← Адаб

Адаб · id 630

تزيين الأسواق في أخبار العشاق

داود الأنطاكي

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيم اضمحلت كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فما جاوزته استهلت وخرج يوماً من عند عبد الملك فاعترضته عجوز معها نار في روثة فقالت من أنت قال صاحب عزة فقالت أنت القائل: وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها يا طيب من أردان عزة موهناً ... إذا أرقدت بالمندل الرطب نارها قال نعم قالت ويحك إذا أوقد المندل الرطب على هذه الروضة أو بخرت به أمك العجوز الشناء كانت كذلك فهلا قلت كما قال امرؤ القيس بن حجر الكندي: ألم ترياني كلما جئت زائراً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب فناولها مطرف خز كان معه وقال استري علي ذلك وهذه الحكاية نقلها قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه، ثم قال إن بعض مشايخ الأدب قال ليس على كثير شيء فإن قوله إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها نعت للروضة المذكورة انتهى وهذا جيد لو لم يطلب كثير من العجوز الستر فإنه عرفنا أنه ما أراد إلا المعنى المعترض فيكون هذا تصحيحاً لإثبات قصده، وتوفي كثير سنة خمس ومائة في اليوم الذي مات فيه عكرمة مولى ابن عباس وقبر في مقابر المدينة وله في عزة أشعار كثيره من محاسنها قوله: يقولون سوداء العيون مريضة ... فأقبلت من أهلي إليها أعودها فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدوداً كان النفس ليس تريدها ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها وقيل أن هذه الأبيات لذي الرمة لأنه بعد ما ذكر يقول: وكنت إذا ما جئت ميا أزورها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها ومنها وقد سأل عبد العزيز أن يرشده إلى قبر عزة فلما وقف عليه أنشد: وقفت على ربع لعزة ناقتي ... وفي البر رشاش من الدمع يسفح فيا عز أنت البدر قد حال دونه ... رجيع تراب والصفيح المضرح وقد كنت أبكي من فراقك خفية ... فهذا لعمري اليوم أنأى وأنزح فهلا فداك الموت من أن ترينه ... بمن هو أسوأ منك حالاً وأقبح ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة ... لشيء ولا ملجأ لمن يتملح فلا زال رمس ضم عزة سائلاً ... به نعمة من رحمة الله تسفح فإن التي أحببت قد حال دونها ... طوال الليالي والضريح الموجح أرب بعيني البكا كل ليلة ... فقد كاد مجرى الدمع عيني يقرح إذا لم يكن ما تسفح العين لي دماً ... وشر البكاء المستعار المسيح ومنها: ألا حيا ليلى أجد رحيلي ... وآذن أصحابي غدا بقفولي تبدت له ليلى لتذهب عقله ... وشاقتك أم الصلت بعد ذهول أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل إذا ذكرت ليلى تغشتك عبرة ... تعل بها العينان بعد نهول ومنها: حلفت برب الراقصات إلى منى ... خلال الملا يمددن كل جديل يمين امرىء مستغلظ من ألية ... يكذب قيلاً قد ألح بقيل لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بليلى ولا راسلتهم برسول فإن جاءك الواشون عني بكذبة ... فروها ولم يأتوا لها بحويل فلا تعجلي يا ليل أن تتفهمي ... بنصح أتى الواشون أم بخيول ومنها: تذكرت أتراباً لعزة كالمهى ... حبين بلفظ ناعم وقبول وكنت إذا لاقيتهنّ كأنني ... مخالطة عقلي سلاف شمول ومنها: كفى حزناً للعين إن رد طرفها ... لعزة عير آذنت برحيل وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكى ... فقلت البكى أشفى إذن لغليلي توليت محزوناً وقلت لصاحبي ... أقاتلتي ليلى بغير قتيل

стр. 37

لعزة إذ ما حل بالخيف أهلها ... فأوحش منها الخيف بعد حلول وبدل منها بعد طول إقامة ... تبعث نكباء العنى جفول لقد أكثر الواشون فينا وفيكم ... ومال بنا الواشون كل مميل وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالمقصي بكل سبيل ومنها: لا تغدرن بوصل عزة بعد ما ... أخذت عليك مواثقاً وعهودا إن المحب إذا أحب حبيبه ... صدق الصفاء وأنجز الموعودا الله يعلم لو أردت زيادة ... في حب عزة ما وجدت مزيدا رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خرو العزة خاشعين سجودا والميت ينشر أن تمس عظامه ... مساو يخلدان يراك خلودا وهذا الشعر رواه الحافظ مغلطاي كما هو عن جميل وقد رأيته في النزهة منسوباً إليه وبعدما ذكر بيتاً استشهد به على مجيء التوكيد بالحرق قال وكثيراً ما نقله النحاة هكذا: لا لا أبوح بحث بثنة أنها ... أخذت عليّ مواثقاً وعهودا قال القالي هو لكثير وذكر بثنة سبق قلم والأصل عزة أو أن الشعراء كثيراً ما يعدلون عن اسم من يريدون إلى ما لا يريدون تودية وغيرة وسيأتي لذلك ايضاح. ومنها: تفرق أنواع الحجيج على منى ... وفرقهم شعب النوى بين أربع فلم أر داراً مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التف الحجيج لمجمع أقل مقيماً راضياً بمقامه ... وأكثر جاراً ظاعناً لم يودع فشاقوك لما وجهوا كل وجهة ... سراعاً وأخلوا عن منازل بلقع فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم سالك خبت يفرع أخبار قيس ولبنى هو قيس بن ذريح بن سنة، وفي رواية ابن الحباب يتصل نسبه ببكر بن عبد مناة عذري وهو من خزاعة واسم أبيه علي أو هو جده، وكان ينزل بظاهر المدينة وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وسبب علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبية أنه ذهب بعض حاجاته فمر ببني كعب وقد احتدم الحر فاستسقى الماء من خيمة منهم فبرزت إليه امرأة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام سهلة المنطق فناولته اداوة ماء، فلما صدر قالت له ألا تبرد عندنا، وقد تمكنت من فؤاده فقال نعم، فمهدت له وطاء واستحضرت ما يحتاج إليه وإن أباها جاء. فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهم بياض اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه وأنه مر بها ثانياً فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من بها فوجد عندها أضعاف ذلك فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر. فمضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركهما وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصة فرثى له والتزم له أن يكفيه هذا الشان. فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة، وقال يا ابن رسول الله لو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس.

стр. 38

ونقل السيوطي في شرح الشواهد عن ابن عساكر، أن الحين بن علي لما بلغه انقباض أبي قيس عن ذلك، جاء إليه حافياً على حر الرمل فقام ومرغ وجهه على أقدامه، وكان ذريح ملياً فمضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى. ونقل الجلال السيوطي أن الحسين أدى المهر من عنده، ولما تزوجها أقام مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الاقبال، وفنون المحبة، وأن قيساً على أبلغ ما يكون من أنواع البر بأمه فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك فحسنت لأبيه التفريق بينهما فقالت له يوماً لو زوجته بمن تحمل لتجيء بولد كان أبقى لنسبك واحفظ لبيتك ومالك، وأنهما عرضا على قيس ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وقال لا أسيبها قط. وأقام يدافعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه أو هي أمه لا يكنه سقف أو يطلق قيس لبنى. فكان إذا اشتد الهجير يجيئه فيلظه بردائه ويصطلي هو حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له لا تفعل فتهلك إلى أن قدر أن طلقها، فلما أزمعت الرحيل بعد العدة جاء وقد قوض فسطاطها فسأل الجارية عن أمرهم فقالت سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها غداة غد ترحل إلى أهلها فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق وأنشد: وإني لمفن دمع عيني بالبكى ... حذار الذي قد كان أو هو كائن وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفيك إلا أن ما حان حائن وقال أيضاً: يقولون لبنى فتنة كنت قبلها ... بخير فلا تندم عليها وطلق فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي ... وأقررت عين الشامت المتملق وددت وبيت الله أني عصيتم ... وحملت في رضوانها كل موثق وكلفت خوص البحر والبحر زاخر ... أبيت على اثباج موج مفرق كأني أرى الناس المحبين بعدها ... عصارة ماء الحنظل المتفلق فتنكر عيني بعدها كل منظر ... ويكره سمعي بعدها كل منطق وسقط غراب بحيث ينظره فنعق حين رحيلها فأنشد: لقد نادى الغراب ببين لبنى ... فطار القلب من حذر الغراب وقال غداً تباعد دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب فقلت تعست ويحك من غراب ... وكان الدهر سعيك في تباب وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها، فلما غابت رجع يقبل أثر بعيرها، فليم على ذلك فأنشد: وما أحببت أرضكم ولكن ... أقبل أثر من وطىء الترابا لقد لاقيت من كلف بلبنى ... بلاء ما أسيغ له الشرابا إذا نادى المنادي باسم لبنى ... عييت فلا أطيق له جوابا ولما أجنه الليل أوى إلى مضجعه فلم يطق قرار فجعل يتململ ويتمرغ في موضعه ويقول: بت والهم يا لبينى ضجيعي ... وجرت مذ نأيت عني دموعي وتنفست إذ ذكرتك حتى ... زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي يا لبينى فدتك نفسي وأهلي ... هل لدهر مضى لنا من رجوع وقال أيضاً: قد قلت للقلب لا لبناك فاعترف ... قضلت لبانة ما قضيت فانصرف قد كنت أحلف جهدي لا أفارقها ... أُف لكثرة زيف القيل والحلف حتى تكنفني الواشون فافتلتت ... لا تأمنن أبداً من غش مكتنف هيهات هيهات قد أمست مجاورة ... أهل العقيق وأمسينا على سرف حيّ يمانون والبطحاء منزلها ... هذا لعمرك شكل غير مؤتلف وأرسلت إليه يوماً أمه بنات يعبن لبنى عنده ويلهينه بالتعرض إلى وصلهن فأنشد: يقر لعيني قربها ويزيدني ... بها عجباً من كان عندي يعيبها وكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمري توبة لا أتوبها فيا نفس صبر الست والله فاعلمي ... بأول نفس غاب عنها حبيبها فلم ينصرفن ودمن على ما كن فيه فنادى يا لبنى فقلن ما لك قال خدرت رجلي وكان من المعلوم عند العرب أنه إذا خدرت رجل الرجل وذكر لها أحب الناس إليها سكنت ثم قال: إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت

стр. 39

دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لفارقتها في حبها فقضيت برت نبلها للصيد لبنى عشية ... ورشت بأخرى مثلها وبريت فلما رمتني أقصدتني بلبلها ... وأخطأتهم بالسهم حين رميت وفارقت لبنى ضلة فكأنني ... قرنت إلى العيوق ثم هويت فيا ليت إني مت قبل فراقها ... وهل يرجعن قول المفرط ليت فوطن لنفسي منك هلكاً فإنني ... كأنك بي قد يا ذريح قضيت ورأيت الأبيات في كتاب لا أعرف جامعه وفيها يقول: فيا ليت إني مت قبل فراقها ... وهل ينفعن بعد التفرق ليت فإن يك تهيامي بلبنى غواية ... فقد يا ذريح بن الحباب غويت فوطن البيت، ولما اشتد شوقه وزاد غرامه أفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندمع وجعل يتلطف به، فأرسل له طبيباً وقينات يسألون عن حاله ويلهونه، فلما أطالو عليه أنشد: عند قيس من حب لبنى ولبنى ... داء قيس والحب صعب شديد فإذا عادني العوائد يوماً ... قالت العين لا أرى من أريد ليت لبنى تعودني ثم أقضي ... أنها لا تعود فيمن يعود ويح قيس لقد تضمن منها ... داء خبل فالقلب منه عميد فقال له الطبيب مذ كم هذه العلة بك ومذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فقال: تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... وليس إذا متنا بمنفصم العقد فزاد كما زدنا وأصبح نامياً ... وليس إذا متنا بمنصم المهد ولكنه باق على كل حادث ... وزائرتي في ظلمة القبر واللحد فقال إنما يسليك عنها تذكر ما فيها من المساوي والمعايب وما تعافه النفس فقال: إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً ... وحسبك من عيب لها شبه البدر لقد فضلت لبنى على الناس مثل ما ... على ألف شهر فضلت ليلة القدر إذا ما شئت شبراً من الأرض أرجفت ... من البهر حتى ما تزيد على شبر لها كفل يرتج منها إذا مشت ... ومتن كغصن البان منضمر الخصر وأن أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنبه ويلومه، فلما لم يفد ذلك عرض عليه التزويج وأنشد: لقد خفت أن لا تقنع النفس بعدها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا وازجر عنها النفس إن حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بتصفح احياء العرب فلعل أن تقع عينه على امرأة تستميل عقله فاقسموا عليه أن يفعل ففعل وأنه اتفق أن نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً وبهجة فسأل عن اسمها فقالت لبنى فسقط مغشياً عليه فارتاعت منه ونضحت وجهه بالماء وقالت إن لم تكن قيساً فمجنون. فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس فأقسمت عليه أن ينال من طعامها، فتناول قليلاً وركب فجاء أخوها على أثره فأعلمته القصة فركب حتى استرده وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً، فقال شفقت علي وأجاب فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه الصهارة حتى لامته العرب وقالوا نخشى أن يصير فعلك سنة فيقول دعوني في مثل هذا الفتى يرغب الكرام وقيس يقول له إن فيكم الكفاية ولكني في شغل لا ينتفع بي معه فألح عليه حتى عقد له على أخته ودخل بها فأقام معها أياماً لا تهش نفسه إليها ولا يكلمها ثم استأذن في الخروج إلى أهله فأذنوا له فخرج إلى المدينة وكان له بها صديق فأعمله أن لبنى قد بلغها تزويجه فغمت لذلك وقالت إنه لغدار وإني طالما خطبت فأبيت والآن أجيب هذا وإن أبا لفنى قد اشتكى قيساً إلى معاوية وإنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان بهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني وهو كندي حليف قريش فجعل النساء ليلة زفافها يغنينها: لبينى زوجها أصبح ... لا حر يوازيه له فضل على الناس ... وقد باتت تناجيه وقيس ميت حقاً ... صريع في بواكيه فلا يبعده الله ... وبعداً لنواعيه

стр. 40

ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محلة قومها فقالت له النساء ما تصنع هنا وقد رحلت مع زوجها فلم يلتفت حتى أتى موضع خبائها فتمرغ به وأنشد: إلى الله أشكوا فقد لبنى كما شكا ... إلى الله بعد الوالدين يتيم يتيم جفاه الأقربون فجسمه ... نحيل وعهد الوالدين قديم وأنشد حين بلغه هدر دمه: فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... مقالة واش أو وعيد أمير فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكا ... ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ... ومن كرب تعتادني وزفير ومن حرق للحب في باطن الحشا ... وليل طويل الحزن غير قصير سأبكي على نفسي بعين غزيرة ... بكاء حزين في الوثاق أسير وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى ... يا نعم حالي غبطة وسرور فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة بظهور لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا ... ولكنما الدنيا متاع غرور وقال أيضاً: وإن تك لبنى قد أتى دون قربها ... حجاب منيع ما إليه سبيل فإن نسيم الجو يجمع بيننا ... ونبصر قرن الشمس حين تزول وأرواحنا بالليل في الحين تلتقي ... ونعلم أنا بالنهار نقيل وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا ... سماء نرى فيها النجوم تجول إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي ... ترات يرها عندنا وذحول وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروجه أيضاً فتلاقيا فأبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبر عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد: إذا طلعت شمس النهار فسلمي ... فإني يسليني عليك طلوعها بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت ... وعشر إذا اصفرت وحان رجوعها ولو أبلغتها جارة قولي أسلمي ... طوت حزناً وارفض منها دموعها وحين انقضى الحج مرض مرضاً أنهكه فأكثر الناس من عيادته فجعل يتكفر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد: ألبنى لقد جلت عليك مصيبتي ... غداة غد إذ حل ما أتوقع تمنيني نيلاً وتلويني به ... فنفسي شوقاً كل يوم تقطع ألومك في شأني وأنت مليمة ... لعمري وأجفى للمحب وأقطع وأخبرت أني فيك مت بحسرة ... فما فاض من عينيك للوجد مدمع إذا أنت لم تبكي عليّ جنازة ... لديك فلا تبكي غداً حين أرفع فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة وفي منازل الأحباب يرفعه إلى ابن عباس قال مررت بربع عفا وسمه وإذا بشخص فسلمت عليه لم يرد فمضيت وإذا هو يناديني فرجعت فرد علي السلام واعتذر ثم ذكر أنه تعتريه غيبة العقل أطواراً هذا ودمعه يسفح كالغيث فقلت له من أنت قال قيس ابن ذريح وأنشد: أمانيه لبنى ولم يقطع المدى ... بوصل ولا هجر فبيأس طامع أبى الله أن يلقي الرشاد متيم ... ألا كل شيء حمّ لا شك واقع هما برحابي معولين كلاهما ... فؤاد وعين ماقها الدهر دامع إذا نحن أفنينا البكاء عشية ... فموعدنا قرن من الشمس طالع قال الحافظ مغلطاي وأخبرت لبنى بمرضه في حبها فقالت دفعاً للوهم مم يتمارض فبلغته القصة فأنشد: تكذبني بالودّ لبنى وليتها ... تكلف مني مثله فتذوق ولو تعلمين الغيب أيقنت أنني ... لكم والهدايا المشعرات صديق تتوق إليك النفس ثم أردّها ... حياء ومثلي بالحياء حقيق إذ ود سوام النفس عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق شهدت على نفسي بأنك غادة ... رداح وإن الوجه منك عتيق

стр. 41

وأنك لا تجزين مني صحابة ... ولا أنا للهجران منك أطيق وإنك قسمت الفؤاد فنصفه ... رهين ونصف في الحبال وثيق كأن الهوى بين الحيازيم والحشا ... وبين التراقي واللهاة حريق فإن كنت لما تعلمي العلم فاسألي ... وبعض لبعض في الفعال يفوق سلى هل قلاني من خليل صحبته ... وهل ذمّ رحلي في الرفاق رفيق وهل يجتوي القوم الركام صحابتي ... إذا اغبرّ محشيّ المعجاج عميق واكتم أسرار الهوى فأميتها ... إذا باح مزاح بهن يروق هل الصبر إلا أن أصدّ فلا أرى ... بأرضك إلا أن يكون طريق وروى أن قيساً انتقى ناقة من إبله وقصد المدينة ليبيعها فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، ثم قال له ائتني غداً في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن، فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاماً وقام لبعض حاجاته، فقالت المرأة لخادمتها سليه ما بال وجهه متغيراً شاحباً فتنفس الصعداء، ثم قال هكذا حال من فارق الأحبة. فقالت استخبريه عن قصته فاستخبرته فشرع يحكي أمره فرفعت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حالك فبهت حين عرفها لا ينطق ساعة، ثم خرج لوجهه فاعترضه الرجل وقال ما بالك عدلت قبض مالك وإن شئت زدناك، فلم يكلمه ومضى فدخل الرجل فقالت له ما هذا الذي فعلت إنه لقيس فحلف أنه لا يعرفه، وأنشد قيس معاتباً لنفسه: أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر كأني في أرجوحة بين أحبل ... إذا فكرة منها على القلب تخطر وقيل أنه حين جاء ليقبض ثمن المطية رأى لبنى فعاد مبهوتاً فسأله الرجل فقال له لا تركب لي مطيتين فقال أنت قيس قال نعم قال ارجع لنخيرها فإن اختارتك طلقتها وظن الرجل أنها تبغض قيساً فخيرها فاختارت قيساً فطلقها لوقته. وحكي أن سبب طلاقها أن قيساً قصد ابن أبي عتيق وكان أكثر أهل زمانه مروءة في ذلك، فجاء إلى الحسن والحسين وأعلمهما أن له حاجة عند زوج لبنى وطلب أن ينجداه عليه فمضيا معه حتى اجتمعوا به وكلموه في ذلك فقال سلوا ما شئتم فقال له ابن أبي عتيق أهلاً كان أو مالاً قال نعم، فقال أريد أن تطلق لبنى ولك ما شئت عندي فقال أشهدكم أنها طالق ثلاثاً فاستحيوا منه وعوضه الحسن مائة ألف درهم وقال له لو علمت الحاجة ما جئت. وروى أن لبنى عاتبت قيساً على تزويج الفزارية فحلف لها أن عينيه لم تكتحل برؤيتها ولم يكلمها لفظة واحدة وأنه لو رآها لم يعرفها وأخبرته لبنى أنها كاره زوجها وأعلمته أنها لم تتزوجه رغبة فيه بل شفقة على قيس حين أهدر دمه ليخلى عنها فطلقها حين علم ما بينهما وأرسل أخو الفزارية إلى قيس حين أبطا عنه يسأله الرجوع فأعاد الرسول بالخيار في أمر اخته فاختار الرجل عدم الفرقة وقصد قيس معاوية فمدحه فرق له وكان ذلك قبل طلاق لبنى فقال له إن شئت كتبت إلى زوجا بطلاقها فقال لا ولكن ائذن لي أن أكون ببلدها ففعل فنزل قيس حين زال هدر دمه بحبها وظافرت مدائحه فيها حتى غنى بها معبد والغريض واضرابهما فرق الناس له هذا ولما طلقت نقلت إلى العدة بأمر ابن أبي عتيق فمن ذاهب إلى أنها أكملت عدتها وتزوجها وأقاما إلى الموت بدليل مدحه لابن أبي عتيق حيث قال: جزى الرحمن أفضل ما يجازى ... على الاحسان خيراً من صديق فقد جربت إخواني جميعاً ... فما ألفيت كابن أبي عتيق سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأى حدت فيه عن الطريق وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي ومن ذاهب وهم الأكثر إلى أنها ماتت في العدة وأن مدحه لابن أبي عتيق حين لم يشك في عودها إليه وقد نهاه عن مدحه وقال له من سمع بهذا يعدني قواداً والقائلون بموت لبنى في العدة أجمعوا أن قيساً خرج حين بلغه ذلك حتى وقف على قبرها وأنشد: مات لبينى فموتها موتي ... هل ينفعن حسرة على الفوت إني سأبكي بكاء مكتئب ... قضى حياة وجداً على ميت

стр. 42

ثم بكى حتى أغمي عليه فحمل ومات بعد ثلاث ودفن إلى جانبها وكان ذلك في سنة وله أشعار كثيرة منها حكاه الشهاب في منازل الأحباب عن أبي العباس على تردد في أنه لابن الدمينة. وفي عروة العذري إن مت أسوة ... وعمرو بن عجلات الذي قتلت هند وبي مثل ما قد نابه غير أنني ... إلى أجل لم يأتني وقته بعد وفيض دموع العين بالليل كلما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو ومنها: لقد عنيتني يا حب لبنى ... فقع إما بموت أو حياة فإن الموت أيسر من حياة ... منغصة لها طعم الشتات وقال الآمرون تعز عنها ... فقلت ولا إذا حانت وفاتي ومنها: ما وجدت وجدي بها أم واحد ... ولا وجد النهدي وجدي على هند ولا وجد العذري عروة في الهوى ... كوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي ومنها: لو أن امرأ أخفي الهوى عن ضميره ... لمت ولم يعلم بذاك ضمير ولكن سألقي الله والنفس لم تبح ... بسرّك والمستخبرون كثير ومنها: عفا سرف من أهله فشوارع ... فجنبا أريك فالبلاد الدواقع فمكة فالأخياف أخياف طيبة ... بها من لبينى مخرف فمرابع لعلّ لبينى أن يحم لقاؤها ... ببعض بلادي إن ما حم واقع بجذع من الوادي خلا عن أنيسه ... عفا وتخطته العيون الجوازع ولما بدا منها الفراق كما بدا ... بظهر الصفا الصلد الشقوق الشوائع تمنيت أن تلقي لبيناك والمنى ... تعاصيك أحياناً وحيناً تطاوع وما من حبيب وامق لحبيبه ... ولاذى هوى الإله الدهر فاجع وطار غراب البين وانشقت العصا ... لبين كما شق الأديم الصواقع ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع وأنك لو أبلغتها قيلي اسلمي ... طوت حزناً وارفض منها المدامع أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت كآت غيه وهو طائع فلا تبكين في اثر شيء ندامة ... إذا نزعته عن يديك النوازع فليس لأمر حاول الله جمعه ... مشت ولا ما فرّق الله جامع كأنك لم تقنع إذا لم تلاقها ... وإن تلقها فالقلب راض وقانع فيا قلب خبرني إذا شطت النوى ... بلبنى وصدت عنك ما أنت صانع أتصبر للبين المشت مع الجوى ... أم أنت امرؤ ناسي الحياة فجازع فما أنا إن بانت سليمى بهاجع ... إذا ما استقلت بالنيام المضاجع وكيف ينام المرء مستشعر الجوى ... ضجيع الأسى فيه نكاس روادع فلا خير في الدنيا إذا لم تزورنا ... لبينى ولم يجمع لنا الشمل جامع أليست لبينى تحت سقف يكنها ... وإياي هذا إن نأت لي نافع ويلبسنا الليل البهيم إذا دجا ... ونبصر ضوء الصبح والفجر ساطع تطأ تحت رجليها بساطاً وبعضه ... أطأه برجلي ليس يطويه مانع وافرح أن تمسي بخير وإن يكن ... بها الحدث العادي ترعني الروائع كأنك بدع لم تر الناس قبلها ... ولن يطلعنك الدهر فيمن يطالع وقد كنت أبكي والنوى لا أظنه ... بنا وبكم لم ندر ما البين صانع وأهجركم هجر البغيض وحبكم ... على كبدي منه كلوم صوادع فواكبدي من شدة الشوق والأسى ... وواكبدي إني إلى الله راجع واعجل للاشفاق حتى يشفني ... مخافة شحط الدار والشمل جامع واعمد للأرض التي من ورائكم ... لترجعني يوماً إليك الرواجع فيا قلب صبراً واعترافاً لما ترى ... ويا حبها قع بالذي أنت واقع

стр. 43

لعمري لمن أمسى وأنت ضجيعه ... من الناس ما اختيرت إليه المضاجع ألا تلك لبنى قد تراخى مزارها ... وللبين غمّ ما يزال ينازع إذا لم يكن إلا الجوى فكفى به ... جوى حرق قد ضمنتها الأضالع أبائنة لبنى ولم تقطع المدى ... بوصل ولا صرم فييأس طامع نهاري نهار الوالهين صبابة ... وليلى تنبو فيه عني المضاجع قد كنت قبل اليوم خلوا وإنما ... تقسم بين الهالكين المصارع وهذان البيتان في غير رواية أبي علي: ولولا رجاء القلب أن يعطف النوى ... لما حملته بينهنّ الأضالع له وجبات أثر لبنى كأنها ... شقائق برق في السحاب لوامع نهاري نهار الناس حتى إذا بدى ... لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني بالليل والهم جامع إذا نحن أنفدنا البكاء عشية ... فموعدنا قرن من الشمس طالع وللحب آيات تبين للفتى ... شحوب وتبري من يديه الأشاجع وما كل ما منيت نفسك خالياً ... تلاقي ولا كل الذي أنت تابع تداعت له الأحزان من كل وجهة ... فحن كما حن الطيور السواجع أراك اجتنبت الحي من غير بغضة ... ولو شئت لم تجنح إليك الأصابع كأن بلاد الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الناس قفر بلاقع ألا إنما أبكي لما هو واقع ... وهل جزع من وشك بينك نافع أحال عليّ الدهر من كل جانب ... ودامت ولم تقلع على الفجائع فمن كان محروقاً غدا لفراقنا ... مذ الآن فليك لما هو واقع وقد انتهت أخباره كما وجدت وكأني بغبي يعترض على نقلي له من مراتب من حظي بالتلاق إلى مراتب من مات دونه من العشاق ولم يدر أن الحينيات توجب بالتأمل الصائب والفهم الذكي الثاقب ما لم يدركه الغافل الغبي أما تقدم هذه الأربعة فقد علم. وأما ذكر هذا هنا فقد قال في النزهة والبدور المسافرة وطوالع الأزهار وغالب شراح ديوان الاستاذ ومن بحث عن أحوال العشاق أنه رأس أهل الهوى ولكن وقوعه في فرقة المحبوب وقعة في هذه المرتبة وقال المتكلمون على الديوان المذكور إن سلطان العشاق واستاذ العارفين على الاطلاق قد أشار إلى تفضيله على الكل حيث شبه غرامه بغرامه وحسن لبنى ببهجة الحضرة الممدوحة حيث قال: بفرط غرامي ذكر قيس بوجده ... وبهجتها لبنى أمت وأمت لا يقال قد أفرد غيره بالذكر أيضاً الآن أساليب دقائق كلامه وأفانين مطاوي نظامه تجلى عن أن تنال الأبشق الأنفس والله يؤتي فضله من يشاء فإن قوله: فإن كنت ليلى أن قلبي عامر. ونحوه ليس تمويهاً بعظم الشأن كما في البيت السابق اه. قلت وقد يقال لا تفضيل القيس في البيت على غيره فيجاب بأن قوله ﵁: بها قيس لبنى هام بل كل عاشق ... كمجنون ليلى أو كثير عزة صريح في جعله في مقابلة الجموع حيث ذكرهم بالحرف الدال على الانتقال عن الأرفع ومثل بالأمثل وذلك يقتضي التفضيل على الجميع وحكمة ذلك والله أعلم كونه قد عرف لذة الوصل والتلاق ثم رمي بغصة البعد والفراق وذلك عند العقلاء أبلغ وأعظم وأرفع في مقاسات الغرام وأفخم وفيه تلميح بما ذكر في التفضيل بين البشر والملائكة. أخبار المجنون وصاحبته ليلى

стр. 44

قد اختلف في اسمه هل هو عامر أو مهدي أو الأقرع أو معاذاً وقيس ابنه أو ابن الملوح أو البحتري بن الجعد، والصحيح الأول لإشارة عارف الوقت في البيت السابق وفي نسبه عامري أو كلابي أو جعدي أو قشيري أو المجانين متعددة أو هما اثنان في بني عامر أو لم يكن أحد وإنما امرؤ تعشق واستكبر عن أن يصرح باسمه واسم محبوبته فموه بالمجنون وليلى والصحيح أنه من بني عامر وهو عامر بن ملوح بن مزاحم يتصل نسبه عند صاحب الأغاني إلى كعب بن ربيعة بن صعصعة كان مديد القامة جعد الشعر أبيض اللون ولم ينله الهزال والجنون وتغير اللون إلا من العشق، وصاحبته هي ليلى بنت مهدي بن سعد تتصل بنسبه في كعب بن ربيعة وكنيتها أم مالك وهذا أخذ من قوله ذلك في شعره كثيراً نحو قوله: تكاد بلاد الله يا أم مالك ... بما رحبت يوماً عليّ تضيق وهذا كاستدلالهم بأن اسم أبيه ملوح بن مزاحم وأنه مات قبل اختلاط عقله فعقر عليه ناقة بقوله: عقرت على قبر الملوّح ناقتي ... بذي السرح لما أن جفاه أقاربه وقلت له كوني عقيراً فإنني ... غداة غد ماش وبالأمس راكبه فلا يبعدنك الله يا ابن مزاحم ... فكل امرىء للموت لا بد شاربه وروى باسقاط هاء السكت وحذف البيت الأخير وذكروا أن سبب عشقه لليلى أنه مر يوماً على ناقة له وعليه حلتان من حلل الملوك بامرأة من قومه وعندها نسوة يتحدثن فأعجبهن فاستنزلنه للمنادمة فنزل وعقر لهن ناقته وأقام معهن بياض اليوم فأقبل فتى اسمه منازل يسوق غنماً فانصرفن إليه وتركن المجنون فقام مغضباً وأنشد: أأعقر من جرّا كرائم ناقتي ... ووصلي مقرون بوصل منازل إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكن ... إذا جئت اخفوا صوت تلك الخلاخل فقوله من جرا وكرائم يعني من أجلها وكرائم اسم المرأة التي كن عندها وروى ووصلى مفضول أي دون وصل منازل وهو أليق بالمقام وفي النزهة: إذا جاء قعقعن الحليّ ولم يكن ... إذا جئت بل أخفين صوت الخلاخل يقول قد أظهرن صوت الحلي حين جاء منازل وهذه كناية عن قيامهن له ولم يكن ذلك عند مجيئي وهذا هو اللائق ولم يؤخذ من البيت السابق وقيل تداعيا المناضلة أو الصراع فقال له المجنون قم إلى حيث يرينك ولا تراهن فافعل ما تقول وأنشد في ذلك: إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلته ... وأن يرم رشقاً عندها فهو ناضلي فعلى هذا يكون ضمير عندها عائداً على النسوة وهذا دليل على شدة استحيائه فإنه يقول له ما دمت تنظر إليهن فإنك تشجع فتغلبني وهذا على حد قوله: حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد وسمع يقول جدي في السجع فإن سعاد تنظرك وتسمعك قلت هذا ما نقل في الأصل عن ابن الكلبي ولا دليل فيه على تعلقه بليلى، وإنما الدليل فيما رواه صاحب نزهة المشتاق قال لما دعته النسوة إلى النزول نزل وجعل يحادثهن ويقلب طرفه حتى وقعت عينه على ليلى فلم يصرف عنها طرفاً وشاغلته، فلم يشتغل ثم قال لها هل عندكن ما تأكلن قالت لا، فعمد إلى الناقة فنحرها وقطعها وجاءته لتمسك معه اللحم فجعل يحز بالمدية في كفه وهو شخص فيها حتى أعرق كفه فجذبتها من يده ولم يدر، ثم قال لها ألا تأكلين الشواء قالت نعم فطرح من اللحم شيأ على الغضى وأقبل يحادثها، فقالت له أنظر إلى اللحم هل استوى أم لا فمد يده إلى الجمر وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت ولم يشعر فلما علمت ما داخله صرفته عن ذلك ثم شدت يده بهدب قناعها ثم ذهب وقد تحكم عشقها من قلبه وقيل أنها بعد هذا المجلس استدعته للمحادثة وقد داخلها الحب فقالت له هل لك في محادثة من لا يصرفه عنك صارف فقال ومن لي بذلك ثم تزل وعقر ناقه كما مر وأنها كانت مغرمه بأحاديث الناس والأشعار وكان هو أروى الناس لذلك فكانت تستدعيه لتسمع منه وكان يجيبها إلى ذلك فتداخلت بينهما المحبة وفي نديم المسامرة أنهما انتشئا صغيرين يرعيان الغنم بدليل قوله: تعلقت ليلى وهي ذات تمائم ... ولم يبد للاتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى إليهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

стр. 45

فتحابا وأنها حجبت عنه فداخله جنون وعلى كل الطرق لما عرف كل منهما ما عند الآخر وتمكنت المحبة منهما جعل يأتيها نهاراً قبل الحجب ويذهب ليلاً وفي ذلك يقول: نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني بالليل والهم جامع قلت وقد تقدم أن البيتين لقيس بن ذريح وصرح في نزهة العشاق بذلك وقال أن المجنون كان يتمثل بهما وهذا هو الصحيح فإنهما كان متعاصرين حتى نقل في الأغاني أن قيساً مر بالمجنون وهو في مبادي مخالطة العقل والانفراد وكان كل منهما يشتهي لقاء صاحبه فسلم عليه فلم يرد فعرفه بنفسه فقام إليه واعتنقه وتباكيا واشتكى كل إلى الآخر ما عنده فقال المجنون لقيس أن حي ليلى قريب فهل لك أن تبلغها سلامي فمضى حتى وقف بها ونسب نفسه فتعارفا وبلغها فأخبرته أن وجدها به أعظم، ولكن قالت أنا عاتبة عليه حيث يقول: أتت ليلة بالغيل يا أم مالك ... لكم خير حب صادق ليس يكذب إلا إنما أبقيت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب فأي ليلة كانت ومتى اختليت معه بالغيل أو غيره فقال لها لا تحمليه على ما تقول الناس فلم يرد سوأ وانصرف قيس ليخبره فلم يجده وكان المجنون عند أبيه أعظم منزلة من اخوته وكان أبوه ذا ثروة فدفع له خمسين بعيراً وراعيها في مهر ليلى فلم يقبل أبوها مع أنه دونهم لما مر من أن العرب كانت تكره تزويج اثنين انتشرت أخبارهما بالمحبة فخيروها بينه وبين رجل اسمه ورد وهددوها على أن تختاره ففعلت كارهة وفي ذلك يقول المجنون: ألا يا ليل إن ملكت فينا ... خيارك فانظري لمن الخيار ولا تستبدلي منا دنيا ... ولا بر ما إذا حث القتار يهرول في الصفير إذا رآه ... وتعجزه ملمات كبار فمثل تأيم منه نكاح ... ومثل تموّل منه افتقار وأبصر يوماً في طريقه إلى زيارتها جارية عسراء فتطير وأنشد: وكيف يرجى وصل ليلى وقد جرى ... بجد القوى من ليل أعسر حاسر صريع العصا جدب الزمان إذا انتحى ... لوصل امرىء لم تقض مه الأواطر وشكا ذلك إليها فقالت لا بأس عليك والله لا اجتمعت بغيرك إلا كارهة وكانت قبل هذا القول قد امتحنته لتنظر ما عنده من المحبة لها فدعت شخصاً بحضرته فسايرته أو صرفت وجهها عنه إلى غيره ثم نظرته قد تغير حتى كاد أن يتقطر فأنشدت تقول: كلانا مظهر للناس بغضاً ... وكل عند صاحبه مكين وفي رواية وكل مظهر في الناس وبعده. وأسرار الملاحظ ليس تخفى ... وقد تغري بذي اللحظ العيون وبهذين البيتين تظافرت الروايات وجاء في رواية: وقد تغري بذي اللحظ الظنون وبعده: وكيف يفوت هذا الناس شيء ... وما في الناس تظهره العيون فسر بذلك حتى كاد أن يذهب عقله فانصرف وهو يقول: أظن هواها تاركي بمضلة ... من الأرض لا مال لدي ولا أهل ولا أحد أفضى إليه وصيتي ... ولا صاحب إلا المطية والرحل محا حبها حب الأولى كن قبلها ... وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل وفي رواية ولا وارث المطية والأولى أصح وأنسب لأن المطية لا ترث وتستصحب كما جاء في كلام العرب: إن الحمار مع الحمار مطية ... وإذا خلوت به فبئس الصاحب وأصل ذلك أن الصحبة في الأصل مجرد الاجتماع وأما شدة المخالطة والمداخلة فصداقة. وخرج يوماً في سفر مع قوم فأفضت به الطريق إلى مسلكين أحدهما يمر برهط ليلى ولكنه يزيد مرحلة فتقدم إلى القوم وسألهم أن يسلكوها أو يمكثوا له حتى يرجع فأبوا عليه فقال أنشدكم الله لو أن شخصاً تحرم بكم فضل بعيره أكنتم تسعفونه قالوا نعم فقال إن ليلى لأعظم من ذلك وأنشد: أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذن لصبور هبوني امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير وللصاحب المبرور أعظم حرمة ... على صاحب من أن يضل بعير

стр. 46

عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكماً عليّ تجور واستشهد شخصاً عن عروة بن حزام فأخبره بحاله وأنه مات براحة فتعجب من كثرة ذكر الناس له مع حسن حاله في العشق وأنشد: عجبت لعروة العذري أمسى ... أحاديثاً لقوم بعد قوم وعروة مات موتاً مستريحاً ... وها أنذا أموت كل يوم ولما اشتهر أمرهما في العرب وشاع شعره فيها منعه أهلها الزيارة وكان في حي ليلى امرأة من بني عامر قد تزوجها رجل من حريش ومات عنها وقد ترك لها صبية فكان يأتيها المجنون يتعرف منها أخبار ليلى فبلغ أهلها ذلك فزجروا المرأة وجاء المجنون فأخبرته فأنشد متمثلاً بيت امرىء القيس وضم إليه ثانياً له: أجارتنا إنا غريبان هنا ... وكل غريب للغريب نسيب فلا تزجريني عنك خيفة كاشح ... إذا قال شراً أو أخيف لبيب ثم تركها وكان يأتي غفلات الحي فلما علموا بذلك شكوه إلى مروان فكتب إلى عامله بهدر دمه إذا وجد عند ليلى فقرؤا عليه ذلك فأنشد: لئن حجبت ليلى وآلى أميرها ... عليّ يميناً جاهداً لا أزورها وأوعدني فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشنت لي صدورها على غير شيء غير إني أحبها ... وإن فؤادي عند ليلى سميرها ولما يئس من زيارتها قلق لذلك قلقاً أدى لزوال عقله فهام على وجهه يلعب بالتراب والعظام لا يعقل غير ذكرها وأنها جزعت لذلك جزعاً أدى إلى سقمها فحج بها أهلها فرآها ثقفي فخطبها إليهم فأجابوا بعد أن ردوا جماعة ونمى إلى المجنون ذلك فأنشد: ألا أن ليلى العامرية أصبحت ... تقطع إلا من ثقيف حبالها هم حبسوها محبس البدن وأبتغي ... بها المال أقوام ألا قل مالها إذا ما التقت والعيس صفر من الثرى ... من العين جلى عبرة العين حالها هذا ما تظافرت به الأخبار وفي رواية إلا تلك ليلى العامرية أصبحت وفيها والعيس صفر من البكا وقد حرف هذا البيت وفي رواية الأغاني لقد حبسوها محبس البدن وفي أخرى بعده: خليلي هل من حيلة تعلمانها ... فيدنى بها تكليم ليلى احتيالها فإن أنتما لم تعلماها فلستما ... بأول باغ حاجة لا ينالها كان مع الركب الذين اغتدوا بها ... غمامة صيف زعزعتها شمالها نظرت بمفضى سيل حوضين والض ... حى تحث بأطراف المحارم آلها بمنهلة الأجفان هيج شوقها ... مجامعة الآلاف ثم رآلها إذا التفت من خلفها وهي تعتلي ... على العيس جلى عبرة العين حالها وحين تحقق عنده تزويجها أنشد: دعوت إلي دعوة ما جهلتها ... وربي بما تخفي الصدور خبير لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لا فقر مني إنني لفقير فقد شاعت الأخبار إن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشير وجعل يمر ببيتها فلا ينظر إليه فأنشد: ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وإن حله شخص إليّ حبيب هجرتك اشفاقاً وزرتك خائفاً ... وفيك عليّ الدهر منك رقيب سأستعتب الأيام فيك لعلها ... بيوم سرور في الزمان تؤب وأفردت إفراد الطريد وباعدت ... بي النفس حاجات وهن قريب لئن حال واش دون ليلى لربما ... أتى اليأس دون الأمر فهو عصيب ومنيتني حتى إذا ما رأيتني ... على شرف للناظرين يريب صددت وأشمت العدوّ بصرمنا ... أثابك يا ليلى الجزاء مثيب والبيتان الأولان لمحمد بن أمية هذا ما نقله والصحيح أن البيت الأول للمجنون ذكر ذلك في النزهة وأقره في تسريح الناظر غير أنه قال في الثاني والثالث أنهما ليسا للمجنون وفيه وفي رواية هنا: بيوم سرور وفي الزمان تثوب. والمعنى واحد وبقي أبيات من هذه القصيدة آخرتها الآن لها حكاية وحين بلغه نقلها إلى الثقفي: كان القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح

стр. 47

قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح فلا في الليل نالت ما ترجى ... ولا في الصبح كان لها براح وفي تسريح الناظر عن الأمالي قال اجتمع إلى المجنون عزوة من قومه ممن كان ينادمه حال صحته وقد ذهبوا به حين بني الثقفي بليلى فعزموا على أن يسافروا به متنزهين في أحياء العرب ليذهب ما به فساروا وهو معهم تعاوده الصحة دوراً والجنون دوراً وهم يردون كل منتزه ويعرضون عليه من بنات العرب كل من أجمع على حسنها وأنهم غفلوا عنه ليلة ثم افتقدوه فرأوه قد ذهب فركب ابن عم له في طلبه فرآه عنده مشرعة وبين يديه ظبية لا حراك به وهو يمسح عنها التراب ويقبلها ويبكي هذا ما في تسريح الناظر زاد في نزهة المشتاق أنه كان ينشد: أيا شبه ليلى لا تخافين إنني ... لك اليوم من وحشية لصديق فقال له اذهب بنا فلم يجب فقال اذهب لنمر بليلى فقام معه فلما جاء إلى أصحابه جلس متفكراً لا يخاطبهم حتى جاء الليل فلما كان السحر هبة نسمة وأبرق برق مما يلي حي ثقيف فأنشد: طربت وشاقتك الهمول الدوامع ... غداة دعا بالبين أسفع نازع شجاه نعياً بالفراق كأنه ... حريب سليب نازح الدار جازع فقلت الا قد بين الأمر فانصرف ... فقد راعنا بالبين قبلك رائع سقيت سماماً من غراب فإنني ... تبينت ما أخبرت أذهو واقع ألم تر أني لا محب ألومه ... ولا ببديل بعدهم أنا قانع ألم تر دار الحي في رونق الضحى ... بحيث انحنت للهضبتين الأجارع وقد يتناءى الألف من بعد صحبة ... ويصدع ما بين الخليلين صادع وكم من هوى أو جيرة قد ألفتهم ... زماناً فلم يمنعهم البين مانع كأني غداة البيت ميت حوية ... آخر ظما سدت عليه المشارع يخلص من أوصال ماء صبابة ... فلا الشرب مبذول ولا هو نافع وبيض تطلى بالعبير كأنها ... نعاج الفلا جيبت عليها البراقع تحملن من وادي الاراك وأومضت ... لهن بأطراف العيون المراتع فما جئن ربع الدار حتى تشابهت ... هجائنها والجون منها الجوامع وحتى حملن الجور من كل جانب ... وخاضت صدور الرقم منها الأكارع فلما استوت تحت الخدود وقد جرى ... عبير ومسك بالعرانين رادع أشرن بأن حثوا الجمال فقد بدا ... من الصيف يوم لاقح الظل مانع فلما لحقنا بالحمول تباشرت ... بنا مقصرات عاب عنها المطالع يعرضن بالدل المليح وأن يرد ... خباهن مشغوف فهن موانع فقلت لأصحابي ودمعي مسبل ... وقد صدع الشمل المشتت صادع أليلى بأبواب الخدور تعرضت ... لعينيّ أم قرن من الشمس طالع ومرض قبل الاختلاط فقلق قلقاً شديداً ودخل عليه جماعة أو هو أبوه للعيادة فسمعوه ينتحب بأشد تحرق وتوجع وينشد: ألا أيها القلب الذي لج هائماً ... بليلى وليداً لم تقطع تمائمه أفق قد أفاق العاشقون وقد أبى ... لما بك أن تلقى طبيباً تلائمه فما لك مسلوب العزاء كأنما ... ترى نأي ليلى مغرماً أنت غارمه أجدك لا ينسيك ليلى ملمة ... تلم ولا ينتسيك عهداً تقادمه فاستتروا حتى أتم نشيده ودخلوا عليه فحادثوه في السلو فزاد في الهيام ولما عوفي جعل يعاود موضعها ويتمرغ في التراب ويبكي إلى الليل وعزم على التوحش والخروج فراجع ابن عم له في ذلك فكان يعزم عليه أن لا يفعل ويشاغله إلى أن بلغه أن ليلى دخلت إلى جارة لها فنضت أثوابها واغتسلت ونظرت إلى نفسه وقالت ويح ابن الملوح لقد علق بي عظيماً على غير استحقاق فأنشدك الله أصادق هو في وصفي أم كاذب فقالت بل صادق ثم خرجت من عندها وعادت لأخذ سواك نسيته فلما صار في يدها قالت سقى الله من أعطانيه فقالت لها جارتها ومن أعطاكيه قالت قيس فخرج هائماً وأنشد:

стр. 48

نبئت ليلى وقد كنا نبخلها ... قالت سقى الله منه منزلاً خربا قالت لجارتها يوماً تسائلها ... لما استحمت وألقت عندها السلبا يا حبذا راكباً كنا نهش له ... يهدي لنا من أراك الموسم القضبا ناشدتك الله ألا قلت صادقة ... أصادق وصفه المجنون أم كذبا وقيل إنما كان خروجه من نظره إليها يوم رحلها زوجها أو قومها حين بلغهم زيارته لها وكان حضوره يوم رحيلها على خفية رجاء أن يسكن ما به فزاغ واختشى قومه أن يفتضح فيقتل لما تقدم من أنه كان قد هدر دمه إن دخل الحي وحذر فقال الموت أولى وخرج على وجهه. وعن الهذلي عن رجل من بني عامراً وهو رباح بن سعد بن اثالة قال خرجت أثر سماء أربعنا بها وأحيت الأرض بعد الجدب فبينا أنا بوادي القرى أو الغيل إذ لاح لي شخص إلى جانب حجر يبكي فقصدته وسلمت عليه وإذا هو المجنون فقلت ما يبكيك فقال هذا السيل ثم تنفس الصعداء ثم أنشد الأبيات التي وعدنا بها وهي تمام القصيدة التي أولها ألا أيها البيت وقيل أنه أنشد القصيدة كاملة في هذا الوقت، وفي النزهة أن خالد بن كلثوم ضم هذه إلى تلك من عند نفسه وإلا فالمجنون لم ينشدها إلا متفرقة وهي: جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب وما ذاك إلا حين أيقنت أنه ... يكون بواد أنت منه قريب يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب فيا ساكني أكناف نخلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب أظل غريب الدار في أرض عامر ... إلى كل مهجور هناك غريب وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى ... إليّ وإن لم آته لحبيب ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولم يطرق إليك حبيب وقيل إن آخر مجلس للمجنون من ليلى أنه لما اختلط عقله ومزق ما عليه وتوحش جاءت أمه إليها فأخبرتها بذلك وسألتها أن تزوره فعساها أن تخفف ما به فقالت أما نهاراً فمتعذر خيفة أهلي وسآتيه ليلاً فأما أمكنتها الفرصة أتته وهو مطرق يهذي فسلمت عليه ثم قالت له: أخبرت أنك من أجلي جننت وقد ... فارقت أهلك لم تعقل ولم تفق فرفع رأسه إليها وأنشد: قالت جننت على رأسي فقلت لها ... الحب أعظم مما بالمجانين الحب ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع الانسان في الحين زاد عليها في نديم المسامرة: لو تعلمين إذا ما غبت ما سقمي ... وكيف تسهر عيني لم تلوميني ثم فارقته فهام من ثم مع الوحش وقيل سئل عن سبب خروجه فقال لقيتها يوماً فشكيت إليها ما نزل بي من حبها وقلت إن لم ترحميني ذهب عقلي فقالت هو المطلوب فهمت لمرادها وقيل كان هيمانه مقاصة لقوله: قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا ثم أن الأسانيد الصحيحة والآثار المتظافرة دلت على أنها كانت من الغرام به والميل إليه أيضاً بمنزلة عظيمة. حكى رباح بن عامر وكان من الجريشيين قال دخلت من نجد أريد الشام فأصابني مطر عظيم فقصدت خيمة رفعت لي فإذا بامرأة فسألتها التظليل فأشارت إلى ناحية فدخلت وقد أقبل رعاة وإبل وغنم كثيرة ثم قالت للعبيد سلوه من أين الرجل فقلت من نجد فتنفست الصعداء ثم قالت نزلت بمن فيها فقلت ببني الجريش. وفي رواية ببني جعدة فرفعت ستارة كانت بيننا وإذا بامرأة كأنها القمر ثم قالت أتعرف رجلاً فيهم يقال له قيس ويلقب بالمجنون قلت أي والله سرت مع أبيه حتى أوقفني عليه وهو مع الوحش لا يعقل إلا أن ذكرت له ليلى فبكت حتى أغمي عليها فقلت مم تبكين ولم أقل إلا خيراً فقالت وأنا والله ليلى المشؤومة عليه غير المساعدة له أو قالت غير المكافئة أو المواسية له ثم أنشدت: ألا ليت شعري والخطوب كثيرة ... متى رجل قيس مستقل فراجع بنفسي من لا يستقل برحله ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع

стр. 49

ولما أيس من ليلى حين ارتحلت مع زوجها واشتد هيمانه أجمع قومه أن يتقدموا إلى أبيه في حمله إلى مكة فعل الله أن يخفف عنه، ففعل وسار معه ابن عمه زياد بن كعب فمروا بحمامة على دوحة تنوح فوقف المجنون صاغياً لها ويخلف معه ابن عمه فقال له سر بنا فقد أبعد الرفاق فتنفس الصعداء وأنشد: أأن هتفت يوماً بواد حمامة ... بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر دعت ساق حر بعدما غلت الضحى ... فهاج لك الأحزان إن ناح طائر تغنى الضحى والصبح في مر حجنة ... كثاف الأعالي تحتها الماء حائر كان لم يكن بالغيل أو بطن ايكة ... أو الجزع من قول الاشاءة حاضر يقول زياد إذ رأى الحي هجروا ... أرى الحي قد ساروا فهل أنت سائر وإني وإن غال التقدم حاجتي ... ملم على أوطان ليلى فناظر ودخل مكة فنظر إلى الناس وهم يدعون ربهم محرمين فأنشد: دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة وهنا إن تمحى ذنوبها وناديت أن يا رب أول سؤلتي ... لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب ... إلى الله خلق توبة لا أتوبها فزجره أبوه عن ذلك وأمره أن يدعو الله أن ينسيه ذكرها وأخذه حتى أمسكه أستار الكعبة ثم قال له قل اللهم انسني ذكرها وامح من قلبي حبها فقال اللهم اجمعني بها وارزقني حبها وزدني بها كلفأ وفيها تلفاً وأنشد مكملاً للأبيات السابقة: يقر لعيني قربها ويزيدني ... بها عجباً من كان عندي يعيبها فكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمري توبة لا أتوبها فيا نفس صبر الست والله فاعلمي ... بأول نفس غاب عنها حبيبها ولما اجتمع الناس بمنى سمع هاتفاً يهتف بليلى فخر مغشياً عليه إلى الصباح ثم أفاق متغيراً حائل اللون وأنشد: عرضت على نفسي العزاء فقيل لي ... من الآن فايأس لا أعزك من صبر إذا بان من تهوى وأصبح تائباً ... فلا شيء أجدى من حلولك في القبر وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري دعا باسم ليلى ضلل الله سعيه ... وليلى بأرض عنه نازحة قفر ثم انساب منهم وكانت هذه سياحته الكاملة فجعل يقتات بعشب البر حتى طالت أظفاره وغطاه شعره فألفته الوحوش فكان يرد الماء معها ثم يهيم على وجهه حتى يقع بالشام فيرى أقواماً وأرضاً ينكرها فيقول أين جبل توباد من بني عامر وهو جبل. كان يرعى هو وليلى عنده الغنم فيقولون له أين أنت من توباد ويعرضون عليه الثياب والطعام فيأبى ويقول دلوني عليه فيرحمونه ويقولون له اتبع نجم كذا يوصلك إليه فيمضي حتى يقع باليمن فيكون له مثل ذلك إلى أن يظفر أحياناً بالجبل فينشد حين ينظره: وأجهشت للتوباد حين رأيته ... وكبر للرحمن حين رآني وأذريت دمع العين لما عرفته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني فقلت له قد كان حولك جيرة ... وعهدي بذاك الصرم منذ زمان وقلت له أين الذين عهدتهم ... بقربك في حفظ وطيب أمان فقال مضوا واستودعوني ديارهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان وإني لابكي اليوم من حذري ... غداً فراقك والحيان مؤتلفان سجالاً وتهتاناً ووبلاً وديمة ... وسحاً وتسجالاً وتنهملان وعن فتى من قيس أو هو رباح بن مالك قال لما أخذ المجنون إلى مكة للاستشفاء كما مر مررت يوماً وإذا أنا بجماعة قد تعلقوا بشخص متغير اللون ناحل البدن وقد هم أن يلقي نفسه من جبل فسألت عنه فإذا هو المجنون خرج ليتنسم صبا نجد فقلت علام تحبسونه قالوا نخاف أن يجني على نفسه ولو تقدمت إليه فأخبرته أنك من نجد أسكنت روعه ففعلت فجعل يسألني عن موضع موضع ويبكي أحر بكاء ثم أنشد: ألا حبذا نجد وطيب ترابها ... وأرواحها إن كان نجد على العهد

стр. 50

ألا ليت عشري عن عو يرضي قبا ... لطول الليالي قد تغيرتا بعدي وعن جارتينا بالنخيل إلى الحمى ... على عهدنا أم لم يدوما على العهد وعن علويات الرياح إذا جرت ... بريح الخزامى هل تهب على نجد وعن أقحوان الرمل ما هو صانع ... إذا هو أثري ليلة بثرى جعد وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة ... تطالع من وهد خصيب إلى وهد وهل انغضن الدهر أفنان لمتي ... على لاحق المتنين منذ لد الوخد ومر يوماً على جبلي نعمان وهو موضع من نجد به جبلان ليسا بالعظيمين بينهما فاصل يسير فقال لرفقة معه هذا مكان يقرب من منزل كانت تنزل به ليلى قال فأي الرياح تهب منه قالوا الصبا فحلف لا يبرح من مكانه حتى تهب فمضوا وتركوه ثم عادوا بعد ثلاث فأقاموا معه حتى هبت فأنشد: أيا جبلي نعمان بالله خليا ... سبيل الصبا يخلص إليّ نسيمها أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها قلت قال في النزهة بعد ذكر هذه الأبيات أن أبا الفرج بن الجوزي تزوج امرأة اسمها نسيم الصبا فأقام معها مدة ثم وقعت بينهما وحشة ففارقها فاشتد بها كلفه وزاد غرامه ورسالها فأبت عليه وطال بينهما الأمر وأنها حضرت مجلس وعظه يوماً فلاحت منه نظرة فرآها وقد استترت بجاريتين فتنفس الصعداء وأنشد أيا جبلي نعمان الأبيات فاستحيت ثم ذهبت وقد داخلتها الرقة له فحكت لبعض النساء ذلك فمضين فأخبرنه فراسلها فأجابت فتزوج بها ومر يوماً بعد ما تمكن منه التوحش بليلى ظاعنة فلما رآها سقط مغشياً عليه فأخذه بعض قومها فمسح عنه التراب وسألوها أن تكلمه رقة عليه فاستعذرت من الخوف فأرسلت امرأة تأمنها بالسلام والاستعطاف والاستعذار وأنها لولا الخوف لأتنه، فلما بلغته المرأة ذلك ثاب إليه عقله وأنشد: أقول لأصحابي هي الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد لقد عارضتنا ريح ليلى بنفحة ... على كبدي من طيب أرواحها برد فما زلت مغشياً علي وقد مضت ... أناة ولا عندي جواب ولا رد أقلب بالأيدي وأهلي تعولني ... يفدونني لو يستطيعون أن يفدوا ولم يبق إلا الجلد والعظم عارياً ... ولا عظم لي إن دام ما بي ولا جلد أدنياي ما لي في انقطاعي وغربتي ... إليك ثواباً منك دين ولا نقد عديني بنفسي أنت وعداً فربما ... جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد وقد يبتلي قوم ولا كبليتي ... ولا مثل وجدي في الشقاء بكم وجد غزتني جنود الحب من كل جانب ... إذا حان من جند قفول أتى جند وسئل يوماً وهو حاضر من الغمرة ما أحسن ما رأيت قال ليلى فقيل له ذلك معلوم وإنما نعني غيرها فقال ما رأيت شيئاً غيرها وذكرتها الاسقط من عيني إلا ظبياً رأيته يوماً فذكرت ليلى فزاد في عيني حساً فانطلقت أعدو خلفه حتى كلت رجلاي وغاب عن عيني فأخذت راحتي ثم انطلقت حتى وجدته وقد فتك به ذئب فأخذت سهماً وضربت به الذئب فلم يحظ قلبه، فشققت بطنه وأخرجت ما أكل فضممته إلى ما بقي من الظبي ودفنته، وأنشد: أبى الله أن يبقى لحي بشاشة ... فصبراً على ما شاء الله بي صبرا رأيت غزالاً يرتعي وسط روضة ... فقلت أرى ليلى تراءت لنا ظهرا فيا ظبي كل رغد هنيئاً ولا تخف ... فإنك لي جار ولا ترهب الدهرا وعندي لكم حصن حصين وصارم ... حسام إذا أعلمته أحسن العبرا فما راعني الأذويب قد انتحى ... فأعلق في أحشائه الناب والظفرا فبوأت سهمي في كتوم غمزتها ... فخالط سهمي مهجة الذئب والنحرا فاذهب غيظي قتله وشقى جوى ... بقلبي الحر قد يدرك الوطرا

стр. 51

واجتمع إليه النساء يوماً فقلن له أما آن لك أن تصرف عنك هوى ليلى ليرد إليك عقلك فإنها امرأة من النساء وفينا عنها كفاية فاختر إحدانا فقال لو ملكت لفعلت ولكني مغلوب فقلن ما أعجبك منها قال كل شيء رأيته وسمعته فقلن صفها فأنشد: بيضاء خالصة البياض كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد موسومة بالحسن ذات حواسد ... إن الجمال مظنة للحسد وترى مدامعها ترقرق مقلة ... سوداء تعرب عن سواد الاثمد خو إذا ذكر الكرام رأيتها ... تحمي الحمى وإذا تكلم تقصد وقال له رجل من قومه إني قاصد حي ليلى فهل عندك شيء تقوله لها، قال نعم أنشدها إذا وقفت بحيث تسمعك هذه الأبيات: اللهّ يعلم أن النفس قد هلكت ... باليأس منك ولكني أمنيها منيتك النفس حتى قد أضربها ... وأبصرت خلفاً مما أمنيها وساعة منك ألهوها ولو قصرت ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها قال الرجل فمضيت حتى وقفت بخيامها فلما أمكنتني الفرصة أنشدت بحيث تسمع الأبيات فبكت حتى غشى عليها ثم قالت أبلغه عني السلام وأنشده: نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذا ... ما كان غيرك يجزيها ويرضيها صبراً على ما قاضه الله فيك على ... مرارة في اصطباري عنك أخفيها قال الرجل فلما بلغته ذلك بكى حتى غشي عليه ثم أفاق وهو يقول عجبت لعروة العذري البيتين السابقين في صدر القصة ولما أيس أهله منه وخالط الوحوش أخذوا يحتالون على إصلاحه فقال أبوه يوماً لشخص أريد أن تمر به فتذكر له ليلى وأنك من عندها وأنها تذكره كثيراً فإذا أعطاك سمعه وتمكنت منه فاذكر له أنها تشتمه وتنقصه فعساه أن يداخلة كرهها. قال الرجل فمضيت حتى اجتمعت به وأعلمته بذلك حتى ذكرت أنها تشتمه فأنشد: تمر الصبا ضفحا بساكن ذي الغضى ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها إذا هبت الريح الشمال فإنها ... جوابي بما يهدي إليّ جنوبها قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفسي حيت كان حبيبها وحسب الليالي إن طرحنك مطرحاً ... بدار قلى تمسي وأنت غريبها حلال لليلى شتمنا وانتقاصنا ... هنيئاً ومغفور لليلى ذنوبها هذا ما ذكر في الأصل وأنكر في النزهة ذلك وقال إن أبا المجنون مات قبل اختلاط عقله كما سبق. وفي تسريح الناظر إن الذي أمر الرجل بذلك زياد بن كعب أحد بني عم المجنون وهو الأوجه. وقيل للمجنون يوماً أتحب ليلى قال نعم حباً خالط الدم ومازج الأعضاء قيل فما يغني حبك لها وهي مريضة وأنت لا تعودها فتنفس الصعداء وأنشد: يقولون ليلى بالصفاح مريضة ... فماذا إذا يغني وأنت صديق شفى الله مرضي بالصفاح فإنني ... على كل شاك بالصفاح شفيق

стр. 52

وعن نفول بن مساحق بن عبد الله بن المسور بن مخرمة وكان والياً على الصدقات من قبل مروان أو عبد الملك وله صحبة عند الذهبي. قال قدمت على بني عامر لأخذ أموال الصدقة فرأيت شخصاً عارياً يلعب بالتراب فأمرت له بثوب فقيل لي لو كان يلبس لكان في مال أبيه كفاية فإنه سيد الحي، ولكنه تولع بحب امرأة فصيرته هكذا قال فقمت إليه وكلمته فلم يعقل فقيل لي إن أردت أن يفهم ما تقول فاذكر له ليلى. فقلت أتحب ليلى قال نعم فقلت له أتريد أن أزوجك بها قال أو ممكن ذلك قلت نعم فقل يا له من جميل لو أن أهل الأرض شكروك معي لم يفوا فعند ذلك قام فلبس ثيابه وأقام معه بوعد منه إلى يوم مجتمع لهم فهم ليأخذه فأخبروه باهدار السلطان دمه فصرفه وقيل هموا بقتاله فصرفه إنما كان خوف الفتنة فقال المجنون له والله إنك لم تف بالوعد ثم مزق ما عليه وانصرف. وفي الكتاب ما يشعر بأن القصة مع محمد بن نوفل وليس كذلك لما ستعرفه من أن نوفلاً لم يزل من ذلك اليوم متطلباً لأخبار المجنون جامعاً لأشعاره وأنه قدم سنة من السنين يسأله عنه فقالوا لم نعرف له خبراً فركب في طلبه حتى لاح له وراء اراكة بين قطيع من الغزلان وقد غطاه شعره فصعد نوفل الشجرة مستخفياً وشربت الظباء وانصرفت فوقف المجنون يرعى هذا ما في الأصل وفي نزهة المشتاق أنه انصرف معهم ولم يمكنه الاجتماع به فرجع متأسفاً وشكا ما به إلى شيخ كبير في بني سعد فقال له الشيخ إن للمجنون داية يألفها وأنها تحمل له الطعام والخبز أحياناً فيأكل منها ولو صحبتها لأمكن أن تظفر به ففعل، فهرب المجنون منهما فرجع وأخبر الشيخ فقال له الشيخ قد قرأت في سالف الأخبار أن سلطاناً قال لوزيره أخبرني عن أعظم رائحة وأقوى لذة وأشد حافر على الأرض وقد أمهلتك ثلاثاً فإن لم تجب جللتك بالسيف. فمضى مهموماً وكان له ابنة قد اتخذت قصراً مفتوحاً إلى الأربع جهات على قارعة الطريق للنزهة فلما رأت ما بأبيها استعطفته حتى أخبرها فاستسهلت الأمر وقالت له إذا عدت إليه من الغد فأخبره أن أقوى رائحة رائحة الخبز وأعظم الأشياء لذة الجماع وأشد حافر على الأرض البغال فلما أعلمه قال له أخبرني من أين لك ذلك فصدقه الأمر فاستحضر البنت وقال لها لئن لم تخبريني عن تعليل ذلك وإلا ضربت عنقك فإنك بكر لم تعلمي أحوال النساء ولا لذة الجماع فقالت أيد الله الملك إن قصري منفتح للأهوية فلم أجد من لدن قطنت به رائحة يتكيف بها الهواء أعظم من الخبز ولم يتحرك جدار القصر من شيء غير البغال وأما الجماع فإنني أخذته من شدة ألم الوضع وما شاهدت من مقاساة النساء فيه فلو لم يكن الجماع أعظم لذة ما عدن إليه والرأي عندي أن تصنع خبزاً وتجعله في طابق يضم بخاره وتفتحه حيث يشمه فإنه يقف لبعد عهده به فتذكر له ليلى فيزداد أنساً. قال الرجل فمضيت وعملت برأي الشيخ وطيبت الخبز بالأفاويه حتى إذا أقبل ولمحته من خلال الأواكة كشفت الخبز وصعدت لتشرب الظباء فشربن وسرن ووقف يشم الرائحة فأنشدته من الشجرة. أتبكي على ليلى ونفسك باعدت ... مزارك من ليلى وشعباً كما معا فاندفع يقول: فما حسن أن يأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصبابة أجزعا بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... على الجهل بعد الحلم اسبلتا معا واذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن يصدعا فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا معي كل عز قد عصى عاذلاته ... بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت ... إليه العيون الناظرات التطلعا ثم سقط مغشياً عليه فتمثلت بقوله: يا دار ليلى بسقط الحي قد درست ... إلا الثمام وإلا موقد النار أبلى عظامك بعد اللحم ذكركها ... كما ينحت قدح الشوحط الباري ما تفتئوا الدهر من ليلى تموت كذا ... في موقف وقفته أو على داري

стр. 53

فرفع رأسه وقال من أنت حياك الله فقلت له نوفل أخبرني ما صنعت بعدي فأنشد إلا حجبت ليلى الأبيات ثم أخذ يفاوضني فيا لكلام حتى سنح له قطيع ظباء فطفق يعدو حتى اختلط بها وفارقته فلم أره بعد قلت وفي النزهة أنه تطلبه مرة أخرى غير هذه فوجده بين حجرين ميتاً فأخذه ودفنه وسيجيء ذكر ما رأى له من الأشعار منقوشاً في التراب أورده آخر القصة على النمط السابق في غيره ومر برجلين قد اصطادا ظبية وربطاها فعزم عليهما أن يطلقاها فأبيا عليه فأطلقها بشاة من غنمة وأنشد: شريت بكبش شبه ليلى ولو أبوا ... لأعطيت مالي من طريف وتالد فيا بائعي شبهاً ليلى قتلتما ... وجنبتما ما ناله كل عايد فلو كنتما حرين ما بعتما فتى ... شبيهاً لليلى بيعة المتزايد واعتقتماها رغبة في ثوابها ... ولم ترغبا في ناقص غير زائد وقيل إن الرجلين أخوه وابن عمه وأنه أنشدهما متعرضاً لبخلهما: يا أخوي اللذين اليوم قد أخذا ... شبهاً لليلى بحبل ثم غلاها إني أرى اليوم في أعطاف شاتكما ... مشابهاً أشبهت ليلى فحلاها وأنه عرض عليهما اقتل حين أبيا افلاتها لأنه كان أجلد منهما وفي رواية فداها بقلوص ولما ذهبت تعدو وأنشد أيا شبه ليلى الأبيات وزاد هنا. فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك رقيق وقد وردت هذه الرواية من طرق كثيرة وفي إحداها يا صاحبي اللذان وهو أسلم من الزحاف هذا ما تلخص من صحيح أخباره وأما ما قيل من أنه مر بزوج ليلى وهو في حي بني عامر عند ابن عم له يصطلي فوقف على رأسه وأنشد: بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها وهل زفت عليك قرون ليلى ... زفيف الأقحوانة في نداها فقال أما إذ حلقتني فنعم فصرح المجنون وقبض الجمر بكلتا يديه وسقط مغشياً عليه فأكل الجمر لحم راحتيه وقام زوج ليلى مغموماً. وما قيل أيضاً من أن أبا المجنون طرقه ضيوف ليلاً فأرسله إلى أبي ليلى ليقترض منه سمناً فأمرها أبوها أن تخرج إليه بنحى فتملأ وعاءه فجعلت تسكب فيه ويتحاثان حتى غرقت أرجلهما. وأنه جاء ليلة أخرى يستقبسها ناراً فخرجت إليه بقضبة فكان يتحدث معها ويقطع من برد عليه يغلف به النار، وكلما احترقت قطعة أخذ أخرى حتى صار عرياناً فلم يصح اسناده عندنا كصحة غيره ومثل ذلك ما قيل من أن جنونه كان مجازاة لقوله قضاها لغيري أو لسماع هاتف أنشده: كلانا مغرم في حب ليلى ... بفيّ وفيك من ليلى التراب فاختلط عقله، وأما حال موته فالصحيح ما قدمناه وقيل أن رجلاً شامياً كان مغرماً بأشعاره وأشعار قيس بن ذريح قدم للاجتماع به أو الرجل من بني جعدة أو مرة أو هو الصباح بن عامر الكفاني. أقوال فسأل أهله عنه فأخبروه أنه متوحش من الأنس إلا صديقاً له يذهب إليه في كل يوم يكتب ما يقول من الأشعار وداية تذهب إليه بطعام فمضى إليهما يسألهما الحيلة في الاجتماع عليه فقالا له أقصده في موضع كذا فستجده جالساً عند خط حوله التراب وهو يعبث بأصابعه فيه فإذا رآك أخذ الأحجار وهم بضربك فاصرف بصرك عنه وأطل الجلوس ثم أنشد ما يحضرك من شعر قيس فإنه مغرم به فإذا فعلت بلغت ما تريد منه فمضى الرجل يقتفي أثره حتى وجده على ما وصف فلما أنس به قال رحم الله قيساً حيث يقول: نبيت ونضحي كل يوم وليلة ... على منهج تبكي عليه القبائل قتيل للبنى صدع الحب قلبه ... وفي الحب شغل للمحبين شاغل فقال أنا والله أشعر منه حيث أقول: سلبت عظامي لحمها فتركتها ... معرّقة تضحى إليه وتضجر وأخليتها من منحها وكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر إذا سمعت ذكر الفراق تقطعت ... علائقها مما تخاف وتحذر خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني ... بي الضر إلا أنني أتستر ثم انساب يعدو وفارقته فلما كان اليوم الثاني جئت على العادة وأنشدت قول قيس: تبادر أم تروح غداً رداحاً ... ولن يستطيع مرتهن براحا سقيم لا يصاب له دواء ... أصاب الحب مقلته فباحا

стр. 54

وعذبه الهوى حتى براه ... كما القيت بالسفن القداحا فكاد يذيقه جرع المنايا ... ولو أسقاه ذلك لاستراحا فقال أشعر منه حيث أقول: فما وجد مغلوب بصنعاء موثق ... لساقيه من ثقل الحديد كبول قليل الموالي مستهام مروّع ... له بعد نومات العشاء عويل يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غداً ومسلم فقتيل بأعظم مني روعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل ثم فعل فعلته بالأمس وعاودته فقلت أحسن والله قيس حيث يقول: ألا يا غراب البين ويحك أنبني ... بعلمك في لبنى وأنت خبير فإن أنت لم تخبر بشيء علمته ... فلا طرت إلا والجناح كسير ودرت بأعداء حبيبك بينهم ... كما قد تراني بالحبيب أدور وفي رواية ابن الأعرابي. ألا يا غراب البين هل أنت مخبري ... بخير كما خبرت بالنأي والشر وخبرت أن قد جد بين وقربوا ... جمالاً للبنى مثقلات من العذر وهجت فدى عين للبنى مريضة ... إذا ذكرت فاضت مدامعها تجري وقلت لداك الدهر ما زال فاجعاً ... صدقت وهل شيء بباق على الدهر فقال له المجنون أحسن والله ولكي أشعر منه حيث أقول. كان القلب البيتين فأمهلته حتى فرغ. ثم قلت وأحسن قيس أيضاً حيث يقول. وأني لمفن دمع عيني بالبكا. الأبيات السابقة في قصة قيس قال فبكى حتى ظننت أنه فاضت نفسه ثم قال أحسن والله وأنا أشعر منه حيث أقول. وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح تناءيت عني حين لالى حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح قال ولم أزل أعاوده أكتب ما يقول إلى أن تطلبته فوجدته بين أحجار ميتاً وفي رواية أن هذا الرجل لم يجتمع به. وأخرى رآه ميتاً محمولاً قد دلت عليه دايته وأنه لم يكتب أشعاراً إلا من عند صديقه المقدم ذكره بالجملة فمحل الاجماع أنه وجد ميتاً فاحتمل وغسل ودفن وحضر جنازته جميع بني جعدة وسعد والحريش وحضر أبو ليلى فأظهر جزعاً شديداً وتنصل واعتذر بأنه لم يعلم أن أمره يقضي إلى هذه الحالة ولو يعلم لاحتمل العار وزوجه، ولما غسل وجدوا الرقعة مكتوباً فيها. ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضى ... شقيت لا هنئت من عيشك الخفضا شقيت كما أشقيتني وتركتني ... أهيم مع الهلاك لا أطعم الغمضا كأن فؤادي في مخاليب طائر ... إذ أذكرت ليلى يشد به قبضا كأن فجاج الأرض حلقة خاتم ... على فما تزداد طولاً ولا عرضا وقيل أن ليلى توفيت قبله وأنه سمع هاتفاً يقول. أمنعية بالموت ليلى ولم تمت ... كأنك عمد أظلك غافل فسقط ميتاً وهذا أمر يتعذر الوصول إلى تحقيقه وله أشعار كثيرة بلا أسباب من محاسنها قوله: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكنا ومنها: تقول العدا لا بارك الله في العدا ... تقاصر عن ليلى ورثت رسائله ولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى جديداً أوائله ومنها: فلو تلتقي في الموت روحي وروحها ... ومن بين رمسينا من الأرض منكب لظل صدى رمسي وإن كنت رمه ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب قلت قال في النزهة وشتان ما بين هذا وما بين قول ثوبة في ليلى الأخيلية: ولو أنّ ليلى الأخيلية سلمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح لسلمت تسلم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح قول وفحوى الكلام أن قول المجنون أبلغ لأن تلاقي روحيي ميتين أعظم في جانب المبالغة من تلاقي حي وميت وكلام ثوبة من الثاني ويمكن نقل هذا إلى مبحت حكمي وعكس كلام صاحب النزهة فقد أجمعت الحكماء بل وأصحاب الشرع بأن استلذاذ الأرواح واداركها بعد مفارقة إليها كل الجسمية أشد وأقوى فتأمله. ومنها: فلو زرت بيت الله ثم رأيتها ... بأبوابه حيت استجار حماها

стр. 55

لمست ثيابي إن قدرت ثيابها ... ولم ينهني عن مسهن حمامها ولو شهدتني حين تأتي منيتي ... جلا سكرات الموت عني ابتسامها ومنها: أقول لألف ذات يوم لقيته ... بمكة والانضاء ملقى رحالها بربك أخبرني ألم تأثم التي ... أضر بجسمي من زمان خيالها فقال بلى والله سوف يمسها ... عذاب وبلوى في الحياة تنالها فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... سريع إلى جيب القميص انهمالها عفا الله عنها ذنبها واقالها ... وإن كان في الدنيا قليلاً نوالها ومنها: وأحبس عنك النفس والنفس صبة ... بذكراك والممشى إليك قريب مخافة أن يسعى الوشاة بظنة ... وأحرسكم أن يستريب مريب لتد جعلت نفسي وأنت اخترمتها ... وكنت أعز الناس عنك تطيب فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل ... لك الدهر مني ما حييت نصيب أما والذي يبلوا السرائر كلها ... ويعلم ما تبدي به وتغيب لقد كنت ممن تصطفى النفس خلة ... لها دون خلان الصفاء حجوب ومنها. ألا ليت ليلى اطفأت حر زفرة ... أعالجها لا أستطيع لها ردا إذا الريح من نحو الحمى نسمت لنا ... وجدت لمسراها ومنسمها بردا على كبد قد كاد يبدي بها الهوى ... ندوباً وبعض القوم يحسبني جلدا وإني يماني الهوى منجد النوى ... سبيلان القي من خلافهما جهدا سقى الله نجداً من ربيع وصيف ... وما ترجى من ربيع سقى نجدا بلى أنه قد كان للعيش مدة ... وللعيس والركبان منزلة حمدا أبى القلب أن ينفك من ذكر نسوة ... رقائق لم يخلقن شوها ولا نكدا إذا رحن بسحبن الذيول عشية ... ويقتلن بالألحاظ أنفسنا عمدا مشا عيطلات رجح بحضورها ... روادف وعثات ترد الخطا ردا وتهتز ليلى العامرية إذ مشت ... ولاثت بثوب القز ذا غدر جعدا إذا حرك المدى ضفائرها العلا ... مزجن بذي الريحان والعنبر الوردا ومنها. أبى القلب الأحبة عامرية ... لها كنية عمرو وليس لها عمرو تكد يدي تندى إذ ما لمستها ... وتنبت في أطرافها الورق الخضر ومنها وقد ضعف فعاده الناس ولم تعده ليلى فأنشد. ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعي ... بليل ولا يجري بذلك طائر بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت ... بليلى ولكن ليس للطير زاجر أزالت عن العهد الذي كان بيننا ... بذي الأيك أم قد غيرتها المقادر فوالله ما في القرب لي منك راحة ... ولا البعد يسليني ولا أنا صابر ووالله ما أدرى بأية حيلة ... وأي مرام أو خطار أخاطر وتالله إن الدهر في ذات بيننا ... عليّ له في كل حال لجائر فلو كنت إذ أزمعت هجري تركت ... جميع القوى والعقل مني وافر ولكن أيامي بحقل عنيزة ... وبالردم أيام حباها التجاور وقد أصبح الود الذي كان بيننا ... أمانيّ نفس والمؤمل حائر لعمري لقد كدرت يا أم مالك ... حياتي وساقتني إليك المقادر ومنها: فوا كبدي من حب من لا يحبني ... ومن زفرات ما لهن فناء أريتك إن لم أعطك الحب عن يد ... ولم يك عندي إذ أبيت اباء أتاركتي للموت أنت فميت ... وما للنفوس الخائفات لقاء ومنها: وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقي ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس وقالو به من أعين الجن نظرة ... ولو عقلوا قالوا به نظرة الأنس ومنها: وشغلت عن فهم الحديث سوى ... ما كان فيك فأنتم شغلي وأرى جليسي إذ يحدثني ... إن قد فهمت وعندكم عقلي ومنها:

стр. 56

سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى ... بها السير وارتادت حمى القلب حلت فللعين تهمال إذا القلب ملها ... وللقلب وسواس إذا العين ملت ووالله ما في القلب شيء من الهوى ... لأخرى سواها أكثرت أم قلت ومنها: ذكرت عشية الصدفين ليلى ... وكل الدهر ذكراها جديد عليّ ألية إن كنت أدرى ... أينقص حب ليلى أم يزيد ومنها: يا ويح من أمسى تخلس عقله ... فأصبح مذهوباً به كل مذهب خلياً من الخلان إلا معذراً ... يضاحكني من كان يهوى تجنبي إذا ذكرت ليلى عقلت وأرجعت ... روائع عقلي من هوى متشعب وقالوا صحيح ما به طيف جنة ... رلا الهم إلا بافتراء التكذب تجنبت ليلى إذ يلح بك الهوى ... وهيهات كان الحب قبل التجنب ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما يذهب به الريح يذهب ولم أر ليلى بعد موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المحصب وتبدي الحصا منها إذا قذفت بها ... من البرد أطراف البنان المخضب فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب ومنها: وإني لمجنون بليلى موكل ... ولست عزوفاً عن هواها ولا جلدا إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة ... لتذكارها حتى يبل البكا الخدّا ومنها: ألا يا حمام الأيك مالك باكياً ... أفارقت الفاً أم جفاك حبيب دعاك الهوى والشوق لم ترنمت ... هتوف الضحى بين الغصون طروب تجاوب ورقاً قد أذن لصوتها ... فكل لكل مسعد ومجيب ومنها: لقد غردت في جنح ليل حمامة ... على إلفها تبكي وإني لنائم كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم ومنها: إذا قربت داري كلفت وإن تأت ... أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد وإن وعدت زاد الهوى لانتظارها ... وإن بخلت بالوعد مت على الوعد ففي كل حب لا محالة فرحة ... وحبك ما فيه سوى محكم الجهد ومنها، وهو كما قال في النزهة من الأشعار التي قيلت على الأوهام قال لما حضروا به في مكة بات ليلة فجعل يحدث نفسه كالذي في النوم ويعاتب امرأة حاضرة فقيل له في ذلك فحلف أن ليلى كانت إلى جانبه في هذا الوقت ثم أنشد: طرقتك بين مسبح ومكبر ... بحطيم مكة حيث كان الأبطح فحسبت مكة والمشاعر كلها ... وجبالها باتت بمسك تنفح ومنها: لئن نزحت دار بليلى لربما ... عنينا بخير الزمان جميع وفي النفس من شوقي إليك حرارة ... وفي القلب من وجدي عليك صدوع وأما قصيدته الموسومة بالمؤنسة فهي أطول قصيدة أنشدها وواظب عليها قيل أنه كان يحفظها دون أشعاره وأنه كان لا يخلو بنفسه إلا وينشدها وهي من محاسن الأشعار وأرقها لفظاً وأعذبها سبكاً وألطفها شجواً وأبلغها نسيباً وغزلاً تهيج الشجون وتعين المحزون وللناس في الاقتصار على بعضها والاستصفاء منها اختلاف كثير أحسنه: تذكرت ليلى والسنين الخواليا ... وأيام لا أعدى على الدهر عاديا ويوم كظل الرمح قصرت ظله ... بليلى فلهاني وما كنت لاهيا فيا ليل كم من حاجة لي مهمة ... إذا جئتكم بالليل لم أدر ماهيا خليليّ ألا تبكي لي التمس ... خليلاً إذا أنزفت دمعي بكى ليا فما أشرف الايفاع إلا صبابة ... ولا أنشد الأشعار إلا تداويا وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا لحي الله أقوا ما يقولون إننا ... وجدنا طوال الدهر للحب شافيا وعهدي بليل وهي ذات مؤصد ... ترد علينا بالعشي المواشيا فشب بنو ليلى وشب بنو ابنها ... واعلاق ليلى في فؤادي كما هيا

стр. 57

إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه ... تواشوا بنا حتى أمل مكانيا سقى الله جارات لليلى تباعدت ... بهن النوى حيث احتللن المطاليا بتمرين لاحت نار ليلى وصحبتي ... بقرع العصا ترجى المطى الحوافيا فقال بصير القوم لمحة كوكب ... بدا في سوادا لليل من ذي يمانيا فقلت لهم بل نار ليلى توقدت ... بعليا تسامى ضوءها فبدا ليا خليلي لا والله لا أملك الذي ... قصى الله في ليلى ولا ما قضى ليا قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا فلو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت أتى نيا وماذا لهم لا أحسن الله حالهم ... من الحظ في تصريم ليلى حباليا وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والابرام حتى علانيا فيا رب سوّ الحب بيني وبينها ... يكون كفافاً لا عليّ ولا ليا فما طلع النجم الذي يهتدى به ... ولا الصبح الاهيجا ذكرها ليا ولا سرت ميلاً من دمشق ولا بدا ... سهيل لأهل الشام إلا بدا ليا ولا سميت عندي لها من سمية ... من الناس الا بل دمعي ردائيا ولا هبت الريح الجنوب لأرضها ... من الليل إلا بت للريح جانيا فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها ... عليّ فلن تحموا عليّ القوافيا فاشهد عند الله إني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا قضى الله بالمعروف منها لغيرنا ... وبالشوق مني والغرام قضى ليا وإن الذي أملت يا أم مالك ... أشاب فؤادي واستهان فؤاديا أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا واخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالليل خاليا أراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلي ورائيا وما بي اشراك ولكن حبها ... وعظم الحوى أعيى الطبيب المداويا أحب من الأسماء ما وفق اسمها ... وأشبهه أو كان منه مدانيا خليليّ ليلى أكبر الحاج والمنى ... فمن لي بليلى أو فمن لها بيا لعمري لقد أبكيتني يا حمامة العقيق ... وأبكيت العيون البواكيا خليليّ ما أرجو من العيش بعدما ... أرى حاجتي تشرى ولا تشترى ليا وتجرم ليلى ثم تزعم أنني ... سلوت ولا يخفى على الناس ما بيا فلم أر مثلينا خليلي صبابة ... أشد على الرغم الأعادي تصافيا خليلان لا نرجو اللقاء ولا ترى ... خليلين إلا يرجوان تلاقيا وإني لاستحييك أن تعرض المنى ... توصلك أو أن تعرضي في المنى ليا يقول أناس على مجنون عامر ... يروم سلوا قلت أنى لما بيا إذا ما استطال الدهر يا أم مالك ... فشأن المنايا القاضيات وشأنيا إذا اكتحلت عيني بعيني لم تزل ... بخير وجلت غمرة عن فؤاديا فأنت التي إن شئت شقيت عيشتي ... وأنت التي إن شئت أنعمت باليا وأنت التي ما من صديق ولا عدى ... يرى نضو ما أبقيت الارثي ليا أمضروبة ليلى عليّ أزروها ... ومتخذ دين لها أن ترانيا إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني ... أصانع رحلي أن يميل حياليا يميناً إذا كانت يميناً وإن تكن ... شمالاً ينازعني الهوى عن شماليا

стр. 58

وإني لاستغشى وما بي نعسة ... لعل خيالاً منك يلقي خياليا هي السحر إلا أن السحر رقية ... وإني لا ألقي لها الدهر راقيا إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى المطايانا بذكراك هاديا ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت ... لها وهج مستضرم في فؤاديا ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا ... علينا فقد أمسى هوانا يمانيا أسائلكم هل سال نعمان بعدنا ... وحب إلينا بطن نعمان واديا ألا يا حمامي بطن نعمان هجتما ... عليّ الهوى لما تغنيتما ليا وأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن ... أبالي دموع العين لو كنت خاليا ويا أيها القمريتان تجاذبا ... بلحنيكما ثم اسجعا علانيا فإن أنتما استطربتما أو أردتما ... لحاقاً بأطلال الغضى فاتبعانيا ألا ليت شعري ما للعلى وما ليا ... وما للضبا من بعد شيب علانيا ألا أيها الواشي بليلى ألا ترى ... إلى من تشها أو لمن أنت واشيا لئن ظعن الأحباب يا أم مالك ... فما ظعن الحب الذي في فؤاديا فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنى ... فزنى بعينيها كما زنتها ليا وإلا فغضا إلي وأهلها ... فإني بليلى قد لقيت الدواهيا على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا خليليّ إن ضنوا بليلى فقرّبا ... إلى النعش والأكفان واستغفرا ليا أخبار عروة بن حزام وصاحبته عفرا هو عروة بن حزام بن مالك بن حزام بن ضبة بن عبد بن عدرة شاعر لبيب حاذق متمكن في العشق. قيل أنه أول عاشق مات بالهجر من المخضرمين أو من العذريين ولشدة مقاساته في العشق ضرب به المثل بين العرب والمولدين قال المجنون عجبت لعروة العذري البيت، وقال أبو عيينة: فما وجد النهدي إذا مات حسرة ... عشية بانت من حبائله هند ولا عروة العذري إذ طال وجده ... بعفراء حتى شف مهجته الوجد كوجدي غداة البين عند التقائها ... وقد طار عنها بين أترابها البرد وقال آخر: وقبلك مات من وجد بهند ... أخو نهد وصاحبه جميل وعروة والمرقش هام دهراً ... بأسماء فلم يغن العويل قتيل الجريح من قبل الغواني ... فلا قود ولا يودي قتيل وقال جرير: هل أنت شافية قلباً يهيم بكم ... لم يلق عروة من عفراء ما وجدا ما في فؤادي من داء يخامره ... إلا التي لو رآها راهب سجدا إنّ الشفاء وإن ضفنت بنائله ... قرع البشام الذي تجلو به البردا إن غير ذلك. وعفراء هي بنت هصر أخي حزام كلاهما ابنا مالك من بطن من العذريين، يقال له نهد قال في تسريح النواظر إن سبب عشقه لها، أن أباه حزاماً توفي ولعروة من العمر أربع سنين وكفله هصر أبو عفراء، فانتشئا جميعاً فكان يألفها وتألفه. فلما بلغ الحلم، سأل عروة عمه تزويجها فوعده ذلك ثم أخرجه إلى الشام بعير له. وجاء ابن أخ له يقال له اثالة بن سعيد بن مالك يريد الحاج فنزل بعمه هصر فبينما هو جالس يوماً تجاه البيت إذ خرجت عفراء حاسرة عن وجهها ومعصميها تحمل أدواة سمن وعليها ازار خز أخضر. فلما رآها وقعت من قلبه بمكانة عظيمة فخطبها من عمه فزوجه بها. وإن عروة أقبل مع البعير وقد حمل أثالة عفراء على جمل أحمر فعرفها من البعد، وأخبر أصحابه، فلما التقيا وعرف الأمر بهت لا يحير جواباً حتى افترق القوم فأنشد: وإني لتعروني لذكراك رعدة ... لها بين جلدي والعظام دبيب فما هو إلا أن رآها فجاءة ... فأبهت حتى ما يكاد يجيب فقلت لعرّاف اليمامة داوني ... فإنك إن أبرأتني لطبيب فما بي من حمى ولا مس جنة ... ولكنّ عمي الحميريّ كذوب

стр. 59

عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب بنا من جوى الأحزان والبعد لوعة ... تكاد له نفس الشفيق تذوب ولكنما أبقى حشاشة مقول ... على ما به عود هناك صليب وما عجبي موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب وقيل أنه لم ينشد في ذلك الموقف سوى البيتين الأولين، وأما قوله: فقلت لعراف اليمامة إلى قوله وما عفراء منك قريب. فإنه أنشده حين أتى به إلى الطبيب وسبب ذلك أنه حين وصل الحي أخذه الهذيان والقلق وأقام أياماً لا يتناول قوتاً حتى شفت عظامه ولم يخبر بسره أحداً، وأنه حمل ليلة إلى فضاء ليتنزه به، فسمع رجلاً يقول لوالده على أي ناقة حملت الشعب، يعني قرب الماء، فقال على العفراء، فأغمي عليه ساعة ثم قام مخبولاً وكان باليمامة عراف يعني كاهناً له قرين من الجن يعرفه الأخبار ودواء بعض الأدواء وكان يقال له رياح بن راشد وكنيته أبو كحلاء مولى لبني يشكر فحملوه إليه فلما رآه أخذ يعالجه بأنواع العلاج والرقي والصب عليه وأصل ذلك أن العرب كانت إذا تخليت بشخص سحراً جعلت على رأسه طبقاً فيه ماء ثم أذابت الرصاص وسكبته في ذلك الماء ودفنته في فضاء من الأرض فيزول عن الشخص ما به، وإن الكاهن فعل بعروة ذلك مراراً فلما ينجع، أخبرهم أن ما به ليس إلا من العشق. وقيل أنه عرف ذلك من يوم قدومهم به، فلما أحس باليأس أنشد: فقلت لعراف اليمامة الأبيات فحمل إلى عراف آخر بنجد ففعل به مثل ذلك فأنشد الأبيات الآتية في نونيته وهي قوله جعلت لعراف اليمامة. وأما قوله بنا من جوى الأحزان ويروي وبي من جوى الأحزان فعلى الأصح كما في النزهة أنه من هذا الشعر. وقيل أنشده حين حمل إلى ابن عباس ليدعو له بمكة وقد سلف أن صاحب القصة غيره وإن صحح ابن عساكر خلافه، ولما أيس من الشفاء تمرض بين أهله زماناً حتى شاع انتحاله في العرب مثلاً. وإن ابن أبي عتيق مر به فرأى أمه تلاطف غلاماً كالخيال فسألها عن شأنه، فقالت هو عروة فسألها نضوا الغطاء عنه، فلما شاهده قضي عجباً ثم استنشده فأنشد جعلت لعراف اليمامة حكمه الأبيات ولما علم الضجر من أهله، قال لهم احتملوني إلى البلقاء فإني أرجو الشفاء. فلما حل بها وجعل يسارق عفراء النظر في مظان مرورها، عاودته الصحة. فأقام كذلك إلى أن لقيه شخص من عذرة فسلم عليه. فلما أمسى دخل على زوج عفراء فقال له متى قدم هذا الكلب عليكم فقد فضحكم بكثرة ما يتشبب بكم فقال من قال عروة قال أنت أحق بما وصفته به والله ما علمت بقدومه وكان زوج عفراء موصوفاً بالسيادة ومحاسن الأخلاق في قومه. فلما أصبح جعل يتصفح الأمكنة حتى لقي عروة فعاتبه وأقسم بالمحرجات أنه لا ينزل إلا عنده فوعده ذلك، فذهب مطمئناً وأن عروة عزم أن لا يبيت الليل، وقد علم به فخرج فعاوده المرض فتوفي بوادي القرى، دون منازل قومه. وقيل وصلها لرواية ابن العاص، قال استعملني عمر ﵁ في جباية صدقات العذريين فبينما أنا يوماً بإزاء بيت إذ نظرت امرأة عند كسر البيت وإلى جانبها شخص لم تبق إلا رسومه فجلست أنظر إليه فتموج ساعة ثم خفق خفقة فارق الحياة فقلت لها من الرجل قالت عروة فقلت كأنه قضى فقالت نعم، ولما بلغ عفراء وفاته قالت لزوجها قد تعلم ما بينك وبيني وبين الرجل من الرحم وما عنده من الوجد وإن ذلك على الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغني أنه قضي، قال ذلك إليك فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلاً ثم أنشدت: ألا أيها الركب المحثون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموا ... بأن قد نعيتم بدر كل ظلام فلا لقي الفتيان بعدك راحة ... ولا رجعوا من غيبة بسلام ولا وضعت انثى تماماً بمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام ولا لابلغتم حيث وجهتم له ... وغصتم لذات كل طعام وفي كتاب النزهة لابن داود أن ركباً شاهدوا موته، فلما قدموا الحي أنشد رجل منهم عند بيت عروة: ألا أيها القصر المغفل أهله ... بحق نعينا عروة بن حزام

стр. 60

فجاوبته عفراء ألا أيها الركب هكذا بيتاً فبيتاً إلى أربعة والباقي لعفراء وهذا غير صحيح لأن القبر في طريقها قبل منازلهم. وفي هذه الرواية بدل قوله فلا لقي الفتيان، فلا هنىء الفتيان بعدك غادة. والأول ألطف وبدل فلا وضعت انثى. فقال للحبالى لا يرجين غائباً وفيه إضافة غير مناسبة إذ لا مناسبة بين الحمل والغيبة إلا بتأويل لا يليق بفصاحة العرب، ولما فرغت من شعرها ألق نفسها على القبر فحركت فوجدت ميتة وما قيل من أنها منعت المجيء إلى قبره ومن أنه كان في عهد عثمان أو معاوية وأن الذي شهده الحاكي أحدهما ومن أن عمر قال لو أدركتها لجمعت بينهما غير صحيح الرواية كما في النزهة نعم حمل قول عمر على الرؤية وتمسك من قال أن عفراء لم تزر قبره بقولها: عداني أن أزورك يا خليلي ... معاشر كلهم واش حسود أشاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد فأما إذ تويت اليوم لحداً ... فدور الناس كلهم اللحود فلا طابت لي الدنيا فراقاً ... لبعدك لا يطيب لي العديد ولما قضت دفنت إلى جانبه فنبت من القبرين شجرتان حتى إذا صارتا على حد قامة التفتا فكانت المارة تنظر إليهما ولا يعرفان من أي ضرب من النبات وكثيراً ما أنشدت فيهما الناس فمن ذلك قول الشهاب محمود: بالله يا سرحة الوادي إذا خطرت ... تلك المعاطف حيث الرند والغار فعانقيهم عن الصب الكئيب فما ... على معانقة الأغصان انكار وقول صاحب الأصل: غصنان من دوحة طال ائتلافهما ... فيها فجالت صروف الدهر فافترقا فصار ذا في يد تحويه ليس له ... منها براح وهذا في الغلاة لقا حتى إذا ذويا يوماً وضمهما ... بعد التفرق بطن الأرض واتفقا حنا على العهد في أرجائها فحنا ... كل على ألفه في الترب واعتنقا قلت وبين هذين خلاف في اللفظ والمعنى ويحتمل رجوعه إلى خصوص وعموم مطلق فإن الأول أرق وأعذب وألطف ولكنه قاصر عن المراد وغير دال على خصوص المقام وفيه التكرار الذي عدته البلاغة عيباً فإن الرند والغار مترادفان وفيه عيب خفي إلا على الناقد فإنه لم يجعل المتعانقين المتحابين بل أمر السرحة يعني الشجرة أن تعانق تلك المعاطف يعني معاطف المعشوقة نيابة عن العاشق وعلل ذلك بالانكار على تعانق المتحابين وقد تظافرت كلمات المحبين باستسهال الذم في قضاء الوطر. وأما الثاني فقد تضمن حكاية الحال مع حسن الاستعارة المكنية ودل على المقام ولكنه غير رقيق ولا خال عن السماجة. وتوفي عروة بن حزام على ما ذكر الذهبي في تاريخه في غلافة عثمان سنة ثلاثين من الهجرة ورأيت في كتاب مجهول التأليف أن وفاته كانت لعشر يقين من شوال سنة ثمان وعشرين ومن محاسن شعره قصيدته التي على حرف النون فقد ضمنها حكاية حاله بألفاظ رقيقة ومعان أنيقة وهي هذه: خليل من عليا هلال بن عامر ... بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني ولا تزهدا في الأجر عندي واجعلا ... فإنكما بي اليوم مبتليان ألم تعلما أن ليس بالمرج كله ... أخ وصديق خالص فذراني أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعيني إنساناً هما غرقان وعيناي ما وافيت نشر فتنظرا ... بما فيهما إلا هما تكفان ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر البلقاء ثم دعاني على جسرة الأصلاب ناجية السرى ... تقطع عرض البيد بالوخدان ألماً على عفراء إنكما غدا ... بشحط النوى والبين مفترقان فيا واشي عفراء ويحكما بمن ... وما والي من جئتما نشيان بمن لو أراه غائباً لفديته ... ومن لو رآني عائباً لفداني فيا واشي عفرا دعاني ونظرة ... تقر بها عيناي ثم زماني أغركما مني قميص لبسته ... جديداً وبرد أيمنة زهياني متى تكشفا عني القميص تبينا ... بي الضرر من عفراء يا فتيان

стр. 61

إذا تريا لحماً قليلاً وأعظماً ... بلين وقلباً دائم الرجفان على كبدي من حب عفراء قرحة ... وعينان من وجدي بها تكفان فعفراء أرجى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني أحب ابنة العذري حباً وإن نأت ... ودانيت فيها غير ما متداني إذا رام قلبي هجرها حول دونه ... شفيعان من قلبي لها جدلان إذا قلت قالا بلى ثم أصبحا ... جميعاً على الرأي الذي يريان فيا رب أنت المستعان على الذي ... تحملت من عفراء منذ زمان فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس والانعام يلتقيان فيقضي حبيب من حبيب لبانة ... ويرعاها ربي فلا يريان فيا ليت محيانا جميعاً وليتنا ... إذا نحن متنا ضمنا كفنان ويا ليت أنا الدهر في غير ريبة ... خليان نرعى القصر مؤتلفان هواي أمامي ليس خلفي معرج ... وشوق قلوصي في الغدو يماني هواي عراقي وثنى زمامها ... لبرق إذا لاح النجوم يماني متى تجمعي شوقي وشوقك تطلعي ... ومالك بالعبء الثقيل يدان يقول لي الأصحاب إذ يعدلونني ... أشوق عراقي وأنت يماني تحملت من عفراء ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان جعلت لعرّاف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفيان فقالا نعم تشفى من الداء كله ... وقاما مع العوّاد يبتدران نعم وبلى قالا متى كنت هكذا ... ليستخبراني قلت منذ زمان فما تركا من رقية يعلمانها ... ولا سلوة إلا وقد سقياني وما شفيا الداء الذي بي كله ... ولا ادّخر نصحاً ولا ألواني فقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان فرحت من العراف تسقط عمتي ... عن الرأس ما التائها ببنان معي صاحباً صدق إذا ملت ميلة ... وكانا بجنبي سرعة عدلاني فيا عم إذا العذر لا زلت مبتلى ... حليفاً لهم لازم وهوان غدرت وكان الغدر منك سجية ... فألزمت قلبي دائم الخفقان وأورثتني غماً وكرباً وحسرة ... وأورثت عيني دائم الهملان فلا زلت ذا شوق إلى هويته ... وقلبك مقسوماً بكل مكان وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني ... وعفراء يوم الحشر ملتقيان ألا يا غرابي دمنة الدار بيننا ... أبالهجر من عفراء تنتحبان فإن كان حقاً ما تقولان فاذهبا ... بلحمي إلى وكريكما فكلاني كلاني أكلا لم ير الناس مثله ... ولا تهضما جنبي وازدرداني ولا تعلمان الناس ما كان قصتي ... ولا يأكلنّ الطير ما تذراني ألا لعن الله الوشاة وقولهم ... فلانة أضحت خلة لفلان إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه ... تواشوا بنا حتى أمل مكاني تكنفني الواشون من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني ولو كان واش باليمامة أرضه ... أحاذره من شؤمه لأتاني يكلفني عمي ثمانين ناقة ... ومالي والرحمن غير ثمان فوالله ما حدّثت سرك صاحباً ... ضحى وقلوصانا بنا تخدان ضحينا ومستنا جنوب ضعيفة ... نسيم لرياها بنا خفقان تحملت زفرات الضحى فأطقتها ... ومالي بزفرات العشيّ يدان فيا عم لا سقيت من ذي قرابة ... بلالاً فقد زلت بك القدمان ومنيتني عفراء حتى رجوتها ... وشاع الذي منيت كل مكاني

стр. 62

فوالله لولا حب عفراء ما التقى ... عليّ رواقاً بيتك الخلقان رواقان خفاقان لا خير فيهما ... إذا هبت الأرواح يصطفقان ولم أتبع الأظعان في رونق الض ... حى ورحلي على نهاضة الخديان لعفراء إذ في الدهر والناس غرة ... إذا خلقان بالصبي يسراني لادنو من بيضاء خفاقة الحشى ... بنية ذي قارورة شنآن كان وشاحيها إذا ما ارتدتهما ... وقامت عناناً مهرة سلسان وليس بأبدان لها ملتقاها ... ومتناهماً رخوان يضطربان وتحتيهما حقفان قد أذقتني ... وحزن ألح العين بالهملان وعينان ما وافيت نشراً فتن ... ظراً بمأقيها الا هما تكفان فهل حاد يا عفراء إن خفت فوتها ... عليّ إذا ناديت مرعويان ضروبان للتالي القطوف إذا ولى ... بسيحان من يعصي به حذران فما لكما من حاديين كسيتما ... سرابيل مغلاه من القطران وما لكما من حاديين رميتما ... بحمى وطاعون ألا تقفان فويلي على عفراء ويلاً كأنه ... على الكبد والأحشاء حدّ سنان ألا حبذا من حب عفراء ملتقى ... نعم وإلا لا حيث يلتقيان لو أن أشد الناس وجداً ومثله ... من الجن بعد الانس يلتقيان ويشتكيان الوجد ثمة اشتكي ... لا ضعف وجدي فوق ما يجدان فقد تركتني ما أعى لمحدّث ... حديثاً وإن ناجيته ونجاني وقد تركت عفراء قلبي كأنه ... جناح غراب دائم الخفقان قوله خليلي، خطاب بالنداء محذوف الأداة وليس بشرط أن يكونا وجوديين، فقد جرت عادة العرب بذلك، حتى قيل إنهم وإن خاطبوا الواحد جعلوا الصيغة لاثنين، أما ليجري مجرى التأكيد أو أنهم يطلبون التعظيم أو أنهما أقل الرفقة. وقوله إلى حاضر البلقاء يريد المكان الذي كانت به كما سبق في الحكاية ويروي إلى حاضر الروحاء موضع بالبلقاء من طرف حوران وقوله حسرة الاصلاب صفة مشبهة كناية عن العجلة التي لم تدعه يشد كور الناقة ويروي نواخة السرى وموارة أي عجلة تبلغ المآرب وقوله بمن لو أراه البيت كناية عن الاتحاد وشدة المحبة حتى لم يقع تأثير بينهما من نقل شيء وقوله متى تكشفا. روى بدله متى ترفعا، والأول أبلغ لاخصيته ولزوم رؤية البدن منه، وقوله إذا تريا جواب متى وروى بدله تعرفاً، والأول ألطف. وقوله كأن قطاة البيت قد أخذه المجنون حيث قال: قطاة غرها شرك فباتت البيت وهذا من السرقات العامة التي تتفاوت بحسن الاختلاس والتظرف ومعنى هذا أنه شبه كبده في شدة خفقاته من هياج نار العشق بقطاة علقت بجناح واحد وجعلت ترفرف بالآخر طلب الخلاص. وأما المجنون فقد تظرف ثم بالغ لأنه جعل القلب هو القطاة بعينها وجعل المعلق هو الشرك واعلم أن ابن الأثير ألف كتاباً بأسماء أعمدة المعاني للمنثور والمنظوم ذكر فيه من اقترح معنى ومن سرق منه وزاد عليه فقال في هذا الموضع أن المجنون تظرف حيث أسند الخفقان إلى القلب والتعليق إلى الشرك وأما أنا فأقول إن قول عروة أبلغ لأن الكبد ليس من شأنه الحركة ولا الخفقان كما هو دأب القلب فإسناد الخفقان الناشىء عن العشق إليه أبلغ ولأن حركته تستلزم حركة القلب دون العكس ولا يساوي هذا المعنى كون محل التعقل ومسكن المحبوب كما في كلماتهم إذا الملحوظ حينئذ الروح الحيواني قوله عراف اليمامة قد سبقت قصته والعراف في الأصل الكاهن واستعمله هنا على الطبيب لاتحادهما لغة وما الثأتها يعني ما رددتها وهي كناية عن شدة المرض، وعمه المدعو عليه هو أبو عفراء وقد عرفت عذرهن وقوله فلو أن واش باليمامة قد استعاره المجنون حيث قال: ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت أتانيا وهي سرقة شنيعة مذمومة وهو هنا أظرف وأبلغ من حيث الايهام لأن قوله أحاذره من شؤمه يحتمل أن يكون بأقصى فارس وهذا هو اللائق بالمبالغة. وأما حضرموت واليمامة فكلاهما في إقليم واحد فلا يعظم مجيء الواشي.

стр. 63

أخبار عبد الله بن عجلان وصاحبته هند هو عبد الله بن عجلان بن عبد الأحب بن عامر بن كعب يتصل بقضاعة وهو فخذ من بني الحريش وسعد افترقوا من قضاعة على ما ذكر في الأنساب أربعون فخذاً. وفي النزهة أنه عذري وليس كذلك، ولكن بينه وبينهم حيث لا ترمي العصا وذلك دون خمس جدود وقال في كتاب الأنساب كانت العرب تعد الرجل منها ما لم يفارقهم بخمس بطون فإذا بلغ ذلك، قالوا قطع النسب، ورميت العصا وكان عبد الله هذا يكنى أبا عمرة وهو شاعر مفلق وناطق مزلق رقيق أديب قال في بلغة الاشفاق في ذكر أيام العشاق وهو جزء لطيف لابن رشيق موضوعه ذكر مدة العشاق في العشق أن عبد الله هذا أقل العشاق أياماً، عاش مكابد المحبة وغصة العشق ثلاثين سنة وهو جاهل يضرب به المثل كما ضرب بعروة فما قيل فيه قول قيس: فما وجدت وجدي بها أم واحد ... ولا وجد النهدي وجدي على هند ولا وجد العذري عروة في الهوى ... كوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي فقوله النهدي إشارة إلى ابن عجلان هذا وقد سماه عمراً في أبيات سبقت في قصته وقوله على هند متعلق بوجدي فليحذر من فهم صاحب النزهة وقول البحتري: هوى لا جميل في بثينة ناله ... بمثلي ولا عبد بن عجلان في هند وهند هي بنت كعب بن عمرو بن ليث النهدي يتصل مع عبد الله في النسب قال في الظرائف أن سبب اعتلاقه بها، أنه خرج يوماً إلى شعب من نجد ينشد ضالة فشارف ماء يقال له نهر غسان وكانت بنات العرب تقصده فتخلع ثيابها وتغتسل فيه. فلما علا ربوة تشرف على النهر المذكور ورآهن على تلك الحالة، فمكث ينظر إليهن مستخفياً فصعدن حتى بقيت هند، وكانت طويلة الشعر فأخذت تمشطه وتسبله على بدنها وهو يتأمل شفوف بياض جسمها من خلال سواد الشعر، ونهض ليركب راحلته فعجز، وأقعد ساعة وكان يقال عنه قبل ذلك أن العرب كانت تصف له ثلاث رواحل قائمة فيحلقها ويركب الرابعة فعند ذلك داخله من الحب ما أعجزه وعطل حركاته فأنشد فوراً: لقد كنت ذا بأس شديد وهمة ... إذا شئت لمساً للثريا لمستها أتتنى سهام من لحاظ فأرشقت ... بقلبي ولو أستطيع ردّ أرددتها ثم قال هذه والله الضالة التي لا ترد ثم عاد وقد تمكن الهوى منه فأخبر صديقاً له، فقال اكتم ما بك واخطبها إلى أبيها فإنه يزوجك بها وإن أشهرت عشقها حرمتها ففعل وخطبها فأجيب وتزوج بها وأقاما على أحسن حال، وأنعم بال لا يزاد فيها إلا غراماً فمضى عليهما ثمان سنين وأنها أقامت على ذلك تحمل، وكان أبوه ذا ثروة ليس له غيره فأقسم عليه أن يتزوج غيرها ليولد له ولد لحفظ النسب والمال فعرض عليها ذلك فأبت أن تكون مع أخرى فعاود أباه فأمره بطلاقها فأبى فألح عليه وهو لم يجب إلى أن بلغه يوماً أن عبد الله قد تمكن السكر منه فعدها فرصة وأرسل إليه يدعوه، وقد جلس مع أكابر الحي فمنعته هند وقالت والله لا يدعوك لخير وما أظنه إلا عرف أنك سكران فيريد أن يعرض عليك الطلاق ولئن فعلت لمت وأظن أنك فاعل. قال في النزهة وكان قد خلى على هند قبل ذلك اليوم عجوز كاهنة تضرب الحصا وأخبرت هند أنها ستطلق، فأبي عبد الله إلا الخروج فجاذبته ويدها مخلقة بالزعفران فأثرت في ثوبه. فلما جلس مع أبيه وقد عرف أكابر العرب حاله فأقبلوا يعنفونه ويتناوشونه من كل مكان حتى استحى فطلقها، فلما سمعت بذلك احتجبت عنه فوجد وجداً كد أن يقضي معه وأنشد: طلقت هنداً طائعاً ... فندمت بعد فراقها فالعين يذرف دمعها ... كالدر من آماقها متحلباً فوق الردا ... فتجول في رقراقها خود رداح طفلة ... ما الفحش من أخلاقها ولقد ألذ حديثها ... وأسر عند عناقها إن كنت ساقية ببز ... ل الأدم أو بحقاقها فاسقي بني نهد إذا ... شربوا خيار زقاقها فالخيل تعلم أحلق ... ها غداة لحاقها بأسنة زرق منحن الق ... وم حد رقاقها حتى ترى قصد القنا ... والبيض في أعناقها

стр. 64

ولم يزل شوقه ينمو ووجده يسمو حتى لزم الوساد، وتوفي على ما ذكر في النزهة قبل عام الفيل بأربعة أعوام، وكان سبب وفاته على الأصح أنه قصد هنداً وقد تزوجت في نمير وهي قبيلة من عامر، وكان بينهم وبين بني نهد ثارات ودماء كثيرة، فحذره أبوه من ذلك ومناه الاجتماع بعكاظ في الأشهر الحرم حيث تكف الجاهلية عن الحرب. فأبى وخرج سراً حتى أتاها، فرآها جالسة على حوض وزوجها يسقي إبلاً له، فلما تعارفا شد كل منهما على صاحبه ودنا منه حتى اعتنقا وسقطا إلى الأرض. فجاء زوجها فوجدهما ميتين. وقيل أن عجوزاً دخلت عليه في مرضه فأخبرتهم أنه عاشق وأن يطبخوا له شاة ويرفعوا قلبها ويقدموها إليه، ففعلوا فجعل يحاولها بضعة بضعة فقال أما لشاتكم قلب فقال له أخوه أعاشق أنت ولم تدر، فتأوه ومات. وقيل رأى زوج هند يطوف وعليه ثوب فيه كف كالذي في ثوبه، حين جاذبته فمات، وقيل أنه ترنم بهذه الأبيات يوماً ومد بها صوته فمات وهي: ألا أن هند أصبحت منك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما فأصبحت كالمقمور جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوساً وأسهما وقيل أن هذه الأبيات لمسافر بن عمرو أنشدها حين ولع بهند بنت عتبة وأراد زواجها، فخرج إلى النعمان بن المنذر بالحيرة ليطلب مهرها، وقيل أنها حملت منه فخرج هارباً، وأصابه من عشقها مرض كبر معه فاستحضر له النعمان أطباء العرب فأجمعوا على كيه فكوي وبرىء، فقدم أبو سفيان أو هو غيره فسأله عن مكة. فلما انتهى إلى زواج هند شهق فمات، وقيل خرج فمات في الطريق، وقيل هي يعني الأبيات للمغيرة في أسماء النهشلية والصحيح أن أبيات المغيرة هي: تحدثنا أسماء أن سوف نلتقي ... أحاديث طسم إنما كنت حالما ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً ... وأصبحت من أدن حموّتها حما ولابن عجلان أشعار كثيرة من محاسنها قوله: قد طال شوقي وعاد لي طربي ... من ذكر خود كريمة الحسب غرّاء مثل الهلال صورتها ... أو مثل تمثال صورة الذهب ومنها: ألا بلغا هنداً سلامي وإن نأت ... فنلبي منشطت بها الدار مدنف ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم من أهل الديار تطوّف أتت بين أتراب تمايسن إذ مشت ... دبيب القطا أوهن منهن ألطف يباركن مرات خلياً وداده ... ذكياً وبالأيدي مدال ومسوف أشارت إلينا في حياء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف وقال تباعد يا ابن عم فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعنف ومنها: خليلي زورا قبل شحط النوى هنداً ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغياً يلاقي في التعجل أم رشدا ومر عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا أخبار ذي الرمة وصاحبته مي هو غيلان بن معدي بن عمرو الكناني القحطاني أو هو سعدي وقيل إبن عقبة بن يهوس ابن ربيعة يتصل من عبد مناف بالياس بن مضر وهو الأصح أديب شاعر رقيق النظام جزل الكلام وافر الحظ من الفصاحة والشعر ورقة المزاج خبير بأحوال العشق والرمة بالضم وتكسر قطعة حبل تجعل في عنق البعير ووهب طريف بن غطفان بعير الشخص بالحبل الذي في عنقه فقيل أعطاه برمته فضرب مثلاً لمن يعطي الشيء جميعه وبالكسر العظام البالية، وسمي بذلك لأنه كان كثيراً ما يجعل في عنقه أو على عاتقه الحبل أو أنه سمي بذلك لشدة نحوله في العشق. ومي هي بنت طلابة بن قيس بن عاصم الغساني أحد ملوك العرب ووالده قيس نظير المنذر بن ماء السماء كان ذا حظ في الملك تميل إليه العرب ويعطي القياد حتى ضربت به الأمثال، قال طرفة بن العبد بعد اشتكاء سوء حظه: ولو شاء ربي كنت قيس بن عاصم. يعني في ارتفاع الجد وسعة الملك قال في النزهة وكان ذو الرمة لطيف المنظر حسن الهيئة طويلاً إلى رقة وبياض واسع الصدر عجل المشية.

стр. 65

وكانت مي جارية إلى القصر ما هي سمراء بدينة إلا أن في كلامها عذوبة وفي طرفها تغزل. قال في الظرائف أن سبب اعتلاقه بها أنه مر يوماً بالحي وقد أدركه الأوام فنظر إلى بيت قد شرع رواقه وارتفعت أطباقه وعلا عموده وأطنابه ومدت أوتاده وأسبابه، فقصده حتى وقف بإزائه، وذا هو بامرأة تتمشط حاسرة الرأس وقد أسبلت شعرها كأنه عثاكيل النخل، ووجهها يشف من خلاله فناداها هل من اداوة تبرد الغليل، فأبرزت إليه ماء قد شيب بلبن، فشرب ثم ناشدته الراحة، وقدمت إليه طعاماً فأكل ولم تزل تنادمه وهو يعجب بها ويحترك لها قلبه إلى أن انصرف بعد بياض النهر وقد علق من قلبه بحبها الأعج عجز عن إطفائه وغرام كل عن إخفائه فجعل يعاودها الزيارة، فقيل له في تقليل ذلك وأن بلادها بعيدة عن بلاده وأن ذلك يوجب له نصباً ومشقة فأنشد: وكنت إذا ما جئت مياً أزورها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها وجلس قوم يتحادثون فأفضوا إلى حديث ذي الرمة وفيهم عقبة بن مالك الفزاري وهو يومئذ شيخ قد جاوز المائة فقال منى خذوا خبره أتاني يوماً، فقال إن حي مية خلوف فهل تسعدني في الزيارة فركبنا حتى أتيناها، فلما نظر النساء إلى ذي الرمه عرفنه فجئن حتى جلس عنده وتفاوضوا في الحديث فقالت ظريفة من النساء أسمعنا يا ذا الرمة ما قلت فالتفت إلي وقال لي قل فأنشدت قوله: وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه فلما انتهيت إلى قوله: نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه فأسبلت العينان والقلب كاتم ... بمغرورق نمت عليه سواكبه بكى وامق حال الفراق ولم تخل ... حوائلها أسراره ومعاتبه هو الالف قد حان الفراق ولم تحل ... مخاولها أسراره ومقانبه قال الظريفة لكن اليوم فلتحل ثم مضيت فلما انتهيت إلى قوله: وقد حلفت الله مية ما الذي ... أحدثها إلا الذين أنا كاذبه إذاً فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه قالت مي ويحك يا ذا الرمة خف عواقب الله ثم مضيت حتى انتهيت إلى قوله: إذا سرحت من حب مي سوارح ... على القلب أمته جميعاً غواربه فقالت الظريفة قتلته قتلتك الله، فقالت مية ما أصحه وهنيئاً له قال فتنفس ذو الرمة تنفيسة كاد حرها يذهب بلحيته ثم مضيب حتى انتهت إلى قوله: إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضى الدرع سالبه فيا لك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومرحوق تعالى شاربه وفي رواية القالي إذا راجعتك بدل إذا نازعتك فقالت الظريفة هذا القول قد تتوزع والوجه بدافن لنا بان ينضى الدرع سالبه فقالت مي ماذا تريدين وتضاحكا فقالت الظريفة إن لهذين لشأناً فقم بنا فقمت وجلست بحيث أراهما فتعاتبا طويلاً ولن يبرح من هكانه ولم أسمع منهما غير أن قالت كذبت والله لم أعلم علام كذبته ثم جاءني ومعه قارورة دهن قد اتحفته بها فقال لي شأنك وهي ثم قال وهذا قلائد قد أعطتنيها فوالله لا قلدتها بعيراً وعقدها في سيفه وانصرفنا، فلما ظعن الحي جاءني فقال امض بنا نودع الآثار فجئنا حتى وقفنا على أطلال مية فأنشد: ألا فاسلمي يا دارمي على البلا ... ولا زال منها بجرعائك القطر وإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر وانفضحت عيناه بالعبرة فقلت مه فقال إني جلد وإن كان مني ما ترى ثم انصرفنا فوالله ما رأيت أشد صبابة ولا أحسن صبراً منه وكان آخر العهد به وله أشعار كثيرة فمن ألطفها القصيدة الحائية التي أولها: أمنزلتي مي سلام عليكما ... على النأي والنأي بودّ وينصح ومنها: ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتنصح من المؤلفات الرمل أدماً بحرّة ... شعاع الضحى في متنها يتوضح رأينا كأنا عامدون لصيدها ... ضحى فهي تنبو تارة وتزحزح

стр. 66

هي الشبه اعطافاً وجيداً ومقلة ... ومية أبهى بعد منها وأملح ومنها: على حين راهقت الثلاثين وارعوت ... لذاتي فكد الحلم بالجهل يرجح إذا خطرت من ذكر مية خطرة ... على القلب كادت في فؤادي تجرح تصرف أهوى القلب مني ولا أرى ... نصيبك من قلبي لغيرك يمنح فبعض الهوى بالهجر يمحي فينمحي ... وحبك عندي يستجد ويرجح ولما شكوت الحب كيما تثيبني ... بوجدي قالت إنما أنت تمزح بعاداً وادلالاً علي وقد رأت ... ضمير الهوى قد كاد بالجسم يبرح لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ذكراك فالموت أروح ومنها: خليلي عدا حاجتي من هواكما ... ومن ذا يواسي النفس إلا خليلها ألما بمي قبل أن تطرح النوى ... بنا مطرحاً أو قبل بين يزيلها وإن لم يكن إلا تعلل ساعة ... قليلاً فإني نافع لي قليلها ومنها: خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بمجهود حزوي فابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي وحيّ البلابل ومنها: ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع ونلنا سقاطاً من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع ومنها: إذا هبت الأرياح من نحو جانب ... به آل مي زاد قلبي هبوبها هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها أخبار مالك وصاحبته جنوب هو مالك بن الحرث بن الصمصامة بن أخرش الجعدي من بني أخرش أخو ذي الرمة قال في الأنساب هم أكبر فخذ من قحطان ولم يعقب أخو ذي الرمة غيره وغير مسعود وهمام وهم قبائل معروفة. وكان مالك شجاعاً جلداً نجدة ولكنه مات بالعشق على نحو ثمان وعشرين من عمره. وجنوب هي بنت قيس بن أصبغ بن محصن بن أخرش الجعدي، علقها شابين وسبب ذلك أنه جاء يوماً إلى أخيها الأصبغ يسترفقه إلى حي من كنانة لحاجة عرضت لمالك عندهم لما بينهم من الصحبة والقرابة فرأى جنوب وقد ألقت ما عليها خلاسب أخضر شفاف فرآها على بغتة فوقعت من قلبه فعاد وقد تمكن حبها منه فأفضى بذلك إلى رجل من أصحابه فوشى به إلى أخيها، وكان معروفاً بالشجاعة فحلف ليقتلنه إن تيقن ذلك فمضها يوماً مجلس وقد قبلت جنوب فلم يستطع أن يكلمها وأخذته رعدة فضمه شخص إلى صدره، وفطن الأصبغ فقام خجلاً وبقي مالك مغشياً عليه، فلما أفاق أنشد: خليلي إن حانت وفاتي فادفنا ... برابية بين المقابر فالنفر لكيما تقول العبدلية كلما ... رأت جدثي سقيت يا قبر من قبر وفي النزهة فادفنا عظامي ما بين الربية فالنفر. قال والربية طريق بين نجد وتهامة تسلكه العرب، والنفر تربة مشهورة. وهذه الرواية أصح وأنسب بالمعنى، وفيها بدل سقيت حييت ثم إن العرب نجعوا نجعة وسيمة يعني مكاناً أمطر وأعشب سابقاً، فوقف مالك يتصفح الظعن متخفياً حتى مرت جنوب فأخذ بطام بعيرها وأنشد: رأيتك إن أزمعتم اليوم نية ... وغالك مصطاف الحمى ومرابعه أترعين ما استودعت أم أنت كالذي ... إذا ما نأى هانت عليه ودائعه فبكت ثم قالت أرعى والله ولا تهون عندي ودائعه فأطلقها ومضى في نشيده يقول: ألا إن ورداً دونه قلة الحمى ... مني النفس لو كانت تنال شرائعه فلا أنا فيما صدني عنه طامع ... ولا ارتجى وصل الذي هو قاطعه وكيف ومن دون الورد عوائق ... وأجنح حال ما أحب ومانعه ثم انصرف فبات ليلة قلقاً، فلما أصبح ركب وضرب الفضاء لينزه نفسه فبينما هو على ماء يستريح إذ سمع شخصاً يشتكي إلى شخص ثقل رأسة وقلة سمعه فقال له منذ كم أصابك قال من أمس، فقال هذا من الهواء الذي كان بارحة أمس فإنه جنوب وهواء الجنوب ضار. فلما طرق الكلام رأسه قال أي والله ولا أضر من هواها أجد وسقط كالمصروع فجاؤوا إليه واحتملوه بعد أن قارب الفراق، ثم مضوا به إلى الحي فقام ليلتين ثم قضى.

стр. 67

وفي النزهة أنهم دعوا له طبيباً فلما أبصره أنكر حاله فدعا بشراب وسقاه، فلما تمكن منه أنشد: خليلي إن العبدلية أزمعت ... على الصد والهجران فاستدينا عنسي فلا صبر لي بعد الفراق على الجفا ... ولا راحة إلا التوسد في رمسي فصبر محب عن حبيب يحبه ... نحال وهل جسم يعيش بلا نفس ثم شهق شهقة خرجت نفسه، قلت وهذه الأبيات قد ثقلتها من جزء لطيف سماه صاحبه جلاء الأذهان في منتخب شعر قتلى الحسان. وفي النزهة نقله عن ذي الرمة، ورواه بلفظ أن المنقرية يعني مية، وفي لطائف الفوائد وظرائف الشوارد لابن عبد ربه، أن مالكاً هذا لما قضى اتصل نعيه بجنوب وقد قدم إليها لبن، فلما امتصته ووقع الكلام في أذنها اضطربت خفيفاً، ثم اضطجعت فإذا هي ميتة. أخبار عبد الله بن علقمة وصاحبته حبيش هو عبد الله بن علقمة بن زرارة من قحطان. وصاحبته حبيش بنت سعد بن أسلم من خريمة قبيلة من اليمن، ولم يذكره في النزهة ولكني رأيت في ظرائف الأخبار أن سبب اعتلاقه بها أنه أضاف أهلها، فأجلسوه في متحدث لهم، فخرجت حبيش وعلى وجهها سب أخضر فوقفت تحلب ناقة وهو ينظر، فضرب الهواء السب فكشف وجهها ويديها وكانت طويلة إلى الرقة واسعة الصدر كان وجهها البدر، فلما عاينها غاب عن حسه ساعة ثم عاوده الشعور فسكت خيفة أن يظهروا على حالة، ثم جاءت إليه باللبن ليشرب، فلما تناوله ارتعد حتى سقط من يده ففطنت لما به، وكان شاباً كأن القمر فداخلها ما داخله ولم يكونا متقاربين في المنزل لأنهما من فخذين فافترقا على ما داخلهما من الهوى. وإن الغلام أرسل أمه بهدية إليها وتبعها وأقاما عدها فلم يزل كذلك يذهب مع أمه ويعود إليها أياماً، وكان في أوائل الهجرة، فأرسل رسول الله ﷺ سرية إلى جذيمة وعليهم خالد بن الوليد فصادفوا العرب ظاعنين، ورأوا عبد الله وراء القوم يسوق قلوصاً له، فأمسكوه وعرضوا عليه الاسلام فقال وما هو، فقالوا كذا وكذا. فقال أرأيتم إن أنا لم أسلم فما أنتم صانعون قالوا نضرب عنقك. فقال هل لكم أن تتركوني أمضي إلى الظعن. قالوا بلى ونحن في أثرك. فمضى يتصفح الهوادج حتى وقف على هودج حبيش، فناداها أسلمي، فقد نفد العيش. وفي رواية انقطع فقالت حبيش أو أسلم عشراً أو تسعاً وتراً أو ثماناً أو ثلاثاً تتراً على الخلاف في السيرة والمستدرك والتهذيب ثم أنشد: أريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... ببرزة أو أدركتم بالخوانق أما كان حقاً أن ينوّل عاشق ... تكلف ادلاج السرى والودائق فإني لا سر لدي أضعته ... ولا راق عيني بعد وجهك رائق على أن ما ناب العشيرة شاغل ... ولا ذكر إلا أن يكون توامق فها أنا ما سور لديك مكبل ... وما أن رآني بعدها اليوم ناطق فأجابته: أرى لك أسباباً أظنك مخرجاً ... بها النفس من جنبي والروح زاهق فأجابها: فإن يقتلوني يا حبشي فلم يدع ... هواك لهم مني سوى غلة الصدر فأنت التي قفلت جلدي على دمي ... وعظمي وأسبلت الدموع على النحر فأجابته: ونحن بكينا من فراقك مرة ... وأخرى وقاسينا لك العسر باليسر فأنت ولا تبعد فنعم أخو الندى ... جميل المحيا في المروأة والبشر وفي رواية بعد قوله تكلف ادلاج السرى والودائق: فلا ذنب لي قد قلت أنا هنا معاً ... أثيبي بود قبل أخذ الصفائق أثيبي بود قبل أن يشحط النوى ... وتنأى الليالي بالحبيب المفارق ثم ضربه غلام فأطار يده وقدم فشربت عنقه، وقيل أوثقوه أولاً حين أدركوه، وأنه رأى رجلاً منهم فقال له أما تستطيع أن تعرضني على النساء قبل أن تقتلوني، فقال سهل ما طلبت وعلى كلا الأحوال أنهم قتلوه وأنها نزلت حين رأت ذلك فقبلته وشهقت شهقة أو شهقتين فماتت.

стр. 68

ولما أخبروا رسول الله ﷺ بذلك قال أما كان فيكم رجل رحيم. وفي نديم المسامرة للمقدسي أن عبد الله هذان حين فشا أمره مع حبيش قالوا لأمه إن ولدك قد تولع بهذه وليست من حيلكم فاعرضي عليه نساءكم لعله يشتغل بواحدة منهن عنها، ففعلت فقيل له ما ترى فيهن قال حسناً وجمالاً، فقيل أيما أحسن هن أم حبيش فتنفس الصعداء ثم قال ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان فمضى مثلاً في العرب. أخبار نصيب وصاحبته زينب هو ابن محجن نصيب بضم النون وفتح الصاد المهملة الشهير بالشاعر الزنجي مولى راشد ابن عبد العزى من كنانة. وصاحبته أم بكر زينب بنت صفوان بن غاوي كنانية في الأصح وليست زنجية كما زعم وسبب الوصلة بينهما. أن نصيباً كان يرعى ابلاً لمولاه وكانت رعاة مولاه تخالط رعاة صفوان، في المبروك بوادي البوار، وكانت زينب تأتي رعاة أبيها فتأخذ لبناً، وأن نصيباً تولع ببري القسي واراشة السهام وحجز الأوتار فبرع في ذلك حتى اشتهر في أحياء العرب، وكان يجلس لفعل ذلك وتذهب الرعاة فتقوم عنه بالخدمة وتتخلف الحلوب من النوق في المعاطن فتأتي زينب وهي جارية صغيرة فتأخذ اللبن، فينظرها وكان حاذقاً حسن التأمل في دقائق المحاسن ولطائف الشمائل، وهي من ذلك في أرفع المراتب، فنشأ عنده من حبها ما غير باله، وأشغل حاله فشبب بها وفشا ذلك فأتت العرب مولاه فقالت إن عبدك هذا قد برع في الشعر، ونخشى أن يهجو أحدنا ويشبب بنسائنا، وليس لنا في أحد الخليتين سيرة، فقال له مولاه إني بائعك فانظر لنفسك، فأقبل حتى دخل على الأمير وهو يومئذ عبد العزيز بن مروان فأنشد: لعبد العزيز على عترته ... وغيرهم منن ظاهره فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره وكلبك أرأف بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائره وكفك حين تري السائلين ... لأثرى من الليلة الماطره فمنك العطاء ومنا الثناء ... بكل محبرة سائره فأمر له بألف دينار. فقال أصلحك الله إني عبد لا آخذ الجوائز ولكن أباع فقال لخادمه امض به إلى باب الجامع فإذا انتهت الرغبات فيه فأخبرني فمضى فلما نودي عليه بذل فيه شخص خمسين ديناراً فقال نصيب قولوا يحسن كذا وجعل يعدد صنائعه وهو يوفي بها حتى انتهى إلى ألف دينار. فأخذه الأمير فكان في خدمته إلى أن توفي فأوصى به سليمان بعد أن أعتقه على ما ذكر بعض المعتنين بذكر محاسن الحبش والزنج، فكان من أكبر سماره وكان يلهج بالعشق وقال ابن فاتك في محاسن العبيد. أن سليمان استخفى ليلة فسمع نصيباً وقد استخلي بنفسه يبكي ويقول متمثلاً بكلام المجنون قضاها لغيري البيت فاستحضره فقال ما هذه التي قضاها لغيرك وابتلاك بحبها أو عاشق أنت. قال أي والله جعلت فداك من العشق فقال ولمن قال لجارية في كنانة علقتها فمنعت منها القلة حسبي وحقارة نسبي عند العرب فكنت أجلس في ممرها لأخالسها النظر وفي ذلك أقول: جلست لها كيما تمرّ لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلم فلما رأتني والوشاة تحذرت ... مدامعها خوفاً ولم تتكلم مساكين أهل العشق ما كنت أشتري ... حياة جميع العاشقين بدرهم فوعده سليمان بتزويجها. ففي النزهة ومحاسن العبيد لابن فاتك أنه زوجه بها وأقام معها وأنها توفيت عنده في خلافة سليمان. وقيل أنه تزوج بها على يد اليزيد بن الوليد وما ذكره هنا من أن يزيد استخبره عل عشقت فقال نعم عشقت جارية حمراء يعني من البيض ومنعت منها مدة فلما توفي من كان يمنعها كتبت إليها: فإن أك حالكاً فالمسك لوني ... وما لسواد جلدي من دواء وبي كرم عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض عن جوّ السماء ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلي لا يردّ عن النساء فإن ترضى فردّى قول راض ... وإن تأبى فنحن على السواء

стр. 69

فقالت المال والعقل يغطيان غيرهما لو تزوجتني يدل على أن ليس ليزيد في تزويجها شيء. وقيل أنه تزوجها على يد ابن أبي عتيق. وفي تسريح النواظر أنه لم يتزوجها وأنها اعتذرت حين أرسل إليها بأن العرب تعيرها بزواج الزنجي والمتواتر خلاف ذلك أخبر التنوخي والتوزي كلاهما عن ابن الجزار بسنده إلى العتبي. قال شهدت هوادج مزينة حين نزلنا إلى مكة، فلما نزل الحاج خرج من أعظمها هودجاً امرأة وقد مهد له مهاد فجلست وأقبل زنجي حتى جلس إلى جانبها فمر سائق ابل وهو يقول: بزينب ألمم قبل أن يدخل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب فوثبت المرأة فضربت الذي إلى جانبها وقالت قد فضحتنا فسألنا عنهما فقيل هي زينب وهو نصيب ونحو هذا عن الزبير عن الخزامي وعن ابن خلف وابن الجوهري في أخبار السودان وكل يصف المرأة بالبياض ما عدا الأول فإنه قال إنها زنجية. وعن ابن خلف من طريق آخر بيننا نحن في الركب إذا بزنجي يمشي وإلى جانبه امرأة كأنها البدر والمسك يسطع منهما فقالت له من أنت قال أنا الذي أقول: ألا ليت شعري ما الذي هو حادث ... غدا غربة النأي المفرّق والبعد لدى أم بكر حين يقذفها النوى ... بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي أتصر مني عند الذين هم العدا ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد فصاحت المرأة لا والله بل ندوم على العهد، وتوفي نصيب سنة ثلاث عشرة ومائة وقيل إحدى عشر. وفي كتاب ابن الجوهري كانت وفاته تاسع شوال من السنة المذكورة، وقيل توفيت قبله ورؤي باكياً عليها وهو يقول: أيا دهر ما هذا لنا منك مرة ... عثرت فأقصيت الحبيب المحببا وأبدلتني من لا أحب دنوّه ... وأسقيتني صاباً من العذب مشربا ومن لطائف شعره: كسيت ولم أملك سواداً وتحته ... قميص من الصوهيّ بيض بنائقه وما ضرّ أثوابي سواد وإنني ... لكالمسك لا يخلو عن المسك ناشقه ولا خير في ودّ أمري متكاره ... عليك ولا في صاحب لا توافقه إذا المرء لم يبذل من الود مثله ... بعافية فاعلم بأني مفارقه ومنها: وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً أبداً حزيناً ... مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي أن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي أخبار المرقش وصاحبته أسماء هو عمرو أو عوف بن سعد بن مالك بن قيس بن ثعلبة بن ربيعة أعلى قبائل طيء، ولد باليمن قبل خروج ربيعة ثم انتقلوا إلى العراق فنشأ بها وله اخوان أنس وحرملة رفعهم أبوهم إلى نصراني ببغداد يتعلمون الكتابة، وكان سعد والده يرى دين النصرانية، ومات فقام عمرو مقامه في العرب، فكان شجاعاً مهاباً في العرب. خرج يوماً وقد قطع وادي نجران بأسد ونمر فلم يطق أحد أن يمر منهما فلما رأى عمرو الأسد وثب عليه فزاوغه ووثب فصار على ظهره فأمسك أذنيه مستثبتاً ثم دق رأسه وسلخ جلده، فلما أحس بالنمر ألف في جلد الأسد وناماً سيفه فوثب النمر لينزل عليه فتلقاه بالسيف ثم سلخه، وأخذ جلده عليه وأقبل على العرب فسموه المرقش، وقيل سمي بذلك لقوله: الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأدني قلم ومن ولد أخيه حرملة رجل دعته العرب بالمرقش الأصغر لشبهه ذاك. وأسماء هي بنت عوف بن سعد بن مالك أيضاً، وكان عمرو قد ألفها من التربية صغيرين فخطبها إلى عمه فأنعم ومضى عمرو إلى جار الفلاة فمدحه، وحظى عنده فأمسكه مدة وأن الغلاء وقع بالبادية وطرقها جدب فقدم مرادي على عوف فخطب أسماء فزوجه بها على مائة ناقة واحتملها إلى قومه وعمدوا إلى عظام كيس فذبحوه ودفنوا عظامه وصيروها قبراً، فلما قدم عمرو أخبروه أنها ماتت وأروه القبر فلزمه حتى ضني وتغير حاله فبينما هو يوماً منتحباً إذ سمع ولداً قد اقتتل مع آخر على كعب يقول هذا أخذته من عظام الكبش الذي دفن وقيل لعمرو أنها أسماء فدعاه وسأله الخبر فحين عرف ذلك دعا بزوج ابنته وسارا في طلب المرادي.

стр. 70

فقيل إن إخوته شعروا به فردوه فمات وتظافرت الأخبار بأنه وصل إلى واد بقرب مراد وقد ثقل في المرض فقال زوج ابنته لها اتركيه واذهبي بنا فقد أجهدنا، فلما سمع ذلك كتب على مؤخر الرحل: يا صاحبيّ تلبثا لا تعجلا ... إن الرواح رهين أن لا تفعلا فلعل لبثكما يقرّب بيننا ... أو بسبق الاسراع سيبا مقبلا يا راكباً ما عرضت فبلغن ... أنس بن سعد إن لقيت وحرملا لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يفلت العبدان حتى يقتلا من مبلغ الأقوام أن مرقشاً ... أضحى على الأصحاب عيا مثقلا وكأنما ترد السباع بشلوه ... إذ غاب جمع بني ضبيعة منهلا فلما رأى أخوته الكتابة قتلا الرجل والمرأة، وأما عمرو فحين ذهبا عنه بقي مطروحاً فأوى إلى غار هناك وكان يألفه راع من مراد بينما هو به إذا هو بغنم وراعيها. فلما بصر به الراعي قال له من أنت فأعله باسم الذي هو عنده فإذا هو زوج أسماء فقال له تكلم مولاتك قال لا ولكن تأتيني جارية من عندها لأخذ اللبن. قال في النزهة وكانت أسماء قد مرضت أيضاً شوقاً إليه فلم تغتذ إلا بقدح من لبن في اليوم، فنزع عمرو خاتمه وقال للراعي ألقه في القدح فستصيب به خيراً، فلما رأته دعت الجارية فأخبرتها أن لا علم لها فنادت زوجها وأخبرته القصة فاستحضر الراعي، فلما عرفه ركب وأركب زوجته فأدركوا عمراً وبه رمق فاحتملوه عندهم، فمات وقيل أنشد عند موته: سما نحوي خيال من سليمى ... فأرّقني وأصحابي هجود فبت أدير أمري كل حال ... وأذكر أهلها وهم بعيد على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الارطي وقود حواليها مها بيض التراقي ... وآرام وغزلان رقود نواعم لا تعالج بؤس عيش ... أوانس لا تروح ولا ترود يرحن معاً بطاء المشي روداً ... عليهنّ المجاسد والبرود سكنّ ببلدة وسكنت أخرى ... فقطعت المواثق والعهود فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد وربّ أسيلة الخدّين بكر ... نعمة لها فرع وجيد وذي أشر شنيب النبت عذب ... نقيّ اللون برّاق برود لهوت بها زماناً في شبابي ... وزين بها النجائب والقصيد أناس كلما أخلقت وصلاً ... عناني منهم وصل جديد وله: أغالبك القلب اللجوج صبابة ... وشوق إلى أسماء أم أنت غالبه يهيم ولا يعني بأسماء قلبه ... لدات الهوى امراره وعواقبه وعلى قوله راكباً البيتين أورد المصنف الحكاية المشهورة دليلاً على ذكاء العرب وأسندها إلى مجهول وأصلها قال في روضة القلوب أن أسامة بن غسان بن حارث الكناني قتل أبو صبراً في تميم، فخرج يستجيش له نصرة وذلك قبل يوم أوارة بأعوام يسير، فلما طال عليه المدى وقد صحب عبدين لخدمته ولحقته علة فعزما على قتله، فلما أحس ذلك قال لهما هل أنتما مبلغا ابنتي هذين البيتين قالا وما هما قال تقولان: ألا يا بنات الحيّ أن أباكما ... لله در كما ودر أبيكما فلما أتيا الحيّ أخبرا بموته فقالوا هل أوصي بشيء، فقالا لا ضرر عليا فيما ذكره وذكرا لهم القول، فقالت إحدى بناته اقتلوا العبدين قد قتلا أبي فقالوا ومن أين لك ذلك قالت إن هذا الكلام سفه وهدر وقد كان مصوناً عن ذلك وإنما كتم عنهما تكملة البيتين والأصل: ألا يا بنات الحيّ إن أباكما ... أضحى قتيلاً في التراب مجندلا لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا فاستخبروهما فأقرا بالقصة. قلت وفي البيت خزم بالحرف الأول وهو عيب مشهور سائغ الاستعمال في الصناعة. وقوله بنات الحي، ثم عدل إلى التثنية في قوله أن أباكما جرياً على الغالب في خطاب العرب فإنهم يستعملون التثنية في موضع الجمع والأفراد.

стр. 71

قال ابن النحاس وأصل ذلك أن البدوي كان أكثر ما يكون مع راعيه ورفيقه أو أن نزل ابنتيه منزلة الجمع تعظيماً، ثم عاد إلى أصله وقد حكى في شرح العبدونية هذه القصة عن المهلهل، وقال في صدر البيت الأول من مبلغ الأقوام أن مهلهلاً والباقي على حكمه. أخبار عتبة بن الحباب وصاحبته ريا هو عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري. وصاحبته هي ريا بنت الغطريف السللي. علقها بمسجد الأحزاب يوم منتزه، وأصل ذلك أن عبد الله بن معمر القيسي حين دخل المدينة قال بينما قد زرت رسول الله ﷺ ليلاً وجلست إذا أنا بشخص ينشد بصوت شجي ولا أراه: أشجاك نوح حمائم السدر ... فاهجن منك بلابل الصدر يا ليلة طالت على دنف ... يشكو الفراق وقلة الصبر أسلمك من تهوى لحرّ جوى ... متوقد كتوقد الجمر ما كنت أعلم أنني كلف ... حتى تلفت وكنت لا أدري فالبدر يشهد أنني كلف ... مغري بحب شبيهة البدر وفي رواية صاحب الأصل تقديم هذا وصدر الذي قبله ما كنت أحسب إنني شجن فتبعت الصوت فرأيت شاباً حرقت الدموع خده، فقال لي اجلس أحدثك أنا فلان كنت يوماً بمسجد الأحزاب إذا بنسوة يتنزهن، فيهن جارية لم أر مثلها، وقفت علي وقالت ما تقول في وصل من يطلب وصلك، ثم مضت فلم أعرف خبرها، ثم غشي عليه ساعة فلما أفاق أنشد: أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني في القلوب على البعد فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكم ولو ... كنت في الفردوس أو جنة الخلد فشرعت في تسليته، فقال هيهات أو يؤب القارظان مثل مشهور أصله أن أخوين خرجا يجتنيان القرظ نبت معروف فلم يعلم لهما خبر، قال عبد الله فلما طلع الصبح قلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فأنشد: يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النوى طربا ما أن يزال غزال فيه يظلمني ... يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا يخبر الناس أن الأجر هيمه ... أو أنه طالب للأجر محتسبا لو كان يبغي ثواباً ما أتى ظهراً ... مضمخاً بفتيت المسك مختضبا فمضينا إلى المسجد فحيناً صلينا الظهر أقبل النسوة ولم نر الجارية فيهن، فقلن له ما ظنك بمطالبة وصالك، فقال وأين هي، قلن له مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد: خليليّ ريا قد أجدّ بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة عيرها خليليّ قد غشيت من كثرة البكى ... فهل عند غيري عبرة استعيرها فقلت له قد وردت بمال جزيل أريد به الحج، وقد عزمت على أن أبذله في حاجتك فهل لك أن تسير معي إلى قومها وأبيها، فقال نعم فسافرنا إلى أن وافينا أباها، ففرش لنا الانطاع ونحر لنا النحائر، فحلفنا ألا نأكل له طعاماً أو يقضي حاجتنا، فقال اذكروها فأعلمناه بخطبة عتبة، فقال من عتبة، فقلنا من الأنصار، قال ذاك إليها فقلنا له أخبرها، فدخل عليها وأعلمها فشكرت عتبة فقال قد نمى إلي أمرك معه وأقسم لا أزوجك به، فقالت إن الأنصار لا يردون رداً قبيحاً فإن كان ولا بد فاغلظ عليهم المهر، فقال نعم ما أشربت به، ثم خرج فقال قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم هجرية ومائة ثوب من الابراد والخز وخمسة أكراس من العنبر، فضمنا له ذلك وقلنا له إذا أحضرناها أجبت قال فاحضرنا ذلك، فأولم أربعين يوماً ثم أخذناها ومضينا، فحين قاربنا المدينة خرج علينا خيل كثيرة حسبنا وهم بأمر أبيها فقاتلناهم زماناً، فجاءت طعنة في نحر عتبة فسقط ودمه يفور، فجاءتنا النجدة فإذا هو ميت فحين علمت الجارية بموته جاءت حتى انكبت عليه وأنشدت: تصبرت لا إني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه ولو انصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلاً ولا نفس لنفس موافقه

стр. 72

ثم شهقت شهقة فماتت فواريناهما معاً. قال عبد الله فأقمت سبع سنين ثم رجعت إلى زيارة النبي ﷺ فقلت لا أبرح أو أزور عتبة، فجئت فإذا أنا بشجرة عليها ألوان من الورق قد نبتت على القبر، فسألت عنها فقالوا شجرة العريسين. أخبار الصمة وصاحبته ريا هو أبو مالك الصمة بن عبد الله بن مسعود بن رقاش القشيري التغلبي من بني ربيعة، كان أديباً شجاعاً عارفاً بأيام العرب ووقائعها ومواضعها وكثيراً ما يسند إليه ابن دريد والأصمعي، قال ابن الفوار والوزير أنه أدرك أوائل الاسلام. وريا هي بيت مسعود بن رقاش أيضاً، كانت ذات ظرافة وفراسة ومعرفة وحسن نشأت مع الصمة صغيرين وكانا يتذاكران الأدب وملح الأشعار فأعجب بها وتمكنت منه ولم يكن عندها منه مقدار ما عنده منها، فلما شكا ما يجد منها إلى بعض أصدقائه أرشده إلى تزوجها، فخطبها إلى عمه، فأنعم على مائة من الابل، فمضى الصمة إلى أبيه فأعطاه تسعاً وتسعين فأبى مسعود إلا التمام وعد الله إلا ذلك وحلف كل على ما قال وأقفوا الأمر فحملت الصمة الانفة على أن خرج عنهما إلى العراق. فقالت الريا ما رأيت رجلاً أضاعه أبوه وعمه ببعير إلا الصمة لما عندهما من العلم بحبه لها، فلما طال عليه الأمر وتنازعه الشوق والشهامة المانعة له من العود بلا طلب مرض حتى أضناه السقم، وقيل أتى كاهناً بالعراق فسأله عما أضمر فأخبره أنه لا يتزوج بها أبداً فضعف، والصحيح كما حكاه صاحب قوت القلوب في أخبار المحب والمحبوب أنه قدم رجل يقال له غاوي بن رشيد بن طلابة المذحجي على مسعود فخطب منه ريا وأمهرها ثلثمائة ناقة برعائها، فزوجه بها فحملها إلى مذحج فبلغ الصمة ذلك فلزم الوساد وطال أمره، فدخل عليه رجل كان يألفه فعنفه وسلاه فأنشد: أمن ذكر دار بالرقاشين أعصفت ... به بارحات الصيف بدأ ورجعا حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وسعياً كما معا فما حسن أن يأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا كأنك لم تسمع وداع مفارق ... ولم تر شعبي صاحبين تقطعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا الرقاشين اسم واد بين نجد واليمن كانت تنزله بنو ربيعة، والبارحات رياح معلومة صيفية تستبشر بها العرب والضمير يعود على الوادي. وفي قوت القلوب أعصفت بها سانحات الصيف يريد بالدار، والسانحات أيضاً رياح لكنها لا تخص الصيف فيشكل التعيين هنا وقوله وسعياً كما معطوف على قوله ونفسك باعدت يريدان السعي والنفس أبعداه عن المحبوبة وغلط في قوت القلوب حيث أعرب وسعييكما نصباً بالياء على أنه معمول باعدت عطفاً على مزارك. وقوله فما حسن أن يأتي الأمر وبكت عيني اليمنى البيتين قد استعارهما المجنون وباقي الشعر واضح ويقال إن في القصيدة طولاً: ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وجالت بنات الشوق تحتي نزعا تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... رجعت من الاصغاء الوي وأجزعا وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى ... على كبدي من خشية أن تصدعا فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكراك ما كففت للعين مدمعا فقالت بلى والله ذكرى لو أنه ... تضمنه صم الصفا لتصدعا ولما طالت عليه دعا له صاحبه العراقي بطبيب حاذف، فلما تأمله قال إنما يشكو العشق لا غيره وأرى أن يلزم النزهة والفرح بنحو البساتين ليتشاغل عما هو فيه فأخرجه صاحبه مع بعض الخدم إلى الثغور، فبينا هو يوماً على شاطىء نهر وقد وجد به الكرب إذ سمع امرأة تنادي ابنتها يا ريا فسقط مغشياً عليه فاحتملوه إلى بستان هناك وأضجعوه، فلما أفاق أنشد: تعز بصبر لا وجدك لا ترى ... سنام الحمى إحدى الليالي الغوابر كان لساني من تذكري الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريس طائر ولم يزل يرددها حتى قضى، ولما وصل خبره إلى الريا داخلها من الوجد ما أمسكت معه عن الطعام والشراب وجعلت تبكي حتى ماتت، ومن لطيف شعره قوله:

стр. 73

ألا من لعين لا ترى قلل الحمى ... ولا جبل الآثال الا استهلت ألا قاتل الله الحمى من محلة ... وقاتل دنيانا بها كيف ولت غنينا زماناً باللوى ثم أصبحت ... براق الهوى من أهلها قد تخلت فما وجد أعرابية قذفت بها صرو ... ف اللوى من حيث لم تك ضنت تمنت أحاليب الرغاء وخيمة ... بنجد ولم يقدر لها ما تمنت إذا ذكرت نجد وطيب ترابها ... وبرد الحصى من أرض نجد أرنت ومنه: أرى الدهر بالتفريق والبين مولعاً ... وللجمع ما بين المحبين آبيا فأف عليه من زمان كأنني ... خلقت وإياه نطيل التعاديا أخبار كعب وصاحبته ميلاء هو أبو خثعم كعب بن مالك أو عبد الله أو خثعم بن لابي بن رباح بن ضمرة طائي من عرب الحجاز يعرف بالمخبل، وكان جواداً سخياً شجاعاً، مألوف الصورة. وميلاء هي بنت لابي بن رباح أصغر أخواتها كانت أجمل نساء الحجاز وكان كعب قد خطب إلى عمه أخت ميلاء، وكانت تسمى أم عمرو فزوجه بها فشغف بها شديداً وألفها طويلاً وأنه دخل عليها يوماً فوجدها قد نضت ما عليها وهي عريانة فسرته حين نظر إليها، فقال أنشدك الله هل تعلمين امرأة أحسن منك فقالت نعم أختي ميلاء فقال ومن لي بأن أنظرها فأخبأته وأرسلت إليها فحضرت، فلما رآها وقعت من قلبه موقعاً أدى إلى زوال عقله من العشق فانطلق في طلبها فاستعرضها وشكا إليها ما لقي من حبها، فأعملته أنها أعظم من ذلك في حبه، وشعرت أختها فتبعتها فرأتهما يتشاكيان المحبة فمضت إلى اخوتها وكانوا سبعة فأخبرتهم بذلك، وقالت إما أن تزوجوا كعباً من ميلاء، أو تغيبوها عني. فلما علم بمعرفة اخوتها به هرب إلى الشام فمكث بها أياماً، وأن شامياً خرج يريد الحج فضلت به الطريق فاسترشد امرأة وكانت بالتقدير المحتوم ميلاء وإلى جانبها أختها فأنشد الشامي متمثلاً: أفي كل يوم أنت من بارح الهوى ... إلى الشمّ من أعلام ميلاء ناظر بعمشاء من طول البكاء كأنما ... بها حرّ نار طرفها متحادر تمنى المنى حتى إذا قلت المنى ... جرى واكف من دمعها متبادر كما أرفض سلك يعد ما ضم ضمة ... بخيرط الفتيل اللؤلؤ المتناثر قلت وهذا الشعر قاله كعب حين علق ميلاء قبل وقوعه إلى الشام والمصنف تبع الشيزري في أنه قاله بالشام وأصل الحال غلط الشيزري في قوله الشم فإنه قرأها إلى الشام بدليل أن الشامي لما أنشد الشعر سألته ممن الرجل قال من الشام قالت أو تعرف صاحب الشعر. قال هو أعرابي اسمه كعب أنه يحتمل إلى معرفتها من ذكر اسمها ويكون ما ذكر صحيحاً. ولما أخبرها باسم الأعرابي أقسما عليه أن لا يبرح حتى بنظره أخوتها فإنهم يكرمونه ثم سألاه هل تروي له غير ذلك، قال نعم وأنشد: خليليّ قد رضت الأمور وقستها ... بنفسي وبالفتيان كل مكان ولم أخف يوماً للرفيق ولم أجد ... خلياً ولاذا البث يستويان من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليان لولا الناس قد قفياني منوعان ظلامان ما ينصفانني ... بدلهما والحسن قد خلباني يطيلان حتى يعلم الناس أنني ... قضيت ولا والله ما قضياني خليليّ أما أم عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني بلينا بهجران ولم ير مثلنا ... من الناس إنسانان يهتجران أشد مصافاة وأبعد عن قلى ... وأعصى لواش حين يكتنفان يبين طرفانا الذي في نفوسنا ... إذا استعجمت بالمنطق الشفتان فوالله ما أدري أكل ذوي هوى ... على شكلنا أم نحن مبتليان فلا تعجبا مما بي اليوم من هوى ... فبي كل يوم مثل ما ترياني خليليّ عن أيّ الذي كان بيننا ... من الوصل أو ماضي الهوى تسلاني وكنا كريمي معشر حم بيننا ... هوى فحفظناه بحسن صيان نذود النفوس الحائمات عن الهوى ... وهن بأعناق إليه ثواني

стр. 74

سلاه بأم العمر يشفي فقد بدا ... به السقم لا يخفى وطول هوان فما زادنا بعد المدى نقص حده ... ولا رجعنا عن عملنا ببيان خليليّ لا والله ما لي بالذي ... تريدان من هجر الصديق يدان ولا لي بالهجر اعتلاق إذا بدا ... كما أنتما بالبين معتلقان ولا لاهياً يوماً إلى اليوم كله ... ببيض لطيفات الخصور رواني يمنيننا حتى يرعن قلوباً ... ويخلطن مطلاً ظاهراً بليان أعينيّ يا عينيّ حتام أنتما ... بهجران أم العمر تختلجان فما أنتما إلا عليّ طليعة ... على قرب اعتدائي كما ترياني فلو أن أم العمر أضحت مقيمة ... بمصر ودوني الشحر شحر عمان إذن لرجوت الله يجمع بيننا ... وأنا على ما كان ملتقيان من البيض نجلاء العيون كلاهما ... مقيم وعيشي ضارب بجران أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنساناً هما غرقان إذا ذرفت عيناي قالت صحابتي ... لقد ولعت عيناك بالهملان ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر الروحاء ثم ذراني هذا ما نقله الجل، واخرج هنا عن الأغاني من قوله ولا لاهياً يوماً إلى آخر القصيدة لم ينشده الشامي قلت وقوله ففي كل يوم أنت رام وقوله ألا فاحملاني البيتان مسروقان من كلام عروة بن حزام. ثم نزل وجاء اخوتهما فأكرموه ودلوه على الطريق بعد أن استخبروا منه عن كعب وموضعهن ثم توجهوا في طلبه وضعفت ميلاء على ما رواه في نهاية الأدب بصداع أصابها. فلما حضروا بكعب نزل ناحية، وصادف وقت وفاتها فرأى الناس عند عند البيت مجتمعين، فأحس قلبه بالشر. فقال لصبي بإزاء البيت الذي هو فيه من أبوك. قال كعب وكان تركه صغيراً حين مضى إلى الشام فقال له ما اجتماع الناس على طنب هذا البيت قال على خالتي ميلاء ماتت الساعة. فلما سمع ذلك وضع يده على قلبه واستند إلى طنب البيت، وحرك فوجد ميتاً فدفنوه إلى جانبها رحمة الله عليهما. القسم الثاني فيمن جهل اسمه أو اسم محبوبته أو شيء من سيرته أو مآل حقيقته ختمناه بصنف لطيف القوانين في ذكر عقلاء المجانين، ونحن وإن كنا قد ذكرنا من هذا النوع فيما سلف بعضاً، لكنهم إنما نقصوا شيئاً مما ذكرنا بالنسبة إلى هذا الكتاب لقلة فحصه وإلا فهم مشهورون كثيراً بخلاف من يأتي بعد، وستقف على كثي منهم كامل النسب. والأسباب أذكره إن شاء الله تعالى لكنه غير قوي الشهرة ولم أتبعه في التنويع بأن أقول نوع فيمن نزل به الحال ونحو ذلك إذ لا طائل فيما صنع، ولا فائدة فيما نوع ووضع وإنما كان الأولى أن يذكر المشاهر ثم أهل الجاهلية وهكذا كما وقع ترتيبه هنا وهؤلاء القوم كثيرون. فمنهم سامة بن لؤي بن غالب القرشي مشهور قال في النزهة نحر يوماً لضيوف مائة من الابل فأكلوا قليلاً وبقي الغالب فعاتبه أخوه كعب في ذلك وقال له لو بقيت عليها الحاجة كان أولى فغضب منه ورحل مستخفياً فنزل عن أزيد فنظرت إليه زوجته فوقع من قلبها، وهي من قلبه وزوجها يرصدهما فلم يستطيعا أن يعرف كل منهما الآخر ما عنده فاستاك أسامة ورمى السواك فأخذته وامتصته ففطن زوجها لذلك فعزم على قتله فسم له قدحاً من لبن وقدمه إليه فغمزته فأراقه ثم ركب وسار فهوت ناقته في الخميلة إلى عرفجة لترعاها فلما جذبتها خرجت حية فضربت ساق سامة فمات لوقته وبلغه الأزدية فلم تزل تبكيه حتى ماتت ولولا ما في هذه الحكاية من الاعتبار بمصادفاة الأقدار لم أوردها إذ لا مناسبة لها بهذا المعيار. ومنهم عمرو بن عوف وبيا

стр. 75

هوى جارية اسمها بيا فشغف بها طويلاً فخطبها إلى أهلها فلمخ يجيبوه وزوجوها من غيره فلما شعر زوجها بحال عمرو معها رحل بها حتى نزل اليمن ببني الحرث بن كعب وطال الحال على عمرو فطاش عقله وطار لبه فأشار عليه أصدقاؤه أن يقصد مكة فيتعلق بأستار الكعبة ويسأل الله أما جمعه عليها أو صرف قلبه عنها ففعل فبينما هو يطوف في الموسم إذ رآه شخص من بني الحرث فوقعت بينهما ألفة فأخبره بالحال وغياب المرأة فأعلمه بمكانها منهم فقال عمرو هل لك في صنيعة يحسن شكرها قال نعم قل فقال عمرو ليتخلف كل منا عن أصحابه بعد النفر ثم نسير إلى مكان يقرب منها وتمضي أنت فتعلمها بمكاني ففعلا ومضى به الرجل حتى جعله في بيته وذهب فأعلم بيا فكانت تأتيه فيتحادثان ويتشاكيان ما لقيا من الوجد فأنكر زوجها غشيانها المنزل من غير عادة وحسن حالها بعد ما كانت فيه من الضجر فأظهر لها سفراً يتيب فيه عشراً ثم عاد بعد ليلتين وقد فرشت لعمرو بساطاً أمام البيت وتحادثا فنام كل على طرف من البساط آمناً فنبه عمراً فثاب عليه بالسيف فقال من ينجيني منك يا عمرو وأنا لم أهرب هنا إلا منك فقال يا ابن العم والله لم يكن بيننا أكثر من الحديث وإنما غلب علي حبها من الصغر فقال زوجها حيث تحققت أن لا ريبة فلا بأس عليك فأقاما جميعاً حتى مات عمرو من العشق والعفة والوجد. وحكى أنها عمرت بعده فسئلت عن أي شيء مات عمرو وجداً بك مع أنه لأحسن عندك فقالت ما كنت بالقبيحة ولد كنت أروي الشعر وأحسن الأدب. ومنهم بشير الشهير بالاشتر وجيداء هوى جارية من قومه اسمها جيداء فاشتد بها كلفه وزاد في حبها تلفه فمنعها أهلها عنه فثار بينهما شر وخصومة عظيمة، فلما طال شوقه واضمحل حاله جاء إلى صديق له يقال له نمير فقال له: هل عندك صنيع تمن به علي عسى أن تعود روحي إلي، قال أشر بما شئت فإني فاعل قال له: تمضي إلى حي جيداء فإذا صادفت جاريتها فأخبرها بحالي فعسى أن تأخذ لي موعداً، قال نمير فمضيت حتى لقيت الجارية فأخبرتها فمضت إلى مولاتها فأخذت منها موعداً بأن تأتي بعد العشاء عند شجيرات هناك. فلما كان الليل أقبلت فقام إليها بشير وهممت بالإنصراف عنهما فقالا: والله ما بيننا أكثر مما ترى فمكانك فجلسنا حتى مضى شطر من الليل فعزمت على الذهاب فكادت نفس بشير أن تزهق ثم سألها الإقامة معه بقية الليلة فقالت لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون في صاحبك هذا خير. فقلت فيم شئتم؟ فرمت بثيابها إلي وقالت إذهب إلى خدري كأنك أنا فسيجيء زوجي ويطلب القدح للحلب فلا تعطه حتى تطيل نكده ثم ارم به إلي فإني أفعل ذلك فإذا عاد باللبن فلا تأخذه حتى يضعه بنفسه أو يطول وقوفه فإنه بعد ذلك لا يأتيك بقية الليلة. قال نمير ففعلت ذلك غير أني بعد أن طال وقوفه باللبن وأراد وضعه وأردت أخذه فاختلفنا فكب القدح وقال هذا طماح ثم عمد إلى سوط مفتول فضربني حتى زايلتني نفسي وهممت أن أوجره بالسكين فخلصوني وردوا علي الستر وجاءت أمها تعنفني وتوصيني بأن لا أخالف زوجي ظناً أنني ابنتها وتقول مالك وللأشتر ثم قامت عني على أن ترسل لي ابنتها الأخرى تؤنسني. فلما جاءت جعلت تبكي وتدعو على من ضربني واضطجعت إلى جانبي فوضعت يدي على فمها ثم قلت أن أختك مع بشير في موضع كذا وقد جرى لي من جهتها ما علمت وأنت أولى بالستر على أختك فارتعدت ساعة ثم أنست فبت معها في أطيب ليلة من اللطف والعفة حتى إذا جاء الصباح وأقبلت أختها فأنكرت من معي فقلت هي أختك وستخبرك بما كان ثم مضيت إلى بشير فأعلمته بالخبر فلما رأى تأثير السوط في بدني وخروج الدم قال لقد عظمت صنيعك ووجب شكرك. قال ابن طاهر فلم يقم بعدها بشير إلا دون شهر وجاءه شخص فقصد مما جنتة فقال له وهو يتناول عنباً أتتفكه وجيداء قد قضت الساعة فلم يسمع منه إلا شهقة وحرك فإذا هو ميت فبلغ الخبر الجارية فهتكت سترها وجزت شعرها وألقت نفسها في بئر هناك فماتت. ومنهم مسعدة بن واثلة الصارمي
следующие страницы →