Полный текст (428 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي الْأَدِلَّة
وَجَاء فِي الثَّانِي من الْأَبْوَاب
أَدِلَّة السّنة وَالْكتاب
أَي مَا دلا على حكمه أَو على دليليته فَدخل الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس كَمَا هُوَ مُبين فِيمَا سَيَأْتِي من فُصُول هَذَا الْبَاب هَذَا والأدلة جمع دَلِيل وَالدَّلِيل فِي اللُّغَة المرشد وَهُوَ الْعَلامَة الهادية وناصبها وذاكرها قَالُوا إِنَّه يُطلق على كل وَاحِد من الثَّلَاثَة قَالَ فَالله تَعَالَى دَلِيل لِأَنَّهُ ناصب الْأَدِلَّة وذاكرها فِي كِتَابه وَإِن كَانَ إِطْلَاق الدَّلِيل عَلَيْهِمَا لَا يكون إِلَّا مجَازًا لما تقرر من أَن حَقِيقَة الدَّلِيل مَا يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء آخر وعَلى رَأْي من يشْتَرط فِي حَقِيقَة إِطْلَاق الْمُشْتَقّ وجود مَعْنَاهُ لَا يكون الدَّلِيل أَيْضا هُوَ نفس الْمَنْصُوب وَالْمَذْكُور بل الدَّلِيل هُوَ الْعلم بِوَجْه دلالتها كَمَا يَقْتَضِيهِ رسم الدّلَالَة الْمَذْكُور وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ فِي مَعْنَاهُ لُغَة لم أَجِدهُ فِي الْقَامُوس كَمَا ذَكرُوهُ وَأما مَعْنَاهُ اصْطِلَاحا فَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا
دليلنا مَا يُمكن التَّوَصُّل
بِالنّظرِ الصَّحِيح فَهُوَ الْموصل ... لنا إِلَى الْعلم وبالأماره
ظن وَقد يدعى بِهِ استعاره
أضَاف الدَّلِيل إِلَى نَفسه وَإِلَى غَيره من الْعلمَاء إرشادا إِلَى أَن المُرَاد رسم
стр. 37
مَعْنَاهُ الاصطلاحي وأتى بِقَيْد الْإِمْكَان للْإِشَارَة إِلَى أَن الدَّلِيل من حَيْثُ هُوَ دَلِيل يَكْفِي فِيهِ التَّوَصُّل بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ فَلَا يخرج الدَّلِيل عَن كَونه دَلِيلا بِأَن لَا ينظر فِيهِ أصلا وَلَو اعْتبر فِيهِ وجود التَّوَصُّل لخرج من التَّعْرِيف مَا لم ينظر فِيهِ أحد أبدا وَقَوله التَّوَصُّل قَالَ الْمحلي هُوَ الْوُصُول بكلفة وَقَوله بِالنّظرِ النّظر لُغَة الِانْتِظَار وتقليب الحدقة والرؤية وَبِهَذَا الْمَعْنى يتَعَدَّى بَالَام وَبِهَذَا الْمَعْنى يتَعَدَّى بإلى واالتأمل وَالِاعْتِبَار وَبِهَذَا الْمَعْنى يتَعَدَّى بفي وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاح الْفِكر الْمَطْلُوب بِهِ علم أَو ظن والفكر انْتِقَال النَّفس بالمعاني انتقالا بِالْقَصْدِ ويفسر بِأَنَّهُ مُلَاحظَة الْمَعْقُول لتَحْصِيل الْمَجْهُول وَقد يُفَسر الْفِكر بِأَنَّهُ حَرَكَة النَّفس فِي المعقولات بانتقاله فِيهَا انتقالا قصديا تدريجيا وَالْمرَاد بِالنّظرِ مَا يتَنَاوَل النّظر فِي الدَّلِيل نَفسه وَفِي صِفَاته وأحواله فَيشْمَل الْمُقدمَات الَّتِي هِيَ بِحَيْثُ إِذا ركبت أدَّت إِلَى الْمَطْلُوب والمفرد الَّذِي من شَأْنه أَنه إِذا نظر إِلَى أَحْوَاله أوصل إِلَيْهِ كالعالم وَقَيده بِالصَّحِيحِ وَهُوَ الْمُشْتَمل على شَرَائِطه مَادَّة وَصُورَة لِأَن الْفَاسِد لَا يُمكن أَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب
стр. 38
إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي نَفسه سَببا للتوصل وَلَا آلَة لَهُ وَمَعْرِفَة النّظر الصَّحِيح من الْفَاسِد يعرف من علم الْمِيزَان الْمُؤلف لمعْرِفَة شَرَائِط الْأَدِلَّة من حَيْثُ الْمَادَّة وَالصُّورَة وَنَحْوهمَا
وَقَوله فَهُوَ الْموصل أَي أَنه لَا يُوصل إِلَى النّظر الصَّحِيح إيصالا مطردا وَالْفَاسِد وَإِن اتّفق الْوُصُول بِهِ نَادرا لَا اعْتِدَاد بِهِ وَقَوله إِلَى الْعلم قد حذف مُتَعَلّقه وَهُوَ مَطْلُوب خبري فَالْمُرَاد الْموصل إِلَى الْعلم بمطلوب خبري وَهُوَ من تَمام الرَّسْم وحذفه للْعلم بِهِ فَلَا يرد دُخُول القَوْل الشَّارِح فِي التَّعْرِيف وَبِهَذَا الْقَيْد أخرجه فِي الْفُصُول
وَاعْلَم أَن هَذَا التَّعْرِيف جَار على اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين فِي أَنه لَا بُد فِي الدَّلِيل من إفادته الْعلم فَيخرج مَا يُفِيد الظَّن فَلَا يُسمى دَلِيلا عِنْدهم وَيُسمى أَمارَة وَقد أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْله بالأمارة أَي والتوصل بالأمارة يُفِيد الظَّن لَا الْعلم لُزُوما عاديا لَا عقليا كَمَا إِذا أغيم الْهوى بالغيم الرطب فَإِنَّهُ يحصل ظن حُدُوث الْمَطَر وَقد يتَخَلَّف وَلَو كَانَ عقليا لما تخلف هَذَا كَلَام الْجُمْهُور وَقد اخْتلف فِيهِ على قَوْلَيْنِ الأول مَا سمعته من عدم اللُّزُوم الثَّانِي أَنه لَازم وَهُوَ قَول الملاحمية قَالَ فِي نظام الْفُصُول هُوَ الْحق لِأَن الأمارة إِنَّمَا سميت أَمارَة بدلالتها على مدلولها ظنا فَمَا لم تدل على مدلولها رَأْسا لَا تسمى أَمارَة وَحَاصِله أَن ظن الْمَطَر فِي الْمِثَال الْمَذْكُور ملازم لظن رُطُوبَة الْغَيْم بِحَيْثُ
стр. 39
لَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر كَمَا لَا يَنْفَكّ الْعلم الْحَاصِل عَن الدَّلِيل عَن الْعلم بِوَجْه دلَالَة الدَّلِيل فَإِذا زَالَ ظن الْمَطَر كشف زَوَاله عَن زَوَال ظن الرُّطُوبَة فَإِنَّهُ هُوَ الأمارة لَا نفس الْغَيْم فَإِنَّهُ مشَاهد لَا مظنون وَلَا نفس الرُّطُوبَة فَإِنَّهَا فِي حيّز المجهولات لعدم تحققها إِلَّا بتحقق الْمَطَر نعم بَين الْعلم وَالظَّن فرق فَإِن الْعلم لَا يَنْفَكّ عَن مُتَعَلّقه بِخِلَاف الظَّن انْتهى بتلخيص وَخلاف الملاحمية لم يذكرهُ ابْن الْحَاجِب وَلَا شرَّاح كَلَامه بل أطبقوا على القَوْل الأول وَقَالَ الْعَضُد فِي تَعْلِيله إِنَّه لَيْسَ بَين الظَّن وَبَين شَيْء علاقَة لانتفائه مَعَ بَقَاء سَببه قَالَ عَلَيْهِ المقبلي فِي نجاح الطَّالِب وَلَا يسع عَقْلِي ذَلِك فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْغَيْم الرطب والبرق والرعد والوابل الَّذِي بَيْنك وَبَينه مثلا مائَة ذِرَاع متزاحفا إِلَيْك بِسُرْعَة يحصل مَعَك الظَّن قطعا وَرُبمَا انْكَشَفَ عدم وُصُول الْمَطَر إِلَى حيزك ثمَّ قَالَ وعَلى الْجُمْلَة فَكل صُورَة حصل عَنْهَا الظَّن فَإِنَّهُ يحصل عِنْد مساويها وكل عَاقل رَاجع نَفسه لَا يُنكر ذَلِك وَالَّذِي أَظُنهُ أَن مُوجب تطبيقهم بِسَبَب انْتِقَال ذهني من أَمارَة الظَّن إِلَى الظَّن وَمَعَ هَذَا فَهُوَ بعيد على الْجُمْهُور وتحقيقه أَن الدَّلِيل يلْزم عَنهُ الْعلم وَالْعلم يلْزمه مُطَابقَة الْمَعْلُوم وَلَا يجوز عدم الْمُطَابقَة إِذْ حَقِيقَته ذَلِك والأمارة يلْزم عَنْهَا الظَّن كلزوم الْعلم سَوَاء وهما عاديان لَا يفترقان لَكِن لَيْسَ من لَازم الظَّن الْمُطَابقَة وَلِهَذَا قد يحصل الظَّن وَلَا يحصل المظنون وَلَا يجوز حُصُول الْعلم وَلَا يحصل الْمَعْلُوم وَهَذَا الِافْتِرَاق غير ذَلِك الِاتِّفَاق وَكَأَنَّهُ اتّفق للنظار التباس أحد الْأَمريْنِ بِالْآخرِ وَقد بحثت عَن هَذَا جهدي فِي كَلَام الرَّازِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن وَغَيرهمَا
стр. 40
قلت وَكَأَنَّهُ مَا عرف خلاف الملاحمية وَقد وَافقه كَلَام النظام وَالْحق مَعَهُمَا وَهَذَا مِمَّا تَركه الأول للْآخر وَالْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء قَوْله وَقد يدعى بِهِ اسْتِعَارَة أَي أَنه قد يُسمى أَي الظَّن علما فَإِنَّهُ قد يُطلق لُغَة على الْيَقِين نَحْو الَّذِي يظنون أَنهم ملاقو رَبهم وَعَن الْخَلِيل بن أَحْمد أَنه قَالَ الظَّن شكّ ويقين وَظَاهر كَلَامه أَنه مُشْتَرك فَقَوله اسْتِعَارَة لَيْسَ المُرَاد الِاسْتِعَارَة الاصطلاحية بل المُرَاد أَنه لُغَة يكون بِأحد معنييه بِمَعْنى الْعلم ثمَّ لما ذكر الْعلم بِالدَّلِيلِ أَخذ فِي ذكر حَقِيقَته فَقَالَ
وَالْعلم معنى يَقْتَضِي السكونا
لنَفس من قَامَ بِهِ يَقِينا ... بِأَن مَا يُعلمهُ كَمَا اعْتقد
اعْلَم أَن كلامنا هُنَا فِي الْعلم بِالْمَعْنَى الْأَخَص الَّذِي لَا يَشْمَل الظَّن لِأَنَّهُ قسيمه كَمَا عرفت هُنَا وتعرفه مِمَّا يَأْتِي فِي تَعْرِيف الظَّن وَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنه قد اخْتلف الْعلمَاء هَل يحد الْعلم أَو لَا فَقيل يحد وَقيل لَا يحد لتعسر معرفَة جنسه وفصله وَقيل بل لجلائه ووضوحه فَهُوَ ضَرُورِيّ وعَلى القَوْل الأول فَلهُ تعريفات كَثِيرَة قد أودعت شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَغَيره وَقد أَشَرنَا إِلَى رسمه بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الأَصْل فَقَوله معنى جنس الْحَد شَامِل لجَمِيع أَنْوَاع التصورات والتصديقات وَقَوله يَقْتَضِي السكونا لنَفس من قَامَ بِهِ فصل يخرج الظَّن وَالشَّكّ وَالوهم والتبخيت والتقيلد وَقَوله بِأَن مَا يُعلمهُ كَمَا اعْتقد أَي لَا يُمكن تغيره وَلَا يحْتَمل النقيض بِوَجْه من الْوُجُوه فصل ثَان يخرج بِهِ الْجَهْل الْمركب إِذْ هُوَ معرض للزوال لاحْتِمَال أَن يعرف صَاحبه حَقِيقَة الْأَمر فَانْدفع
стр. 41
مَا قيل من أَنه لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الْقَيْد وَلَا يحْتَرز بِهِ عَن شَيْء بل الْحَاجة إِلَيْهِ ضَرُورِيَّة فَإِنَّهُ لَا يخرج الْجَهْل الْمركب إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ يَشْمَلهُ قَوْله معنى يَقْتَضِي سُكُون النَّفس
فَإِن قلت علم الله غير دَاخل فِي الْحَد فَإِن سُكُون النَّفس يخْتَص بِعلم الْإِنْسَان قلت لَا ضير فِي خُرُوجه لِأَن الرَّسْم للْعلم الكاسب والمكتسب وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ علم الْمَخْلُوق من الْملك وَالْجِنّ وَالْإِنْس بِخِلَاف الْخَالِق فَإِنَّهُ لذاته لَا لسَبَب من الْأَسْبَاب وَعلم الله تَعَالَى قديم لَا يُوصف بضرورة وَلَا كسب ثمَّ إِن التَّعْرِيف إِنَّمَا يُرَاد بِهِ تَعْمِيم إِفْرَاد مَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته بِحَسب الْحَاجة وَلَا ضَرُورَة ملحة إِلَى دُخُول علمه تَعَالَى فِي الرَّسْم لَا يُقَال الرَّسْم دوري لِأَنَّهُ أَخذ الْعلم فِي رسم نَفسه لِأَنَّهُ يُقَال الْمَأْخُوذ فِي التَّعْرِيف هُوَ الْمَعْلُوم والمحدود الْعلم وَهَذَا كَاف فِي الْمُغَايرَة فِي الْجُمْلَة وَلَقَد تعدّدت الْعبارَات فِي رسمه وَمَا خلا شَيْء عَن مقَال
ثمَّ إِن يَنْقَسِم إِلَى ضَرُورِيّ وكسبي وكل مِنْهُمَا لَهُ حَقِيقَة تخصه فَأَشَارَ إِلَى ذَلِك قَوْلنَا
وَهُوَ ضَرُورِيّ أَتَى بِغَيْر كد
خِلَافه الكسبي ثمَّ الأول ... ماليس للتكشيك فِيهِ مدْخل
هَذَا رسم الضَّرُورِيّ لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِغَيْر كد أَي بِلَا طلب واكتساب كعلم أَحَدنَا بِنَفسِهِ
وَأما البديهي فَقَالَ فِي المواقف وَشَرحه البديهي إِنَّمَا يُثبتهُ مُجَرّد الْعقل أَي يُثبتهُ بِمُجَرَّد التفاته إِلَيْهِ انْتهى من غير استعانة بحس أَو غَيره تصورا كَانَ أَو تَصْدِيقًا فَهُوَ أخص من الضَّرُورِيّ وَقد يُطلق مرادفا لَهُ والكسبي هُوَ الْحَاصِل بِالْكَسْبِ وَهُوَ مُبَاشرَة الْأَسْبَاب بِالِاخْتِيَارِ كصرف
стр. 42
الْعقل وَالنَّظَر فِي الْمُقدمَات والاستدلالات والإصغاء وتقليب الحدقة وَنَحْو ذَلِك فِي الحسيات
وَفِي النسفية وَشَرحهَا أَن أَسبَاب الْعلم ثَلَاثَة الْحَواس الْخمس السليمة وَالْخَبَر الصَّادِق وَالْعقل وَقَالَ السعد لَا تَنْحَصِر فِي الثَّلَاثَة بل هَاهُنَا أَشْيَاء أخر مثل الوجدان والحدس والتجربة وَنظر الْعقل بِمَعْنى تَرْتِيب المبادىء والمقدمات والضروري يُقَال تَارَة فِي مُقَابلَة الْكسْب ويفسر بِمَا لَا يكن تَحْصِيله مَقْدُورًا للمخلوق وَتارَة فِي مُقَابلَة الاستدلالي ويفسر بِمَا يحصل بِدُونِ فكر وَنظر فِي دَلِيله وَمن هُنَا جعل بَعضهم الْعلم الْحَاصِل بالحواس اكتسابيا أَي حَاصِلا بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب بِالِاخْتِيَارِ وَبَعْضهمْ جعله ضَرُورِيًّا أَي حَاصِلا بِدُونِ اسْتِدْلَال نَص عَلَيْهِ السعد فِي شرح العقائد
وَاعْلَم أَن انقسام الْعلم إِلَيْهِمَا لَا يحْتَاج إِلَى الِاسْتِدْلَال بل يعرف بالوجدان فكم بَين الْعلم بِأَن الشَّمْس مشرقة وَالنَّار محرقة وَبَين الْعلم بِأَن الْعَالم حَادث فَالْأول ضَرُورِيّ وَالثَّانِي كسبي نَظَرِي وَقَوله مَا لَيْسَ للتشكيك فِيهِ مدْخل خبر عَن قَوْله ثمَّ الأول أَو عَن مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْكل خبر عَن الأول فالضروري مَا لَا يقبل التشكيك فَإِن قيل النظري بعد النّظر الصَّحِيح لَا يقبل أَيْضا التشكيك كعلمنا بِأَن الْعَالم حَادث فَإِنَّهُ لَا يقبل التشكيك بِأَنَّهُ غير حَادث قطّ فَمَا الْفرق أُجِيب بِأَن الضَّرُورِيّ لَا يقبل التشكيك الْبَتَّةَ بِخِلَاف الكسبي فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِ التشكيك فِي الْجُمْلَة وينفيه تَصْحِيح النّظر وتجديده وَحين فرغ من تَعْرِيف الْعلم أَخذ فِي تَعْرِيف الظَّن بقوله ... وَالظَّن تَجْوِيز يكون راجحا ...
стр. 43
أَي إذعان نفس المجوز بِوُقُوع أحد الْأَمريْنِ بِعَيْنِه دون الآخر سَوَاء كَانَ الْحَال كَذَلِك فِي الْوَاقِع أَو لَا وَالْمرَاد بالأمرين طرفا الْمُمكن كوجود زيد وَعَدَمه إِذْ كل من الْوَاجِب والممتنع لَا يتَصَوَّر فِيهِ التجويز الْمَذْكُور ... وَالوهم مَرْجُوح فَخذه وَاضحا ...
الْوَهم تَجْوِيز مَرْجُوح فَهُوَ الطّرف الْمُقَابل للظن الَّذِي أذعنت النَّفس لتجويز وُقُوعه وَفِي قَوْله فَخذه وَاضحا لطف لَا يخفى ... والاستوا شكّ والاعتقاد ...
أَي اسْتِوَاء طرفِي الْمُمكن وَالْمرَاد إذعان النَّفس بِإِمْكَان وُقُوع كل من الْأَمريْنِ بَدَلا عَن الآخر لَا مزية لأَحَدهمَا عَن الآخر تَقْتَضِي رُجْحَان وُقُوعه دون الآخر عِنْد المجوز هُوَ الشَّك وَقد يُطلق لُغَة على الظَّن وَقَوله والاعتقاد مُبْتَدأ خَبره قَوْله ... جزمك بالشَّيْء كَمَا أفادوا ...
فَخرج من قَوْله جزمك الظَّن وَالوهم إِذْ لَا جزم فيهمَا وَهُوَ مَبْنِيّ على أَن الِاعْتِقَاد قسم ثَالِث مُقَابل للْعلم وللظن وَقد يُطلق على مَا يشملهما مَعَ غَيرهمَا فَهُوَ كَالْعلمِ بِمَعْنَاهُ الْأَعَمّ وَقد يُطلق على الْعلم بِالْمَعْنَى الْأَخَص وَقَوله ... لَا تسكن النَّفس بِهِ فَإِن غَدا ...
جملَة لَا تسكن النَّفس صفة لموصوف مَحْذُوف أَي جزمك بالشَّيْء جزما لَا تسكن النَّفس بِهِ وَجُمْلَة كَمَا أفادوا جملَة اعتراضية جِيءَ بهَا لإِصْلَاح النّظم وفيهَا إِشَارَة إِلَى أَن فِي كَلَامهم شَيْئا لِأَن أَخذ عدم سُكُون النَّفس خلاف الْمَطْلُوب إِذْ يرد عَلَيْهِ بِأَن الْجَزْم بالشَّيْء يُنَافِي عدم سُكُون النَّفس فَلَا يُمكن الْجَزْم مَعَ عدم سكونها وَقد يُجَاب بِأَن المُرَاد الْجَزْم هُنَا فِي الْجُمْلَة بِمَعْنى أَن طرفِي الْأَمر المعتقد مِمَّا يجوز فِي نفس الْأَمر أَن يكون على خلاف مَا اعْتقد وَلَا يمْتَنع حِينَئِذٍ أَن يَنْتَفِي سُكُون النَّفس أَو يكون فِي نفس الْأَمر كَمَا أعتقده وَلَكِن
стр. 44
لَا يمْتَنع أَن يَنْتَفِي ذَلِك الْجَزْم والاعتقاد مَعَه بانتقاله إِلَى خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ كَمَا يتَّفق فِي كثير من الاعتقادات فَكَأَنَّهُ قيل الِاعْتِقَاد هُوَ الْجَزْم الَّذِي يقبل التشكيك فِي الْجُمْلَة أَشَارَ إِلَيْهِ السعد فِي حَوَاشِي شرح الْعَضُد
ثمَّ إِنَّه يَنْقَسِم الِاعْتِقَاد إِلَى صَحِيح وفاسد كَمَا أَفَادَهُ قَوْلنَا ... مطابقا فَهُوَ الصَّحِيح أَو عدا ...
ذَلِك هُوَ فَاسد وَجَهل فَالصَّحِيح من الِاعْتِقَاد مَا طابق الْوَاقِع وَالْفَاسِد بِخِلَافِهِ فَالْأول كاعتقاد الْمُقَلّد بمشروعية رفع الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فِي الصَّلَاة مثلا وَالثَّانِي كاعتقاد الْمَلَاحِدَة أَن الْعَالم قديم فَهُوَ اعْتِقَاد فَاسد وَيُقَال لَهُ جهل مركب أَيْضا إِذْ هُوَ جهل لما فِي الْوَاقِع وَجَهل بِكَوْنِهِ جَاهِلا
وَاعْلَم أَن مطابقته للْوَاقِع قد تكون مَعْلُومَة بِالدَّلِيلِ لنا كاعتقاد حُدُوث الْعَالم لقِيَام الْأَدِلَّة عَلَيْهِ الَّتِي يُمكن مَعهَا معرفَة مُطَابقَة الِاعْتِقَاد للْوَاقِع وَمثل مَسْأَلَة رفع الْيَدَيْنِ فِيمَا مثل وَقد لَا يعلم بالأدلة وَلَا ضير فِي ذَلِك لِأَن حَقِيقَة الِاعْتِقَاد الصَّحِيح مطابقته للْوَاقِع لَا الِاطِّلَاع عَلَيْهَا كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْمُجْتَهد الْمُصِيب للحق الْمَأْجُور أَجْرَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يعرف إِصَابَته للحق إِلَّا يَوْم الْجَزَاء أَو بِخَبَر الرَّسُول ﷺ وَقد فقد الْوَحْي وَإِذا عرفت هَذَا فَلَا يرد الترديد الَّذِي أوردهُ الْجلَال فِي شرح الْفُصُول من أَنه إِن أُرِيد الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر فَكيف السَّبِيل إِلَى ذَلِك وَلَا يتم إِلَّا فِي مَا طَرِيقه التَّوَاتُر أَو كَانَ ضَرُورِيًّا وَإِن أُرِيد مَا هُوَ حَاصِل عِنْد المعتقد فَكَذَلِك الْفَاسِد
وَلَا يخفى أَن المعتقد لَيْسَ عِنْده مُطَابقَة وَاقع وَلَا عدمهَا فَكيف يَجعله قسيما لما طابق فِي نفس الْأَمر فالتحقيق أَنه لَيْسَ المُرَاد إِلَّا مُطَابقَة مَا فِي نفس الْأَمر وَلَا يلْزم الِاطِّلَاع عَلَيْهَا فِي المغيبات وَلَا فِي غَيرهَا فَمن اعْتقد أَن زيدا فِي الدَّار لأمارة دلّت على ذَلِك وسكنت إِلَيْهِ نَفسه وانكشف أَنه فِيهَا فاعتقاده صَحِيح وَإِن لم يكن فِيهَا فَهُوَ فَاسد
стр. 45
وَاعْلَم أَنه قد تحصل من قَوْله وَالْعلم معنى يَقْتَضِي السكونا إِلَى هُنَا تَعْرِيف الْأَقْسَام كلهَا فالعلم هُوَ الْمَعْنى الَّذِي اقْتضى سُكُون النَّفس بِمَا عَلمته وَهُوَ الَّذِي يعبرون عَنهُ بانه التَّصْدِيق الْجَازِم المطابق مَعَ سُكُون النَّفس والاعتقاد الصَّحِيح هُوَ التَّصْدِيق الْجَازِم المطابق مَعَ عدم سكونها والاعتقاد الْفَاسِد هُوَ التَّصْدِيق الْجَازِم غير المطابق وَالظَّن هُوَ الْإِدْرَاك الرَّاجِح غير الْجَازِم وَالوهم هُوَ الْإِدْرَاك غير الْجَازِم الْمَرْجُوح وَالشَّكّ هُوَ الْإِدْرَاك غير الْجَازِم المستوي الطَّرفَيْنِ وَبَقِي من الْأَقْسَام الْمشَار إِلَيْهَا فِي النّظم الْجَهْل وَهُوَ قِسْمَانِ مركب وبسيط فَأَشَارَ إِلَى الأول قَوْلنَا ... مركب جَاءَ بِهَذَا النَّقْل ...
صفة لقَوْله جهل فالجهل الْمركب هُوَ إِدْرَاك الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِع وَإِنَّمَا سمي مركبا لِأَنَّهُ جهل الْمدْرك مَا فِي الْوَاقِع فَهَذَا جهل أول وَجَهل أَنه جَاهِل فَهَذَا جهل ثَان فَكَانَ مركبا وَهُوَ الِاعْتِقَاد الْفَاسِد ومثاله الْمِثَال الْمُتَقَدّم وَسَوَاء كَانَ هَذَا الْإِدْرَاك مُسْتَندا إِلَى شُبْهَة أَو تَقْلِيد قَالَ الْمُحَقِّقُونَ إِن هَذَا الْجَهْل يخْتَص بالتصديقات وَلَا يجْرِي فِي التصورات بِنَاء على مَا هُوَ عِنْدهم من الْحق من أَن التصورات لَا تحْتَمل عدم الْمُطَابقَة بِخِلَاف التصديقات قَالَ فِي شرح المواقف لَا يُوصف التَّصَوُّر بِعَدَمِ الْمُطَابقَة أصلا فَإنَّا إِذا رَأينَا من بعيد شبحا هُوَ حجر مثلا وَحصل مِنْهُ فِي أذهاننا صُورَة إِنْسَان فَتلك الصُّورَة صُورَة إِنْسَان وَعلم تصوري لَهُ وَالْخَطَأ إِنَّمَا هُوَ فِي حكم الْعقل بِأَن هَذِه الصُّورَة للشبح المرئي إِنْسَان فالتصورات كلهَا مُطَابقَة لَهُ مَوْجُودا كَانَ أَو مَعْدُوما أَو مُمْتَنعا وَعدم الْمُطَابقَة فِي أَحْكَام الْعقل الْمُقَارن لتِلْك التصورات
فَهَذَا هُوَ الْقسم الأول من قسمي الْجَهْل وَالثَّانِي مِنْهُ مَا فِي قَوْلنَا ... والفقد للْعلم يُسمى جهلا ... وَهُوَ الْبَسِيط فَاتبع مَا يملا ...
стр. 46
والفقد هُوَ الْعَدَم فَقده يفقده فقدا وفقدان وفقودا عَدمه قَالَه فِي الْقَامُوس فَالْمُرَاد عدم الْعلم بالشَّيْء عَمَّن من شَأْنه أَن يكون عَالما فَخرج الجماد والبهيمة وَلَا يتصفان بِالْجَهْلِ وَفِي جمع الْجَوَامِع أَنه انْتِفَاء الْعلم بِالْمَقْصُودِ قَالَ فَخرج الجماد والبهيمة لِأَن انْتِفَاء الْعلم إِنَّمَا يُقَال فِيمَن من شَأْنه الْعلم وَخرج بقوله بِالْمَقْصُودِ مَا لَا يقْصد كأسفل الأَرْض وَمَا فِيهِ فَلَا يُسمى انْتِفَاء الْعلم بِهِ جهلا وَدخل فِي عدم الْعلم بالشَّيْء السَّهْو والغفلة والذهول قَالَ الْآمِدِيّ الذهول والغفلة وَالنِّسْيَان عِبَارَات مُخْتَلفَة لَكِن يقرب أَن تكون مَعَانِيهَا متحدة وَكلهَا مضادة للْعلم بِمَعْنى أَنه يَسْتَحِيل اجتماعها مَعَه
وَفِي جمع الْجَوَامِع وَشَرحه السَّهْو الذهول أَي الْغَفْلَة عَن الْمَعْلُوم الْحَاصِل فينبهه لَهُ أدنى تَنْبِيه بِخِلَاف النسْيَان فَهُوَ زَوَال الْمَعْلُوم فيستأنف تَحْصِيله
فصل حوى الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة
وَهِي أصُول مَا أَتَت فرعية
بعد تَعْرِيف الدَّلِيل وَمَا تفرع عَنهُ من الْعلم وأقسامه أَخذ فِي ذكر الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَهِي الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس فَهَذِهِ أصُول الْمسَائِل الفرعية
وَوجه الْحصْر فِي الْأَرْبَعَة أَن الدَّلِيل إِمَّا أَن يكون صادرا عَن النَّبِي ﷺ أَو لَا وَالْأول إِمَّا أَن يكون قولا فَقَط مَعَ قصد الإعجاز فَهُوَ الْكتاب أَو لَا يكون كَذَلِك يَعْنِي بل أَعم من القَوْل مَعَ عدم قصد الإعجاز فَالسنة وَالثَّانِي إِمَّا أَن يكون صادرا عَن جمَاعَة معصومة فَهُوَ الْإِجْمَاع أَو لَا فَالْقِيَاس وَلم يَجْعَل الِاسْتِدْلَال قسما مُسْتقِلّا لكَونه عَائِدًا إِلَى الْأَرْبَعَة كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقه وَلما كَانَ الْكتاب أصل الْأَدِلَّة قدم الْبَحْث فِيهِ فَقَالَ
أَولهَا الْكتاب فَهُوَ الْمنزل
على الَّذِي أَوْصَافه لَا تجْهَل ... مُحَمَّدًا قصدا لإعجاز الْبشر
بِسُورَة مِنْهُ كأقصر السُّور
стр. 47
الْكتاب لُغَة اسْم الْمَكْتُوب غلب فِي عرف الشَّرْع على الْقُرْآن كَمَا غلب فِي عرف الْعَرَبيَّة على كتاب سِيبَوَيْهٍ فَهُوَ علم بالغلبة للمجموع الشخصي الْمُؤلف من سُورَة الْفَاتِحَة إِلَى سُورَة النَّاس إِلَّا أَنه لَا يخفى أَنه لَا بحث للأصولي عَنهُ من هَذِه الْجِهَة بل بَحثه عَنهُ من حَيْثُ إِنَّه دَلِيل على الحكم وَذَلِكَ إِفْرَاد آيَاته بل جمله الصَّادِق عَلَيْهَا بعض آيَة فَالْمُرَاد مِنْهُ عِنْد الأصولي الْمَفْهُوم الْكُلِّي الصَّادِق على الْمَجْمُوع وعَلى أَي بعض مِنْهُ وتعريف النَّاظِم هُنَا صَادِق على هَذَا الْمَعْنى كَمَا أَنه صَادِق على الْمَعْنى العلمي
وَقَوله وَهُوَ الْمنزل أَي الْكَلَام الْمنزل فَالْكَلَام جنس الرَّسْم وَقَوله الْمنزل فصل يخرج مَا لم ينزل من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَقَوله على الَّذِي أَوْصَافه لَا تجْهَل فصل يخرج مَا أنزل على غير مُحَمَّد ﷺ من الْكتب السماوية وَقَوله لإعجاز الْبشر قيد تخرج بِهِ الْأَحَادِيث القدسية وَغَيرهَا من الْوَحْي وَقَوله الْبشر لَيْسَ لإِخْرَاج غَيرهم كالجن مثلا بل لِأَن الْخطاب ظَاهر فِي أَن طلب التحدي وَقع لَهُم غَالِبا وَإِن وَقع للْجَمِيع أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ وَقَوله بِسُورَة من تَمام الْفَصْل الثَّالِث بتحقيق المُرَاد من التَّعْرِيف ولبيان الْقدر الَّذِي يكون بِهِ الإعجاز فَإِنَّهُ لَو أطلق لتوهم أَن الإعجاز بكله وَمرَاده بقوله بِسُورَة أَي بِقدر سُورَة من كَلَامهم لَا أَنَّهَا نَفسهَا فَإِنَّهُ لَا يعجز عَن الْإِتْيَان بهَا ووضوح المُرَاد كفى عَن بَيَانه كَمَا أَن وضوحه فِي قَوْله مِنْهُ أَي من مثله لَا مِنْهُ كفى وضوحه عَن بَيَانه وَقد اتّفقت كلمة الْأُصُولِيِّينَ على هَذَا الرَّسْم وَقد أَفَادَ تميز الْقُرْآن عَن غَيره وَهُوَ المُرَاد من الرسوم
وَقد أوردت عَلَيْهِ أسئلة وأجوبة اشْتَمَل عَلَيْهَا الفواصل لَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بهَا وَمِمَّا أورد وَلم يذكرهُ فِيهَا أَن تَعْلِيل الْإِنْزَال بالإعجاز لم يثبت فِي كتاب وَلَا سنة وَأَنه وَإِن وَقع التَّعْجِيز بِمثلِهِ فَلذَلِك آيَة من آيَاته لَا عِلّة لتنزيله
стр. 48
قلت جَوَابه أَنه قد طلب تَعَالَى من عباده المعاندين أَن يَأْتُوا بِسُورَة من مثله وبعشر سور من مثله فَيصح منا أَن نعلل إنزاله بِأَنَّهُ إِنْزَال لإعجازهم وَإِن لم يات التَّعْلِيل لإنزاله بذلك فَإِنَّهُ صَالح للعلية فِي نفس الْأَمر لوُقُوع الْعَجز عَنهُ وَلَا يُنَافِي ذَلِك أَنه تَعَالَى علل إنزاله بقوله ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ فَإِنَّهَا تعدّدت الْعِلَل للإنزال وَلَا مَانع من التَّعْلِيل نصا أَو استنباطا وَقد علله تَعَالَى بِأَنَّهُ أنزلهُ تبيانا لكل شَيْء وَمِنْه بَيَان عجزهم عَن معارضته إِذا عرفت هَذَا الرَّسْم وَأَنه لمفهومه الْكُلِّي الصَّادِق على الْمَجْمُوع وعَلى أَي بعض مِنْهُ فقد قَالَ السعد فِي التَّلْوِيح ثمَّ كل من الْكتاب وَالْقُرْآن يُطلق عِنْد الْأُصُولِيِّينَ على الْمَجْمُوع وعَلى كل جُزْء مِنْهُ لأَنهم إِنَّمَا يبحثون عَنهُ من حَيْثُ إِنَّه دَلِيل على الحكم وَذَاكَ آيَة لَا مَجْمُوع الْقُرْآن فاحتاجوا إِلَى تَحْصِيل صِفَات مُشْتَركَة بَين الْكل والجزء مختصه بهما كَكَوْنِهِ معجزا منزلا على الرَّسُول مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِف مَنْقُولًا بالتواتر فَاعْتبر بَعضهم فِي تَفْسِيره جَمِيع الصِّفَات لزِيَادَة التَّوْضِيح وَبَعْضهمْ التَّنْزِيل والإعجاز لِأَن الكتبة وَالنَّقْل ليسَا من لَوَازِم الْقُرْآن لتحَقّق الْقُرْآن بدونهما فِي زمن النَّبِي ﷺ وَبَعْضهمْ اعْتبر الْإِنْزَال والكتبة وَالنَّقْل لِأَن الْمَقْصُود تَعْرِيف الْقُرْآن لمن لم يُشَاهد الْوَحْي وَلم يدْرك زمن النَّبِي ﷺ وهم إِنَّمَا يعرفونه بِالنَّقْلِ والكتبة فِي الْمَصَاحِف لَا يَنْفَكّ عَنْهُمَا فِي زمانهم فهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم من أبين اللوازم وأوضحها دلَالَة على الْمَقْصُود بِخِلَاف الإعجاز فَإِنَّهُ لَيْسَ من اللوازم الْبَيِّنَة وَلَا الشاملة لكل جُزْء مِنْهُ إِذْ المعجزة هُوَ السُّورَة أَو مقدارها أخذا من قَوْله ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾
ورسموا السُّورَة بِأَنَّهَا الطَّائِفَة من الْقُرْآن المترجمة الَّتِي أقلهَا ثَلَاث أيات كَمَا فِي الْكَشَّاف وَلَا يُقَال إِنَّه رسم دوري لتوقف معرفَة الْقُرْآن على السُّورَة وَمَعْرِفَة السُّورَة على الْقُرْآن لأخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي رسم الآخر لأَنا
стр. 49
نقُول قد عرفت أَن قَوْله بِسُورَة مِنْهُ لَيْسَ من فُصُول الرَّسْم وَلَا من تَمَامه بل جِيءَ بِهِ لإيضاح المعجوز عَنهُ نعم قد قدمنَا لَك أَنه أورد على رسم الْقُرْآن أسئلة وأجوبة وَلم تكد تصفو عَن كدر وَأَقُول إِنَّه لَو قيل بتعذر رسم الْقُرْآن لشهرته كَمَا قَالُوهُ فِي الْعلم على مَا سلف من أَنه لَا يحد لجلائه ووضوحه لَكَانَ حسنا فَإِنَّهُ لَا أوضح من الْقُرْآن وَلَا أشهر مِنْهُ عِنْد كل إِنْسَان مِمَّن يعرف الشرعيات إِذْ هُوَ المُرَاد فِي هَذِه الْعُلُوم فَلَا يلتبس الْقُرْآن عِنْده بِغَيْرِهِ حَتَّى يرسم لَهُ فَإِنَّهُ لَا يزِيدهُ رسمه عِنْده إِلَّا خَفَاء وَلما زَاد بَعضهم تواترا فِي رسم الْقُرْآن كَمَا عَرفته من كَلَام السعد وَهُوَ الَّذِي فِي الْفُصُول وَقد اعْتَرَضَهُ فِي النظام فَلهَذَا لم يدْخلهُ النَّاظِم فِيهِ بل ذكره شرطا للقرآنية كَمَا فِي أَصله فَقَالَ ... وَشَرطه فِي نَقله التَّوَاتُر ... فَمَا أَتَى بِغَيْرِهِ لَا ينظر ...
أَي أَنه يشْتَرط فِي كَونه قُرْآنًا تواترا نَقله وَهُوَ نقل جمَاعَة عَن جمَاعَة تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب مَعَ اسْتِوَاء الْوسط والطرفين وَأَن يكون مُسْتَندا إِلَى أحد الْحَواس كَمَا يَأْتِي فَمَا أَتَى نَقله آحاديا فَإِنَّهُ لَا تثبت لَهُ قرآنية فَلِذَا قَالَ فَمَا أَتَى بِغَيْرِهِ أَي بِغَيْر التَّوَاتُر لَا ينظر أَي لَا ينظر إِلَى أَنه قُرْآن وَإِن كَانَ ينظر إِلَيْهِ من جِهَة آخرى فِي الِاسْتِدْلَال كَمَا يَأْتِي قلت هَكَذَا أطبق الْعلمَاء عَلَيْهِ وَعِنْدِي فِيهِ توقف لأَنا نعلم قطعا أَنه كَانَ يَأْتِي جِبْرِيل إِلَى الرَّسُول ﷺ فيلقي إِلَيْهِ الْوَحْي بِالْقُرْآنِ فَإِذا سري عَنهُ ﷺ طلب وَاحِدًا مِمَّن كَانَ يكْتب الْوَحْي فيأمره بكتب مَا أنزل الله تَعَالَى فَهَذَا هُوَ الطّرف الأول ثمَّ يتناقله الصَّحَابَة بَينهم ويحفظونه ويعرفه جمَاعَة فالطرف هَذَا آحادي قطعا عَن خبر من هُوَ مَعْلُوم صدقه بالمعجزة وَقد يكون آحاديا من الطّرف الثَّانِي وَهُوَ أَن لَا يبلغ الصَّحَابَة الَّذين يبلغون الْوَحْي من رَسُول الله ﷺ أَن يَكُونُوا جمَاعَة يحِيل الْعَادة إِلَى آخِره وَمن
стр. 50
عرف كتب الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأَسْبَاب النُّزُول علم هَذَا علم يَقِينا ولماجمع أَبُو بكر الْقُرْآن أَمر زيد بن ثَابت أَنه من أَتَى إِلَيْهِ بِآيَة وَمَعَهُ شَاهِدَانِ أَن يَكْتُبهَا وَأَنه وجد زيد بن ثَابت آخر أَيَّة فِي سُورَة براءه مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت وَحده فأثبتها لِأَنَّهُ ﷺ جعل شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ وَعلل الْجُمْهُور شَرْطِيَّة التَّوَاتُر فِي ذَلِك مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله ... لِأَنَّهَا تقضي بِهَذَا العاده ... قطعا كَمَا قرر فِي الإفاده ...
فَهَذَا دَلِيل الدَّعْوَى بِأَنَّهُ لَا يثبت قُرْآنًا إِلَّا مَا تَوَاتر قَالُوا وَذَلِكَ لِأَن الْقُرْآن لإعجازه النَّاس عَن الْإِتْيَان بِمثل أقصر سُورَة مِنْهُ مِمَّا تتوافر الدَّوَاعِي على نَقله تواترا وَقَوله كَمَا قرر فِي الإفادة إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا كَلَام أَئِمَّة الْأُصُول الَّذين قرروه وَفِيه نزاع طَوِيل قد أوضحناه فِي حَوَاشِي شرح الْغَايَة وَلَا يخفى أَنه الْآن وَمن قبل الْآن قد صَار كَون الْقُرْآن مَا حواه دفتا الْمُصحف
стр. 51
إِجْمَاعًا قَطْعِيا لَا يدْخلهُ تشكيك وَأَنه كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ ... وحرموا بِمَا عدا السبعية ... قِرَاءَة الذّكر على الْبَريَّة ...
قَالَ فِي الأَصْل وَتحرم الْقِرَاءَة بالشواذ وَهِي مَا عدا السَّبع يُرِيد قِرَاءَة نَافِع وَأبي عَمْرو وَالْكسَائِيّ وَابْن كثير وَابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة قَالُوا فَهَذِهِ السَّبع متواترة وَإِنَّمَا أضفنا التَّحْرِيم إِلَيْهِم لما يَأْتِي لنا من الْبَحْث فِي ذَلِك وَقَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي الإتقان عِنْد الْكَلَام على الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور والآحاد وَغَيرهَا مَا لَفظه وَأحسن من تكلم فِي هَذَا النَّوْع إِمَام الْقُرَّاء فِي زَمَانه أَبُو الْخَيْر بن الْجَزرِي قَالَ فِي أول كِتَابه النشر كل قِرَاءَة
стр. 52
وَافَقت الْعَرَبيَّة وَلَو بِوَجْه ووافقت إِحْدَى الْمَصَاحِف العثمانية وَلَو احْتِمَالا وَصَحَّ سندها فَهِيَ الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة الَّتِي لَا يجوز ردهَا وَلَا إنكارها بل هِيَ من الأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وَوَجَب على النَّاس قبُولهَا سَوَاء كَانَت عَن الْأَئِمَّة السَّبْعَة أَو الْعشْرَة أَو غَيرهم من الْأَئِمَّة المقبولين وَمَتى اخْتَلَّ ركن من هَذِه الْأَركان الثَّلَاثَة أطلق عَلَيْهَا ضَعِيفَة أَو شَاذَّة أَو بَاطِلَة سَوَاء كَانَت عَن السَّبْعَة أَو عَن من هُوَ أَكثر مِنْهُم هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَئِمَّة التَّحْقِيق كَمَا صرح بذلك مكي والداني والمهدوي وَأَبُو شامة وَهُوَ مَذْهَب السّلف الَّذِي لَا يعرف عَن أحد خِلَافه انْتهى
وَقَالَ فَعرفت من كَلَامه أَن السَّبع لَا يعْتَبر بهَا حَتَّى توَافق الثَّلَاث الْقَوَاعِد الَّتِي ذكرهَا وَإِن مَا وافقها فَهُوَ الْقُرْآن من السَّبع كَانَ أَو من غَيرهَا وَادّعى ابْن الْجَزرِي أَن هَذَا مَذْهَب سلف الْأمة كَمَا سمعته وَقد قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ إِنَّه أحسن من تكلم فِي ذَلِك وَفِي قَوْله بل هِيَ من الأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن جمل مِنْهُ لحَدِيث أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف على الْقرَاءَات وَهُوَ قَول من قريب أَرْبَعِينَ قولا ذكرهَا فِي الإتقان وهجن على من قَالَه إِنَّه أُرِيد بِهِ الْقرَاءَات السَّبع الْمَعْرُوفَة الْآن الَّتِي أُشير إِلَيْهَا فِي النّظم وَفِي أَصله
стр. 53
ثمَّ إِن هَا هُنَا بحثين الأول قد عرفت أَن الدَّلِيل أَنه لَا يكون الْقُرْآن إِلَّا مَا تَوَاتر هِيَ الْعَادة الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُم دَلِيل غَيرهَا وَقد تعقب بعض الْمُحَقِّقين هَذَا الدَّلِيل وَقَالَ مِثَال الْعَادة طُلُوع الشَّمْس من الْمشرق وغروبها من الْمغرب واستمرار الْجَبَل حجرا ثمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْعَادة الَّتِي يُحَال على مثلهَا وعمدتها حُصُول الْعلم بِمُقْتَضَاهُ وَيَتَرَتَّب على الْعلم بمتقضاها الْعلم بمكابرة منكرها وَهَذِه الْعَادة الَّتِي ذكرت هُنَا الْمُسلم مِنْهَا لُزُوم تَوَاتر فِي الْجُمْلَة وَجُمْهُور التفاصيل وَقد وَقع بِفضل الله تَوَاتر أَكثر مِمَّا تقضي بِهِ الْعَادة من ذَلِك وَأما مَا ادعوهُ هُنَا فَلَا قضى بِهِ عقل وَلَا ساعده الْوَاقِع وَكثير من النَّاس الْعُقَلَاء الْعلمَاء لَا سِيمَا المختصون بِعلم الْقُرْآن على خلاف هَذِه الدَّعْوَى وتهجينها وَقد ذكرُوا ذَلِك وَأقرب شَيْء من الْكتب المحيطة المتداولة النشر لِابْنِ الْجَزرِي وَمن ادّعى على النَّاس أَنهم منكرون للتواتر الضَّرُورِيّ الَّذِي يُرَاجع كل منصف نَفسه بعد مبالغته فِي الْبَحْث فَيحكم على دَعوَاهُم بِالْبُطْلَانِ فمنزلة هَذَا الْمُدَّعِي الإهمال انْتهى
فَهَذَا الْبَحْث الأول فِي قَوْلهم وكل مَا لم يتواتر فَإِنَّهُ لَيْسَ بقرآن الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله فَمَا أَتَى بِغَيْرِهِ لَا ينظر الْبَحْث الثَّانِي على قَول ابْن الْجَزرِي الَّذِي نَقله فِي الإتقان وَاسْتَحْسنهُ من أَن كل قِرَاءَة وَافَقت الْعَرَبيَّة وَلَو بِوَجْه ووافقت أحد الْمَصَاحِف العثمانية وَلَو احْتِمَالا وَصَحَّ سندها إِلَى آخر كَلَامه فَإِنَّهُ قد أورد عَلَيْهِ ذَلِك الْمُحَقق أَن الَّذِي اشْتَرَطَهُ غير صَحِيح أما مُوَافقَة خطّ الْمُصحف فَلَا دَلِيل على ذَلِك كَيفَ وَقد خُولِفَ الْمُصحف فِي مَوَاضِع لم يقْرَأ أحد على مُقْتَضَاهُ فِيهَا فَهَل قَرَأَ أحد / أَو لاأذبحنه / / وَلَا أوضعوا خلالكم / وَنَحْو ذَلِك وَلَا نسلم اسْتِقْرَار خطّ الْمُصحف على قانون والعمدة إِنَّمَا هُوَ النَّقْل والمصاحف وضعت لضبط الْجُمْلَة
стр. 54
وَلَا وَقع عَلَيْهَا إِجْمَاع بل رُبمَا لم يطلع عَلَيْهَا جُمْهُور سَادَات الصَّحَابَة وحفاظهم كَأبي وَابْن مَسْعُود الْمَشْهُور لَهُم بجودة الْقِرَاءَة وَكَذَلِكَ وَغَيرهم وَذَلِكَ لَا يخفى على الباحث
وَكَذَلِكَ اشْتِرَاط وَجه فِي الْعَرَبيَّة غير صَحِيح وَإِن كَانَ عَلَيْهِ تصرف الزَّمَخْشَرِيّ وَكثير وَهل يقْضِي بِمَا صَحَّ من امرىء الْقَيْس على مَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الْعَرَبِيّ حَقًا المتلقي لَهُ عَن جِبْرِيل عَن الله تَعَالَى وَأما الْعَرَبِيّ فَإِنَّمَا نعمل بِكَلَامِهِ لظننا أَنه تكلم على حسب الْوَضع وَلذَا إِذا شَذَّ لم يعْمل بقوله إِذا عَارضه الْجُمْهُور حَتَّى نجوز تغليظه لظننا فِي بعض الْموَاد أَنه تكلم على غير الْوَضع وَقد ذكر هَذَا ابْن الْحَاجِب توجيها لقَوْل سِيبَوَيْهٍ إِن بعض الْعَرَب يغلطون ثمَّ يُقَال لهَؤُلَاء المدعين أتشكون فِي هَذَا الْجُمْهُور من سَادَات الصَّحَابَة كَأبي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس
стр. 55
وَعلي بن أبي طَالب وَفَاطِمَة فِي قِرَاءَة من ﴿أَنفسكُم﴾ بِفَتْح الْفَاء وَعَائِشَة فِي مثل ﴿تلقونه بألسنتكم﴾ وَمن لَا يُحْصى من أكابرهم مِنْهُم من رُوِيَ عَنهُ الْقِرَاءَة والقراءتان وَمِنْهُم المكثر جدا كَأبي وَابْن مَسْعُود وَمِنْهُم الْمُتَوَسّط ثمَّ كَذَلِك التَّابِعين وتابع التَّابِعين فَإِن شَكَكْتُمْ فِي روايتهم وَأَنَّهُمْ غلطوا فقد شَكَكْتُمْ فِي جملَة الدّين فَإِنَّهُم الْوَاسِطَة بَين النَّبِي ﷺ وبيننا وَمَا رَوَوْهُ قُرْآنًا أَحَق بِالِاحْتِيَاطِ والتحفظ وَإِن كَانَ شَكَكْتُمْ فِي من بعدهمْ فَكَذَلِك يلْزم تَعْطِيل الشَّرِيعَة لأَنهم رواتها
وَأما قَوْلهم إِنَّه يجوز أَن يدْخل أحدهم مذْهبه فِي مصحفه ويجعله فِي نظم الْقُرْآن مَعَ كَثْرَة ذَلِك فِي مصحف أبي وَابْن مَسْعُود وَسَائِر من رويت عَنْهُم الْقرَاءَات فرميهم بِهَذَا لَا يجوز وَلَا يجوز فيهم فهم خير الْقُرُون وهم حَملَة الدّين والسفرة بَين الرَّسُول ﷺ وَالْأمة فَمَا أسمج هَذَا التجويز وأوقح وَجه من جوزه انْتهى
قلت وبهذين البحثين يعرف الْحق ثمَّ لَا يخفى أَن كَلَام ابْن الْجَزرِي الَّذِي استحسنه السُّيُوطِيّ وَنَقله فِي الْفُصُول قَاض بِعَدَمِ القَوْل بِوُجُوب تَوَاتر
стр. 56
أَفْرَاد الْقُرْآن لقَوْله صَحَّ سندها فَإِن الْمُتَوَاتر لَا ينظر فِي سَنَده أصلا وَلذَا قَالَ ابْن الْجَزرِي بعد ذَلِك مَا لَفظه وَقَوْلنَا وَصَحَّ سندها نعني أَن يرْوى تِلْكَ الْقِرَاءَة الْعدْل الضَّابِط عَن مثله هَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِي وَتَكون مَعَ ذَلِك مَشْهُورَة عِنْد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن غير مَعْدُودَة عِنْدهم من الْغَلَط أَو مَا شَذَّ بهَا بَعضهم قَالَ وَقد شَرط بعض الْمُتَأَخِّرين التَّوَاتُر فِي هَذَا الرُّكْن وَلم يكتف بِصِحَّة السَّنَد وَزعم أَن الْقُرْآن لَا يثبت إِلَّا بالتواتر وَأَن ماجاء مَجِيء الْآحَاد لَا يثبت بِهِ قُرْآن قَالَ وَهَذَا لَا يخفى مَا فِيهِ فَإِن التَّوَاتُر إِذا ثَبت لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرُّكْنَيْنِ الآخرين من رسم وَغَيره إِذْ مَا ثَبت من أحرف الْخلاف متواترا عَن الرَّسُول ﷺ وَجب قبُوله وَقطع فِيهِ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا سَوَاء كَانَ مُوَافقا للرسم أم لَا وَإِذا شرطنا التَّوَاتُر فِي كل حرف من حُرُوف الْخلاف انْتَفَى كثير من أحرف الْخلاف الثَّابِتَة عَن السَّبْعَة ذكره فِي الإتقان
فَتحصل من مَجْمُوع مَا ذكر عدم تَمام دَعْوَى تَوَاتر السَّبع وَعدم تَحْرِيم القرءاة بغَيْرهَا كَمَا فِي الأَصْل وَالنّظم وَهُوَ أَيْضا غَالب مَا فِي كتب الْأُصُول أَو كلهَا وَالنّظم إِنَّمَا يَأْتِي بِمَا فِي الأَصْل وَإِن كَانَ النَّاظِم يخْتَار خِلَافه وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك بقولنَا وجزموا وَأما حكم مَا عدا السَّبْعَة فقد أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... وَهِي نَظِير الْخَبَر الآحادي ... يلْزم مَا فِيهَا على الْعباد ...
أَي أَن الْقِرَاءَة الْخَارِجَة عَن السَّبع فِي حكمهَا كالخبر الآحادي وَحكمه وجوب الْعَمَل بِهِ فَكَذَلِك الشاذة هَذَا مُخْتَار الْجُمْهُور قَالُوا فَيعْمل بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي قَوْله فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات وَيجب التَّتَابُع قَالُوا وَإِنَّمَا يعْمل بهَا فِي الْأَحْكَام العملية لَا العلمية لِأَن الْآحَاد لَا تفِيد الْعلم وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون قُرْآنًا أَو سنة لِأَن الْغَرَض أَن نقلهَا عَنهُ ﷺ صَحِيح وَترك شَيْء من صَحِيح الْقُرْآن أَو السّنة لَا يجوز وَخَالف الشَّافِعِي وَجَمَاعَة فَقَالُوا قد اتفقنا على شَرْطِيَّة تَوَاتر الْقُرْآن وَقد
стр. 57
انْتَفَت قرآنيتها لعدم تواترها وبكونها نقلت قُرْآنًا انْتَفَت عَنْهَا السّنيَّة وَأجِيب بِأَن الْعَمَل بهَا لَيْسَ لوصفها أَعنِي القرآنية أَو السّنيَّة بل لذاتها الَّتِي هِيَ صِحَة نسبتها إِلَى الشَّارِع فِي الأول وَالْخَطَأ فِي الْوَصْف بالقرآنية إِن سلم وجوب التَّوَاتُر لايستلزم الْخَطَأ فِي نِسْبَة الذَّات الَّتِي هِيَ نِسْبَة الحكم إِلَى الشَّارِع وَلم يشْتَرط فِي الرواي أَن لَا يخطىء رَأْسا بل يَكْفِي رُجْحَان ضَبطه على سَهْوه وَالْفَرْض أَن الرواي كَذَلِك والندرة لَا تبطل الرجحان ... وَآيَة من صدر كل سُورَة ... لَفْظَة بِسم الله فِي الْمَشْهُورَة ...
وَفِي الْمَشْهُور صفة لموصوف مَحْذُوف أَي فِي الْأَقْوَال الْمَشْهُورَة وَاعْلَم أَنه لَا خلاف فِي ثُبُوت الْبَسْمَلَة خطأ فِي أَوَائِل السُّور وَأَنَّهَا قُرْآن فِي سُورَة النَّمْل أَعنِي قَوْله ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي كَونهَا قُرْآنًا منزلا أَوَائِل السُّور فَمن ناف لقرآنيتها فِي جَمِيعهَا وَمن مُثبت ثمَّ المثبتون اخْتلفُوا هَل هِيَ آيَة مُسْتَقلَّة أنزلت للفصل بَين كل سورتين أَو آيَة من الْفَاتِحَة فَقَط أَو آيَة مِنْهَا بعض آيَة من غَيرهَا من السُّور فَالَّذِي رَجحه الْجُمْهُور مَا أَشَارَ إِلَيْهِ النّظم من أَنَّهَا آيَة من أول كل سُورَة وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِإِجْمَاع أهل الْبَيْت حَكَاهُ فِي حَوَاشِي الْفُصُول وَحَكَاهُ ابْن عَطِيَّة النجراني فِي تَفْسِيره وبأنها وَردت الْأَحَادِيث بذلك المحصلة للتواتر الْمَعْنَوِيّ فَإِنَّهُ نقل السُّيُوطِيّ فِي الإتقان ثَلَاثَة عشر حَدِيثا ثمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تُعْطِي التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا منزلا أوئل السُّور وَزَاد عَلَيْهَا ابْن الإِمَام فِي شرح الْغَايَة حَتَّى بلغت سَبْعَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا بِمَا ذكره فِي الإتقان
قلت لَكِن من نظر بِعَين الْإِنْصَاف فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث علم أَنَّهَا بمراحل
стр. 58
عَن إِفَادَة التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ الدَّال على كَونهَا قُرْآنًا منزلا فِي أَوَائِل كل سُورَة وَقد صرح القَاضِي سيلان فِي حَاشِيَته على شرح الْغَايَة بِأَنَّهُ لَا شَيْء مِنْهَا يدل على الْمَطْلُوب غير مَا أخرجه الثَّعْلَبِيّ عَن عَليّ ﵇ مَوْقُوفا أَنه كَانَ إِذا افْتتح السُّورَة فِي الصَّلَاة يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَكَانَ يَقُول من ترك قرَاءَتهَا فقد نقص وَكَانَ يَقُول هِيَ تَمام السَّبع المثاني فَقَوله إِذا افْتتح السُّورَة هِيَ أَعم من الْفَاتِحَة وَغَيرهَا وَقَوله هِيَ تَمام السَّبع المثاني دَال على أَنه يرى أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة وَمن غَيرهَا من السُّور وَالْأَحَادِيث فِي جهره ﷺ بهَا فِي صلَاته وَعَدَمه متعارضة وَغير ناهضة على إِثْبَات الْمُدَّعِي وَهِي أَحَادِيث كَثِيرَة قد سَاقهَا النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَأطَال
قَالَ فِي الفواصل وَأحسن الْأَدِلَّة إِجْمَاع الصَّحَابَة على تَجْرِيد الْمَصَاحِف عَمَّا لم يكن قُرْآنًا وبالمبالغة فِي ذَلِك حَتَّى لم يثبتوا آمين وَمنع بَعضهم الْعَجم أَي الإعجام وَكَون الْبَسْمَلَة سنة مَشْهُورَة فِي كل أَمر ذِي بَال لَا يسوغ كتَابَتهَا فِي الْمَصَاحِف وَإِلَّا لكتبت الِاسْتِعَاذَة فَهِيَ آكِد السّنَن عِنْد تِلَاوَته بل قد قيل بِوُجُوبِهَا كَمَا هُوَ ظَاهر الْأَمر بقوله تَعَالَى ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه﴾
стр. 59
وَأَيْضًا قد تَوَاتر ثُبُوتهَا فِي أول كل سُورَة فِي الْمَصَاحِف وَهَذَا كَاف فِي تواترها قُرْآنًا حَيْثُ قد ثَبت إِجْمَاع الصَّحَابَة على أَن لَا يكتبوا إِلَّا مَا كَانَ قُرْآنًا إِلَّا أَنه إِذا الْتفت نظرك إِلَى الْأَحَادِيث الدَّالَّة على إنزالها أول كل سُورَة للفصل ولتعريف النَّبِي ﷺ بِانْقِضَاء السُّورَة عرفت أَنه وَجه نير لكتابتها فِي الْمَصَاحِف وَعذر وَاضح فِي عدم النكير من الصَّحَابَة ﵃ وَحِينَئِذٍ فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال على الْمُدعى بِدَلِيل قَطْعِيّ وَقد بسطنا الْبَحْث فِي حَوَاشِي الْبَحْر الْمُسَمَّاة بالاستظهار
مَسْأَلَة فِي الْمُحكم والمتشابه
وَمَا أَتَى متضحا مَعْنَاهُ
فمحكم وَمَا الخفا حواه ... خِلَافه وَلَيْسَ فِيهِ مَا لَا
معنى لَهُ حاشاه عَمَّن قَالَا
اشْتَمَل النّظم على أَمريْن الأول أَن فِي آيَات الْقُرْآن محكما ومتشابها كَمَا أَفَادَهُ نَص كَلَام الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ وَقد وصف الله تَعَالَى الْقُرْآن بِأَن آيَاته كلهَا محكمَة فِي قَوْله ﴿كتاب أحكمت آيَاته﴾ ووصفها كلهَا بالمتشابه ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها﴾ فالوصف لكل آيَة بالإحكام مُرَاد بِهِ إتقان نظمه وَالْوَصْف كلهَا بالمتشابه مُرَاد بِهِ تماثله بلاغة وفصاحة وإعجازا فعلى هَذَا الْمَعْنى كل مُحكم متشابه وكل متشابه مُحكم وَأما الْمَقْصُود هُنَا فَهُوَ مَا فِي الْآيَة الأولى وَقد سَمِعت تَفْسِير الْمُحكم بِأَنَّهُ مَا كَانَ مَعْنَاهُ متضحا والمتشابه بِخِلَافِهِ وَقد فسرهما الطَّيِّبِيّ بذلك حَيْثُ قَالَ وَالْمرَاد بالمحكم مَا اتَّضَح مَعْنَاهُ والمتشابه بِخِلَافِهِ لِأَن اللَّفْظ الَّذِي يقبل الْمَعْنى إِمَّا أَن يحْتَمل غَيره أَو لَا الثَّانِي النَّص وَالْأول إِمَّا أَن تكون دلَالَته على ذَلِك الْمَعْنى أرجح أَو لَا الأول هُوَ الظَّاهِر وَالثَّانِي إِمَّا أَن تكون مَعَانِيه مُتَسَاوِيَة أَو لَا
стр. 60
وَالْأول هُوَ الْمُجْمل وَالثَّانِي هُوَ المؤول فالمشترك بَين النَّص وَالظَّاهِر هُوَ الْمُحكم والمشترك بَين الْمُجْمل والمؤول هُوَ الْمُتَشَابه انْتهى مَا نَقله السُّيُوطِيّ عَنهُ فِي الإتقان
فَقَوْل النَّاظِم مَعْنَاهُ أَي المُرَاد مَا عني بِهِ فَيخرج المؤول من تَعْرِيف الْمُحكم إِذْ هُوَ من الْمُتَشَابه وَإِن صدق عَلَيْهِ أَنه متضح الْمَعْنى الْمُسْتَفَاد من الْوَضع فَلَيْسَ هَذَا هُوَ المعني وَكَذَا فِي الْمُتَشَابه لَيْسَ المُرَاد بِالْمَعْنَى إِلَّا مَا عني بِهِ فَيدْخل المؤول فِيهِ فَإِنَّهُ وَإِن لم يكن مَعْنَاهُ خفِيا من حَيْثُ الْوَضع فَإِنَّهُ خَفِي من حَيْثُ الْمَعْنى الْمَقْصُود مِنْهُ
وَفِي تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن أَن الْمُتَشَابه يُطلق على مَعْنيين لغَوِيّ وشرعي أما اللّغَوِيّ فَهُوَ مَا لَا يُمكن فهم المُرَاد مِنْهُ وَهُوَ الْمُسَمّى بالمجمل فِي أصُول الْفِقْه وَقد يكون فِي الْمُفْرد كالقرء للْحيض وَالطُّهْر وَالْمُخْتَار اسْم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول وَفِي الْمركب نَحْو ﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾
وَالْقسم الثَّانِي من الْمُتَشَابه الشَّرْعِيّ هُوَ مَا لَا يَتَّضِح فِي الْعقل حكمته أَو صِحَّته أَو مَعْنَاهُ كالحروف فِي أَوَائِل السُّور وَإِنَّمَا انقسم الْمُتَشَابه إِلَى الْقسمَيْنِ لِأَن التشابه تفَاعل من أشبه هَذَا ذَلِك وَلما كَانَت الْأَمْثَال والأشباه يلتبس بَعْضهَا بِبَعْض كثيرا صَار الِاشْتِبَاه من ملزومات الالتباس فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى مِنْهُ آيَات بَيِّنَات لَا لبس فِيهَا وَأخر مَحل لبس وَلَا يخفى أَن اللّبْس يصدق على مَا بلغ غَايَته فِيهِ بِأَن لَا يفهم مَعْنَاهُ الْعَارِف بِاللِّسَانِ أصلا وَذَلِكَ كالحروف الْمُقطعَة أَوَائِل السُّور فَإِنَّهُ لم يَأْتِ فِيهَا دَلِيل قَاطع على تعْيين معنى من الْمعَانِي الَّتِي قالوها وَقد بلغت قريب عشرَة أَقْوَال كلهَا تظنين وتخمين وكل من
стр. 61
قَالَ بقول قَائِل بِأَنَّهُ يجوز أَن يُرِيد الله معنى لَا يعرفهُ الْمُكَلف فكونها لَا يعرف لَهَا معنى معِين قطعا اتِّفَاق بَين الْأمة وَهَذَا مُقْتَضى قِرَاءَة الْوَقْف على الْجَلالَة وَالْوَقْف عَلَيْهَا يرْوى عَن أَرْبَعَة من عُلَمَاء الصَّحَابَة وَعَن جَمَاهِير الْقُرَّاء وَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي سلف أَنه متشابه شَرْعِي لِأَن تشابهه لَيْسَ من حَيْثُ اللُّغَة إِذْ لم تأت عَن أهل اللُّغَة هَذِه الأحرف الْمُقطعَة على هَذَا الأسلوب إِذا عرفت هَذَا الْقسم فحظ الْمُؤمن أَن يقف على الْجَلالَة وَأَن يَقُول ﴿آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ واعتقاد أَنه لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله وَلَيْسَ هَذَا الْقسم من مبَاحث أصُول الْفِقْه إِنَّمَا من مباحثه الْقسم الثَّانِي وَهُوَ مَا فِيهِ لبس دون ذَلِك فقد قدما أمثلته وَهُوَ مِمَّا يفهم مَعْنَاهُ ويزال لبسه بِالرَّدِّ إِلَى الْمُحكم بالأدلة وَلذَا كَانَت الْآيَات المحكمات أم الْكتاب لِأَنَّهُ يرد إِلَيْهَا الْمُتَشَابه فَإِن قيل يلْزم على هَذَا التَّقْدِير أَن ضمير تَأْوِيله عَائِد على أحد قسمي الْمُتَشَابه وَهُوَ خلاف الظَّاهِر قلت هَذَا لَا ضير فِيهِ فقد جَاءَ نَظِيره فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ إِلَى ان قَالَ ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك﴾ فَإِن المطلقات شَامِل للبائنات وَضمير بعولتهن للرجعيات ووهن بعض المطلقات وَهَذَا هُنَا نَظِيره
وَاعْلَم أَن هَذِه الْآيَة من الْمُتَشَابه لِأَنَّهُ لَا يَتَّضِح مَعْنَاهَا إِلَّا بعد ردهَا إِلَى الْمُحكم فَإِن ضمير تَأْوِيله يتَبَادَر عوده إِلَى الْمُتَشَابه من حَيْثُ هُوَ الظَّاهِر وَإِنَّمَا صرفناه إِلَى أحد قسميه بِالدَّلِيلِ وَهُوَ أَن من الْمَعْلُوم أَن ذَلِك الْقسم الَّذِي يرد إِلَى الْمُحكم وَهُوَ ام الْكتاب أنزلهُ الله تَعَالَى للْعَمَل بِهِ وَفهم مَعْنَاهُ والتكليف بالبحث عَنهُ كَمَا فِي قَوْله ﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ فَإِنَّهُ غير متضح الْمَعْنى لتردده بَين الزَّوْج وَالْوَلِيّ فَيجب إرجاعه إِلَى أم الْكتاب حَتَّى يَتَّضِح المُرَاد لِأَنَّهُ أنزل للْعلم بِهِ فَلَا بُد من إرجاعه إِلَى الْمُحكم فَهَذَا الْأَمر الأول مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ النّظم وَالْأَمر الثَّانِي قَوْله وَلَيْسَ فِيهِ مَا لَا معنى لَهُ فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى رد قَول الحشوية بِسُكُون الشين الْمُعْجَمَة كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ نقلا عَن
стр. 62
ابْن الصّلاح قَالَ وَفتحهَا كثير على الْأَلْسِنَة وَهُوَ غلط قَالَ لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ أَمَام الْحسن الْبَصْرِيّ فِي حلقته فَلَمَّا أنكر مَا قَالُوا قَالَ ردوا هَؤُلَاءِ إِلَى حَشا الْحلقَة أَي جَانبهَا وَعَن ابْن الصّلاح إجَازَة الْفَتْح
وَمن أَقْوَالهم المنكورة تَجْوِيز أَن يكون فِي الْقُرْآن مَا لَا معنى لَهُ أصلا قَالَ الزَّرْكَشِيّ فَإِنَّهُم قَالُوا يجوز بل هُوَ وَاقع كَمثل ﴿كهيعص﴾ وَنَحْوهَا من الْحُرُوف الْمُقطعَة أَوَائِل السُّور وَمثل ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾ ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح أَن ذَلِك مُمْتَنع إِذْ اللَّفْظ بِلَا معنى هذيان لَا يَلِيق بالعاقل فَكيف بالباري سُبْحَانَهُ إِلَى آخر كَلَامه ثمَّ ذكر بعد ذَلِك تَنْبِيها فَقَالَ إِن خلاف الحشوية فِيمَا لَهُ معنى لَكِن لم نفهمه كالحروف الْمُقطعَة وآيات الصِّفَات ثمَّ قَالَ أما مَا لَا معنى لَهُ أصلا فباتفاق الْعلمَاء لَا يجوز وُرُوده فِي كَلَام الله تَعَالَى وَمَا ذكره فِي التَّنْبِيه فَهُوَ إِشَارَة إِلَى الِاعْتِرَاض على ابْن السُّبْكِيّ حَيْثُ قَالَ فِي جمع الْجَوَامِع وَلَا يجوز وُرُود مَا لَا معنى لَهُ فِي الْكتاب وَالسّنة خلافًا للحشوية وَكَلَام ابْن السُّبْكِيّ ككلام النَّاظِم وَالْمَسْأَلَة نقلية وَلم يَأْتِ أحد الرجلَيْن بالبرهان على مَا جعله مَحل النزاع وَلَو كَانَ مَحَله مَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ لما كَانَ لتخصيصه بالحشوية معنى لِأَن القَوْل بِأَن الْحُرُوف الْمُقطعَة أَوَائِل السُّور وآيات الصِّفَات مِمَّا لَهُ معنى لَا يفهم كَلَام جمَاعَة من أَئِمَّة التَّحْقِيق كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ قَرِيبا قَالَ الزَّرْكَشِيّ إِن الحاق الحَدِيث يُرِيد قَول الْجمع أَي جمع الْجَوَامِع
стр. 63
وَالسّنة ذكره صَاحب الْمَحْصُول وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي شَرحه لم أره لغيره
وَقَوله حاشاه عَمَّن قَالَا أَي أنزه الْقُرْآن أَو الرب تَعَالَى عَن قَول من قَالَ إِن فِيهِ مَا لَا معنى لَهُ
مَسْأَلَة فِي أَنه لم يَأْتِ فِي الْقُرْآن مَا لَا يَعْنِي بِهِ غير ظَاهره بِغَيْر دَلِيل كَمَا أَفَادَهُ قَوْلنَا ... وَلَا بِهِ يَعْنِي خلاف الظَّاهِر ... بِلَا دَلِيل فاستمع وذاكر ...
عطف على قَوْله وَلَيْسَ فِيهِ مَا لَا معنى لَهُ أَي لَيْسَ فِيهِ يَعْنِي الْقُرْآن لفظ يُرَاد بِهِ خلاف ظَاهره من غير دَلِيل يقوم على حمله عَلَيْهِ وَهَذَا أَشَارَ إِلَى رد خلاف المرجئة بِالْهَمْزَةِ من الإرجاء وَهُوَ التَّأْخِير وَقد تخفف الْهمزَة بمثناة تحتية وَقَالَ فِي الْقَامُوس أرجأ الْأَمر أَخّرهُ وَمِنْه سميت المرجئة وَيُقَال المرجية بِالْيَاءِ مُخَفّفَة
وَاعْلَم أَن المرجية سِتّ فرق كَمَا فِي الْملَل والنحل فعد مِنْهُم فرقة تَقول إِن آيَات الْوَعيد خَاصَّة بمستحل الْحَرَام دون من يَفْعَله مُعْتَقدًا للتَّحْرِيم وَفرْقَة قطعت بغفران مَا دون الْكفْر وَأَن الْفَاسِق لَا يُعَاقب قطعا فهاتان الفرقتان يَنْبَغِي أَن تَكُونَا مُرَاد الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لأَنهم حملُوا آيَات الْوَعيد على خلاف ظَاهرهَا من غير دَلِيل قَالَ أَئِمَّة الْأُصُول ردا عَلَيْهِم الصَّحِيح أَن
стр. 64
ذَلِك لَا يجوز لِأَن اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير ظَاهره لَا يدل عَلَيْهِ فَهُوَ كالمهمل وَاحْترز بقوله بِغَيْر دَلِيل عَن وُرُود الْعُمُوم وَتَأَخر الْخُصُوص وَنَحْوه
قلت وَاعْلَم أَنه نقل الشَّارِح التلميذ ﵀ عَن شرح الشَّيْخ لطف الله للفصول أَن المرجئة الَّذين يجوزون فِي آيَات الْوَعيد شُرُوطًا واستثناء بِلَا دَلِيل قَالُوا فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ الْمَعْنى إِن أَرَادَ الله عَذَابهمْ أَو إلاأن يعْفُو عَنْهُم أَو إِن كَانُوا كفَّارًا وَنَحْو ذَلِك وَقد أُجِيب عَلَيْهِم بِأَنَّهُ مَعَ كَونه لَا دَلِيل عَلَيْهِ يلْزم مثله فِي الْأَمر وَالنَّهْي والوعد فَيُقَال فِي مثل أقِيمُوا الصَّلَاة إِن المُرَاد إِن اخترتم ذَلِك أَو إِن لم يشغلكم أرب أَو نَحْو ذَلِك وَأَنه يُؤَدِّي إِلَى الانسلاخ من الدّين وتجويز أَنا غير مكلفين بِمَا أمرنَا بِهِ ونهينا عَنهُ وَأَنا على غير ثِقَة مِمَّا وعدنا بِهِ من الْجنَّة هَذَا حَاصِل مَا نَقله
وَقد أورد عَلَيْهِ أَن الْقَائِل بِعَدَمِ إِدْرَاك الْمُتَشَابه قَائِل بِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ غير ظَاهره بِلَا دَلِيل يبين المُرَاد مِنْهُ وَإِن قَوْلكُم إِن المرجئة قَالُوا ذَلِك بِلَا دَلِيل غير صَحِيح لأنكم إِن أردتم بِلَا دَلِيل أصلا فقد اسْتدلَّ المرجئة لما زعموه بأدلة مَعْرُوفَة وَإِن أردتم بِلَا دَلِيل صَحِيح فَإِن أردتم صَحِيح فِي نفس الْأَمر فَلَا يلْزمهُم لاحْتِمَال الْخَطَأ فِي الْأَدِلَّة لما فِي نفس الْأَمر وَإِن أردتم الصِّحَّة عِنْدهم وبحسب معتقدهم فَمَا قَالُوهُ إِلَّا وَهُوَ عِنْدهم صَحِيح قطعا وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن الأولى أَن يُرَاد بالمرجئة من ذكرنَا من فرقهم وَأَنه كَانَ الأولى أَن يَقُول أهل الْأُصُول خلافًا لبَعض فرق المرجئة على أَنه لَا يتم أَن الْفرْقَتَيْنِ قَالُوا مَا قَالُوهُ لَا عَن دَلِيل وَلذَا قُلْنَا فاستمع وذاكر إِشَارَة إِلَى أَن الْمَسْأَلَة لَا تصفو عَن كدر وَلَا تَخْلُو عَن نظر
وَلما نجز الْكَلَام على الدَّلِيل الأول وَهُوَ الْكتاب أَخذ فِي الْكَلَام على الدَّلِيل الثَّانِي وَهُوَ السّنة فَقَالَ ... فصل وَأما سنة الْمُخْتَار ... مُحَمَّد صلى عَلَيْهِ الْبَارِي ...
كَأَنَّهُ قَالَ أما الْكتاب فَكَذَا وَأما السّنة فَلِأَنَّهَا قسيمته كَذَا فِي نسخ
стр. 65
جرى عَلَيْهَا قلم الْمُؤلف وَلَعَلَّ مَا فِي هَذِه النُّسْخَة أظهر وَالله أعلم وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قسيمته فِي الدليلية أَي فِي كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا دَلِيلا
وَاعْلَم أَن السّنة لُغَة الطَّرِيقَة الْمُعْتَادَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت﴾ أَي طَرِيقَته وعادته وَمِنْه حَدِيث عشر من سنَن الْمُرْسلين أَي من طرائقهم وسماها فِي الْقُرْآن بالحكمة كَمَا قَالَ أَئِمَّة التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ويعلمه الْكتاب وَالْحكمَة﴾ إِن المُرَاد بالحكمة هِيَ السّنة وَتطلق على الْخَيْر وَالشَّر وَمِنْه حَدِيث من سنّ فِي الْإِسْلَام خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمثل أجور من تبعه من غير أَن ينتقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ الحَدِيث أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم والضياء عَن أبي عُبَيْدَة بن حُذَيْفَة عَن أَبِيه
وَتطلق فِي عرف المتشرعين على مَا يُقَابل الْفَرْض وعَلى مَا صدر عَنهُ ﷺ من أَقْوَاله وأفعاله وتقريرارته وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا كَمَا يفِيدهُ قَوْله ... فَإِنَّهَا الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال ... كَذَلِك التَّقْرِير فالأقوال ...
فَإِنَّهُ اشْتَمَل النّظم على ذكر أقسامها الثَّلَاثَة وَهَكَذَا عد أقسامها أَكثر أَئِمَّة الْأُصُول وَلم يذكرُوا التّرْك لِأَن التروك دَاخِلَة فِي الْأَفْعَال لِأَنَّهَا كف والكف فعل وَلَا يُقَال والتقرير كف أَيْضا فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره لأَنا نقُول إِنَّمَا قُلْنَا بِدُخُول التروك فِي الْأَفْعَال توجيها لما وَقع مِنْهُم كعبارة الْغَايَة بِلَفْظ مَا صدر عَن الرَّسُول من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير نعم عبارَة جمع الْجَوَامِع بِلَفْظَة السّنة
стр. 66
أَقْوَال مُحَمَّد ﷺ وأفعاله قَالَ شَارِحه والتقرير دَاخل فِي الْأَفْعَال لِأَنَّهُ كف وَمثلهَا عبارَة أصل النّظم إِذا عرفت هَذَا فالأقوال هِيَ أَقْوَاله ﷺ الصادرة عَنهُ بعبارته فالقرآن خَارج عَنْهَا وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيث القدسية لِأَنَّهَا من قَول الله تَعَالَى وَلما اشتركت الثَّلَاثَة فِي كَونهَا سنة وأدلة أَشَارَ إِلَى التَّفَاضُل بَينهَا فِي الْقُوَّة بقوله فالأقوال وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره قَوْله ... أقوى من الِاثْنَيْنِ وَالْمُخْتَار ... بِأَن مَا يَفْعَله الْمُخْتَار ...
الْمُخْتَار الأول مُبْتَدأ خَبره الْجُمْلَة بعده وَالْمرَاد بالمختار الأول القَوْل وَبِالثَّانِي الرَّسُول ﷺ فَإِن من أَوْصَافه الْمُخْتَار لِأَن الله اختارة لرسالته واصطفاه وَفِي الْبَيْت جناس تَامّ وَكَون الْأَقْوَال أقوى من الْأَفْعَال والتقارير وَهُوَ الْمُخْتَار وَذَلِكَ لاستقلالها بِالدّلَالَةِ على تعدِي حكمهَا إِلَيْنَا فَلَا يحْتَاج مَعهَا إِلَى غَيرهَا بِخِلَاف الْأَفْعَال فَلَا يسْتَدلّ بهَا بِدُونِ القَوْل ولعمومه فَإِن القَوْل يدل على الْمَوْجُود والمعدوم والمعقول والمحسوس بِخِلَاف الْفِعْل فَإِنَّهُ يخْتَص بالموجود المحسوس إِذْ الْمَعْقُول والمعدوم لَا يُمكن مشاهدتهما وللاتفاق على أَن القَوْل دَلِيل بِخِلَاف الْفِعْل فَإِن من النَّاس من يَقُول إِن الْأَفْعَال لَا يسْتَدلّ بهَا وَلَا تكون بَيَانا فَهَذِهِ ثَلَاثَة وُجُوه لكَون الْأَقْوَال أقوى من الْأَفْعَال وَإِذا كَانَت أقوى من الْأَفْعَال فبالأولى أَن تكون أقوى من التروك
وَاعْلَم أَنه قَالَ الزَّرْكَشِيّ إِنَّه كَانَ يَنْبَغِي لصَاحب جمع الْجَوَامِع أَن يزِيد وهمه أَي يَجْعَل همه ﷺ بِالْفِعْلِ من من أَقسَام سنته كالقول وَالْفِعْل قَالَ وَقد احْتج الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد على اسْتِحْبَاب تنكيس الرِّدَاء فِي خطْبَة الاسْتِسْقَاء بِجعْل أَعْلَاهُ أَسْفَله بِحَدِيث أَنه ﷺ استسقى وَعَلِيهِ خميصة سَوْدَاء فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ بأسفلها فَيَجْعَلهُ أَعْلَاهَا
стр. 67
فَلَمَّا ثقلت عَلَيْهِ قَلبهَا على عَاتِقه فَجعلُوا مَا هم بِهِ وَلم يَفْعَله سنة انْتهى قلت وَفِي الخلافيات للبيهقي بِرِجَال ثِقَات وَهُوَ عَن أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة وَفِيه ثمَّ حول إِلَى النَّاس ظَهره وَقلت أَو حول رِدَاءَهُ وَعند أَحْمد أَنه حول النَّاس مَعَه قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي الإِمَام إِن إِسْنَاده على شَرط الشَّيْخَيْنِ فَفِيهِ انه وَقع مِنْهُ ﷺ التَّحْوِيل فعلا على أَنه قد تعقب أَبُو زرْعَة كَلَام الزَّرْكَشِيّ قَائِلا بِأَن الْهم امْر خَفِي لَا بُد أَن يقْتَرن بقول أَو فعل فَيَعُود إِلَيْهِمَا
وَلما كَانَت أفعالة ﷺ تَنْقَسِم إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام جبلي وخاص بِهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِك وَبَيَان الْمُجْمل أَشَارَ إِلَيْهِمَا النَّاظِم بقوله ... إِن لم يكن من وَاضح الجبلة ... أَو كَانَ خَاص فِيهِ بالأدلة ...
قَوْله من وَاضح الجبلة بِالْجِيم وَالْمُوَحَّدَة فِي الْقَامُوس أَنَّهَا كطمرة الْخلقَة والطبيعة انْتهى والجبلي كالقيام وَالْقعُود وَالْأكل وَالشرب أَي أَنفسهمَا لَا هيئاتهما من الْأكل بِالْيَمِينِ واختصار اللُّقْمَة وإطالة المضغ وَالْقعُود غير متربع وَفِي الشّرْب ثَلَاثَة أنفاس وَغير ذَلِك من حَيْثُ كَونهَا من ضروريات الْبشر لَا من حَيْثُ لَهَا تعلق التشريعات
стр. 68
وَالثَّانِي مَا قَامَ الدَّلِيل على انه من خواصه ﷺ وَذَلِكَ كإيجاب الْوتر والمشاروة وَالنِّكَاح بِلَا شُهُود وَحل الْجمع بَين تسع نسْوَة
وَالثَّالِث وَهُوَ مَا لَيْسَ جبليا وَلَا مُخْتَصًّا بِهِ يَأْتِي حكمه فالأولان لَا يشرع التأسي بِهِ ﷺ فِيهَا بل يحرم فِي الثَّانِي وَالثَّالِث يَأْتِي حكمه وَأما الرَّابِع وَهُوَ الْفِعْل الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان وَقد أَشَرنَا إِلَيْهِ بقولنَا ... أما إِذا كَانَ بَيَان الْمُجْمل ... فَهُوَ كَمَا بَين وَالْأَمر جلي ...
فِي أَن حكمه حكم مَا بَينه من وجوب أَو غَيره وَذَلِكَ نَحْو أَفعَال الْحَج مَعَ قَوْله خُذُوا عني مَنَاسِككُم فَإِن أَفعاله ﷺ فِيهِ بَيَان لمجمل قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ فِي الصَّلَاة صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِن أَفعاله فِي الصَّلَاة بَيَان لمجملها فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَهَذَا الرَّابِع لم يذكرهُ فِي أصل الْمَنْظُومَة فَهُوَ من الزِّيَادَات عَلَيْهِ وَالْحكم فِيهِ لَهُ جهتان كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ من حَيْثُ الْبَيَان فَهُوَ تَابع لما بَينه وَمن حَيْثُ التشريع وَاجِب مُطلقًا أَي يجب عَلَيْهِ ﷺ الْبَيَان وَإِن كَانَ حكم الْمُبين النّدب وَاتِّبَاع التأسي إِنَّمَا هُوَ فِي الأول وفلأ قَوْله وَاضح الجبلة إِشَارَة إِلَى أَن مَا لم يَتَّضِح فِيهِ أَمر الجبلة بل تردد بَين الشَّرْعِيّ والجبلي أَنه لَا يجْزم بِأَنَّهُ جبلي كَمَا قَالَه فِي جمع الْجَوَامِع وَمثله فِي الْحَج رَاكِبًا قَالَ فَفِيهِ تردد هَل
стр. 69
يحمل على الْجبلي لِأَن الأَصْل عدم التشريع أَو على الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ ﵇ بعث مُبينًا للشرعيات قَالَ وَقد حكى الرَّافِعِيّ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَة ذَهَابه ﷺ إِلَى الْعِيد فِي طَرِيق ورجوعه فِي أُخْرَى وَقَالَ إِن الْأَكْثَرين على التأسي فَهَذِهِ أَحْكَام الثَّلَاثَة من أَفعاله وَأما الرَّابِع وَهُوَ مَا عَداهَا وَقد جعلناها ثَالِثا فِيمَا سلف لما عرفت من أَنه فِي أصل الْمَنْظُومَة كَذَلِك فَالْحكم فِيهِ مَا أَفَادَهُ قَوْلنَا
كَانَ التأسي وَاجِبا علينا
وَهُوَ خبر قَوْله بِأَن مَا يَفْعَله الْمُخْتَار إِلَّا أَنه لما قيد صلَة اسْم إِن بقوله إِن لم يكن إِلَى آخِره وَوَقع الِاعْتِرَاض بَين اسْم إِن وخبرها بقوله إِن لم يكن إِلَى آخِره طَال الْفَصْل بَينهمَا وَهُوَ جَائِز إِذا أدّى إِلَيْهِ ارتباط الْكَلَام وَأخذ بعضه بِبَعْض كَمَا هُنَا وَالْمعْنَى أَن الَّذِي يَفْعَله الْمُخْتَار ﷺ يجب علينا التأسي بِهِ فِيهِ إِذا لم يكن فعله ذَلِك جبليا أَو خَاصّا أَو بَيَانا لمجمل فَإِن الْأَوَّلين لَا تأسي فيهمَا وَالثَّالِث حكمه حكم مَا بَينه من الْأَقْوَال فَهُوَ فِي التَّحْقِيق عَائِد حكمه إِلَى حكم القَوْل فَكَأَنَّهُ قَول لَا فعل فَعرفت أَن التأسي مفتقر إِلَى بَيَان حَقِيقَته وَقد أَبَانهَا قَوْله
ورسمه فِيمَا انْتهى إِلَيْنَا ... فعلك أَو تَركك فعل الْغَيْر
مُتَابعًا فِي الْوَجْه والتصوير
الأسوة لُغَة الْقدْوَة كَمَا فِي الْقَامُوس وَهنا رسمها الأصوليون بِمَا سمعته قَالَ عضدالدين معنى التأسي إِيقَاع الْفِعْل على الْوَجْه الَّذِي فعله انْتهى
стр. 70
فَقَوله فعلك أَو تَركك لِأَنَّهُ يجْرِي التأسي فِي التّرْك وَقَوله فعل الْغَيْر أَي مثل فعل الْغَيْر وقرينة حذف مثل وَاضِحَة عقلية إِذْ لَا يُمكن فعل فعل الْغَيْر نَفسه حَتَّى يتَوَهَّم أَن مفعول الْغَيْر مفعول فعلك وَقَوله تَركك مثله وَقَوله مُتَابعًا فِي الْوَجْه المُرَاد من الْوَجْه الحكم من وجوب أَو ندب أونحوهما وَفِي نُسْخَة أُخْرَى من النّظم فِي الحكم وَالنُّسْخَة الأولى مُتَابعَة لعبارتهم وَقَوله والتصوير أَي مشابهة الْفِعْل لفعل الْغَيْر فِي الصُّورَة وَقد أَفَادَهُ قَوْله فعل الْغَيْر وَإِنَّمَا هُوَ تَأْكِيد وتفهيم وَقد أبان الْوَجْه الْمَذْكُور بقوله
فَمَا علمنَا وجوبا يجب
وَمَا علمنَا حسنه فَينْدب ... إِن كَانَ للقربة فِيهِ قصد
مَا لم فَقل إِبَاحَة لما عدا
اعْلَم أَن فِي حكم هَذَا الْقسم خلافًا بَين أَئِمَّة أهل الْأُصُول وَقد عرفت أَنه يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ الأول مَا عرف وَجهه وَصفته وَالثَّانِي مَا لم يعلم فَالْأول إِن كَانَ الْوَجْه هُوَ الْوُجُوب فأمته مثله فِي الْوُجُوب قَالُوا للْقطع بِأَن الصَّحَابَة كَانُوا يرجموه إِلَى فعله الْمَعْلُوم وَجهه وَذَلِكَ يَقْتَضِي علمهمْ بالتشريك عَادَة وَلقَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَهِي الْفِعْل على الْوَجْه كَمَا عرفت وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ إِلَى قَوْله ﴿لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ فلولا التَّشْرِيك لما علل تَزْوِيج النَّبِي ﷺ بذلك فِي حق الْمُؤمنِينَ هَذَا إِن علم وَجه ذَلِك الْفِعْل وَإِذا لم يعلم فَينْظر إِن ظهر قصد الْقرْبَة بِالْفِعْلِ ثَبت رجحانه وَهُوَ مفَاد النّدب كَمَا أَفَادَهُ عجز الْبَيْت الأول وبتقييده بقوله إِن كَانَ للقربة خرج الْمُبَاح فَإِنَّهُ حسن لكنه خرج بذلك الْقَيْد وَأما الْوَاجِب فَإِنَّهُ وَإِن صدق عَلَيْهِ أَنه حسن وَأَنه
стр. 71
يقْصد بِهِ الْقرْبَة فالسياق مُنَاد على أَنه غير مُرَاد وَإِن لم تظهر الْقرْبَة فِيمَا فعله فَإِنَّهُ يدل على جَوَازه أَي مَا لم يظْهر قصد الْقرْبَة فَذَاك جَائِز لما عدا أَي لما عدا مَا عرف وُجُوبه وَلما لَا يعرف قصد الْقرْبَة فِيهِ فَإِنَّهُ يكون مُبَاحا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَذَلِكَ لفقد الْمعْصِيَة وَالْوُجُوب وَالنَّدْب زِيَادَة لم تثبت فَتعين الْجَوَاز وَقيل بل الْوَقْف وَالدَّلِيل على الْوَقْف أَن الْفِعْل مُتَرَدّد بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَمُجَرَّد الْفِعْل لَا ينْهض على معِين مِنْهَا فَلم يبْق إِلَّا الْوَقْف عَن تعْيين الحكم وَمَعَ جَوَاز فعله للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَا تتَحَقَّق الْإِبَاحَة الشَّرْعِيَّة بل لعدم تحقق الحكم قلت لَو قيل إِنَّه لَا يتَحَقَّق فِي حَقه فِي فعله ﷺ الْإِبَاحَة فَلَا يتَحَقَّق مَجْهُول الْوَجْه لَكَانَ قَوِيا لما عرف من أَن الْمُبَاحَات تنْقَلب مندوبات بِحسن النيات وَهُوَ ﷺ أَحَق خلق الله بِأَن لَا يفعل فعلا إِلَّا بنية الْقرْبَة فَلَيْسَ فِي أَفعاله مَجْهُول الصّفة بل أقلهَا مَا يكون وَجهه النّدب وَلَعَلَّه الَّذِي حمله من قَالَ بذلك فِي مَجْهُول الصّفة أَي صفة الْحسن لكنه رده ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهُ لَو كَانَ للنَّدْب أَو للْإِبَاحَة لوَجَبَ التَّبْلِيغ لِأَنَّهَا أَحْكَام شَرْعِيَّة وَالْفَرْض أَنه لَيْسَ الْمَوْجُود إِلَّا مُجَرّد الْفِعْل وَلذَا عدل النَّاظِم عَن عبارَة الكافل فَإِن عِبَارَته وَإِلَّا فإباحة وَقد عد أهل الْأُصُول فِي المطولات صورا وأمثلة مِمَّا تدل على وَجه الْفِعْل فَلَا نطول بهَا ثمَّ ذكرنَا مَا ذكره فِي الأَصْل بقولنَا ... وَتَركه مَا كَانَ آمرا بِهِ ... يَنْفِي الْوُجُوب فَاتبع وانتبه ...
هَذِه الْمَسْأَلَة لم يذكرهَا ابْن الْحَاجِب وَلَا صَاحب جمع الْجَوَامِع فِي هَذَا الْبَحْث وَالْمرَاد أَن تَركه لشَيْء قد أَمر بِهِ يدل على عدم وُجُوبه عَلَيْهِ وعلينا وَذَلِكَ كتركه قسْمَة أَرض مَكَّة وَسبي أَهلهَا مَعَ أَن الْحق أَنَّهَا فتحت عنْوَة وَهَذَا مِمَّا لَا يقم عَلَيْهِ دَلِيل على أَنه خَاص بِهِ كتركه الْقسم بَين أَزوَاجه قلت وَلَا يخفى أَن التَّمْثِيل بِأَرْض مَكَّة فِي ذَلِك يُقَال عَلَيْهِ إِن أُرِيد أَن أَرض مَكَّة لَو فتحت مرّة أُخْرَى عنْوَة فَلَا تجب قسمتهَا فَهَذَا لَا معنى لَهُ لِأَنَّهُ حرم الْقِتَال
стр. 72
فِيهَا مَا دَامَت الدُّنْيَا وَإِنَّمَا أحلّت لَهُ ﷺ سَاعَة من نَهَار وعادت حرمتهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن أُرِيد أَنه إِذا فتح الإِمَام أَرضًا جَازَ لَهُ ترك قسمتهَا فمسألة أُخْرَى
وَفعله الْأَمر الَّذِي عَنهُ نهى
إِبَاحَة قَالَ بِهِ أولُوا النهى
أَي أَن فعله ﷺ لِلْأَمْرِ الَّذِي نهى عَنهُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَة وَلَا تخفى لطافة ذكر الْأَمر وَالنَّهْي ومثلوه بنهيه ﷺ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها عِنْد التخلي كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأُمَّهَات وَغَيرهَا ثمَّ رَآهُ ابْن عمر وَقد استدبر الْقبْلَة عِنْد قَضَاء الْحَاجة كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأُمَّهَات أَيْضا قَالُوا فَإِن فعله ﷺ الْمُتَأَخر دَال على إِبَاحَة مَا نهى عَنهُ وَهُوَ مُجَرّد مِثَال وَإِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال وَقد بسطناها فِي سبل السَّلَام بسطا شافيا وَإِنَّمَا جزموا بِأَن فعله لما كَانَ نهى عَنهُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَة لِأَنَّهَا لَا تجوز عَلَيْهِ الْمعْصِيَة فيماطريقه التَّبْلِيغ فَيحكم بِأَنَّهُ مُبَاح لَا حرج فِي فعله وَتَركه
مَسْأَلَة وَأما تَقْرِيره ﷺ فأفاده قَوْله
سُكُوته مَعَ علمه بِمَا جرى
وَهُوَ على إِنْكَاره مقتدرا ... وَلم يكن من غَيره إِنْكَار وَلَيْسَ مِمَّا يفعل الْكفَّار
هَذِه شُرُوط أَرْبَعَة للسكوت الَّذِي يكون تقريرا
الأول علمه ﷺ بِوُقُوع فعل أَو قَول من أَي فَاعل
стр. 73
مُكَلّف أَو غير مُكَلّف والتعميم بالْقَوْل وَالْفِعْل صرح بِهِ فِي الْفُصُول إِذْ لَا فرق بَين الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فِي ذَلِك وتعميم الْفَاعِل الدَّال على عدم اشْتِرَاط أَن يكون من أقرّ ﷺ فعله أَو قَوْله مُكَلّفا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه عبارَة الأَصْل وَعبارَة جمع الْجَوَامِع حَيْثُ قَالَ فَإِذا لَا يقر مُحَمَّد أحدا وَنَصره صَاحب الْآيَات الْبَينَات وَاسْتدلَّ لَهُ بِأَن الْبَاطِل قَبِيح شرعا وَإِن صدر من غير مُكَلّف إِذْ لَا يجوز تَمْكِين غير الْمُكَلف مِنْهُ وَإِن لم يَأْثَم بِهِ إِذْ يُوهم من جهل حكم ذَلِك الْفِعْل جَوَازه وَعَلِيهِ يدل كَلَام الْهَادَوِيَّة فِي الْفُرُوع وشرطية علمه ﷺ هِيَ عبارَة الأَصْل وَقيل لَا يشْتَرط تحقق علمه بل يَكْفِي إِذا انْتَشَر الْخَبَر انتشارا يبعد أَن لَا يُعلمهُ ﷺ وَنقل عَن الشَّافِعِي فِيهِ قَولَانِ
الشَّرْط الثَّانِي كَونه ﷺ مقتدرا على إِنْكَاره فَمَا لم يقتدر على إِنْكَاره لَا يكون سُكُوته ﷺ تقريرا لفَاعِله دَالا على إِبَاحَته هَكَذَا جزم بِهِ ابْن الْحَاجِب وَمن تَابعه على هَذَا الشَّرْط وَاعْتَرضهُ الْجلَال فِي نظام الْفُصُول فَقَالَ الْأَنْبِيَاء ﵈ لم يبعثوا إِلَّا للتبيلغ فَلَا يجوز عَلَيْهِم السُّكُوت قطّ لِأَنَّهُ ترك للتبيلغ وَقد ثَبت عصمتهم اتِّفَاقًا وَسَبقه إِلَى هَذَا الْبرمَاوِيّ فِي شرح منظومته قَائِلا إِن من خَصَائِصه ﷺ أَن وجوب الْإِنْكَار عَلَيْهِ لَا يسْقط عَنهُ بالخوف على نَفسه قلت وَمن طالع سيرته ﷺ علم هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يُجَاهد صَنَادِيد قُرَيْش وفجارهم بتقبيح مَا هم عَلَيْهِ فِي مَوَاطِن لَا يَأْمَن على نَفسه
стр. 74
مِنْهُم وَأما دُخُوله بعد عوده من الطَّائِف فِي جوَار الْمطعم بن عدي بعد وَفَاة عَمه أبي طَالب فلزيادة التَّقْوَى وزجر السُّفَهَاء عَن التَّعَرُّض لَهُ وَقد ثَبت أَنه ﷺ خَافَ أول الْأَمر وَقَالَ إِنِّي أَخَاف أَن يتلفوا رَأْسِي فَأَمنهُ الله بِمَا وعده بِهِ من النَّصْر وَالْفَتْح وَحِينَئِذٍ فقد يُقَال لَا يتم فِي حَقه أَن يخَاف على نَفسه وَهَذَا كُله قبل نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ وأمابعدها فَلَا كَلَام فِيهِ
الشَّرْط الثَّالِث قَوْله وَلم يكن من غَيره إِنْكَار فَإِنَّهُ لَو أنكر غَيره بِحَضْرَتِهِ لم يكن سُكُوته تقريرا لاكتفائه بنكار الْغَيْر فَإِنَّهُ لَو كَانَ إِنْكَاره فِي غير مَوْضِعه لما قرر ﷺ يشكله ولأنكر عَلَيْهِ إِنْكَاره مَا لَيْسَ بمنكر وَيدل عَلَيْهِ مَا ثَبت فِي قصَّة كَعْب بن مَالك فَإِنَّهُ ﷺ لما سَأَلَ فِي تَبُوك مَا فعل كَعْب بن مَالك قَالَ بعض من حضر شغله النّظر فِي عطفيه فَقَالَ بعض الْحَاضِرين عِنْده ﷺ وَالله مَا علمنَا عَلَيْهِ إِلَّا خيرا فَسكت ﷺ مقررا للْبَعْض فِي رده عَلَيْهِ غيبَة كَعْب وإنكاره على من اغتابه
الرَّابِع قَوْله وَلَيْسَ مِمَّا يفعل الْكفَّار أَي أَنه إِن كَانَ سُكُوته عَن ش علمه إِنْكَاره كمضي كَافِر إِلَى كَنِيسَة فَإِن سُكُوته عَلَيْهِ لَا يكون تقريرا لَهُ وَإِبَاحَة لفعله سَوَاء قدر على إِزَالَته أَو لَا فَإِذا جمع سُكُوته هَذِه الشُّرُوط فَالْحكم فِيهِ مَا يفِيدهُ قَوْله ... يُبِيح مَا هَذَا يكون حَاله ...
стр. 75
وَهَذِه الْجُمْلَة خبر قَوْله سُكُوته وَهِي بَيَان لحكم التَّقْرِير الْمَذْكُور وَأَنه إِبَاحَة الْفِعْل وَالْقَوْل الَّذِي سكت ﷺ عَلَيْهِمَا ومرادهم بِالْإِبَاحَةِ مَا يَسْتَوِي مَعهَا الطرفان وَقد أورد عَلَيْهِ أَن غَايَة مَا أَفَادَهُ السُّكُوت وَرفع الْحَرج عَمَّا سكت عَلَيْهِ فَمن أَيْن الدّلَالَة على الْجَزْم بِالْإِبَاحَةِ الْمُقْتَضِيَة لِاسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ المورد أَن هَذَا السُّكُوت يكون كالفعل الَّذِي جهل فِيهِ قصد الْقرْبَة وَقد منع الْمُحَقِّقُونَ دلَالَته على الْإِبَاحَة كَمَا عرفت بل قَالُوا يدل على الْجَوَاز وَقيل بِالْوَقْفِ وكل هَذَا فِيمَا لم يسْبق لَهُ تَحْرِيم عَقْلِي أَو شَرْعِي أما لَو كَانَ قد سبق لَهُ تَحْرِيم فالسكوت نَاسخ أَو مُخَصص وَقد قيل إِن من ذَلِك سُكُوته على لبس الزبير الْحَرِير لِلْعِلَّةِ وَهَذَا مِثَال وَإِلَّا فَإِنَّهُ قد عرف أَنه قد ثَبت الْإِذْن مِنْهُ ﷺ بالْقَوْل لإباحة لبس الزبير الْحَرِير
مَسْأَلَة فِي عدم تعَارض أَفعاله ﷺ ... وَلم تعَارض أبدا أَفعاله ...
جزم أَئِمَّة الْأُصُول بِأَن أَفعاله ﷺ لَا تتعارض إِذْ حَقِيقَة التَّعَارُض بَين الشَّيْئَيْنِ تقابلهما وَحَيْثُ يمْنَع كل وَاحِد مِنْهُمَا مُقْتَضى الآخر وَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر بَين فعلين بِحَيْثُ يمْنَع كل وَاحِد مِنْهُمَا مُقْتَضى الآخر لِأَنَّهُمَا إِن لم يتناقض حكمهمَا كصلاتين فِي وَقْتَيْنِ فَلَا تعَارض وَإِن تناقضا كَصَوْم يَوْم وإفطار ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه فَكَذَلِك أَيْضا لجَوَاز أَن يكون الْفِعْل وَاجِبا فِي وَقت وَفِي الْوَقْت الآخر بِخِلَافِهِ من غير أَن يكون مُبْطلًا لحكم الْفِعْل الأول
следующие страницы →