Полный текст (428 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أَي وَغير النَّص مَا أفهم الْعلية من لَازم لَفظه لَا من وَضعه وَخص أَئِمَّة الْأُصُول هَذَا الْقسم بِالتَّسْمِيَةِ بتنبيه النَّص وإيمائه كَمَا قَالَ ... وسمه تَنْبِيه نَص واعرف ... أَنا هُنَا لما سَيَأْتِي تكتفي ...
يُرِيد فِي بَاب الْمَنْطُوق فَإِنَّهُ يَأْتِي بَيَان أَقسَام التَّنْبِيه والإيماء وَأما قَوْله فِي الْبَيْت الأول وراجع التمثيلا فَهُوَ إِحَالَة على مَا فِي الأَصْل من الْأَمْثِلَة
وَاعْلَم ان حَقِيقَة التَّنْبِيه والإيماء هُوَ أَن يقْتَرن الْوَصْف الملفوظ بِهِ بِحكم وَلَو مستنبط لَو لم يكن هُوَ أَو نَظِيره للتَّعْلِيل عَن ذَلِك الاقتران بعد وُقُوعه من الشَّارِع لمعرفته بأساليب الْكَلَام ومطابقة مُقْتَضى الْحَال وَجعلُوا مِنْهُ اقتران النظير كَخَبَر الخثعمية وَهُوَ قَوْلهَا يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته الْوَفَاة وَعَلِيهِ فَرِيضَة الْحَج أينفعه إِذا حججْت عَنهُ فَقَالَ ﷺ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دينا فقضيته أَكَانَ يَنْفَعهُ قَالَت نعم أخرجه السِّتَّة فَذكر ﷺ لَهَا نظيرا مَا سَأَلته عَنهُ ليثبت لَهُ مَا ثَبت لنظيره أَي فَكَمَا ثَبت نفع الْمَيِّت بِقَضَاء دينه ثَبت نَفعه بِالْحَجِّ عَنهُ وَأما مِثَال اقتران الْوَصْف فمثاله خبر المواقع فِي نَهَار رَمَضَان وَلَفظه عِنْد ابْن مَاجَه واقعت أَهلِي فِي رَمَضَان فَقَالَ ﷺ فَقَالَ ﷺ لَهُ أعتق رَقَبَة أخرجه السِّتَّة فَأمره بِالْإِعْتَاقِ بعد ذكره الوقاع دَال بِالْإِيمَاءِ والتنبيه على أَنه عِلّة الحكم فَكَانَ فِي قُوَّة إِذا واقعت فَكفر وَمن الْأَمْثِلَة إِذا منع نهي الشَّارِع عَمَّا يمْنَع من إِيجَاد وَاجِب بعد تَقْدِيم الْأَمر بِهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وذروا البيع﴾ فَإِن
стр. 177
النَّهْي عَن البيع بعد الْأَمر بالسعي فِيهِ تَنْبِيه وإيماء إِلَى أَن عِلّة ذَلِك هُوَ الْأَمر بالسعي وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ اقترانه بِهِ بَعيدا فِي كَلَام الشَّارِع لعدم الْفَائِدَة
وَمن ذَلِك أَن يفرق بَين حكمين بِصفة نَحْو للراجل سهم وللفارس سَهْمَان كَذَا يمثل بِهِ الأصوليون وَإِن كَانَ لَيْسَ لفظ الحَدِيث فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ فقد ذكر حكمان فِي الحَدِيث أَحدهمَا للراجل وَالْآخر للفارس وَفرق بَينهمَا بالفروسبة والرجولية تَنْبِيها وإيماء إِلَى نفي الْعلَّة فِي ذَلِك الحكم وَقد يذكر أحد الوصفين دون الآخر نَحْو قَوْله ﷺ الْقَاتِل عمدا لَا يَرث فَإِنَّهُ لم يتَعَرَّض لغير قَاتل الْعمد وَقد فصل بَين الْوَارِثين بِالْقَتْلِ وَعَدَمه فلولا أَن الصّفة هِيَ الْعلَّة فِي عدم الْإِرْث لما كَانَ لذكرها فَائِدَة
وَمن مَرَاتِب الْإِيمَاء والتنبيه أَن يفرق بَين الْحكمَيْنِ بغاية مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ فَإِنَّهُ فرق فِي الحكم بَين الْحيض وَالطُّهْر أَو فرق بَينهمَا بِالِاسْتِثْنَاءِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون﴾ فَفرق بَين الْعَافِيَة وَغَيرهَا بِسُقُوط الْمهْر بِالْعَفو أَو يفرق بِشَرْط نَحْو حَدِيث فَإِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم وكالاقتران بالاستدراك نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾
وَمن مراتبه أَن يذكر الشَّارِع مَعَ الحكم وَصفا مناسبا لَهُ نَحْو قَوْله
стр. 178
لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان فَإِنَّهُ فِيهِ تَنْبِيها على أَن الْغَضَب عِلّة عدم جَوَاز الحكم لِأَنَّهُ مشوش للنَّظَر وَمُوجب للاضطراب وأمثلة هَذَا كَثِيرَة فِي المطولات
وَلما بَينا المسلك الثَّانِي أَخذنَا فِي بَيَان الثَّالِث بِمَا حواه قَوْلنَا
ثَالِثهَا السّير مَعَ التَّقْسِيم
وَتارَة يُطلق فِي الْعُلُوم ... بِحجَّة الْإِجْمَاع وَهُوَ الْحصْر
لكل وصف ثمَّ يَأْتِي السبر ... إِبْطَالهَا إِلَّا الَّذِي تعينا
بِمَا بِهِ من الْوُجُوه بَينا
التَّقْسِيم هُوَ حصر الْأَوْصَاف والسبر إبِْطَال بَعْضهَا فَقَوله إِبْطَالهَا من السبر وَهُوَ لُغَة الاختبار فالسبر تَابع للتقسيم لَا يكون إِلَّا بعده وَعبارَة النّظم قد أرشدت إِلَى هَذَا للإتيان بمع الَّتِي يكون مدخولها فِي الْغَالِب متبوعا وَهِي أولى من قَوْلهم السبر والتقسيم لخلوصها عَن المناقشة بِأَن السبر لَا يكون إِلَّا بعد التَّقْسِيم وَضمير هُوَ عَائِد إِلَى مَا دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام وَهَذَا تَعْرِيف للسبر والتقسيم فالتقسيم هُوَ الْحصْر لكل وصف يصلح فِي بادىء الرَّأْي للعلية ثمَّ يَأْتِي السبر أَي اختبار الْأَوْصَاف فَيبْطل مَا لَا يصلح للعلية ويستبقى مَا يصلح لَهَا وَمِثَال ذَلِك قِيَاس الذّرة على الْبر فِي تَحْرِيم الرِّبَا بِجَامِع التَّقْدِير وَالْجِنْس مثلا وَإِبْطَال مَا عداهما من الطّعْم والكيل والادخار بِمَا يَأْتِي من دَلِيل الْإِبْطَال فَإِذا منع الْحصْر الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ فِي تَحْصِيل ظن الْعلَّة كفى ان نجيب
стр. 179
بحثت فَلم أجد غَيرهَا أَي الْأَوْصَاف الَّتِي حصرها وَالْأَصْل عدم غَيرهَا فَيقبل قَوْله لعدالته وديانته وَقَوله بِحجَّة الْإِجْمَاع أَي الْحجَّة المستندة إِلَى الْإِجْمَاع كَمَا يُقَال دَلِيل الْكتاب وَدَلِيل السّنة وَخص هَذَا المسلك بِهَذَا الِاسْم وَإِن كَانَ غَيره من المسالك دَلِيل الْإِجْمَاع كَمَا قَالَ فِي شرح المعيار سمي حجَّة الْإِجْمَاع لِأَن الْمُعَلل فِيهِ يعود فِي تعْيين الْوَصْف الَّذِي اخْتَار كَونه عِلّة إِلَى الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع على أَنه لَا بُد من عِلّة فَلَمَّا كَانَ الإلغاء لما عدا الْوَصْف المستبقي مفتقرا إِلَى طَرِيق يعرف بِهِ كَيْفيَّة بعد الْإِشَارَة إِلَيْهِ بقوله أَو لَا بِمَا بِهِ من الْوُجُوه بَينا قَالَ
أما ثُبُوت حكمه بِدُونِهِ
أَو كَونه طرديا أَو بِكَوْنِهِ ... مناسبا للْحكم غير ظَاهر
فَهَذَا بَيَان للوجوه الَّتِي بَين بهَا الْإِبْطَال وَضمير حكمه عَائِد على الْمُتَعَيّن الْمَفْهُوم من الْبَيْت الأول وَفِي بِدُونِهِ إِلَى الْبَعْض الْمَحْذُوف وقرينة السِّيَاق دَالَّة على ذَلِك فَالْأول من الْوُجُوه هُوَ ثُبُوت الحكم فِي مَحل الْوَصْف المستبقى بِدُونِهِ أَي بِدُونِ بعض الْأَوْصَاف المحذوفة بِأَن يَقُول فِي الْمِثَال لَا يصلح أَن تكون الْعلَّة الطّعْم وَلَا الْقُوت لِأَن الْملح رِبَوِيّ بِالنَّصِّ وَلَيْسَ بالطعم وَلَا قوت فَتعين أَن الْعلَّة التَّقْدِير وَالْجِنْس وَنَحْو ذَلِك من الْأَمْثِلَة وَالثَّانِي مَا أَفَادَهُ قَوْله أَو كَونه طرديا أَي كَون الْمَحْذُوف طرديا والطردي الْوَصْف الَّذِي لم يعتبره الشَّارِع إِمَّا مُطلقًا كالطول وَالْقصر فَإِنَّهُ لم يعتبره فِي شَيْء من الْأَحْكَام لَا فِي الْقصاص وَلَا الْكَفَّارَة وَلَا الْعتْق وَلَا فِي شَيْء من الْأَحْكَام فَلَا يُعلل بهما حكم أصلا أَو فِي مَحل دون مَحل كالأنوثة والذكورة فَإِنَّهُ اعتبرها فِي بَاب الشَّهَادَة وَلم يَعْتَبِرهَا فِي الْعتْق فِي الْأَجْزَاء وَإِن كَانَ اعْتِبَارهَا فِيهِ فِي الثَّوَاب وَإِنَّمَا ألغى الطَّرْد لعدم كَونه مناسبا فَهُوَ دَاخل فِي الطَّرِيق الثَّالِثَة وَهِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله أَو بِكَوْنِهِ أَي بِكَوْن الْوَصْف الْمَحْذُوف غير مُنَاسِب أَي لَيْسَ بِظَاهِر فِي الْمُنَاسبَة وَيَكْفِي فِي ذَلِك قَول الْمُسْتَدلّ بحثت فَلم أجد إِذْ هُوَ عدل فَيصدق
стр. 180
فَإِن قَالَ الْمُعْتَرض المستبقى غير مُنَاسِب أَيْضا فيكفيه إبانة وَجه الْمُنَاسبَة بِحَسب ظَنّه وَلما كَانَ لهَذِهِ الطَّرِيق وَالطَّرِيق الْأُخْرَى شرطا قَالَه الْعلمَاء أوضحه قَوْله
وَالشّرط فِي ذَا وَالطَّرِيق الآخر ... إِجْمَاعهم بِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَة
مُعَلل لَا أَن هَذَا الْعلَّة
أَرَادَ بِالطَّرِيقِ الآخر الْمُنَاسبَة وَلم يذكر غَيرهمَا من المسالك أَي السبر والمناسبة من المسالك لما تبين من عدم صِحَة الْعَمَل بِهِ ومعين قَوْله بِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَة أَي أَن الحكم فِي نفس الْأَمر مُعَلل وَإِن ذَلِك مُعْتَبر فِي كل فَرد من أَفْرَاد الْأَحْكَام
رَابِعهَا يوسم فِي المخاطره
إخالة وَتارَة مناسبه
الإخالة بِكَسْر الْهمزَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي مصدر أخال بِمَعْنى ظن والهمزة للصيرورة كأغد الْبَعِير أَي صَار ذَا غُدَّة فَمَعْنَى أخال الْوَصْف صَار ذَا مخيلة أَي مَظَنَّة للبعث على الحكم وَقَوله يوسم أَي يُسمى ويدعى بِمَعْنى يسم وَلذَا عداهُ بِنَفسِهِ وَقَوله وثالثا مُنَاسبَة إِشَارَة إِلَى أَنه كَمَا يُسمى إخالة يُسمى أَيْضا مُنَاسبَة وَيُسمى استخراجها تَخْرِيج المناط
كَمَا قَالَ
كَذَلِك التَّخْرِيج للمناط
من جملَة الألقاب بالتواطي
стр. 181
أَي تواطؤ أَئِمَّة الْأُصُول إِذْ هِيَ أوضاع عرفية والمناط مصدر ميمي من أناط الشَّيْء إناطة ومناطا والمناط سَار اسْما بِمَا يعلق عَلَيْهِ الشَّيْء وَلما كَانَت الْعلَّة تعلق بهَا الْأَحْكَام سميت منَاط الحكم وَلما كَانَت الْمُنَاسبَة تستنبط بهَا عِلّة تسمى الْوَصْف الْمُنَاسب للْحكم بَينهَا بقوله
ثمَّ هِيَ التَّعْيِين للأوصاف
بِغَيْر مَا مر من الْأَطْرَاف ... بل كَونهَا ذاتية كالشدة
للخمر فِي الحكم لَهُ بِالْحُرْمَةِ
وَقَوله التَّعْيِين للأوصاف كالجنس يدْخل فِيهِ سَائِر مسالك الْعلَّة وَمرَاده بالأوصاف اللُّغَوِيَّة ليشْمل مَا يصلح لِلْعِلَّةِ من الحكم الشَّرْعِيّ وَغَيره وَقَوله بِغَيْر مَا مر كالفصل لأخراج مَا مر من تعْيين الْعلَّة بالسبر مَعَ التَّقْسِيم أَو بِالنَّصِّ وَلما كَانَ لَا يخرج مَا سَيَأْتِي من الشّبَه والطرد قَالَ بل بِكَوْنِهَا ذاتية أَي بِكَوْن الْمُنَاسبَة ذاتية بالمناسب فَخرج بِهَذَا الْقَيْد جَمِيع المسالك من نَص وَإِجْمَاع وَغَيرهمَا وَلذَا عبر ب بل إِذْ تعْيين الْعلَّة فِي كل مَا ذكر لَيست بالمناسبة بل بغَيْرهَا وَالْمرَاد بالمناسبة الملاءمة فِي أنظار الْعُقَلَاء للْحكم وَقد أوضح المُرَاد بالمثال تَنْبِيها على أَن التَّعْرِيف كالتقريب لتصوير الْمُنَاسبَة وَإِلَّا فَإِن تعْيين الْأَوْصَاف لَيْسَ هُوَ الْمُنَاسبَة قطعا إِذا عرفت هَذَا فالشدة المسكرة فِي الْخمر وصف مُنَاسِب لتعليق الحكم عَلَيْهِ فَإِن من نظر فِي الْمُسكر وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من إِزَالَة الْعقل الْمُتَعَيّن حفظه فِي كل مِلَّة ظهر لَهُ مُنَاسبَة تَعْلِيق الحكم على ذَلِك الْوَصْف وَهَذَا هُوَ الاستنباط القياسي الَّذِي عظم فِيهِ الْخلاف وَأنْكرهُ الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم من نفاة الْقيَاس وَلما كَانَ الْوَصْف الْمُنَاسب لَا يعْتَبر مُطلقًا بل إِذا تجرد عَمَّا يفِيدهُ قَوْلنَا
وَاعْلَم هديت أَنَّهَا تنخرم
إِن كَانَ عَن إثْبَاته يسلتزم ... مفْسدَة ترجح أَو تَسَاوِي
стр. 182
اخْتلف أَئِمَّة الْقيَاس فِي انخرام الْوَصْف الْمُنَاسب أَي عدم اعْتِبَاره إِذا اشْتَمَل على مفْسدَة راجحة على الْمصلحَة أَو مُسَاوِيَة هَل يكون مَعَ ذَلِك مُعْتَبرا أَولا فالمختار أَن الْمُنَاسبَة تنخرم لعدم اعْتِبَارهَا حِينَئِذٍ لوُجُود مَانع اعْتِبَارهَا وَهُوَ وجود الْمفْسدَة الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ لما تقرر من أَن دفع الْمَفَاسِد أهم من جلب الْمصَالح عِنْد الْمُسَاوَاة فَكيف إِذا كَانَت الْمفْسدَة أرجح وَيدل لَهُ أَن الْعُقَلَاء قاطبة يعدون فعل مَا فِيهِ مفْسدَة مُسَاوِيَة للْمصْلحَة أَو راجحة عَبَثا وسفها وَذَلِكَ كمن اسْتَأْجر إنْسَانا بِعشْرَة دَرَاهِم ليقْبض لَهُ مثلهَا من الْمحل الْفُلَانِيّ ثمَّ أَخذنَا فِي الْبَيَان الْمُنَاسب لقولنا
وَخذ لَهُ الْحَد الصَّحِيح الْحَاوِي ... قل هُوَ وصف ظَاهر منضبط
يقْضِي بِهِ الْعقل وَعنهُ يضْبط
ضمير لَهُ للوصف الْمُنَاسب بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْأَعَمّ لَا بِالْمَعْنَى السَّابِق فَفِي النّظم اسْتِخْدَام وَمَعْنَاهُ الْأَعَمّ وَمَا يَشْمَل النَّص وَالْإِجْمَاع والاستنباط فالتعريف للمناسب بِاعْتِبَار مَا يصلح لنَفسِهِ للتَّعْلِيل سَوَاء كَانَ بِنَصّ أَو غَيره وَقيد الْوَصْف بالظهور والانضباط لِأَنَّهُ إِذا كَانَ خفِيا أَو غير منضبظ اعْتبرت فِيهِ المظنة كَمَا يَأْتِي وَيتَعَيَّن كَون مَا اعْتبرت فِيهِ المظنة قسيما للمناسب الْمَحْدُود هُنَا لَا قسما مِنْهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِر من صَنِيع الأصولين حَيْثُ فرعوا على الْحَد الْمَذْكُور مَا اعْتبرت فِيهِ المظنة وَذَلِكَ لوضوح خُرُوجه من هَذَا الْحَد وَقَوله يقْضِي بِهِ الْعقل إِلَى آخِره أَي يقْضِي بِسَبَبِهِ ولأجله الْعقل بِأَنَّهُ الْبَاعِث فَقَوله
بِأَنَّهُ الْبَاعِث للمعبود
على الَّذِي أَلْقَاهُ للْعَبد
стр. 183
يتَعَلَّق بيقضي أَي يقْضِي الْعقل بِأَن هَذَا الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط وَهُوَ وَجه الْحِكْمَة الْمُوجبَة للْحكم الْبَاعِث عَلَيْهِ تذلك كالإسكار فِي تَحْرِيم الْخمر وَذَلِكَ لِأَن ترَتّب الحكم على الْوَصْف يُوَافق عَادَة الْعُقَلَاء فيقصي الْعقل بِأَنَّهُ الْبَاعِث على ثُبُوت الحكم وإلقائه مِنْهُ تَعَالَى على الْعباد فتحريم الْخمر لإزالته الْعقل بإسكاره وَافق عَادَة الْعُقَلَاء فِي إِيجَاب حفظ الْعقل وَلم يُقيد الْبَاعِث بجلب مصلحَة أَو دفع مفْسدَة لظُهُور إِرَادَة ذَلِك كَمَا يرشد إِلَيْهِ معنى الْبَاعِث
وَاعْلَم أَن هَذَا التَّعْرِيف للمناسب إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار مَا يصلح بِنَفسِهِ للتَّعْلِيل كَمَا سبقت إِشَارَة إِلَيْهِ فَيكون قسيما لما اعْتبرت فِيهِ المظنة وَلِهَذَا لم يفرع النَّاظِم عَلَيْهِ ذَلِك بل عطف فِي النّظم بِالْوَاو فَقَالَ
وَحَيْثُ ذَاك عِنْده لم يظْهر
أَو لَيْسَ بالمنضبط الْمُؤثر ... اعتبروا ملازما للوصف
ملقبا مَظَنَّة فِي الْعرف
الضَّمِير فِي عِنْده لِلْعَقْلِ والمؤثر قيد للمنضبط وَالْمرَاد بِهِ مَا يصلح اعْتِبَاره سَوَاء كَانَ عَن نَص أَو إِجْمَاع أَو استنباط فَلَا يتَوَهَّم قصره على مَا كَانَ عَن نَص أَو إِجْمَاع كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الِاصْطِلَاح وَالْمرَاد أَنه حَيْثُ لَا يَنْضَبِط الْوَصْف اعْتبر وصف ظَاهر منضبط يلازم ذَلِك الْوَصْف الَّذِي يحصل الْمَقْصُود من ترَتّب الحكم عَلَيْهِ مُلَازمَة عقلية أَو عرفية أَو عَادِية بِمَعْنى أَن ذَلِك الْوَصْف يُوجب بِوُجُود مُلَازمَة الظَّاهِر المنضبط فَيجْعَل الملازم مُعَرفا للْحكم ويعبر عندنَا بالمظنة وَقد مثله النَّاظِم بقوله
كالسفر اللَّازِم للْمَشَقَّة
وَغَيره من أَيّمَا مَظَنَّة
وَالْمرَاد أَن الْمَشَقَّة مُنَاسبَة لترتب الترخيص عَلَيْهَا تحصيلا لمقصود الشَّارِع أَي التَّخْفِيف وَلَا يُمكن اعْتِبَار الْمَشَقَّة بِعَينهَا إِذْ هِيَ غير منضبطة إِذْ هِيَ ذَات
стр. 184
مَرَاتِب تخْتَلف بالأشخاص والأزمان وَلَا يتَعَلَّق الترخيص بِالْكُلِّ وَلَا يمتاز الْبَعْض لنَفسِهِ وَحِينَئِذٍ فَيتَعَلَّق الحكم وَهُوَ الترخيص بِمَا يلازمها وَهُوَ السّفر
وَقَوله وَغَيره إِشَارَة إِلَى الْقسم الَّذِي يعده الأصوليون خفِيا وَذَلِكَ نَحْو الْقَتْل الْعمد الْعدوان فَإِنَّهُ وصف مُنَاسِب لترتب الحكم عَلَيْهِ أَعنِي الْقصاص دفعا لانتشار الْفساد لَكِن الْعمد أَمر نَفسِي لَا يدْرك فاعتبرت المظنة وَهُوَ اسْتِعْمَال الْجَارِح فِي المقتل فَإِنَّهُ مَظَنَّة الْعمد فَإِنَّهُ معرف للعمدية والعدوان قيل وَلَكِن فِي تَعْرِيفه لَهُ بعد لِأَنَّهَا إِنَّمَا تعلن بِانْتِفَاء دَلِيل عَدمه من الْخَطَأ والمدافعة والاستحقاق
وَاعْلَم أَنَّهَا اتّفقت كلمة الْأُصُولِيِّينَ أَن الْوَصْف الْبَاعِث على شَرِيعَة الْقصر للْمُسَافِر والإفطار هُوَ الْمَشَقَّة وَلَكِن لاخْتِلَاف مراتبها نيطت بِمَا يلازمها وَهُوَ السّفر وَقد أورد عَلَيْهِم أَنَّهَا لَو كَانَت الْمَشَقَّة الباعثة فِي الترخيص فِي الْأَمريْنِ لَكَانَ الترخيص بهما فِي حق من هُوَ مُقيم يزاول أعمالا شاقة فِي الْحَظْر فِي أَيَّام الْحر الشَّديد كالحداد والعمار أولى من الْمُسَافِر فَإِن الْملك الَّذِي يُسَافر فِي المحفة وَعِنْده كل مَا يُريدهُ ويسير كل يَوْم بمسيرة فَرسَخ أَو أقل لَا مشقة عَلَيْهِ فِي سَفَره قد أُجِيب بِمَا لَا يشفي وَالتَّحْقِيق عِنْدِي أَن الترخيص للْمُسَافِر فِي الْأَمريْنِ لَيْسَ للْمَشَقَّة بل لما أخبر بِهِ الرَّسُول ﷺ وَقد سَأَلَهُ عمر أَنهم قد أمنُوا فَمَا بَال الْقصر كَأَنَّهُ فهم من قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ إِن الله رخص لَهُم الْقصر لأجل مَخَافَة فتْنَة الَّذين كفرُوا فَأجَاب عَلَيْهِ بِأَنَّهَا صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته فَأخْبر ﷺ أَن هَذِه الرُّخْصَة صَدَقَة من الله تَعَالَى يجب قبُولهَا وتقر فِي
стр. 185
محلهَا فَلَيْسَ لنا أَن نقيس عَلَيْهَا بتَخْفِيف وَاجِب أَو تَأْخِيره وَلم يتَعَرَّض ﷺ للْمَشَقَّة وَإِنَّمَا هَذِه صَدَقَة على الْمُسَافِر الَّذِي يضْرب فِي الأَرْض لَا لغيره وَإِن كَانَ فِي أشق الْأَعْمَال وأشدها فَقَوْلهم إِن مَقْصُود الشَّارِع فِي شَرْعِيَّة هَذِه الرُّخْصَة التَّخْفِيف صَحِيح وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي ترخيصه للْمَرِيض وَالْمُسَافر فِي ترك صَوْم رَمَضَان وصيامه فِي أَيَّام أخر حَيْثُ عقب ذَلِك بقوله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ ولإحاطته تَعَالَى بِكُل شَيْء علما رخص لمن ذكر لَا غير وَلم يُلَاحظ الْمَشَقَّة فِي غَيره وَإِلَّا فَغير من لم يرخص لَهُ مِمَّن ذَكرْنَاهُ من أهل الْأَعْمَال الشاقة فِي الْحَظْر أحْوج إِلَى التَّخْفِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا نظنه لَكِن حِكْمَة أرْحم الرَّاحِمِينَ أجل من أَن يحاط بهَا فَلهُ حِكْمَة فِيمَن خصّه بِالرُّخْصَةِ لَا نحيط بهَا فَلِذَا قُلْنَا إِن الْمَشَقَّة من حَيْثُ هِيَ غير مُلَاحظَة لَهُ تَعَالَى فنقف على من رخص لَهُ لَا غير وَبعد هَذَا رَأَيْت فِي الفواصل نقلا عَن ابْن الْهمام والجلال شَيْئا يقرب مِمَّا ذَكرْنَاهُ إِلَّا أَنه عقبه بعد أَن أورد النَّقْص بِأَن التَّعْلِيل بِمَا لَا يَنْضَبِط وَاقع كالمرض فَإِنَّهَا لَا تنضبط مراتبه وَقد جعل هُوَ الْوَصْف الْمُنَاسب للترخيص وَغير ذَلِك من الْأَمْثِلَة وَاعْلَم أَن للمناسب تقسيما آخر بِاعْتِبَار قوته وَضَعفه أَفَادَهُ قَوْله ... وَقسم الْمُنَاسب الْأَعْلَام ... أَرْبَعَة جَاءَ بهَا النظام ...
اعْلَم أَن أَئِمَّة الْأُصُول قسموا الْمُنَاسب بِهَذَا الِاعْتِبَار إِلَى مُؤثر وملائم وغريب ومرسل قَالُوا لِأَنَّهُ إِمَّا غير مُعْتَبر شرعا أَو مُعْتَبر وَالْمُعْتَبر إِمَّا أَن يعْتَبر بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو لَا بل لمُجَرّد الْمُنَاسبَة ترَتّب الحكم على وَفقه أَي ثُبُوت الحكم مَعَه فِي الْمحل فَقَط فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام غير مُعْتَبر رَأْسا مُعْتَبر بِنَصّ أَو إِجْمَاع مُعْتَبر بِمُجَرَّد ترَتّب الحكم على وَفقه الأول هُوَ الْمُرْسل وقسموه إِلَى ثَلَاثَة مَا علم إلغاؤه وَمَا لم يعلم منقسما أَيْضا إِلَى قسمَيْنِ ملائم علم اعْتِبَاره بِالْجُمْلَةِ بِأَيّ الثَّلَاثَة الاعتبارات وغريب لم يعلم فِيهِ أَحدهَا فالغريب وَمَعْلُوم الإلغاء مردودان اتِّفَاقًا والملائم هُوَ الْمصَالح الْمُرْسلَة كَمَا سَيَأْتِي وَالثَّانِي هُوَ الْمُؤثر وَالثَّالِث يَنْقَسِم إِلَى مَا علم اعْتِبَاره بِأحد الثَّلَاثَة الاعتبارات وَإِلَى
стр. 186
مَا لَا يعلم وَهُوَ الْغَرِيب فَصَارَت الْأَقْسَام سِتَّة مُؤثر وملغي وَلَا لبس بَينهمَا وملائم الْمُعْتَبر وملائم غير الْمُعْتَبر وغريب مُعْتَبر وغريب غير الْمُعْتَبر ويأتيك بَيَانهَا كلهَا وَلكُل قسم منا اسْم يَخُصُّهُ أَفَادَهُ قَوْله ... مُؤثر ملائم غَرِيب ... ومرسل هَذَا هُوَ التَّرْتِيب ...
أَي الَّذِي رتبه الأصوليون بِتَقْدِيم الْأَقْوَى فالأقوى لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يعلم أَن الشَّارِع اعْتَبرهُ أَو لَا فَالْمُعْتَبر شرعا يكون على ثَلَاثَة أَنْوَاع بَيَان الْأَوَّلين مِنْهَا فِي قَوْله ... فَمَا بِنَصّ كَانَ أَو إِجْمَاع ... إثْبَاته فَهُوَ بِلَا نزاع ...
أَي مَا ثَبت اعْتِبَار الشَّاعِر إِمَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع عين الْوَصْف فِي عين الحكم فَهُوَ الأول وَلَا نزاع فِي كَونه أَعلَى الْمَرَاتِب وأقواها وَلذَا سمي الْمُؤثر لظُهُور تَأْثِيره فِيمَا اعْتبر بِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى تطلب مُنَاسِب بعد النَّص وَالْإِجْمَاع على كَونه عِلّة مِثَال النَّص قَوْله ﷺ كل مُسكر حرَام فَإِن عين السكر قد أثر فِي عين التَّحْرِيم بِالنَّصِّ وَلَا فرق بَين النَّص والإيماء وَمِثَال الْإِجْمَاع اعْتِبَار عين الصغر فِي عين ولَايَة المَال بِالْإِجْمَاع وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَفَادَهُ بقوله ... أَولهَا وَهُوَ اعْتِبَار الْعين ... فِي الْعين وَالثَّانِي خلا عَن ذين ...
وَقَوله وَالثَّانِي أَي من الْأَرْبَعَة الْأَقْسَام وَهُوَ الْمُسَمّى الملائم وَالْمرَاد من ذين هما النَّص وَالْإِجْمَاع فالملائم مَا خلا عَنْهُمَا فِي اعْتِبَار الْعين فِي الْعين وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ اعْتِبَار الْعين فِي الْعين بترتب الحكم على وَفقه وَهُوَ الَّذِي أردناه بقولنَا
стр. 187
.. بل إِنَّمَا ترَتّب الحكم على ... وصف بِهِ هَذَا الْقيَاس عللا ...
وينقسم أَي الملائم ثَلَاثَة أَنْوَاع اعْتِبَار الْعين فِي الْجِنْس وَاعْتِبَار الْجِنْس فِي الْعين أَو الْجِنْس فِي الْجِنْس بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع مَعَ اعْتِبَار عينه فِي عينه بترتب الحكم على وَفقه فِي كل من الاعتبارات الثَّلَاثَة بِخِلَاف الْمُؤثر فَإِنَّهُ اعْتِبَار الْعين فِي الْعين بِنَصّ أَو إِجْمَاع من غير نظر إِلَى مُنَاسبَة وَهَذِه الْأَنْوَاع شملها قَوْله ... إِن صَحَّ بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع ... فِيهِ اعْتِبَار أَي ذِي الْأَنْوَاع ...
فَسرهَا وَبَينهَا الْإِبْدَال مِنْهَا بقوله ... الْعين فِي الْجِنْس كَذَا بِالْعَكْسِ ... أَو اعْتِبَار جنسه فِي الْجِنْس ...
سمي هَذَا الْجِنْس ملائما لِأَن عليته إِنَّمَا ثبتَتْ بالمناسبة والموافقة بترتب الحكم عَلَيْهِ فِي اعْتِبَار الْعين فِي الْعين لَا بِنَصّ وَلَا إِجْمَاع على ان هَذِه عِلّة وَلذَا قُلْنَا فِيمَا سلف وصف بِهِ هَذَا الْقيَاس عللا أَي دلا دَلِيل عَلَيْهِ إِلَّا ترَتّب الحكم على وَفقه أَي بِسَبَب وجوده مَعَه فِي الْمحل مِثَال الأول من أَمْثِلَة ملائم الْمُعْتَبر وَهُوَ مَا اعْتبر فِيهِ عين الْعلَّة فِي جنس الحكم التَّعْلِيل بالصغر فِي حمل النِّكَاح على المَال فِي إِثْبَات الْولَايَة الَّذِي هُوَ الحكم فَإِن عين الصغر مُعْتَبر فِي جنس الْولَايَة فَإِنَّهَا تنوع بتنوع مَا أضيفت إِلَيْهِ كَمَا يُقَال ولَايَة مَال وَولَايَة نِكَاح فثبوتها فِي جنس النَّوْعَيْنِ بِالْإِجْمَاع بِمَعْنى أَنهم أَجمعُوا على كَون الصغر عِلّة فِي
стр. 188
مُطلق الْولَايَة غير مُقَيّد بِولَايَة مَال وَلَا نِكَاح وَلَيْسَ المُرَاد أَنهم أَجمعُوا أَن عين الصغر عِلّة فِي ولَايَة النِّكَاح وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِك من الْمُؤثر لَا من الملائم
وَمِثَال الثَّانِي وَهُوَ مَا اعْتبر فِيهِ جنس الْعلَّة فِي عين الحكم التَّعْلِيل بالحرج فِي حمل رخصَة الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَر بِعُذْر الْمَطَر عَلَيْهِ بِالسَّفرِ فَإِن جنس الْحَرج مُعْتَبر فِي رخصَة الْجمع وَإِن لم يكن حرج الْمَطَر مُعْتَبرا فِي عين رخصَة الْجمع بِالنَّصِّ بل يَتَرَتَّب الحكم على وَفقه أَي وجود الحكم فِي الْمحل مَعَ الْوَصْف وَلَو فرض نَص أَو إِجْمَاع على أَن الْمَطَر هُوَ العة لَكَانَ من الْمُؤثر لَا من الملائم
وَمِثَال الثَّالِث وَهُوَ اعْتِبَار الْجِنْس فِي الْجِنْس التَّعْلِيل بِجِنَايَة الْعمد الْعدوان فِي حمل المثقل على المحدد فِي الْقصاص فَإِن الْجِنَايَة جنس يَشْمَل الْجِنَايَة بالمحدد والمثقل وَهَذَا الْجِنْس مُعْتَبر فِي جنس الحكم الَّذِي هُوَ الْقصاص لِأَنَّهُ يتنوع بإضافته إِلَى أَنْوَاعه كالأطراف كالنفس وَغَيرهَا كَمَا يُقَال قصاص نفس قصاص عين وَنَحْو ذَلِك فَهَذِهِ الثَّلَاثَة الْأَمْثِلَة الَّتِي تضمنها الْبَيْت
стр. 189
هَذَا وَأما الْغَرِيب من الْمُعْتَبر فَهُوَ مَا أَفَادَهُ قَوْله
وَمَا عَلَيْهِ حكمه ترتبا
لوفقه وَلم يكن مستصحبا ... لغيره من تلكم الْأَقْسَام
فَإِنَّهُ الثَّالِث فِي النظام
أَي وَالْوَصْف الَّذِي يثبت اعْتِبَاره بِمُجَرَّد ترَتّب الحكم على وَقفه وَلم يثبت مَعَه أحد الْأُمُور الثَّلَاثَة كَمَا ثَبت فِي الملائم وَالْمرَاد قَوْلنَا وَلم يكن مستصحبا لغيره من تلكم الْأَقْسَام أَي الثَّلَاثَة الثَّابِتَة فِي الملائم فَهَذَا هُوَ الثَّالِث مِمَّا سبق فِي قَوْلنَا مُؤثر ملائم غَرِيب فَهَذَا هُوَ الْغَرِيب لما سَيَأْتِي عَن قريب وَحَاصِله أَنه إِنَّمَا يقف الحكم على الْوَصْف الْمعِين فِي الْمحل الْمعِين بِدُونِ ثُبُوت شَيْء من التقادير الثَّلَاثَة الْمُعْتَبرَة فِي الملائم وَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي يثبت بطرِيق السبر والتقسيم والدوران والمناسبة وَلَا بُد من الْمُنَاسبَة فِي الْجَمِيع ليتم أَخذهَا من ترَتّب الحكم على وَفقه ويقوى فِي ظن الْمُجْتَهد مَعَ ذَلِك مِثَاله قِيَاس النَّبِيذ على الْخمر بِجَامِع الْإِسْكَار على تَقْدِير أَنه لم يرد نَص فِي الْعلَّة وَإِلَّا فَإِنَّهُ قد ورد النَّص بِأَن الْإِسْكَار عِلّة
وَالرَّابِع من الْأَقْسَام مَا أَفَادَهُ قَوْلنَا
رَابِعهَا الْمُرْسل وَهُوَ مَا خلا
عَنْهَا جَمِيعًا فَلهَذَا أرسلا
أَي خلا عَن جَمِيع مَا ذكر فِي الْمُؤثر والملائم والغريب فَلِذَا قَالَ عَنْهَا جَمِيعًا وَقَوله فلهَا فَلهَذَا أرسلا إِشَارَة إِلَى وَجه تَسْمِيَته بِأَنَّهُ أرسل عَن
стр. 190
الاعتبارت كلهَا ثمَّ الْمُرْسل يَنْقَسِم فِي نَفسه إِلَى قسمَيْنِ إِلَى مَا علم إلغاؤه وَإِلَى مَا لَا يعلم إلغاؤه وإليها أَشَارَ قَوْله
فبعضه مُؤثر ويلغى
مِنْهُ الْغَرِيب عِنْدهم والملغى
الأول الملغى وَالثَّانِي يَنْقَسِم إِلَى ملائم قد علم اعْتِبَار جنسه فِي جنسه أَو عينه فِي جنسه أَو الْعَكْس لَكِن لَا شَيْء من تِلْكَ الاعتبارات السَّابِقَة بل النّظر إِلَى ثُبُوته فِي الْجُمْلَة من دون أصل معِين يلائم رده إِلَيْهِ وَيقرب من جنسه وَإِلَى مَا لَا يعلم أَن الشَّارِع اعْتَبرهُ بِشَيْء من ذَلِك وَهُوَ الْغَرِيب وَقد اشْتَمَل النّظم عَلَيْهَا وبدا مِنْهَا بالملائم فَقَالَ
فَالْأول الملائم الصَّدْر
لَيْسَ لَهُ أصل بِهِ يعْتَبر
أَي صدر بِهِ الْبَحْث فِي قَوْله فبعضه مُؤثر وَقيد النَّفْي بقوله
معِين لكنه مُطَابق
لمقصد الشَّرْع لَهُ مُوَافق
لإِفَادَة أَنه لَيْسَ لَهُ أصل معِين يعتبره الشَّارِع للإعلام بِأَنَّهُ وَإِن رد إِلَى أصل بعيد لَا يلائمه وَلَا يقرب من جنسه فَإِنَّمَا هُوَ للاستظهار بِكَوْنِهِ مُعْتَبرا فِي الْجُمْلَة وَمن ذَلِك كَقَتل الْمُسلمين المترس بهم عِنْد الضَّرُورَة فَإِنَّهُ إِذا تترس الْكفَّار بِالْمُسْلِمين وقصدونا جَازَ لنا قتل من تترسوا بِهِ لمصْلحَة وَهِي أَن يسلم أَكثر مِنْهُم من الْمُسلمين وَقد دعت الضَّرُورَة إِلَيْهِ وَهِي المدافعة عَن أَرْوَاح الْمُسلمين فَجَاز قَتلهمْ وَلَا دَلِيل على الْجَوَاز إِلَّا الْقيَاس الْمُرْسل ورعاية الْأَصْلَح فِي الْجُمْلَة لأهل الْإِسْلَام وَلَا أصل لَهُ معِين يردهُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يردهُ إِلَى حملي هِيَ رِعَايَة مصَالح الْإِسْلَام وَقَالَ
لبَعض مَا يَقْصِدهُ فِي الْجُمْلَة ... مُتَعَلق بقوله مُوَافق
وليدع بالمصالح الْمُرْسلَة
стр. 191
فَإِن الْمصَالح الْمُرْسلَة لَا تحْتَاج إِلَى أصل معِين فِي اعْتِبَار الحكم
أَمْثَالهَا مَعْرُوفَة مشتهره
وَالْحق فِيهَا أَنَّهَا معتبره
أَي مِثَال الْمصَالح الْمُرْسلَة مِنْهَا القَوْل بِتَحْرِيم النِّكَاح على الْعَاجِز عَن الْوَطْء لما فِيهِ من تَعْرِيض الزَّوْجَة للزنى وَقد تتبعنا مَقَاصِد اشارع فرأيناه يحرم مَا فِيهِ ذَرِيعَة إِلَى فعل الْقَبِيح وَهُوَ دَاع إِلَيْهِ كتحريمه قَلِيل الْمُسكر قطعا لتناول الْكثير وَالْخلْوَة بالأجنبية دفعا عَن الزِّنَى إِذْ من حام حول الْحمى يُوشك أَن يواقعه فَهَل الأَصْل الَّذِي لوحظ عِنْد من يحكم بِتَحْرِيم النِّكَاح الْمَذْكُور لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ إِثْبَات الحكم بل الِاسْتِظْهَار بِحُصُول الْمُنَاسبَة فِي الحكم لتَحْرِيم مَا يَدْعُو إِلَى الْقَبِيح وَإِن هَذَا أَمر يلاحظه الشَّارِع وَهَذَا من اعْتِبَار الْجِنْس الْبعيد وَهُوَ مُطلق التَّحْرِيم فِي الْجِنْس الْبعيد وَهُوَ سد الذريعة إِلَى فعل الْقَبِيح والأمثلة كَثِيرَة وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ بقوله
وَالثَّانِي الْغَرِيب مِمَّا أرسلا
وَذَلِكَ الأول مِمَّا أهملا
أَي وَالثَّانِي من أَقسَام الْمُرْسل وَهُوَ الْغَرِيب الْمُرْسل فَلَا بُد فِي إِطْلَاقه من تَقْيِيده بِالْإِرْسَال وَلذَا قُلْنَا مِمَّا أرسلا لإِخْرَاج غَرِيب الْمُعْتَبر وَهُوَ مَرْدُود بالِاتِّفَاقِ وَقيل فِيهِ خلاف مَالك وَحَقِيقَته قَوْله
وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَظِير
فِي الشَّرْع مِمَّا قَالَه الْجُمْهُور ... لَكِنَّهَا تستحسن الْعُقُول
لأَجله الحكم وَذَا مَعْقُول
стр. 192
أَشَارَ بنسبته إِلَى الْجُمْهُور بِأَن جعل غَرِيب الْمُرْسل قسما مُسْتقِلّا إِنَّمَا هواصطلاح ابْن الْحَاجِب وَمن تبعه من الْمُتَأَخِّرين وَلَا فَغَيره إِنَّمَا يَنْقَسِم الْمُرْسل إِلَى مَا علم إلغاؤه وَإِلَى مَا لَا يعلم مِثَاله التَّعْلِيل بِالْفِعْلِ الْمحرم لغَرَض فَاسد فِي قِيَاس البات للطَّلَاق فِي مَرضه على الْقَاتِل فِي الحكم بالمعارضة بنقيض قَصده وَهُوَ حرمانه من الْإِرْث فِي صُورَة الْقَاتِل وتوريث الزَّوْجَة فِي الْفَرْع وَالْجَامِع مَعَ كَون فعلهَا محرما لأجل غَرَض فَاسد وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَاف فِي الحكم بِالنّظرِ إِلَى أَنه معَارض وَإِذا اخْتلفت الْجِهَة فِي الأَصْل وفرعه وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا غَرِيبا مُرْسلا لِأَنَّهُ لم يعْتَبر الشَّارِع عين الْقَتْل الْمحرم لغَرَض فَاسد فِي عين الْمُعَارضَة وَلَا جنسه فِي عينهَا وَلَا جنسه فِي جِنْسهَا وَلم يثبت وَلَا إِجْمَاع اعْتِبَار عينه فِي جنس الْمُعَارضَة بنقيض الْمَقْصُود وَلَا قَرِيبا وَلَا بَعيدا وَقد نُوقِشَ فِي الْمِثَال وَلكنه لَا يضر فِي الْقَاعِدَة وَالْقسم الثَّالِث من الْمُرْسل قَوْله ... وَالثَّالِث الملغى الَّذِي يصادم ... نصا وَلَكِن جنسه يلائم ...
هَذَا الْقسم الثَّالِث من الْمُرْسل وَقد عرفه النّظم تعريفا وَاضحا بقوله ... فِي نظر الشَّرْع وَذَا مطرح ... مثل الْغَرِيب فَاتبع مَا صححوا ...
وَمِثَال ذَلِك تعْيين الصَّوْم ابْتِدَاء فِي كَفَّارَة الوقاع فِي نَهَار رَمَضَان على من ظن أَنه يسهل عَلَيْهِ الْعتْق فَإِن تعْيين الصَّوْم مُنَاسِب للزجر بِالنّظرِ إِلَى من يسهل عَلَيْهِ الْعتْق لكنه مصادم للنَّص فَإِنَّهُ لم يُوجِبهُ إِلَّا على من لَا يجد مايعتق رُوِيَ أَن يحيى بن يحيى صَاحب مَالك عَالم الأندلس أفتى الْأَمِير
стр. 193
عبد الرحمن بن الحكم الْأمَوِي صَاحب الأندلس وَكَانَ قد نظر إِلَى جَارِيَة يُحِبهَا حبا شَدِيدا وَلم يملك نَفسه أَن وَقع عَلَيْهَا فِي نَهَار رَمَضَان ثمَّ سَأَلَ الْفُقَهَاء عَن تَوْبَته وكفارته فَقَالَ لَهُ يحيى بن يحيى يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَلَمَّا بدر يحيى الْعلمَاء بالصيام سكتوا فَلَمَّا خَرجُوا قَالُوا ليحيى مَا لَك لَا تفتيه بِمذهب مَالك وَهُوَ التَّخْيِير بَين الْعتْق وَالْإِطْعَام وَالصِّيَام فَقَالَ لَو فتحنا هَذَا الْبَاب سهل عَلَيْهِ أَن يطَأ كل يَوْم وَيعتق رَقَبَة وَلَكِن حَملته على أصعب الْأُمُور لِئَلَّا يعود فَهَذَا يستحسنه الْعقل فَلِذَا قُلْنَا لَكِنَّهَا تستحسن الْعُقُول
وَاعْلَم أَنه قد سبق فِي الأبيات أَن الْمصَالح الْمُرْسلَة مُعْتَبرَة وَهُوَ أحد أَقْوَال الْعلمَاء وَلَهُم فِيهَا ثَلَاثَة مَذَاهِب
الأول قبُولهَا مُطلقًا وَهُوَ الْمَنْسُوب إِلَى مَالك
وَالثَّانِي ردهَا مُطلقًا وَهُوَ قَول البلاقلاني وَابْن الْحَاجِب وَمن تبعهما
الثَّالِث التَّفْصِيل وَهُوَ مُخْتَار أَكثر أهل الْبَيْت وَالْجُمْهُور من غَيرهم وَهُوَ قبُوله بِشَرْط إِذا كَانَ الْمصلحَة غير مصادمة لنصوص الشَّرْع وَإِن تكون ملائمة لقواعد أُصُوله خَالِصَة عَن معَارض لَا أصل لَهَا معِين هَكَذَا قَالَه فِي الْفُصُول وَقَالَ الْغَزالِيّ بقبوله بِشَرْط اشتماله على مصلحَة ضَرُورِيَّة قَطْعِيَّة كُلية وَذَلِكَ كَمَا لَو تترس الْكفَّار بِأسَارَى الْمُسلمين حَال التحام الْحَرْب وقطعنا بِأَنَّهُ لَو لم نقْتل الترس لاستولوا على الْمُسلمين فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ قتل الْمُسلم بِلَا ذَنْب غَرِيب لم يشْهد لَهُ أصل معِين لَكنا نعلم قطعا أَن حفظ الْمُسلمين أقرب إِلَى مَقَاصِد الشَّرْع وَإنَّهُ يُؤثر الْكُلية على الجزيئة فَإِذا فَاتَ شَيْء من الشُّرُوط
стр. 194
الْمَذْكُورَة لم يَصح قبُوله مِثَاله أَن يقتل الترس من الْمُسلمين لأجل فتح قلعة إِذْ لَا ضَرُورَة وَلَا يرْمى وَاحِد مِنْهُم لظن الاستئصال بل لَا بُد من الْقطع وَلَا يرْمى فِي الْبَحْر بعض أهل السَّفِينَة لِسَلَامَةِ البَاقِينَ فِيهَا إِذْ ذَلِك لَيْسَ كل الْمُسلمين وَاعْلَم أَن هَذِه الصُّور الَّتِي جمعت الْقُيُود لَا يَنْبَغِي وُقُوع خلاف فِيهَا وَلما أَرَادَ النَّاظِم بعد الْفَرَاغ من المسالك الْأَرْبَعَة التَّنْبِيه على مَا قد عد من المسالك غَيرهَا وَلَيْسَ بمعتبر قَالَ
فَهَذِهِ المسالك المرتبه
لَا غَيرهَا وَقيل فِيهَا الشّبَه
بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة وَمَعْنَاهُ الشبيه يُقَال هَذَا شبه هَذَا وَشبهه وشبيهه كَمَا يُقَال مثله وَمثله ومثيله وعرفناه بقولنَا
وَذَاكَ وصف يُوهم الْمُنَاسبَة
فِي الحكم وَالتَّحْقِيق لَا الْمُنَاسبَة ... بِأَن يَدُور مَعَ ذَا الحكم
وجوده بوجده والعدم ... بِعَدَمِهِ مَعَ الْتِفَات الشَّارِع
إِلَيْهِ فِي شَيْء من الْمَوَاضِع
فَقَوله يُوهم الْمُنَاسبَة خرج بِهِ الْمُؤثر والملائم وَخرج بقوله بِأَن يَدُور الشّبَه والتقسيم للدخول فِي الْقَيْد إِذْ الْوَصْف المستبقى فِيهِ يَكْفِي فِيهِ مُجَرّد الصلاحية وَقَوله مَعَ الْتِفَات الشَّارِع يخرج بِهِ الطَّرْد فَإِنَّهُ لَا يتلفت إِلَيْهِ الشَّارِع فِي شَيْء من الْأَحْكَام
والشبه لَهُ مَعْنيانِ أَعم وَهُوَ مَا يرتبط الحكم بِهِ على وَجه يُمكن الْقيَاس
стр. 195
عَلَيْهِ وَهَذَا يعم الْعِلَل كلهَا والأخص هُوَ المُرَاد هُنَا فَهَذِهِ ثَلَاثَة مسالك الشّبَه والدوران والطرد فقد أَشَرنَا إِلَى ضعفها بمجردها كَمَا يَتَّضِح لَك
وَاعْلَم أَن الشّبَه فِي عرف جمَاعَة أَئِمَّة الْأُصُول مِنْهُم الْمهْدي فِي المعيار لَيْسَ بمسلك مُسْتَقل كَمَا وَقع فِي غَيره والناظم جرى على مَا فِي الأَصْل وَلَيْسَ مقْصده إِلَّا التَّقْرِيب بنظمه من غير بَيَان مَرْجُوح عِنْده من رَاجِح غَالِبا فقد تبع مَا فِي المعيار من أَن مَسْلَك الشّبَه الدوران وَقَوله مَعَ الْتِفَات الشَّارِح إِلَيْهِ فِي بعض الْمَوَاضِع وَذَلِكَ بإن يكون قد اعْتَبرهُ فِي بعض الْأَحْكَام وَبَيَان كَونه من طرق الْعلَّة أَن الْوَصْف كَمَا أَنه قد يكون مناسبا فيظن أَنه الْعلَّة فِي التَّحْرِيم كَذَلِك قد يكون شَبِيها فَيُفِيد ظنا مَا بالعلية الخ وَهُوَ هَكَذَا فِي شرح الكافل لِابْنِ لُقْمَان ومثلوه فِي الْكَيْل فِي تَحْرِيم التَّفَاضُل على رَأْي من جعله هُوَ الْعلَّة فِي التَّحْرِيم مثلا فَإِن التَّعْلِيل بِهِ لم يثبت بِنَصّ وَلَا تَنْبِيه نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَا حجَّة إِجْمَاع وَإِنَّمَا ثَبت لكَون الحكم يثبت بِثُبُوتِهِ وينتفي بانتفائه
قلت وَكَذَلِكَ من جعل عَلَيْهِ تَحْرِيم الرِّبَا الِاتِّفَاق فِي الْجِنْس وَالتَّقْدِير وهم الْهَادَوِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَالْجِنْس والطعم وهم الشَّافِعِيَّة أَو الْجِنْس والاقتيات وهم الْمَالِكِيَّة فَإِن هَذِه الْعِلَل لم تثبت بِنَصّ وَلَا إِجْمَاع وَلَا غَيرهمَا وَإِنَّمَا ثبتَتْ بِكَوْنِهِ دَار عَلَيْهَا الحكم وجودا وعدما فالعلة شَبيه وَقد بسطنا القَوْل فِي رِسَالَة
стр. 196
سميناها القَوْل الْمُجْتَبى فِي تَحْقِيق مسَائِل الرِّبَا أثبتنا فِيهَا أَنه لَا دَلِيل على تَحْرِيمه فِي غير السِّتَّة الَّتِي ورد بهَا النَّص
وَلما كَانَ الأصوليون قد اعتادوا ذكر أبحاث الِاعْتِرَاض فِي آخر بحث الْقيَاس وَكَانَ أصل النّظم قد ذكر تَنْبِيها فِي ذَلِك وَذكر عدم الِاحْتِيَاج إِلَى مثلهَا وَأَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى شَيْئَيْنِ إِلَى منع أَو مُعَارضَة وَأَن من أتقن مَا سلف من شَرَائِط الْقيَاس لَا يحْتَاج إِلَيْهَا قَالَ النَّاظِم
تَنْبِيه أما الاعتراضات فَلَا
فَصَاحب الأَصْل لَهَا قد أهملا ... وَقَالَ من حقق مَا قد سلفا
فَهُوَ لَهَا بِمَا مضى قد عرفا ... مرجعها منع أَو المعارضه
مَوْضُوعَة للبحث والمناقضه ... أبحاثها تبسط فِي الشُّرُوح
يعرفهَا ذُو النّظر الصَّحِيح
قَوْله أما الاعتراضات اللَّام للْعهد الْخَارِجِي لِأَنَّهُ قد عرفت بَين الْأُصُولِيِّينَ لَا تَخْلُو عَنْهَا مطولات تأليفهم وأنهوه إِلَى خَمْسَة وَعشْرين اعتراضا وَهِي فِي التَّحْقِيق من علم الجدل وَقد وضعت فِيهِ عُلُوم آدَاب الْبَحْث فَلَا حَاجَة لِلْأُصُولِ من حَيْثُ هُوَ أصُول إِلَى تفاصيلها إِذْ من حقق شَرَائِط الأَصْل وَالْفرع وَالْعلَّة الَّتِي سلفت اسْتغنى عَنهُ فَلِذَا قُلْنَا فَهُوَ لَهَا بِمَا مضى قد عرف فَمن عرف شَرَائِط أَرْكَان الْقيَاس وَعلله وأنواعه اسْتغنى عَن تفاصيل معرفَة الاعتراضات
مِثَاله الِاعْتِرَاض بِفساد الْوَضع وَهُوَ أحد الْخَمْسَة وَالْعِشْرين قد
стр. 197
عرف من اشْتِرَاط كَون الْعلَّة لَا تصادم نصا وَكَذَلِكَ الِاعْتِرَاض بِالْفرقِ أَو باخْتلَاف الضَّابِط يفهم من اشْتِرَاط مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل فِي الْعلَّة وَالْحكم عينا وجنسا فَإِن الِاعْتِرَاض بِمَا ذكر إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا ظن الْمُسَاوَاة فِيمَا ذكر وعَلى هَذَا فَمن أتقن الشَّرَائِط للْقِيَاس وأركانه عرف أَن الاعتراضات كلهَا رَاجِعَة إِلَى أَمريْن الْمَنْع والمعارضة بل بَعضهم أرجعها إِلَى الْمَنْع فَقَط لِأَن الْمُعَارضَة منع لِلْعِلَّةِ عَن الجريان فِيمَا أَرَادَهُ الْمُسْتَدلّ كَمَا ذكرنَا وعَلى هَذَا أَكثر الجدليين
وَأما الأصوليون فأبلغوها خَمْسَة وَعشْرين غير متداخلة وداخلها فِي المعيار حَتَّى عدهَا بِأحد عشر وَذكر أَن ابْن الْحَاجِب عدهَا خَمْسَة وَعشْرين وَبَيَان رُجُوعهَا إِلَى الْأَمريْنِ الْمَنْع والمعارضة هُوَ أَن غَرَض الْمُسْتَدلّ وَهُوَ الْقيَاس إِثْبَات دَعْوَاهُ بدليله وَلَا يكون إِلَّا بِصِحَّة مُقَدمَات الدَّلِيل ليَصِح شَهَادَته لَهُ على دَعْوَاهُ وسلامته عَن الْمُعَارضَة لينفذ سهم إِلَى مَطْلُوبه وغرض الْمُعْتَرض رد شَهَادَته كرد الْخصم شَهَادَة خصمة عِنْد الْحَاكِم وَذَلِكَ بجرحها كَذَلِك هُنَا الْمُعْتَرض بِجرح الشَّهَادَة بالقدح فِي صِحَة الدَّلِيل لمنع مقدمته أومعارضته بِمَا يقاومه فَإِن أَتَى بِشَيْء خَارج عَن الْأَمريْنِ فَإِنَّهُ لَا يسمع وَلَا يشْتَغل الْمُدَّعِي بجوابه إِذْ هُوَ خُرُوج عَن مَحل النزاع واشتغال بِمَا لَا يَعْنِي وتشويش للبحث وقصور عَن إِقَامَة حُدُود الجدل
وَقَوْلنَا مَوْضُوعه للبحث والمناقضة إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يجب مَعْرفَتهَا على الْمُجْتَهد كَمَا قدمنَا الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الشَّرْح إِذْ الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد فِي استنباطه الْفُرُوع الْجُزْئِيَّة عَن الْأَدِلَّة التفصيلية قد تكفل بِهِ الْقيَاس وشرائطه فَالزِّيَادَة عَلَيْهِ لَيْسَ من طَريقَة الْأُصُول من حَيْثُ هُوَ أصُول
стр. 198
وَاعْلَم أَن أهم مَا يعرفهُ المجادل والمناظر وَمَا يُوصي بِهِ قبل خوضه فِي المناظرة مَعَ الْأَحْيَاء أَو مَعَ نظره فِي كَلَام الْأَمْوَات من الْعلمَاء هُوَ تقوى الله وإشعار النَّفس الْخَوْف ومجاهدتها على قبُول الْحق من أَي مُتَكَلم عَظِيم أَو حقير صَغِير أَو كَبِير وَأَن لَا ينحاز إِلَى مَرْكَز من مراكز الْمذَاهب فيناضل عَنهُ ويجاهد دونه بل لَا يكون همه إِلَّا معرفَة الْحق وقبوله وَلَا يأنف من رد كَلَامه وتضعيفه وَلَا يقْصد مباهة وَلَا مفاخرة وَلَا رِيَاء وَلَا سمعة وَإِن يكون مُقبلا على الْغَيْر متواضعا متأملا لما يلقيه وَأَن يلقِي سَمعه حَتَّى يفرغ من كَلَامه وَلَا يجاذبه أَطْرَاف الْبَحْث قبل فَرَاغه ثمَّ يتَوَقَّف فِي الْجَواب وإبانة الصَّوَاب بأقصر عبارَة وأوضحها وألطفها فَإِن الرِّفْق مَا كَانَ فِي شَيْء إِلَّا زانه وَالْفُحْش مَا كَانَ فِي شَيْء إِلَّا شانه فَمن اسْتعْمل فِي المناظرة هَذِه الْآدَاب لَا معترض ومجيب وفْق للإصابة وفاز بِالْإِثَابَةِ وَدخل تَحت الامر بمشروعية الْجِدَال الدَّال عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فِي الْمسَائِل العلمية والمناظرة هَذَا وَلما ذكر الأصوليون أنواعا من الِاسْتِدْلَال خَارِجَة عَمَّا تقدم أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلنَا ... فصل وَقد زيد دَلِيل خَامِس ... لَيْسَ لَهُ فِيمَا مضى مجانس ...
قد عرفت أَنه قد سلف أَرْبَعَة أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَزَاد أَكثر الْعلمَاء دَلِيلا عَلَيْهَا خَامِسًا وَسَماهُ الِاسْتِدْلَال كَمَا قَالَ ... وَهُوَ بالاستدلال فِي الْعرف اشْتهر ...
الِاسْتِدْلَال لُغَة طلب الدَّلِيل أَو اتِّخَاذه دَلِيلا كاستأجر يَعْنِي اتخذ أَجِيرا وَفِي الِاصْطِلَاح يُطلق على إِقَامَة الدَّلِيل مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ نصا أَو إِجْمَاعًا أَو غَيرهمَا وعَلى نوع خَاص مِنْهُ وَهُوَ المُرَاد فِي الْمقَال وَلذَا قَالَ لَيْسَ لَهُ
стр. 199
فِيمَا مضى مجانس أَي لَيْسَ من جنس مَا مضى وَقد عد الْعلمَاء لَهُ انواعا يتَحَقَّق فِيهَا
أَفَادَهُ قَوْله
أَنْوَاعه كَثِيرَة وَالْمُعْتَبر ... ثَلَاثَة أَولهَا التلازم
من غير تَعْلِيل لما يلازم ... مَا بَين حكمين كمن صَحَّ الشرا
عَنهُ يَصح بَيْعه بِلَا مرا
أَي أَنْوَاع الِاسْتِدْلَال كَثِيرَة عِنْد الْعلمَاء من حَيْثُ اخْتلَافهمْ فِي تشخيص أَنْوَاعه وَالْمُعْتَبر مِنْهَا ثَلَاثَة
الأول التلازم بَين الْحكمَيْنِ من دون تعْيين عِلّة وَإِلَّا كَانَ من قِيَاس الْعلَّة وَقد سلف وَلذَا قُلْنَا من غير تَعْلِيل وأقسام التلازم أَرْبَعَة لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا بَين حكمين فَصَارَت أقسامه أَرْبَعَة تلازم بَين ثبوتين أَو بَين نفيين أَو بَين نفي وَثُبُوت بِمَعْنى أَنه يكون الثُّبُوت ملزوما وَالنَّفْي لَازِما أَو بَين ثُبُوت وَنفي عكس مَا قبله فِي التلازم مِثَال الأول وَهُوَ التلازم بَين ثبوتين كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي النّظم من صَحَّ شِرَاؤُهُ صَحَّ بَيْعه وَدَلِيل التلازم الطَّرْد وَهُوَ أننا تتبعنا هَذَا فوجدناه كَذَلِك مطردا من دون نظر إِلَى عِلّة ويقوى الطَّرْد بِالْعَكْسِ وَهُوَ انا تتبعنا فَوَجَدنَا كل من لَا يَصح شِرَاؤُهُ لَا يَصح بَيْعه والطرد وَحده كَاف فِي التلازم إِنَّمَا يُؤْتى بِالْعَكْسِ لتقويته وَهَذَا الْعَكْس هُوَ مِثَال تلازم النفيين
وَأما من لم يَجعله قسما مُسْتقِلّا من الْأَدِلَّة فَإِنَّهُ أرجعه إِلَى أحد الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة الَّتِي تقدّمت لِأَن التلازم إِنَّمَا يثبت بالاسقراء وَهُوَ فِي الامور الْعَقْلِيَّة ظَاهر محسوس وَأما فِي الشرعيات الَّتِي بحثنا فِيهَا فَإِنَّمَا يعرف من جِهَة الشَّارِع فَمن لم يعلم التلازم من جِهَة اتجه لَهُ مَنعه وَيصير الحكم فِي حيّز الدَّعْوَى
стр. 200
فَلَا يتم لَهُ جعله دَلِيلا مُسْتقِلّا تثبت بِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا بِرُجُوعِهِ إِلَى أَحدهَا وَإِلَى الثَّانِي من الثَّلَاثَة أَشَارَ قَوْله ... وَالثَّانِي اسْتِصْحَاب حَال الحكم ... فِي أَي وَقت قبله للعدم ...
الِاسْتِصْحَاب مُؤَكد من الصُّحْبَة والاستفعال طلب الْفِعْل نَحْو استسقى طلب السقيا فالاستصحاب طلب الصُّحْبَة وَمعنى ذَلِك أَن الْعقل إِذا فهم ثُبُوت شَيْء اقْتضى صحبته واقترانه مَعَه فِي الْمُسْتَقْبل فالاستصحاب دوَام التَّمَسُّك بِالدَّلِيلِ حَتَّى يَأْتِي مَا يُغَيِّرهُ قَالَ الْمهْدي هُوَ دوَام التَّمَسُّك بِدَلِيل عَقْلِي شَرْعِي حَتَّى يرد مَا يُغَيِّرهُ حَال الحكم أَي دَلِيله وَقَوْلنَا للعدم أَي استصحبناه لعدم مَا يُغَيِّرهُ وَقَوْلنَا بِأَيّ وَقت هُوَ معنى قَوْلهم دوَام التَّمَسُّك وَفَسرهُ ابْن فرشته من أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة فِي كِتَابه فِي أصُول الْفِقْه بقوله هُوَ إبْقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ قَالَ الْجلَال فِي شرح الْفُصُول مستدلا بالْقَوْل بِهِ مَا لَفظه بَقَاء مَا تحقق وجوده فِي حَال وَلم يظنّ طرد معَارض يُزِيلهُ فَإِنَّهُ يلْزم ظن بَقَائِهِ هَذَا ضَرُورِيّ لَا يدْفع إِذْ الْفَرْض لم يتَحَقَّق عَلَيْهِ إِلَّا الزَّمَان وَالْحكم لَيْسَ مِمَّا تفنيه الْأَزْمِنَة وَلَو كَانَ تجدّد الْأَزْمِنَة بِمُجَرَّدِهِ يفني هَذَا الظَّن لما سَاغَ لعاقل مراسلة من فَارقه وَلَا الِاشْتِغَال بِمَا يَسْتَدْعِي زَمَانا كالحراثة وَالتِّجَارَة لِأَن ذَلِك يكون سفها لِأَنَّهُ عمل مَعَ انْتِفَاع الْمُقْتَضِي وَمَعَ وجود الْمَانِع وَأَيْضًا يحرم الِاسْتِمْتَاع لمن لم يتَيَقَّن أَنَّهَا زوجه إِجْمَاعًا وَيحل الِاسْتِمْتَاع لمن تَيَقّن كَونهَا زوجه إِجْمَاعًا وَلَا فرق بَين الصُّورَتَيْنِ إِلَّا باستصحاب الأول ليَكُون هُوَ مُسْتَند الْإِجْمَاع وَيكون القَوْل بِعَدَمِ الْعَمَل بِهِ مُخَالفَة للْإِجْمَاع انْتهى إِذا عرفت هَذَا فالتمسك بِهِ يسْتَمر حَتَّى يَأْتِي مَا يُغَيِّرهُ كَمَا قَالَ
стр. 201
لصالح التَّغْيِير نَحْو من غَدا
مُصَليا بالترب ثمَّ وجدا ... مَاء فَلَا يخرج من صلَاته
وَقيل لَا صِحَة فِي إثْبَاته
فَقَوله لصالح يتَعَلَّق بقوله للعدم أَي لعدم صَالح وَاللَّام للتقوية وَقَوله نَحْو من غَدا إِلَى آخِره إبراز للمسألة فِي صُورَة الْمِثَال الَّذِي بِهِ تظهر فَائِدَة الاختبار وَذَلِكَ أَن الْقَائِلين بِأَن الِاسْتِصْحَاب دَلِيل وهم بعض الشَّافِعِيَّة قَالُوا إِن من تيَمّم لعدم المَاء ثمَّ دخل فِي صلَاته ثمَّ رأى فِي أَثْنَائِهَا المَاء فَإِنَّهُ يسْتَمر فِي صلَاته وَلَا تبطل بِرُؤْيَة المَاء استصحابا للْحَال الأولى لإنه قد كَانَ عَلَيْهِ الْمُضِيّ فِي صلَاته قبل رُؤْيَة المَاء للتغير وَالْإِجْمَاع قَائِم على صِحَّتهَا قبل رُؤْيَة المَاء وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْإِجْمَاع الَّذِي ذكره دَلِيلا للمدى إِنَّمَا كَانَ قبل رُؤْيَة المَاء فاستصحابه لصِحَّة الصَّلَاة بعد رُؤْيَة المَاء مغالطة فَإِنَّهُ بعد الرُّؤْيَة لَا إِجْمَاع إِذْ الْإِجْمَاع مَشْرُوط بِعَدَمِ الرُّؤْيَة وَإِن كَانَ الرَّاجِح صِحَة الصَّلَاة مَعَ رُؤْيَة المَاء لَكِن لَا للْإِجْمَاع بل لعدم الدَّلِيل على كَون رُؤْيَة المَاء تفْسد الصَّلَاة
إِذا عرفت هَذَا فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَن الِاسْتِصْحَاب دَلِيل قَالَ الإِمَام يحيى بن حَمْزَة إِن الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الزيدية والجماهير من الْمُعْتَزلَة وأئمة الأشعرية أَنه دَلِيل مُسْتَقل بِنَفسِهِ لكنه مُتَأَخّر عَن الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة وَهُوَ آخر قدم يخطو بهَا الْمُجْتَهد إِلَى تَحْصِيل حكم الْوَاقِعَة وَالْحَاصِل أَن الْمُخَالف قَائِل إِنَّه يعْمل بالاستصحاب لَا على أَنه دَلِيل بل لِأَنَّهُ عَائِد إِلَى مَا تقدم من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة لِأَن مُجَرّد الْوُجُود لَا يدل على الِاسْتِمْرَار فاستمرار
стр. 202
الْبَقَاء الَّذِي هُوَ معنى الِاسْتِصْحَاب إِنَّمَا يثبت بِدَلِيل شَرْعِي لَا بِمُجَرَّد الْوُجُود وخلاصته أَن الِاسْتِصْحَاب إِنَّمَا يثبت بِدَلِيل شَرْعِي أَي الدَّلِيل وَذَلِكَ أَنا قد علمنَا أَن الْأَدِلَّة يجب الْعَمَل بمقتضاها حَتَّى يرد مَا يغيرها وَمن ذَلِك ربط الْأَحْكَام بأدلتها فَإِذا ثَبت الحكم بِدَلِيل شَرْعِي وَجب الْبَقَاء عَلَيْهِ حَتَّى يرد مَا يُغَيِّرهُ وَبعد هَذَا يعود الْخلاف لفظيا بَين النفاة والمثبتين
وَالتَّحْقِيق عِنْدِي أَنه إِن أُرِيد أَنه دَلِيل فرسم الدَّلِيل هُوَ مَا يُمكن التَّوَصُّل بِالنّظرِ الصَّحِيح فِيهِ إِلَى مَطْلُوب خبري واستصحاب الدَّلِيل أَي التَّمَسُّك بِهِ حَتَّى يَأْتِي مَا يرفعهُ لَا يصدق عَلَيْهِ رسم الدَّلِيل وَإِن أُرِيد الْعَمَل باستصحاب الدَّلِيل فَلَا ريب فِي أَن الْعَمَل بِهِ مُتَعَيّن لَا يجوز خِلَافه حَتَّى يَأْتِي رافعه فَهَذَا هُوَ الْحق وَمَا وَقع من النزاع والجدال كَانَ غَفلَة عَن حَقِيقَة الدَّلِيل فَتَأمل
ثَالِثهَا شرع الَّذِي تقدما
من رسل الله فَقَالَ العلما ... الْحق أَن الْمُصْطَفى مُحَمَّدًا
مَا كَانَ مَأْمُورا بشرع أبدا
اخْتلف الْعلمَاء فِي تعبده ﷺ قبل بعثته هَل تعبد بشرع نَبِي من الْأَنْبِيَاء أَو لَا فنفاه جمَاعَة وَعَلِيهِ دلّ النّظم وَقَالَ جمَاعَة إِنَّه ﷺ كَانَ متعبدا بِمَا ثَبت أَنه شرع عِنْده من شَرِيعَة أَي نَبِي لَا أَنه تعبد بشريعة معِين فَمَا صَحَّ لَهُ أَنه من أَحْكَام رسل الله ﵈ لزمَه الْعَمَل بِهِ قَالُوا وَالدَّلِيل أَن الله قد أرسل رسله إِلَى عباده وَلم يَنْقَطِع التَّكْلِيف من بعثة آدم ونوح عُمُوما أَو خُصُوصا كإبراهيم وَمن بعث من وَلَده وَلم يتْرك تَعَالَى عباده هملا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾
стр. 203
فَكل من وجد من عباد الله مَأْمُور بِطَاعَة من بلغه شَرعه قبل الْبعْثَة فَإِن أهمل كَانَ مفرطا آثِما بل يجب عَلَيْهِ تطلب ذَلِك وَقد كَانَ ﷺ يحجّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ شرع إِبْرَاهِيم وَيقف فِي المواقف الشَّرْعِيَّة وَيُخَالف قُريْشًا وَأهل بلدته وَقد كَانَ يَتَحَنَّث أَي يتعبد قبل بعثته فَقيل يتعبد بِمَا بلغه من الشَّرَائِع
وَأما بعد الْبعْثَة فَأَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله ... من قبل ان يبْعَث لَا من بعده ... فَإِنَّهُ كشرعنا فِي حَده ...
فَإِنَّهُ كَمَا تعبد بِالشَّرْعِ الَّذِي بَعثه الله بِهِ وَنسبه النَّاظِم إِلَيْنَا لأَنا مأمورون بِالْعَمَلِ بِهِ وَلم يُقَيِّدهُ بِمَا لم ينْسَخ لِأَنَّهُ إِذا قد نسخ فقد خرج عَن مَحل النزاع وَبَطل كَونه شرعا متعبدا بِهِ فَهُوَ كشرعنا يجب الْعَمَل بِهِ مَا لم ينْسَخ فَفِي قَوْله كشرعنا كِفَايَة عَن التَّقْيِيد بِمَا لم ينْسَخ وَالدَّلِيل على تعبده ﷺ بشرع من قبله بعد الْبعْثَة قَوْله تَعَالَى بعد أَن عد قَرِيبا من عشْرين رسل الله ﴿فبهداهم اقتده﴾ وَثَبت الِاسْتِدْلَال من كَافَّة الْعلمَاء بقوله تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ الْآيَة على الْقصاص فِي هَذِه الْأمة وَهِي من شرع بني إِسْرَائِيل وَالْمرَاد مِنْهُ مَا ذكره الله فِي كِتَابه إِذْ لَا تقبل روايتهم لكفرهم وَلما حَكَاهُ الله من تحريفهم وَإِذا ثَبت تعبده ﷺ بشرع من قبله فَنحْن أَيْضا متعبدون بِهِ هَذَا كَلَام الْجُمْهُور وَقد خالفناهم وَبينا الدَّلِيل على خلاف مَا اختاروه فِي بحث مُسْتَقل
стр. 204
وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم
وَهُوَ لنا أَيْضا دَلِيل يرتضى
وَلَيْسَ الِاسْتِحْسَان إِلَّا مَا قد مضى
هَذِه إِشَارَة إِلَى نفي مَا قَالَه بعض أَئِمَّة الْأُصُول إِن الِاسْتِحْسَان دَلِيل رَابِع وَقد كثر خوض الْعلمَاء فِيهِ وَالْإِنْكَار على مثبتيه حَتَّى قَالَ الشَّافِعِي من اسْتحْسنَ فقد شرع وَعند التَّحْقِيق لَيْسَ هُنَاكَ مَحل يصلح للنزاع لِأَنَّهُ لَيْسَ الْخلاف فِي إِثْبَات الاحكام بالتشهي وميل النَّفس إِلَى شَيْء بِلَا دَلِيل شَرْعِي وَلَا فِي إِطْلَاق لَفظه إِذْ قد ورد فِي الْقُرْآن ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم﴾ وَفِي كَلَام ابْن مَسْعُود مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَلم يَصح أَنه حَدِيث مَرْفُوع بل الْخلاف رَاجع إِلَى معنى اصطلاحي عِنْد مثبتيه
وَقد عرفه فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَغَيره بتعاريف تدل على أَنه لَا يتَحَقَّق اسْتِحْسَان انْفَرد بِهِ الْمُخَالف بل تدل على أَنه رَاجع إِلَى أحد الْأَدِلَّة الْمَاضِيَة وَلذَا قُلْنَا وَلَيْسَ الِاسْتِحْسَان غير مَا مضى أَي مَا هُوَ إِلَّا رَاجع إِلَى حد الْأَدِلَّة الْمَاضِيَة وَقد أَطَالَ ابْن الْحَاجِب ذكر التعريفات لَهُ وردهَا كلهَا بإدخالها فِيمَا مضى وَعدم تحقق الْمُعَرّف بهَا قسما مُسْتقِلّا وَلَا حَاجَة هُنَا إِلَى سردها فَإِن ذكر مَا لَا يُفِيد لَيْسَ مِمَّا يُغير المستفيد وَلما وَقع الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي حجية قَول الصَّحَابِيّ أبانه بقوله
أما الصَّحَابِيّ فَعِنْدَ الجله
مذْهبه لَيْسَ من الأدله ... وكالنجوم يقبل التأويلا
لَو صَحَّ فِي إِسْنَاده لقيلا
стр. 205
قد تقدم نَحْو هَذَا فِي بحث الْإِجْمَاع عِنْد قَوْلنَا وَمَا لَهُ بالخلفا انْعِقَاد إِلَّا أَن هَذِه الْمَسْأَلَة غير تِلْكَ فَتلك فِي جعل اتِّفَاق الْخُلَفَاء إِجْمَاعًا وَهَذِه فِي كَون مَذْهَب الصَّحَابِيّ ورأيه حجَّة لَا رِوَايَته وَلذَا قَالَ مذْهبه فَإِنَّهُ غلب عرفا على الآراء الاجتهادية فَفِي حجيته خلاف قَالَ ابْن الْحَاجِب لَيْسَ حجَّة على صَحَابِيّ آخر اتِّفَاقًا وَالْمُخْتَار وَلَا على غَيره وَذكر غير الْمُخْتَار وأدلته وردهَا كلهَا وَقَوْلنَا لَو صَحَّ فِي إسناه إِشَارَة إِلَى عدم صِحَة حَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَإِنَّهُ رُوِيَ من طرق عَن أنس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَابْنه عبد الله وَلكنه لم يَصح شَيْء من طرقه كَمَا صرح بِهِ الإِمَام أَحْمد وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي رسَالَته الْكُبْرَى إِنَّه مَكْذُوب مَوْضُوع وَقَوله ... بِأَنَّهُ فِي حق من يُقَلّد ...
يتَعَلَّق بالتأويل أَي أَنه لَو صَحَّ لما دلّ على الْمُدعى من أَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ ورأيه حجَّة بل هُوَ إرشاد للمقلد أَنه إِذا قلد أَي صَحَابِيّ فَإِنَّهُ قد اهْتَدَى وَلما فرغ النَّاظِم من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة الْأَرْبَعَة وَمَا ادّعى إِلْحَاقه بهَا وَأَنه لَيْسَ مِنْهَا أَخذ فِي بَيَان دَلِيل الْعقل وَجعله خَاتِمَة نظرا إِلَى إِثْبَات الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة قل وُرُود الشَّرْع فَقَالَ ... خَاتِمَة بهَا السعيد يسْعد ...
وصفهَا النَّاظِم بِمَا ذكر إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا مَبْنِيَّة على قَاعِدَة إِثْبَات التحسين والتتبيح العقليين وَهِي من أُمَّهَات قَوَاعِد الدّين وتقريرها وَمن مهمات الْمُتَيَقن من الْمُحَقِّقين وَهَذِه مَسْأَلَة قد طَار شرر نَار الْخلاف فِيهَا فِي الْآفَاق وتجاذبتها أكف الْجِدَال والشقاق وخبط الْجَمِيع فِي مَوضِع النزاع وتعب فِي إِثْبَاتهَا وردهَا كل فكر ويراع فَنَقُول فِي بَيَان حَقِيقَة الْمَسْأَلَة إِنَّه مَا زَالَ النَّاس فِي كل مِلَّة
стр. 206
كافرهم ومؤمنهم وَأهل الأقطار قاطبة يمدحون المحسن ويذمون الْمُسِيء بعقولهم من دون معرفَة الشَّرَائِع بل من ميز من الصّبيان مدح من أحسن وذم من أَسَاءَ وَهل مدح أهل الْجَاهِلِيَّة لحاتم إِلَّا لإحسانه وَكَرمه الَّذِي أدْركْت عُقُولهمْ حسنه وَهل ذموا مادرا فِي جاهليتهم إِلَّا لبخله الَّذِي أدْركْت عُقُولهمْ قبحه وَهل مدحوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي جاهليتهم قبل بعثته وسموه الصَّادِق الْأمين إِلَّا لِأَنَّهَا أدْركْت عُقُولهمْ حسن الصدْق وَأَنه يمدح من اتّصف بِهِ وَهل ذموا عرقوبا إِلَّا لكذبه وَخلف مواعيده الَّتِي أدركوا بعقولهم قبحه ثمَّ جَاءَ الْإِسْلَام مقررا لهَذِهِ الْفطْرَة السليمة لَا يُنَازع فِيهَا أحد حَتَّى تفرق أهل الْإِسْلَام شيعًا كَمَا تَفَرَّقت الْأُمَم ونشأت العداوات وشب التعصب وشاخ الْإِنْصَاف بل مَاتَ فَقَالَ فرقة من الأشعرية نَحن نسلم أَن الْعقل يدْرك الْحسن وَهُوَ صفة كَمَال وَيدْرك الْقَبِيح وَهُوَ صفة نقص فحاتم متصف بِصفة كَمَال عقلا ومادر متصف بِصفة نقص عقال وَقد اعْترف محققوهم بِأَن صفة النَّقْص هِيَ الْقبْح الْعقلِيّ لما أورد عَلَيْهِم مخالوفهم أَنه حَيْثُ لَا يدْرك الْعقل حسنا وَلَا قبحا فَيجوز أَن يبْعَث الله رسلًا كَذَّابين فَقَالُوا هَذِه صفة نقص لَا تجوز على الله قُلْنَا وافقتم من خالفتم فِي إِثْبَات الْقبْح الْعقلِيّ فَلم يَجدوا جَوَابا لكِنهمْ قَالُوا
إِنَّكُم أَيهَا الطوائف الَّذين أَبَيْتُم الْحسن والقبح عقلا قُلْتُمْ إِن الْعقل يدْرك حكم من اتّصف بالْحسنِ وَأَنه يسْتَحق الْمَدْح عَاجلا والإثابة آجلا وَيدْرك أَن من اتّصف بالقبيح يسْتَحق الذَّم عَاجلا وَالْعِقَاب آجلا ونسبتم إِلَى الْعقل إِدْرَاكه لهذين الْأَمريْنِ وَنحن نخالفكم ونقول لَا يعرف الْعقل إِلَّا أَن المحسن اتّصف بِصفة كَمَال والمسيء اتّصف بِصفة نقص فَلَمَّا خلطوا فِي مَحل النزاع زِيَادَة الْمَدْح عَاجلا والإثابة آجلا انْفَتح بَاب الْجِدَال وَجَاءَت جيوش كل قَبيلَة وَقَالَ وشنت الأشعرية على الْمُعْتَزلَة الغارات وَأتوا بدقائق الْعبارَات وقبائح الإلزامات فشمر الْمُعْتَزلَة وَمن إِلَيْهِم السَّاق ونشروا ألوية الْحَرْب والشقاق وَجَاء الْمُتَأَخّرُونَ من المثبتين فقلدوا فِي تَحْرِير مَحل النزاع النافين وَذَلِكَ كمؤلف شرح غَايَة السُّؤَال وَمن قبله مؤلف الْفُصُول وَغَيرهم
стр. 207
مِمَّن أَخذ تَحْرِير الْبَحْث من مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَنَحْوه وَلم يرجِعوا كَلَام قدماء المثبتين وينظوا كتب الماضين مِنْهُم من الْمُحَقِّقين فخبطوا خبط عشواء لما صدقُوا خصومهم فِي الدَّعْوَى حَتَّى نبه الله بعض المنصفين الْمُحَقِّقين من الْمُتَأَخِّرين فحرر مَحل النزاع وَإِن المثبتين لَا يدْخلُونَ الْمَدْح عَاجلا والإثابة آجلا فِي مَحل النزاع وَكتب الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم منادية بِهَذَا نِدَاء يمْلَأ الأسماع قلت فراجعنا كتب الْمُتَقَدِّمين من المثبتين فَإِذا هِيَ كَمَا قَالَه ذَلِك المُصَنّف من الْمُحَقِّقين فَقُلْنَا نصوصهم فِي حَوَاشِي شرح الْغَايَة الْمُسَمَّاة بالدراية وَذكرنَا فِيهِ
أَن التَّحْقِيق أَنه لَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ وَلَا شقَاق وَلَكِن عدم الْإِنْصَاف أَقَامَ الْحَرْب على سَاق وتحقيقه أَن النافين أثبتوا إِدْرَاك الْعقل لصفة الْكَمَال وَصفَة النَّقْص وَمن الْمَعْلُوم أَن معنى كَونهَا صفة كَمَال أَنه يمدح من اتّصف بهَا وَكَونهَا صفة نقص أَنه يذم من اتّصف بهَا وَالْمرَاد مدحه وذمه من الْعباد إِذْ الْغَرَض أَن هَذَا قبل وُرُود الشَّرَائِع وَهَذَا هُوَ عين مَا قَالَه من أثبت التحسين والتقبيح الْعقلِيّ فَإِنَّهُ قَالَ الْحسن مَا يسْتَحق من اتّصف بِهِ الْمَدْح وَيسْتَحق من اتّصف بالقبح والذم وَغَايَة الْخلاف أَن الْمُثبت قَالَ حسن وقبيح والنافي قَالَ صفة كَمَال وَصفَة نقص وَهَذَا أَي الْمَدْح والذم يَصح تَسْمِيَته إثابة عَاجلا لِأَنَّهُ مُكَافَأَة للمحسن وللمسيء على إساءته فَإِن أهل الْجَاهِلِيَّة مَا كَانُوا يقصدون إِلَّا الثَّنَاء من الْعباد بِمَا يَفْعَلُونَهُ من المكارم وَلذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لابنَة حَاتِم لما قَالَت إِن أَبَاهَا كَانَ يطعم الطَّعَام إِن أَبَاك رام أمرا فأدركه وَهُوَ الْمَدْح على أَن المثبتين لم يصرحوا فِي كتبهمْ بِالْإِثَابَةِ عَاجلا
стр. 208
وَلَا بالعقاب آجلا إِنَّمَا جَاءَت هَذِه الْعبارَة فِي كَلَام النفاة بِمَا نسبوه إِلَى المثبتين فَقُلْنَا نَحن إِنَّه يَصح تَسْمِيَة الْمَدْح بالْحسنِ إثابة من الْعباد لمن أحسن وَلَيْسَ المُرَاد الإثابة من الله قطعا إِذْ الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي كل شَرِيعَة شرعها الله وَلذَا لم يقل أحد من المثبتين إِن الْعقل يدْرك الْعقَاب آجلا إِذْ لَا تعرف أَحْكَام الآجل إِلَّا من رسل الله بعد التشريع
وَإِنَّمَا الْعقل يدْرك قبح الظُّلم بِمَعْنى أَنه يسْتَحق فَاعله الذَّم من الْعباد لاتصافه بالقبيح أَو بِصفة النَّقْص أَو بِصفة الْكَمَال وَالشَّرْع جَاءَ مقررا لهَذَا ومخبرا بالعقاب الأخروي وَالثَّوَاب الأخروي وَالْأول للْأولِ وَالثَّانِي للثَّانِي وَبِهَذَا عرفت اتِّفَاق الْفَرِيقَيْنِ المثبتين والنفاة على إِدْرَاك الْعقل لما ذكر وَلذَا قُلْنَا
لَو انصف النظار لم يصبحوا
فِي كل بحث فرقا شَتَّى ... إِن طَرِيق الْحق مَعْرُوفَة
لَا عوج فِيهَا وَلَا أمتا
أنشدناهما بعد تَحْرِير هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الرسَالَة الْمُسَمَّاة بالأنفاس اليمنية الَّتِي أرسلناها إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة سنة ١١٢٩ هـ وَأما بسطها وَبسط أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ مَعَ الْوَهم فِي تَحْرِير مَحل النزاع فقد أودعناه فِي حَاشِيَة الْغَايَة لِأَنَّهُ بسط هُنَاكَ الْأَقْوَال وَنشر ألوية الجلاد
وَاعْلَم أَن المثبتين أَكثر الْأمة لَيْسَ هم الْمُعْتَزلَة خَاصَّة بل قَالَ بالتحسين والتقبيح الْحَنَابِلَة وَالْحَنَفِيَّة الماتريدية وَعَامة الْمُحَقِّقين من الأشعرية وَالْكَلَام فِي ذَلِك مَعْرُوف فَلَا نطيل نَقله لَكِنَّهَا اشتهرت الْمَسْأَلَة بِأَن الْمُعْتَزلَة يثبتونها والأشعرية ينفونها وَالتَّحْقِيق مَا أسلفناه من الِاتِّفَاق والتوفيق بيد الخلاق وَلَعَلَّه يعجب من يرى هَذَا الْكَلَام من تهويلنا فِي الْمَسْأَلَة مِمَّن لَا يعرف غور نَفيهَا فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ بعض أَئِمَّة الْمُحَقِّقين إِن نَفيهَا يفْتَتح سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج يخرج مِنْهُ كل
стр. 209
بلَاء من نفي حكمه الله ونفيها نفي الشَّرِيعَة من أَصْلهَا إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنه لم يبْق بعد تقرر الشَّرِيعَة لمسألة الْخلاف فِي التحسين والتقبيح فَائِدَة إِذْ بعد حكم الشَّرْع لم يبْق لِلْعَقْلِ مجَال فِي إثْبَاته لشَيْء من الْأَحْكَام إِنَّمَا هَذِه الأبحاث فَرضِيَّة مَبْنِيَّة على انْفِرَاد الْعقل عَن الشَّرْع وَقد عرفناك أَنَّهَا لَا تَخْلُو أمة من شَرِيعَة ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ نعم تَخْلُو عَن معرفَة أَحْكَام شرعها كلهَا بإعراضها عَن التَّعَلُّم كَمَا وَقع فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء وَكم ترى فِي كل مِلَّة حَتَّى مِلَّة الْإِسْلَام من إِعْرَاض كثير عَن تعلم أَحْكَام الْإِسْلَام فَلِذَا قدمنَا لَك أَن الْجَاهِلِيَّة مدحوا من اتّصف بالْحسنِ وذموا من اتّصف بالقبيح بعقولهم لغفلتهم عَن الشَّرَائِع إِلَّا أَنا لم نذْكر من حكم الْعقل إِلَّا مَا يَلِيق بِالْأَصْلِ من الِاخْتِصَار فَقُلْنَا ... إِذا دَلِيل الشَّرْع فِي الحكم انْتَفَى ... كَانَ دَلِيل الْعقل عَنهُ خلفا ...
قد عرفت أَنه بعد وُرُود الشَّرْع لم يبْق لِلْعَقْلِ إِلَّا تَحْسِين مَا حسنه وتقبيح مَا قبحه وَقد جَاءَ مقررا لما كَانَ يُدْرِكهُ الْعقل من الْحسن والقبيح وَصفَة الْكَمَال وَالنَّقْص وَزَاد بِأَنَّهُ الْعقَاب والإثابة ثمَّ فصل الشَّرْع الْأَحْكَام الْخَمْسَة فَكَانَت على مُقْتَضى الْعقل بعد إِقْرَاره بالشريعة فَإِنَّهُ عرفه بمصالح الْأَعْمَال ومفاسدها مِمَّا كَانَ جَاهِلا لَهَا فَعرفهُ أَن الْعقل إِذا اشْتَمَل على مفْسدَة فَإِن فعله حرَام أَو فِي تَركه مفْسدَة فَوَاجِب وَإِن لم يشْتَمل أحد طَرفَيْهِ فعلا أَو تركا على مفْسدَة فإمَّا أَن يشْتَمل على مصلحَة أَو لَا الثَّانِي الْمُبَاح وَالْأول إِمَّا أَن يعرفهُ فِي فعله مصلحَة وَلَيْسَ فِي تَركه مفْسدَة فَهُوَ الْمَنْدُوب أَو فِي تَركه مصلحَة وَلَيْسَ فِي فعله مفْسدَة فَهُوَ الْمَكْرُوه فالمباح بعد تَفْصِيل الشَّرْع الْأَحْكَام بَاقٍ عِنْد الْعقل على مَا كَانَ عَلَيْهِ من قبل وُرُوده لِأَن فَاعله لَا يدْرك الْعقل فِيهِ حسنا وَلَا كمالا إِن فعل وَلَا قبحا وَلَا نقصا إِن ترك كالتظلل تَحت الْأَشْجَار والتفرج على جري الْأَنْهَار لَا لزِيَادَة التَّوْحِيد وَالِاعْتِبَار فَهَذَا لَا يقْضِي فِيهِ الْعقل بِشَيْء كَمَا لَا يقْضِي فِيهِ الشَّرْع بِشَيْء وَبِهَذَا يعرف أَن الْمُبَاح لَيْسَ من قسم الْحسن وَلَا من صفة الْكَمَال وَلَا من قسم مَا يقابلهما فَإِذا فقد حكم الشَّرْع كَانَ حكم الْعقل تبعا لَهُ وخلفا عَنهُ فِي فقد الحكم أَي الاتصاف بِأحد الْأَمريْنِ وَإِلَّا
стр. 210
فمما لِلْعَقْلِ حكم غير مَا ذَكرْنَاهُ من إِدْرَاكه الوصفين فَهَذَا الْبَيْت لَا يُفِيد إِلَّا أَن حكم الْمُبَاح شرعا وعقلا وَاحِد من أَنه لما انْتَفَى حكم الشَّرْع بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيم وَالنَّدْب وَالْكَرَاهَة بَقِي حكم الْعقل فِيهِ بعد الشَّرْع كَمَا كَانَ قبله فِي الحكم أَنه لَا حكم لَهُ فِيهِ بِحسن وَلَا قبح
وأوردنا بالحكم فِي قَوْلنَا فِي الحكم انْتِفَاء الحكم بِمَا فِيهِ مصلحَة فعلا فَيشْمَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب أَو عُقُوبَة أَو مصلحَة تركا فَيشْمَل الْحَرَام وَالْمكْره لِأَنَّهُ الحكم الشَّرْعِيّ الَّذِي أبانه الشَّرْع وفصله وَأما الْإِبَاحَة فالشرع لم يحكم فِيهَا بِشَيْء بل يقابلها على حكم الْعقل بِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا حكم وَإِن عدهَا الأصوليون أحد الْأَحْكَام فَإِنَّمَا هُوَ لحصر الْأَقْسَام فَلِذَا قُلْنَا فِي بَيَان ذَلِك ... فَكلما ينفع من غير ضَرَر ... فَهُوَ مُبَاح الحكم عقلا فِي النّظر ...
بِمَعْنى أَن الشَّرْع سكت عَمَّا ينفع الْبشر من غير إِضْرَار فَلم يحكم عَلَيْهِ بِأحد الْأَحْكَام الَّتِي فِيهَا مصلحَة أَو مفْسدَة فعلا أَو تركا بل تَركه مسكوتا عَنهُ فالعقل يقْضِي أَنه بَاقٍ على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل وُرُوده وَقد كَانَ قبل وُرُوده لَا يَتَّصِف فَاعله بِحسن وَلَا كَمَال وَلَا تَاركه بِنَقص وَلَا قبح كَمَا مثلناه فَهُوَ مُبَاح سَابِقًا ولاحقا وَمَا لَا فقد عرفناك أَن الْعقل لَا حكم لَهُ بِإِيجَاب وَلَا تَحْرِيم وَلَا غَيرهمَا إِنَّمَا يحكم بِأَن فَاعل الْحسن يسْتَحق الْمَدْح من الْعباد وفاعل الْقَبِيح عَكسه يسْتَحق عَكسه مِنْهُم وَلَيْسَ المُرَاد أَنه يسْتَحق أَن يكون حَقًا عَلَيْهِم وَاجِبا يأثمون بِتَرْكِهِ فَإِن التأثيم لَازم للْوَاجِب الشَّرْعِيّ وَالْفَرْض أَنه لَا شرع وَأَنه لَا يعرف إِلَّا من الشَّرْع بل معنى اسْتِحْقَاقه أَن الْعباد بعقولهم يرَوْنَ مدح من اتّصف بالكمال وَالْحسن بِمُقْتَضى الْعقل وَعَكسه فِي عَكسه وَلَيْسَ هُنَا حكم من الْعقل كالأحكام الْخَمْسَة الشَّرْعِيَّة بل حكمه هُوَ إِدْرَاكه لما ذكر لمن اتّصف بِأحد الصفتين وَلَكِن سرى التَّخْلِيط إِلَى المثبتين فَقَالُوا الْعقل حَاكم كالشرع وَقَالُوا فِي الظُّلم محرم عقال وَهُوَ غلط أَو تَعْبِير باللازم عَن ملزومه شرعا فَإِن الظُّلم قَبِيح عقلا وَصفَة نقص لَكِن التَّحْرِيم بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ وَهُوَ أَنه يسْتَحق فَاعله الذَّم والعقوبة أَي من الله وتاركه الْمَدْح والمثوبة أَي مِنْهُ تَعَالَى لَا يعرف
стр. 211
إِلَّا من جِهَة الشَّرْع اتِّفَاقًا وَإِلَّا لما احْتِيجَ إِلَى رَسُول الله ولخالف قَوْله تَعَالَى ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ نعم نَهْيه تَعَالَى عَن الظُّلم لقبحه عقلا وَأمره بِالْعَدْلِ لحسنه عقلا وَلذَا قُلْنَا إِن التَّحْرِيم مثلا مُلْزم للقبيح عقلا لَكِن لما خلطوا مَحل النزاع وقلدوا فِي نَقله من كتب خصومهم جروا فِي التَّفْرِيع عَلَيْهِ وَهُوَ تَفْرِيع على تَخْلِيط
وَاعْلَم أَن هَذَا التَّحْقِيق لَا تَجدهُ فِي كتاب على هَذَا التدريج وَالْبَيَان لِأَن تَخْلِيط الْبَحْث قديم وَمَشى عقبه كل مُحَقّق فيهم بِسَبَب تَقْلِيد الْخُصُوم وإحسان الظَّن بهم وَأَنَّهُمْ لَا ينقلون عَن خصومهم إِلَّا حَقًا وَهَذَا شَيْء لَا أصل لَهُ وَلَا يَنْبَغِي لناظر لنَفسِهِ ومتأهب لحلول رمسه أَن يُقَلّد الْخُصُوم فِي النَّقْل عَن خصومهم فكم رَأينَا من تَخْلِيط فِي الدَّعْوَى وَالِاسْتِدْلَال وَلذَا حرم الله قبُول شَهَادَة الْخصم على خَصمه وَنقل الْمذَاهب والإخبار عَنْهَا وَعَن أدلتها شهدة قَالَ الله تَعَالَى فِي الَّذين قَالُوا إِن الْمَلَائِكَة إِنَاثًا سنكتب شَهَادَتهم ويسألون لما قَالَ ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ وَإِنَّمَا أخبروا بذلك فَكل خبر شَهَادَة
وَلَقَد طَال الْكَلَام إِلَّا من عرف الْمَسْأَلَة فِي كتب الْأُصُولِيِّينَ لَا يرَاهُ طَويلا بل يرَاهُ قد أحيى من الْحق قولا كَانَ قَتِيلا
وَإِذا عرفت هَذَا فَهَذَا الحكم من الْعقل هُوَ عدم الحكم شرعا وَهُوَ الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة وَهُوَ الِاسْتِصْحَاب الْعقلِيّ ثمَّ نَشأ عَن هَذَا الِاخْتِلَاف اخْتِلَاف فِي حكم الْعقل قبل وُرُود الشَّرْع فِيمَا لَا يقْضِي فِيهِ الْعقل بمدح ولازم وَهُوَ الْمُسَمّى بالمباح لُغَة لَا شرعا إِلَى ثَلَاثَة أَقْوَال الأول مَا أسلفناه من أَنه لَا حكم لَهُ فِيهِ بل هُوَ مُبَاح وَالثَّانِي وَالثَّالِث أَشَرنَا إِلَيْهِ بقولنَا
وَقيل بالحظر أَو الْوَقْف لنا
إِنَّا علمنَا حسنه كعلمنا ... بِحسن الانصاف وقبح الظُّلم
هَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ ذَوي الْعلم
قد عرفت ان الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة على انْفِرَاد الْعقل من الشَّرْع والحظر الشَّرْعِيّ الَّذِي من لَازمه الْعقَاب الأخروي لَا يعرف إِلَّا من الشَّرْع فَلَا بُد أَن
стр. 212
يُرَاد بالحظر هُنَا الْقبْح الْعقلِيّ أَو صفة النَّقْص فِي مُقَابلَته بقولنَا علمنَا حسنه مَا يدل لذَلِك الْقَائِلُونَ بِأَن الاستظلال تَحت الْأَشْجَار قبح عَقْلِي لَا ينْهض لَهُم دَلِيل إِذْ الْقبْح الْعقلِيّ لَازمه أَو مَعْنَاهُ حسن ذمّ الْعُقَلَاء لَهُ بِمَا فعله وَمَعْلُوم أَن هَذَا الاستظلال من حَيْثُ هُوَ لَا يستحسن عَاقل أَن يذم فَاعله وَلَا يعده صفة نقص وَلَا صفة كَمَال وَأما اسْتِدْلَال من قَالَ إِن الأَصْل الْحَظْر وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الإمامية وَجَمَاعَة غَيرهم بِأَنَّهُ تصرف فِي حق الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فجوابة أَن الْعقل لَا يقْضِي بقبح هَذَا الاستظلال وَلَا يعده تَصرفا بل يعد من يمْنَع المستظل فَاعل قَبِيح ومرادهم بِالْغَيْر هُوَ الرب تَعَالَى فَإِنَّهُ الْمَالِك للأكوان وَمَا فِيهَا على أَن هَذَا مَبْنِيّ على أَن المعارف ضَرُورِيَّة وَإِلَّا فَقيل مَجِيء الشَّرْع مَا قد عرف الْعقل أَن الأَرْض لله وَأَنه تَعَالَى مَالِكهَا وَمَالك مَا فِيهَا وَمَا أَظن هَذَا الدَّلِيل إِلَّا قَالَه من لم يحرر مَحل النزاع
وَأما الْوَاقِف فَقَوله مُشكل لِأَن الْعقل من حَيْثُ هُوَ لَا يتَوَقَّف فِي وصف شَيْء بِحسن أَو قبح أَو بعدمهما فَإِن حكمه بالأوصاف جبلي فطري والمتوقف إِنَّمَا يتَوَقَّف عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة عِنْده فَهَذَا من قبيل الْمَسْأَلَة الأولى
وَأما القَوْل بِأَنَّهُ مُبَاح وَهُوَ أولى الْأَقْوَال كَمَا عرفت فَإِن الْقَائِلين بِهِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي أصل النّظم قَالُوا إِن مثل ذَلِك حسن عِنْد الْعقل فَمَعْنَاه أَو لَازمه أَنه يستحسن الْعُقَلَاء الثَّنَاء على فَاعله وَالرَّفْع من شَأْنه وَنحن نقُول إِن كَون زيد يستظل تَحت الشَّجَرَة أَو يتمشى فِي الْبَريَّة لَا يستحسن الْعُقَلَاء فعله وَلَا يستقبحونه فَلَا يمدح بِهِ وَلَا يذم فَاعله أَلا يصدق عَلَيْهِ حَقِيقَة الْحسن وَلَا الْقَبِيح فَلَا بُد من تَأْوِيل قَول إِنَّه حسن أَي لَيْسَ بقبيح لَا أَن لَهُ مَاهِيَّة الْحسن وَإِن كَانَ قَوْله كعلمنا بِحسن الْإِنْصَاف لَا يساعد هَذَا التَّأْوِيل إِذْ حسن الْإِنْصَاف يصدق عَلَيْهِ حَقِيقَة الْحسن عقلا وقبح الظُّلم يصدق عَلَيْهِ حَقِيقَة الْقبْح عقلا وهما صفتا كَمَال وَنقص بِلَا ريب فَأَيْنَ التمشي فِي البراري
стр. 213
من ذَلِك وَلذَا قُلْنَا هَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ ذُو الْعلم ونسبناه إِلَى قَائِله حَيْثُ لَا نرتضيه
إِذا عرفت هَذَا فالأشياء قبل الشَّرْع لَا حكم فِيهَا شَرْعِي ضَرُورَة أَنَّهَا مَفْرُوضَة قبل وُرُوده وَالْعقل حكمه اسْتِحْسَان الْحسن بِالرَّفْع من شَأْن فَاعله ومدحه واستقباح الْقَبِيح بِالْوَضْعِ من شَأْن فَاعله وذمه وَلَيْسَ لَهُ حكم يسْتَلْزم عقَابا أخرويا فعندهم من ظلم زيدا بِأخذ مَاله وَسبي حريمه فَاعل قَبِيح يستحسن الْعُقَلَاء ذمه والانتصاف مِنْهُ والمحسن إِلَى زيد بِأَيّ إِحْسَان على عَكسه وَأما أَنه هَل يُوجب شَيْئا إِيجَابا شَرْعِيًّا أَو يحرمه تَحْرِيمًا شَرْعِيًّا فَهَذَا شَيْء لَا يعرفهُ الْعقل إِلَّا من جِهَة الشَّرْع وَالْفَرْض أَنه لَا شرع إِذْ من لَازم الْإِيجَاب الإثابة وَالْعِقَاب فعلا أَو تركا وَمن لَازم التَّحْرِيم ذَلِك كَذَلِك فَإِذا قَالُوا وَاجِب عَقْلِي فَلَا يحمل إِلَّا على أَنه حسن عِنْد الْعقل وَالْحسن عِنْده يقْضِي بالحث على فعله والاتصاف بِهِ لِأَن الاتصاف بِمَا يَقْتَضِي حسن الذّكر وَالثنَاء عِنْد الْعباد مَحْمُود عِنْد الْعُقَلَاء قطعا وَهُوَ صفة كَمَال بِلَا ريب والاتصاف بِخِلَافِهِ فَهَذَا معنى الْإِيجَاب عقلا وكل هَذَا مَبْنِيّ على التَّحْقِيق لَا على مَا قَالَه كل فريق من المتنازعين فَإِنَّهَا قد شبت العصبية نَار الْغَضَب حَتَّى لَا ينظر فريق من كَلَام فريق إِلَّا بِعَين الرَّد والإزراء وغلا كل فِيمَا قد مهدت لَهُ شُيُوخ مذْهبه وَلَقَد غلت الْمُعْتَزلَة فِي الْمَسْأَلَة غلوا عجيبا حَتَّى جعلُوا الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة ألطافا فِي الْوَاجِبَات الْعَقْلِيَّة وَغير ذَلِك وقابلهم فريق الأشعرية فَقَالُوا لَا يدْرك الْعقل حسنا وَلَا قبحا وَلَا حكم لَهُ أصلا وتفرع عَن هَذَا دواهي من نفي الْحِكْمَة وَلَو نظر كل فريق نظر الْإِنْصَاف وقرروا مَحل النزاع لكانوا على طَريقَة وَاحِدَة ومنهاج قويم ﴿وَإِن رَبك ليحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ومؤلف الفواصل ﵀ قد أَشَارَ إِلَى مَا حققناه جملَة وسلك فِي شرح الأبيات وبيانها بِكَلَام الْجُمْهُور هَذَا
وَلما نجز الْكَلَام ببحث أَدِلَّة الْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس أَخذنَا فِي أبحاث تتَعَلَّق بِالدَّلِيلِ وبدأنا بالمنطوق مِنْهَا وَالْمَفْهُوم فَقُلْنَا
стр. 214
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث فِي الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم
ثالثهما الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم
منطوقها مَا دلّ يَا فهيم ... عَلَيْهِ لفظ فِي مَحل النُّطْق
أَي ثَالِث الْعشْرَة الْأَبْوَاب الَّتِي رتب عَلَيْهَا الْكتاب الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم بِالْمَعْنَى الاصطلاحي لَا بِمَعْنى مَا يفهمة السَّامع من الْخطاب فَإِنَّهُ شَامِل لَهما وَقدم الْمَنْطُوق لكَونه أقوى دلَالَة فَقَوله منطوقها أَي الدّلَالَة وَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا من أَقسَام الدّلَالَة كَمَا بنى عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب وَمن تبعه فكلمة مَا مَصْدَرِيَّة عبارَة عَن الدّلَالَة على هَذَا أَي دلَالَة اللَّفْظ على الْمَدْلُول حَال كَونه حَاصِلا فِي مَحل النُّطْق فَالضَّمِير فِي عَلَيْهِ يعود إِلَى الْمَدْلُول الْمَفْهُوم من الْمقَام وَفِي مَحل النُّطْق ظرف مُسْتَقر حَال من ضمير الْمَدْلُول وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة أَي مَحل هُوَ اللَّفْظ الْمَنْطُوق وَالْمرَاد بِكَوْن الْمَعْنى مدلولا عَلَيْهِ بِمحل النُّطْق أَنَّهَا لَا تتَوَقَّف استفادته من اللَّفْظ إِلَّا على مُجَرّد النُّطْق لَا على الِانْتِقَال من معنى آخر إِلَيْهِ فَالْمَعْنى فِيمَا أَفَادَهُ النّظم أَن الْمَنْطُوق دلَالَة اللَّفْظ على معنى فِي مَحل النُّطْق وَمحل النُّطْق هُوَ اللَّفْظ
стр. 215
فَلِذَا يفسرونه بِكَوْنِهِ حكما للفظ وَحَالا من أَحْوَاله وَالْقَوْل بِأَن النُّطْق حَرَكَة اللِّسَان فاللسان مَحل النُّطْق صَحِيح وَاللَّفْظ أَيْضا مَحل للمعنى وَلذَا يُقَال الْأَلْفَاظ قوالب الْمعَانِي فاللسان مَحل النُّطْق والنطق مَحل الْمَعْنى فَهُوَ مَحل ثَان فَيصح جعله محلا وَيصِح أَن يُقَال النُّطْق بِمَعْنى الْمَنْطُوق بِهِ وَهُوَ اللَّفْظ وَهُوَ مَحل قطعا ثمَّ إِنَّهُم أَرَادوا بِالدّلَالَةِ مَا يَشْمَل الْمُطَابقَة والتضمنية والالتزامية كَمَا ستعرفه وَإِن الْكل من قسم الْمَنْطُوق وستعرف إِن شَاءَ الله مَا فِيهِ
وَاعْلَم أَن الدّلَالَة المطابقية هِيَ دلَالَة اللَّفْظ على كل معنى وَذَلِكَ كدلالة لفظ إِنْسَان على الْحَيَوَان النَّاطِق فَهَذِهِ مطابقية طابق اللَّفْظ فِيهَا الْمَعْنى أَي ساواه فَلم ينقص اللَّفْظ عَن مَعْنَاهُ وَلَا الْمَعْنى عَنهُ وَهَذِه دلَالَة اللَّفْظ على حَقِيقَة مَعْنَاهُ وَهِي المتبادرة عِنْد إِطْلَاق الدّلَالَة وَعند إِطْلَاق اللَّفْظ وَقد يُرَاد بِهِ الدّلَالَة على جُزْء مَعْنَاهُ كَأَن يُطلق لفظ إِنْسَان على حَيَوَان فَقَط أَو على نَاطِق فَقَط فَهَذِهِ هِيَ الدّلَالَة التضمنية دلَالَة اللَّفْظ على جُزْء مَا وضع لَهُ وَهِي من أَقسَام الْمجَاز لِأَنَّهُ أطلق الْكل وَهُوَ لفظ إِنْسَان وَأُرِيد بِهِ جزؤه وَهُوَ أحد الجزئين وَأهل الْأُصُول يجْعَلُونَ دلَالَة التضمن وضعية وَأهل الْمعَانِي وَالْبَيَان يسمونها عقلية وعَلى كل تَقْدِير فَهُوَ من الْمجَاز وَلَا بُد لَهُ من العلاقة والقرينة فالعلاقة قد ذَكرنَاهَا آنِفا وَأما الْقَرِينَة فأنواعها مَعْرُوفَة وَقد يُرَاد بِاللَّفْظِ الدّلَالَة على لَازم مَعْنَاهُ كَمَا إِذا أطلق إِنْسَان وَأُرِيد بِهِ ضَاحِك مثلا فَإِنَّهُ لَازم لَهُ ودلالته عَلَيْهِ عقلية عِنْد الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ مجَاز أَيْضا من إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم وتفاصيل هَذِه الأبحاث فِي علم الْمنطق وَمَا ذَكرْنَاهُ كَاف لما نَحن بصدد بَيَانه إِن شَاءَ الله ثمَّ قسم مَا يفِيدهُ اللَّفْظ إِلَى قسمَيْنِ أَشَارَ إِلَيْهِمَا قَوْله
وخذه قسمَيْنِ على مَا ألقيا
الأول قَوْله
فَإِن أَفَادَ اللَّفْظ معنى وَاحِدًا
لَا غَيره فسمه مساعدا ... نصاله الدّلَالَة القطعية
следующие страницы →