Полный текст (428 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ثمَّ قَالَ مَا لَفظه وَقد اعْترض الأول بِمثل أَن أهل الْبَيْت هم أَزوَاجه ﷺ اللَّاتِي فِي بيوته لِأَن أول الْآيَة وَآخِرهَا فِيهِنَّ وَلَو سلم فَإِنَّمَا يثبت ذَلِك فِي حق عَليّ وَفَاطِمَة والحسنين لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَجه إِلَيْهِم فَلَا يتم وَمَا أردتم وَلَو سلم فالرجس هُوَ مَا فحش من الْمعاصِي وَلَو سلم فَلَا نسلم تنَاوله للخطأ المعفو عَنهُ وَلَو سلم فغايته الظُّهُور وحجية الْإِجْمَاع أصل كلي لَا يثبت بِالظَّاهِرِ على أَن قَوْلكُم فِي تبرير الِاسْتِدْلَال فِي الْآيَة وَلَا بُد من وُقُوع مَا أَرَادَهُ الله من أَفعاله قد أُجِيب عَنهُ لِأَن ذَلِك فِيمَا لم يعلقه بِاخْتِيَار الْمُكَلّفين لَا كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ يردي تطهيرهم عَن الرجس باختيارهم لَا بإجباره لَهُم عَلَيْهِ وَإِلَّا لم يُوجد فيهم عَاص وَهُوَ خلاف الْمَعْلُوم وَأما الِاسْتِدْلَال بالأحاديث فَإِنَّهُ قَالَ الإِمَام الْحسن أَيْضا إِنَّه أورد عَلَيْهِ أَن لَا نسلم تواترها لَا لفظا وَهُوَ ظَاهر وَلَا معنى إِذْ لم يحصل لنا الْجَزْم بِمَعْنَاهُ وَكَونه حصل لكم لَا يفيدنا وَلَو سلم فَلَا يَقْتَضِي خطأ الْمُخَالف لِأَنَّهُ فرع ثُبُوت الْمَفْهُوم وَلَا نقُول بِهِ وَلَو سلم فغايته الظَّن وَهُوَ لَا يجدي فِيمَا نَحن بصدده وَلَو سلم فَهُوَ مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَن مقتضا خطأ اتِّبَاع الْكتاب وَحده لإِفَادَة الْوَاو الجمعية وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع وَلَو سلم فَإِنَّمَا يُفِيد وجوب الِاتِّبَاع حَيْثُ اتّفق الْكتاب وَقَول العترة وَالْحجّة حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ الْكتاب وَلَو يسلم فغايته الظُّهُور فَلَا يثبت بِهِ أصل كلي ثمَّ قَالَ وللأصحاب أجوبة عَن بعض ذَلِك وَلَيْسَ فِيهَا مَا يخرج تِلْكَ الْأَدِلَّة عَن حيّز الظُّهُور إِلَى حيّز الْقطع انْتهى بِأَكْثَرَ أَلْفَاظه
وَأَقُول بعد هَذَا إِنَّه لَا يخفى أَن أهل الْبَيْت قد نشر الله مِنْهُم الْكثير الطّيب فِي جَمِيع أقطار الدُّنْيَا بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهُم قطر بل هم رُؤُوس النَّاس فِي أقطار الْإِسْلَام فهم مُلُوك الْيمن كَابِرًا عَن كَابر من ثَلَاثمِائَة سنة إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَنحن فِي الْقرن الثَّانِي عشر وَإِن تخَلّل تغلب الْبَعْض من غَيرهم بإمارة وهم أَيْضا مُلُوك مَكَّة فِي الْغَالِب وهم مُلُوك الْعَجم فِي الْغَالِب وملوك الْعَرَب وتضم فِي جَمِيع الأقطار الرومية الَّتِي ملكهَا صَاحب الرّوم نقباء الْأَشْرَاف وَلَا ريب أَن فِي كل قطر عُلَمَاء مِنْهُم أَئِمَّة محققون وَبِالْجُمْلَةِ تفرقهم فِي الْآفَاق كتفرق الْأمة الإسلامية فِي الأقطار وَقد اتسعت لأهل الْبَيْت ﵈ دولة
стр. 142
قَوِيَّة فِي الْجَبَل والديلم مُدَّة طَوِيلَة وَإِذا عرفت أَن الْإِحَاطَة بِمَعْرِِفَة أَقْوَال مجتهديهم متعذرة لَا سِيمَا وَمِنْهُم شافعية وحنفية ومالكية وحنابلة كل أهل قطر على رَأْي من ينشؤون فِي أَرض مذْهبه وَمِنْهُم من أحَال الِاجْتِهَاد بعد الْأَرْبَعَة الْمذَاهب وَفِيهِمْ قَائِلُونَ بِهَذَا وَبِهَذَا يَتَقَرَّر أَنه لَا سَبِيل إِلَى معرفَة إِجْمَاعهم أصلا وَقد تَقول طَائِفَة مِمَّن شَارف على عُلُوم الْآل فِي قطر من الأقطار كَأَهل الْيمن وَرَأى كتابا من كتبهمْ فِيهِ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة أجمع عَلَيْهَا العترة كَمَا يَدعُونَهُ فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أَنه أجمع العترة على عدم شرعيته أَو على نسخه وَالْحَال أَنه ثَبت وَصَحَّ القَوْل بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا عَن إِمَام العترة بل إِمَام الْمُسلمين عَليّ بن أبي طَالب ﵇ فتراه أَي من اطلع على دَعْوَى إِجْمَاع أهل الْبَيْت يُجَادِل بِهِ بِمَا يضلل ويضلل من خَالفه وَيَقُول خَالف إِجْمَاع أهل الْبَيْت وَهَذَا من الغباوة وَالْجهل بِحَقِيقَة إِجْمَاع الْآل بل الْجَهْل بالآل فَإِنَّهُ لم يخرج الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن ﵇ إِلَى الْيمن إِلَّا وَقد تفرق أَئِمَّة الْآل وعلمائهم فِي الأقطار الشاسعة والبلدان الواسعة وَقد وصل الغرب الْأَقْصَى أَئِمَّة مِنْهُم لَا تعرف أَقْوَالهم كَالْإِمَامِ إِدْرِيس بن عبد الله وَذريته وَوصل أَوْلَاد مُحَمَّد بن عبد الله النَّفس الزكية بعد قَتله إِلَى الْهِنْد إِلَى أَرض كابل فليتق الله عبد
стр. 143
وجد دَعْوَى إِجْمَاعهم عَن القَوْل بِهِ والتضليل لمن خَالفه والتفسيق لمن أنكرهُ فقد ولع الْجُهَّال من أَتبَاع أَئِمَّة الْمذَاهب والتضليل لمن خَالفه والتفسيق لمن أنكرهُ فقد ولع الْجُهَّال من أَتبَاع أَئِمَّة الْمذَاهب بِدَعْوَى إِجْمَاع الْأَئِمَّة وَدَعوى إِجْمَاع الْآل من غير تَقْدِير وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سلف من إِحَالَة معرفَة إِجْمَاع الْأمة بل إِحَالَة وُقُوعه وَكذب ناقله ومدعيه نقُوله هُنَا أَيْضا فَإِن قلت فَإِذا لم تقم الْآيَات وَالْأَحَادِيث أَدِلَّة على إِجْمَاعهم وَأَنه حجَّة وَمَعْلُوم أَن أَقْوَال أفرادهم غير حجَّة وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الْأَمر باتبَاعهمْ وَأَنَّهُمْ قرناء الْقُرْآن لَا يفارقونه فَمَاذَا تكون فَائِدَة تِلْكَ الْأَدِلَّة قلت قد بسطنا الْجَواب عَن هَذَا فِي حاشيتنا على كتاب تيسير الْوُصُول الْمُسَمَّاة بالتحبير على التَّيْسِير بِمَا فِيهِ الشفا بِحَمْد الله فلينظره من أَرَادَهُ
مَسْأَلَة
وَإِن أَتَى لأمة الْمُخْتَار
قَولَانِ فِي عصر من الْأَعْصَار ... فَجَائِز إِحْدَاث مَا لم يرفع
كَذَا دَلِيل ثَالِث ورابع ... كَذَلِك التَّعْلِيل والتأويلا
هَذَا إِلْمَام بمسائل تتصل ببحث الْإِجْمَاع الأولى أَنه إِذا اخْتلف أهل عصر على قَوْلَيْنِ فَهَل يجوز إِحْدَاث قَول ثَالِث فَفِي الْمَسْأَلَة لعلماء الْأُصُول إطلاقان وتفصيل وَذكر الْقَوْلَيْنِ تَرْجِيح منا لما ترجح منا كَمَا فِي ذَلِك القيل
стр. 144
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلنَا كَذَا دَلِيل ثَالِث أَي كَذَا جَائِز إِحْدَاث دَلِيل ثَالِث ورابع وَذَلِكَ أَنه إِذا اسْتدلَّ أهل الْعَصْر على مَسْأَلَة بدليلين مثلا فَإِنَّهُ قد قيل لَا يجوز إِحْدَاث غير مَا استدلوا بِهِ لِأَنَّهُ خُرُوج عَن سبيلهم وَهَذَا قَول ضَعِيف لِأَن الْمَطْلُوب من الْأَدِلَّة أَحْكَامهَا لَا أعيانها والممنوع مُخَالفَة الحكم لَا مُخَالفَة الدَّلِيل وَقيل بل يجوز إِحْدَاث ذَلِك وَهَذَا الَّذِي أَفَادَهُ النّظم بقوله دَلِيل ثَالِث فَإِن الْإِشَارَة بقوله كَذَا إِلَى جَوَاز لَا إِلَى التَّفْصِيل السَّابِق فِي الْبَيْت الأول إِذْ لَا يتَصَوَّر جَرَيَانه فِيمَا نَحن فِيهِ وَالتَّقْيِيد بقولنَا ثَالِث تبع للْأَصْل وَأَصله المعيار وكأنهما أَرَادَا مثلا فَإِن الْخلاف وَاقع من غير شَرْطِيَّة تَقْدِيم دَلِيلين فَلَو اتّفق أهل الْعَصْر على دَلِيل جَاءَ الْخلاف فِي إِحْدَاث دَلِيل غَيره وَالدَّلِيل لما اخترناه من الْجَوَاز أَن إِحْدَاث دَلِيل غير دليلهم لَا مُخَالفَة فِيهِ لما أَجمعُوا عَلَيْهِ وَلَا رفع لما أحدثوه ثمَّ إِن الْمَطْلُوب من الْأَدِلَّة أَحْكَامهَا كَمَا عرفت وَحكي عَن
стр. 145
ابْن حزم الْمَنْع إِذا كَانَ الدَّلِيل الَّذِي أحدث الِاسْتِدْلَال بِهِ من تَأَخّر نَص لم يعرفهُ الْأَولونَ لَا إِذا لم يكن كَذَلِك فَيجوز وَكَأَنَّهُ نَاظر إِلَى مَسْأَلَة هَل يجوز عدم علم الْأمة بِدَلِيل رَاجِح عمِلُوا بِمَا اقْتَضَاهُ فَقيل لَا يجوز لِأَن الرَّاجِح سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَيلْزم من عَمَلهم بِغَيْر سلوكهم غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَهُوَ لَا يجوز عَلَيْهِم وَجَوَابه إِنَّا لَا نسلم أَنه يتَعَيَّن إطلاعهم على الدَّلِيل الرَّاجِح فَلم يكن فِي عدم اطلاعهم عَلَيْهِ مخالفتهم سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الَّذِي توعد على مُخَالفَته سبيلهم هُوَ مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وسلكوه وَالدَّلِيل الرَّاجِح الَّذِي جهلوه لم يتَحَقَّق كَونه سَبِيلا للْمُؤْمِنين قد سلكوه نعم من شَأْنه أَن يكون سَبِيلا لَهُم وَفرق بَين صلاحيته بِأَن يكون سَبِيلا لَهُم وَبَين كَونه قد ثَبت وَتحقّق أَنه سبيلهم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا اخْتلفُوا فِي تَعْلِيل حكم بعلة فَهَل يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث عِلّة أُخْرَى لذَلِك الحكم الْمُخْتَار جَوَاز ذَلِك أَيْضا إِذْ لَا مُخَالفَة لمن سبق تقضي بِبُطْلَان تَعْلِيلهم واقتصار الْأَوَّلين على عِلّة لَا يقْضِي بِالْمَنْعِ من إِحْدَاث غَيرهَا وَمن قَالَ لَا يجوز علل ذَلِك بِبَيْت العنكبوت كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلما كَانَ الْإِجْمَاع يَنْقَسِم إِلَى قولي وفعلي وسكوتي فَلَا بُد من طَرِيق توصل إِلَى معرفَة وُقُوعه أَشَارَ النّظم إِلَى الْأَوَّلين فَقَالَ
فأسلك إِلَى الْعلم بِهِ سَبِيلا ... سَماع مَا قَالُوهُ والمعاينه
وَالنَّقْل عَن كل على مَا عاينه
стр. 146
قَوْلنَا سَماع بدل من سَبِيلا وَهَذِه هِيَ الطَّرِيق الأولى أَعنِي سَماع قَول كل مُجْتَهد وَهِي أَعْلَاهَا وأعزها وجودا وَالثَّانيَِة المعاينة وَهِي أَن يعاين أهل الْإِجْمَاع يَفْعَلُونَ فعلا من الْأُمُور الشَّرْعِيَّة أَو يتركونه وَيعرف بقرائن الْمقَال مُرَادهم فَإِنَّهُ يكون إِجْمَاعًا وهوالمسمى بِالْإِجْمَاع الْفعْلِيّ
وَإِلَى الثَّالِث بِمَا أَفَادَهُ قَوْله
أَو بَعضهم مَعَ الرِّضَا مِمَّن سكت
قَوْله أَو بَعضهم عطف على قَوْله كل أَي أَو ينْقل عَن بَعضهم وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاع الْمَعْرُوف بالسكوتي وَهُوَ أَن ينْقل عَن بعض أهل الْإِجْمَاع قولا أَو فعلا أَو تركا يَقُوله ذَلِك الْمُجْتَهد مَعَ رِضَاء البَاقِينَ من أهل الِاجْتِهَاد بِمَا قَالَه من الحكم ورضاهم يعرف بِأحد أُمُور ثَلَاثَة أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْله
واعرفه مِنْهُم بامور قد أَتَت ... بفقد إِنْكَار مَعَ اشتهار
وَمَا لَهُم عذر من الْإِنْكَار ... وَكَونه مِمَّا المحق فِيهِ
فَرد وَهَذَا عِنْد مثبتيه
الأول من الثَّلَاثَة الَّتِي يعرف بهَا رضى أهل الْإِجْمَاع فقد الْإِنْكَار أَي عدم إنكارهم مقَالَة ذَلِك الْبَعْض وَلَكِن لَا يَكْفِي فِي ذَلِك فقد الْإِنْكَار إِلَّا بِشَرْط اشتهار الْمَسْأَلَة وانتشارها كَمَا قيدناه بِهِ إِذْ لَو لم تشتهر لم يدل السُّكُوت على الرِّضَا لجَوَاز أَنهم مَا عرفوها
الثَّانِي أَنه يشْتَهر وَلَا يكون لَهُم عذر من الْإِنْكَار كخوفهم من الْفرْقَة والفتنة وَغَيرهمَا مِمَّا يُبِيح السُّكُوت عَن الْإِنْكَار وَهُوَ التأدية إِلَى أنكر مِنْهُ أَو عدم قبُوله
الثَّالِثَة أَن تكون الْمَسْأَلَة من الْمسَائِل القطعية كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله مِمَّا المحق فِيهِ فَرد إِذْ المخطىء فِيهِ آثم فَلَو لم يكن السُّكُوت عَن رضى لأنكروه لوُجُوبه وَلَو لم ينكروه مَعَ ذَلِك لكانوا قد أَجمعُوا على ضلاله
стр. 147
وهم معصومون عَنْهَا فَمَا سكتوا إِلَّا لموافقتهم لَهُ فِيمَا قَالَه فَكَانَ إِجْمَاعًا وَهَذَا فِي الْمسَائِل القطعية لَا الاجتهادية إِذْ الْقَائِلُونَ بِأَن الْحق فِيهَا مَعَ وَاحِد يَقُولُونَ إِن مخالفه مخطىء لكنه مأجور فَلَا يُنكر عَلَيْهِ والقائلون بالتصويب اخْتلفُوا فِي كَونه إِجْمَاعًا ثمَّ إِنَّهُم قيدوا أصل الْمَسْأَلَة بِأَن يكون قبل انتشار الْمذَاهب إِذْ بعد تقررها قد جرت الْعَادة بِعَدَمِ النكير على من خالفها وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هَل يكون إِجْمَاعًا أَولا فَقَالَ جمَاعَة إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع وَلَا حجَّة وَهُوَ مُخْتَار الإِمَام يحيى وَقَالَ إِنَّه الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الزيدية وَأكْثر الْمُعْتَزلَة وَمَال إِلَيْهِ أهل الظَّاهِر وارتضاه الْغَزالِيّ وَبِه قَالَ الباقلاني وَادّعى أَنه آخر الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ إِذْ قَالَ الشَّافِعِي لَا ينْسب إِلَى سَاكِت قَوْله وَنسب إِلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَإِلَيْهِ يُشِير قَول النَّاظِم وَهَذَا عِنْد مثبتيه فَإِنَّهُ مشْعر بِأَنَّهُ لَا يَقُول بِهِ وَهُوَ هَكَذَا عندنَا غير إِجْمَاع وَلَا حجَّة وَذَلِكَ لِكَثْرَة احْتِمَال السُّكُوت من التقية والتروي فِي الْمَسْأَلَة وَعدم تقرر النّظر أَو يرى أَنه لَو انكر لما الْتفت عَلَيْهِ وَأَن من لَا يرى النكير فِي الْمسَائِل الخلافية إِن كَانَت مِنْهَا وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يبْقى لاحْتِمَال رضاهم مَعَه مجَال وَقد أوضحنا ذَلِك فِي رِسَالَة تَطْهِير الِاعْتِقَاد إيضاحا لَا يبْقى مَعَه شكّ عِنْد النقاد وَبينا أَن الْإِجْمَاع الَّذِي يسمونه
стр. 148
سكوتيا لَا يدْخل فِي مدَاخِل الْأَدِلَّة وَلَا يحوم حول حمى من أحمتها عِنْد الجلة
وَذهب الْأَكْثَر من الْحَنَفِيَّة إِلَى أَنه إِجْمَاع قَالُوا لِأَنَّهُ لَو شَرط السماع عَن كل مُجْتَهد لتعذر وُقُوعه خلاف مَا قد تقرر أَي من علم تعذر وُقُوعه قلت وَفِيه مَا عَرفته من عدم نهوض الدَّلِيل على وُقُوعه وثبوته وَذهب جمَاعَة من عُلَمَاء العترة إِلَى أَنه حجَّة ظنية لَا إِجْمَاع واختارة الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب قَالُوا لِأَن السُّكُوت مَعَ انتشار الْفتيا انتشارا يبعد مَعَه أَن يخفي على الْمُجْتَهد من أهل الْعَصْر وَلم يَقع من أحد مُخَالفَة ظَاهِرَة فِي الْمُوَافقَة قَالُوا تِلْكَ الِاحْتِمَالَات لَا تدفع الظُّهُور قَالُوا وَأَقل مراتبه أَن يكون كالقياس وظواهر الْآحَاد وَلَا يتم هَذَا إِذْ الْآحَاد وَالْقِيَاس قد قَامَ الدَّلِيل على التَّعَبُّد بهما بِخِلَاف الْإِجْمَاع السكوتي وَقد ذكرنَا هَذَا الَّذِي يسمونه سكوتيا وصرحنا بِهِ فِي قَوْلنَا ... يدعى سكوتيا فَأَما الأول ... فَإِنَّهُ القولي فِيمَا أصلوا ...
قد عرفت أَن طرق معرفَة الْإِجْمَاع قوليا كَانَ أَو سكوتيا سَماع مَا قَالُوهُ من اتِّفَاقهم على الحكم وَهَذَا طَرِيق قولي مُسْتَند إِلَى سَماع أَقْوَالهم إِن كَانَ الْإِجْمَاع قوليا أَو المعاينة لما يَفْعَله أهل الْإِجْمَاع إِن كَانَ فعليا أَو مُعَاينَة تَركهم إِن كَانَ تركا وَأما السكوتي فطريقة النَّقْل عَن الْبَعْض أَو فعله أَو تَركه مَعَ رضى البَاقِينَ من الْمُجْتَهدين بِمَا قَالَه أَو فعله أَو تَركه وَمَعْرِفَة رِضَاهُ لما عَرفته آنِفا وَالنَّقْل طَرِيق لغير السكوتي والسكوتي إِنَّمَا الْفرق أَنه فِي غير السكوتي يُؤْخَذ عَن قَوْلهم الْجَمِيع وَفِيه عَن قَول بَعضهم وَقَوله ... وَهُوَ من الْأَدِلَّة الظنية ... وَلَو أَتَى من طرق قَطْعِيَّة ...
الضَّمِير للسكوتي أَي أَنه بعد تَقْرِير ثُبُوته دَلِيلا يكون من الْأَدِلَّة الظنية وَلَو كَانَت طرق وُصُوله إِلَيْنَا قَطْعِيَّة تكون تواترية وَاعْلَم أَن النّظم وَقع فِيهِ مَا وَقع فِي أَصله من اشْتِرَاط أَن يكون مِمَّا الْحق فِيهِ مَعَ وَاحِد وَذَلِكَ فِي
стр. 149
الْمسَائِل القطعية ثمَّ قَالَ هَا هُنَا إِنَّه من الْأَدِلَّة الظنية إِلَّا أَنه لما تدافع كَلَام الأَصْل أَشَرنَا بقولنَا عِنْد مثبتيه فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَن من النَّاس من يَنْفِيه ونفيه إِنَّمَا يكون فِي الْمسَائِل الاجتهادية والقطعية فَإِنَّهُ اتِّفَاق كَمَا عرفت فقولنا وَهُوَ من الْأَدِلَّة الظنية أَي السكوتي الَّذِي فِيهِ الْخلاف إِثْبَاتًا ونفيا وَلَيْسَ إِلَّا مَا فِي الْمسَائِل الاجتهادية وَالْحَاصِل أَن السكوتي مَعَ حُصُول شَرَائِطه يكون إِجْمَاعًا فِي الْمسَائِل القطعية بِلَا خلاف وَأما فِي الاجتهادية فَهُوَ دَلِيل ظَنِّي عِنْد المثبتين لَهُ وَلَك أَن تَقول إِن الحكم يكون من الْأَدِلَّة الظنية لَا يُنَافِي كَون الْكَلَام أَي كَلَام الأَصْل فِيهِ بِالنّظرِ إِلَى الْمسَائِل القطعية فَإِن استفادة الْقطع من أُمُور خَارِجَة وَهِي وُقُوعه فِيهَا لَا لذاته وَفِي هَذَا دفع لما يُقَال كَيفَ يَصح إِثْبَات الْمسَائِل القطعية فِي السُّكُوت وَهُوَ ظَنِّي فَإِنَّهُ إِذا وَقع فِيهَا كَانَ قَطْعِيا بقرائن الْمقَام
وأجمعت أَصْحَابه من بعده
على خطا من مَال بعد عقده ... وَمثلهمْ لَا يجمعُونَ إِلَّا
عَن قَاطع فِي مثله قد دلا
هَذَا دَلِيل ثَان بعد الْأَدِلَّة السمعية السَّابِقَة على حجية الْإِجْمَاع وَهُوَ كَمَا فِي النّظم إِن الصَّحَابَة قد أَجمعُوا على الْقطع بتخطئة الْمُخَالف وَالْعَادَة قاضية بِأَنَّهُم لَا يجمعُونَ إِلَّا على دَلِيل قَاطع وَذَلِكَ لما لَهُم من الصِّفَات الحميدة وتزكية رَسُول الله ﷺ لَهُم بِأَنَّهُم خير الْقُرُون وثناء الله عَلَيْهِم فِي الْقُرْآن بِمثل ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ و ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ الْآيَة فَلِذَا قَالَ وَمثلهمْ أَي من كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَات وَلَيْسَ إِلَّا هم وَبِه يعرف أَنه لَا يرد إِجْمَاع الْيَهُود على عدم نسخ شَرِيعَة مُوسَى وَإِجْمَاع النَّصَارَى على قتل عِيسَى وَذَلِكَ أَنه قد أبان الله حَقِيقَة حَالهم وباطن أَمرهم وَمَا هم عَلَيْهِ من التحريف والتبديل وَالْكذب وَغَيرهَا من الصِّفَات القاضية بِبُطْلَان إِجْمَاعهم وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا يرد نقضا إِذا وجد فِيهِ مَا ذكرنَا من الْقُيُود وانتفاؤه ظَاهر وَقَوله فِي مثله أَي مثل الحكم بخطأ من خَالف الْإِجْمَاع بعد انْعِقَاده من
стр. 150
الْأُمُور الشَّرْعِيَّة إِشَارَة إِلَى دفع النَّقْص بِإِجْمَاع الفلاسفة على قدم الْعَالم فَإِنَّهُ عَن نظر عَقْلِي بَاطِل لَا عَن دَلِيل شَرْعِي وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي النّظم أَصْحَابه وَلم نقل أمته كَمَا وَقع فِي بعض كتب الْأُصُول لِأَنَّهُ أورد عَلَيْهِ أَن من الْأمة من أنكر ثُبُوت الْإِجْمَاع كالنظام والخوارج وَدفعه أَن الِاعْتِدَاد بخلافهم لَا يسمع فَإِنَّهُم من الْأمة كَمَا قدمْنَاهُ وَقد أورد على هَذَا الدَّلِيل بِأَن لَا نسلم ثُبُوت إِجْمَاع الصَّحَابَة إِلَّا على تخطيط مُخَالف الضَّرُورَة كالخارج عَن مِلَّة الْإِسْلَام والنزاع فِي غير ذَلِك سلمنَا ثُبُوته لَكِن لَا بُد من تواتره نقلا حَتَّى يتم الِاسْتِدْلَال فِيهِ على إِثْبَات أصل من أصُول الشَّرِيعَة وَنحن نطالبكم بإثباته عَنْهُم بطرِيق الْآحَاد فضلا عَن التَّوَاتُر وَقد أورد على هَذَا الدَّلِيل إيرادات كَثِيرَة تشْتَمل عَلَيْهَا المطولات وَلذَا صرح فِي شرح الْغَايَة بِضعْف الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة قَالَ وَهَذَا أشفها عِنْدهم
تَنْبِيه إِذا عرفت جَمِيع مَا سقناه علمت أَنه لَا يتم نهوض الْأَدِلَّة على حجية الْإِجْمَاع وَلَو فرض أَنَّهَا دلّت عَلَيْهِ لما قَامَت على وُقُوعه وَلَو قَامَت عَلَيْهِ لما قَامَت على نَقله تواترا فَلَا يشْتَغل النَّاظر لدينِهِ بالبحث عَنهُ وَعَن الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَمَا قيل فِيهَا وَقد أَشَارَ قَوْلنَا ... وَإِن أَتَى القولي آحاديا ... فَإِنَّهُم يرونه ظنيا ...
إِلَى طَرِيق نقل الْإِجْمَاع القولي وَأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون آحادية وَقد عرفت أَن الآحادي لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن كَمَا عرفت إِلَّا إِذا حَفَّتْهُ قَرَائِن كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ سَابِقًا والظني حجَّة ظنية وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ وَإِمَّا أَن يكون نَقله بالتواتر فقد أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... وَإِن يكن طَرِيقه التواترا ... فحجة قَاطِعَة بِلَا مرا ...
أَي فإمَّا أَن يكون طَرِيق نقل الْإِجْمَاع القولي التَّوَاتُر الَّذِي عرفت حَقِيقَته فَإِنَّهُ يكون الْإِجْمَاع حِينَئِذٍ حجَّة قَطْعِيَّة بِلَا شكّ وَأَشَارَ إِلَى حكم مُخَالف الْقطعِي وَإِلَى أَدِلَّة حجية الْإِجْمَاع بقوله
стр. 151
بفسق من خَالفه لما أَتَى
من قَوْله وَيتبع وَمَا روى ... أَئِمَّة الْآثَار عَن خير الورى
من الْأَحَادِيث فسائل من ترى
فصدر الْبَيْت يُشِير إِلَى حكم من خَالف الْإِجْمَاع الْقطعِي وَهُوَ الْمَنْقُول تواترا بِأَنَّهُ بمخالفته إِيَّاه يكون فَاسِقًا وَالْفَاسِق من لَهُ منزلَة بَين المنزلتين عِنْد الْمُعْتَزلَة أَي منزلَة الْإِيمَان ومنزلة الْكفْر وَحكمه فِي الدّين مَعْرُوف لَا تقبل لَهُ رِوَايَة وَلَا شَهَادَة وَلَا يصلى خَلفه وَغير ذَلِك وَفِي الْآخِرَة إِن مَاتَ وَهُوَ غير تائب أَنه من أهل النَّار خَالِدا فِيهَا مخلدا وَالْمَسْأَلَة مقررة فِي علم الْكَلَام وَاعْلَم أَن كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة إِن رُوِيَ تواترا مَسْأَلَة خلاف وتفصيل فَإِن كَانَ مِمَّا علم ضَرُورَة كالصلوات الْخمس مثلا وَإِن كَانَ وُجُوبهَا علم من ضَرُورَة الدّين لَا من بَاب الْإِجْمَاع بِخُصُوصِهِ فمخالف هَذَا لَا خلاف فِي كفره وَلَيْسَ من مَحل النزاع وَإِنَّمَا وَقع بِهِ التَّمْثِيل لِاسْتِيفَاء مَا قيل وَإِن لم يكن مِمَّا علم من الدّين ضَرُورَة فَقيل يكفر مخالفه وَنسب إِلَى الْحَنَفِيَّة وَقَالَ الْجُمْهُور لَا يكفر لكنه يفسق قَالُوا لِأَنَّهُ تَعَالَى توعده بالإصلاء فِي النَّار وَأَقل أَحْوَاله أَن يكون فَاسِقًا
قلت وَالْمَسْأَلَة عَائِدَة إِلَى تَحْقِيق معنى الْكَبِيرَة وَالْخلاف مَبْسُوط فِي مَحَله فَإِن فسرت بِمَا توعد عَلَيْهِ بالنَّار ثمَّ الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ لَا يتم على التفسيق إِلَّا بتقرير كَون الْآيَة قَطْعِيَّة الدّلَالَة على الْإِجْمَاع وَقد أورد عَلَيْهِ الْمهْدي فِي شرح المعيار وَغَيره من الخدش فِي دلالتها على ذَلِك بِمَا كَاد يُخرجهَا عَن مرتبَة الظَّن فضلا عَن الْقطع وَالْمرَاد بِالْآيَةِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِم بقوله وَيتبع فَهُوَ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ وَوجه الِاسْتِدْلَال بهَا أَنه تَعَالَى توعد على اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَمَا توعد مشاققة الرَّسُول ﷺ فَدلَّ على تَحْرِيم مخالفتهم وَهُوَ الْمَطْلُوب وَلَكِن قد قدمنَا فِي أول بحث الْإِجْمَاع تَحْقِيق الْكَلَام على الْآيَة وَأَنَّهَا لَا تنهض دلالتها على حجَّة الْإِجْمَاع وَلَا على فسق من يُخَالِفهُ
стр. 152
فَتذكر وَقد أَشَرنَا إِلَى مَا ورد من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على حجية الْإِجْمَاع وَهِي أَحَادِيث وَاسِعَة سَاقهَا أَئِمَّة الْأُصُول إِلَّا أَنَّهَا وَإِن تَوَاتَرَتْ فمدلولها ظَنِّي وكما كَانَ لَك فَلَيْسَ بقطعي وَالْحَاصِل أَنَّهَا لَا تنهض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة على قَطْعِيَّة حجية الْإِجْمَاع فَلَا يُفَسر مخالفه على أَنه على تَقْدِير قطعيته فَإِنَّهُ لَيْسَ بَين الْفسق وَالْقطع مُلَازمَة بل الْفسق ملزوم لَكِن الْمعْصِيَة كَبِيرَة وَلم يقم دَلِيل على كبر مُخَالفَة الْإِجْمَاع فَهَذَا فِي الْأَدِلَّة السمعية وَهنا انْتهى بحث الْإِجْمَاع
وَهَذَا بحث الْقيَاس قَالَ النَّاظِم ... فصل وَهَذَا مَبْحَث الْقيَاس ... وَهُوَ دَلِيل ثَابت الأساس ...
هَذَا هُوَ رَابِع الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَعَلِيهِ تَدور أَكثر الْمسَائِل الفرعية وَهُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنى التَّقْدِير وَأما فِي الِاصْطِلَاح فَهُوَ مَا أَفَادَهُ ... وَعرفُوا مَعْنَاهُ فِي الْعُلُوم ... بِحمْل مَعْلُوم على مَعْلُوم ...
فِي حكمه بِجَامِع وينقسم
ضمير عرفُوا إِلَى أَئِمَّة الْأُصُول وَاللَّام فِي الْعُلُوم للْعهد أَي علم الْأُصُول لِأَن السِّيَاق فِيهِ وَهُوَ تَعْرِيف رسمي فالحمل كالجنس للمحدود مَا بعده فالفصل لَهُ وَلَا بُد للْقِيَاس من أَرْبَعَة أَرْكَان أصل وَفرع وَعلة وَحكم وَالْبَاقِي جَامع تعلق بِحمْل وَهِي سَبَبِيَّة وَقد شَمل ذَلِك النّظم فَقَوله مَعْلُوم الأول هُوَ الْفَرْع وَمَعْلُوم الثَّانِي هُوَ الأَصْل وَفِي حكمه المُرَاد بِهِ أحد الْأَحْكَام الْخَمْسَة وَهُوَ ثَالِث الْأَركان وبجامع رَابِعهَا وَيُسمى هَذَا الْقيَاس الْقيَاس التمثيلي ومرادنا من الْمَعْلُوم مَا هُوَ أَعم من الْمَعْلُوم والمظنون وَلم يُقيد الحكم بالشرعي ليشْمل الْعقلِيّ واللغوي عِنْد من أثْبته وَيذكر الْجَامِع خرج مَا كَانَ ثُبُوت الحكم فِي شَيْئَيْنِ بِالنَّصِّ كالبر وَالشعِير المشتركين فِي حكم الرِّبَا فَإِن الحكم ثَابت بِالنَّصِّ لَا بِجَامِع وَاعْلَم
أَولا أَن هَذَا هُوَ رسم الْقيَاس التمثيلي وَيُطلق الْقيَاس على الاستثنائي
стр. 153
والاقتراني وَهُوَ الْقطعِي المنطقي وحجيته قَطْعِيَّة بِخِلَاف التمثيلي
وَثَانِيا أَن المُرَاد بالجامع مَا هُوَ أَعم من الصَّرِيح والضمني وَيدخل قِيَاس الدّلَالَة فِي الرَّسْم ومثاله إِلْحَاق النَّبِيذ بِالْخمرِ بِجَامِع الرَّائِحَة المشتدة فالعلة الباعثة على الحكم هِيَ الشدَّة المطربة وَهِي غير مَذْكُورَة صَرِيحًا إِلَّا أَنَّهَا مَذْكُورَة ضمنا لإشعار الرَّائِحَة مشتدة بالشدة المطربة
وَأما قِيَاس الْعَكْس وَهُوَ إِثْبَات نقيض حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لافتراقهما فِي عِلّة الحكم فَإِنَّهُ من بَاب الْمُلَازمَة وَإِنَّمَا يذكر الْقيَاس لبيانها ومثلته الْحَنَفِيَّة والهادوية بقَوْلهمْ لَو لم يكن الصَّوْم شرطا فِي صِحَة الِاعْتِكَاف لم يصر شرطا لَهُ بِالنذرِ قِيَاسا على الصَّلَاة فَإِنَّهَا لم تكن شرطا لصِحَّة الِاعْتِكَاف لم تصر شرطا لَهُ بِالنذرِ فَالْأَصْل الصَّلَاة وَالْفرع الصَّوْم وَالْحكم فِي الأَصْل عدم وُجُوبهَا بِالنذرِ وَالْعلَّة فِيهِ كَونهَا لم تجب بِالنذرِ وَالْحكم فِي الفرعي كَون الصَّوْم شرطا فِي صِحَة الِاعْتِكَاف وَالْعلَّة فِيهِ وُجُوبه بِالنذرِ فَافْتَرقَا حكما وَعلة فَلَا يَصح دُخُوله فِي الرَّسْم للْقِيَاس فَيلْزم أَن حد الْقيَاس غير جَامع وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ من الْقيَاس بل من الْمُلَازمَة وَبَيَان أَنه مِنْهَا أَن الْمِثَال الْمَذْكُور رَاجع إِلَى قَوْلنَا لَو لم يشْتَرط الصَّوْم فِي صِحَة الِاعْتِكَاف لم يكن وَاجِبا بِالنذرِ لكنه قد وَجب بِالنذرِ فَيكون شرطا فَهَذَا تَمْثِيل بَين التلازم وَلما كَانَت دَعْوَى الْمُلَازمَة تحْتَاج إِلَى دَلِيل بيّنت بِالْقِيَاسِ الْمُسْتَعْمل عِنْد الْفُقَهَاء المُرَاد إِدْخَاله فِي الْحَد بِأَن مَا لم يكن شرطا لشَيْء لم يكن شرطا لَهُ بِالنذرِ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لما لم تكن شرطا للاعتكاف لم تكن شرطا بِالنذرِ وخلاصته أَن قِيَاس الْعَكْس يشْتَمل على الْأَمريْنِ على الْمُلَازمَة وعَلى الْقيَاس الَّذِي لبيانها المُرَاد إِدْخَاله فِي الْحَد فَإِن أَرَادَ الْمُعْتَرض خُرُوج قِيَاس الْمُلَازمَة فَنحْن نسلم خُرُوجه وَلَا يضرنا وَإِن أَرَادَ خُرُوج الْقيَاس الَّذِي لبيانها فَلَا نسلم خُرُوجه
стр. 154
وَفِي الْفُصُول فَإِن أُرِيد جمعهَا الْقيَاس أَي قِيَاس الطَّرْد وَقِيَاس الْعَكْس بِحَدّ وَاحِد قيل تَحْصِيل مثل حكم الأَصْل أَو نقيضه فِي الْفَرْع لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الأَصْل أَو لافتراقهما فِيهَا وَلما كَانَت للْقِيَاس أَقسَام أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلنَا
سِتَّة أَقسَام على مَا قد علم ... إِلَى جلي وخفي وَإِلَى
طرد وَعكس فَاتبع مَا مثلا
للْقِيَاس أَقسَام كَثِيرَة اشْتَمَلت عَلَيْهَا مبسوطات الْفَنّ وَقد ذَكرنَاهَا هُنَا مِنْهَا مَا هُوَ الأهم
فَالْأول الْجَلِيّ وَهُوَ مَا يقطع فِيهِ بِنَفْي الْفَارِق بَين الأَصْل وفرعه وَذَلِكَ كإلحاق الْأمة بِالْعَبدِ فِي سرَايَة الْعتْق الثَّابِت فِي العَبْد فِي الصَّحِيحَيْنِ وَيُسمى أَيْضا قَطْعِيا على أحد الْمَعْنيين فِي تَفْسِيره وَيُسمى قِيَاسا فِي معنى الأَصْل بِالنّظرِ إِلَى إِلْغَاء الْفَارِق أَعم من أَن يكون عَن قطع أَو لَا
стр. 155
وَالثَّانِي الْخَفي وَهُوَ مَا قَابل الأول وَهُوَ مَا لم يقطع فِيهِ بِنَفْي الْفَارِق كقياس النَّبِيذ على الْخمر لاحْتِمَال أَن يكون بخصوصية الْمحل اعْتِبَار فِي الْعلَّة
وَالثَّالِث قِيَاس الطَّرْد وَهُوَ مَا كَانَ فِي الْمُسَاوَاة بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم وَالْعلَّة على جِهَة التَّحْقِيق
وَالرَّابِع قِيَاس الْعَكْس وَهُوَ مَا كَانَت الْعلَّة فِيهِ على جِهَة الْفَرْض وَالتَّقْدِير وَهَذَا على مَا قَرَّرْنَاهُ من شُمُول اسْم الْقيَاس لقياس الْعَكْس ثمَّ أَشَارَ إِلَى بَقِيَّة الْأَقْسَام السِّتَّة بقوله ... وَعلة دلَالَة فاستملي ... أَمْثَالهَا من أَي حبر يملي ...
هَذَا التَّقْسِيم بِاعْتِبَار الْجَامِع وَهُوَ الْعلَّة فَالْأولى قِيَاس الْعلَّة وَهُوَ مَا صرح فِيهِ بِالنَّصِّ نَحْو أَن يُقَال النَّبِيذ حرَام لإسكاره كَالْخمرِ وَالثَّانِي مَا لم يُصَرح بهَا فِيهِ بل ذكر مَا يدل عَلَيْهَا من لازمها أَو أَثَرهَا أَو حكمهَا فَهُوَ قِيَاس الدّلَالَة
مِثَال الأول أَن يُقَال النَّبِيذ حرَام للرائحة المشتدة كَالْخمرِ إِذْ الرَّائِحَة الْمَخْصُوصَة دَالَّة على الشدَّة المطربة وَيرجع إِلَى الِاسْتِدْلَال بالرائحة الَّتِي توجب الْإِسْكَار على الْإِسْكَار وبالإسكار على التَّحْرِيم الَّذِي يُوجِبهُ الْإِسْكَار فَاكْتفى بِذكر الرَّائِحَة عَن التَّصْرِيح بالإسكار
وَمِثَال الثَّانِي أَن يُقَال الْقَتْل بالمثقل إِثْم يُوجب الْقصاص كَالْقَتْلِ بالمحد فالإثم هُوَ أثر الْعلَّة الَّتِي هِيَ الْعمد الْعدوان وَلما كَانَ الْأَثر يدل على الْمُؤثر اكْتفي بِذكرِهِ
وَمِثَال الثَّالِث أَن يُقَال فِي قطع الْأَيْدِي بِالْيَدِ قطع يَقْتَضِي وجوب الدِّيَة
стр. 156
على القاطعين فَيجب كَمَا يجب الْقصاص فِي قتل الْجَمَاعَة بِوَاحِد فَإِن وجوب الدِّيَة لَيْسَ هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة للْقصَاص بل حكم من أَحْكَامهَا بل الْعلَّة الْمُوجبَة لَهُ الْقَتْل وَهُوَ يَقْتَضِي وجوب الدِّيَة أَو الْقصاص فالقطع قد شَاركهُ الْقَتْل الْمُوجب لأحد الْأَمريْنِ فِي أَحدهمَا وَهُوَ وجوب الدِّيَة وَإِيجَاب الشَّارِع لأحد الْأَمريْنِ بِالْقَتْلِ لحكمة الزّجر وَقد وجد فِي الْقطع أَحدهمَا وَهُوَ الدِّيَة فيوجد الآخر وَهُوَ الْقصاص لِأَنَّهُمَا متلازمان بِالنّظرِ إِلَى اتِّحَاد الْعلَّة وَالْحكمَة من دون نظر إِلَى عدم الْمُلَازمَة بِاعْتِبَار الْخَطَأ والعمد وعفو الْأَوْلِيَاء عَن الْقصاص
وَعند الْفَرَاغ من ذكر هَذِه الْأَقْسَام أَشَرنَا إِلَى الْخلاف فِي كَون الْقيَاس من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَولا وَالْجُمْهُور على أَنه مِنْهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله ... وَمن يقل لَيْسَ من الأدله ... فَإِنَّهُ قد خَالف الأجله ...
اخْتلف الْعلمَاء فِي الْقيَاس هَل يجوز التَّعَبُّد بِهِ أم لَا ثمَّ الْقَائِلُونَ بِالْأولِ اخْتلفُوا هَل هُوَ وَاقع أم لَا وَاعْلَم أَن مُسَمّى الْقيَاس خَمْسَة أَنْوَاع تَحْقِيق المناط وتنقيح المناط وَتَعْيِين المناط وَتَخْرِيج المناط وإلغاء المناط وَفِي كل وَاحِد وَقع الْخلاف فِي كَونه دَلِيلا متعبدا بِهِ أَو لَا وَمعنى التَّعَبُّد أَنه يُكَلف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط بالحكم الشَّرْعِيّ ليحكم فِي محاله بِحكمِهِ فالأكثر على أَنه غير مُمْتَنع عقلا وواقع شرعا وَيجب الْعَمَل بِهِ وَعَن النظام والظاهرية أَنه يمْتَنع شرعا التَّعَبُّد بِهِ وَذَلِكَ لِأَن الشَّرِيعَة مَبْنِيَّة على الْجَمِيع بَين المختلفات كالتسمية فِي الْفِدْيَة بَين قتل الصَّيْد خطأ أَو عمدا والتسوية بَين الزِّنَى للمحصن وَالرِّدَّة فِي إِيجَاب الْقَتْل وَالْوَطْء فِي الصَّوْم وَالظِّهَار فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة وَمن التَّفْرِيق بَين المتماثلات كإيجاب الْغسْل بِخُرُوج الْمَنِيّ دون الْبَوْل وَالْغسْل من بَوْل الْجَارِيَة دون الصَّبِي وَقطع السَّارِق دون الْغَاصِب وَإِن عصب أَضْعَاف نِصَاب السّرقَة وَغير ذَلِك وَالْقِيَاس على خلاف هَذَا فيستحيل التَّعَبُّد بِهِ وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْقيَاس بِجَامِع والمختلفات يجوز اجتماعها فِي صفة مُشْتَركَة
стр. 157
تصلح أَن تكون هِيَ الدَّاعِي والمقتضي للْحكم وتشريكها فِيهِ ثمَّ إِن من المتماثلات مَا يجوز افتراقها لعدم صَلَاحِية الْجَامِع أَو وجود معَارض فِي الأَصْل أَو فِي الْفَرْع يقْضِي بِعَدَمِ التَّمَاثُل بَينهمَا وخلاصته أَن للْقِيَاس شُرُوطًا واعتبارات لَا بُد من ملاحظتها فِي نظر الْمُجْتَهد فَلَيْسَ مُجَرّد التَّمَاثُل فِي ظَاهر الْأَمر يُوجب الْجمع وَلَا مُجَرّد الِاخْتِلَاف يقْضِي بالافتراق وَقد اسْتدلَّ الْأَكْثَر بأدلة من الْكتاب وَالسّنة كلهَا ظنية الدلالات على التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وَقد بسطت فِي الْكتب المطولة هِيَ وردودها وَهَذِه الْمَسْأَلَة أصل من الْأُصُول لَا يَكْفِي فِيهَا إِلَّا الدَّلِيل الْقَاطِع وأشف الْأَدِلَّة عِنْدهم هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا
كَيفَ وَقد أَجمعت الصَّحَابَة
وَهَذِه قَطْعِيَّة الْإِصَابَة ... وشاع فيهم عملا وذاعا
فَكَانَ إِذْ لم ينكروا إِجْمَاعًا
فَقَوله فشارع فيهم الخ عطف تفسيري لقَوْله أَجمعت وَبَيَان لَهُ وَقَوله إِذْ لم ينكروا إِشَارَة إِلَى أَنه إِجْمَاع سكوتي وَهُوَ ظَنِّي الدّلَالَة فأشرنا إِلَى دفع هَذَا بقولنَا وَهَذِه قَطْعِيَّة الْإِصَابَة وَمَعْنَاهُ أَن مثل هَذَا الأَصْل الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ أَكثر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تقضي الْعَادة بِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا عَن وفَاق مِنْهُم وَإِلَّا لأنكروه هَذَا تَقْرِير مُرَادهم أصل النّظم وَقد أورد عَلَيْهِ أَنه يثبت ذمّ الْقيَاس عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأجِيب بِأَنَّهُ ثَبت عَن عَليّ ﵇ الْقيَاس بِمحضر من الصَّحَابَة حِين شاورهم عمر فِي زِيَادَة الْجلد على الْأَرْبَعين فَقَالَ عَليّ أَنه إِذا شرب هذى وَإِذا هذى افترى فَأرى عَلَيْهِ حد الْفِرْيَة قَالُوا هَذَا قَالَه بِمحضر من الصَّحَابَة وَعمل بِهِ عمر وَأجِيب بِأَن هَذَا لَا يَصح عَن عَليّ ﵇ كَيفَ وَمَعْنَاهُ غير وَاضح بالمراد فَإِن الهاذي غير مُكَلّف وَلَا حد فِي قذفه إِذا أُرِيد بالافتراء الْقَذْف وَإِلَّا فَهُوَ أَعم مِنْهُ وَقد أورد على هَذَا
стр. 158
الْأَثر الْمَنْسُوب إِلَى عَليّ ﵇ بِأَن لَيْسَ كل من شرب الْخمر يسكر فشارب الجرعة لَا يسكر وَهُوَ يحد وَلَيْسَ كل شَارِب يهذي وَلَا من يهذي يفتري وَلَا كل من يفتري يلْزمه الْحَد فقد يفتري الْمَجْنُون والنائم فَلَا يحدان ثمَّ إِن كَانَ يجلد لفرية لم تصدر مِنْهُ فَهُوَ ظلم بِإِجْمَاع الْأمة وَلَا خلاف بَين اثْنَيْنِ فِي أَنه لَا يحل لأحد أَن يُعَاقب أحدا بِمَا لم يَفْعَله لجَوَاز أَنه يَفْعَله ثمَّ من الْمَعْلُوم أَن الْحُدُود تدرأ بِالشُّبُهَاتِ فَهُنَا يُقَام بِلَا شُبْهَة ثمَّ إِنَّه إِن كَانَ الْحَد للفرية فَأَيْنَ حد الْخمر وَإِن كَانَ حد الْخمر فَأَيْنَ حد الْفِرْيَة وَلَا يجوز ثُبُوت حد بِإِقَامَة آخر ثمَّ إِنَّه أَيْضا إِذا سكر هذى وَإِذا سكر سرق وزنى وَقتل وأفسد فِي أَمْوَال النَّاس وَأقر لغيره فِي مَاله أفتلزمونه هَذِه الْأَحْكَام هَذَا مِمَّا لَا تقولونه وَإِن قُلْتُمْ بِهِ فِي شَيْء دون شيىء فَهَذَا هُوَ التحكم الَّذِي لَا يَقُوله عَارِف بِأَحْكَام الشَّرِيعَة وَبِهَذَا يعلم أَنه كذب افتراء مَوْضُوع على عَليّ كرم الله وَجهه وَيدل أَنه غير صَحِيح أَنه صَحَّ حَده للوليد بن عقبَة أَرْبَعِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان وَأمر عَليّ ﵇ عبد الله بن جَعْفَر بجلده وَهُوَ يعد إِلَى الْأَرْبَعين فَهَذَا يُؤَكد كذب هَذَا الْمَرْوِيّ وَأَنه لم يقلهُ قطّ فقد نزهه الله عَن مثل هَذَا وَلَا تغتر بتطابق كتب الْأُصُول وَغَيرهَا على نسبته إِلَى عَليّ ﵁ فَمَا كل مَنْسُوب إِلَى عَالم يَصح عَنهُ وَإِن قيل إِنَّه صَحِيح فَلَا بُد من صِحَة مَعْنَاهُ وَمَعْرِفَة المُرَاد
والمتشابه لَا يكون إِلَّا فِي كَلَام الله الَّذِي لم يتعبدنا بمعرفته قيل وَيَقَع فِي كَلَام رَسُول الله ﷺ وَأما كَلَام الْعلمَاء فَلَا يَقُول بِهِ أحد
стр. 159
والأبحاث والإيرادات على الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ والرادين عَلَيْهِم كَثِيرَة وَقد بسطت فِي مطولات الْفَنّ
وَأما عمر فَإِنَّهُ فِي حد الْخمر إِنَّمَا عمل بقول عبد الرحمن بن عَوْف حَيْثُ قَالَ لَهُ أخف الْحُدُود ثَمَانُون فَجعله ثَمَانِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ إِن قيل هَذَا أَيْضا قِيَاس قُلْنَا لَيْسَ بِالْقِيَاسِ المصطلح فَإِنَّهُ لَا جَامع بَين السكر وَالْقَذْف وَإِنَّمَا هُوَ رَأْي مَحْض وَبِالْجُمْلَةِ ادِّعَاء الْإِجْمَاع فِي هَذَا غير صَحِيح وَلِهَذَا خَالف جمَاعَة من الائمة واختاروا أَن حد الشَّارِب أَرْبَعُونَ وكونهم أَجمعُوا على الْقيَاس لَا دَلِيل عَلَيْهِ على أَنه لَو سلم فغاية الْوَاقِع مِنْهُم جَوَاز الْعَمَل بِهِ لَا وُجُوبه الَّذِي هُوَ الْمُدعى قَالُوا بل أوجبوا الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِهِ على الْعباد وَلَو كَانَ الْعَمَل بِهِ غير وَاجِب لما جَازَ لَهُم إِلْزَام الْعباد بِأَحْكَام بنيت عَلَيْهِ
وَاعْلَم أَن التَّحْقِيق أَن الْقيَاس لم يقم الدَّلِيل على التَّعَبُّد بِهِ إِلَّا فِيمَا كَانَت علته منصوصة بِأَيّ طرق النَّص كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقه وَغَيرهَا من المسالك الْآتِيَة ستعلم أَنه لم يقم عَلَيْهَا دَلِيل التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِهِ وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَحْقِيقه وَقد بسطناه فِي رسالتنا الْمُسَمَّاة الاقتباس فِي معرفَة الْحق من أَنْوَاع الْقيَاس
وَلما اخْتلف فِي جَرَيَان الْقيَاس فِي الْأَحْكَام كلهَا أَو عَدمه أَشَرنَا بقولنَا
وَلَيْسَ بالجاري فِي الْأَحْكَام
جَمِيعهَا فِي نظر الْأَعْلَام ... فَإِن مَا مَعْنَاهُ مِنْهَا يجهل
فَلَيْسَ فِي بَاب الْقيَاس يدْخل
النَّفْي فِي قَوْله وَلَيْسَ بالجاري مُتَوَجّه إِلَى الْقَيْد أَعنِي لفظ جَمِيعهَا وَالْمرَاد أَن الْقيَاس لَا يكون جَارِيا الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي إِثْبَات كل حكم شَرْعِي لِأَنَّهُ
стр. 160
قد تقرر أَن من الْأَحْكَام مَا لم يدْرك مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ الدَّاعِي والمفضي للْحكم بل قد يكون تعبديا وَالَّذِي فِي كتب الْأُصُول مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا هَذِه وَهُوَ أَنه اخْتلف فِي جَرَيَان الْقيَاس فِي جَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَالْمُخْتَار نَفْيه لِأَنَّهُ ثَبت فِي الْأَحْكَام مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ كفرض الدِّيَة على الْعَاقِلَة وإجراء الْقيَاس فِي مثله تعذر لما عرف من أَن الْقيَاس فرع تعقل الْمَعْنى الْمُعَلل بِهِ الحكم فِي الأَصْل وَهَذَا ذكره ابْن الْحَاجِب والعضد
قلت وَهَذِه الْمَسْأَلَة قَليلَة الجدوى عديمة الْفَائِدَة إِذْ قد علم أَنَّهَا إِن تكاملت شَرَائِط الْقيَاس وَارْتَفَعت موانعه كَانَ دَلِيلا على أَي مَسْأَلَة وَإِلَّا فَلَيْسَ بِدَلِيل لفَوَات شَرَائِطه أَو وجود موانعه
وَالْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَنه هَل يجْرِي الْقيَاس فِي الْحُدُود وَالْكَفَّارَات فَقَالَ الْجُمْهُور يجْرِي فيهمَا وَقَالَت الْحَنَفِيَّة لَا يجْرِي فيهمَا وَاسْتدلَّ الْجُمْهُور بِأَن دَلِيل التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ شَامِل لَهما فَإِذا عقل الْمَعْنى وَجب فِيهِ الحكم بِالْقِيَاسِ كَمَا قيس الْقَتْل بالمثقل على الْقَتْل بالمحدد وَقطع النباش على قطع السَّارِق فالعلة وَالْحكم فيهمَا معلومان وَأما مَا لَا يعلمَانِ فِيهِ فَلَا يجْرِي فِيهِ الْقيَاس وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي جَرَيَانه فِي الْأَسْبَاب أَو لَا وَالْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي المطولات والناظم هُنَا مَا تعرض إِلَّا لما فِي الأَصْل ثمَّ أَشَارَ بقوله
ثُبُوت حكم الأَصْل بِالدَّلِيلِ
كَاف لَدَى الْأَكْثَر لَا الْقَلِيل ... فَإِنَّهُ يشْتَرط الإجماعا
أَو اتِّفَاقًا من يرى النزاعا
إِلَّا أَنه يَكْفِي فِي صِحَة الْقيَاس إِثْبَات حكم الأَصْل الْمَقِيس عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ من نَص أَو إِجْمَاع ثمَّ تثبت الْعلَّة بمسلك من مسالكها الَّتِي تَأتي وَهَذَا رَأْي
стр. 161
الْجُمْهُور الْمشَار إِلَيْهِم بِالْأَكْثَرِ وَخَالف بشر المريسي وَهُوَ المُرَاد بِالْقَلِيلِ أَنه لَا يَكْفِي فِي صِحَة الْقيَاس مُجَرّد قيام الدَّلِيل على حكم الأَصْل بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من الِاتِّفَاق إِمَّا من الْأمة وَهُوَ قَوْله فَإِنَّهُ يشْتَرط الْإِجْمَاع أَو بَين الْخَصْمَيْنِ المتنازعين وَهَذَا الَّذِي نسب إِلَى المريسي يُؤْخَذ من عبارَة جمع الْجَوَامِع أَنه رَأْي الْجُمْهُور فَإِنَّهُ قَالَ فِي شُرُوط حكم الأَصْل وَكَون الأَصْل مُتَّفقا عَلَيْهِ قيل بَين الْأمة وَالأَصَح بَين الْخَصْمَيْنِ ثمَّ لما كَانَ للْقِيَاس أَرْكَان أَشَارَ إِلَيْهَا فَقَالَ ... هَذَا وأركان الْقيَاس أَرْبَعه ... أصل وَفرع حكمه والجامعه ...
أَرْكَان الشَّيْء أجزاؤه الَّتِي تتألف مِنْهَا ماهيته مِثَاله أَن تَقول النَّبِيذ حرَام لِأَنَّهُ مُسكر كَالْخمرِ فقد ركبت الْقيَاس هَذَا من أَرْبَعَة أَرْكَان أَعنِي الْمَقِيس عَلَيْهِ وَهُوَ الْخمر وَفرع وَهُوَ النَّبِيذ وَحكم وَهُوَ التَّحْرِيم وجامع أَي عِلّة جمعت بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم وَهُوَ الْإِسْكَار وحقيقتها فِي عرف أهل الْأُصُول مَا ثَبت الحكم الشَّرْعِيّ لأَجله باعثا أَو كاشفا كَمَا يَأْتِي وَأما حكم الْفَرْع وَهُوَ تَحْرِيم النَّبِيذ فَلَا يعد من الْأَركان لِأَنَّهُ يتَوَقَّف على معرفَة الْقيَاس وركن الشَّيْء لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة الْقيَاس وَلكُل وَاحِد من أَرْكَان الْقيَاس من الْأَرْبَعَة الْأَركان شَرط فَبَدَأَ بِشُرُوط الأَصْل فَقَالَ ... فَشرط حكم مَا يعمد أصلا ... أَن لَا يكون النّسخ فِيهِ حلا ...
جعل هَذَا الشَّرْط فِي أصل النّظم شرطا للْأَصْل وَلكنه لما كَانَت شرطيته
стр. 162
إِنَّمَا هِيَ باعبتار الحكم فَإِنَّهُ الَّذِي يرد عَلَيْهِ النّسخ زِدْنَا لفظ الحكم إعلاما بِأَنَّهُ المُرَاد بالنسخ وَلذَلِك تَجِد كثيرا من الْأُصُولِيِّينَ يقتصرون على شُرُوط الحكم وَلَا يجْعَلُونَ للْأَصْل شرطا وَإِنَّمَا شَرط أَن لَا يدْخل النّسخ حكم الأَصْل لما عرفت من المُرَاد من الْقيَاس إِلْحَاق حكم الْفَرْع بِحكم الأَصْل فَإِذا كَانَ قد نسخ فَلَا حكم فَلَا إِلْحَاق وَهَذَا تتَابع على ذكره الْأُصُولِيِّينَ وَلَكِن لَا حَاجَة إِلَيْهِ إِذا مَا نسخ حكمه فقد رفع التَّعَبُّد بِهِ وطوي بِسَاط الْإِلْحَاق عَلَيْهِ وَالشّرط الثَّانِي قَوْله ... وَلَا يكون خَارِجا عَن السّنَن ... كشفعة الْجَار على مَا فِي السّنَن ...
السّنَن الأول بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالثَّانيَِة بِالضَّمِّ جمع سنة وَالْمرَاد مَا جَاءَ فِي السّنة من إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار وَمعنى عدم خُرُوجه عَن سنَن الْقيَاس أَن يعقل الْمَعْنى أَي الْعلَّة فِي الحكم وَيُوجد فِي مَحل آخر يُمكن تعديته إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن الْقيَاس فرع تعقل الْعلَّة كَمَا تقدم فَلَا يَصح الْقيَاس وَالْخَارِج عَنهُ نَوْعَانِ
الأول أَن يكون مِمَّا خَفِي مَعْنَاهُ الْمُقْتَضِي للْحكم وَذَلِكَ كالشفعة والقسامة لِأَنَّهُمَا معدولان عَن سنَن الْقيَاس الشَّرْعِيّ فَإِن الْقسَامَة تجب على
стр. 163
من لَا يَدعِي عَلَيْهِ ولي الدَّم الْقَتْل وَيجب فِيهَا تَحْلِيف من لم يثبت الْحق عَلَيْهِ وَالْقِيَاس أَن لَا تجب إِلَّا على من ادّعى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الشُّفْعَة مُطلقًا مُخَالفَة للْقِيَاس لِأَنَّهَا أَخذ مَال الْغَيْر من غير رِضَاهُ بِلَا عقد وَهَذَا النَّوْع هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِم
وَالثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ ظَاهرا لَكِن منع من إِلْحَاق نَص الشَّارِع بالخصوصية كإجزاء أبي بردة فِي التَّضْحِيَة بالجذع من الْمعز وقصره عَلَيْهِ بقوله ﷺ وَلَا تجزىء غَيْرك وَهَذَا الثَّانِي لم يشر إِلَيْهِ النّظم لعدم ذكره فِي أَصله
الشَّرْط الثَّالِث قَوْله
وَلَا يكون الحكم بِالْقِيَاسِ ... قَالَ بِهَذَا جلة الأكياس
стр. 164
أَي من شُرُوط صِحَة الْقيَاس أَن لَا يكون حكم الأَصْل ثَابتا بِالْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ على الْمُخْتَار وَاسْتَدَلُّوا لذَلِك بِأَن الْعلَّة فِي الْقيَاس إِمَّا أَن تتحد أَو تخْتَلف إِن اتّحدت كقياس التفاح على السفرجل فِي الربويات مَعَ قِيَاسه على الْبر كَانَ تَطْوِيلًا للمسافة بِلَا فَائِدَة للاستغناء بِقِيَاس التفاح على الْبر وَإِن اخْتلفت الْعلَّة لزم فَسَاد الْقيَاس لعدم الِاتِّحَاد فِي الْعلَّة بَين القياسين ومثلوه بِأَن يُقَال الجذام عيب يفْسخ بِهِ البيع كَمَا يفْسخ بِهِ النِّكَاح قِيَاسا على الرتق فَيَقُول الْغَيْر لَا نسلم أَن الرتق يفْسخ بِهِ النِّكَاح فيثبته الْمُسْتَدلّ بِالْقِيَاسِ على الْجب بِجَامِع فَوَات الِاسْتِمْتَاع فَيَقُول هَذَا الْقيَاس فَاسِدا لاخْتِلَاف الْجَامِع بَين الأَصْل وَالْفرع الَّذِي قصد إِثْبَات الحكم بِهِ إِذْ الْعلَّة فِي الجذام كَونه عَيْبا يَنْفَسِخ بِهِ البيع وَالْعلَّة فِي الرتق هِيَ فَوَات الِاسْتِمْتَاع فَبَطل الْقيَاس هَكَذَا قَالَه الْجُمْهُور وَلَا يخفى أَن مَا ذكره فِي الأول من المثالين مناقشة لفظية لَا تَقْتَضِي بطلَان الْقيَاس الْمَذْكُور وَمَا ذكره فِي الثَّانِي دلّ على انه بَطل الْقيَاس لعدم الِاتِّحَاد فِي الْعلَّة لَا لِأَنَّهُ قِيَاس على مقيس فَهَذِهِ شَرط الأَصْل الَّذِي جعلهَا صَاحب أصل النّظم شُرُوطًا للْأَصْل
وَأما شُرُوط الْفَرْع فَثَلَاثَة الأول مِنْهَا مُوَافَقَته فِي أُمُور ثَلَاثَة أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله
واشترطوا فِي فَرعه الموافقه
فِي الحكم وَالْعلَّة والمطابقه ... للْأَصْل فِي التَّغْلِيظ وَالتَّخْفِيف
هَذَا هُوَ الشَّرْط الأول للفرع وَهُوَ وجودي والشرطان الْآخرَانِ عدميان وَإِنَّمَا جعلُوا هَذَا شرطا وَاحِدًا لِأَنَّهُ مُسَاوَاة الْفَرْع لأصله وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَة أُمُور الأول فِي الحكم بِأَن يتحدا فِي الحكم الْمُسْتَفَاد من الْعلَّة وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة مَأْخُوذ فِي مَاهِيَّة الْقيَاس كَمَا عرفت فِي رسمه
стр. 165
وَالثَّانِي مساواته فِي الْعلَّة وَذَلِكَ بِأَن يُوجد فِي الْفَرْع عِلّة أَصله كالكيل فِي الربويات عِنْد معتبره فتقاس النورة عَلَيْهَا لوُجُود علتها فِيهَا بِخِلَاف مَا لَو قيل الْعلَّة هِيَ الطّعْم فَإِنَّهَا لَا تُوجد فِي النورة فَلَا يَصح الْقيَاس
وَالثَّالِث الْمُوَافقَة فِي التَّغْلِيظ وَالتَّخْفِيف فَلَا يَصح قِيَاس التَّيَمُّم على الْوضُوء فِي التَّثْلِيث لِأَن التَّخْفِيف يُنَافِي التَّغْلِيظ فَيكون ذَلِك أَمارَة الْفرق فَلَا تتَحَقَّق الْمُشَاركَة الَّتِي تَقْتَضِي الْإِلْحَاق وَلَيْسَ الْجمع لوُجُود الْجَامِع أولى من الْفرق لوُجُود الْفَارِق وَهَذَا الشَّرْط اعْتَبرهُ الْمهْدي وَجَمَاعَة
وَذهب الْأَكْثَر إِلَى عدم اشْتِرَاطه قَالُوا لِأَنَّهُمَا وصف للْحكم وَالْحكم إِذا ثَبت فِي الأَصْل على أَحدهمَا من التَّغْلِيظ وَالتَّخْفِيف ثَبت فِي الْفَرْع كَذَلِك فَإِن ثَبت الْمَانِع بِنَصّ كَانَ بطلَان الْقيَاس لأَجله لَا لمُجَرّد الْمُخَالفَة فِي التَّخْفِيف والتغليظ
الثَّانِي من شُرُوط الْفَرْع الثَّلَاثَة وهما شَرْطَانِ عدميان أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْله
وَلم يكن فِي حكمه الْمَعْرُوف
شَرْعِيَّة من قبل حكم الأَصْل ... وَلَا أَتَى فِي ذَاك نَص نقلي
هَذَا الشَّرْط الأول أَن لَا نقدم شَرْعِيَّة الْفَرْع على حكم الأَصْل ومثاله قِيَاس الْوضُوء على التَّيَمُّم فِي شَرْعِيَّة وجوب النِّيَّة فَإِن وجوب النِّيَّة فِي التَّيَمُّم
стр. 166
ظَاهر من نَص قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وشرعية التَّيَمُّم مُتَأَخِّرَة عَن شَرْعِيَّة الْوضُوء فَلَا يُقَاس إِيجَاب النِّيَّة فِي الْوضُوء على التَّيَمُّم
وَالثَّانِي مِنْهُمَا مَا أَفَادَهُ قَوْله وَلَا أَتَى فِي ذَاك نَص نقلي أَي أَنه يشْتَرط فِي الْقيَاس أَن لَا يَأْتِي على حكم الْفَرْع نَص نقلي أَي دَلِيل ظَاهر دَال على ثُبُوت حكم الْفَرْع إِذْ يكون دَلِيله النَّص لَا الْقيَاس إِلَّا أَنه يجوز الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ استظهارا وتقوية ومعاضدة
وَأما شُرُوط الحكم فَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله ... وَأَن يكون حكمه شَرْعِيًّا ... لَا لغويا كَانَ أَو عقليا ...
هَذَا شَرط للْحكم الَّذِي ثَبت بِالْقِيَاسِ هُنَا وَهُوَ أَن لَا يكون الحكم عقليا وَلَا لغويا وَهَذَا شَرطه فِي هَذَا الْفَنّ إِذْ قد يجْرِي فِي غَيره الْقيَاس الْعقلِيّ كَمَا فِي أصُول الدّين وَالْمرَاد بِكَوْنِهِ شَرْعِيًّا أَي من الْأَحْكَام الخسمة فَإِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعقل إِلَّا بالأدلة الشَّرْعِيَّة وَالْمرَاد بِنَفْي اللّغَوِيّ نفي أَن يكون الثَّابِت بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ حكما لغويا نَحْو أَن يُقَال فِي اللواط وَطْء وَجب فِيهِ الْحَد فيسمى فَاعله زَانيا كواطىء الْمَرْأَة فَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْأَسْمَاء لَا تثبت إِلَّا بِالْوَضْعِ اللّغَوِيّ لَا بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ وبنفي كَونه عقليا أَنه لَا يثبت بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ حكم عَقْلِي نَحْو أَن يُقَال فِي نقل الْعين الْمَغْصُوبَة اسْتِيلَاء
стр. 167
حرمه الشَّرْع فَيجب كَونه ظلما كَالْغَاصِبِ الأول فَهَذَا لَا يَصح لِأَن الظُّلم إِنَّمَا يَصح إِذا حصل وَجهه وَهُوَ كَونه ضَرَرا عَارِيا عَن نفع وَدفع وَاسْتِحْقَاق
وَأما شُرُوط الْعلَّة فقد أفادها قَوْله ... وَقد أَتَى عِنْدهم لِلْعِلَّةِ ... شَرَائِط قد جمعت فِي سِتَّة ...
الْعلَّة هِيَ الْوَصْف الَّذِي علق عَلَيْهِ الحكم الشَّرْعِيّ وَيُسمى الْبَاعِث على الحكم وَلها سِتَّة شُرُوط
الأول قَوْله ... لَا تصدم النَّص وَلَا إِجْمَاعًا ...
بِأَن يكون مَا أثبتته فِي الْفَرْع مُخَالفا لَهما مِثَال الأول قَول الْحَنَفِيّ الْمَرْأَة مالكة بضعهَا فَيصح نِكَاحهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا قِيَاسا على بيع سلعتها فَإِنَّهُ قِيَاس صادم قَوْله ﷺ أَيّمَا امراة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره وَمِثَال الثَّانِي قِيَاس صَلَاة الْمُسَافِر على صَوْمه فِي عدم الْوُجُوب بِجَامِع السّفر فَإِنَّهُ مُخَالف للْإِجْمَاع على وجوب أَدَائِهَا
الشَّرْط الثَّانِي من السِّتَّة قَوْله ... وَلَا يكون جزؤها مضاعا ...
أَي ملغى عَن الِاعْتِبَار كَمَا بَينه قَوْله من غير تَأْثِير فَإِنَّهُ بَيَان لِمَعْنى إضاعته ... من غير تَأْثِير لَهُ فِي الحكم ...
وَمَعْنَاهُ أَن الْعلَّة إِذا كَانَت مُتعَدِّدَة الْأَوْصَاف عِنْد من قَالَ بِهِ فشرطها أَن لَا يكون فِي أوصافها مَا لَا تثير لَهُ فِي الحكم بِحَيْثُ لَو قدر عدم ذَلِك الْوَصْف لم يعْدم الحكم فِيهِ مِثَاله أَن نقُول فِي تَحْرِيم التَّفَاضُل فِي النورة مثلا مثلي لَيْسَ بِلَبن الْمُصراة فَيضمن بِمثلِهِ فَقَوله لَيْسَ بِلَبن الْمُصراة وصف
стр. 168
ملغى غير مُعْتَبر لَا يَصح أَن يكون باعثا على الحكم وَلَا أَمارَة فَلَا فَائِدَة فِيهِ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ ذَلِك بدافع للنقض كَمَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَتَّى يُقَال هُوَ الْفَائِدَة
الثَّالِث من شُرُوطهَا أَفَادَهُ قَوْلنَا ... وَلَا يكون الْوَصْف نفس الإسم ...
وَيَعْنِي بِهِ الجامد الْمُشْتَقّ مِثَال الجامد التَّعْلِيل فِي حُرْمَة الْخمر بِكَوْنِهِ خمرًا وتعليل تَحْرِيم الرِّبَا فِي الْبر بِكَوْنِهِ برا فَإِنَّهُ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الحكم بل هُوَ وصف طردي غير مُعْتَبر وَإِلَى هَذَا أَشَرنَا بقولنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَأْثِير
قَالَ الْمهْدي فِي شرح المعيار إِنَّه لَا يعلم خلافًا فِي ذَلِك وَقَالَ الرَّازِيّ قد وَقع الِاتِّفَاق على عدم الْجَوَاز أَيْضا قَالَ فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه لَا أثر فِي تَحْرِيم الْخمر لتسميته خمرًا قُلْنَا دَعْوَى الِاتِّفَاق غير صَحِيحَة فَإِنَّهُ قد حكى فِي جمع الْجَوَامِع الْخلاف وَنسبه إِلَى أبي اسحاق الشِّيرَازِيّ فَإِنَّهُ قَالَ يجوز أَن يكون وصف الْعلَّة صفة كالطعم فِي الْبر أَو اسْما كَقَوْلِنَا تُرَاب وَمَا قَالَ لَان كل معنى جَازَ أَن يعلق الحكم عَلَيْهِ من جِهَة النَّص جَازَ أَن يستنبط من النَّص ويعلق الحكم عَلَيْهِ كالصفات قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالصَّحِيح هُوَ الْجَوَاز
стр. 169
قَالَ وَقد اسْتَعْملهُ الشَّافِعِي فِي بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه قَالَ لِأَنَّهُ بَوْل شابه بَوْل الْآدَمِيّ وينسب إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل القَوْل بِهِ هَذَا وَإِنَّمَا قيدنَا بالجامد لَان الْمُشْتَقّ كالسارق وَالزَّانِي جَائِز التَّعْلِيل بِهِ اتِّفَاقًا إِلَّا أَنه قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي شرح الْجمع إِنَّه منع بَعضهم التَّعْلِيل بِالِاسْمِ مُطلقًا نَقله سليم الرَّازِيّ فِي التَّقْرِيب
وَالشّرط الرَّابِع أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... والطرد شَرط قَالَه الْكثير ...
الطَّرْد لِلْعِلَّةِ مرادنا بِهِ أَنَّهَا كلما وجدت الْعلَّة وجد الحكم وَعَدَمه هُوَ تخلف الحكم عَنْهَا فِي بعض الصُّور وَهُوَ الْمُسَمّى بِالنَّقْضِ وَلَا يخفى أَن هَذَا فِي الأَصْل هُوَ الْخَامِس لِأَنَّهُ جعل عدم مُخَالفَة الْعلَّة الحكم تَغْلِيظًا وتخفيفا شرطا وَنحن اكتفينا بِمَا مضى فِي شُرُوط الْفَرْع أَن لَا يخالط أَصله تغليطا وتخفيفا فَإِنَّهُ يعلم أَن الْعلَّة يشْتَرط فِيهَا ذَلِك وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي النّظم فِي شُرُوط الْعلَّة سِتَّة بِاعْتِبَار كَلَام الأَصْل وَلذَا قُلْنَا عِنْدهم أَي لَا عندنَا
وَاعْلَم أَن الْعلَّة إِمَّا أَن تثبت بِنَصّ قَطْعِيّ أَو ظَنِّي أَو استنباط فالتخلف إِمَّا أَن يكون لمَانع أَو عدم شَرط أَو لَا وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي اشْتِرَاط الاطراد لصِحَّة الْعلَّة على أَقْوَال الأول مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من اشْتِرَاط ذَلِك مُطلقًا إِلَّا لمَانع أَو عدم شَرط فَيجوز ذَلِك لِأَن الحكم الشَّرْعِيّ لَا بُد لَهُ من باعث عَلَيْهِ وَقد جزم صَاحب الْآيَات الْبَينَات بَان تخلفها لَا مَانع وَلَا عدم شَرط محَال
стр. 170
وَاسْتدلَّ مشترط الاطراد مُطلقًا أَن الحكم لَا يتَخَلَّف عَن علته إِلَّا لمَانع أَو عدم شَرط قَالُوا فَيكون عدم الْمَانِع وَوُجُود الشَّرْط من أَجزَاء الْعلَّة فوجود بعض أَجْزَائِهَا حِينَئِذٍ فِي مَحل الحكم بِدُونِ الحكم دَلِيل على أَن ذَلِك الْبَعْض لَيْسَ هُوَ الْعلَّة بِمُجَرَّدِهِ وَإِلَّا لوجد الحكم فِي ذَلِك الْمحل مِثَاله لَو ورد أَن عِلّة تَحْرِيم بيع الْحَدِيد بالحديد مُتَفَاضلا هُوَ الْوَزْن ثمَّ علمنَا إِبَاحَة بيع الرصاص بالرصاص مُتَفَاضلا مَعَ وجود الْوَزْن فِيهِ تبين لنا أَن الْعلَّة فِي منع بيع الْحَدِيد بالحديد كَونه مَوْزُونا مَعَ كَونه لَيْسَ بأبيض أَو مَعَ أَنه أسود فانتفاء المانعية وَهُوَ الْبيَاض أَو وجود الشَّرْط وَهُوَ السوَاد قد صَار جُزْءا من أَجزَاء الْعلَّة فَبَطل حِينَئِذٍ أَن تكون الْعلَّة هِيَ الْوَزْن على انْفِرَاده فَهَذَا دَلِيل مشترطي الاطراد مُطلقًا وللمخالفين أَقْوَال مسطورة فِي مطولات الْفَنّ وَإِلَيْهِ أُشير بِمَفْهُوم قَوْلنَا قَالَه الْكثير أَي وَنَازع فِيهِ الْقَلِيل فَقَالُوا لَا يشْتَرط الاطراد وَإِلَى الشَّرْط الْخَامِس من شُرُوط الْعلَّة أَشَارَ قَوْلنَا ... وَالْعَكْس عِنْد الْبَعْض ثمَّ قد أَتَى ... نفيا وَفِي الْأَغْلَب جَاءَ مثبتا ...
فَقَوله وَالْعَكْس هُوَ الشَّرْط الْخَامِس وَمَعْنَاهُ انْتِفَاء الحكم عِنْد انْتِفَاء الْعلَّة وَهَذَا الشَّرْط مَبْنِيّ على عدم جَوَاز تَعْلِيل الحكم بعلتين فَيكون عدم انعكاس الْعلَّة قدحا لَا يَصح مَعَه عليتها لِأَنَّهُ لَا يَصح ثُبُوت الحكم بِدُونِ الْعلَّة وَالْمرَاد انْتِفَاء الْعلم اَوْ الظَّن بالحكم لِأَنَّهُ لَا يلْزم من انْتِفَاء الدَّلِيل انْتِفَاء الْمَدْلُول لجَوَاز أَن يثبت بِدَلِيل آخر
стр. 171
وَكَون الحكم يجوز تَعْلِيله بعلتين مَسْأَلَة خلاف بَين أَئِمَّة الْأُصُول فَمن قَالَ بِجَوَازِهِ قَالَ لَا يشْتَرط انعكاس الْعلَّة كَمَا أُشير إِلَيْهِ بقوله فِي النّظم عِنْد الْبَعْض وَالْمُخْتَار تعدد الْعِلَل المستقلة بِإِثْبَات الحكم بِمَعْنى أَنَّهَا إِذا وجدت مُنْفَرِدَة ثَبت بهَا الحكم ومثاله وجوب الْقَتْل فَإِنَّهُ حكم ثَابت بعلة الْقصاص وبعلة الرِّدَّة وبعلة ترك الصَّلَاة وبعلة الزِّنَى من الْمُحصن فَكل وَاحِدَة عِلّة مُسْتَقلَّة يثبت بهَا الحكم وَقَالَ الْمَانِع إِن الْمِثَال مُتَرَدّد الحكم لَا الْعلَّة قَالَ فالقتل بِالْقصاصِ غَيره بِالرّدَّةِ مستدلا بِأَنَّهُ يَنْتَفِي الْقَتْل بِالْقصاصِ عِنْد الْعَفو مثلا وَيبقى الْقَتْل بِالرّدَّةِ وَلَو كَانَ متحدا لانْتِفَاء الْقَتْل من حَيْثُ هُوَ وَأجِيب بِأَن تعدد الْإِضَافَة لَا يُوجب الِاخْتِلَاف الذاتي وَإِلَّا لزم تعدد الْوَاحِد بالشخص بِاعْتِبَار الاضافات كالأبوة والبنوة والأخوة وَأما ارْتِفَاع بَعْضهَا دون بعض كَمَا فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة فَلَا يضرنا لِأَنَّهُ لمقتض أوجب ذَلِك وَلَا يلْزم مِنْهُ ثُبُوت تعدد الحكم فِي كل مَا وَقع فِيهِ النزاع أَلا ترى أَن الْغسْل إِذا وَجب بِالْحيضِ وَالْوَطْء كفى غسل وَاحِد وَلَو تعدد لتَعَدد الْعِلَل مَا كفى ذَلِك وَهَذَا شرح صدر الْبَيْت
وَأما عَجزه فَإِنَّهُ لما لم يكن من شُرُوط الْعلَّة بل بحث آخر أَتَى بثم إِشَارَة إِلَى أَنه حكم آخر مترتب على مَا قبله وَهُوَ حكم من أَحْكَام الْعلَّة وَقدم النَّفْي لكَونه الأَصْل فَإِن الْوُجُوب طَار على الْعَدَم والمصدر بِمَعْنى اسْم الْمَفْعُول أَي منفيا كَمَا يدل لَهُ الْمُقَابلَة بقوله مثبتا ثمَّ إِن التَّعْلِيل بالمثبت والأغلب كَمَا دلّت لَهُ الْعبارَة وَعَلِيهِ وَقع الِاتِّفَاق وَفِي التَّعْلِيل بِالْعدمِ خلاف فالحنفية لَا يجوزون التَّعْلِيل بِهِ وَالْحق جَوَازه ووقوعه قَالَ تَعَالَى ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ و ﴿كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء﴾ و ﴿لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم﴾ قَالُوا النَّفْي بِمَعْنى الْإِثْبَات وَهُوَ الْكَفّ وَهُوَ أَمر مُحَقّق وجودي قُلْنَا عَاد الْخلاف لفظيا على أَن الْمَعْلُوم لُغَة أَنه لَا يفهم من قَوْله لعَبْدِهِ لم يمتثل إِلَّا سلب مَا دخلت عَلَيْهِ آلَة النَّفْي لَا لِأَنَّهُ قعد أَو كف نَفسه فدعوى مَا ذكرْتُمْ افتراء على اللُّغَة إِذْ آلَة النَّفْي الدَّاخِلَة على الْفِعْل إِنَّمَا تفِيد سلبه ثمَّ لَا يخفى أَن الصُّور أَربع
стр. 172
الأولى أَن يكون الْوَصْف ثبوتيا وَالْحكم كَذَلِك كتعليل تَحْرِيم الْخمر بِكَوْنِهِ مُسكرا
الثَّانِيَة أَن يَكُونَا عدميين مَعًا كتعليل عدم نَفاذ بيع الصَّبِي وَالْمَجْنُون بِعَدَمِ الْعقل
الثَّالِثَة أَن يكون الْوَصْف وجوديا وَالْحكم الثَّابِت عَنهُ عدمي كتعليل عدم نَفاذ التَّصَرُّف من المسرف بالإسراف
وَالرَّابِعَة عكسها وَذَلِكَ كتعليل جَوَاز ضرب الزَّوْجَة بِعَدَمِ الِامْتِثَال ثمَّ أَشَارَ إِلَى بعض أَحْكَام الْوَصْف وَهُوَ الْعلَّة الجامعة بقوله ... ومفردا كَمَا أَتَى مركبا ...
أَي وأتى الْوَصْف مُفردا كالإسكار فِي بَاب الْخمر وَلَا خلاف فِي جَوَاز التَّعْلِيل بالمفرد وأتى مركبا يَعْنِي أَنه يكون الْوَصْف مُتَعَددًا كَالْقَتْلِ العمدي الْعدوان فِي الْقصاص فالمختار وَعَلِيهِ الْجُمْهُور جَوَازه إِذْ لَا مَانع مِنْهُ وَقد وَقع والوقوع دَلِيل الصِّحَّة وَخَالف فَهِيَ من خلاف بِلَا دَلِيل ناهض وَقَوله ... وخلقه كالطعن فِي بَاب الرِّبَا ...
بِكَسْر الْخَاء العجمية أَي يكون وَصفا حَقِيقِيًّا خلقيا فِي مَحل الحكم يدْرك بالحس وَيعْقل بِاعْتِبَار نَفسه لَا بِوَضْع عرفي كالشرف والحسب فِي بَاب الْكَفَاءَة وَلَا شَرْعِي كالنجاسة والطعم لَا يتَوَقَّف على شَيْء مِمَّا ذكر بل يدْرك بالحس ثمَّ نظم مسَائِل تتَعَلَّق بِالْوَصْفِ يذكرهَا الأصوليون وَهِي ارْبَعْ كَونه شَرْعِيًّا وَكَونه يقارنه مثله وَكَونه يعقبه وَكَون الْأَوْصَاف تعَارض فَيرجع إِلَى التَّرْجِيح أَشَارَ إِلَى الأولى فَقَالَ ... وَجَاء شَرْعِيًّا وَعنهُ قد حصل ... حكمان شرعيان ثمَّ فِي الْعِلَل ... تقارن قد صَحَّ والتعاقب ... كَذَلِك التَّرْجِيح حكم لازب ...
فَقَوله وَجَاء أَي وَجَاء الْوَصْف شَرْعِيًّا سَوَاء كَانَ لجلب مصلحَة أَو لدفع مفْسدَة كَمَا يفِيدهُ الْإِطْلَاق وَهُوَ رَأْي الْجُمْهُور وَفِي المطولات خلاف
стр. 173
وتفاصيل لَا حَاجَة إِلَى تفصيلها وَذَلِكَ كَمَا يُعلل عدم صِحَة بيع الْكَلْب لكَونه نجسا فَإِن النَّجَاسَة حكم شَرْعِي وَقَوله وَعنهُ أَي عَن الْوَصْف الْوَاحِد قد حصل حكمان شرعيان أَو أَكثر ومثاله تَعْلِيل تَحْرِيم دُخُول الْمَسْجِد وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْوَطْء بِالْحيضِ فَهَذِهِ أَحْكَام مُتعَدِّدَة عَن وصف وَاحِد وكالسرقة يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حكمان شرعيان الْقطع وَالْفِسْق
وَالثَّانِي قَوْله تقارن أَي يَصح تقارن الْعِلَل المتعددة لحكم وَاحِد وَذَلِكَ كَالْقَتْلِ للردة والزني إِذا تقارن وجودهما فَإِنَّهُمَا علتا الْقَتْل وَقد تقدم فِي بحث الْعَكْس
وَالثَّالِث قَوْله والتعاقب أَي تعاقبها بِأَن يَقْتَضِي وصف حكما ثمَّ يَقْتَضِي وصف آخر ذَلِك الحكم ومثاله تَعْلِيل تَحْرِيم الْوَطْء بِالْحيضِ فَإِذا انْتَهَت مدَّته علل بِعَدَمِ الْغسْل فَإِنَّهُ يتعقب الْحيض فِي اقْتِضَاء تَحْرِيم الْوَطْء بِالْحيضِ فَإِذا انْتَهَت مدَّته علل بِعَدَمِ الْغسْل فَإِنَّهُ يتعقب الْحيض فِي اقْتِضَاء تَحْرِيم الْوَطْء أما تَرْجِيح بعض الْعِلَل على بعض الَّذِي أُشير إِلَيْهِ فَهُوَ عِنْد تعَارض الْعِلَل وَسَيَأْتِي بَيَانه وأمثلته فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَحين انْتهى بِنَا الْكَلَام فِي شُرُوط الْعلَّة أَخذنَا فِي بَيَان طرق مَعْرفَتهَا ومسالك إِثْبَاتهَا فَقُلْنَا ... مسالك الْعلَّة فِيهَا أَربع ... أَولهَا عِنْدهم أَن يجمعوا ...
حذف التَّاء من أَربع لكَونه قد أضيف إِلَى مؤنث وَهُوَ الْعلَّة فَأجرى عَلَيْهِ حكم الْمَعْدُود الْمُؤَنَّث وَجعلهَا أَرْبَعَة هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره بِإِدْخَال تَنْبِيه النَّص وإيمائه فِي مَسْلَك النَّص وَمن عدهَا سِتَّة جَعلهمَا مسلكين وَأولى الْأَرْبَعَة الْإِجْمَاع وَقدم لكَونه أقوى وَلِأَن مَسْلَك النَّص منتشر وَمَعْنَاهُ
стр. 174
أَن تجمع الْأمة على تَعْلِيل حكم بعلة مُعينَة وَمثل الَّذِي أجمع على عليته بالصغر فَإِنَّهُ عِلّة فِي الْولَايَة على المَال وَالْمرَاد بِالْإِجْمَاع هُنَا أَن يجمعوا على أَن الْوَصْف الْفُلَانِيّ عِلّة للْحكم الْفُلَانِيّ من غير نظر إِلَى تعدِي الْعلَّة وَوُقُوع الْقيَاس فَانْدفع مَا قيل إِنَّه كَيفَ يتَصَوَّر الْإِجْمَاع مَعَ نفاة الْقيَاس لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات عِلّة الحكم وَالدَّلِيل عَلَيْهَا أَعم من أَن يحصل عَنْهَا قِيَاس أَو لَا وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي مُتَعَلق أَن يجمعوا
بِأَن هَذَا عِلّة وَالثَّانِي
نَص وَقد عد لَهُ قِسْمَانِ
وَالْمرَاد بِالنَّصِّ مَا دلّ على الْعلية من نَص كتاب أَو سنة سَوَاء كَانَ صَرِيحًا وَهُوَ مَا دلّ بِوَضْعِهِ أَو غير صَرِيح وَهُوَ مَا لزم من مَدْلُول اللَّفْظ فَهَذَا هُوَ مَا أردناه بقولنَا وَقد عد لَهُ قِسْمَانِ ثمَّ بَين الأول بقولنَا
فَمَا أَتَى فِيهِ بِحرف الْعلَّة
فَهُوَ صَرِيح النَّص بالأدلة ... كاللام وَالْبَاء وكي وَالْفَاء
وَمَا بمعناها من الْأَسْمَاء
أَي الَّذِي أَتَى فِيهِ بِحرف يدل على الْعلَّة وضعا فَهُوَ صَرِيح النَّص فِي الدّلَالَة عَلَيْهَا وَمعنى الصراحة هُنَا هُوَ أَن الْحَرْف الْفُلَانِيّ يدل على الْعلية وضعا سَوَاء احْتمل غَيرهَا أَو لَا فَدخل فِيهَا الظَّاهِر فَهُوَ من قسم النَّص الصَّرِيح فِي هَذَا الْإِطْلَاق فَإِن كَانَت تَنْحَصِر دلَالَته عَلَيْهَا فَهُوَ النَّص وَفِي الْعلية بِالْمَعْنَى الْأَخَص وَإِن احْتمل غَيرهَا فَهُوَ الظَّاهِر إِذا عرفت هَذَا فأقواها مَا انحصرت دلَالَته على الْعلية ككي وَمن أجل كَذَا وَإِذا أكل قَالَ تَعَالَى ﴿كي تقر عينهَا﴾ ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا﴾ ﴿إِذا لأذقناك﴾ وَمن السّنة كَمَا قَالَ ﷺ إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان من أجل النّظر وَغير ذَلِك
стр. 175
ثمَّ بعده فِي الدّلَالَة على الْعلية مَا يحْتَمل غَيرهَا احْتِمَالا مرجوحا بِكَوْنِهِ يُطلق على غَيرهَا مثل اللَّام لِأَنَّهُ تَأتي لغير التَّعْلِيل نَحْو ... ولدُوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب ...
ظَاهِرَة كَانَت نَحْو ﴿لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ أَو مقدرَة نَحْو ﴿أَن كَانَ ذَا مَال وبنين﴾ أَي لِأَن كَانَ وَهَذَا على رَأْي من لَا يَجْعَل أَن للتَّعْلِيل فَأَما من يَجْعَلهَا لَهُ فَلَا يقدر اللَّام
وَمن ذَلِك إِن الْمَكْسُورَة الْمُشَدّدَة مثل ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَفِي الحَدِيث إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين وَهُوَ كثير فِي الْكتاب وَالسّنة وبكونها للتَّعْلِيل صرح الرَّازِيّ والآمدي
وَمن ذَلِك الْبَاء نَحْو ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
ثمَّ الْفَاء إِذا دخلت على الْعلَّة نَحْو زملوهم بكلومهم فَإِنَّهُم يحشرون الحَدِيث فِي الشُّهَدَاء وَأما الْفَاء الدَّاخِلَة على الحكم نَحْو ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا﴾ فَلَيْسَتْ للتَّعْلِيل وَقد صرح أَئِمَّة الْعَرَبيَّة أَن الْفَاء تكون للسَّبَبِيَّة فَلِذَا عدهَا الأصوليون حرف عِلّة
وَقَوله وَمَا بمعناها من الْأَسْمَاء يدْخل من أجل ذَلِك وَنَحْوهَا وَإِن كَانَ يُمكن إِدْرَاكهَا فِيمَا قبلهَا وَهَذَا فِي الصَّرِيح من النَّص الدَّال بِوَضْعِهِ على الْعلية وَأما الثَّانِي وَهُوَ غير الصَّرِيح وَهُوَ الدَّال عَلَيْهَا بِلَازِم وَضعه فقد أَفَادَهُ قَوْله ... وَغَيره مَا أفهم التعليلا ... من غَيرهَا وراجع التمثيلا ...
стр. 176
أَي وَغير النَّص مَا أفهم الْعلية من لَازم لَفظه لَا من وَضعه وَخص أَئِمَّة الْأُصُول هَذَا الْقسم بِالتَّسْمِيَةِ بتنبيه النَّص وإيمائه كَمَا قَالَ ... وسمه تَنْبِيه نَص واعرف ... أَنا هُنَا لما سَيَأْتِي تكتفي ...
يُرِيد فِي بَاب الْمَنْطُوق فَإِنَّهُ يَأْتِي بَيَان أَقسَام التَّنْبِيه والإيماء وَأما قَوْله فِي الْبَيْت الأول وراجع التمثيلا فَهُوَ إِحَالَة على مَا فِي الأَصْل من الْأَمْثِلَة
وَاعْلَم ان حَقِيقَة التَّنْبِيه والإيماء هُوَ أَن يقْتَرن الْوَصْف الملفوظ بِهِ بِحكم وَلَو مستنبط لَو لم يكن هُوَ أَو نَظِيره للتَّعْلِيل عَن ذَلِك الاقتران بعد وُقُوعه من الشَّارِع لمعرفته بأساليب الْكَلَام ومطابقة مُقْتَضى الْحَال وَجعلُوا مِنْهُ اقتران النظير كَخَبَر الخثعمية وَهُوَ قَوْلهَا يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته الْوَفَاة وَعَلِيهِ فَرِيضَة الْحَج أينفعه إِذا حججْت عَنهُ فَقَالَ ﷺ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دينا فقضيته أَكَانَ يَنْفَعهُ قَالَت نعم أخرجه السِّتَّة فَذكر ﷺ لَهَا نظيرا مَا سَأَلته عَنهُ ليثبت لَهُ مَا ثَبت لنظيره أَي فَكَمَا ثَبت نفع الْمَيِّت بِقَضَاء دينه ثَبت نَفعه بِالْحَجِّ عَنهُ وَأما مِثَال اقتران الْوَصْف فمثاله خبر المواقع فِي نَهَار رَمَضَان وَلَفظه عِنْد ابْن مَاجَه واقعت أَهلِي فِي رَمَضَان فَقَالَ ﷺ فَقَالَ ﷺ لَهُ أعتق رَقَبَة أخرجه السِّتَّة فَأمره بِالْإِعْتَاقِ بعد ذكره الوقاع دَال بِالْإِيمَاءِ والتنبيه على أَنه عِلّة الحكم فَكَانَ فِي قُوَّة إِذا واقعت فَكفر وَمن الْأَمْثِلَة إِذا منع نهي الشَّارِع عَمَّا يمْنَع من إِيجَاد وَاجِب بعد تَقْدِيم الْأَمر بِهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وذروا البيع﴾ فَإِن
стр. 177
النَّهْي عَن البيع بعد الْأَمر بالسعي فِيهِ تَنْبِيه وإيماء إِلَى أَن عِلّة ذَلِك هُوَ الْأَمر بالسعي وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ اقترانه بِهِ بَعيدا فِي كَلَام الشَّارِع لعدم الْفَائِدَة
وَمن ذَلِك أَن يفرق بَين حكمين بِصفة نَحْو للراجل سهم وللفارس سَهْمَان كَذَا يمثل بِهِ الأصوليون وَإِن كَانَ لَيْسَ لفظ الحَدِيث فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ فقد ذكر حكمان فِي الحَدِيث أَحدهمَا للراجل وَالْآخر للفارس وَفرق بَينهمَا بالفروسبة والرجولية تَنْبِيها وإيماء إِلَى نفي الْعلَّة فِي ذَلِك الحكم وَقد يذكر أحد الوصفين دون الآخر نَحْو قَوْله ﷺ الْقَاتِل عمدا لَا يَرث فَإِنَّهُ لم يتَعَرَّض لغير قَاتل الْعمد وَقد فصل بَين الْوَارِثين بِالْقَتْلِ وَعَدَمه فلولا أَن الصّفة هِيَ الْعلَّة فِي عدم الْإِرْث لما كَانَ لذكرها فَائِدَة
وَمن مَرَاتِب الْإِيمَاء والتنبيه أَن يفرق بَين الْحكمَيْنِ بغاية مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ فَإِنَّهُ فرق فِي الحكم بَين الْحيض وَالطُّهْر أَو فرق بَينهمَا بِالِاسْتِثْنَاءِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون﴾ فَفرق بَين الْعَافِيَة وَغَيرهَا بِسُقُوط الْمهْر بِالْعَفو أَو يفرق بِشَرْط نَحْو حَدِيث فَإِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم وكالاقتران بالاستدراك نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾
وَمن مراتبه أَن يذكر الشَّارِع مَعَ الحكم وَصفا مناسبا لَهُ نَحْو قَوْله
стр. 178
لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان فَإِنَّهُ فِيهِ تَنْبِيها على أَن الْغَضَب عِلّة عدم جَوَاز الحكم لِأَنَّهُ مشوش للنَّظَر وَمُوجب للاضطراب وأمثلة هَذَا كَثِيرَة فِي المطولات
وَلما بَينا المسلك الثَّانِي أَخذنَا فِي بَيَان الثَّالِث بِمَا حواه قَوْلنَا
ثَالِثهَا السّير مَعَ التَّقْسِيم
وَتارَة يُطلق فِي الْعُلُوم ... بِحجَّة الْإِجْمَاع وَهُوَ الْحصْر
لكل وصف ثمَّ يَأْتِي السبر ... إِبْطَالهَا إِلَّا الَّذِي تعينا
بِمَا بِهِ من الْوُجُوه بَينا
التَّقْسِيم هُوَ حصر الْأَوْصَاف والسبر إبِْطَال بَعْضهَا فَقَوله إِبْطَالهَا من السبر وَهُوَ لُغَة الاختبار فالسبر تَابع للتقسيم لَا يكون إِلَّا بعده وَعبارَة النّظم قد أرشدت إِلَى هَذَا للإتيان بمع الَّتِي يكون مدخولها فِي الْغَالِب متبوعا وَهِي أولى من قَوْلهم السبر والتقسيم لخلوصها عَن المناقشة بِأَن السبر لَا يكون إِلَّا بعد التَّقْسِيم وَضمير هُوَ عَائِد إِلَى مَا دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام وَهَذَا تَعْرِيف للسبر والتقسيم فالتقسيم هُوَ الْحصْر لكل وصف يصلح فِي بادىء الرَّأْي للعلية ثمَّ يَأْتِي السبر أَي اختبار الْأَوْصَاف فَيبْطل مَا لَا يصلح للعلية ويستبقى مَا يصلح لَهَا وَمِثَال ذَلِك قِيَاس الذّرة على الْبر فِي تَحْرِيم الرِّبَا بِجَامِع التَّقْدِير وَالْجِنْس مثلا وَإِبْطَال مَا عداهما من الطّعْم والكيل والادخار بِمَا يَأْتِي من دَلِيل الْإِبْطَال فَإِذا منع الْحصْر الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ فِي تَحْصِيل ظن الْعلَّة كفى ان نجيب
стр. 179
بحثت فَلم أجد غَيرهَا أَي الْأَوْصَاف الَّتِي حصرها وَالْأَصْل عدم غَيرهَا فَيقبل قَوْله لعدالته وديانته وَقَوله بِحجَّة الْإِجْمَاع أَي الْحجَّة المستندة إِلَى الْإِجْمَاع كَمَا يُقَال دَلِيل الْكتاب وَدَلِيل السّنة وَخص هَذَا المسلك بِهَذَا الِاسْم وَإِن كَانَ غَيره من المسالك دَلِيل الْإِجْمَاع كَمَا قَالَ فِي شرح المعيار سمي حجَّة الْإِجْمَاع لِأَن الْمُعَلل فِيهِ يعود فِي تعْيين الْوَصْف الَّذِي اخْتَار كَونه عِلّة إِلَى الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع على أَنه لَا بُد من عِلّة فَلَمَّا كَانَ الإلغاء لما عدا الْوَصْف المستبقي مفتقرا إِلَى طَرِيق يعرف بِهِ كَيْفيَّة بعد الْإِشَارَة إِلَيْهِ بقوله أَو لَا بِمَا بِهِ من الْوُجُوه بَينا قَالَ
أما ثُبُوت حكمه بِدُونِهِ
أَو كَونه طرديا أَو بِكَوْنِهِ ... مناسبا للْحكم غير ظَاهر
فَهَذَا بَيَان للوجوه الَّتِي بَين بهَا الْإِبْطَال وَضمير حكمه عَائِد على الْمُتَعَيّن الْمَفْهُوم من الْبَيْت الأول وَفِي بِدُونِهِ إِلَى الْبَعْض الْمَحْذُوف وقرينة السِّيَاق دَالَّة على ذَلِك فَالْأول من الْوُجُوه هُوَ ثُبُوت الحكم فِي مَحل الْوَصْف المستبقى بِدُونِهِ أَي بِدُونِ بعض الْأَوْصَاف المحذوفة بِأَن يَقُول فِي الْمِثَال لَا يصلح أَن تكون الْعلَّة الطّعْم وَلَا الْقُوت لِأَن الْملح رِبَوِيّ بِالنَّصِّ وَلَيْسَ بالطعم وَلَا قوت فَتعين أَن الْعلَّة التَّقْدِير وَالْجِنْس وَنَحْو ذَلِك من الْأَمْثِلَة وَالثَّانِي مَا أَفَادَهُ قَوْله أَو كَونه طرديا أَي كَون الْمَحْذُوف طرديا والطردي الْوَصْف الَّذِي لم يعتبره الشَّارِع إِمَّا مُطلقًا كالطول وَالْقصر فَإِنَّهُ لم يعتبره فِي شَيْء من الْأَحْكَام لَا فِي الْقصاص وَلَا الْكَفَّارَة وَلَا الْعتْق وَلَا فِي شَيْء من الْأَحْكَام فَلَا يُعلل بهما حكم أصلا أَو فِي مَحل دون مَحل كالأنوثة والذكورة فَإِنَّهُ اعتبرها فِي بَاب الشَّهَادَة وَلم يَعْتَبِرهَا فِي الْعتْق فِي الْأَجْزَاء وَإِن كَانَ اعْتِبَارهَا فِيهِ فِي الثَّوَاب وَإِنَّمَا ألغى الطَّرْد لعدم كَونه مناسبا فَهُوَ دَاخل فِي الطَّرِيق الثَّالِثَة وَهِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله أَو بِكَوْنِهِ أَي بِكَوْن الْوَصْف الْمَحْذُوف غير مُنَاسِب أَي لَيْسَ بِظَاهِر فِي الْمُنَاسبَة وَيَكْفِي فِي ذَلِك قَول الْمُسْتَدلّ بحثت فَلم أجد إِذْ هُوَ عدل فَيصدق
стр. 180
فَإِن قَالَ الْمُعْتَرض المستبقى غير مُنَاسِب أَيْضا فيكفيه إبانة وَجه الْمُنَاسبَة بِحَسب ظَنّه وَلما كَانَ لهَذِهِ الطَّرِيق وَالطَّرِيق الْأُخْرَى شرطا قَالَه الْعلمَاء أوضحه قَوْله
وَالشّرط فِي ذَا وَالطَّرِيق الآخر ... إِجْمَاعهم بِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَة
مُعَلل لَا أَن هَذَا الْعلَّة
أَرَادَ بِالطَّرِيقِ الآخر الْمُنَاسبَة وَلم يذكر غَيرهمَا من المسالك أَي السبر والمناسبة من المسالك لما تبين من عدم صِحَة الْعَمَل بِهِ ومعين قَوْله بِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَة أَي أَن الحكم فِي نفس الْأَمر مُعَلل وَإِن ذَلِك مُعْتَبر فِي كل فَرد من أَفْرَاد الْأَحْكَام
رَابِعهَا يوسم فِي المخاطره
إخالة وَتارَة مناسبه
الإخالة بِكَسْر الْهمزَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي مصدر أخال بِمَعْنى ظن والهمزة للصيرورة كأغد الْبَعِير أَي صَار ذَا غُدَّة فَمَعْنَى أخال الْوَصْف صَار ذَا مخيلة أَي مَظَنَّة للبعث على الحكم وَقَوله يوسم أَي يُسمى ويدعى بِمَعْنى يسم وَلذَا عداهُ بِنَفسِهِ وَقَوله وثالثا مُنَاسبَة إِشَارَة إِلَى أَنه كَمَا يُسمى إخالة يُسمى أَيْضا مُنَاسبَة وَيُسمى استخراجها تَخْرِيج المناط
كَمَا قَالَ
كَذَلِك التَّخْرِيج للمناط
من جملَة الألقاب بالتواطي
следующие страницы →