسقطت إلى الأرض فأفاقت وهي تقول سيدي لك تقترب المتقربون في الخلوات ولعظمتك سبحت الحيتان في البحار الزاخرات ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار والفلك الدوار والبحر الزخار والقمر النوار والنجم الزهار وكل شيء عندك بمقدار لأنك العلي القهار وأنشدت:
أحبك حبين حب الوداد ... وحباً لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى ... فحب شغلت به عن سواك
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراك
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك
ثم شهقت شهقة فارقت الدنيا فوقفت متعجباً وإذا بنسوة على أحسن ما يكون من الحالات قد أقبلن فاحتملنها ثم غبن وأقبلن بها قد جهزت فقدمنني للصلاة وهن ورائي فلما فرغت مضين بها.
قال المختصر عن مغلطاي رأيت غير ما مرة شيخاً مغربياً يحمل على ظهره الخضر من باب زويلة إلى الكتبيين ويكثر من إنشاد شعر بلا وزن مضمونه أن الحاكم أخذ ماله المتروك عن والده وأوراقاً كثيرة منها هذا الشعر وأنه استمع ليلة المحدث في سيرة البطال وقد ذكر أن جماعة قتلوا في الجهاد فقال المغربي للمحدث وفيم قتل هؤلاء قال في سبيل الله قال المغربي وأنا أيضاً أموت في سبيل الله فقال له المحدث افعل فتمدد إلى جانبهم فحرك فإذا هو ميت.
وعن أبي الحسين أحمد بن أبي الحواري قال مررت في الشام بقبة وإذا أنا بامرأة تدق الحائط فقلت لها ما بالك فقالت امرأة ضالة دلني على الطريق فقلت أي الطريق تريدين قالت طريق النجاة قلت هيهات أن بيننا وبينه عقبات لا تقطع إلا بسير حثيث ونصح المعاملة وقطع العلائق الشاغله من أمور الدنيا والآخرة فقالت سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تنقطع وحفظ عليك فؤادك فلم ينصدع ثم خرت مغشياً عليها فقلت للنساء حركنها فإذا هي ميتة ووصيتها إلى جانبها أن كفنوني في أثوابي وخلوا ما بيني وبينه فإن كان لي عنده خير فهو أسعد لي وإلا فبعد النفسي.
وفي الأصل قيل كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا اسمعيل وأنه سمع يوماً قارئاً يقرأ وله أسلم في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون فبكى حتى غشي عليه ثم أسلم وصحب فنجا الموصلي فحدث عنه أنه نظر يوماً إلى الدخان يفور من المدينة فبكى وقال قد قرب الناس قربانهم فليت شعري ما قرباني وجعل يبكي حتى فارق الدنيا.
هذا ما قرره من أول الباب إلى هنا وفي كل نظر وذلك أنه عقد الباب كله لعشاق الله ثم ذكر فصلاً لمن مات بذلك على أنه قد ذكر قبل الفصل من مات وبعده من لم يمت بآخر وقال أنه لعشاق الحور العين وقد أمطنا ما يتوقف فيه النظر حيث لم نذكر إلا ما يظهر فيه ظرف المناسبة ومن هنا إلى آخر الباب لم يخالف أوله فلا فائدة في الفصل فتأمل.
عن منصور بن عمار قال بينا أنا في السياحة إذ مررت بخدم وقصر ملكي لأتمكن الإحاطة بوصفه فهممت أن أدخله فانتهروني فلم أبالي بهم ودخلت فإذا أنا بشاب في أرفع طبقات الجمال والملابس وقد استحضر صبية تناسبه فلما رآني هم بقتلي فقلت أنا طبيب وقد رأيت فيك داء فقال وما هو قلت ميلك إلى الفاني وحبك ما لا يبقى وغفلتك عما عند الله ثم وصفت له الجنة والنار وما فيهما فتجرد من وقته وكان ملك البصرة فلما خرجنا وقد زال ما في القصر من البهجة تعلقت به الصبية وقالت على من تتركني ثم تجردت وخرجا هائمين فلما كان بعد عام وأنا في الطواف إذا أنابه يتضرع وقد أخلقته العبادة حتى لم أعرفه إلى أن قال لي أما تعرفني يا طبيب ثم ذكرني بالحالة ثم قال لي هل لك أن تنظر إلى نسوان يعني الصبية قلت نعم فأخذ بيدي حتى أوقفني عليها فلما رأتني قالت مرحباً أيها الطبيب ثم شهقت شهقة فارقت الدنيا فقال الرجل إني على أثرها فلا تبرح ثم نظر إليها وخر ميتاً.
стр. 25
وعن عبد الواحد بن زيد قال اشتكيت ألماً في ساقي حتى منعني القيام فتحاملت حتى عجزت فجمعت ازاري في المحراب وتوسدته فغفلت وإذا أنا بجارية كأنها جوهرة شفافة وعليها من الملابس ما يبهر العين رؤيته وخلفها جوار كأنهن الأقمار فقالت لبعضهن احتملنه ولا تؤذينه ثم قالت افرشنه ومهدنه وأقبلت تملس على ألمي ثم قالت قم إلى صلاتك بلا أذى فانتبهت كالذي نشط من عقال وعنه من رواية أخرى أنها قالت له أنا لك فجد في طلبك قال فلم أنم بعدها وفي أخرى عنه قال فما أخذتني السنة حتى رأيت شاباً وبيده ورقة بيضاء فناولني إياها وإذا فيها:
ينام من شاء على غفلة ... والنوم كالموت فلا تتكل
تنقطع الأعمال فيه كما ... تنقطع الدنيا على المنتقل
وكان كثيراً ما يردد هذه ويقول فرق الموت بين المصلين ولذة الصلاة ويعدد أفعال الخير ولعل الوقائع متعددة.
وعن صاحب المصارع بسنده إلى محمد بن الفرج قال نظرت إلى جارية تباع فقلت بكم هذه قيل بألف دينار فرفعت رأسي إلى السماء وقلت اللهم إنك تعلم أني لا قدرة لي على ذلك وأني لو سألتك إياها لوهبتها لي ولكني أسألك أنفس منها عندك من لا تمرض ولا تسقم ومهرها عندي أن لا أنام ليلاً ولا أطعم نهاراً ولا أضحك إلى أحد وها أنا مجد في المهر فلم ير بعد ذلك على غير ما قال حتى مات.
وعن رابعة العدوية قالت كان لي ورد في الليل قد اعتدته فمرضت مرضاً أعقبني فترة عنه فبينما أنا راقدة إذ نظرت كأني في روضة كثيرة النبات والقصور وجارية تطارد طيراً أخضر تريد أن تأخذه فالتهيت بحسنها عنه وقلت دعيه لأني لم أر أحسن منه فقالت ألا أريك أحسن منه فقلت بلى فأخذت بيدي فأدخلتني إلى بيت يحار فيه البصر من تلألؤ نوره ثم رفع عن بستان وخرج منه وصائف بأيديهن مجامر الند والعنبر فقالت لهن الآخذه بيدي إلى أين فقالوا إلى فلان قد قتل في البحر فقالت ألا تجهزن هذه المرأة فقالوا قد كان لها حظ في ذلك فتركته فانتبهت فزعة ولم أنم بعدها وبقي من هذا الباب بعض حكايات لا تناسب الترجمة ومع ذلك فائدتها قليلة فلذلك أضربنا عنها.
الباب الثاني
في أحوال عشاق الجواري والكواعب
وذكر ما صدر لهم من العجائب
وفيه خمسة أقسام الأول فيمن اشتهرت سيرته وظهرت في الحب سريرته قد تقدم في أحوال العشق أنه من الأحوال القديمة حتى ورد فيه ما سمعت من الأخبار والآثار وغالب ما يكون من قبل النساء حتى قال بعض العارفين وأظنه الجنيد كما أن النساء حبائل الشيطان فهن حبائل العرفان إذ قد يتوصل العاقل من عشقهن إلى معرفة مبدعهن لأن المقدمات الصريحة تنتج الأغراض الصحيح وبالحري من أمعن النظر في مخلوق زائل ترقى عند معرفة غايته إلى دائم فاعل وهذا مثل قولهم الرياء قنطرة الاخلاص.
عن ابن عباس قال لما عتقت بريرة وكان زوجها حبشياً وفي رواية اسود وخيرت فاختارت الفسخ جعل يطوف في المدينة باكياً يترضاها فقال لها رسول الله ﷺ لو تزوجته فقالت إن أمرتني بذلك فقال لا آمرك ولكني شفيع وقد أخرج القصة البخاري، وفي تتمة ذيل الأماني للقالي عن ابن الأنباري قال دخلت على إبراهيم بن محمد وقد سامته جاريه له البيع فأجابها وكان يحبها فأنشد:
أبت الغداة بوصلها غدّار ... فدموع عينك لا تجف غزار
واستبدلت بك صاحباً ومؤانساً ... وكذا الغواني وصلهن معار
وكان ابن عباس يوماً جالساً بفناء الكعبة إذ وضع بين يديه شخص قد حمله إلى الكعبة يستشفعون له فكشف عنه فأنشد:
بنا من جوى الأحزان والحب لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنّ ما أبقى حشاشة ما ترى ... على ما ترى عود هناك صليب
فرأى رسماً عافياً وحساً خافياً وجسماً بالياً فمكث أربعين يوماً لا يسأل الله بعد صلاته إلا المعافاة من العشق وأخرج ابن عساكر في الأمالي أن هذا المذكور عذري.
стр. 26
وقال السيوطي في شرح الشواهد أن اسمه عروة بن قيس وأنه ولع بجارية من العرب فزوجوه بها بشفاعة الحسين بن علي فأقام معها مدة وكانت أمه تقسم عليه أن يفارقها وهو يقول لها أخاف تلاف نفسي فلم ترض فلما كان يوم حر شديد وقفت حافية على الرمل وأقسمت لا تزول أو يفارق عروة الجارية ففارقها رفقاً بأمه فجعل يزداد به الوجد حتى امتنع من الطعام والشراب وعاود أهلها فأبوا عليه فأقام أياماً وحمل كما ذكر الكعبة فلم يغن عنه فلما عادوا به توفي في الطريق.
وحكي أن الأحوص بن جعفر الشاعر المشهور كان يهوى أخت زوجته ولا يفصح باسمها وفي الأمالي أن اسمها نخلة فتزوجت برجل من العرب اسمه مطر فاشتد بالأحوص الغرام فباح به وأنشد:
أإن نادى هديلاً ذات فلج ... مع الأشواق في فنن حمام
ظللت كأنّ دمعك درسلك ... هوى نسقاً وأسلمه النظام
تموت تشوّقاً طرباً وتحيا ... وأنت جوى بدائك مستهام
كأنك من تذكر أم حفص ... وحل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه ... تموت لها المفاصل والعظام
وإني من بلادك أم حفص ... سقى بلداً تحليه الغمام
أحل النعف من أحد وأدني ... مساكنها الشبيكة أو سنام
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
فلا غفر الإله لمنكحيها ... ذنوبهم وإن صلوا وصاموا
كأن المالكين نكاح سلمي ... غداة يرومها مطر نيام
فإن يكن النكاح أحل شيء ... فإنّ نكاحها مطر احرام
فلو لم ينكحو الاكفاء ... لكان كفيئها الملك الهمام
فطلقها فلست لها بكفء ... والاعض مفرقك الحسام
وساق في المطرب الحكاية بعينها إلا أنه زاد بيتاً في الأول وهو:
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
وقال في البيت الأخير والايعل مفرقك بدل عض. وأخرج أبو الفرج الأصفهاني عن زياد بن غطفان قال كنا بباب الولاة وإذا بإعرابي ينادي من أراد أن يسمع العجائب فليدن مني فدنوت منه وإذا هو الرماح بن مالك القيسي فقلت ما عندك فقال اعلم أني علقت امرأة يقال لها أم جحدر فاتصلت بها وطال الأمر وإني عتبتها يوماً فقلت لها الوصل عليك مردود فقالت ما قضى الله فهو خير وارتحلوا عنا وطال الأمر وراجعني الشوق فنذرت مراجعتها إن دنت دارها فلما كان ذلك خرجت أتصفح احياء العرب حتى وجدت امرأتين أمام البيت في كساء فسلمت عليهما ردت إحداهن وسألت عن شأني فأخبرتها فأشارت لي بدخول بيت فدخلت وإذا الساكنة أم جحدر وقامت لتدخل إلي وإذا بغراب ينعق فتغيرت فأقسمت عليها إلا ما أخبرتني عن تغيرك فقالت إن الغراب يخبرني أن لا اجتماع ففارقتها وغدوت لما أصبح النهار فأخبرتني امرأة أخيها أن شامياً خطبها إلى أهلها فزوجوه بها فجئت بالقرب من خبائها متردداً أياماً إلى أن مضى بها فكنت أنشد:
أجارتنا أن الخطوب تنوب ... عليّ وبعض الآمنين تصيب
أجارتنا لست الغداة ببارح ... ولكن مقيم ما أقام عسيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنني ... صبور على ريب الزمان صليب
جرى بانبتات الحبل من أم جح ... در ظباء وطير بالفراق نعوب
نظرت فلم أعيف وعافت وبينت ... لها الطير قبلي واللبيب لبيب
فقالت حرام أن نرى بعد يومنا ... جميعين إلا أن يلم غريب
أجارتنا صبراً فيا رب هالك ... تقطع من وجد عليه قلوب
стр. 27
وما نقله هنا من أن ابن ميادة سرق الأبيات فغير مسلم في الجميع وابن ميادة هو الرماح ابن مالك بن أبرد بن ميادة المشار إليه، والأبيات له ما عدا الأولين ولهما ثالث لم يورده والثلاثة لأمرىء القيس بن حجر الكندي ولهما حكاية عجيبة هي أنه لما قتل والده مضى إلى قيصر ملك الروم يستنصره فوعده النصر فأقام بالقسطنطينية أياماً فرأته ابنة قيصر فعلقته وراسلته فاجتمع بها وفيها يقول الا انعم صباحاً القصيدة المشهورة وإن القصة بلغت قيصر فكره قتله جهاراً للشنعة فألبسه حلة قد دهن زيقها بالسم وأمره بالمسير فلما بلغ جبلاً يقال له عسيب يبعد عن القسطنطينية مسافتين لعب فيه السم فنزل إلى جانب قبر فلما أحس بالموت سأل عن القبر فقيل هو قبر امرأة غريبة فقال ادفنوني إلى جانبها وأنشد البيتين الأولين وبعدهما:
أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وأما قوله فإن تسأليني هل صبرت إلى آخر الأبيات فللرماح وما ذكر من أن الثالث لجاهلي لم يعلم له ناقل وقد ساق القصة ابن هشام في شرح الدريدية وذكرها ابن عساكر في تاريخه الكبير وقوله نظرت فلم أعيف يعني لم أدرك حال الفرقة من زجر الطير المعروف عندهم بالعيافة وهو علم نفيس ولنا فيه رسائل وأخبر ابن دريد عن عمه قال عشقت حبيبة الحضرية ابن عم لها فدرى قومها فحجبوها فأنشدت:
هجرتك لما أن هجرتك أصبحت ... بنا شمتاً تلك العيون الكواشح
فلا يفرح الواشون بالهجر ربما ... أطال المحب الهجر والحب ناصح
وبعد النوى بين المحبين والهوى ... مع القلب مطوي عليه الجوارح
وهذا الذي ذكر من أول الباب إلى هنا كالمقدمة لهذا الباب وقد آن الشروع في مقاصده وأصدرها بأحد العشاق الأربع قال الفارسي في تنزيه النفس من لدن أدار الله الأفق على نظام التربيع حيث جعل دائرة العالم العلوي أربعة والعناصر والرياح والطبائع كذلك جعل المذاهب وطريقة الحقيقة يعني مسالك الصوفية والعشاق كذلك وكل من هذه معروف في مواضعه. فأما العشاق فجميل بثينة ومجنون ليلى وكثير عزة وقيس لبنى وهذا سر إشارة الاستاذ في التائية وغيرها إلى ما ذكر كقوله:
بها قيس لبنى هام بل كل عاشق ... كمجنون ليلى أو كثير عزة
وأقدم الكلام على جميل لأنه كما يقال أنسب الأربعة. وأما تقديمه في نزهة النفوس المجنون فمراعاة للأولية وجميل المذكور هو ابن عبد الله بن عامر يتصل نسبه بقضاعة.
كذا قاله مغلطاي عن أبي الفرج الأصبهاني كان شاعراً فصيحاً منطقياً صادق الصبابة عفيفاً منزهاً عن الرذائل عارفاً بالنسيب، روى عنه كثير وهو عن هدية ابن الخشرم عن الحطيئة عن زهير بن أبي سلمى بضم السين صاحب المعلقة نشأ في قومه بني ربيعة بوادي القرى بين المدينة ومكة فعلق بثينة بن يحيى بن ثعلب من قومه صغيرين فلما انتشأ خطبها فرد لأن العرب كانت تستهجن إن تزوج من جرى بينهما عشق فكان يأتيها سراً يتحادثان فعلموا به فأرادوا قتله وأنها غمزته عن ذلك فاستخفى وفي ذلك يقول:
فلو أن الغادون بثنة كلهم ... غيارى وكل حارب مزمع قتلى
لحاولتها أما نهاراً مجاهراً ... وأما سري ليل ولو قطعت رجلى
فلما شاع ذلك شبب حواش أخو بثينة بأخت جميل وتفاخرا فغلبه جميل بشهادة العرب حتى قالوا له قل ما شئت في نفسك وأبيك وأنت الباسل الجواد ولحواش قل وأنت دونه في نفسك ويقال إن سبب عشقه بثينة أنه سرح أبله يوماً بواد البغيض وانسطح فأتت مع جوار يملأون الماء فعبثت بفصيل له فتسابا وهذا أخذ من قوله:
وأول ما قاد المودة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلت لها قولاً فجاءت بمثله ... لكل كلام يا بثين جواب
واستعدى أهلها عليه مروان بن هشام الحضرمي وكان والياً من قبل عبد الملك على تيماء وقيل ربعي بن دجاجة فتوعده فمضى مستخفياً إلى الشام وقيل إلى سيد من بني عذرة فأحسن مكانه وزين سبع بنات له رجاء أن يعلق واحدة منهن فيزوجه بها فكن يرفعن الخباء إذا أقبل جميل ففطن لذلك فأنشد:
حلفت لكيما تعلميني صادقاً ... وللصدق خبر في الأمور وأنجح
لتكليم يوم واحد من بثينة ... ورؤيتها عندي الذوا ملح
стр. 28
من الدهر أو اخلو بكنّ وإنما ... أعالج قلباً طامحاً حيث يطمح
وفي نزهة النفوس:
لرؤية يوم واحد من بثينة ... ألذ من الدنيا لديّ وأملح
وهو أحسن تركيباً وأظهر في أعمال أفعل التفضيل وقوله من الدهر معمول ٣ حلفت وفي نسخة مدى الدهر وهو أحسن وأنسب فقيل الشيخ أرخين الخباء فوالله لن يفلح أبداً يعني لا يرجع عن العشق ويدل للأول قوله:
أتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمي أو قاطع من لسانيا
ففي العيش محياة وفي الأرض مهرب ... إذا نحن دافعنا لهن المثانيا
ويحتمل تعدد الواقعة ولما عزل عاد وقيل مما استدل به على تمكن عشقه لها وأنه لا يمكن سلوه عنها مع حكاية البنات المذكورة قوله فيما رواه الشهاب محمود في منازل الأحباب عنه:
علقت الهوى منها وليداً فلم يزل ... إلى الآن ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نوالها ... وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
وللعشاق من أمثال ذلك كثير فمن ذلك قول عروة:
هواها هوى لا يعرف القلب غيره ... فليس له قبل وليس له بعد
وقول المجنون:
ولما أبى إلا جماحاً فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
تسلي بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلي بها تغري بليلى ولا تسلي
وأعظم ما قيل في هذا المعنى واسجم وألطف وأرق وأصنع وأمنع قول الاستاذ ﵀:
حديثي قديم في هواها وماله ... كما علمت بعد وليس له قبل
فإنه قد جمع معاني الأبيات المذكورة الصناعات البديعية من المقابلة الضدية والطرفية ولعمري أنها لم تجتمع لغيره فيما نعلم وعن مغلطاي عن أبي الفرج وشت جارية بجميل وبثينة إلى أبيها وأنه الليلة عنها فأتى وأخوها مشتملين معتمدين سيفيهما لقتله فسمعاه يقول لها بعد شكوى شغفه بها هل لك في طف، ما بي بما يفعل المتحابان فقالت قد كنت عندي بعيداً من هذا ولو عدت إليه لن ترى وجهي أبداً فضحك ثم قال والله ما قلته إلا اختباراً ولو أجبت إليه لضربتك بسيفي هذا إن استطعت وإلا هجرتك أما سمعت قولي:
وإني لأرض من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرّت بلابله
بلى وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله
فقالا لا ينبغي لنا إيذاء من هذه حالته ولا منع التزاور وانصرفا وسأل عبد الملك يوماً كثيراً عن حال جميل وبثينة فقال يا أمير المؤمنين سايرته يوماً إليها فلما وصلنا بالقرب منهم أقبلت مع نسوة فلما رأينه ولين ووقفا يتحادثان من أول الليل حتى طلع الفجر ثم قالت حين أزمعا الفراق ادن مني فدنا فأسرت إليه فخر مغشياً عليه فلما أفاق أنشد:
فما ماء مزن في جبال منيفة ... ولا ما أكنت في معادنها النحل
بأشهى من القول الذي قلت بعدما ... تمكن في حيزوم ناقتي الرحل
وعن كثير قال سألني جميل أخذ موعد من بثينة فقلت هل بينكما موعد قال بوادي الدوم وهي تغسل الثياب فجئت أباها وهو جالس فحادثته قليلاً ثم أنشدته:
وقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل
فإن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وإن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهد منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
فضربت سجاف البيت وقالت اخسأ فقال أبوها ما هذا فهذا كلب يأتينا من وراء هذه الرابية إذا نام الناس فمضيت وأخبرته فأقبل حتى اجتمعا ليلة وسارته كما سلف إلا أنه أنشد البيتين عند إفاقته لم يغير فيهما غير أن قال: نما مكفهر في مجامر جنة. ولا ما أسرت وعن مغلطاي قال دخلت بثينة على عبد الملك وقد أخلقها الدهر فقال لها ما الذي رأى فيك جميل حتى عشقك فقالت ما رأي فيك الناس حتى ولوك الخلافة فضحك حتى بدت له سن سوداء كان يسترها ودخل مصعب بن الزبير يوماً على زوجته عائشة بنت طلحة وكان شغفها بها فوجدها تتمشط فتمثل بهذا البيت:
ما أنس لا أنس منها نظرة عرضت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور
стр. 29
فقيل له إن أم منظور المشار إليها في هذا البيت موجودة فاستحضرها واستحكاها عن سبب قول جميل هذا البيت فقالت كنت ماشطة لبثينة وإني زينتها يوماً فأقبل على بعير ماراً فرآها بمؤخر عينيه فأنشد البيت فأمرها مصعب أن تصنع بعائشة كذلك وصنع هو كجميل وله فيها من الأشعار ما لا يحصى ما بين وصف ونسيب وذكر حكاية إلى غير ذلك فمن مستجادها اللامية التي أنشدها لعمر بن أبي ربيعة وكان من أجل معاصريه في الشعر لقيه يوماً فتفاخر واستنشده جميل فأنشد:
ألم تسأل الأطلال والمتربعا ... ببطن خليات دوارس بلقعا
أتانا رسول من ثلاث كواعب ... ورائقة تستجمع الحسن أجمعا
فلما توقفنا وسلمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أضل وأوضعا
وقرّبن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعاً كلما قسن أصبعا
فقلت لمطريهنّ بالحسن إنما ... ضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا
فأنشده جميل أثر هذه القصيد قصيدته المشهورة التي أولها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلى ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلاً يا جميل وإنني ... لاقسم مالي عن بثينة من مهل
أحلماً فقبل اليوم كان أوانه ... وأخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل
ومنها:
إذا ما تناشدنا الذي كان بيننا ... جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة ... إلى ألفه فاستعجلت عبرة قبلي
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي
ومنها بيتان أنشدهما وقد مر به رجل فأضافه فريداً فجعل يأكل ويبث وجداً به على ابنة عمه حتى أتى عليه وهما:
ويعجبني من جعفر أنّ جعفراً ... يلح على قرصي ويبكي على جمل
فلو كنت عذريّ العلاقة لم تكن ... بطيناً وأنساك الهوى كثرة الأكل
ولما أنشد جميل هذه القصيدة قال لعمر يا أبا الخطاب هل لك في هذا الرومي شيء قال نعم وأنشد:
جرى ناصح بالودّ بيني وبينها ... فقربني يوم الخضاب إلى قتلي
وطارت بوجد من فؤادي ونازعت ... قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
فما أنس ما الأشياء لا أنس موقفي ... وموقفها يوماً بقارعة النخل
فلما تواقفنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
ومنها:
فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدوّي بكائي أو يرى كاشح فعلي
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكنّ سري ليس يحمله مثلي
وقيل أن جميلاً لم ينشده في هذه المرة شيئاً بل قال له امض بنا إلى بثينة فقال له قد حجر علي فقال داني على أبياتها ففعل ومضى عمر فاجتمع بها ثم عاد ثانية وتلاقيا فأنشد جميل رائيته وهي:
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلما ... على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة ... شكرتكما حتى أغيب في قبري
وإنكما إن لم تعوجا فإنني ... سأصرف وجدي فأذنا اليوم بالهجر
وما لي لا أبكي وفي الأيك نائح ... وقد فارقتني شختة الكشح والخصر
أيبكي حمام الأيك من فقد ألفه ... واصبر ما لي عن بثينة من صبر
يقولون مسحور يجنّ بذكرها ... فأقسم ما بي من جنون ولا سحر
واقسم لا أنساك ما ذرّ شارق ... وما هب آل في معلمة قفر
وما لاح نجم في السماء معلق ... وما أورق الأغصان من ورق السدر
لقد شغفت نفسي بثين بذكركم ... كما شغف المجنون يا بثن بالخمر
ذكرت مقامي ليلة البان قابضاً ... على كف حوراء المدامع كالبدر
стр. 30
فكدت ولم أملك إليها صبابة ... أهيم وفاض الدمع مني على النحر
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... كليلتنا حتى نرى ساطع الفجر
تجود علينا بالحديث وتارة ... تجود علينا بالرضاب من الثغر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة ... فيعلم ربي عند ذلك ما شكري
ولو سألت مني حياتي بذلتها ... وجدت بها إن كان ذلك من أمري
فلما سمعها عمر أعجب بها ثم قال لجميل دونك هذه وأنشد:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
ومنها:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروّح رعيان ونوّم سمر
فحييت إذ فاجأتها فتولهت ... وكادت بمكتوم التحية تجهر
وقالت وعضت بالبنان فضحتني ... وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
أريتك أذهناً عليك ألم تخف ... رقيباً وحولي من عدوّك حضر
فوالله ما أدرى التعجيل حاجة ... أتى بك أم قد نام ما كنت تحذر
فقلت لها بل قادني الشوق والهوى ... إليك وما عين من الناس تنظر
فيا لك من ملقى هناك ومجلس ... لنا لم يكدّره علينا مكدّر
يمج ذكاء المسك منها مفلج ... رقيق الحواشي ذو غروب مؤشر
يرق إذا تفترّ عنه كأنه ... حصا برد أو أقحوان منوّر
وترنو بعينيها إليّ كما رنا ... إلى زرنب وسط الخميلة جؤذر
فلما تولى الليل إلا أقبله ... وكادت توالى نجمه تتغوّر
أشارت بأن القوم قد كان منهم ... هبوب ولكن موعد لك عزوز
فما راعني إلا منادٍ برحلة ... وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر
فلما رأت من قد تنوّر منهم ... وإيقاظهم قالت أشر كيف تأمر
فقلت أباديهم فأما أفوتهم ... وأما ينال السيف ثأراً فيثأر
فقالت أتحقيق لما قال كاشح ... علينا وتصديق لما كان يؤثر
إذا كان ما لا بد منه فغيره ... من الأمر أدنى للخفاء وأستر
أقص على أختيّ بدء حديثنا ... وما لي عما يعلما متأخر
لعلهما أن ينعتا لك حيلة ... وأن يرحبا صدراً بما كنت أحصر
فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا ... أقلى عليك الخطب فالأمر أيسر
يقوم فيمشي بيننا متستراً ... فلا سرّنا يفشو ولا هو يظهر
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فلما أنخنا ساحة الحيّ قلن لي ... ألم تثق الأعداء والليل مقمر
وقلنا أهذا دأبك الدهر سادراً ... أما تنتهي أو ترعوي أو تفكر
وقد أنشد عمر هذه القصيدة لعبد الله بن عباس بحضرة نافع بن الأزرق واتفق أهل ذلك العصر على أنه ليس أحد أشعر من جميل وابن أبي ربيعة، وكان جميل يثني على ابن أبي ربيعة كثيراً وكان الناس يقولون في عينيته أشعر وجميل في لاميته والذي يظهر أن جميلاً أشعر مطلقاً عند التأمل، ومن أشعار جميل أيضاً قوله:
ألا ليت أيام الصفاء جديد ... ودهراً تولى يا بثين يعود
فنبقى كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبدلين زهيد
وما أنس ما الأشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نحوي أمصر تريد
ولا قولها لولا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود
خليليّ ما أخفي من الوجد ظاهر ... ودمعي بما أخفى الفؤاد شهيد
ألا قد أرى الله لا ربّ غيره ... إذا الدار شطت بيننا سنرود
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحبّ قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت ذاك منك بعيد
فما ذكر الخلان إلا ذكرتها ... ولا البخل إلا قلت سوف تجود
فلا أنا مردود بما جئت طالباً ... ولا حبها فيما يبيد يبيد
стр. 31
جزتك الجوازي يا بثين سلامة ... إذا ما خليل بان وهو حميد
وقلت له بيني وبينك فاعلمي ... من الله ميثاق له وعهود
وقد كان حبيبكم طريفاً وتالداً ... وما الحب إلا طارف وتليد
وإنّ عروض الوصل بيني وبينها ... وإن سهلته بالمنى لصعود
فأفنيت عيشي بانتظار نوالها ... وأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينها ... يدوف لهم سما طمائم سود
وليتهم في كل ممسى وشارق ... تضاعف أكبال لهم وقيود
ويحسب نسوان من الجهل أنني ... إذا جئت إياهنّ كنت أريد
فأقسم طرفي بينهنّ فيستوي ... وفي الصدر بون بينهنّ بعيد
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بوادي القرى إني إذاً لسعيد
وهل أهبطن أرضاً تظل رياحها ... لها بالثنايا الثاويات وئيد
وهل القين سعدي من الدهر مرة ... وما من حبل الوصال حديد
فقد تلتقي الأهواء من بعد يأسها ... وقد تطلب الحاجات وهي بعيد
وهل ازجرن حرفاً علاة شملة ... بخرق تباريها سواهم قود
على ظهر سرحوب كأن نسوره ... إذا حار هلاك الطريق رقود
سبتني بعيني جؤذر وسط ربرب ... وصدر حكى لون اللجين وجيد
تزيف كما زافت إلى سلفاتها ... مباهية طيّ الوشاح ميود
إذا جئتها يوماً من الدهر زائراً ... تعرّض منقوص اليدين صدود
يصد ويغضي عن هواي ويجتني ... ذنوباً علينا إنه لعنود
فاصرمها خوفاً كأني مجانب ... ويغفل عنا مرّة فنعود
فمن يعط في الدنيا قريناً كمثلها ... فذلك في عيش الحياة رشيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأيّ جهاد غيرهنّ أريد
لكل حديت بينهنّ بشاشة ... وكل قتيل بينهنّ شهيد
إذ فكرت قالت أدركت ودّه ... وما ضرّني بخلي ففيم أجود
ومن كان في حبي بثينة يمتري ... فبقاء ذي ضال عليّ شهيد
ألم تعلمي يا أم ذا الودع إنني ... أضاحك ذكراكم وأنت صلود
ومما كان يلهج بهذه القصيدة لرصانتها ولطفها معبد وكان من أشهر الناس بالدخول وضرب العود والغناء والغريض، وكان أعظم منه حكى عنه في الأغاني إن الجن افتتنت به فأخرجوه إلى مكة فأقام بها لا يفتح بابه وإن معبداً أراد الاجتماع فقصده وأقام يطرق الباب فلم يجب فهجس له أنه لا يخرجه إلا الغناء فأنشد علقت الهوى منها وليداً البيت فلم يشعر إلا وقد فتح الباب وأذن له فدخل عليه فتحادثا وأنشده: وما أنس ما الأشياء لا أنس قولها إلى خمسة أبيات ثم قال إنما غنيتك ذلك لأني علمت أنك تريد أن أغنيك:
وما أنس ما الأشياء لا أنس شادناً ... بمكة مكحول لا أسيلا مدامعه
стр. 32
وإن الجن قد نهتني عنه، قال معبد فقلت لم تعد ما أريد ثم فارقته حين رأيته يستثقل المجالسة وطلبت أن يكمل لي السرور بأن أضم إلى اجتماعي به اجتماعي بمن رأى جميلاً لا آخذ عنه القصيدة فنعت لي شيخ في بني عذرة فجئته فسألته عن جميل فحدث أنه كان في إبل له وإذا رجل غشاه فنزل به فلما ائتلفا قال له هل لك أن تصع معي من الخير ما لو كانت لك الدنيا ذهباً وأنفقتها علي لم تبلغ معشاره قلت وما هذا قال تمضي إلى وراء السفح فتنشد لي بكرة صفتها كذا قلت نعم ومضيت فوجدت العرب مجتمعين على جزور ينحر فاستطلعتهم عنها ثم استأذنتهم في البيوت وقلت لهم إن النساء أدرى بالمارة فأذنوا فانصرفت اتصفح الحي إلى أن أحتدم النهار ولم أظفر بطلبة وإذا أنا بثلاث بنات فقلن لا أنصرف إليه وأدع هذا اليسير فجئتهن فسلمت فرددن ثم استنشدتهن البكرة فقالت إحداهن قد أصبت حاجتك ثم أدخلتني بيتاً وأتتني بقدح مفضض فيه تمر وصحفة شامية مفضضة فيها لبن فتناولت كفايتي ثم قالت إن بكرتك تأتي هذه الشجرة فتطوف بها الليل فرجعت إليه وحدثته القصة فابتهج كالذي أصاب بغيته وأنا لا أدري.
فلما جاء الليل وآنس أن قد نمت عمد إلى رحله فاستخرج بردين ملوكيين من برود الخلافة فأتزر بأحدهما واتشح بالآخر ومضى فتبعته بحيث لم يشعر حتى تلاقيا فلم يكن بينهما إلا ما يرضي الوشاة إلى أن رأيا الصبح فلما أزمعا الفراق سبقته ونمت وجاء فصلى ثم نبهني وهو مسرور فأكل معي وشرب ثم أخبرني أنه جميل وأنها بثينة ثم أعطاني برداً واعتذر وودعني بعد أن قال هل لك أن تمضي فتنشدها أبياتاً قلتها بعد منصرفي عنها قلت نعم فانشدني وما أنس ما الأشياء الأبيات الخمسة فمضيت إليها فقلت قد جئت بالأمس طالباً واليوم مسلماً وذكرت تناءه ووجدت ثم قلت هل أنت بارزة إلي قالت نعم فسمعت جارية تقول لها يا بثينة إن عليه برد جميل ثم خرجت في زنية وقالت يا أخا تميم إن بردك لا يشبه ما عليك واستخرجت ملاءة مصبغة بالعصفر وأقسمت أن أتشح بها ففعلت وأنشدتها ما قال ورجعت بملحفة بثينة وبرد جميل وحكي الشيخ لمعبد أن جميلاً لما اجتمع ببثينة قالت له هل قلت شيئاً فأنشدها:
علقت الهوى منها وليداً ولم يزل ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظاري نوالها ... وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
قال معبد فرجعت جذلان بما اجتمع لي مما طلبت، وعن أبي زيد حين قرئت عليه هذه القصيدة أن هذين البيتين يليهما قوله فلا أنا مردود البيت وفي نسخة أن قوله فما أنس ما الأشياء بعد قوله فما أنا مردود ومنه برواية مغلطاي:
وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهناً قد دنا التعوّر
نشوان ريح مدامة معلولة ... بذكيّ مسك أو سحيق العنبر
إني لأحفظ غيبكم ويسرني ... لو تعلمين بصالح أن تذكري
ويكون يوماً لا أرى لك مرسلاً ... أو نلتقي فيه عليّ كأشهر
يا ليتني أخشى المنية بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر
لو أستطيع تجلداً عن ذكركم ... فأفيق بعد صبابتي وتفكري
لو تعلمين بما أجن من الهوى ... لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري
فلتبكين الباكيات ولم أبح ... يوماً بسرك معلناً لم أغدر
ومنه:
منع النوم شدة الاشتياق ... وادكار الحبيب يوم الفراق
ليت شعري إذا بثينة بانت ... هل لنا بعد بينها من تلاق
ولقد قلت يوم نادى المنادي ... مستحثاً برحلة وانطلاق
ليت لي اليوم يا بثينة منكم ... مجلساً للوداع قبل الفراق
حيث ما كنتم وكنت فإني ... غير ناس للعهد والميثاق
стр. 33
وعن ابن عياش قال لقيت عجوزاً من بني عذرة فقلت لها هل تروي شيئاً عن جميل ومحبوبته قالت نعم كنت يوماً وبثينة قد انفردت تبرم غزلاً والعرب قد اعتزلت الطريق خوف المارة إلى الشام وإذا برجل قد أقبل إلينا فاستثبتناه فإذا هو جميل فقلت له قد عرضتنا ونفسك شراً فمن أين جئت، قال من هذه الهضبة ولي بها ثلاثة أنتظر الفرصة لاحدث بكم عهداً فإني ذاهب إلى مصر فحدثنا ساعة وهو لا يتماسك فجئته بقدح فيه تمر واقط فنال منه يسيراً ثم ودع ومضى فلم نلبث أن جاء أهل الحي ومنه:
أرى كل معشوقين غيري وغيرها ... يلدان في الدنيا ويغتبطان
وأمشي وتمشي في البلاد كأننا ... أسيران للأعداء مرتهنان
أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها ... لي الويل مما يكتب الملكان
ضمنت لها أن لا أهيم بغيرها ... وقد وثقت مني بغير ضمان
ألا يا عباد الله قوموا لتسمعوا ... خصومة معشوقين يختصمان
وفي كل عام يستجدان مرة ... عتاباً وهجراً ثم يصطلحان
يعيشان في الدنيا غريبين أينما ... أقاما وفي الأعوام يلتقيان
وعن سهل الساعدي قال: قال لي رجل هل تعود جميلاً فإنه مريض، فدخلنا عليه فإذا هو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال ما تقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب خمراً ولم يسفك دماً ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله منذ خمسين سنة. قلت من هذا فإني أظنه ناج قال أنا قلت عجيب منك تشبب ببثينة هذه المدة وأنت كذلك. قال أنا في آخر يوم من الدنيا لأنالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها بريبة وأكثر ما كان مني أن أسند يدها إلى فؤادي أستريح ساعة ثم أغمي عليه فلما أفاق أنشد:
صرح النعي وما كني بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كلّ خليل
ولما حضرته الوفاة قال من ينعاني إلى بثينة قال رجل أنا فأعطاه حلته فراح حتى جاء الحي فأنشد:
بكر النعي وما كني بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
بكر النعي بفارس ذي همة ... بطل إذا حمّ اللقاء مذيل
فسمعته بثينة فخرجت مكشوفة تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر لا حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
ثم قالت للناعي يا هذا إن كنت صادقاً فقد قتلتني وإن كنت كاذباً فقد فضحتني فقلت لها والله إني لصادق وأخرجت الحلة فلما رأتها صرخت وصكت وجهها وأقبل النساء يبكين معها حتى خرت مغشياً عليها، ثم أفاقت وأنشدت وإن سلوي البيتين فلم سمع منها غيرهما حتى قضت.
أخبار كثير عزة
هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الشهير بأبي جمعة قد أوصله الكلبي في جمهرة النسب إلى ماء السماء بن حارثة بن ثعلبة المشهور أحد أولاد الأزد ومن أجداده عمرو بن ربيعة الذي دعا العرب عن دين إبراهيم إلى عبادة الأصنام واقترح السوائب والبحيرة فرآه رسول الله ﷺ ليلة المعراج يجر قصبه في النار وهو من خزاعة سموا بذلك لانقطاعهم عن الأزد أيام سيل العرم وجاؤا إلى الشام وهو صاحب عز بنت جميل ابن حفص بن اياس بن عبد العزى يتصل نسبها إلى عبد مناف علقها جارية قد كعبت نهودها بدليل قوله:
نظرت إليها نظرة وهي عاتق ... على حين إن شبت وبان نهودها
نظرت إليها نظرة ما يسرني ... بها حمر انعام البلاد وسودها
وكان سبب دخول الهوى بينهما أن كثيراً مر بغنم له ترد الماء على نسوة من ضمرة بوادي الخبت فأرسلن له عزة بدريهمات تشتري بها كبشاً لهن منه فنظرها نظرة متأمل فداخله منها ما كان، فرد الدراهم وأعطاها الكبش، وقال إن رجعت أخذت حقي. فلما عاد سألته ذلك فقال لا أقتضي إلا من عزة فقلن له ليس فيها كفاءة فاختر إحدانا، فأبى وأنشد البيتين، فجعلن يبرزنها له كارهة ثم داخلها ما داخله وأنه خرج يوماً ومعه اداوة ماء فجفت من الحر ورفعت له نار فأمها وإذا بعجوز فناشدته من الرجل فقال صاحب عزه فقالت له أنت القائل:
стр. 34
إذا ما أتينا خلة كي تزيلنا ... أبين وقلن الحاجبية أول
سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا ... ونحن لتلك الحاجبية أوصل
هلا قلت كما قال جميل
يا رب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تأمل ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضلاً لغيرك ما أتتك رسائلي
والله لأسقينك شيئاً فتركها وانصرف ولما اشتدت حالته أنشد:
يزهدني في حب مية معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب
وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الآذان إلا من القلب
هكذا رواه ابن إسحاق، وقال الشهاب محمود بذلك ونقل في الطبقات الأبيات إلا أنه قال:
يزهدني في حب عزة معشر
ثم قال هذه الأبيات لكثير وقد توهم قوم أنها لذي الرمة بدليل قوله: يزهدني في حب مية معشر، وليس كذلك وإنما كان سهواً، ودخل كثير على عبد الملك ابن مروان فقال له وقد كان يتهمه بالتشيع بحق علي هل رأيت أعشق منك، فقال لو أقسمت علي بحقك لأخبرتك فقال بحقي إلا ما أخبرتني فقال يا أمير المؤمنين خرجت يوماً وإذا أنا بصياد قد نصب شبكته ليصطاد ما يسد به رمقه فقلت له إن ساعدتك شاركني فيما يكون قال نعم فجاءت ظبية فوقعت في الأحبولة فسبقني إليها فحلها ثم مسح وجهها وقبلها وأطلقها وأنشد:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثائقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق
فعينك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق
ودخلت عزة على أم البنين بنت عبد العزيز فقالت لها ما الحق الذي مطلته كثيراً إذ قال:
قضى كل ذي حق فوفى حقوقه ... وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت وعدته قبلة فقانت نجزيها وعلي اثمها وفي رواية أن الحكاية مع سكينة بنت الحسين. وفي الذيل من رواية الفارسي: قضى كل ذي دين فوفى ديونه. وفي أخرى غريمه، وللبيت حكاية من عجيب الاتفاق هي أن كثيراً كان له غلام يتجر على العرب فأعطى النساء إلى أجل، فلما اقضى ما له منهن ماطلته عزة فقال لها يوماً وقد حضرت في نساء أما آن أن تفي بما عندك فقالت كرامة لم يبق إلا الوفاء. فقال صدق مولاي حيث يقول قضى كل ذي دين وأنشد البيت فقلن له أتدري من غريمتك فقال لا نلن هي والله عزه فقال أشهدكن علي أنها في حل مما عندها ومضى فأخبر مولاه بالحكاية فقال له وأنت حر وما عندك لك، ورأيت في روضة الدولتين لأبي شامة إن الذي وهبه كثير ألف دينار وأنشد حين أعتق الغلام:
سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدهر غائله
يودّ بأن يمسي سقيماً لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند عز شمائله
ودخلت عزة على عبد الملك فقال لها أتروين قول كثير:
لقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي والخليقة كالتي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر
فقالت لا أدري هذا ولكن أروي قوله:
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو يمشي بها العصم زلت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن سلّ منها ذلك الوصل ملت
فضحك من ذلك وقيل أنه سألها عن قوله قضى كل ذي دين وهذان البيتان من قصيدة طويلة رواها في الذيل عن ابن دريد عن عمه عن حماد عن كثير وقال أنها من عجائب شعره وهي:
خليليّ هذا بع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات الحزن حتى تولت
وفي رواية ولا موجعات القلب البيت:
فقد حلفت جهداً بما نحرت له ... قريش غداة المازمين وصلت
أناديك ما حج الحجيج وكبرت ... بفيفاً غزال رفقة وأهلت
стр. 35
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كنا ذرة نذراً فأوفت وحلت
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
ولم يلق انسان من الحب ميتة ... تغم ولا غماء إلا تجلت
كأني أنادي البيتين:
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة فيدت ... بحبل ضعيف حزمنها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فدلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العشار استقلت
أريد التواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلي وأما بالنوال فضنت
يكلفها الخنزير شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
ومن أول القصيدة إلى قوله فما أنصفت لزوم ما لا يلزم ولم يخالفه إلا في البيت المذكور، وللبيتين اللذين بعده حكاية هي أن كثيراً سافر مع جماعة إلى مكة فاتفق أن خرجت عزة وزوجها في ذلك العير، فلما كان في أثناء الطريق مرت بجمل له فسلمت على الجمال فبلغ كثيراً ذلك فجاء إلى الجمل فحله وأطلقه من الحمل وأنشد:
حيتك عزة بعد الهجر وانصرفت ... فحي ويحك من حياك يا جمل
ليت التحية كانت لي فأرددها ... مكان يا جمل حييت يا رجل
زاد أبو علي بيتاً بين هذين وهو:
لو كنت حييتها ما زلت ذامقة ... عندي ولا مسك الادلاج والعمل
ثم اتفق أن زوجها أمرها ليلة أن تقتبس ناراً وقال في النزهة أن تستعطي سمناً فلقيها كثير فأخبرته بحاجتها فأخرج أدواة سمن وجعل يسكب في إناء عزة وهما يتحادثان فلم يشعرا حتى غرقت أرجلهما، فلما رجعت أنكر زوجها كثرة السمن وأقسم عليها فأخبرته فحلف ليضربنها أو لتخرجن فتشتم كثيراً بحيث يسمعها ففعلت فأنشد يكلفها الخنزير البيتين وفي منازل الأحباب أنها وقفت عليه وهو يبري سهاماً ما فجعل يبري ساعده فدخلت عليه فمسحت الدم بثوبها وأن زوجها لم ينكر إلا وجود الدم، وقيل له أنت أشعر أم جميل فقال كيف يكون أشعر مني وهو القائل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وأنا القائل هنيئاً مريئاً البيت وليس فيما ذكر دليل على أنه أشعر منه وإنما يدل ذلك على أن كثيراً أرق قلباً وأشفق على محبوبته وأشد عشقاً فلو سبق الكلام لذلك فكان الصق بالمعنى وأولى وتمام القصيدة:
ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلت
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحباً ... وحققت لها العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... مناويح لو سارت بها العيس كلت
فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت ... بعافية أسبابه قد تولت
خليليّ إن الحاجبية طلحت ... قلوصيكما إذ ناقتي قد أكلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن نقلت
ولكن انبلي واذكري من مودة ... بناخلة كانت لديك فضلت
وإني وإن صدت لمثن وصادق ... عليها بما كانت علينا أدلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامتاً إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرة فتجلت
وأصبحت قد أبليت من دنف بها ... ولا بعدها من خلة حيث خلت
وما مر من يوم عليّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
وأضحت بأعلى شاهق من فؤاده ... فلا القلب يسلاها ولا العين ملت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس إذ وطنتها كيف زلت
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت
стр. 36
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيم اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فما جاوزته استهلت
وخرج يوماً من عند عبد الملك فاعترضته عجوز معها نار في روثة فقالت من أنت قال صاحب عزة فقالت أنت القائل:
وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
يا طيب من أردان عزة موهناً ... إذا أرقدت بالمندل الرطب نارها
قال نعم قالت ويحك إذا أوقد المندل الرطب على هذه الروضة أو بخرت به أمك العجوز الشناء كانت كذلك فهلا قلت كما قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
ألم ترياني كلما جئت زائراً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
فناولها مطرف خز كان معه وقال استري علي ذلك وهذه الحكاية نقلها قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه، ثم قال إن بعض مشايخ الأدب قال ليس على كثير شيء فإن قوله إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها نعت للروضة المذكورة انتهى وهذا جيد لو لم يطلب كثير من العجوز الستر فإنه عرفنا أنه ما أراد إلا المعنى المعترض فيكون هذا تصحيحاً لإثبات قصده، وتوفي كثير سنة خمس ومائة في اليوم الذي مات فيه عكرمة مولى ابن عباس وقبر في مقابر المدينة وله في عزة أشعار كثيره من محاسنها قوله:
يقولون سوداء العيون مريضة ... فأقبلت من أهلي إليها أعودها
فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدوداً كان النفس ليس تريدها
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
وقيل أن هذه الأبيات لذي الرمة لأنه بعد ما ذكر يقول:
وكنت إذا ما جئت ميا أزورها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
ومنها وقد سأل عبد العزيز أن يرشده إلى قبر عزة فلما وقف عليه أنشد:
وقفت على ربع لعزة ناقتي ... وفي البر رشاش من الدمع يسفح
فيا عز أنت البدر قد حال دونه ... رجيع تراب والصفيح المضرح
وقد كنت أبكي من فراقك خفية ... فهذا لعمري اليوم أنأى وأنزح
فهلا فداك الموت من أن ترينه ... بمن هو أسوأ منك حالاً وأقبح
ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة ... لشيء ولا ملجأ لمن يتملح
فلا زال رمس ضم عزة سائلاً ... به نعمة من رحمة الله تسفح
فإن التي أحببت قد حال دونها ... طوال الليالي والضريح الموجح
أرب بعيني البكا كل ليلة ... فقد كاد مجرى الدمع عيني يقرح
إذا لم يكن ما تسفح العين لي دماً ... وشر البكاء المستعار المسيح
ومنها:
ألا حيا ليلى أجد رحيلي ... وآذن أصحابي غدا بقفولي
تبدت له ليلى لتذهب عقله ... وشاقتك أم الصلت بعد ذهول
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
إذا ذكرت ليلى تغشتك عبرة ... تعل بها العينان بعد نهول
ومنها:
حلفت برب الراقصات إلى منى ... خلال الملا يمددن كل جديل
يمين امرىء مستغلظ من ألية ... يكذب قيلاً قد ألح بقيل
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بليلى ولا راسلتهم برسول
فإن جاءك الواشون عني بكذبة ... فروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهمي ... بنصح أتى الواشون أم بخيول
ومنها:
تذكرت أتراباً لعزة كالمهى ... حبين بلفظ ناعم وقبول
وكنت إذا لاقيتهنّ كأنني ... مخالطة عقلي سلاف شمول
ومنها:
كفى حزناً للعين إن رد طرفها ... لعزة عير آذنت برحيل
وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكى ... فقلت البكى أشفى إذن لغليلي
توليت محزوناً وقلت لصاحبي ... أقاتلتي ليلى بغير قتيل
стр. 37
لعزة إذ ما حل بالخيف أهلها ... فأوحش منها الخيف بعد حلول
وبدل منها بعد طول إقامة ... تبعث نكباء العنى جفول
لقد أكثر الواشون فينا وفيكم ... ومال بنا الواشون كل مميل
وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالمقصي بكل سبيل
ومنها:
لا تغدرن بوصل عزة بعد ما ... أخذت عليك مواثقاً وعهودا
إن المحب إذا أحب حبيبه ... صدق الصفاء وأنجز الموعودا
الله يعلم لو أردت زيادة ... في حب عزة ما وجدت مزيدا
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خرو العزة خاشعين سجودا
والميت ينشر أن تمس عظامه ... مساو يخلدان يراك خلودا
وهذا الشعر رواه الحافظ مغلطاي كما هو عن جميل وقد رأيته في النزهة منسوباً إليه وبعدما ذكر بيتاً استشهد به على مجيء التوكيد بالحرق قال وكثيراً ما نقله النحاة هكذا:
لا لا أبوح بحث بثنة أنها ... أخذت عليّ مواثقاً وعهودا
قال القالي هو لكثير وذكر بثنة سبق قلم والأصل عزة أو أن الشعراء كثيراً ما يعدلون عن اسم من يريدون إلى ما لا يريدون تودية وغيرة وسيأتي لذلك ايضاح.
ومنها:
تفرق أنواع الحجيج على منى ... وفرقهم شعب النوى بين أربع
فلم أر داراً مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التف الحجيج لمجمع
أقل مقيماً راضياً بمقامه ... وأكثر جاراً ظاعناً لم يودع
فشاقوك لما وجهوا كل وجهة ... سراعاً وأخلوا عن منازل بلقع
فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم سالك خبت يفرع
أخبار قيس ولبنى
هو قيس بن ذريح بن سنة، وفي رواية ابن الحباب يتصل نسبه ببكر بن عبد مناة عذري وهو من خزاعة واسم أبيه علي أو هو جده، وكان ينزل بظاهر المدينة وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وسبب علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبية أنه ذهب بعض حاجاته فمر ببني كعب وقد احتدم الحر فاستسقى الماء من خيمة منهم فبرزت إليه امرأة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام سهلة المنطق فناولته اداوة ماء، فلما صدر قالت له ألا تبرد عندنا، وقد تمكنت من فؤاده فقال نعم، فمهدت له وطاء واستحضرت ما يحتاج إليه وإن أباها جاء.
فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهم بياض اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه وأنه مر بها ثانياً فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من بها فوجد عندها أضعاف ذلك فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر.
فمضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركهما وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصة فرثى له والتزم له أن يكفيه هذا الشان.
فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة، وقال يا ابن رسول الله لو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس.
стр. 38
ونقل السيوطي في شرح الشواهد عن ابن عساكر، أن الحين بن علي لما بلغه انقباض أبي قيس عن ذلك، جاء إليه حافياً على حر الرمل فقام ومرغ وجهه على أقدامه، وكان ذريح ملياً فمضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى. ونقل الجلال السيوطي أن الحسين أدى المهر من عنده، ولما تزوجها أقام مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الاقبال، وفنون المحبة، وأن قيساً على أبلغ ما يكون من أنواع البر بأمه فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك فحسنت لأبيه التفريق بينهما فقالت له يوماً لو زوجته بمن تحمل لتجيء بولد كان أبقى لنسبك واحفظ لبيتك ومالك، وأنهما عرضا على قيس ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وقال لا أسيبها قط. وأقام يدافعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه أو هي أمه لا يكنه سقف أو يطلق قيس لبنى. فكان إذا اشتد الهجير يجيئه فيلظه بردائه ويصطلي هو حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له لا تفعل فتهلك إلى أن قدر أن طلقها، فلما أزمعت الرحيل بعد العدة جاء وقد قوض فسطاطها فسأل الجارية عن أمرهم فقالت سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها غداة غد ترحل إلى أهلها فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق وأنشد:
وإني لمفن دمع عيني بالبكى ... حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفيك إلا أن ما حان حائن
وقال أيضاً:
يقولون لبنى فتنة كنت قبلها ... بخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي ... وأقررت عين الشامت المتملق
وددت وبيت الله أني عصيتم ... وحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوص البحر والبحر زاخر ... أبيت على اثباج موج مفرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها ... عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر ... ويكره سمعي بعدها كل منطق
وسقط غراب بحيث ينظره فنعق حين رحيلها فأنشد:
لقد نادى الغراب ببين لبنى ... فطار القلب من حذر الغراب
وقال غداً تباعد دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غراب ... وكان الدهر سعيك في تباب
وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها، فلما غابت رجع يقبل أثر بعيرها، فليم على ذلك فأنشد:
وما أحببت أرضكم ولكن ... أقبل أثر من وطىء الترابا
لقد لاقيت من كلف بلبنى ... بلاء ما أسيغ له الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى ... عييت فلا أطيق له جوابا
ولما أجنه الليل أوى إلى مضجعه فلم يطق قرار فجعل يتململ ويتمرغ في موضعه ويقول:
بت والهم يا لبينى ضجيعي ... وجرت مذ نأيت عني دموعي
وتنفست إذ ذكرتك حتى ... زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي
يا لبينى فدتك نفسي وأهلي ... هل لدهر مضى لنا من رجوع
وقال أيضاً:
قد قلت للقلب لا لبناك فاعترف ... قضلت لبانة ما قضيت فانصرف
قد كنت أحلف جهدي لا أفارقها ... أُف لكثرة زيف القيل والحلف
حتى تكنفني الواشون فافتلتت ... لا تأمنن أبداً من غش مكتنف
هيهات هيهات قد أمست مجاورة ... أهل العقيق وأمسينا على سرف
حيّ يمانون والبطحاء منزلها ... هذا لعمرك شكل غير مؤتلف
وأرسلت إليه يوماً أمه بنات يعبن لبنى عنده ويلهينه بالتعرض إلى وصلهن فأنشد:
يقر لعيني قربها ويزيدني ... بها عجباً من كان عندي يعيبها
وكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست والله فاعلمي ... بأول نفس غاب عنها حبيبها
فلم ينصرفن ودمن على ما كن فيه فنادى يا لبنى فقلن ما لك قال خدرت رجلي وكان من المعلوم عند العرب أنه إذا خدرت رجل الرجل وذكر لها أحب الناس إليها سكنت ثم قال:
إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت
стр. 39
دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لفارقتها في حبها فقضيت
برت نبلها للصيد لبنى عشية ... ورشت بأخرى مثلها وبريت
فلما رمتني أقصدتني بلبلها ... وأخطأتهم بالسهم حين رميت
وفارقت لبنى ضلة فكأنني ... قرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت إني مت قبل فراقها ... وهل يرجعن قول المفرط ليت
فوطن لنفسي منك هلكاً فإنني ... كأنك بي قد يا ذريح قضيت
ورأيت الأبيات في كتاب لا أعرف جامعه وفيها يقول:
فيا ليت إني مت قبل فراقها ... وهل ينفعن بعد التفرق ليت
فإن يك تهيامي بلبنى غواية ... فقد يا ذريح بن الحباب غويت
فوطن البيت، ولما اشتد شوقه وزاد غرامه أفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندمع وجعل يتلطف به، فأرسل له طبيباً وقينات يسألون عن حاله ويلهونه، فلما أطالو عليه أنشد:
عند قيس من حب لبنى ولبنى ... داء قيس والحب صعب شديد
فإذا عادني العوائد يوماً ... قالت العين لا أرى من أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضي ... أنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس لقد تضمن منها ... داء خبل فالقلب منه عميد
فقال له الطبيب مذ كم هذه العلة بك ومذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فقال:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... وليس إذا متنا بمنفصم العقد
فزاد كما زدنا وأصبح نامياً ... وليس إذا متنا بمنصم المهد
ولكنه باق على كل حادث ... وزائرتي في ظلمة القبر واللحد
فقال إنما يسليك عنها تذكر ما فيها من المساوي والمعايب وما تعافه النفس فقال:
إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً ... وحسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضلت لبنى على الناس مثل ما ... على ألف شهر فضلت ليلة القدر
إذا ما شئت شبراً من الأرض أرجفت ... من البهر حتى ما تزيد على شبر
لها كفل يرتج منها إذا مشت ... ومتن كغصن البان منضمر الخصر
وأن أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنبه ويلومه، فلما لم يفد ذلك عرض عليه التزويج وأنشد:
لقد خفت أن لا تقنع النفس بعدها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وازجر عنها النفس إن حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا
فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بتصفح احياء العرب فلعل أن تقع عينه على امرأة تستميل عقله فاقسموا عليه أن يفعل ففعل وأنه اتفق أن نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً وبهجة فسأل عن اسمها فقالت لبنى فسقط مغشياً عليه فارتاعت منه ونضحت وجهه بالماء وقالت إن لم تكن قيساً فمجنون.
فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس فأقسمت عليه أن ينال من طعامها، فتناول قليلاً وركب فجاء أخوها على أثره فأعلمته القصة فركب حتى استرده وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً، فقال شفقت علي وأجاب فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه الصهارة حتى لامته العرب وقالوا نخشى أن يصير فعلك سنة فيقول دعوني في مثل هذا الفتى يرغب الكرام وقيس يقول له إن فيكم الكفاية ولكني في شغل لا ينتفع بي معه فألح عليه حتى عقد له على أخته ودخل بها فأقام معها أياماً لا تهش نفسه إليها ولا يكلمها ثم استأذن في الخروج إلى أهله فأذنوا له فخرج إلى المدينة وكان له بها صديق فأعمله أن لبنى قد بلغها تزويجه فغمت لذلك وقالت إنه لغدار وإني طالما خطبت فأبيت والآن أجيب هذا وإن أبا لفنى قد اشتكى قيساً إلى معاوية وإنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان بهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني وهو كندي حليف قريش فجعل النساء ليلة زفافها يغنينها:
لبينى زوجها أصبح ... لا حر يوازيه
له فضل على الناس ... وقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقاً ... صريع في بواكيه
فلا يبعده الله ... وبعداً لنواعيه
стр. 40
ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محلة قومها فقالت له النساء ما تصنع هنا وقد رحلت مع زوجها فلم يلتفت حتى أتى موضع خبائها فتمرغ به وأنشد:
إلى الله أشكوا فقد لبنى كما شكا ... إلى الله بعد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه ... نحيل وعهد الوالدين قديم
وأنشد حين بلغه هدر دمه:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... مقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكا ... ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ... ومن كرب تعتادني وزفير
ومن حرق للحب في باطن الحشا ... وليل طويل الحزن غير قصير
سأبكي على نفسي بعين غزيرة ... بكاء حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى ... يا نعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة بظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا ... ولكنما الدنيا متاع غرور
وقال أيضاً:
وإن تك لبنى قد أتى دون قربها ... حجاب منيع ما إليه سبيل
فإن نسيم الجو يجمع بيننا ... ونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحين تلتقي ... ونعلم أنا بالنهار نقيل
وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا ... سماء نرى فيها النجوم تجول
إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي ... ترات يرها عندنا وذحول
وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروجه أيضاً فتلاقيا فأبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبر عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد:
إذا طلعت شمس النهار فسلمي ... فإني يسليني عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت ... وعشر إذا اصفرت وحان رجوعها
ولو أبلغتها جارة قولي أسلمي ... طوت حزناً وارفض منها دموعها
وحين انقضى الحج مرض مرضاً أنهكه فأكثر الناس من عيادته فجعل يتكفر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد:
ألبنى لقد جلت عليك مصيبتي ... غداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنيني نيلاً وتلويني به ... فنفسي شوقاً كل يوم تقطع
ألومك في شأني وأنت مليمة ... لعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرة ... فما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي عليّ جنازة ... لديك فلا تبكي غداً حين أرفع
فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة وفي منازل الأحباب يرفعه إلى ابن عباس قال مررت بربع عفا وسمه وإذا بشخص فسلمت عليه لم يرد فمضيت وإذا هو يناديني فرجعت فرد علي السلام واعتذر ثم ذكر أنه تعتريه غيبة العقل أطواراً هذا ودمعه يسفح كالغيث فقلت له من أنت قال قيس ابن ذريح وأنشد:
أمانيه لبنى ولم يقطع المدى ... بوصل ولا هجر فبيأس طامع
أبى الله أن يلقي الرشاد متيم ... ألا كل شيء حمّ لا شك واقع
هما برحابي معولين كلاهما ... فؤاد وعين ماقها الدهر دامع
إذا نحن أفنينا البكاء عشية ... فموعدنا قرن من الشمس طالع
قال الحافظ مغلطاي وأخبرت لبنى بمرضه في حبها فقالت دفعاً للوهم مم يتمارض فبلغته القصة فأنشد:
تكذبني بالودّ لبنى وليتها ... تكلف مني مثله فتذوق
ولو تعلمين الغيب أيقنت أنني ... لكم والهدايا المشعرات صديق
تتوق إليك النفس ثم أردّها ... حياء ومثلي بالحياء حقيق
إذ ود سوام النفس عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق
شهدت على نفسي بأنك غادة ... رداح وإن الوجه منك عتيق
следующие страницы →