← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6315

أصول الفقه إجابة السائل شرح بغية الآمل

الصنعاني

Полный текст (428 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يقْصد بِهِ الْقرْبَة فالسياق مُنَاد على أَنه غير مُرَاد وَإِن لم تظهر الْقرْبَة فِيمَا فعله فَإِنَّهُ يدل على جَوَازه أَي مَا لم يظْهر قصد الْقرْبَة فَذَاك جَائِز لما عدا أَي لما عدا مَا عرف وُجُوبه وَلما لَا يعرف قصد الْقرْبَة فِيهِ فَإِنَّهُ يكون مُبَاحا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَذَلِكَ لفقد الْمعْصِيَة وَالْوُجُوب وَالنَّدْب زِيَادَة لم تثبت فَتعين الْجَوَاز وَقيل بل الْوَقْف وَالدَّلِيل على الْوَقْف أَن الْفِعْل مُتَرَدّد بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَمُجَرَّد الْفِعْل لَا ينْهض على معِين مِنْهَا فَلم يبْق إِلَّا الْوَقْف عَن تعْيين الحكم وَمَعَ جَوَاز فعله للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَا تتَحَقَّق الْإِبَاحَة الشَّرْعِيَّة بل لعدم تحقق الحكم قلت لَو قيل إِنَّه لَا يتَحَقَّق فِي حَقه فِي فعله ﷺ الْإِبَاحَة فَلَا يتَحَقَّق مَجْهُول الْوَجْه لَكَانَ قَوِيا لما عرف من أَن الْمُبَاحَات تنْقَلب مندوبات بِحسن النيات وَهُوَ ﷺ أَحَق خلق الله بِأَن لَا يفعل فعلا إِلَّا بنية الْقرْبَة فَلَيْسَ فِي أَفعاله مَجْهُول الصّفة بل أقلهَا مَا يكون وَجهه النّدب وَلَعَلَّه الَّذِي حمله من قَالَ بذلك فِي مَجْهُول الصّفة أَي صفة الْحسن لكنه رده ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهُ لَو كَانَ للنَّدْب أَو للْإِبَاحَة لوَجَبَ التَّبْلِيغ لِأَنَّهَا أَحْكَام شَرْعِيَّة وَالْفَرْض أَنه لَيْسَ الْمَوْجُود إِلَّا مُجَرّد الْفِعْل وَلذَا عدل النَّاظِم عَن عبارَة الكافل فَإِن عِبَارَته وَإِلَّا فإباحة وَقد عد أهل الْأُصُول فِي المطولات صورا وأمثلة مِمَّا تدل على وَجه الْفِعْل فَلَا نطول بهَا ثمَّ ذكرنَا مَا ذكره فِي الأَصْل بقولنَا ... وَتَركه مَا كَانَ آمرا بِهِ ... يَنْفِي الْوُجُوب فَاتبع وانتبه ... هَذِه الْمَسْأَلَة لم يذكرهَا ابْن الْحَاجِب وَلَا صَاحب جمع الْجَوَامِع فِي هَذَا الْبَحْث وَالْمرَاد أَن تَركه لشَيْء قد أَمر بِهِ يدل على عدم وُجُوبه عَلَيْهِ وعلينا وَذَلِكَ كتركه قسْمَة أَرض مَكَّة وَسبي أَهلهَا مَعَ أَن الْحق أَنَّهَا فتحت عنْوَة وَهَذَا مِمَّا لَا يقم عَلَيْهِ دَلِيل على أَنه خَاص بِهِ كتركه الْقسم بَين أَزوَاجه قلت وَلَا يخفى أَن التَّمْثِيل بِأَرْض مَكَّة فِي ذَلِك يُقَال عَلَيْهِ إِن أُرِيد أَن أَرض مَكَّة لَو فتحت مرّة أُخْرَى عنْوَة فَلَا تجب قسمتهَا فَهَذَا لَا معنى لَهُ لِأَنَّهُ حرم الْقِتَال

стр. 72

فِيهَا مَا دَامَت الدُّنْيَا وَإِنَّمَا أحلّت لَهُ ﷺ سَاعَة من نَهَار وعادت حرمتهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن أُرِيد أَنه إِذا فتح الإِمَام أَرضًا جَازَ لَهُ ترك قسمتهَا فمسألة أُخْرَى وَفعله الْأَمر الَّذِي عَنهُ نهى إِبَاحَة قَالَ بِهِ أولُوا النهى أَي أَن فعله ﷺ لِلْأَمْرِ الَّذِي نهى عَنهُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَة وَلَا تخفى لطافة ذكر الْأَمر وَالنَّهْي ومثلوه بنهيه ﷺ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها عِنْد التخلي كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأُمَّهَات وَغَيرهَا ثمَّ رَآهُ ابْن عمر وَقد استدبر الْقبْلَة عِنْد قَضَاء الْحَاجة كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأُمَّهَات أَيْضا قَالُوا فَإِن فعله ﷺ الْمُتَأَخر دَال على إِبَاحَة مَا نهى عَنهُ وَهُوَ مُجَرّد مِثَال وَإِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال وَقد بسطناها فِي سبل السَّلَام بسطا شافيا وَإِنَّمَا جزموا بِأَن فعله لما كَانَ نهى عَنهُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَة لِأَنَّهَا لَا تجوز عَلَيْهِ الْمعْصِيَة فيماطريقه التَّبْلِيغ فَيحكم بِأَنَّهُ مُبَاح لَا حرج فِي فعله وَتَركه مَسْأَلَة وَأما تَقْرِيره ﷺ فأفاده قَوْله سُكُوته مَعَ علمه بِمَا جرى وَهُوَ على إِنْكَاره مقتدرا ... وَلم يكن من غَيره إِنْكَار وَلَيْسَ مِمَّا يفعل الْكفَّار هَذِه شُرُوط أَرْبَعَة للسكوت الَّذِي يكون تقريرا الأول علمه ﷺ بِوُقُوع فعل أَو قَول من أَي فَاعل

стр. 73

مُكَلّف أَو غير مُكَلّف والتعميم بالْقَوْل وَالْفِعْل صرح بِهِ فِي الْفُصُول إِذْ لَا فرق بَين الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فِي ذَلِك وتعميم الْفَاعِل الدَّال على عدم اشْتِرَاط أَن يكون من أقرّ ﷺ فعله أَو قَوْله مُكَلّفا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه عبارَة الأَصْل وَعبارَة جمع الْجَوَامِع حَيْثُ قَالَ فَإِذا لَا يقر مُحَمَّد أحدا وَنَصره صَاحب الْآيَات الْبَينَات وَاسْتدلَّ لَهُ بِأَن الْبَاطِل قَبِيح شرعا وَإِن صدر من غير مُكَلّف إِذْ لَا يجوز تَمْكِين غير الْمُكَلف مِنْهُ وَإِن لم يَأْثَم بِهِ إِذْ يُوهم من جهل حكم ذَلِك الْفِعْل جَوَازه وَعَلِيهِ يدل كَلَام الْهَادَوِيَّة فِي الْفُرُوع وشرطية علمه ﷺ هِيَ عبارَة الأَصْل وَقيل لَا يشْتَرط تحقق علمه بل يَكْفِي إِذا انْتَشَر الْخَبَر انتشارا يبعد أَن لَا يُعلمهُ ﷺ وَنقل عَن الشَّافِعِي فِيهِ قَولَانِ الشَّرْط الثَّانِي كَونه ﷺ مقتدرا على إِنْكَاره فَمَا لم يقتدر على إِنْكَاره لَا يكون سُكُوته ﷺ تقريرا لفَاعِله دَالا على إِبَاحَته هَكَذَا جزم بِهِ ابْن الْحَاجِب وَمن تَابعه على هَذَا الشَّرْط وَاعْتَرضهُ الْجلَال فِي نظام الْفُصُول فَقَالَ الْأَنْبِيَاء ﵈ لم يبعثوا إِلَّا للتبيلغ فَلَا يجوز عَلَيْهِم السُّكُوت قطّ لِأَنَّهُ ترك للتبيلغ وَقد ثَبت عصمتهم اتِّفَاقًا وَسَبقه إِلَى هَذَا الْبرمَاوِيّ فِي شرح منظومته قَائِلا إِن من خَصَائِصه ﷺ أَن وجوب الْإِنْكَار عَلَيْهِ لَا يسْقط عَنهُ بالخوف على نَفسه قلت وَمن طالع سيرته ﷺ علم هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يُجَاهد صَنَادِيد قُرَيْش وفجارهم بتقبيح مَا هم عَلَيْهِ فِي مَوَاطِن لَا يَأْمَن على نَفسه

стр. 74

مِنْهُم وَأما دُخُوله بعد عوده من الطَّائِف فِي جوَار الْمطعم بن عدي بعد وَفَاة عَمه أبي طَالب فلزيادة التَّقْوَى وزجر السُّفَهَاء عَن التَّعَرُّض لَهُ وَقد ثَبت أَنه ﷺ خَافَ أول الْأَمر وَقَالَ إِنِّي أَخَاف أَن يتلفوا رَأْسِي فَأَمنهُ الله بِمَا وعده بِهِ من النَّصْر وَالْفَتْح وَحِينَئِذٍ فقد يُقَال لَا يتم فِي حَقه أَن يخَاف على نَفسه وَهَذَا كُله قبل نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ وأمابعدها فَلَا كَلَام فِيهِ الشَّرْط الثَّالِث قَوْله وَلم يكن من غَيره إِنْكَار فَإِنَّهُ لَو أنكر غَيره بِحَضْرَتِهِ لم يكن سُكُوته تقريرا لاكتفائه بنكار الْغَيْر فَإِنَّهُ لَو كَانَ إِنْكَاره فِي غير مَوْضِعه لما قرر ﷺ يشكله ولأنكر عَلَيْهِ إِنْكَاره مَا لَيْسَ بمنكر وَيدل عَلَيْهِ مَا ثَبت فِي قصَّة كَعْب بن مَالك فَإِنَّهُ ﷺ لما سَأَلَ فِي تَبُوك مَا فعل كَعْب بن مَالك قَالَ بعض من حضر شغله النّظر فِي عطفيه فَقَالَ بعض الْحَاضِرين عِنْده ﷺ وَالله مَا علمنَا عَلَيْهِ إِلَّا خيرا فَسكت ﷺ مقررا للْبَعْض فِي رده عَلَيْهِ غيبَة كَعْب وإنكاره على من اغتابه الرَّابِع قَوْله وَلَيْسَ مِمَّا يفعل الْكفَّار أَي أَنه إِن كَانَ سُكُوته عَن ش علمه إِنْكَاره كمضي كَافِر إِلَى كَنِيسَة فَإِن سُكُوته عَلَيْهِ لَا يكون تقريرا لَهُ وَإِبَاحَة لفعله سَوَاء قدر على إِزَالَته أَو لَا فَإِذا جمع سُكُوته هَذِه الشُّرُوط فَالْحكم فِيهِ مَا يفِيدهُ قَوْله ... يُبِيح مَا هَذَا يكون حَاله ...

стр. 75

وَهَذِه الْجُمْلَة خبر قَوْله سُكُوته وَهِي بَيَان لحكم التَّقْرِير الْمَذْكُور وَأَنه إِبَاحَة الْفِعْل وَالْقَوْل الَّذِي سكت ﷺ عَلَيْهِمَا ومرادهم بِالْإِبَاحَةِ مَا يَسْتَوِي مَعهَا الطرفان وَقد أورد عَلَيْهِ أَن غَايَة مَا أَفَادَهُ السُّكُوت وَرفع الْحَرج عَمَّا سكت عَلَيْهِ فَمن أَيْن الدّلَالَة على الْجَزْم بِالْإِبَاحَةِ الْمُقْتَضِيَة لِاسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ المورد أَن هَذَا السُّكُوت يكون كالفعل الَّذِي جهل فِيهِ قصد الْقرْبَة وَقد منع الْمُحَقِّقُونَ دلَالَته على الْإِبَاحَة كَمَا عرفت بل قَالُوا يدل على الْجَوَاز وَقيل بِالْوَقْفِ وكل هَذَا فِيمَا لم يسْبق لَهُ تَحْرِيم عَقْلِي أَو شَرْعِي أما لَو كَانَ قد سبق لَهُ تَحْرِيم فالسكوت نَاسخ أَو مُخَصص وَقد قيل إِن من ذَلِك سُكُوته على لبس الزبير الْحَرِير لِلْعِلَّةِ وَهَذَا مِثَال وَإِلَّا فَإِنَّهُ قد عرف أَنه قد ثَبت الْإِذْن مِنْهُ ﷺ بالْقَوْل لإباحة لبس الزبير الْحَرِير مَسْأَلَة فِي عدم تعَارض أَفعاله ﷺ ... وَلم تعَارض أبدا أَفعاله ... جزم أَئِمَّة الْأُصُول بِأَن أَفعاله ﷺ لَا تتعارض إِذْ حَقِيقَة التَّعَارُض بَين الشَّيْئَيْنِ تقابلهما وَحَيْثُ يمْنَع كل وَاحِد مِنْهُمَا مُقْتَضى الآخر وَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر بَين فعلين بِحَيْثُ يمْنَع كل وَاحِد مِنْهُمَا مُقْتَضى الآخر لِأَنَّهُمَا إِن لم يتناقض حكمهمَا كصلاتين فِي وَقْتَيْنِ فَلَا تعَارض وَإِن تناقضا كَصَوْم يَوْم وإفطار ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه فَكَذَلِك أَيْضا لجَوَاز أَن يكون الْفِعْل وَاجِبا فِي وَقت وَفِي الْوَقْت الآخر بِخِلَافِهِ من غير أَن يكون مُبْطلًا لحكم الْفِعْل الأول

стр. 76

لانه لَا عُمُوم فِي الْأَفْعَال وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور وَنقل فِيهِ خلاف لَا يتَحَقَّق إِلَّا بَين قَرَائِن الْأَفْعَال لَا فِي الْأَفْعَال نَفسهَا وكلامنا فِيهَا من غير نظر إِلَى قرائنها وَأما بَين أَفعاله ﷺ وأقواله أَو بَين أَقْوَاله فَإِنَّهُ يَقع التَّعَارُض وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله فَإِن تعَارض قَوْله وَالْفِعْل أَو كَانَ فِي قَوْلَيْنِ كَانَ الْفِعْل ... بِأَن مَا كَانَ أخيرا نَاسِخا أَو كَانَ تَخْصِيصًا إِذا مَا أرخا اعْلَم أَن الْفِعْل إِذا تقدم وَقَامَ الدَّلِيل على تكراره ثمَّ وَقع القَوْل بِخِلَافِهِ وَقع حِينَئِذٍ التَّعَارُض وَإِذا وَقع فَلَا بُد من أحد أَمريْن إِمَّا الْجمع بَينهمَا أَو التَّرْجِيح وَقد أَشَارَ فِي النّظم إِلَى ذَلِك بقوله كَانَ الْفِعْل أَي الْعَمَل فِي الْجمع بَين المتعارضين فَلفظ الْفِعْل هُنَا غَيره فِي صدر الْبَيْت وَبَينهمَا جناس تَامّ ومثلوا ذَلِك بِأَن ينْقل إِلَيْنَا استقباله ﷺ بِالْحَاجةِ وَقد نهى عَن ذَلِك فالجمع بَينهمَا أَنه إِن علم التَّارِيخ فالأخير نَاسخ هَذَا إِن تَأَخّر مُدَّة تتسع للْعَمَل كَمَا ياتي أَنه شَرط فِي النّسخ وَإِن جهل التَّارِيخ كَانَ تَخْصِيصًا مِثَاله أَن يَقُول ﷺ صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب علينا فيفطر فِيهِ قبل صَوْمه فَهَذَا يكون تَخْصِيصًا لَهُ ﷺ لِامْتِنَاع حمله على النّسخ على الْمُخْتَار فَالْمُرَاد من قَوْلنَا نَاسِخا أَنه يرفع مُقْتَضى الحكم لَا النّسخ بِالْمَعْنَى المصطلح فَإِنَّهُ لَيْسَ الآخر نَاسِخا على كل حَال وَلَك أَن تَقول مُقَابلَته بالتخصيص قرينَة قَوِيَّة على أَن المُرَاد بالنسخ الْحَقِيقِيّ إِن كملت شُرُوطه وَإِلَّا فالتخصيص وَقد قَالُوا فِي الحَدِيث الْوَارِد فِي النَّهْي عَن الِاسْتِقْبَال والاستدبار للْقبْلَة عِنْد قَضَاء الْحَاجة لما عَارضه حَدِيث

стр. 77

ابْن عمر ﵁ أَنه رأى النَّبِي ﷺ يَقْضِيهَا مُسْتَقْبلا للشام مستدبرا للْقبْلَة إِنَّه تَخْصِيص لَهُ ﷺ عَن عُمُوم النَّهْي أَو إِنَّه تَخْصِيص للعمران وَقَوله إِذا مَا أرخ قيد لناسخا وَمَا زَائِدَة أَي إِذا أرخ وَمَعَ التَّارِيخ يعلم تقدمه أَو تَأَخره فَإِن جهل التَّارِيخ فَالْحكم قَوْله أَو جهل التَّارِيخ فالترجيح أَي إِن جهل تَارِيخ الْمُتَقَدّم من الْمُتَأَخر مَعَ تعذر الْجمع بَين الْفِعْل وَالْقَوْل فَإِنَّهُ يرجع إِلَى التَّرْجِيح وَيَأْتِي فِي بَاب التَّرْجِيح وتقد إِشَارَة إِلَيْهِ أَن القَوْل أرجح وَقد طولت الْمَسْأَلَة فِي المطولات وَكَثُرت فِيهَا المقالات المفروضات وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك بعد معرفَة الْقَاعِدَة مَسْأَلَة فِي طَرِيق نقل الْأَحَادِيث وَالرِّوَايَة للسّنة النَّبَوِيَّة الَّتِي يثبت بهَا صِحَة الْمَنْقُول بِسَنَد إِلَيْهِ ﷺ وَالرِّوَايَة منحصرة فِي قسمَيْنِ لَا غير التَّوَاتُر والآحاد وإليهما أَشَارَ بقوله ثمَّ طَرِيق نقلهَا الصَّحِيح ... تَوَاتر الْأَخْبَار والآحاد فَمَا روى جمَاعَة أفادوا ... بِنَفسِهِ الْعلم بِصدق مَا رُوِيَ فَأَنَّهُ الأول وَالْقَوْل الْقوي ... فقد اعْتِبَار الْعدَد المحصور بل مَا أَفَادَ علمنَا الضَّرُورِيّ الطَّرِيق لُغَة مَا يُوصل إِلَى الْمَطْلُوب الْحسي واستعير هُنَا لما يُوصل إِلَى الْمَطْلُوب الْمَعْنَوِيّ وَالطَّرِيق تذكر وتؤنث وَالصَّحِيح صفة لَهُ على الأول أَو لِأَن

стр. 78

إِضَافَته إِلَى النَّقْل تكسبه التَّذْكِير وَإِنَّمَا قَيده بِالصّفةِ لِأَن الصَّحِيح هُوَ الْمُعْتَبر وَإِن كَانَ التدوين لأعم من ذَلِك وَالْأَخْبَار جمع خبر أُرِيد بِهِ هُنَا النِّسْبَة الثبوتية أَو السلبية والآحاد جمع أحد بِمَعْنى الْوَاحِد كبطل وأبطال والتواتر لُغَة تتَابع الشَّيْء مَعَ تراخ وَاصْطِلَاحا أَفَادَهُ قَوْله فَمَا روى جمَاعَة إِلَى آخِره وَهُوَ تَعْرِيف للمتواتر لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بالبحث وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره قَوْله فَإِنَّهُ الأول وَدخُول الْفَاء لتضمن الْمُبْتَدَأ لِمَعْنى الشَّرْط وَنسبَة الإفادة إِلَى الْجَمَاعَة وَإِن كَانَت الإفادة الْقَرِيبَة لخبرهم لأَنهم السَّبَب الْبعيد وَقَوله بِنَفسِهِ يتَعَلَّق بأفادوا وَالْمرَاد أفادوا بِنَفس خبرهم وَهُوَ احْتِرَاز عَمَّا يُفِيد ذَلِك بالقرائن من أَخْبَار الْآحَاد عِنْد من يَقُول بِهِ وَقد حققناه فِي شرح التَّنْقِيح فَخرج أَخْبَار جمَاعَة لَا يُفِيد الْعلم وَخبر الْوَاحِد الَّذِي يفِيدهُ بِالْقَرِينَةِ وَلما اخْتلف أَئِمَّة الْأُصُول هَل يشْتَرط عدد الْجَمَاعَة الَّذين يحصل بخبرهم التَّوَاتُر أَو لَا ذهب قوم إِلَى اشْتِرَاطه ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ فَقيل أَرْبَعَة وَهُوَ أقل مَا قيل وَقيل ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر وَهُوَ أَكثر مَا قيل وَبَينهمَا أَقْوَال فِي تعْيين أعدادهم وَكلهَا أَقْوَال لَا ينْهض على شَيْء مِنْهَا الِاسْتِدْلَال فَلِذَا قُلْنَا إِن فقد عدم اعْتِبَار عدد مَحْصُور برتبة مُعينَة هُوَ القَوْل الْقوي وَإِنَّمَا ضابطه حُصُول الْعلم إِلَّا أَن إفادته الْعلم تخْتَلف باخْتلَاف المخبرين فِي التدين والجزم والتنزه عَن الْكَذِب وتباعد الأقطار وارتفاع تهم الْأَغْرَاض والاطلاع من المخبرين على الْمخبر بِهِ عَادَة كدخاليل الْملك إِذا أخبروا عَن أَحْوَاله الْبَاطِنَة وتختلف باخْتلَاف السَّامع فكم من سامع يحصل لَهُ الْعلم بِخَبَر جمَاعَة لَا يحصل لآخر بذلك الْخَبَر لاختلافهم فِي تفرس أَخْبَار الصدْق وانتفائها والإدراك والفطنة وتختلف باخْتلَاف الْمخبر عَنهُ كَأَن يكون خَبرا خفِيا أَو غَرِيبا أَو ظَاهرا أَو مبتذلا

стр. 79

إِذْ لَا يخفى على الذكي أَن الِاخْتِلَاف فِيهِ مُوجب للِاخْتِلَاف بِخَبَر أقل أَو أَكثر وَهَذَا حَاصِل مَعَ مَا فِي الْعَضُد وحواشيه هَذَا وَقد ذكر للتواتر شُرُوط لَازِمَة لَهُ مِنْهَا تعدد المخبرين بِحَيْثُ يمْتَنع عَادَة توافقهم وتواطؤهم على الْكَذِب بِأَن يكون خبرهم مُسْتَندا إِلَى الْحس من مُشَاهدَة أَو سَماع وَنَحْوهَا ذكره الرَّازِيّ والآمدي وَأَتْبَاعه وَالَّذِي صرح بِهِ الأقدمون اشْتِرَاط كَونه عَن ضَرُورَة قَالُوا وَإِنَّمَا شَرط استناده إِلَى الْحس لجَوَاز الْغَلَط لَو اسْتندَ إِلَى غَيره وَتعقب بِأَن الْحس قد يَقع الْغَلَط فِيهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ يمْتَنع وُقُوعه عَادَة من الْجمع الْمُعْتَبر هُنَا واحترزوا بالمحسوس عَن الْأَخْبَار بالمعقولات فَإِن أَخْبَار عدد التَّوَاتُر عَن حُدُوث الْعَالم مثلا لَا يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم مَا لم يُؤَيّد بِالنّظرِ وَالثَّالِث اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي حُصُول الْعلم بِخَبَر الروَاة لَا فِي الْعدَد وَالْمرَاد أَن لَا ينقص الْعدَد لَا أَن لَا يزِيد فَالزِّيَادَة مُرَادة وَلَعَلَّ هَذِه الشُّرُوط تتبعها من الْخَبَر الَّذِي أَفَادَ بِنَفسِهِ الْعلم وَأَنَّهَا لَازِمَة لَهُ لَا تُفَارِقهُ وَإِلَّا فَالْمُعْتَبر عِنْدهم لَيْسَ إِلَّا إفادته الْعلم ثمَّ الْأَكْثَر على أَن الْعلم الْمُسْتَفَاد من التَّوَاتُر ضَرُورِيّ لَا نَظَرِي لحصوله لمن لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة النّظر كالعامي إِذْ النّظر ترقب أُمُور مَعْلُومَة أَو مظنونة يتَوَصَّل بهَا إِلَى عُلُوم أَو ظنون والعامي لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة ذَلِك فَلَو كَانَ نظريا لما حصل لَهُم وَاعْلَم أَنَّهَا قد ذكرت لَهُ شُرُوط زينها الْمُحَقِّقُونَ وَأَشَارَ إِلَى دفع بَعْضهَا بقوله

стр. 80

وَحَاصِل بفاسق وَكَافِر فَإِنَّهُ رد لمن شَرط الْعَدَالَة فِي رُوَاة التَّوَاتُر فَلَا يَقع من الْفُسَّاق أَو الْإِسْلَام فَلَا يَقع من الْكفَّار قَالَ من اشْترط ذَلِك لِأَن الْكفْر وَالْفِسْق مَظَنَّة الْكَذِب فعدمها يكون شرطا وَلِأَنَّهُ إِخْبَار أمة من الْيَهُود بقتل الْمَسِيح وَلم يحصل بخبرهم الْعلم بقتْله ورد بِأَنَّهُ لَو أخبر أمة من الْفُسَّاق بِخَبَر كَقَتل ملك بلدتهم لحصل الْعلم بِصدق خبرهم ضَرُورَة وَلِأَنَّهُ أخبر أمة من الْيَهُود بقتل الْمَسِيح وَلم يحصل بخبرهم الْعلم بقتْله ورد بِأَنَّهُ لَو أخبر أمة من الْفُسَّاق بِخَبَر كَقَتل ملك بلدتهم لحصل الْعلم بِصدق خبرهم ضَرُورَة وَبِأَن خبر الْيَهُود بقتل عِيسَى حصل بِهِ الْعلم لتواتره بروايتهم وَحُصُول شَرط التَّوَاتُر لكنه تَعَالَى أكذبهم فِي كِتَابه الْعَزِيز فنفى مَا حصل من الْعلم بخبرهم لَيْسَ لخلل فِي شُرُوط التَّوَاتُر بل لأمر خارق سماوي وَلَيْسَ ذَلِك لكَون الروَاة كفَّارًا وَقد زيدت شُرُوط غير هذَيْن وَقد ردهَا أَئِمَّة الْأُصُول فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا مَسْأَلَة فِي انقسام التَّوَاتُر إِلَى اللَّفْظِيّ والمعنوي وَاللَّفْظ لَا يخْتَص بالتواتر بل جَاءَ فِي الْمَعْنى كإقدام الْوَصِيّ ... كرم رَبِّي ذَلِك الْوَجْه الرضي التَّوَاتُر يَنْقَسِم إِلَى لَفْظِي وَهُوَ اتِّفَاق الروَاة على لفظ وَاحِد عَمَّن يَرْوُونَهُ عَنهُ وَمن أمثلته حَدِيث من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار

стр. 81

فَإِنَّهُ ذكر الْبَزَّار فِي مُسْنده أَنه رَوَاهُ عَنهُ ﷺ إثنان وَسَبْعُونَ نفسا من الصَّحَابَة مِنْهُم الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ قَالَ وَلَيْسَ فِي الدّين حَدِيث اجْتمع على رِوَايَته الْعشْرَة غَيره وَلَا نَعْرِف حَدِيثا يرْوى عَن اكثر من سِتِّينَ نفسا من الصَّحَابَة سوى هَذَا الحَدِيث انْتهى قلت وَفِي تَنْقِيح الأنظار أَن مِنْهُ حَدِيث رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ من طرق كَثِيرَة قَالَ ابْن عبد الْبر رَوَاهُ ثَلَاثَة عشر من الصَّحَابَة وَقَالَ ابْن كثير نَيف وَعِشْرُونَ وَجمع زين الدّين الْعِرَاقِيّ رُوَاته فبلغوا خمسين صحابيا مِنْهُم الْعشْرَة وَمِنْه حَدِيث الْمسْح على الْخُفَّيْنِ قَالَ صَاحب الْإِلْمَام عَن ابْن الْمُنْذر أَنه قَالَ روينَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ حَدثنِي سَبْعُونَ من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أَنه مسح على الْخُفَّيْنِ وَقَالَ زين الدّين رَوَاهُ أَكثر من سِتِّينَ نفسا من أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله

стр. 82

عَلَيْهِ وَآله وَسلم مِنْهُم الْعشْرَة ﵃ وَبِه يعرف عدم صِحَة دَعْوَى الْبَزَّار وَأَنَّهَا مَحْمُولَة على مَا عرفه والتواتر واللفظي فِي أول مَا سقناه مجزوم بِهِ وفيماعداه الْأَظْهر تَوَاتر لَفظه أَيْضا وَإِلَّا فَلَا يخفى أَن الناقلين لرِوَايَة رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام رووا فعله ﷺ لذَلِك وَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ يرفعهما لَا أَنهم رووا أَنه قَالَ ﷺ ارْفَعُوا أَيْدِيكُم فَهِيَ من رِوَايَة الْفِعْل تواترا فَيحسن أَن يُقَال والتواتر يجْرِي فِي أَقسَام السّنة من فعل وَقَول وَتَقْرِير وَمِثَال تَوَاتر الْفِعْل مَسْأَلَة رفع الْيَدَيْنِ وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ وَكَلَام أهل الْأُصُول على هَذَا مَحْمُول فَإِنَّهُم فسموا طَرِيق نقل السّنة النَّبَوِيَّة مُطلقًا إِلَى تَوَاتر وآحاد فَيدْخل تَحت الْقِسْمَة أَنْوَاع السّنة الثَّلَاثَة وَأما التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ اخْتِلَاف أَلْفَاظ المخبرين عَن خبر رَوَوْهُ واتفقت ألفاظهم على مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ كثير وَاسع وَعَلِيهِ مدَار غَالب التَّوَاتُر ويفيد تَوَاتر الْقدر الْمُشْتَرك ومثاله تَوَاتر شجاعة عَليّ ﵇ فَإِن الْأَخْبَار تَوَاتَرَتْ عَن وقائعه فِي حروبه من أَنه فعل فِي بدر كَذَا وَكَذَا وَفِي أحد كَذَا وَهزمَ يَوْم خَيْبَر كَذَا وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهَا تدل بالالتزام على تَوَاتر شجاعته وَمن ذَلِك حَدِيث من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَإِن لَهُ مائَة وَخمسين طَرِيقا قَالَ الْعَلامَة المقبلي بعد سرد بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا لَفظه فَإِن لم يكن هَذَا مَعْلُوما فَمَا فِي الدُّنْيَا مَعْلُوم وَجعل هَذَا الحَدِيث فِي الْفُصُول من الْمُتَوَاتر لفظا وَكَذَلِكَ حَدِيث الْمنزلَة وَهُوَ قَوْله ﷺ لعَلي ﵁ أَنْت مني بِمَنْزِلَة

стр. 83

هَارُون من مُوسَى الحَدِيث وعدها ابْن الإِمَام فِي شرح الْغَايَة من الْمُتَوَاتر معنى وَأقر الْجلَال كَلَام الْفُصُول فِي تَوَاتر حَدِيث الغدير وَلم يُسلمهُ فِي حَدِيث الْمنزلَة وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّه صَحِيح مَشْهُور لَا متواتر وَذكر الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابه تدريب الرَّاوِي أَنه ألف كتابا فِي هَذَا النَّوْع لم يسْبق إِلَى مثله سَمَّاهُ الأزهار المتناثرة فِي الْأَخْبَار المتواترة ولخصته فِي جُزْء لطيف سميته قطف الأزهار وَاعْلَم أَن التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ لَا يُفِيد علما بخصوصية جزئي من جزيئات مَا رُوِيَ فِيهِ وَفِي جَوَاهِر التَّحْقِيق مَا لَفظه وَالتَّحْقِيق أَن الْأَخْبَار الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بخصوصيات الوقائع لَهَا حالتان حَالَة الِانْفِرَاد وَحَالَة الِاجْتِمَاع فَفِي حَالَة الِانْفِرَاد لَا تفِيد علما قَطْعِيا أصلا بخصوصية الشجَاعَة مثلا وَلَا بالشجاعة الْمُطلقَة الَّتِي هِيَ الْقدر الْمُشْتَرك لِأَنَّهَا بِاعْتِبَار الِانْفِرَاد من جملَة أَخْبَار الْآحَاد وَهِي لَا تفِيد علما قَطْعِيا وَفِي حَالَة الِاجْتِمَاع تفِيد علما قَطْعِيا بالشجاعة الْمُطلقَة الَّتِي هِيَ الْقدر الْمُشْتَرك وَلَا تفِيد علما قَطْعِيا بخصوصية شَيْء من جزيئات الشجَاعَة لِأَنَّهَا بِهَذَا الِاعْتِبَار من جملَة الْأَخْبَار المتواترة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشجَاعَة الْمُطلقَة وَمن جملَة الْأَخْبَار الآحادية بِالنِّسْبَةِ إِلَى خصوصيتها فَلْيتَأَمَّل انْتهى بِبَعْض اخْتِصَار وَاعْلَم أَنه مثل فِي شرح الْغَايَة بشجاعة عَليّ ﵇ وجود حَاتِم وَجعل دلَالَة الوقائع المتعددة فِي الْمِثَال الأول دَالَّة على شجاعة عَليّ ﵇ بالالتزام قَالَ وَذَلِكَ لِأَن الشجَاعَة من الملكات النفسية فَيمْتَنع أَن يكون نفس الهزم المحسوس أَو جُزْءا مِنْهُ لَكِن الشجَاعَة لَازِمَة لجزيئات الهزم وَالْقَتْل فِي الوقائع الْكَثِيرَة فَتكون دلَالَة الهزم وَنَحْوه فِي الوقائع الْكَثِيرَة على الشجَاعَة

стр. 84

بطرِيق الِالْتِزَام وَجعل الثَّانِي من الدّلَالَة التضمنية قَالَ فَإِن مَا يحْكى من عطاياه من الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْعين وَغَيرهَا يدل بالتضمن على جوده قَالَ لِأَن الْجُود يُطلق فِي الظَّاهِر على الْأَثر الصَّادِر عَن الملكة النفسانية الَّتِي هِيَ الْحَقِيقَة للجود وَقد أُرِيد بالجود هُنَا مَا هُوَ الظَّاهِر وَهُوَ إِعْطَاء مَا يَنْبَغِي لَا للعوض مُطلقًا فَيكون جُزْء من الإعطاءات الْمَخْصُوصَة فَتكون دلَالَة كل وَاحِدَة من خصوصيات الْإِعْطَاء عَلَيْهِ بطرِيق التضمن وَلَو أُرِيد بالجود الملكة النفسانية لم يكن إِلَّا من الدّلَالَة الالتزامية قلت وَلَا يخفى أَن الْفرق بَين المثالين غير تَامّ بل هما مَعًا من الدّلَالَة الالتزامية فَإِن تِلْكَ الْأَفْعَال خَارِجَة عَن مُسَمّى الشجَاعَة والجود فَلَيْسَتْ بِجُزْء مِنْهَا حَتَّى تكون من دلَالَة التضمن كَمَا أَنَّهَا لَيست نَفسهَا حَتَّى تكون من دلَالَة الْمُطَابقَة وَالْقَوْل إِن الْجُود يُطلق على الملكة النفسانية وَيُطلق فِي الظَّاهِر على الْأَثر الصَّادِر عَنْهَا الَّذِي فسره بِمَا ذكر اي الْجُود فَيكون جُزْءا من كل إِعْطَاء مَخْصُوص بِأحد الاعتبارين سُجُود يرى بِعَيْنِه فِي الشجَاعَة فَإِنَّهَا كَمَا أَنَّهَا تطلق على الملكة النفسانية تطلق على الْأَثر الصَّادِر عَنْهَا وَهُوَ الْقَتْل والهزم فَتكون الشجَاعَة جُزْءا من كل قتل وَهزمَ وَدَعوى الظُّهُور فِي إِطْلَاق الْجُود على الْأَثر الصَّادِر دون الشجَاعَة مَمْنُوع فَلَا فرق بَين المثالين وَلذَا اقْتصر فِي النّظم على أَحدهمَا على أَن ابْن الْهمام صرح فِي التَّحْرِير بِنَفْي الدّلَالَة التضمنية والالتزامية بِالْمَعْنَى الْأَخَص فَقَالَ وَلَيْسَ شَيْء مِنْهُمَا يدل على السجية ضمنا إِذْ لَيْسَ الْجُود من مَفْهُوم إِعْطَاء الْألف تضمنا وَلَا التزاما إِلَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ لجَوَاز أَن يتغفل قَاتل ألفا

стр. 85

بِلَا حُضُور معنى الشجَاعَة فَمَا قيل الْمَعْلُوم مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بتضمن أَو الْتِزَام تساهل انْتهى قلت وَلَا يخفى أَن نَفْيه لكَونه لَازِما غير صَحِيح واستدلاله بِجَوَاز الْغَفْلَة غير ناهض لتصريحهم أَنه لَا يلْزم الْمُتَكَلّم استحضار لَوَازِم كَلَامه عِنْد تكَلمه بل صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا تَكْفِير بالالتزام لِأَن الْمُتَكَلّم كثيرا مَا يلقى كَلَامه غير قَاصد للازمه وَلَا منتبه لَهُ وَإِنَّمَا اللَّفْظ يدل عَلَيْهِ وَلَا يلْزم قصد الْمُتَكَلّم دلَالَته عَلَيْهِ وَإِنَّمَا شرطوه فِي المزايا واللطائف والنكات البيانية وَإِذا عرفت أَن الْأَخْبَار انقسمت إِلَى التَّوَاتُر والآحاد وَعرفت التَّوَاتُر بقسميه فَاعْلَم أَن الْآحَاد أَيْضا يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ كَمَا دلّ على قَوْله ... وانقسم الْآحَاد فَهُوَ مُسْند ... ومرسل وَالظَّن مِنْهُ يُوجد ... اشْتَمَل الْبَيْت على مَسْأَلَتَيْنِ الأولى تَقْسِيم الحَدِيث الآحادي وَقد عرفت أَن الآحادي قسيم الْمُتَوَاتر فَيدْخل فِي الآحادي المتلقى بِالْقبُولِ والعزيز وَالْمَشْهُور وَهُوَ المستفيض فَهَذِهِ من الْآحَاد وتحقيقها فِي عُلُوم أصُول الحَدِيث وَقد حققنا ذَلِك بِحَمْد الله فِي نظم النخبة الْمُسَمّى بقصب السكر وَفِي شرحها الْمُسَمّى بإسبال الْمَطَر وبسطناه فِي شرح تَنْقِيح الأنظار بسطا ينْتَفع بِهِ النظار وَقد انقسم الْآحَاد كَمَا قَالَ فالآحاد يَنْقَسِم إِلَى مُسْند ومرسل فَالْأول الْمسند وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ مَا اتَّصل من رَاوِيه إِلَى النَّبِي

стр. 86

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ التَّفْسِير الَّذِي قطع بِهِ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَهُوَ قَول لأهل الحَدِيث وَالثَّانِي الْمُرْسل وَهُوَ عِنْدهم أَيْضا مَا سقط من إِسْنَاده راو أَو أَكثر من أَي مَوضِع فَدخل فِيهِ الْمُعَلق والمنقطع والمعضل وَهِي أَنْوَاع من الْمُرْسل مبينَة فِي عُلُوم الحَدِيث الثَّانِيَة فِي مَا يفِيدهُ الْخَبَر الآحادي وَقد جزم فِي النّظم أَنه يُفِيد الظَّن وَهُوَ اتِّفَاق إِنَّمَا الْخلاف فِي إفادته الْعلم فَالضَّمِير فِي قَوْله مِنْهُ عَائِد إِلَى الْآحَاد وَحَاصِل القَوْل فِيمَا يفِيدهُ الْخَبَر الآحادي ثَلَاثَة أَقْوَال أَشَارَ إِلَيْهَا فِي جمع الْجَوَامِع حَيْثُ قَالَ خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا بِقَرِينَة وَقَالَ الْأَكْثَر لَا مُطلقًا أَحْمد يُفِيد الْعلم مُطلقًا انْتهى فَالْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يُفِيد الْعلم هُوَ قَول الْجُمْهُور من أَئِمَّة الْأُصُول وَعرفت أَن من الْآحَاد المتلقى بِالْقبُولِ وَهُوَ الَّذِي تكون الْأمة مَا بَين عَامل بِهِ ومتأول لَهُ فَهُوَ لَا يُفِيد الْعلم لِأَنَّهُ من الْآحَاد إِلَّا أَن يَجْعَل التلقي بِالْقبُولِ من الْقَرَائِن الَّتِي حفت الْخَبَر فَأفَاد الْعلم مَعهَا على من يَقُول إِن الْآحَاد إِذا حَفَّتْهُ الْقَرَائِن أَفَادَ الْعلم

стр. 87

وَاعْلَم أَنا قد بحثنا فِي شرح التَّنْقِيح فِي عُلُوم الحَدِيث فِي هَذِه الْقَاعِدَة وَهِي إِفَادَة الْآحَاد الظَّن أَو الْعلم بِأَنَّهُ يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال الْمخبر والمخبر اسْم فَاعل والمخبر اسْم مفعول فَمِنْهُ مَا يُفِيد الْعلم وَمِنْه مَا يُفِيد الظَّن فَلَيْسَتْ إفادته الْعلم وَعدم إفادته حكما كليا وَإِلَى عدم إفادته الْعلم وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ فِي الْفُرُوع قُلْنَا ... لَا غَيره وَاجِب فِي الفرعي ... قبُوله لَا فِي الدَّلِيل الْقطعِي ... قَوْله لَا غَيره عطف على قَوْله وَالظَّن مِنْهُ يُوجد أَي لَا غير الظَّن وَهُوَ الْعلم لقَرِينَة الْمقَام وَإِن كَانَ لفظ غَيره أَعم وَقَول من قَالَ أَنه يُفِيد الْعلم إِذا حَفَّتْهُ الْقَرَائِن لَا يُنَاسب الْبَحْث إِذْ النَّفْي بِاعْتِبَار النّظر إِلَى الْآحَاد من حَيْثُ هِيَ فَلَا يُنَافِيهِ أَن الآحادي المحفوف بالقرائن يُفِيد الْعلم فَإِن الإفادة لَيست من الْخَبَر الآحادي بل مِمَّا انْضَمَّ إِلَيْهِ وَإِذا عرفت أَنه قد اتّفق على إفادته الظَّن فَقَوله وواجب فِي الْفَرْع إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة ثَالِثَة تتَعَلَّق بِوُجُوب الْعَمَل بالْخبر الآحادي فَإِذا كَانَ يُفِيد الظَّن فقد عرفت أَنه يجب الْعَمَل بِالظَّنِّ فِي الْأَحْكَام الفرعية كَمَا عَرفته من بحث الدَّلِيل ورسمه وَقد عرفت مِمَّا سلف أَن الظَّن يعْمل بِهِ فِي مسَائِل الْأُصُول كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي رسم أصُول الْفِقْه فقولنا هُنَا لَا فِي الدَّلِيل الْقطعِي إِشَارَة إِلَى كَلَام الْجُمْهُور أَنه لَا يقبل فِي مسَائِل الْأُصُول إِلَّا الْأَدِلَّة القطعية مُوَافقَة لما فِي الأَصْل الَّذِي نظمناه وَإِلَّا فمختارنا خِلَافه

стр. 88

فقولنا لَا فِي الدَّلِيل الْقطعِي أَي أَنه لَا يجب قبُول الآحادي فِي الْأَدِلَّة القطعية الَّتِي تشْتَرط فِي مسَائِل الْأُصُول ثمَّ لما كَانَ قد وَقع الْخلاف فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد أَشَارَ إِلَى دَلِيل مَا أَفَادَهُ قَوْلنَا ... لبعثه الْمُخْتَار للآحاد ... وَمَا أَتَى عَن صَحبه الأمجاد ... الْجَار يتَعَلَّق بقوله وواجب قبُوله وَالْبَيْت تضمن الْإِشَارَة إِلَى دَلِيلين على وجوب قبُول خبر الْآحَاد هما عُمْدَة أَدِلَّة الْمَسْأَلَة الأول أَنه تَوَاتر عَنهُ ﷺ تواترا معنويا وَعلم ذَلِك من ضَرُورَة سيرته بَعثه الْآحَاد إِلَى كثير من الْعباد لطلب الْإِسْلَام وإبلاغ الْأَحْكَام كإرساله إِلَى قَيْصر وكسرى وَصَاحب مصر وَغَيرهم وكإرساله معَاذ بن جبل وَأبي مُوسَى إِلَى الْيمن وَأمره معَاذًا بِأَنَّهُم إِذا لم يسلمُوا عاقبهم بِأخذ الْجِزْيَة ورتب ﷺ على ذَلِك قبُول إسْلَامهمْ وَعَدَمه وعاقب من امْتنع بِالْقِتَالِ وَالدُّعَاء عَلَيْهِ كَمَا دَعَا على كسْرَى حينما مزق كِتَابه بتمزيق ملكه ورتب على عدم إِسْلَام هِرقل غَزوه وتجهيز جَيش مُؤْتَة إِلَى بِلَاده وتواتر أَنه ﷺ قبل خبر الْآحَاد ورتب عَلَيْهِ كَمَا ذكرُوا كقبوله خبر الْوَلِيد بن عقبَة فِي أَن بني المصطلق ارْتَدُّوا وهم بغزوهم لَوْلَا أنزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ﴾ وَهَذِه الْأَدِلَّة قاضية بِوُجُوب الْعَمَل وقاضية بِقبُول الْآحَاد فِي أصُول الشَّرَائِع وَغَيرهَا وَمَا قيل من أَن إرْسَاله الْآحَاد من المحفوف بالقرائن لِأَنَّهُ لم يرسلهم إِلَّا وَقد شاعت دَعوته وذاعت وَبَلغت الْآفَاق فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بذلك على وجوب قبُول الْآحَاد مُطلقًا ضَعِيف لأَنا نقُول هَذِه الْقَرَائِن لَا تفِيد أَن من

стр. 89

جَاءَهُم بكتابه ﷺ مثلا وَهُوَ رَسُول مِنْهُ وَأَن الْكتاب كِتَابه وَإِنَّمَا هَذَا الشُّيُوع بالبعثة يُفِيد خير من يخبر أَن مُحَمَّدًا ﷺ ادّعى النُّبُوَّة فَيُقَال قد حف خَبره قرينَة شيوع الدعْوَة فَهُوَ صَادِق فِي خَبره وَأما إِفَادَة أَن هَذَا كِتَابه ﷺ وَأَنا رَسُوله فَلَا تفيده قرينَة الشُّيُوع شَيْئا بل لَا يُسْتَفَاد أَنه كِتَابه وَأَنه رَسُوله إِلَّا من خَبره وَالدَّلِيل الثَّانِي مَا أَفَادَهُ قَوْله وَمَا أَتَى عَن صَحبه الأمجاد وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا تَوَاتر عَن الصَّحَابَة من الْعَمَل بالآحاد وَهُوَ أَمر لَا يُنكره إِلَّا من يجهل أَحْوَالهم وسيرتهم وَقد ذكر فِي المطولات قصَص كَثِيرَة من ذَلِك لَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بهَا وَقد أوردهُ على هَذَا الدَّلِيل أَن أَبَا بكر لم يقبل خبر الْمُغيرَة حَتَّى رَوَاهُ مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة وَأَن عمر بن الْخطاب لم يقبل خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان حَتَّى رَوَاهُ مَعَه أَبُو سعيد قلت لَا يخفى أَنه غير وَارِد لِأَنَّهُ لم يخرج بانضمام من ذكر إِلَى من توقف فِي رِوَايَته عَن الآحادي فَإِن الِاثْنَيْنِ من الْآحَاد وَلَعَلَّه إِنَّمَا توقف بِمَا ذكر من تِلْكَ الرِّوَايَات عَن الْوَاحِد تثبتا وَبِزِيَادَة اطمئنان لِأَن تِلْكَ الْأَخْبَار مِمَّا لَا تخفى وَلَا يكَاد يتفرد بهَا فَرد من الرواه سِيمَا مثل الاسْتِئْذَان الَّذِي تعم بِهِ الْبلوى كل إِنْسَان والاستثبات فِي رِوَايَة الْفَرد مثل ذَلِك لَا يدل على رده فَإِنَّهُ ﷺ لما قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ

стр. 90

أقصرت الصَّلَاة أم نسيت استثبت وَقَالَ أحقا مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ لما انْفَرد بذلك والحاضرون فِي الصَّلَاة أَعْيَان الصَّحَابَة قد سكتوا كَانَ محلا للاستثبات وَإِلَّا فقد قبل ﷺ أَخْبَار الْآحَاد فِي عدَّة وقائع وَمن هُنَا تعلم أَن المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ الْعلم الْأَعَمّ الشَّامِل للظن وَهُوَ الَّذِي أُرِيد بِهِ أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ فَهُوَ نهي عَن الْعَمَل بِلَا علم وَلَا ظن فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بهَا لمن قَالَ لَا يعْمل بالآحاد لِأَنَّهَا لَا تفِيد إِلَّا الظَّن كَمَا لَا يتم لَهُ أَيْضا الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن﴾ قَالَ فَإِنَّهُ تَعَالَى ذمهم على اتِّبَاع الظَّن فَدلَّ على أَنه لَا يعْمل بِهِ وَوجه أَنه لَا يتم الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ أَن الظَّن لُغَة يُطلق على الشَّك كَمَا فِي الْقَامُوس الظَّن التَّرَدُّد الرَّاجِح فَجعل التَّرَدُّد وَهُوَ الشَّك أول معنييه وَقيام الْأَدِلَّة على الْعَمَل بالراجح هِيَ الْقَرِينَة أَنه أُرِيد بالمذموم الشَّك وَمِنْه ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ بعد قَوْله ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن﴾ وَاعْلَم أَنه قد أَفَادَ قَوْله فِي النّظم أَنه يُفِيد الظَّن أَنَّهَا إِفَادَة عَامَّة للمسند والمرسل وَأَنه يجب قبُول الْكل وَفِي الْمُرْسل خلاف وتفاصيل مودعة فِي الْفُصُول وَغَيره من مطولات الْفَنّ وَقد ألم بِهِ فِي الفواصل وَالَّذِي

стр. 91

نختاره قبُول الْمَرَاسِيل لشمُول دَلِيل قبُول الْآحَاد مَا لم تحصل رِيبَة نائشة من تساهل الْمُرْسل وَقد حققنا الْبَحْث فِي شرحنا على تَنْقِيح الأنظار تَحْقِيقا شافيا قَوْله لَا فِي الدَّلِيل الْقطعِي عطف على قَوْله وواجب قبُوله فِي الفرعي أَي أَنه يجب قبُول الْآحَاد فِي غير الْمسَائِل الَّتِي تطلب فِيهَا الْأَدِلَّة القطعية وزاده بَيَانا قَوْله ... وَفِي الْأُصُول أهملوا الآحادا ... إهمال مَا يشملنا اعتقادا ... فَإِن المُرَاد بالأصول أصُول الْفِقْه وَبِقَوْلِهِ يشملنا اعتقادا مسَائِل أصُول الدّين اقْتضى النّظم هَذَا التعداد وَإِلَّا فَالْكل أصُول وَإِن كَانَ عِنْد الْإِطْلَاق للفظ الْأُصُول لَا يتَبَادَر إِلَّا أصُول الْفِقْه وَهَذَا هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يقبل الْآحَاد فِي الْأُصُول لِأَن الْمَطْلُوب فِيهَا الْيَقِين وَقد أَشَرنَا إِلَى خلاف مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي شرح رسم أصُول الْفِقْه وحققنا أَن غَالب مسَائِله

стр. 92

ظنية وَقد حققنا وجوب الْعلم بِالظَّنِّ فِيمَا رسموه أصُول الدّين فِي رِسَالَة لنا مُسْتَقلَّة بل بَينا أَن قسْمَة الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة إِلَى أصُول وفروع بِدعَة لم تأت بهَا سنة كقسمة الصُّوفِيَّة للدّين إِلَى شَرِيعَة وَطَرِيقَة أَو حَقِيقَة كل هَذَا ابتداع ... أَو عملا لَكِن لَهُم خلاف ... فِيهِ وَفِي أَمْثَاله اخْتِلَاف ... أَي أَو كَانَ الْخَبَر الآحادي مَا يشملنا أَيهَا الْأمة عملا فَإِن فِي قبُوله وَالْعَمَل بِهِ خلافًا وَهَذِه هِيَ الْمَسْأَلَة الَّتِي يترجمها أَئِمَّة الْأُصُول بِأَن الْآحَاد لَا يقبل فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى عملا قَالَ الْجلَال فِي نظام الْفُصُول إِن كَلَامهم فِيهَا غير منقح لِأَن التكاليف كلهَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى إِمَّا من جِهَة الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلف أَو فِيهِ قَالَ فِي الفواصل إِنَّه كشف ابْن الْهمام القناع عَن مَحل النزاع وَحَاصِله أَنه إِذا ورد خبر الْوَاحِد فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُكَلف وَيكثر تكَرر وُقُوعه مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يثبت بِهِ الْوُجُوب عِنْد الْحَنَفِيَّة إِلَّا إِذا اشْتهر أَو تلقي بِالْقبُولِ فَمحل النزاع حِينَئِذٍ فِيمَا يثبت بِهِ الْوُجُوب على الْمُكَلف بِشَرْط أَن يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكثر تكرره من ذَلِك كَحَدِيث من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ قَالَ الْجُمْهُور على قبُوله وَالْعَمَل بِهِ ولاخلاف فِيهِ لعامة الْحَنَفِيَّة كَمَا قَالَه ابْن الْهمام واحترر ابْن الْهمام بقوله يثبت بِهِ الْوُجُوب عَن مثل مَا قيل من الْآحَاد فِي سنَن الصَّلَاة وَيشْتَرط التّكْرَار عَن النَّادِر كقبولهم الْآحَاد فِي نقض الْوضُوء بالقهقهة فِي

стр. 93

الصَّلَاة وبالحجامة والفصد وَوُجُوب الْغسْل من التقاء الختانين فَكل هَذَا مَقْبُول عِنْد الْحَنَفِيَّة إِذْ لَيست مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى على مَا قَرَّرَهُ ابْن الْهمام وَالْمَسْأَلَة أَصْلهَا للحنفية وتبعهم فِيهَا بعض الهدوية والاكثر مِنْهُم أَنه يقبل فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى عملا وَإِنَّمَا لم يعملوا بِحَدِيث مس الذّكر لِأَنَّهُ ضَعِيف عِنْدهم وَمعنى عُمُوم الْبلوى شُمُول التَّكْلِيف لجَمِيع الْمُكَلّفين أَو اكثرهم عملا وَحَدِيث انْتِقَاض الْوضُوء من مس الذّكر مَرْوِيّ عَن عدَّة من الصَّحَابَة كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أَيُّوب وَجَابِر وَأم حَبِيبَة وَقيس بن طلق وَجَمَاعَة قد سردناهم فِي سبل السَّلَام شرحنا لبلوغ المرام وحققنا مَا فِيهِ وَفِيمَا عَارضه من حَدِيث مَا هُوَ إِلَّا بضعَة مِنْك وَاعْلَم أَنه زَاد فِي أصل النّظم أَي وَكَذَا فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى علما وَكَذَا لَا تقبل الْآحَاد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى علما أَي اعتقادا قَالَ كَخَبَر الإمامية أَي فِي النَّص على اثْنَي عشر إِمَامًا مُعينين والبكرية فِي الْخَبَر الَّذِي رَوَوْهُ فِي إِمَامَة أبي بكر فَلم نشر إِلَيْهِ فِي النّظم لِأَنَّهُ قد دخل فِي قَوْلنَا اعتقادا كَمَا قَالَه

стр. 94

فِي القسطاس أَنه لَا خَفَاء أَن هَذَا دَاخل فِي صدر الْمَسْأَلَة لِأَن مسَائِل أصُول الدّين مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى علما انْتهى وَهُوَ كَمَا قَالَ فَلِذَا لم نفرده بِالذكر كَمَا فعله فِي الأَصْل وَإِذا عرفت مَا ذَكرْنَاهُ فِي خبر الآحادي فَإِن للراوي لَهُ شُرُوطًا أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلنَا ... واشترطوا عَدَالَة فِي الْمخبر ... وَضَبطه لما روى فِي الْخَبَر ... فَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ الأولى أَنه يشْتَرط فِي الْمخبر اسْم الْفَاعِل الْعَدَالَة ورسمها أَئِمَّة الْأُصُول بِأَنَّهَا ملكة تمنع من ارْتِكَاب الْكَبَائِر وصغائر الخسة كسرقة لقْمَة ورذائل الْمُبَاحَات مِمَّا يدل على دناءة الهمة كَالْأَكْلِ فِي السُّوق وَكَثْرَة السخرية والمجون وَقَالَ ابْن الْحَاجِب هِيَ مُحَافظَة دينية تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة وَفِي الغابة لِابْنِ الإِمَام أَن الْعَدَالَة ملكة فِي

стр. 95

النَّفس تمنعها من اقتراف الْكَبَائِر والرذائل وَعبارَة أهل الْأُصُول مُتَطَابِقَة على هَذَا الْمَعْنى وَكَذَلِكَ أَئِمَّة أصُول عُلُوم الحَدِيث وَيزِيدُونَ قيد عدم الْبِدْعَة كَمَا فِي شرح النخبة لِابْنِ حجر واذا عرفت أَن الْعَدَالَة مَا ذكر فَلَا حَاجَة إِلَى ذكر قيد التَّكْلِيف وَالْإِسْلَام إِذْ لَا يَتَّصِف بهَا إِلَّا من كَانَ كَذَلِك وَاعْلَم أَنا قد بحثنا فِي رِسَالَة ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر وَفِي شرح التَّنْقِيح ومنحة الْغفار فِي هَذَا الرَّسْم الَّذِي تطابقوا عَلَيْهِ وَلم يَأْتُوا بِدَلِيل عَلَيْهِ بل خلت كتب الْأُصُول المطولات عَن الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ كَأَنَّهُ أَمر قَطْعِيّ مَعْلُوم من ضَرُورَة الدّين قلت وَلَا يرتاب عَارِف أَن هَذَا الرَّسْم بالملكة الَّتِي هِيَ كَيْفيَّة راسخة تصدر عَنْهَا الْأَفْعَال بسهولة يمْتَنع بهَا عَن الْإِتْيَان بِكُل فَرد من الْكَبَائِر وصغائر الخسة لَيْسَ مَعهَا بِدعَة فَهَذَا تَشْدِيد لَا يتم وجوده إِلَّا فِي حق الْمُرْسلين المعصومين وَإِن هَذَا لَيْسَ معنى الْعَدَالَة لُغَة بل قد صَرَّحُوا أَن مَعْنَاهَا لُغَة التَّوَسُّط فِي الْأَمر وَفِي الْقَامُوس الْعدْل ضد الْجور وَفِي الصِّحَاح الْعدْل خلاف الْجور وَفَسرهُ الْجَوْهَرِي بِأَنَّهُ الْميل عَن الْقَصْد وَفِي النِّهَايَة الْعدْل الَّذِي لَا يمِيل بِهِ الْهوى وللمفسرين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ﴾ أَقْوَال فِي تَفْسِيره قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي مَفَاتِيح الْغَيْب إِنَّه عبارَة عَن الْأَمر الْمُتَوَسّط بَين طرفِي الإفراط والتفريط وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ﴾ قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب

стр. 96

أَنه قَالَ الْعدْل الْإِنْصَاف فَهَؤُلَاءِ أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَمن نزل الْقُرْآن بلغتهم وشاهدوا نُزُوله وَقد فسر الصَّحَابَة الاسْتقَامَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ بِعَدَمِ الرُّجُوع إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان وَأنكر أَبُو بكر على من فَسرهَا بِعَدَمِ الْإِتْيَان بذنب وَقَالَ حملتم الْآمِر على الشدَّة وفسرها عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بالإتيان بالفرائض وَإِذا عرفت هَذَا فَهَذَا بحث لغَوِيّ لم يُخرجهُ الشَّرْع عَن مَعْنَاهُ فالعدل هُوَ الْمُتَوَسّط فِي الْأُمُور الَّذِي يغلب خَيره على شَره ويطمئن الْقلب إِلَى خَبره وَقد بسطنا الْبَحْث فِي ثَمَرَات النّظر وَغَيرهَا مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَفِي هَذَا كِفَايَة وَلم نجد أحدا نبه عَلَيْهِ مَعَ وضوحه بل تَابع الآخر الأول فِيهِ وَهَا هُنَا ذكر أَئِمَّة الْأُصُول تَعْرِيف الْكَبِيرَة وَعدد أفرادها وَلَهُم فِي رسمها وعدها خلاف لَا حَاجَة إِلَى ذكره هُنَا وَقد أوضحنا فِي ثَمَرَات النّظر الْخلاف بَينهم أَنه هَل الأَصْل الْإِسْلَام أَو الْفسق وَذكرنَا أَدِلَّة ذَلِك وَهنا أصل آخر وَهُوَ هَل الأَصْل فِي الْمعْصِيَة الصغر أَو الْكبر قَالَ بِالْأولِ الشَّافِعِيَّة وَبِالثَّانِي من أهل الْبَيْت النَّاصِر والمنصور وَغَيرهمَا وَالْمُخْتَار تجويزها حَتَّى يقوم دَلِيل أَفَادَ

стр. 97

مَعْنَاهُ فِي الْفُصُول وَفِي شَرحه للجلال الأولى أَن يُقَال الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة عَن الْمعْصِيَة فَإِذا قَامَ عَلَيْهَا دَلِيل فَإِن كَانَ قَطْعِيا وانضم إِلَيْهِ قَرَائِن الْكَبِيرَة فكبيرة وَإِلَّا فملتبسة وَإِن لم يكن قَطْعِيا فَالْأَصْل الْبَرَاءَة عَن مُوجب الْفسق وَهُوَ الْكبر لعدم الْقطع بالمعصية أَو لِأَنَّهَا مظنونة وَيكون الأَصْل فِي الْمعْصِيَة المظنونة الصغر لِأَنَّهُ الْأَقْرَب إِلَى ماهيتها كَمَا فِي مُخَالفَة الْوَاجِبَات الظنية انْتهى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا تضمنه النّظم هُوَ ضبط الرَّاوِي لما رَوَاهُ وَهُوَ أَن يكون الْغَالِب على حَاله الضَّبْط لَا أَنه يكون فِي أَعلَى دَرَجَات الْحِفْظ والإتقان وَهُوَ قِسْمَانِ ضبط الصَّدْر وَهُوَ الْحِفْظ وَضبط المسطور فَإِذا كَانَ الرَّاوِي ضبط سَمَاعه من كتاب وقابله على نُسْخَة شَيْخه أَو على مَا قوبل عَلَيْهَا وَأمن من التَّغْيِير صَحَّ تحديثه وَيعرف إِمَّا باستشهاره أَو بموافقة الْحفاظ لَهُ وَقد حققنا ذَلِك فِي شرح التَّنْقِيح وَذكرنَا من اسْتَوَى حفظه وَعَدَمه وَمن كَانَ حفظه أغلب وَعَكسه فليراجعه من أحب ذَلِك وَالشّرط الثَّالِث من شُرُوط قبُول خبر الْآحَاد أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله ... وَلَا يرد قَاطعا قد علما ... وَلم يكن لشهرة مستلزما ... هَذَانِ شَرْطَانِ لقبُول الْخَبَر الآحادي الأول أَن لَا يصادم قَاطعا عقليا فَيقطع بكذب كل خبر قضى بتشبيه أَو جبر لم يُمكن تَأْوِيله أَو بوهم رَاوِيه كبعض أَحَادِيث الصِّفَات وَنَحْوهَا هَذَا لفظ الْفُصُول قَالَ فِي شَرحه

стр. 98

الله ﵎ ﵅ الرب النظام مَا لَفظه مثل حَدِيث إِن الْجَبَّار يضع قدمه فِي النَّار حَتَّى تَقول قطّ قطّ وَحَدِيث فحج آدم ومُوسَى إِلَّا أَن الحكم بوهم الرَّاوِي فِي مثل ذَلِك لَا وَجه لَهُ إِذْ مثل ذَلِك مَوْجُود فِي الْقُرْآن نَحْو ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَذَلِكَ من الْكِنَايَة الَّتِي لَا تَسْتَلْزِم وجود الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ انْتهى قلت الْآيَة الأولى جعلهَا أَئِمَّة الْبَيَان من الْكِنَايَة عَن الْجُود وَالْكَرم وَأما الثَّانِيَة فَلَا إِشْكَال فِيهَا لِأَن مفعول الْمَشِيئَة والاستقامة الدَّال عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى قبلهَا ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ ثمَّ إِنَّه يُمكن تَأْوِيل الْحَدِيثين بل قد صرح شرَّاح الحَدِيث بتأويلهما على أَن الْأَحْوَط الْإِيمَان بِمَا ورد وتفويض بَيَان مَعْنَاهُ إِلَى الله وَهَذَا لَا بُد مِنْهُ فِي كل صفة لَهُ تَعَالَى ثَابِتَة بالنصوص القرآنية وَالْأَحَادِيث الثَّابِتَة فَإِن صفة الْقَادِر والعالم وَغَيرهمَا كلهَا لَا يعرفهَا من خُوطِبَ بهَا إِلَّا فِي الْأَجْسَام وَقد آمنُوا بهَا وأطلقوها عَلَيْهِ تَعَالَى من غير تَشْبِيه فليطلق عَلَيْهِ مَا ثَبت وُرُوده وَصَحَّ سَنَده وتفوض كَيْفيَّة مَعْنَاهُ إِلَى الرب تَعَالَى وَقد بَينا هَذَا بَيَانا شافيا فِي كتاب إيقاظ الفكرة لمراجعة الْفطْرَة فَهَذَا شرح الشَّرْط الأول وَالثَّانِي الَّذِي تضمنه المصراع الثَّانِي من الْبَيْت وَهُوَ أَن لَا يكون مَدْلُول الْخَبَر الآحادي الَّذِي رُوِيَ مستلزما للشهرة فَإِنَّهُ إِذا ورد عَن الْوَاحِد وَكَانَ مستلزما لَهَا ورد خَبره قَالُوا لِأَن الْعَادة تقضي باشتهاره واستفاضته وَذَلِكَ

стр. 99

كَخَبَر الْوَاحِد بقتل خطيب على الْمِنْبَر فَإِنَّهُ يرد خَبره حَيْثُ تفرد بِهِ من بَين الْجمع الْكثير وَنَحْوه مِمَّا توفر الدَّوَاعِي على نَقله وَقد سبقت إِشَارَة إِلَيْهِ فِي شرح قَوْله أَو عملا لَكِن لَهُم خلاف إِلَّا أَنَّهَا فِي حكمه وَهَذَا فِي بَيَان كَونه عِنْدهم شرطا لقبُول الْخَبَر الآحادي وَلما كَانَت الْعَدَالَة شرطا فِي قبُول الرَّاوِي وَهِي أَمر صَار لَا يعرف إِلَّا بطرِيق النَّقْل أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا هَذَا وهم قد أثبتوا الْعَدَالَة بقول عدل صَادِق الْمقَالة ... أَو حكم من يشرطها فِي الشَّاهِد أَو عمل الحبر بقول الْوَاحِد فَهَذِهِ أَربع طرق للتعديل الأولى قَول الْعدْل من أَئِمَّة التَّعْدِيل إِنَّه ثَبت أَنه حجَّة أَو ثَبت حَافظ وعدوا فِي عُلُوم الحَدِيث رتب التَّعْدِيل أَرْبعا بِالنّظرِ إِلَى أَلْفَاظ الائمة المعدلين محلهَا هُنَاكَ الثَّانِيَة قد دخلت تَحت الأولى وَإِن جعلهَا أَئِمَّة الْأُصُول رُتْبَة ثَانِيَة وَذَلِكَ قَول الْمُزَكي هُوَ عدل لكذا أَي لِأَنِّي صحبته سفرا وحضرا فَمَا أَتَى بِشَيْء يخرم الْعَدَالَة فَهَذَا قد شَمله قَوْله بقول عدل صَادِق الْمقَالة بل قد اعْترض عدهَا رُتْبَة غير الأولى الثَّالِثَة قَوْله حكم من يشرطها فِي الشَّاهِد أَي أَنه إِذا حكم حَاكم بِشَهَادَة الرَّاوِي فَإِن حكمه بهَا تَعْدِيل لَهُ وَقَوْلنَا من يشرطها أَي الْعَدَالَة فِي الشَّاهِد ضبط للفظ الأَصْل وَمثلهَا عبارَة الْفُصُول وَقد اعْترض عَلَيْهِ

стр. 100

شَيْخه بِأَن شَرط عَدَالَة الشَّاهِد إِجْمَاع فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْلهم عِنْد من يشرطهما فِي الشَّاهِد الرَّابِعَة قَوْله أَو عمل الحبر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وتكسر الْعَالم فَإِن عمله بِرِوَايَة الرَّاوِي تَعْدِيل لَهُ وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيده بِالَّذِي لَا يقبل الْمَجْهُول لِأَن من يقبله لَيْسَ معدودا فِي الناظرين فِي الْعَدَالَة وطرقها لِأَن قبُوله الْمَجْهُول أسقط عَنهُ الْبَحْث عَن ذَلِك فَلَا يدْخل فِيمَن عقدت لَهُم الْقَاعِدَة وَاعْلَم أَنه لَا بُد فِي كَون حكم الْحَاكِم تَعْدِيل أَن لَا يكون لَهُ مُسْتَند فِي حكمه إِلَّا الشَّهَادَة وَأَن لَا تكون الشَّهَادَة إِلَّا قدر نصابها وهم الِاثْنَان أَو الرجل والمرأتان وَلَا بُد فِي كَون عمل الْعَالم تعديلا أَن لَا يكون لَهُ مُسْتَند سوى تِلْكَ الرِّوَايَة عَن ذَلِك الرَّاوِي وَمن شَرط عمله بهَا أَن يكون فِي تَحْلِيل أَو تَحْرِيم لَا فِي الْفَضَائِل فَإِنَّهُ نقل الْبرمَاوِيّ عَن ابْن تَيْمِية أَن الحَدِيث إِذا كَانَ من أَحَادِيث الْفَضَائِل فَلَا يكون عمل الْعَامِل بِهِ تعديلا لراويه لتساهلهم فِي أَحَادِيث الْفَضَائِل وَاعْلَم أَنهم عدوا من طرق التَّعْدِيل مَا فِيهِ ضعف فأشرنا إِلَيْهِ وَإِلَى ضعفه بقولنَا ... قيل وَأَن يروي عَنهُ عدل ... وَهُوَ ضَعِيف قَالَه الْأَقَل ... وللعلماء فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال الأول أَن رِوَايَة الْعدْل عَن غَيره لَا تكون تعديلا مُطلقًا وَهُوَ أقواها الَّذِي أُشير إِلَيْهِ فِي النّظم وَذَلِكَ لما علم يَقِينا من رِوَايَة الْأَئِمَّة عَن الضُّعَفَاء حَتَّى البُخَارِيّ وَمُسلم مَعَ أَنَّهُمَا أعز الْعلمَاء شرطا كَمَا قيل وَقد وجد فِي رواتهما ضعفاء كَمَا أوضحناه فِي شرح التنفيح فَكيف بِغَيْرِهِمَا وَبِه تعرف ضعف هَذَا القَوْل القَوْل الثَّانِي أَنه تَعْدِيل مُطلقًا الثَّالِث التَّفْصِيل وَهُوَ أَنه كَانَ لَا يرْوى عَن عدل فروايته تَعْدِيل

стр. 101

وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَ هَذَا التَّفْصِيل أَئِمَّة من الْأُصُولِيِّينَ وَأهل الحَدِيث وَقد قيل إِنَّه شَرط الشَّيْخَيْنِ وَقد وجد فِي رجالهما جمَاعَة ضعفهم الْأَئِمَّة من حَيْثُ الْعَدَالَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وَإِذا عرفت أَن التَّعْدِيل من بَاب الرِّوَايَة وَمثله الْجرْح احْتِيجَ إِلَى ذكر الْخلاف هَل يَكْفِي عدل وَاحِد كَمَا لوح بِهِ قَوْلنَا بقول عدل صَادِق أَو لَا يَكْفِي فَقُلْنَا ... ويكتفى فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل ... بِوَاحِد وَلَو بِلَا تَفْصِيل ... إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ الأولى أَنه يَكْفِي الْوَاحِد فِي الْإِخْبَار بِالْعَدَالَةِ والإخبار بِالْجرْحِ وَهَذَا فِيهِ خلاف ذهب قوم أَنه لَا بُد من نِصَاب الشَّهَادَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل قَالَ فِي تشنيف المسامع فِي الِاكْتِفَاء بِجرح الْوَاحِد وتعديله فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة مَذَاهِب أَحدهَا الِاكْتِفَاء بِهِ فيهمَا وَبِه قَالَ القَاضِي أَبُو بكر فِي التَّقْرِيب وَعبارَته فِي التَّقْرِيب وَهَذَا القَوْل قريب وَلَا شَيْء عندنَا يُفْسِدهُ انْتهى وَقَالَ الإِمَام الْمهْدي فِي المعيار وَهُوَ الْأَصَح إِذا الْقَصْد الظَّن وهما خبر لَا شَهَادَة الثَّانِي يَكْفِي فِي الرِّوَايَة لَا الشَّهَادَة وَنسب للْأَكْثَر قَالَ الزَّرْكَشِيّ لِأَن شَرط الشَّيْء لَا يزِيد على أَصله بل قد ينقص كالإحصان يثبت بِاثْنَيْنِ وَإِن لم يثبت الزِّنَى إِلَّا بأَرْبعَة فَإِذا قبلت رِوَايَة الْوَاحِد فَلِأَن تقبل تَزْكِيَة الْوَاحِد وجرحه أولى لِأَن غَايَة مرتبَة الشَّرْط أَن يلْحق بمشروطه فَإِذا لم يقبل فِي الشَّهَادَة إِلَّا اثْنَان لم يقبل فِي تزكيتهما أقل من اثْنَيْنِ

стр. 102

قلت إِن أَرَادَ أَنه لَا بُد لكل شَاهد من مزكيين ليَكُون للشاهدين أَرْبَعَة مزكين فقد زَاد الشَّرْط على الْمَشْرُوط وَإِن أَرَادَ أَنه لَا بُد لكل شَاهد من مزك فَهُوَ لَا يخرج من قَول قَابل الْوَاحِد غَايَته أَن قَابل الْوَاحِد يَقُول يَكْفِي فِي الشَّاهِدين جارح أَو مزك فَالْحق قَول قَابل الْوَاحِد فِي الْأَمريْنِ أَي الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة كَمَا قواه الْمهْدي إِذْ هُوَ من بَاب الْإِخْبَار وَيلْزم من شَرط الِاثْنَيْنِ مَذْهَب الجبائي فِي عدم خبر الْفَرد الْوَاحِد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الَّتِي تضمنتها الْإِشَارَة بقوله وَلَو بِلَا تَفْصِيل فَإِنَّهَا إِشَارَة إِلَى الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي الْإِخْبَار بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل هَل يَكْفِي فِيهِ الْإِجْمَال أَو لَا بُد من التَّفْصِيل وفيهَا أَقْوَال قيل يَكْفِي فيهمَا الْإِطْلَاق وَلَا يجب ذكر السَّبَب لِأَنَّهُ إِن لم يكن بَصيرًا بِهَذَا الشَّأْن لم يصلح للتزكية وَإِن كَانَ بَصيرًا فَلَا معنى للسؤال وَهَذَا رَأْي الباقلاني وَالثَّانِي يجب ذكر سببهما للِاخْتِلَاف فِي أَسبَاب الْجرْح والمبادرة إِلَى التَّعْدِيل بِالظَّاهِرِ الثَّالِث يجب ذكر سَبَب التَّعْدِيل دون الْجرْح لِأَن مُطلق الْجرْح يبطل الثِّقَة وَمُطلق التَّعْدِيل لَا يحصل الثِّقَة لتسارع النَّاس إِلَى الثَّنَاء اعْتِمَادًا على الظَّاهِر وَالرَّابِع عَكسه يجب فِي الْجرْح دون التَّعْدِيل وَهُوَ قَول الشَّافِعِي إِذْ قد يجرح مَا لَا يكون جارحا لاخْتِلَاف الْمذَاهب فِيهِ بِخِلَاف الْعَدَالَة إِذْ لَيْسَ لَهَا إِلَّا سَبَب وَاحِد قلت وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال وَقد أوضحناه فِي شرح التَّنْقِيح

стр. 103

وَاعْلَم أَنه لَا بُد فِي الْجَارِح والمزكي أَن يكون عَارِفًا بَصيرًا بِأَسْبَاب الْأَمريْنِ ذَا خبْرَة طَوِيلَة بِالرجلَيْنِ كَمَا صرح بِهِ الْمهْدي فِي الْبَحْر فِي كتاب الشَّهَادَات وَلم يَأْتِ بِقَيْد عَارِف للْعلم بِأَنَّهُ لَا يقبل الْأَمْرَانِ إِلَّا من عَارِف بأسبابهما وَإِلَّا لم يعْتد بِهِ إِذْ مَعَ الْجَهْل بهما لَا يعد تعديلا وَلَا جرحا وَفِي الْفُرُوع قَول فِيهِ تَفْصِيل وَهُوَ أَنه إِن كَانَ الْجرْح قبل الحكم كفى فِيهِ الْإِجْمَال وَإِن كَانَ بعد الحكم فَلَا بُد فِيهِ من التَّفْصِيل ثمَّ إِذا تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَفِيهِ أَقْوَال أَشَرنَا إِلَى الرَّاجِح مِنْهَا بقولنَا ... والجارح الأولى على الصَّحِيح ... وَإِن يزدْ عدا على التَّرْجِيح ... اخْتلف أهل الْأُصُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فالفحول على أَن الْجَارِح أولى وَإِن زَاد عدد المعدلين على الْجَارِح فضمير يزدْ يعود إِلَى الْمعدل الدَّال عَلَيْهِ السِّيَاق وَوجه أرجحية هَذَا القَوْل أَن قبُول الْجرْح جمع بَين كَلَامي الْجَارِح والمعدل لِأَن قَول الْمعدل هُوَ عدل مَعْنَاهُ لَا أعلم جارحا وَقَول الْجَارِح بِخِلَافِهِ مَعْنَاهُ علمت فِيهِ مَا يخرم عَدَالَته فَكَانَ قبُول الْجَارِح تَصْدِيقًا لَهما وَهَذَا إِذا أطلق وَكَانَ مَذْهَبهمَا وَاحِدًا فِي أَسبَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَقد قيد هَذَا الْإِطْلَاق لِأَن ذَلِك فِيمَن كَانَ مُحْتملا للأمرين لَا لَو كَانَ الْمَجْرُوح مِمَّن علمت

стр. 104

عَدَالَته واشتهرت نزاهته كعلي بن الْحُسَيْن زين العابدين وَإِبْرَاهِيم بن ادهم فَلَا يسمع الْجرْح فيهمَا وَقد حققنا هَذَا فِي ثَمَرَات النّظر القَوْل الثَّانِي التَّرْجِيح بَين خبر الْجَارِح وَخبر الْمعدل وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب الثَّالِث التَّعْدِيل مُطلقًا لِأَن الْجَارِح قد يجرح بِمَا لَيْسَ بجارح فِي نفس الْأَمر والمعدل لَا يعدل حَتَّى يتَحَقَّق بطريقة ظَنّه سَلَامَته من كل جارح وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف الرَّابِع تَقْدِيم التَّعْدِيل إِذا كَانَ أَكثر لِأَن لِكَثْرَة تَأْثِيرا فِي قُوَّة الظَّن وَإِذا تعَارض الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد فِيهَا خلاف أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... وَكلما نافى الْقيَاس يقبل ... وَهُوَ لَهُ عِنْد الْكثير مُبْطل ... هَذِه الْمَسْأَلَة تعَارض الْقيَاس وَخبر الْآحَاد مَعَ تعذر الْجمع بَينهمَا وَلذَا قُلْنَا نافي الْقيَاس فَهُوَ مَحل النزاع أما مَعَ إِمْكَان الْجمع بَين الْخَبَر وَالْقِيَاس

стр. 105

فَلَيْسَ من مَحل النزاع فَالضَّمِير فِي قَوْله وَهُوَ يعود إِلَى الْخَبَر المُرَاد بِفَظٍّ مَا فِي كلما الْمَدْلُول عَلَيْهِ بالسياق كَمَا عَاد إِلَيْهِ ضمير نافي وَفِي لَهُ للْقِيَاس وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك هَل يرجع الْقيَاس أَو خبر الْآحَاد الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من أَئِمَّة الْآل وَغَيرهم أَنه يقدم الْخَبَر ويطرح الْقيَاس وَرُوِيَ عَن مَالك أَنه يقدم الْقيَاس وَقيل إِنَّه مَحل اجْتِهَاد فَمَا غلب على ظن الْمُجْتَهد اتبعهُ وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن الصَّحَابَة تركُوا الِاجْتِهَاد أَي الْقيَاس عِنْد وجود خبر الْآحَاد وَقد عدوا فِي المطولات قضايا من ذَلِك لِلشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا هجروا فِيهَا الْقيَاس لأجل خبر الْآحَاد وَبِأَنَّهُ وَقع فِي حَدِيث معَاذ تَقْدِيم الْخَبَر على الْقيَاس وَيَأْتِي خبر معَاذ فِي الْقيَاس وَأقر ﷺ معَاذًا على ذَلِك وَبِأَن خبر الْوَاحِد أصل للْقِيَاس ومستقل بِنَفسِهِ كنص الْكتاب فَالْقِيَاس فرع عَلَيْهِ فَلَو قدم عَلَيْهِ لَكَانَ من تَقْدِيم الْفَرْع على الأَصْل وَبِأَن مقدماته أقل من مُقَدمَات الْقيَاس فَإِن مقدماته عَدَالَة الرَّاوِي وَدلَالَة الْخَبَر بِخِلَاف الْقيَاس فَإِنَّهُ يتَوَقَّف على مُقَدمَات حكم الأَصْل وتعليله فِي الْجُمْلَة وَتَعْيِين الْوَصْف الَّذِي بِهِ التَّعْلِيل وَوُجُود ذَلِك الْوَصْف فِي الْفَرْع وَنفي الْمعَارض فِي الأَصْل ونفيه فِي الْفَرْع وَهَذَا إِذا لم يكن أصل الْقيَاس خَبرا آحاديا وَإِلَّا وَجب الِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور السِّتَّة وَفِي الْأَمريْنِ الْأَوَّلين اللَّذين هما مُقَدّمَة خبر الآحادي فَإِذا قدم الْقيَاس عَلَيْهِ كَانَ تَقْدِيمًا للأضعف على الْأَقْوَى وَهُوَ بَاطِل إِجْمَاعًا وَذَلِكَ لِأَن مَا يجْتَهد فِيهِ فِي مَوَاضِع أَكثر فاحتمال الْخَطَأ فِيهِ أقوى وَالظَّن الْحَاصِل بِهِ أَضْعَف فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَدِلَّة لتقديم الْخَبَر الآحادي على الْقيَاس وَقد عارضها من اخْتَار تَقْدِيم الْقيَاس بِمَا لَا يقاومها وَلِهَذَا جزمنا فِي النّظم بِهَذَا القَوْل وأشرنا إِلَى قَول من قدم الْقيَاس وهم الْأَقَل بقولنَا وَهُوَ لَهُ عِنْد الْكثير مُبْطل أَي أَن الْجُمْهُور قدمُوا الْخَبَر الآحادي وأبطلوا بِهِ حكم

стр. 106

مَا عَارضه من الْقيَاس فأفهم أَنه عِنْد الْأَقَل غير مُبْطل وَإِذا كَانَ لَا يُبطلهُ فَهُوَ مَعْمُول بِهِ فَهَذَا حكم الْخَبَر الآحادي إِذا خَالف الْقيَاس وَأما حكمه إِذا خَالف الْأُصُول فَهِيَ مَسْأَلَة أُخْرَى تضمنها قَوْله ... ورد مَا خَالف مَا قد قررا ... من الْأُصُول فاستمع مَا حررا ... اعْلَم أَن معنى رد الحَدِيث عدم الْعَمَل بِهِ فِي غير مورده لَا الحكم بكذبه وَيكون مَا أَفَادَهُ مِمَّا فعله ﷺ قَضِيَّة عين مَوْقُوفَة على محلهَا لَا تتعداها وَهَذِه مَسْأَلَة ذكرت فِي الأَصْل وَذكرهَا فِي الْفُصُول وَجعلُوا الآحادي هُنَا قسمَيْنِ مَا خَالف الْأُصُول نَفسهَا وفسروها بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع الْمَعْلُومَة لَا المنظونة فَإِن المنظون لَيْسَ بِأَصْل وَمُخَالفَة الآحادي لَهَا بِأَن يقْضِي بِخِلَاف مقتضاها كَأَن تقضي بالتحليل لعين مَا قَضَت فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ الأول وَالثَّانِي أَن يُخَالف مقتضاها فان يقْضِي فِيمَا لم يُوجد فِيهَا حكم بِعَيْنِه بِخِلَاف حكم نَظِيره قَالُوا فَالْأول يرد فِيهِ خبر الْآحَاد إِذْ لَا يقوى على مقاومة الْقطعِي وَهَذَا هُوَ الَّذِي تضمنه النّظم فَلِذَا قُلْنَا من الْأُصُول بَيَان لما قد قرر وَأما مَا خَالف مقتضاها فَقَالَ فِي الْفُصُول إِنَّه يقبل وَوَقع الْخلاف فِي أَحَادِيث آحادية وَردت بِأَحْكَام هَل هِيَ مُخَالفَة لِلْأُصُولِ نَفسهَا أَو لمقتضاها كَخَبَر الْقرعَة الَّذِي أخرجه مُسلم وَغَيره فِي إقراعه ﷺ بَين السّنة العبيد الَّذين أعتقهم من لَا يملك غَيرهم فَأعتق صلى

стр. 107

الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة وَخبر الْمُصراة الْمُتَّفق عَلَيْهِ بِأَن من ابتاعها وفسخها بعد أَن حلبها ردهَا وصاعا من تمر ذهبت طَائِفَة إِلَى قبُول هَذِه الْأَخْبَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا خَالَفت مقتضي الْأُصُول لَا الْأُصُول نَفسهَا وَقَالَ أَبُو عبد الله الْكَرْخِي إِنَّهَا خَالَفت الْأُصُول أَنْفسهَا فَلَا تقبل قَالَ لنقل الأول الْحُرِّيَّة عَن الثُّلُث الَّذِي ينفذ فِي كل وَاحِد لِأَن الْعتْق فِي مرض الْمَوْت حكمه حكم الْوَصِيَّة وَعَن الثُّلثَيْنِ الباقيين بعد الثُّلُث أَيْضا إِذْ الْعتْق قد تسرى إِلَيْهِمَا وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَنه لَا يطْرَأ عَلَيْهَا الرّقّ ولمخالفة الثَّانِي أَي خبر الْمُصراة مَا أجمع عَلَيْهِ من ضَمَان الْمُتْلف بِمثلِهِ إِن كَانَ مثلِيا أَو قِيمَته إِن كَانَ قيميا ثمَّ مثل لما خَالف مُقْتَضى الْأُصُول بِمَا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره إِذْ النّظم لم يشر إِلَّا إِلَى الْقسم الأول وَنقل أَن الشَّافِعِي جعل الْحَدِيثين مِمَّا خَالف مُقْتَضى الْأُصُول فقبلهما وَقَالَ بحكمهما قلت وَهُوَ الْحق وَقد أوضحناه فِي منحة الْغفار حَاشِيَة ضوء النَّهَار وَفِي الْعدة حَاشِيَة شرح الْعُمْدَة وَإِنَّمَا اقتصرنا عِلّة مَا ذكرنَا لِأَن النّظم تَابع للْأَصْل كَمَا قد نبهنا عَلَيْهِ على أَن فِي الْأَمْثِلَة كَمَا قَالَ فِي نظام الْفُصُول بحثا وَهُوَ أَن الأَصْل الَّذِي خُولِفَ فِيهَا هُوَ الْإِجْمَاع وَالْإِجْمَاع لم يكن فِي عصره ﷺ حجَّة وَبعده يسْتَلْزم نسخ الْحَدِيثين بِالْإِجْمَاع وَالْإِجْمَاع لَا ينْسَخ بِهِ كَمَا علم قلت إِلَّا أَنا

стр. 108

نمْنَع تحقق الْإِجْمَاع هُنَا كَيفَ وَهَذَا الشَّافِعِي يُخَالف فِي مَحل النزاع فَالْحق أَن الْآحَاد من الْأُصُول وَكَون الْكتاب ومتواتر السّنة قَطْعِيّ الْمَتْن فَهُوَ ظَنِّي الدّلَالَة فَهُوَ الْآحَاد فِيهَا وَاعْلَم أَنه اخْتلف الْأَئِمَّة فِي جَوَاز الرِّوَايَة للْحَدِيث بِالْمَعْنَى فأشرنا إِلَيْهِ بقولنَا ... هَذَا وَقد جوزت الرِّوَايَة ... للفظ بِالْمَعْنَى لذِي الدرايه ... فَهَذِهِ مَسْأَلَة رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَهِي مَسْأَلَة خلاف فالجمهور على جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى من عَارِف بأساليب الْكَلَام يُمكنهُ تأدية المُرَاد وَالْوَفَاء بِهِ كَمَا قَالَ لذِي الدِّرَايَة وَالْمرَاد بِهِ الْعدْل الْعَارِف الضَّابِط أما الْعَدَالَة فشرطها قد عرف من حَيْثُ أَنه خبر وَلَا يقبل إِلَّا من عدل وَأما الْعرْفَان بمعاني الْأَلْفَاظ وضبطها فكامل الدِّرَايَة لَا يتم وَصفه بهَا إِلَّا بهما وَقد دلّ للْجُوَاز مَا أخرجه الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة عَن يَعْقُوب بن عبد الله بن سُلَيْمَان اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا إِنَّا لنسمع مِنْك الحَدِيث وَلَا نقدر على تأديته كَمَا سمعناه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا لم تحلوا حَرَامًا وَلم تحرموا حَلَالا وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس وَقد أخرجه الْحَكِيم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن عَسَاكِر وَأخرجه الْحَكِيم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة فقد نبه ﷺ على أَن الملاحظ هُوَ إِصَابَة الْمَعْنى وَقد اسْتدلَّ أَيْضا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ كَانَ يروي من يروي

стр. 109

مِنْهُم حَدِيث الْوَاقِعَة الْوَاحِدَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة من غير مناكرة وَلَا ريب أَن الأولى هُوَ الْمُحَافظَة على اللَّفْظ النَّبَوِيّ مَا أمكن إِلَّا أَن هَذَا الْإِطْلَاق مَخْصُوص بِمَا ورد من أَلْفَاظ الصِّفَات الإلهية فَإِنَّهُ لَا يجوز تبديلها بِلَفْظ آخر وَقد نبهنا عَلَيْهِ فِي كتَابنَا إيقاظ الفكرة وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من جَوَامِع الْكَلم وَكَذَلِكَ الْأَدْعِيَة فَإِنَّهُ يتحَرَّى فِيهَا الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة لِأَن أَلْفَاظ الدُّعَاء مَقْصُودَة والإخلال بهَا إخلال بِالْمَعْنَى وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي قصد وَلِأَن الْأَدْعِيَة مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي إِلَى حفظهَا والحرص عَلَيْهَا وَالْغَالِب على الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة الإيجاز فِي ألفاظها أَي فَلَا يعسر حفظهَا وَيدل على الْمَنْع فِي الْأَدْعِيَة مَا أخرجه جمَاعَة من الْأَئِمَّة أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول قُولُوا هَذِه الْكَلِمَات عِنْد المضطجع ويعلمناهن اللَّهُمَّ إِنِّي وجهت وَجْهي إِلَيْك الحَدِيث وَفِيه قَالَ فرددتهن لأستذركهن فَقلت وَآمَنت برسولك الَّذِي أرْسلت فَقَالَ قل آمَنت بنبيك الَّذِي أرْسلت فَرد عَلَيْهِ وَقد كَانَ ﷺ علمه لفظ نبيك وَغَيره هُوَ بِلَفْظ رَسُولك فَرد عَلَيْهِ وَأخذ مِنْهُ أَنه لَا يُؤْتِي فِي الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة إِلَّا بِاللَّفْظِ وَلما اخْتلف الْعلمَاء فِي بعض الروَاة مِمَّن جمع صِفَات الْقبُول إِلَّا أَنه نقل عَنهُ اعْتِقَاد يلْزم مِنْهُ كفره أَو فسقه تَأْوِيلا قُلْنَا ... وَاخْتلفُوا فِي كَافِر التَّأْوِيل ... وفاسق التَّأْوِيل فِي الْقبُول ... هَذِه مَسْأَلَة قبُول فساق التَّأْوِيل كفاره فِي الرِّوَايَة وَاعْلَم أَن كَافِر التَّصْرِيح وفاسقه كشارب الْخمر لَا يقبلان فِي الرِّوَايَة بالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي

стр. 110

كَافِر التَّأْوِيل وَهُوَ من أَتَى من أهل الْقبْلَة مَا يُوجب كفره غير مُعْتَمد كَذَا قَالَه فِي الْفُصُول وَمثله بالمشبه فَإِنَّهُ يتَضَمَّن رد الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ قلت وَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بالمشبه من جزم بِهِ فِي قَوْله كمن قَالَ إِنَّه تَعَالَى جسم صفته كَذَا مثله كَذَا لَا أَنه من أَتَى بقول فألزمه خَصمه التَّشْبِيه فَإِن التَّحْقِيق أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب وَاعْلَم أَنه قد تساهل النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تساهلا كَبِيرا وَهُوَ أَمر خطير على أَنا وَجَمَاعَة الْمُحَقِّقين لَا نثبت كفر التَّأْوِيل وَقد أوضحناه فِي غير هَذَا الْموضع فِي رِسَالَة مُسْتَقلَّة وَلذَا قُلْنَا ... وَالْحق عِنْدِي أَنه مَقْبُول ... وَقَالَهُ الْأَئِمَّة الفحول ... إِذا عرفت هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ الْمَنْصُور بِاللَّه وَالْإِمَام يحيى وَغَيرهمَا إِنَّهَا تقبل رِوَايَة كَافِر التَّأْوِيل وَادّعى الْإِجْمَاع على ذَلِك وَعند جمَاعَة من أهل الْبَيْت والمعتزلة وَغَيرهم وَآخَرين أَنَّهَا لَا تقبل رِوَايَته وَادّعى الْإِجْمَاع على هَذَا كَمَا ادعِي على خِلَافه وَاسْتدلَّ الْأَولونَ بِأَنَّهُ ﷺ حكم بِإِيمَان الْجَارِيَة الَّتِي قَالَت إِن الله تَعَالَى فِي السَّمَاء أخرجه مُسلم وَغَيره وَهُوَ مُسْتَلْزم للجهة الَّتِي تَسْتَلْزِم الجسمية والعرضية وَلِأَن الأَصْل فِي من علم قِيَامه بفرائض الْإِيمَان عدم مَا يرفع الْإِيمَان وَاسْتدلَّ المانعون لقبوله بقياسه على كَافِر
следующие страницы →