← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صدق من أخبرنَا بمضرة إِن لم نفصد أَو لم نشرب الدَّوَاء أَو إِن سلكنا فِي سفرنا طَرِيقا مَخْصُوصًا أَو لم نقم من تَحت الْحَائِط فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة من وجوب التَّحَرُّز من المضار وَقد علمنَا فِي الْجُمْلَة وجوب الانقياد للنَّبِي ﷺ فِيمَا يخبرنا بِهِ من مصالحنا وَوُجُوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة فِي تجنب الْمصَالح فاذا ظننا بِخَبَر الْوَاحِد أَن النَّبِي ﵇ قد دَعَانَا إِلَى الانقياد لَهُ فِي فعل أخبر أَنه مصلحَة وخلافه مفْسدَة مضرَّة فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن الحكم يحصل عِنْده وينتفي عِنْد انتفائه لأَنا إِذا علمناه فِي الْجُمْلَة وجوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة وظننا بالْخبر أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة وَلم يُمكن الْعلم وَجب علينا تجنبه وَإِن ازلنا عَن أَنْفُسنَا اعْتِقَاد مَا عدا ذَلِك وَإِذا رَجعْنَا إِلَى عقولنا وجدناها تتبع تجنب هَذَا الْفِعْل لهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَو لم يحصل لنا الْعلم بِوُجُوب دفع المضار فِي الْجُمْلَة أَو حصل ذَلِك وَلم نظن أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة لم يجب علينا تجنبه وَكَذَلِكَ لَو ظننا ذَلِك وأمكننا تَحْصِيل الْعلم فَعلمنَا أَن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ إِن قيل بل الْعلَّة فِي الأَصْل ظننا الْمضرَّة فِي امور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل إِن مَا ذكرتموه وَإِن كَانَ من أُمُور الدُّنْيَا فَهُوَ من امور الدّين لِأَن التَّحَرُّز من المضار وَاجِب فِي الْعقل وَمَا وَجب فِي الْعقل فَهُوَ من الدّين فان قَالُوا إِن خبر الْوَاحِد فِي أُمُور الدُّنْيَا وَارِد فِيمَا نعلم جملَته عقلا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل لَا فرق بَينهمَا لِأَن خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَارِد بتفصيل الانقياد للنَّبِي ﷺ والتزام أمره والتحرز من مضار الْمُخَالفَة وَهَذَا مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالشَّرْع كَمَا يعلم التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا بِالْعقلِ وَالشَّرْع وَأَيْضًا فَلَو ثَبت أَن وجوب التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا مَعْلُوم بِالْعقلِ فَقَط والتحرز من مضار الشرعيات مَعْلُوم بِالشَّرْعِ فَقَط لَكَانَ ذَلِك اخْتِلَافا فِي طَرِيق الْعلم بِالْوُجُوب وَذَلِكَ غير مُؤثر فِيمَا يقبل من أَخْبَار الْآحَاد وَإِنَّمَا الَّذِي يجوز أَن يُؤثر فِي ذَلِك هُوَ أَن يُقَال إِن الشرعيات مصَالح والمخبر الْوَاحِد يجوز أَن يكون كذابا فَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا نَقله

стр. 527

مفْسدَة وسنتكلم فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله إِن قيل إِنَّمَا وَجب قبُول خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَنَّهُ لَا يغلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة إِذا قبلناه بل يغلب على الظَّن وصولها إِذا لم نقبله وَلَيْسَ كَذَلِك الشرعيات لِأَنَّهُ لَيْسَ يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِذا لم نقبل خبر الْوَاحِد بل لَا نَأْمَن أَن يؤاخذنا المتعبد لنا إِذا قبلنَا خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب ان كلامنا فِي خبر من نظن صدقه لدينِهِ وأمانته وَقد بَينا أَن خبر من هَذِه سَبيله فِي الشرعيات يُسَاوِي خَبره فِي العقليات وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِلَيْنَا إِن لم نقبل خَبره ويؤمننا من مُؤَاخذَة المتعبد إِذا قبلناه ويقضينا الْقطع على مؤاخذته إِذا لم نقبله إِن قيل إِنَّمَا قبلنَا خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَن الْعَادة قد جرت بنزول المضار وَالْمَنَافِع فاذا غلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة لزمنا التَّحَرُّز مِنْهَا قيل وَقد جرت عَادَة الشَّرْع بالزام الْعِبَادَات وَلَا يمْتَنع فِي الْعقل إِيدَاع ذَلِك الْوَاحِد وَأَن تكون الْمصلحَة أَن يرد التَّعَبُّد بِهِ كَمَا لَا يمْتَنع أَن يرد التَّحَرُّز من الْمضرَّة من جِهَة وَاحِد فاذا لم يمْتَنع ذَلِك جرى خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات مجْرَاه فِي العقليات فان قيل الْفرق بَين الشرعيات والعقليات أَن الشرعيات يُمكن فِيهَا طَريقَة تَقْتَضِي الْعلم نَحْو الرُّجُوع إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَالْإِجْمَاع والبقاء على حكم الْعقل فَلم يجز الرُّجُوع إِلَى الظَّن وَلَيْسَ كَذَلِك الامور الْعَقْلِيَّة من أُمُور الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر فِيهَا طَريقَة مَعْلُومَة فَجَاز الرُّجُوع إِلَى الظَّن قيل إِنَّه إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة كتاب أَو سنة مَقْطُوع بهَا أَو إِجْمَاع بِخِلَاف خبر الْوَاحِد وَلم يكن الْخَبَر مُخَصّصا فانا لَا نعدل إِلَيْهِ عَن هَذِه الْأَدِلَّة ومسألتنا مَفْرُوضَة فِي خبر وَاحِد تخَالف مَا ذكرتموه وَأما الْبَقَاء فممكن فِي العقليات وَفِي الشرعيات لِأَن الأَصْل فِي الْعقل أَن لَا يجب علينا إيلام أَنْفُسنَا بفصد وَشرب دَوَاء ومسير فِي طَرِيق مَخْصُوص فاذا لم يجز الْبَقَاء على حكم الْعقل فِي هَذِه

стр. 528

الْأَشْيَاء إِذا أخبرنَا بالمضرة فِي تَركهَا من نظن صدقه علمنَا أَن الْبَقَاء على حكم الْعقل لَيْسَ بِدَلِيل قَاطع مَعَ الظَّن لصدق الْمخبر فَبَطل قَول الْمُخَالف إِن ذَلِك دَلِيل قَاطع مَعَ خبر الْوَاحِد وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن قِيَاس خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على قبُوله فِي العقليات والمعاملات بِأَن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن والشرعيات مَبْنِيَّة على الْمصَالح فاذا لم نَأْمَن كذب الْمخبر لم نَأْمَن أَن يكون فعلنَا مَا أخبرنَا بِهِ مفْسدَة وَالْجَوَاب أَن قَوْله إِن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن هُوَ الحكم الَّذِي طلبنا علته وقسنا بهَا خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على الْمُعَامَلَات فَلَا يَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا بذلك لأَنا نَكُون قد فرقنا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِنَفس الحكم والمصالح وَإِن كَانَت مُعْتَبرَة فِي الشرعيات فالمضار وَالْمَنَافِع هما المعتبران فِي العقليات والمعاملات لأَنا إِنَّمَا ننحو بِمَا نفعله نَحْو الْمَنَافِع والخلاص من المضار كَمَا أَنا ننحو بالشرائع تَحْصِيل الْمصَالح ولأجلها وَجَبت فاذا قَامَ غَالب الظَّن فِي الْمَنَافِع والمضار الْعَقْلِيَّة مقَام الْعلم مَعَ تَجْوِيز كذب الْمخبر فَكَذَلِك غَالب الظَّن بِصدق الْمخبر فِي الشرعيات وَلَو جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات لجَوَاز كذب الْمخبر فَيكون مَا أخبر بِهِ مفْسدَة جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي العقليات لجَوَاز كذب الْمخبر فيلحقنا الْمضرَّة فِي اتِّبَاعه ونخلص مِنْهَا بمخالفته على أَن قَوْله لَا نَأْمَن أَن يكون الْمخبر كَاذِبًا فنكون باتباعه فاعلين للمفسدة يُبِيح الْمَنْع من وُرُود التَّعَبُّد بِقبُول خَبره لِأَن فعل مَا لَا نؤمن من كَونه مفْسدَة قَبِيح فان قَالَ قيام الدّلَالَة على التَّعَبُّد بِهِ دلَالَة على أَن الْمصلحَة هِيَ اتِّبَاع مَا ظنناه من صدقه لَا غير قيل فاذن يجوز أَن تكون الْمصلحَة هِيَ فعلنَا مَا ظنناه من صدق الْمخبر فَلم قطعْتُمْ على أَن الْمصلحَة قد تكون غير مَا فَعَلْنَاهُ فان قَالُوا نَحن وَإِن جَوَّزنَا أَن نَكُون علمنَا بِحَسب مَا ظننا من صدق الرَّاوِي هُوَ الْمصلحَة فانا لَا نعلم ذَلِك إِلَّا بتعبد شَرْعِي قيل فكأنكم فصلتم بَين خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَبَينه فِي العقليات بِأَن العقليات يعْمل فِيهَا على الظَّن من غير تعبد شَرْعِي والشرعيات لَا يعْمل فِيهَا على الظَّن

стр. 529

إِلَّا بتعبد وَهَذَا هُوَ نفس الْمَسْأَلَة فقد فصلتم بَين المسالتين بِنَفس الحكم لَا بِالْعِلَّةِ المفرقة بَينهمَا على انه جَازَ أَن يُقَال إِن قيام الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة على قبُول خبر الْوَاحِد يدلنا على ان الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي جَازَ أَن يُقَال قِيَاس الَّذِي ذكرنَا هُوَ دليلنا على أَن الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي وَأجَاب أَيْضا بِأَن الْعَمَل على غَالب الظَّن فِي دفع المضار فِي الدُّنْيَا هُوَ الأَصْل للْعَمَل على الْعلم بِدفع المضار لِأَن امور الدُّنْيَا الْمُسْتَقْبلَة غير مَعْلُومَة وَإِنَّمَا هِيَ مظنونة وَلَيْسَ يُمكن أَن يُقَال إِن أُمُور الدّين المظنونة هِيَ الأَصْل لامور الدّين الْمَعْلُومَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ فرق لَا يُؤثر فِي وَجه الْجمع الَّذِي ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب إِذا أشبه الظَّن لامور الدّين الظَّن لامور الدُّنْيَا فِي وجوب الْعَمَل عَلَيْهَا أَن يشتبها فِي كل وَجه بل لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل عَلَيْهِمَا وَيكون الْعَمَل على غَالب الظَّن أصلا للْعَمَل على الْعلم فِي امور الدُّنْيَا وللعمل على الظَّن فِي أُمُور الدّين أصلا بِنَفسِهِ دَلِيل قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فتعبدنا بِقبُول خبر كل طَائِفَة خرجت للتفقه ثمَّ أنذرت قَومهَا وَهَذِه صفة خبر الْوَاحِد يبين ذَلِك أَنه سُبْحَانَهُ أوجب على كل فرقة أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة وَالثَّلَاثَة فرقة فَوَجَبَ أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة والطائفة من الثَّلَاثَة وَاحِد أَو اثْنَان فاذا خرجا لسَمَاع الْأَخْبَار وتدبرها فقد خرجا للتفقه فِي الدّين فاذا رَجَعَ من هَذِه سَبيله فَأخْبر قومه بِوُجُوب عبَادَة وحذرهم من تَركهَا فقد أنذر قومه فاذا كُنَّا متعبدين بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْله كُنَّا متعبدين بذلك وَإِن لم نخرج لهَذَا الْغَرَض لِأَن أحدا لم يفصل بَين الْمَوْضِعَيْنِ

стр. 530

إِن قيل لم قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على التَّعَبُّد بِالرُّجُوعِ إِلَى قَول الطَّائِفَة قيل إِنَّمَا تعبدها بانذار قَومهَا لكَي يحذر فتعبد قَومهَا بالحذر وَلَيْسَ يَخْلُو إِذا أخبرتم الطَّائِفَة بِوُجُوب فعل أَو تَحْرِيمه إِمَّا أَن يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الطَّائِفَة أَو يلْزمهَا الْإِمْسَاك عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ من فعل أَو ترك أَو أَن يخرج جماعتها أَو من يقوم بِالْحجَّةِ بنقله إِلَى الْآفَاق لاستبانة الْخَبَر وَالْقسم الأول هُوَ قَوْلنَا وَالثَّانِي يرجع إِلَيْهِ لأَنا إِن كُنَّا نشرب النَّبِيذ فخبرنا الطَّائِفَة بِتَحْرِيمِهِ فإيجاب إمساكنا عَن شربه هُوَ تَحْرِيم شربه وَإِن كُنَّا تاركين لبَعض الصَّلَوَات فأخبرونا بِوُجُوبِهَا فوجوب إمساكنا عَن الْإِخْلَال بهَا هُوَ إِيجَاب فعلنَا فَبَان رُجُوع هَذَا الْقسم إِلَى الْقسم الأول بِخِلَاف مَا ظَنّه بَعضهم وَإِن وَجب على جماعتنا أَو على أكثرنا الْخُرُوج من الأوطان إِلَى الْآفَاق ليعلموا صَحِيح الحَدِيث من باطله لم يَصح بِالْإِجْمَاع لِأَن أحدا من الْأمة لم يُوجب على اهل الْقرى فِي عصر النَّبِي ﷺ وعصر من بعده أَن يخرجُوا أَو أَكْثَرهم إِذا لم تقم الْحجَّة بِنَقْل الطَّائِفَة إِلَيْهِم ويتركوا بِلَادهمْ كلما سمعُوا بِخَبَر يتَضَمَّن فعلا شَرْعِيًّا وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يستقروا فِي بِلَادهمْ قبل اسْتِقْرَار السّنَن إِن قيل قَوْلكُم إِن الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ خبر الْوَاحِد بَاطِل من وُجُوه مِنْهَا أَنه تعبد من كل فرقة طَائِفَة بالتفقه والإنذار لقومهم وهم مَجْمُوع الْفرق لِأَن مَجْمُوع الطوائف هم قوم الْفرق فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَجْمُوع الطوائف من يتواتر الْخَبَر بنقلهم الْجَواب أَنه لَا يجوز أَن يكون أَرَادَ مَجْمُوع الطوائف ينذر كل فرقة لِأَنَّهَا لم يكن عِنْد كل طَائِفَة فرقة فَتكون رَاجِعَة إِلَيْهَا وَقَوله ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ يدل على أَنهم كَانُوا عِنْدهم وَهَذَا إِنَّمَا يتم فِي كل فرقة مَعَ طائفتها وَمِنْهَا أَن قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا﴾ يدل على أَنه أَرَادَ

стр. 531

الْإِنْذَار بالفتوى دون الْخَبَر الْجَواب إِن كثيرا مِمَّن يمْنَع من الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يمْنَع الْعَاميّ من الْأَخْذ بالفتوى وَأَيْضًا فان التفقه يكون بِسَمَاع الْأَخْبَار والتدبر لَهَا وَقد كَانَ التفقه هَكَذَا فِي الزَّمن الأول وَهَذِه الْحَال يتم مَعهَا الْإِنْذَار بالفتوى وبالإخبار فاذا لم يفصل الله سُبْحَانَهُ الإنذارين كَانَ مَحْمُولا على كل وَاحِد مِنْهُمَا كَمَا أَنه لَو قَالَ ولتضربوا كَانَ شَائِعا فِي الضَّرْب بِكُل خَشَبَة وعَلى كل وَجه من الشدَّة واللين على أَنه لم يفصل بَين أَن يكون قَومهمْ مجتهدين أَو غير مجتهدين والإنذار بالفتوى إِنَّمَا يلْزم قبُوله غير الْمُجْتَهد فَوَجَبَ صرف الْكَلَام إِلَى الْإِخْبَار لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يخْتَلف فِيهِ الْمُجْتَهد وَغير الْمُجْتَهد إِن قيل قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين﴾ يدل على انه لَيْسَ فِي الطَّائِفَة مُجْتَهد إِذْ لَو كَانَ فِيهَا مُجْتَهد لما كَانَ ليجب على بَعْضهَا أَن ينفر للتفقه الْجَواب إِن الْعِبَادَات فِي عصر النَّبِي ﵇ كَانَت تتجدد حَالا فحالا وَيرد نسخهَا بعد ثُبُوتهَا فحصول الْمُجْتَهد فِي الطَّائِفَة لَا يُغني عَن أَن ينفر مِنْهَا من يسمع مَا يَتَجَدَّد من السّنَن المبتدأة والناسخة وَكَذَلِكَ الْأَعْصَار المقاربة لعصر النَّبِي ﵇ قبل اسْتِقْرَار السّنَن وانتشارها لجَوَاز أَن تكون فِي غَيرهَا من الطوائف من السّنَن مَا لم تبلغها وَمِنْهَا أَن قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ﴾ يحْتَمل التفقه فِي الْأُصُول وإنذار قَومهمْ ليحذروا وَلَيْسَ هَذَا من خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات بسبيل الْجَواب إِن الْمُسْتَفَاد من التفقه فِي الْعَادة التفقه فِي الْفُرُوع على أَنه إِن كَانَ المُرَاد بالأصول هَا هُنَا التَّوْحِيد وَالْعدْل فالخاطر يجوز من ترك النّظر فيهمَا وَلَيْسَ يحْتَاج فِي الحذر من تَركهمَا إِلَى السّفر وَإِن كَانَ المُرَاد بهَا أصُول الشَّرِيعَة كالصلوات الْخمس فَذَلِك عندنَا لَازم بالآحاد فِي ابْتِدَاء الشَّرِيعَة لِأَن الْوَاحِد إِذا أخبر أهل الْيمن بِأَن الصَّلَوَات قد أوجبهَا النَّبِي ﵇ لزمتهم

стр. 532

وَتَكون من الْفُرُوع حَتَّى يتواتر نقلهَا وعَلى هَذَا جرى الْأَمر فِي تحول أهل قبا عَن الْقبْلَة إِن قيل لَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ خبر الْوَاحِد لما دلّت على وجوب الْعَمَل بِهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه لَا يمْتَنع أَن يجب الْإِنْذَار على من خرج للتفقه وَلَا يجب على الْمُنْذر الْقبُول كَمَا يجب على الشَّاهِد أَن يشْهد وَلَا يجب على الْحَاكِم أَن يحكم بِشَهَادَتِهِ وَيجب على كل وَاحِد من المتواترين أَن يُخبرهُ وَلَا يجب على السَّامع أَن يَقُول على خَبره وَحده فِيمَا طَريقَة الْعلم وَيجب على من خوف بِالْقَتْلِ إِن لم يدْفع مَاله أَن يَدْفَعهُ ويقبح من الْمخوف أَخذه قيل إِنَّا لم نستدل على وجوب الْمصير إِلَى الْإِنْذَار بِوُجُوب الْإِنْذَار وَإِنَّمَا استدللنا يَقُوله ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ وَذَلِكَ إِمَّا أَن يكون تعبدا بالحذر أَو إِبَاحَة لَهُ وَأي الْأَمريْنِ كَانَ فقد بَطل مَذْهَب الْخصم إِذْ قد بَينا أَن الحذر لَا يكون إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى مُوجب الْخَبَر وَالْوَجْه الآخر قَوْلهم يجوز أَن يكون أوجب على من نفر الْإِنْذَار لكَي يحذر من سَمعه إِذا انضاف إِلَى الْمُنْذر غَيره حَتَّى يتواتر إِنْذَارهم وإخبارهم قيل فاذن إِنَّمَا يحذرون عِنْد تَوَاتر الْخَبَر لَا عِنْد إنذار من نفر مِنْهُم للتفقه وَالْآيَة تَقْتَضِي أَن يحذروا عِنْد إنذاره ولأجله كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره جَالس الصَّالِحين لَعَلَّك تصلح أَفَادَ ذَلِك كَون مجالستهم سَببا لصلاحه لَا غير لِأَنَّهُ مَا علق صَلَاحه إِلَّا بِهِ فَكَذَلِك قَوْله ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ دَلِيل أَجمعت الصَّحَابَة على الْعَمَل بِخَبَر لَا يقطع على مغيبه لِأَنَّهُ لما اشْتبهَ

стр. 533

عَلَيْهِم الْغسْل من التقاء الختانين رجعُوا إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﵇ وَطلب أَبُو بكر ﵇ الحكم فِي الْجدّة وَرجع فِي توريثها إِلَى خبر الْمُغيرَة وَنقض قَضِيَّة قَضَاهَا بِخَبَر رَوَاهُ بِلَال وَقَالَ عمر وَمَا أَدْرِي مَا القَوْل فِي أَمر الْمَجُوس وَكَثُرت مَسْأَلته عَن ذَلِك فَلَمَّا روى لَهُ عبد الرحمن بن عَوْف عَن النَّبِي ﵇ سنوا بهم سنة أهل الْكتاب صَار إِلَى ذَلِك وَكَانَ يرى أَن لَا شَيْء فِي الْجَنِين إِذا خرج مَيتا وَفِيه الدِّيَة إِذا خرج حَيا ثمَّ ترك ذَلِك لخَبر حمل بن مَالك بعد أَن نَاشد الصَّحَابَة وَكَانَ لَا يؤرث الإمرأة من دِيَة زَوجهَا ثمَّ ترك ذَلِك لخَبر الضَّحَّاك بن سُفْيَان وَكَانَ يَجْعَل فِي الْأَصَابِع نصف الدِّيَة ويفصل بَينهَا فَيجْعَل فِي الابهام خمس عشرَة من الْإِبِل وَفِي البنصر تِسْعَة وَفِي الْخِنْصر سِتَّة ثمَّ يَجْعَل فِي الْبَاقِيَة عشرا عشرا فَلَمَّا رُوِيَ لَهُ من كتاب النَّبِي ﵇ إِلَى عَمْرو بن حزم أَن فِي كل إِصْبَع عشرا من الْإِبِل رَجَعَ عَن رَأْيه وَترك رَأْيه فِي بِلَاد الطَّاعُون لخَبر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقَالَ عَليّ ﵇ كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي فاذا حَدثنِي بِهِ غَيره اسْتَحْلَفته فاذا حلف صدقته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر وَرجع فِي خطأ الإِمَام إِلَى مَا رَوَاهُ عمر وَسَأَلَ الْمِقْدَاد أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن المذى ثمَّ أخبرهُ عَن النَّبِي ﵇ بِالْجَوَابِ فَعمل عَلَيْهِ وَرَجَعُوا فِي الرِّبَا إِلَى خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ وكل وَاحِد من هَذِه الْأَخْبَار وَإِن كَانَ خبر وَاحِد فجملتهما متواترة لَا يجوز مَعَ كثرتها أَن تكون كذبا كَمَا أَن الْأَخْبَار عَن سخاء حَاتِم متواترة فِي الْجُمْلَة وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا خبر وَاحِد وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم عمِلُوا على هَذِه الْأَخْبَار لأَجلهَا لأَنهم لَو لم يَكُونُوا عمِلُوا لأَجلهَا بل لأمر آخر إِمَّا لاجتهاد تجدّد لَهُم أَو ذكرُوا شَيْئا سَمِعُوهُ من النَّبِي ﵇ لوَجَبَ من جِهَة الْعَادة وَالدّين أَن ينقلوا ذَلِك أما الْعَادة فَلِأَن الْجَمَاعَة إِذا اشْتَدَّ اهتمامها بامر قد الْتبس عَلَيْهَا ثمَّ زَالَ اللّبْس عَنْهَا لشَيْء سمعته أَو رَأْي حدث لَهَا فانه لَا بُد من إظهارها الاستبشار وَالسُّرُور بِمَا ظَفرت بِهِ والتعجب من ذهَاب ذَلِك عَلَيْهَا فان جَازَ أَن لَا يظْهر ذَلِك الْوَاحِد

стр. 534

لم يجز فِي كل وَاحِد وَأما الدّين فَلِأَن سكوتهم عَن ذَلِك وعملهم عِنْد الْخَبَر بِمُوجبِه يُوهم أَنهم عمِلُوا لأَجله كَمَا يدل عَمَلهم بِمُوجب آيَة عِنْد سماعهَا على أَنهم عمِلُوا لأَجلهَا وَالْإِيهَام لذَلِك قَبِيح كَمَا أَنه لَو قَالَ لَهُم قَائِل احكموا فِي هَذِه الْحَوَادِث لشهوتي فَذكرُوا عِنْد هَذَا القَوْل شَيْئا سَمِعُوهُ من رَسُول الله ﷺ فانه لَا يحسن من جِهَة الدّين أَن لَا تبين أَنَّهَا حكمت لما ذكرته لَا للشهوة وَأَيْضًا فبعيد فِي الْعَادة مَعَ كَثْرَة هَذِه الْأَخْبَار أَن يتَّفق ذكرهم لشَيْء سَمِعُوهُ من النَّبِي ﵇ وَآله أَو يَتَجَدَّد لَهُم اجْتِهَاد وَأَيْضًا فَطلب أبي بكر ﵇ من الْمُغيرَة شَاهدا مَعَه فِي إِرْث الْجدّة دَلِيل على أَنه كَانَ يرى أَن الحكم يتَعَلَّق بهما لِأَنَّهُ لم يكن يعلم أَنه سَيذكرُ عِنْد الشَّاهِد الآخر شَيْئا سَمعه من النَّبِي ﵇ وَأَيْضًا فقد كَانُوا يتركون آرائهم عِنْد سَماع الْخَبَر كَمَا رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ فِي الْخَبَر كدنا نقضي فِيهِ بآرائنا فَدلَّ على أَنه لم يعْمل بِرَأْيهِ عِنْد سَماع الْخَبَر إِن قيل وَمن أَيْن أَنهم بأجمعهم عمِلُوا بأخبار الآحادإنهم كَانُوا بَين عَامل بهَا وَسَاكِت عَن النكير فَدلَّ على رضاهم بِالْعَمَلِ بهَا فان قيل فَلَعَلَّ بَعضهم كَانَ نَاظرا متوقفا عَن الْعَمَل فَلَا يكونُونَ متفقين على ذَلِك قيل لَو كَانَ كَذَلِك وَكَانَ الْعَمَل بهَا مُنْكرا لَكَانَ إِنْكَاره وَاجِبا فَيَكُونُوا قد اتَّفقُوا على ترك الْوَاجِب لأَنهم بأجمعهم قد تركُوا إِنْكَاره إِن قيل أَلَيْسَ قد رد أَبُو بكر خبر الْوَاحِد وَلم يعْمل إِلَّا على خبر اثْنَيْنِ قيل هَذَا لَا ينْقض مَا قصدناه من الْعَمَل بِخَبَر من لَا يقطع على مغيبة وَالْكَلَام فِي اشْتِرَاط اثْنَيْنِ سَيَأْتِي إِن قيل فقد ردوا فِي بعض الْحَوَادِث خبر الْوَاحِد كَقَوْل عمر فِي خبر فَاطِمَة بنت قيس لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت ولستم بِأَن تَقولُوا إِنَّمَا ردُّوهُ لعِلَّة لَا نعرفها لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد بِأولى من أَن تَقولُوا بل قبلوا مَا قبلوه لعِلَّة لَا نعرفها لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد وَالْجَوَاب أَن عمر رد خبر فَاطِمَة بنت قيس فِي نسخ الْآيَة أَو فِي

стр. 535

تخصيصها وَكثير مِمَّن يقبل خبر الْوَاحِد لَا يقبله فِي التَّخْصِيص فَلَيْسَ ينقص ذَلِك الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْجُمْلَة على أَن قَوْله لَا نَدع كتاب رَبنَا يَقْتَضِي ترك الْكتاب أصلا وَذَلِكَ نسخ وَنحن نمْنَع نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد على أَن قَوْله لقَوْل امْرَأَة لَعَلَّهَا صدقت أم كذبت يُفِيد أَنه اعْتقد فِيهَا أَنَّهَا غير ضابطة لما تسمعه وَهَذِه الْعلَّة غير مَوْجُودَة فِيمَن يضْبط وَبِهَذَا يبطل قَول من يَقُول إِن عمر ﵁ علل رد حَدِيثهَا لعِلَّة مَوْجُودَة فِي كل مخبر إِن قيل فقد قبلوا خبر الْوَاحِد فِي نسخ حكم مَعْلُوم نَحْو قبُول أهل قبا نسخ الْقبْلَة قيل ذَلِك جَائِز فِي الْعقل وَفِي صدر الْإِسْلَام قَالَ اصحابنا وَلَوْلَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْمَنْع من ذَلِك لجوزناه وَقد قَالَ أَبُو عَليّ إِن النَّبِي ﷺ قد كَانَ أخْبرهُم بنسخ الْقبْلَة وَأَنه ينفذ إِلَيْهِم بنسخها فلَانا وأعلمهم صدقه فَكَانُوا قاطعين على صدقه فَلم ينسخوا الْقبْلَة إِلَّا بِخَبَر مَعْلُوم وَقد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بأَشْيَاء لَا تدل مِنْهَا قَول الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ قَالُوا فعلق وجوب التبين على مَجِيء الْفَاسِق فَكَانَ مَجِيء غير الْفَاسِق بِخِلَافِهِ وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا مَعَ القَوْل بِدَلِيل الْخطاب وَقَالُوا أَيْضا قَوْله ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق﴾ شَرط فِي إِيجَاب التثبيت فَوَجَبَ إِن لم يَجِيء فَاسق أَن لَا يجب التثبت وَأَن يكون التسرع مُبَاحا سَوَاء جَاءَنَا عدل أَو لم يجئنا أحد لِأَنَّهُ فِي كلا الْحَالين لم يَجِيء الْفَاسِق وَقد وَقع الِاتِّفَاق على الْمَنْع من التسرع إِذا لم يَجِيء أحد أصلا فَبَقيَ الْقسم الآخر وَهُوَ أَن يَجِيء مخبر غير فَاسق وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة يَقْتَضِي نفي وجوب التثبت على نفي مَجِيء الْفَاسِق وَأحد لَا يَقُول بذلك والمستدل يَجْعَل نفي وجوب التثبت وَإِبَاحَة التسرع وَاقِفًا على مَجِيء

стр. 536

عدل وَيُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ من وَجه آخر وَهُوَ أَن سَبَب نُزُولهَا أَن النَّبِي ﷺ بعث الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط ساعيا فَعَاد فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن الَّذين بَعثه إِلَيْهِم أَرَادوا قَتله فأجمع النَّبِي ﷺ على غزوهم وقتلهم وَهَذَا حكم شَرْعِي قد كَانَ النَّبِي ﷺ أَرَادَ الْعَمَل فِيهِ على خبر الْوَاحِد فَلَو كَانَ ذَلِك مَحْظُورًا لأنكره الله تَعَالَى وَلما علق حظره بِالْفِسْقِ لِأَن ذَلِك يُوهم أَنه إِنَّمَا لم يجز ذَلِك التسرع لأجل فسق الْمخبر لَا غير يبين ذَلِك أَن النَّبِي ﵇ إِنَّمَا عمل على غزوهم لأجل خبر الْوَلِيد مَعَ ظَنّه أَنه عدل ولهذه الْآيَة ولاه الصَّدَقَة وَلقَائِل أَن يَقُول نزُول هَذِه الْآيَة فِي الْوَلِيد بن عقبَة مَنْقُول بالآحاد فَلم يجز بِنَا الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ وَقد روى عمر بن شبة فِي كتاب الْكُوفَة فِي أَخْبَار الْوَلِيد باسناده عَن قَتَادَة فِي قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ﴾ قَالَ هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط بَعثه النَّبِي ﵇ إِلَى بني المصطلق مُصدقا فَلَمَّا أبصروه أَقبلُوا نَحوه فهابهم فَرجع إِلَى النَّبِي ﵇ فَأخْبر أَنهم ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَبعث نَبِي الله خَالِد بن الْوَلِيد وَأمره أَن يثبت وَلَا يعجل فَانْطَلق حَتَّى أَتَاهُم لَيْلًا فَبعث عيونه فَلَمَّا جَاءُوهُ خبروه أَنهم متمسكون بِالْإِسْلَامِ وسمعوا أذانهم وصلاتهم فَلَمَّا أَصْبحُوا أَتَاهُم خَالِد وَرَأى مَا يُعجبهُ فَرجع إِلَى النَّبِي ﵇ فَأخْبرهُ الْخَبَر وَذكر رِوَايَة أُخْرَى أَنه رَجَعَ الْوَلِيد إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ قد منعُوا فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ الْآيَة وَلَيْسَ فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ هم بقتالهم من غير تثبت وَتبين وَمِنْهَا قَول الله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ والمخبر عَن النَّبِي ﷺ بِلُزُوم الْعِبَادَة علينا شَاهد على النَّاس وَلَيْسَ يجوز أَن يَجعله الله عدلا ليشهد إِلَّا وَقد تعبد بِالرُّجُوعِ إِلَى خَبره الْجَواب إِن قَوْله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا خطاب لكافة الْأمة دون آحادها فان أُرِيد بِهِ شَهَادَة جَمِيعهم علينا من جِهَة الْخَبَر فَذَلِك تَوَاتر وَلَا

стр. 537

يكون فِي اشْتِرَاط كَونهم وسطا فَائِدَة لِأَن المتواترين نعلم صدقهم وَإِن لم يَكُونُوا مُؤمنين وَإِن أُرِيد بِهِ شَهَادَتهم علينا من جِهَة الرَّأْي فَذَلِك هُوَ الْإِجْمَاع وعَلى كلا الْقسمَيْنِ يخرج مِنْهُ خبر الْوَاحِد وَلَيْسَ المُرَاد بِالْآيَةِ كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد مِنْهُم مَقْطُوعًا على عَدَالَته فَلهَذَا لَا يقطع على مُوجب خبر الْوَاحِد وَمِنْهَا قَول الله ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ الْآيَة فحظر كتمان الْهدى وَأوجب إِظْهَاره وَمَا سَمعه الْإِنْسَان من النَّبِي ﵇ فَهُوَ من الْهدى فَيجب على سامعه إِظْهَاره وَإِن لم يسمعهُ غَيره مِمَّن يتواتر الْخَبَر بنقله وَلَو لم يجب علينا قبُول خبر الْوَاحِد لم يجب على الْمخبر إِظْهَاره لِأَنَّهُ يكون وجود الْإِظْهَار كَعَدَمِهِ وَالْجَوَاب إِن قَول الله ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب﴾ يدل على أَنه أَرَادَ مَا أنزلهُ الله فِي الْكتاب وأخبار الْآحَاد عَن النَّبِي ﷺ بمعزل عَن ذَلِك وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ مَكْتُوم إِذا لم يظْهر وَكَانَت الْعَادة أَو التَّعَبُّد يدعوان إِلَى إِظْهَاره فَيجب أَن يبين الْمُسْتَدلّ أَن التَّعَبُّد قد ورد بأخبار الْآحَاد حَتَّى يتم لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَإِذا بَين ذَلِك فقد بَين مَا رام أَن يُبينهُ بِهَذِهِ الْآيَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْعَادة تَدْعُو إِلَى إِظْهَار مَا سَمعه الْإِنْسَان من النَّبِي ﵇ فِيمَا يرجع إِلَى الشَّرِيعَة وَمِنْهَا قَول الله ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَلم يفرق بَين أَن يكون من هُوَ من أهل الذّكر مُجْتَهدا أَو غير مُجْتَهد وَمَعْلُوم أَن غير الْمُجْتَهد إِنَّمَا يسْأَل ليخبر لَا ليفتي عَن نَفسه وَلَيْسَ يجوز أَن يجب السُّؤَال

стр. 538

وَلَا يجب الْقبُول الْجَواب إِنَّه لَيْسَ فِي الاية أَنه يجب سُؤَالهمْ ليعلم مَا أخبروا بِهِ ليعْمَل مَا أخبروا بِهِ وَإِذا لم يمْتَنع أَن يكون اراد سُؤَالهمْ ليعلم السَّائِل لم يكن المُرَاد إِلَّا سُؤال من يتواتر الْخَبَر بنقله وَقَوله ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ يدل على أَنه أَرَادَ سُؤَالهمْ ليعلم مَا يخبرون بِهِ من أَنه أرسل الله إِلَّا رجَالًا يوحي إِلَيْهِم وَهَذَا علم دون عمل وَمِنْهَا قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله﴾ فَأوجب الشَّهَادَة لله وَالْقِيَام بِالْقِسْطِ وَلَا يُوجب ذَلِك إِلَّا وَقد ألزم قبُول شَهَادَتهم وَمن أخبر بِمَا سَمعه من النَّبِي ﵇ فقد قَامَ بِالْقِسْطِ وَشهد لله وَالْجَوَاب إِنَّمَا يكون شَاهدا لله تَعَالَى وَقَائِمًا بِالْقِسْطِ إِذا شهد بِمَا يلْزم قبُوله دون مَا لَا يحل قبُوله كَالشَّهَادَةِ بِأُمُور الدُّنْيَا وَيحْتَمل أَن يكون سُبْحَانَهُ أوجب الشَّهَادَة بِمَا سمع من النَّبِي ﷺ ليرويه غَيره فيتواتر نَقله فان قيل الاية لَا تفرق بَين أَن يكون الْخَبَر قد سمعته جمَاعَة من النَّبِي ﵇ وَبَين أَن يكون قد سَمعه وَاحِد فِي وجوب الشَّهَادَة بِهِ قيل إِن من يُنكر الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يمْتَنع من أَن يخص النَّبِي ﵇ بِالْعبَادَة من لَا يتواتر الْخَبَر بنقله إِلَّا أَن يكون التَّعَبُّد يَخُصُّهُ وَحده وَمِنْهَا قَوْله ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ وَقَوله ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَظَاهره يَقْتَضِي بَيَان جَمِيع مَا أنزل إِلَيْهِ لجَمِيع من عاصره وَلمن يَأْتِي بعده فَلَو وَجب عَلَيْهِ أَن يبين كل ذَلِك لمن يتواتر الْخَبَر بنقله لكَانَتْ الْأَخْبَار كلهَا منقولة عَنهُ بالتواتر إِلَّا أَن يُقَال إِن بعض السامعين للْخَبَر نَقله دون بعض وَذَلِكَ يُوجب تُهْمَة السّلف وَجَوَاز

стр. 539

كَون شرائع مَعَهم لم ينقلوها وَلَا يجوز أَن يكون كل مَا نقل بأخبار الْآحَاد لم يقلهُ النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْعَادة أَن تكون هَذِه الْأَخْبَار على كثرتها كَاذِبَة وَلَا يجوز أَن تَتَضَمَّن عبادات تخْتَص من عاصر النَّبِي ﵇ لِأَن أَكْثَرهَا خطاب لأهل عصره وَلمن يَأْتِي بعده فَثَبت أَنه إِنَّمَا وَجب عَلَيْهِ أَن يبين بعض شَرعه لمن لَا يتواتر الْخَبَر بنقله وَإِن كَانَ بَيَانا لمن بعده وَفِي ذَلِك وجوب الْعَمَل بِهِ على من بعدهمْ الْجَواب إِن الْمُخَالف يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون بعض أَخْبَار الْآحَاد كذبا وَبَعضهَا عبادات تخْتَص أهل ذَلِك الْعَصْر وَبَعضهَا قد أَدَّاهَا النَّبِي ﷺ إِلَى من يتواتر الْخَبَر بنقله لَكِن بَعضهم نَقله دون بعض وَأَخْطَأ بَعضهم وَذَلِكَ غير مُمْتَنع وَيكون لُزُوم ذَلِك لنا مَشْرُوطًا بتواتر الْخَبَر إِلَيْنَا وَقَوْلهمْ إِن جَوَاز ذَلِك يَقْتَضِي جَوَاز كتمانهم شرائع كَثِيرَة فَذَلِك لَا يلْزم من لم يقل بأخبار الْآحَاد لِأَن عِنْدهم أَن النَّبِي ﷺ قد بَين الْعِبَادَات للْجَمَاعَة الْكَثِيرَة وَالْعَادَة تمنع من كتمان أجمعهم مَعَ مَا علمناه من توفر دواعي الْأمة إِلَى نقل السّنَن وَالْأَخْبَار على أَنه لَا بُد من أَن يبلغ ذَلِك جَمِيع أهل الْعَصْر فاجتماعهم على كِتْمَانه اجْتِمَاع من الْأمة على الْخَطَأ وَذَلِكَ لَا يجوز وَمِنْهَا أَنه قد تَوَاتر النَّقْل بانفاذ رَسُول الله ﷺ سعاته إِلَى الْقَبَائِل والمدن لأخذ الزكوات وَتَعْلِيم الْأَحْكَام كإنقاذه معَاذًا إِلَى الْيمن ليفقههم فِي دينهم وَيقبض زكواتهم وَقد وَجب عَلَيْهِم الْمصير إِلَى رِوَايَته فِي نصب الزَّكَاة وَفِي فروعها وَقد كَانَ يرد على رَسُول الله الْوَاحِد والاثنان يخبران باسلامهما وَإِسْلَام قومهما ويسألان أَن ينفذ من يعلمهُمْ شرائع الْإِسْلَام وَكَانَ ينفذ النَّبِي ﷺ مَعَهم الرجل الْوَاحِد كانفاذه أَبَا عُبَيْدَة وَغَيره وَالْعلم بذلك ظَاهر لمن قَرَأَ الْأَخْبَار وَالسير وَلَا يُمكن دَفعه وَلم يكن النَّبِي ﵇ ينفذ إِلَيْهِم الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة وَلَو فعل ذَلِك لم يكن أهل الْمَدِينَة ليفوا بِمن أسلم من الْقَبَائِل وَلَا أوجب النَّبِي ﷺ على أهل الْقبْلَة أَن تصير بأجمعها إِلَيْهِ أَو أَكْثَرهَا لتعرف شَرعه بل أوجب عَلَيْهِم الْمصير إِلَى مَا يُؤَدِّيه رَسُوله فان قيل أَلَيْسَ كَانُوا يعْرفُونَ التَّوْحِيد والنبوة وَذَلِكَ لَا يعْمل فِيهِ بأخبار الْآحَاد قيل أما التَّوْحِيد فالمرجع

стр. 540

فِيهِ إِلَى أَدِلَّة الْعُقُول فَمن أظهره وَجب علينا إِحْسَان الظَّن بِهِ وَأَنه قد اعتقده من وَجهه وَمن رام أَن يعرف التَّوْحِيد أمكنه ذَلِك بالاستدلال بأدلته الْعَقْلِيَّة وَلَيْسَ طَريقَة الاخبار فَيُقَال إِنَّهُم اقتصروا فِيهِ على الْآحَاد أَو التَّوَاتُر وَأما النُّبُوَّة فطريقها المعجز والتحدي بِالْقُرْآنِ وَغَيره من المعجزات وَقد كَانَ اشْتهر ذَلِك فِي الْقَبَائِل وَلم يكن نَقله بالآحاد فان قيل أَلَيْسَ لم يجز لَهُم أَن يعملوا بأخبار الْآحَاد إِلَّا وَقد دلّت الدّلَالَة عِنْدهم على ذَلِك فان كَانَ قد تَوَاتر عِنْدهم التَّعَبُّد بذلك عَن رَسُول الله ﷺ فَمَا يؤمنكم أَن شَرعه قد كَانَ تَوَاتر إِلَيْهِم عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ قيل إِن كَانَ وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد مَعْلُوما بِالْعقلِ فَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا عمِلُوا على ذَلِك وَإِلَّا فانهم عمِلُوا على مَا تَوَاتر عِنْدهم من أَن النَّبِي ﵇ كَانَ ينفذ آحَاد النَّاس إِلَى الْقَبَائِل يعلمونهم الشَّرْع لِأَنَّهُ إِذا تَوَاتر ذَلِك عندنَا كَانَ تواتره عِنْدهم أولى وَلَيْسَ كَذَلِك جَمِيع شَرعه لأَنهم لَو علمُوا جَمِيعه لما احتاجوا إِلَى إِنْفَاذ من يعلمهُمْ فان قيل فَأول من أنفذ النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم من ايْنَ علمُوا أَن ذَلِك من دينهم قيل لَا يمْتَنع أَن يكون أول من أنفذ النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم علمُوا ذَلِك باخبار قَومهمْ الَّذين نفذوا إِلَى النَّبِي ﷺ فَلَا يمْتَنع أَن يكون أُولَئِكَ كَانُوا أَكثر من أَرْبَعَة فَوَقع لقومهم الْعلم باخبارهم ان النَّبِي ﷺ تعبدهم بِالرُّجُوعِ إِلَى إِخْبَار من أنفذه إِلَيْهِم ليعلمهم شَرعه فان قيل أَلَيْسَ قد كَانَ رسل النَّبِي ﷺ يعلمُونَ النَّاس الْقُرْآن الَّذِي يتلونه فِي الصَّلَاة وأعداد رَكْعَات الصَّلَوَات وَطَرِيق ذَلِك يجب كَونه مَعْلُوما دون أَخْبَار الْآحَاد قيل إِنَّمَا كَانَ يجب أَن يكون طَرِيق ذَلِك مَعْلُوما بعد انتشار الشَّرِيعَة وتواتر نقلهَا فَأَما فِي ابْتِدَاء الشَّرِيعَة فطريق ذَلِك لمن بعد عَن النَّبِي ﷺ أَخْبَار الْآحَاد وَهِي فِي تِلْكَ الْحَال من الْفُرُوع لَا من الاصول وللمخالف أَن يَقُول إِنِّي إِنَّمَا أمنع الْمُجْتَهد من أَن يعدل عَن حكم الْعقل إِلَى خبر الْوَاحِد وَلَا أمنع من رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي فِي فروع الشَّرْع فَهَل تَوَاتر عنْدكُمْ النَّقْل بِأَن الَّذين ارسل إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ كَانُوا من أهل الِاجْتِهَاد وَأَن الرُّسُل كَانُوا يخبرونهم عَن رَسُول الله ويكلونهم فِيمَا أخبروهم إِلَى الِاجْتِهَاد

стр. 541

لَيْسَ مَعكُمْ ذَلِك بل الظَّاهِر مِمَّن تجدّد إِسْلَامه أَنه لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد وَأَن رسل النَّبِي ﵇ إِنَّمَا كَانُوا يعلمونهم كَمَا يعلم الْفَقِيه الْعَاميّ وَالْأَب وَلَده كَيْفيَّة الصَّلَاة فان قُلْتُمْ فبماذا علمُوا وجوب قبُول فَتْوَى ذَلِك الرَّسُول قيل لكم بِمَا تَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ من إِنْفَاذ رسله ليعلمهم الْأَحْكَام كَمَا ذكرتموه أَنْتُم حِين قيل لكم بِمَاذَا علمُوا وجوب الْمصير إِلَى أَخْبَار الْآحَاد فان قُلْتُمْ إِذا لزم الْمصير إِلَى قَول الْمُفْتِي لزم الْمصير إِلَى خبر الْوَاحِد إِذْ لَا فرق بَينهمَا كُنْتُم قائسين بِخَبَر الْوَاحِد على الْفَتْوَى وَذَلِكَ انْتِقَال من هَذِه الدّلَالَة إِلَى دلَالَة أُخْرَى لِأَن هَذِه الدّلَالَة غير مَبْنِيَّة على الْقيَاس بل على أَن النَّبِي ﷺ قد أنفذ المخبرين بالآحاد وَأوجب على غير من ذكرْتُمْ فَهَذِهِ الدّلَالَة تلْزم من منع من قبل خبر الْوَاحِد وَمنع الْعَاميّ من قبُول الْفَتْوَى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى الْعَالم الْمخبر عَن اجْتِهَاده مَعَ إِمْكَان بَقَاء الْعَاميّ على حكم الْعقل فبأن يجب على الْعَالم أَن يرجع إِلَى الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى فَتْوَى الْعَالم وَإِن حَكَاهُ عَن أبي حنيفَة لما غلب على الظَّن صدقه فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْحِكَايَة عَن النَّبِي ﵇ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى رَسُول الْمُفْتِي فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْحِكَايَة عَن النَّبِي ﵇ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى رَسُول الْمُفْتِي فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْمخبر عَن النَّبِي ﷺ أولى وَمِنْهَا قَوْلهم قد وَجب الحكم بِمَا شهد بِهِ الشَّاهِدَانِ لما كَانَا عَدْلَيْنِ وَكَانَ مَا شَهدا بِهِ مِمَّا لَو علم لوَجَبَ الحكم بِهِ وَهَذَا مَوْجُود فِي الْمخبر الْعدْل عَن رَسُول الله ﷺ الْجَواب انهم إِن حمعوا هَذِه الْمسَائِل وردوها إِلَى الْعَمَل على الْأَخْبَار عَن الْمُعَامَلَات وَالْمَنَافِع والمضار فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب وَإِن جعلُوا هَذِه الْأُصُول اصولا شَرْعِيَّة وردوا إِلَيْهَا هَذِه الْفُرُوع وَجب أَن يعللوها بعلل مَعْلُومَة حَتَّى يردوا بهَا هَذِه الْفُرُوع إِلَيْهَا وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك وَلَا

стр. 542

يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى الْفَتْوَى وَإِلَى من يخبر عَن أبي حنيفَة وَإِلَى رَسُول الْمُفْتِي لكَونه غير مُجْتَهد أَلا ترى أَنه يجب عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْفَتْوَى وَلَا يجب ذَلِك على الْعَالم أَلا ترى أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون مصلحَة الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى إِخْبَار الْمُجْتَهد عَن نَفسه وَإِلَى إِخْبَار من يخبر عَنهُ وَيكون رُجُوع الْمُجْتَهد إِلَى الْمخبر عَن رَسُول الله ﷺ إِذا لم يعلم صدقه مفْسدَة وَكثير من النَّاس يمْنَع من الْفَتْوَى على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر فَلَا يلْزم قِيَاس الْمَسْأَلَة على هَذَا الأَصْل وَأما الْعَمَل على الشَّهَادَة فانهم إِن جَعَلُوهُ أصلا شَرْعِيًّا فَيجب أَن يعللوا ذَلِك بعلة شَرْعِيَّة مَعْلُومَة وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك فَمن أَيْن أَن الْعلَّة مَا ذَكرُوهُ مَعَ أَنه لَيْسَ يمْتَنع أَن تكون مصلحتنا أَن لَا تثبت حكما شَرْعِيًّا فِي الْجُمْلَة بطرِيق غير مَعْلُوم وَيجوز أَن تكون مصلحتنا إِذا ثَبت الحكم فِي جملَة الشَّرِيعَة بطريقة مَعْلُومَة أَن تثبت ذَلِك الحكم فِي الْأَعْيَان بطرِيق مظنونة وَإِذا جَازَ ذَلِك فَمن أَيْن أَن الْعلَّة مَا ذَكرُوهُ أَلا ترى أَن شَهَادَة الْوَاحِد وَخبر الْوَاحِد وَإِن اشْتَركَا فِي الْعلَّة الَّتِي ذكروها فقد افْتَرقَا فِي وجوب الْقبُول فقد بَطل أَن تكون الْعلَّة ماذكروه وَمِنْهَا لَا بُد للاحكام الشَّرْعِيَّة من طَرِيق وَقد يحدث من الْمسَائِل مَا لَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة المتواترة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس دَلِيل عَلَيْهِ فَلم يبْق إِلَّا خبر الْوَاحِد الْجَواب انه إِن لم يُوجد فِي شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ حكم الْحَادِثَة كَانَ للمخالف أَن يُوجب الْبَقَاء على حكم الْعقل فَلَا تكون الضَّرُورَة دَاعِيَة إِلَى أَخْبَار الْآحَاد وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الْعقل يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد من حَيْثُ لم يُؤمن كَونه كَاذِبًا فنكون عاملين بالمفسدة وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة الْعَمَل بِمَا ظننا صدقه من الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ إِذا اخْتصَّ بشرائط صدق الرَّاوِي أم كذب على مَا بَيناهُ من قبل وَبينا أَن الْعقل يجوز وَيُوجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد

стр. 543

وَمَا ذَكرُوهُ منتقض بالشهادات على أَحْكَام الْفروج والدماء لأَنا لَا نَأْمَن كذبهَا ويلزمنا الْعَمَل بهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز عَملنَا بالمفسدة وَالظُّلم وَمِنْهَا أَن التَّعَبُّد السمعي لم يرد بِقبُول خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَنه قد ورد بذلك وَلَو لم يرد بِهِ لكفى دَلِيل الْعقل فِي التَّعَبُّد بِهِ وَمِنْهَا قَول الله ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَوله ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَالْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد اقتفاء لما لَيْسَ لنا بِهِ علم وَشَهَادَة وَقَول بِمَا لَا نعلم لِأَن الْعَمَل بِهِ مَوْقُوف على الظَّن الْجَواب أَنه لَيْسَ فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ لِأَن عِنْد خبر الْوَاحِد نعمل بِمُوجبِه ونخبر بِوُجُوب ذَلِك علينا ونعلمه ونخبر بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك إِن لم يكن الرَّاوِي تعمد الْكَذِب وَلَا سَهَا وَلَا غلط أما الْعَمَل بِمُوجبِه فَلَيْسَ نقُول فَيُقَال إِنَّه قَول مَا ظنناه أَو بِمَا علمناه وَهُوَ اقتفاء لما كُنَّا بِهِ عَالمين وَهُوَ الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا الدَّلِيل هُوَ الَّذِي اتبعناه فِي الْعَمَل وَفِي الْإِخْبَار بِوُجُوب الْعَمَل علينا فَلم نقل على الله مَا لَا نعلمهُ واعتقادنا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك إِن لم يكن الرَّاوِي غلط أَو تعمد الْكَذِب وَهُوَ علم وإخبارنا بذلك شَهَادَة بِمَا نعلمهُ لِأَن كل مخبر إِذا لم يتَعَمَّد الْكَذِب وَلم يَفْعَله سَهوا أَو غَلطا فَهُوَ صَادِق وَمِنْهَا قَول الله ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ قدم من اتبع الظَّن وَبَين أَنه لَا غناء لَهُ فِي الْحق فَكَانَ على عُمُومه الْجَواب انا بعلمنا على خبر الْوَاحِد متبعون الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على اتِّبَاع خبر الْوَاحِد إِن قيل أَلَيْسَ لَا بُد أَن تظنوا صدق الرَّاوِي حَتَّى تعلمُوا

стр. 544

بالْخبر قيل بلَى وَلَكِن الِاتِّبَاع هُوَ الدَّلِيل فان قيل فقد جعلتم للظن حظا فِي الِاتِّبَاع لأنكم لَو لم تظنوا صدق الرَّاوِي لم تعلمُوا بالْخبر الْجَواب ان الله تَعَالَى إِنَّمَا ذمّ من لم يتبع إِلَّا الظَّن بقوله ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن﴾ فَلم يدْخل فِي ذَلِك من اتبع الدَّلِيل عِنْد الظَّن وَقَوله عقيب ذَلِك ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ يُفِيد أَن مَا فَعَلُوهُ من أَنهم مَا يتبعُون إِلَّا الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا فَكَأَن الظَّن وَحده لَا يُغني من الْحق شَيْئا ويفيد أَيْضا أَن الظَّن للشَّيْء لَا يُفِيد أَن المظنون حق لَا محَالة وَكَذَلِكَ نقُول لأَنا إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا لم يجب أَن يكون ذَلِك حَقًا لأَنا ظنناه على أَنا إِذا علمنَا وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عِنْد ظننا صدقه فَالَّذِي أغْنى فِي الْحق هُوَ إِمَّا الدَّلِيل الدَّال على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِمَّا مَجْمُوع الدَّلِيل مَعَ الظَّن ومجموع الْأَمريْنِ لَيْسَ هُوَ الظَّن وَمِنْهَا قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ قَالُوا وَالْحكم بِخَبَر الْعدْل عمل على جَهَالَة لتجويزنا كذبه فقد تساوى من هَذِه الْجِهَة الْعَمَل بِخَبَر الْفَاسِق فَحرم الْعَمَل بِهِ الْجَواب ان الْعَمَل بالجهالة عمل بالشَّيْء من غير طَرِيق يسوغ الْعَمَل بِهِ وَلِهَذَا لم يكن الْمُسَافِر عَاملا بِجَهَالَة إِذا سَافر بعد الفحص والمساءلة وَإِن جوز أَن يكون الْأَمر بِخِلَاف مَا أخبر بِهِ فان ادّعى الْمُسْتَدلّ أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عمل بِغَيْر طَرِيق يسوغ ذَلِك فقد بني أَحْكَامه على نفس الْمَسْأَلَة وَمِنْهَا قَوْله ﴿ثمَّ يحكم الله آيَاته﴾ فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد دلَالَة وَكَانَ من آيَات الله لَكَانَ الله قد أحكمه وَلَو أحكمه لم يجز كَونه كذبا الْجَواب ان ذَلِك وَارِد عقيب قَول الله ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته﴾

стр. 545

فَبين أَنه يحكم آيَاته بعد نسخ مَا يلقيه الشَّيْطَان لِأَن ثمَّ للتَّرْتِيب وَالَّذِي يقف أَحْكَامه على نسخ مَا القاه الشَّيْطَان هُوَ الْقُرْآن لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ تعلق بِمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان وَأَيْضًا فخبر الْوَاحِد امارة وَلَيْسَ بِدلَالَة فَلم يُطلق عَلَيْهِ القَوْل بِأَنَّهُ من آيَات الله وَإِن كَانَ الْعَمَل يجب عِنْده لِأَن الْآيَة دلَالَة كَمَا لَا تكون الشَّهَادَات من آيَات الله حَتَّى يقطع على صدقهَا وَإِن وَجب الْعَمَل عِنْدهَا وَمِنْهَا قَول الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا﴾ فَأخْبر أَنه مُرْسل إِلَى كَافَّة النَّاس فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يُخَاطب بشرعه جَمِيعهم وَذَلِكَ يَقْتَضِي نقل جَمِيعهم أَو من يتواتر الْخَبَر بنقله فَمَا رُوِيَ بالآحاد لَيْسَ من شَرعه الْجَواب يُقَال لَهُم وَلم لَا يكون مُرْسلا إِلَى كَافَّة النَّاس وَإِن بَين شَرعه لبعضها بالآحاد فان قَالُوا لجَوَاز أَن لَا يصل إِلَيْهِم شَرعه إِذا أودعهُ آحَاد النَّاس قيل وَلم لَا يجوز أَن يلْزمهُم شَرعه بِشَرْط أَن يبلغهم كَمَا يلْزم شَرعه من بعد عَنهُ من أهل عصره إِذا بَلغهُمْ وَلَا يلْزمهُم قبل أَن يبلغهم ﷺ َ - بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ مِمَّا فِيهِ اشْتِبَاه ﷺ َ - اعْلَم أَو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سيكذب عَليّ يدل على أَنه قد كذب عَلَيْهِ أَو سيكذب فِيمَا بعد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ هَذَا الْخَبَر كذبا عَلَيْهِ فقد كذب عَلَيْهِ وَإِن لم يكن كذبا عَلَيْهِ فقد كذب عَلَيْهِ أَو سيكذب عَلَيْهِ بعد هَذَا الْوَقْت وَإِذا جَوَّزنَا أَن يكون قد تقدم الْكَذِب عَلَيْهِ فَلَا بُد من اعْتِبَار الْأَخْبَار المروية وَلَو لم يرو هَذَا الْخَبَر لَكَانَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ يَقْتَضِي اعْتِبَار الْأَخْبَار فَكيف وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر

стр. 546

وَالْأَخْبَار المروية عَن النَّبِي ﷺ ضَرْبَان أَحدهمَا يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَهَا وَالْآخر لَا يعلم أَنه قَالَهَا فالمعلوم أَنه قَالَه إِمَّا أَن لَا تتعارض وَإِمَّا أَن تتعارض فان لم تتعارض وَجب الْعَمَل بهَا إِن تَضَمَّنت عملا وَإِن تَعَارَضَت وَأمكن تَأْوِيل بَعْضهَا على مُوَافقَة بعض فعل ذَلِك بِأَن يحمل أَحدهمَا على الْمجَاز إِمَّا بنسخ أَو تَخْصِيص أَو غير ذَلِك وَإِن لم يُمكن تَأْوِيل بَعْضهَا على مُوَافقَة بعض حملا على التَّخْيِير إِذْ لَيْسَ الْعَمَل على أَحدهمَا أولى من الآخر وَوُقُوع الْعلم بالْخبر يمْنَع من رده من غير تَأْوِيل وَأما الْأَخْبَار الَّتِي لَا يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَهَا فضربان أَحدهمَا يتَضَمَّن عملا وَالْآخر لَا يتَضَمَّن عملا فَمَا لَا يتَضَمَّن عملا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَمَا يتَضَمَّن عملا فقد يجب الْعَمَل بِهِ على شَرَائِط وَقد يرد لفقد تِلْكَ الشَّرَائِط وَقد يحصل فِي بعض ذَلِك اشْتِبَاه وَقد لَا يحصل فِيهِ اشْتِبَاه فَكل ذَلِك يجب رُجُوعه إِمَّا إِلَى الْخَبَر أَو إِلَى مَا للْخَبَر بِهِ تعلق وَهُوَ الرَّاوِي وَكَيْفِيَّة نَقله والمخبر عَنهُ أما الرَّاجِع إِلَى الْخَبَر فبأن يكون فِيهِ زِيَادَة لم تذكر فِي رِوَايَة اخرى فان ذَلِك قد يقْدَح فِي الحَدِيث فِي بعض الْحَالَات وَمِمَّا يشْتَبه الْحَال فِيهِ أَن يُخَالف حفاظ أهل النَّقْل فِي أَلْفَاظ الحَدِيث وَأما مَا يرجع إِلَى الرَّاوِي فضربان أَحدهمَا يرجع إِلَى الْعدَد وَالْآخر يرجع إِلَى الْأَحْوَال أما الرَّاجِع إِلَى الْأَحْوَال فَهُوَ كل مَا قدح فِي الظَّن لصدقه أَن لَا يكون عدلا وَيدخل فِي ذَلِك الْكَذِب والتساهل وقله التحفظ فِيمَا يسمعهُ وَيَرْوِيه ووجوه الْفسق كلهَا وَنَحْو مَا سخف من الْمعاصِي والمباحات وَنَحْو أَن لَا يكون ضابطا وَنَحْو أَن يَعْتَرِيه السَّهْو بعد ضبط الحَدِيث على تَفْصِيل سَنذكرُهُ وَنَحْو أَن يكون مَجْهُولا غير مَعْرُوف الْعَدَالَة وَلَا يرد حَدِيثه إِذا كَانَ لَهُ اسْم يعرف بِهِ وَاسم لَا يعرف بِهِ وَإِذا لم يكثر من رِوَايَة الحَدِيث وَلَا كاثر مجالسة أهل الْعلم أَو رَوَاهُ ثمَّ ذكر بِهِ فَلم يذكرهُ اَوْ كَانَ وَاحِدًا لم يروه مَعَه غَيره وَهَذَا الْقسم يرجع إِلَى الْعدَد واما كَيْفيَّة النَّقْل فأشياء مِنْهَا رِوَايَة الحَدِيث على الْمَعْنى وَمِنْهَا رِوَايَته من كتاب وَهُوَ لَا يذكرهُ وَمِنْهَا التَّدْلِيس وَمِنْهَا الْإِرْسَال وَمِنْهَا إرْسَال الحَدِيث تَارَة

стр. 547

وَإِسْنَاده اخرى وَرِوَايَته تَارَة مَوْقُوفا وَتارَة مَوْصُولا وَأما حَال الْمخبر عَنهُ فبأن يثبت بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع خلاف مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَر كدليل الْعقل وَالْكتاب وَالسّنة الْمَعْلُومَة وَلَا فرق بَين أَن يكون الْخَبَر دافعا للْكتاب وَالسّنة الْمَعْلُومَة على كل حَال أَو على وَجه النّسخ وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ الْخَبَر مُخَصّصا لَهما وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ يعم الْبلوى بِهِ هَل يرد لَهُ خبر الْوَاحِد أم لَا وَلَا يرد إِذا عمل النَّبِي ﷺ بِخِلَافِهِ أَو عمل أَكثر الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ إِذا عَابَ أَكْثَرهم على الرَّاوِي على اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا يرد إِذا خَالف قِيَاس الْأُصُول وَنحن نذْكر أَولا مَا يرجع إِلَى الْخَبَر ثمَّ مَا يرجع إِلَى الْمخبر ثمَّ مَا يرجع إِلَى كَيْفيَّة نَقله ثمَّ مَا يرجع إِلَى الْمخبر عَنهُ إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي الْخَبَر إِذا تضمن زِيَادَة لم تذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى ﷺ َ - اعْلَم أَنه إِذا رُوِيَ الرَّاوِي زِيَادَة فاما أَن يكون لم يروها غَيره أَو لم يروها هُوَ مرّة أُخْرَى وَالْأول ضَرْبَان احدهما أَن يكون من لم يروها لَا يقبل حَدِيثه وَالْآخر أَن يقبل حَدِيثه فَالْأول لَا يمْنَع من قبُول الزِّيَادَة لِأَن راويها مِمَّن يقبل رِوَايَته وَلم يعارضها رِوَايَة مثلهَا يبين ذَلِك أَن الَّذِي لَا يقبل رِوَايَته لَو روى نفي تِلْكَ الزِّيَادَة لم يمْنَع ذَلِك من قبُول الزِّيَادَة فبأن لَا يمْنَع تَركه لذكرها أولى وَإِن كَانَ الَّذِي لم يروها يقبل رِوَايَته فَأَما أَن يعلم انهما أسندا الْخَبَرَيْنِ إِلَى مجلسين أَو إِلَى مجْلِس وَاحِد أَو لَا يعلم ذَلِك من حَالهمَا فان علمنَا أَنَّهُمَا أسنداه إِلَى مجلسين قبلت الزِّيَادَة لِأَنَّهُ لَا معَارض لَهَا لجَوَاز أَن يُقيد النَّبِي ﵇ كَلَامه فِي بعض الْحَالَات دون بعض ثمَّ هَل تِلْكَ الزِّيَادَة نسخ أَو تَخْصِيص قد بَين فِيمَا سلف وَإِن علمنَا أَنَّهُمَا أسنداه إِلَى مجْلِس وَاحِد فاما أَن يكون الَّذِي لم يرو الزِّيَادَة عددا لَا يجوز أَن يغفلوا عَن تِلْكَ الزِّيَادَة الَّتِي رَوَاهَا الْوَاحِد وَإِمَّا أَن يكون الرَّاوِي لَهَا عددا لَا يجوز عَلَيْهِم توهم مَا لم يكن وَإِمَّا أَن يجوز على كلا

стр. 548

الْفَرِيقَيْنِ ذَلِك وَيجوز خِلَافه فَالْأول يمْنَع من قبُول الزِّيَادَة لِأَن من لم يروها إِنَّمَا لم يروها لِأَنَّهَا لم تكن وَيكون الرَّاوِي لَهَا قد سَمعهَا من غير النَّبِي ﷺ فَظن أَنه سَمعهَا مِنْهُ ﵇ وَإِن كَانَ الرَّاوِي للزِّيَادَة عددا كثيرا لَا يجوز عَلَيْهِم توهم مَا لم يكن قبلت الزِّيَادَة لأَنهم مَا رووها إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَت وَإِن لم يكن الرَّاوِي لَهَا وَلَا التارك لَهَا عددا كثيرا فإمَّا أَن تكون الزِّيَادَة مُغيرَة الْإِعْرَاب وَبِنَاء الْكَلَام أَو غير مُغيرَة لذَلِك بل مُنْفَصِلَة فَالْأول كَقَوْلِه أَو نصف صَاع من بر وَكَقَوْلِه أَو صَاعا من بر فَكل وَاحِد من الراويين قد روى مَا يَنْفِي رِوَايَة الآخر لِأَن أَحدهمَا روى النصب وَالْآخر روى الْجَرّ فروايتهما متناقضة فان تفاضلا فِي الضَّبْط عمل على رِوَايَة الأضبط لِأَن مَعَ تعَارض الرِّوَايَتَيْنِ وَكَون كل وَاحِد من الراويين يقبل حَدِيثه يجب التَّرْجِيح وَقُوَّة الضَّبْط وَالْعَدَالَة مِمَّا يرجح بِهِ الْخَبَر وَإِن تَسَاويا فِي الضَّبْط واشتبه علينا الْأَمر فِي تفاضلهما فِيهِ لم تكن رِوَايَة أَحدهمَا بِالْقبُولِ أولى من الْأُخْرَى فَيجب الرُّجُوع إِلَى تَرْجِيح آخر وَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تغير بِنَاء لفظ الحَدِيث وَإِعْرَابه كَمَا رُوِيَ من قَوْله أَو صَاعا من بر وَمَا رُوِيَ من قَوْله أَو صَاعا من بر بَين اثْنَيْنِ فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد روى أَو صَاعا من بر على صُورَة وَاحِدَة وَزَاد أَحدهمَا بَين اثْنَيْنِ فَهَذِهِ الزِّيَادَة تقبل فَصَارَت الزِّيَادَة إِنَّمَا تقبل على شُرُوط مِنْهَا أَن لَا يكثر عدد من لم يروها وَمِنْهَا أَن لاتكون مُؤثرَة فِي لفظ الْمَزِيد عَلَيْهِ وَإِعْرَابه أَو اثرت كَانَ راويها أضبط وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله يقبل الزِّيَادَة سَوَاء أثرت فِي اللَّفْظ أَو لم تُؤثر إِذا أثرت فِي الْمَعْنى وَقبلهَا قَاضِي الْقُضَاة إِذا أثرت فِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَلم يقبلهَا إِذا اثرت فِي إِعْرَاب اللغظ وَحكى أَن اصحاب الحَدِيث لَا يقبلُونَ الزِّيَادَة وَالدّلَالَة على قبُولهَا إِذا اخْتصّت بالشرائط الْمَذْكُورَة أَن الرَّاوِي للزِّيَادَة مِمَّن يجب قبُول خَبره وَلَا معَارض لروايته فَوَجَبَ قبُولهَا كَمَا لَو انْفَرد بِرِوَايَة

стр. 549

الحَدِيث وَلم يروه غَيره وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مِمَّن يقبل لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِالْعَدَالَةِ والضبط وَجَمِيع الصِّفَات الْمَطْلُوبَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَا معَارض لروايته لِأَن التارك لرِوَايَة الزِّيَادَة لم ينفها لفظا وَلَا معنى أما أَنه لم ينفها لفظا فَبين واما أَنه لم ينفها فِي الْمَعْنى فَلِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه نفاها فِي الْمَعْنى إِلَّا من حَيْثُ كَانَ الرَّاوِي الآخر لما سَاق الحَدِيث وَكَانَ قصد اسْتِيفَاؤهُ ثمَّ لم يذكر الزِّيَادَة علم أَنه قد نفاها وَجرى مجْرى أَن ينفيها لفظا وَيُمكن أَن يكون هَذَا الْكَلَام دَلِيلا لَهُ مُبْتَدأ وَالْجَوَاب إِنَّه لَيْسَ يجب أَن يكون إِنَّمَا لم يروها التارك لَهَا لِأَنَّهُ نفاها لَكِن يجوز أَن يكون إِنَّمَا لم يروها لِأَنَّهُ لم يسْمعهَا لسهو اعتراه حِين تكلم بهَا النَّبِي ﷺ أَو لشغل قلب اعتراه أَو تشاغل بعطاس أَو إصغاء إِلَى كَلَام آخر فاذا جَازَ كل ذَلِك بَطل القَوْل بِأَن التارك للزِّيَادَة قد نفاها فِي الْمَعْنى فان قيل فَلم مَا حملتم ترك الرِّوَايَة للزِّيَادَة على أحد هَذِه الْوُجُوه بِأولى من أَن يحملوا رِوَايَة من رَوَاهَا على أَنه تصور أَنه سمع تِلْكَ الزِّيَادَة من النَّبِي ﵇ وَلم يكن سَمعهَا مِنْهُ قيل لِأَن سَهْو الْإِنْسَان عَمَّا سَمعه وتشاغله عَن سَماع مَا جرى بمشهد مِنْهُ يكثر وَلَا يكثر توهم الْإِنْسَان أَنه سمع مَا لم يسمع وَلِأَنَّهُ لَا سَبَب لذَلِك إِلَّا أَنه سمع الزِّيَادَة من الْغَيْر فَظن أَنه سَمعهَا من النَّبِي ﷺ أَو سمع من النَّبِي ﵇ شَيْئا فَظن أَنه سمع مِنْهُ ايضا مَا لَهُ بِهِ ولترك رِوَايَة مَا جرى اسباب كَثِيرَة قد ذَكرنَاهَا فَلذَلِك كَانَ ترك الْإِنْسَان رِوَايَة مَا جرى أَكثر من رِوَايَته مَا لم يجر إِذا لم يتَعَمَّد الْكَذِب فان قيل فَيجب أَن يكون رِوَايَة من روى أَو نصف صَاع من بر أولى من رِوَايَة من روى أَو صَاعا من بر لِأَن فِيهَا زِيَادَة نصف يجوز أَن يكون التارك لَهَا لم يسْمعهَا قيل لَو لم يكن إِلَّا هَذَا لكَانَتْ الزِّيَادَة أولى لَكِن لما تَعَارضا فِي رِوَايَة إعرابين متنافيين لم تكن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أولى من الْأُخْرَى يبين ذَلِك أَنه لَا يُمكن أَن يُقَال لَعَلَّ الَّذِي روى أَو صَاع من بر لم يسمع لَفظه نصف وَسمع لفظ صَاع لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لسمعها مجرورة

стр. 550

إِن قيل فَيلْزم على مَا ذكرْتُمْ أَن الَّذِي لم يرو الزِّيَادَة لَو نفاها لم يُعَارض نَفْيه رِوَايَة من رَوَاهَا قيل إِن قَالَ أعلم أَنه لم تكن هَذِه الزِّيَادَة وأنني مَا سَمعتهَا وَلم يقطعني قَاطع عَن سماعهَا فانه يكون نَاقِلا للنَّفْي ولارتفاع الْمَوَانِع كَمَا نقل الآخر الزِّيَادَة فتتعارض الرِّوَايَتَانِ وَإِن قَالَ لم تكن هَذِه الزِّيَادَة فانه يحْتَمل أَن يكون ذَلِك مَوضِع اجْتِهَاد وَيحْتَمل أَن يُقَال رِوَايَة الْمُثبت أولى لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون النَّافِي إِنَّمَا نفى الزِّيَادَة بِحَسب ظَنّه وَيحْتَمل أَن يُقَال يرجع إِلَى رِوَايَة النَّافِي إِذا كَانَ أضبط وَاحْتج الدافعون للزِّيَادَة بأَشْيَاء مِنْهَا أَن ضبط الرَّاوِي إِنَّمَا يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فاذا لم يُوَافقهُ فِي الرِّوَايَة لم يعرف ضَبطه وَالْجَوَاب إِنَّه لَو لم يثبت ضبط الْإِنْسَان إِلَّا بموافقة ضَابِط آخر لَهُ أدّى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلم يعرف ضبط أحد فَعلمنَا قد يعرف ضبط الْإِنْسَان لغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَوْجُود فِيمَن روى الزِّيَادَة وَأَيْضًا فانما يعرف اختلال ضبط الانسان إِذا خَالفه من يضْبط مرَارًا كَثِيرَة فَأَما الْمرة والمرتان فَلَا يمْتَنع أَن يضْبط هُوَ فِيهَا ويسهو من هُوَ أضبط مِنْهُ وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جمَاعَة لَو كَانُوا فِي مجْلِس فنقلوا عَن صَاحبه كلَاما وَانْفَرَدَ وَاحِد مِنْهُم بِزِيَادَة غير البَاقِينَ مَعَ كثرتهم وَشدَّة عنايتهم بِمَا سَمِعُوهُ وَرَوَوْهُ لأطرح السامعون تِلْكَ الزِّيَادَة الْجَواب إِن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا نَحن بسبيله لأَنا قد قُلْنَا إِن الْجَمَاعَة إِذا تركت الزِّيَادَة كَانَت رِوَايَتهَا أولى وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ التارك للزِّيَادَة أضبط إِذا غيرت الزِّيَادَة اللَّفْظ وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الضَّابِط لَو وَافق هَذَا الرَّاوِي للزِّيَادَة لقوي بموافقته خَبره فَيجب إِذا خَالفه أَن يضعف وَالْجَوَاب إِنَّه بامساكه عَن الزِّيَادَة غير مُخَالف لَهُ كَمَا أَنه بامساكه عَن رِوَايَة خبر آخر لَا يكون مُخَالفا لَهُ وَأَيْضًا فانه إِذا وَجب قَول الزِّيَادَة بمشاركة غَيره من الروَاة لَهُ وَجب إِذا لم

стр. 551

يشاركوه أَن تنقص تِلْكَ الْقُوَّة وَلَيْسَ إِذا نقصت يجب أَن تبلغ حدا فِي الضعْف لَا يقبل الْخَبَر مَعَه أَلا ترى أَنه لَو شَارك الرَّاوِي جمَاعَة فِي خبر فقوي الْخَبَر بذلك فانه إِذا لم يشاركوه فِي الرِّوَايَة بل رَوَاهُ وَحده لَا يجب أَن يَنْتَهِي فِي الضعْف إِلَى حد لَا يجوز أَن يقبل مَعَه فَأَما إِذا لم يعلم هَل اسند المخبران الْخَبَرَيْنِ إِلَى مجْلِس وَاحِد أَو مجلسين وَكَانَت الزِّيَادَة تغير إِعْرَاب الْمَزِيد عَلَيْهِ وَلم يكن الرَّاوِي لَهُ وَلَا التارك لَهَا كَثْرَة فانه يَقْتَضِي التَّوَقُّف وَالرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح لأَنا لَا نَأْمَن أَن يَكُونَا قد اسنداه إِلَى مجْلِس وَاحِد فيتمانعا وَالصَّحِيح أَن يُقَال يجب حمل الْخَبَرَيْنِ على أَنَّهُمَا جَريا فِي مجلسين لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا فِي مجْلِس وَاحِد لجرى على لفظ وَاحِد وَلَو كَانَ اللَّفْظ وَاحِدًا لَكَانَ الظَّاهِر من عدالتهما وضبطهما أَن لَا يخْتَلف روايتهما فَأَما إِذا روى الرَّاوِي زِيَادَة لم يروها هُوَ مرّة أُخْرَى مُتَقَدّمَة أَو مُتَأَخِّرَة وَأَنه إِن أسْند الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى مجلسين قبل ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا لم يعلم أَنه اسندهما إِلَى مجلسين حمل أَنَّهُمَا كَانَا فِي مجلسين وَإِن علمنَا أَنه لم يسندهما إِلَى مجلسين وَكَانَ قد روى الْخَبَر دفعات كَثِيرَة من غير زِيَادَة وَرَوَاهُ مرّة وَاحِدَة بِالزِّيَادَةِ فالأغلب انه سَهَا فِي إِثْبَات الزِّيَادَة لِأَن سَهْو الْإِنْسَان مرّة وَاحِدَة أغلب وَأكْثر من سَهْوه مرَارًا كَثِيرَة فان قَالَ قد كنت أنسيت هَذِه الزِّيَادَة والآن ذكرتها قبلت الزِّيَادَة وَحمل أمره على الْأَقَل النَّادِر لمَكَان قَوْله وَكَذَلِكَ إِن كَانَ لَهُ كتاب يرجع إِلَيْهِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا رَوَاهَا مرّة وأخل بروايتها مرّة وَكَانَت الزِّيَادَة تغير إِعْرَاب الْكَلَام تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ وَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تغير اللَّفْظ احْتمل أَن يتعارضا لِأَنَّهُ على كل حَال قد وهم وهما بَاطِلا إِمَّا زِيَادَة لَا اصل لَهَا وَإِمَّا نِسْيَانا لما كَانَ لَهُ اصل فَلَيْسَ بِأَن يُقَال ضَبطه يمْنَع من أَن يكون قد وهم عِنْد سَمَاعه للْحَدِيث زِيَادَة لَا اصل لَهَا وَأَنه نسي فَلم يروها فِي بعض الْحَالَات وَذكرهَا مرّة أُخْرَى بِأولى من ان يُقَال إِن ضَبطه

стр. 552

يمْنَع من نسيانه لَهَا وَالْأولَى أَن يُقَال أَظُنهُ من رِوَايَته لما لم يسمعهُ توهما مِنْهُ أَنه سَمعه الْأَقْرَب أَن يكون نَسِيَهَا حِين لم يروها لِأَن نِسْيَان الضَّابِط لما سمع عِنْد تطاول الزَّمَان أَكثر وأغلب من ذَهَابه عَن سَماع مَا حَضَره فَوَجَبَ لذَلِك قبُول الزِّيَادَة وَإِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث تَارَة مَعَ زِيَادَة وَتارَة بِغَيْر زِيَادَة استهانة وَقلة تحفظ سَقَطت عَدَالَته وَلم يقبل حَدِيثه وَإِذا كَانَ فِي الْخَبَر لفظ لَا يُفِيد إِلَّا التَّأْكِيد لم يجز إِسْقَاطه لِأَن النَّبِي ﷺ مَا ذكره إِلَّا لفائدة فَأَما إِذا خَالف فِي لفظ الحَدِيث حفاظ أهل النَّقْل فقد ذكر ذَلِك فِي جملَة مَا يرد لَهُ الحَدِيث وَهُوَ دَاخل فِي الزِّيَادَة وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن لِأَن الْخلاف لَيْسَ يَقع بَينهم إِلَّا بِأَن يزِيد أحدهم فِي الحَدِيث مَا لَا يرويهِ الآخر اَوْ يروي أَحدهمَا اللَّفْظ على إِعْرَاب يروي الآخر خِلَافه وَقد تقدم بَيَان ذَلِك كُله ﷺ َ - بَاب فِي ذكر فُصُول أَحْوَال الرَّاوِي ﷺ َ - فصل اعْلَم أَنه لما وَجب رد الْخَبَر إِذا كَانَ الرَّاوِي غير عدل وَجب أَن نذْكر مَا الْعدْل وَمَا الْعَدَالَة ثمَّ نذْكر الدّلَالَة على اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْأَخْبَار أما الْعدْل والعدلة فهما فِي اللُّغَة مصدر مُقَابل الْجور وَهُوَ إيضاف الْغَيْر بِفعل مَا يجب لَهُ وَيسْتَحق عَلَيْهِ وَترك مَا لَا يجب عَلَيْهِ وَلِهَذَا وصف الْعقَاب بِأَنَّهُ عدل لما كَانَ مُسْتَحقّا على المعاقب ويوصف ترك الزِّيَادَة عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عدل ويوصف الثَّوَاب بِأَنَّهُ عدل لما كَانَ وَاجِبا للمثاب فان قيل فَيجب إِذا لم يجب على الْإِنْسَان حق لغيره وَكَانَ مَا يسْتَحقّهُ على غَيره لَا يَسْتَوْفِيه أَن يُوصف بِأَنَّهُ غير عدل قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَن قَوْلنَا غير عدل يُطلق على الجائر وَإِطْلَاق هَذَا الْوَصْف على مَا ذكره السَّائِل يُوهم أَنه جَائِر

стр. 553

وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْعدْل هُوَ فعل حسن يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلَى غَيره بنفعه أَو بضرره وَقد الْتزم على ذَلِك أَن يكون الِابْتِدَاء بالتفضل عدلا قَالَ وَلذَلِك يُقَال إِن الله سُبْحَانَهُ عدل بابتداء الْخلق فِي الدُّنْيَا وَقد تعورف اسْتِعْمَال الْعدْل فِي المستكثر من فعل الْعدْل وَلذَلِك يُوصف الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ عدل وتعورف اسْتِعْمَاله أَيْضا فِيمَن أهل لقبُول شَهَادَته وَيدخل فِي ذَلِك الْحُرِّيَّة وَغَيرهَا وتعورف أَيْضا فِيمَا تقبل رِوَايَته عَن النَّبِي ﵇ وَهُوَ من اجْتنب الْكَبَائِر وَالْكذب والمسخفات من الْمعاصِي والمباحات وَلَا خلاف فِي اعْتِبَار هَذِه الْأُمُور فِيمَن يروي الْخَبَر لِأَن خلاف ذَلِك يقْدَح فِي الثِّقَة لقَوْله لِأَن من تقدم على الْكَذِب لَا يُؤمن مِنْهُ الْكَذِب فِي كل مَا يخبر بِهِ وَمن تقدم على الْفسق وَهُوَ يعْتَقد انه فسق لَا يُؤمن مِنْهُ الْإِقْدَام على الْكَذِب فِي حَدِيثه وَمن تقدم على المسخفات كالتطفيف وكالأكل على الطَّرِيق وَإِن اثمر النَّقْص لَا يُؤمن مِنْهُ الْكَذِب وَإِن أثمر عِنْده النَّقْص والمشارطة على أَخذ الاجرة على الحَدِيث فَهُوَ ابلغ فِي الدناءة من الْأكل على الطَّرِيق وَهُوَ جَار مجْرى اشْتِرَاط الاجرة على صَلَاة النَّافِلَة وَأما الْفسق فِي الاعتقادات إِذا كَانَ صَاحبه متحرجا فِي افعاله فَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ابي على وابي هَاشم أَنه يمْنَع من قبُول الحَدِيث لِأَن الْفسق فِي أَفعَال الْجَوَارِح يمْنَع من قبُول الحَدِيث لكَونه فسقا لَا لِأَنَّهُ من افعال الْجَوَارِح لِأَن الْمُبَاحَات من أَفعَال الْجَوَارِح لَا تمنع من قبُول الحَدِيث وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة فِي الاعتقالات إِذا كَانَت فسقا وَالْجَوَاب إِن الْفسق من أَفعَال الْجَوَارِح إِنَّمَا منع من قبُول الحَدِيث لِأَن فَاعله فعله وَهُوَ يعلم أَنه فسق فقدح ذَلِك فِي الظَّن لصدقه وَلم يُؤمن أَن يقدم على الْكَذِب وَإِن علم أَنه مَحْظُور وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا اعْتقد اعتقادا هُوَ فسق وَقد اشْتبهَ عَلَيْهِ وَهُوَ متحرج فِي أَفعاله إِن قيل أَلَيْسَ لَو فسق وَهُوَ يعلم أَنه فسق لم يقبل حَدِيثه فَكيف يقبل إِذا ضم إِلَى فسقه خَطِيئَة أُخْرَى وَهِي اعْتِقَاده أَن ذَلِك غير فسق قيل إِنَّه إِذا

стр. 554

لم يعْتَقد أَنه فسق لم يقْدَح ذَلِك تحريجه وتنزهه عَن الْكَذِب وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا اعْتقد أَنه فسق وَعند جلّ الْفُقَهَاء أَن الْفسق فِي الِاعْتِقَاد لَا يمْنَع من قبُول الحَدِيث لِأَن من تقدم قد قبل بَعضهم حَدِيث بعض بعد الْفرْقَة وَقبل التابعون رِوَايَة الْفَرِيقَيْنِ من السّلف وَلِأَن الظَّن يقوى بِصدق من هَذِه سَبيله إِذا كَانَ متحرجا فَأَما الْكفْر الَّذِي يخرج بِهِ الْإِسْلَام من جملَة الْإِسْلَام وَأهل الْقبْلَة كاليهودية والنصرانية فانه يمْنَع من قبُول الْخَبَر للاجماع على ذَلِك وَلِأَن الْخَارِج من الْإِسْلَام يَدعُوهُ اعْتِقَاده فِيهِ إِلَى التحريف فِيهِ وَلَا يقوى الظَّن لصدقه وَأما الْكفْر بِتَأْوِيل فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يمْنَع من قبُول الحَدِيث قَالَ لِاتِّفَاق الْأمة على الْمَنْع من قبُول خبر الْكَافِر قَالَ وَالْفُقَهَاء إِنَّمَا قبلوا أَخْبَار من هُوَ كَافِر عندنَا لأَنهم لم يعتقدوا فِيهِ أَنه كَافِر وَالْأولَى أَن يقبل خبر من فسق أَو كفر بِتَأْوِيل إِذا لم يخرج من أهل الْقبْلَة وَكَانَ متحرجا لِأَن الظَّن لصدقه غير زائل وادعاؤه الْإِجْمَاع على نفي قبُول خبر الْكَافِر على الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن كثيرا من أَصْحَاب الحَدِيث يقبلُونَ كثيرا من أَخْبَار سلفنا ﵏ كالحسن وَقَتَادَة وَعَمْرو مَعَ علمهمْ بمذهبهم وإكفارهم من يَقُول بقَوْلهمْ وَقد نصوا على ذَلِك فَأَما من يظْهر مِنْهُ العناد فِي مذْهبه مَعَ ظُهُوره عِنْده فانه لَا يقبل حَدِيثه كَمَا لَا يقبل حَدِيث الْفَاسِق بِأَفْعَال الْجَوَارِح لما كَانَ يعلمهَا فسقا فَأَما من تدين بِالْكَذِبِ لينصر مقَالَته فالظن لَا يحصل بصدقه وَكَذَلِكَ التساهل فِي الحَدِيث وَترك التحفظ من الزِّيَادَة فِيهِ وَالنُّقْصَان مِنْهُ وَأما كَون الرَّاوِي غير ضَابِط لما يسمعهُ أَو يَعْتَرِيه السَّهْو فِيمَا يسمعهُ بعد سَمَاعه لَهُ فَلهُ أَحْوَال ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يكون سَهْوه واختلال ضَبطه أَكثر فيقدح ذَلِك فِي الظَّن لما نَقله إِلَّا أَن يكون مَا نَقله مِمَّا يبعد أَن لَا يضبطه الْإِنْسَان وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول الظَّاهِر من الْعقل الضَّبْط وَقلة السَّهْو لِأَن الْعُقَلَاء يَخْتَلِفُونَ فِي الضَّبْط

стр. 555

وَلَيْسَ لَهُ أَن يَقُول الظَّاهِر من الْعدْل أَنه لَا يروي الحَدِيث وَهُوَ يتهم ضبط نَفسه وَحفظه لِأَن من لَا يضْبط يظنّ أَنه قد ضبط وَمن سَهَا يظنّ أَنه مَا سَهَا فيروي حسب ظَنّه وَالثَّانِي أَن يتساوى ضَبطه واختلاله فَلَا يحصل الظَّن أَيْضا لصِحَّة مَا رَوَاهُ لتعادل الْأَمريْنِ فَلَا يقبل حَدِيثه إِن قيل أَلَيْسَ قد أنْكرت الصَّحَابَة ﵂ على أبي هُرَيْرَة ﵀ كَثْرَة الرِّوَايَة ثمَّ قبلت أخباره قيل إِنَّهَا لم تنكر عَلَيْهِ لقلَّة ضَبطه لَكِن لِأَن الْكَثْرَة يعرض فِيهَا الاختلال والسهو فاحتاطت بالإنكار عَلَيْهِ وَإِن كَانَ أَهلا لقبُول أخباره وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه إِذا تساوى غفلته وَذكره قبل خَبره لِأَن الْخَبَر أَمارَة فَالْأَصْل فِيهِ الصِّحَّة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْخَبَر أَمارَة إِذا تكاملت شَرَائِطه وَلَا تتكامل شَرَائِطه إِلَّا أَن يتَرَجَّح ذكر الرَّاوِي على سَهْوه وَالثَّالِث إِن كَانَ الْأَكْثَر مِنْهُ الذّكر وجودة الضَّبْط قوي الظَّن لصِحَّة رِوَايَته فَقبل خَبره فِيمَا لَا يعلم أَنه سَهَا فِيهِ وَاعْلَم أَنه إِذا ثَبت اعْتِبَار الْعَدَالَة وَغَيرهَا من الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَجب إِن كَانَ لَهَا ظَاهر أَن يعْتَمد عَلَيْهِ وَإِلَّا لزم اخْتِيَارهَا وَلَا شُبْهَة أَن فِي بعض الْأَزْمَان كزمن النَّبِي ﷺ أَنه قد كَانَت الْعَدَالَة منوطة بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ الظَّاهِر من الْمُسلم كَونه عدلا وَلِهَذَا اقْتصر النَّبِي ﷺ فِي قبُول خبر الْأَعرَابِي عَن رُؤْيَة الْهلَال على ظَاهر الاسلام واقتصرت الصَّحَابَة على إِسْلَام من كَانَ يروي الْأَخْبَار من الْأَعْرَاب فَأَما الْأَزْمَان الَّتِي كثرت فِيهَا الْجِنَايَات مِمَّن يعْتَقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ الظَّاهِر من إِسْلَام الْإِنْسَان كَونه عدلا فَلَا بُد من اختباره وَقد ذكر الْفُقَهَاء هَذَا التَّفْصِيل وَلَا يرد حَدِيث من لَا يعرف معنى مَا يَنْقُلهُ كالأعجمي لِأَن جَهله بِمَعْنى الْكَلَام لَا يمْنَع من ضَبطه الحَدِيث وَلِهَذَا يُمكن للأعجمي ان يحفظ الْقُرْآن وَإِن لم يعرف مَعْنَاهُ وَقد قبلت الصَّحَابَة أَخْبَار الْأَعْرَاب وَإِن لم يعرفوا كثيرا من مَعَاني

стр. 556

الْكَلَام مِمَّا يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال فَأَما الصَّبِي فالأغلب أَن النَّفس لَا تثق بروايته فان جَازَ فِي بعض الْحَالَات أَن يغلب الظَّن لصدقه فالشرع مِنْهُ من قبُول خَبره إِذا رَوَاهُ وَهُوَ صبي فان سمع الحَدِيث وَهُوَ صبي وَرَوَاهُ وَهُوَ بَالغ قبل خَبره وَقد قبلت الصَّحَابَة ﵂ رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ حِين سَمعهَا من النَّبِي ﷺ غير بَالغ لما كَانَ حِين رَوَاهَا بَالغا وَيقبل رِوَايَة الْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْأَعْمَى من حفظه لِأَنَّهُ قد يظنّ صدقهم فِي روايتهم وَلم تمنع الشَّرِيعَة من قبُولهَا بل قد قبلت الصَّحَابَة رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَكَانَ ضريرا وَرِوَايَة النِّسَاء وَيقبل رِوَايَة من لم يرو إِلَّا خَبرا وَاحِدًا وَلم يكاثر أهل الْعلم وَلَا أَطَالَ مجالسة أهل النَّقْل لِأَن كل خصْلَة لَا تقدح فِي غَالب الظَّن لصِحَّة الرِّوَايَة وَلم يرد الشَّرْع بِاعْتِبَار نَفيهَا فانها لَا تمنع من قبُول الحَدِيث وَكَون الرَّاوِي غير مجَالِس لأهل الْعلم لَا يقْدَح فِي ظننا صدقه وَيُفَارق ذَلِك استفتاء من لم يُجَالس أهل الْعلم لِأَن جَوَاز الاستفتاء مَوْقُوف على كَون الْمُفْتِي من أهل الِاجْتِهَاد وَلنْ يكون الْإِنْسَان كَذَلِك إِلَّا بالتعلم ومجالسة الْعلمَاء إِلَّا أَنه إِذا تعَارض خبران أَحدهمَا يرويهِ من لم يُجَالس اهل النَّقْل وَالْآخر يرويهِ من جالسهم كَانَت رِوَايَة من جالسهم أولى لِأَن المكثر من مجالسة أهل الصَّنْعَة أخبر بهَا وَأعرف بتفاصيلها وَيقبل حَدِيث الْإِنْسَان وَإِن اخْتلف فِي اسْمه مَتى عرفت عَدَالَته إِمَّا بِظَاهِر الْإِسْلَام وَإِمَّا بطريقة زَائِدَة وَإِذا روى زيد عَن عَمْرو خَبرا فَقَالَ عَمْرو لَا أذكر أَنِّي رويت هَذَا الحَدِيث فَعِنْدَ أبي الْحسن ﵀ لَا يقبل الحَدِيث لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الرِّوَايَة فاذا أنكرها لم يقبل وَكَذَلِكَ رد حَدِيث ربيعَة عَن الزُّهْرِيّ أَيّمَا امراة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل لِأَن الزُّهْرِيّ أنكر أَن يكون رَوَاهُ وَعند الشَّافِعِي وَغَيره أَنه يقبل لِأَن ثِقَة الرَّاوِي تَقْتَضِي قبُول حَدِيثه مَا أمكن وَيُمكن أَن يكون صَادِقا وَإِن لم يذكر الْمَرْوِيّ عَنهُ لِأَنَّهُ يجوز أَن ينسى أَنه رَوَاهُ فقد يحدث الْإِنْسَان بِحَدِيث من أَمر الدُّنْيَا ثمَّ يسهو عَنهُ وَيذكر بِهِ فَلَا

стр. 557

يذكرهُ إِلَّا بعد زمَان طَوِيل وَرُبمَا لم يذكرهُ أصلا فاذا كَانَ كَذَلِك جَازَ للمروي عَنهُ أَن يرويهِ عَن الرَّاوِي كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ حَدثنِي ربيعَة عني فان قَالَ الْمَرْوِيّ عَنهُ مَا رويت هَذَا الحَدِيث جَازَ أَن يكون قَالَ ذَلِك بِحَسب ظَنّه فَلَا يرد الحَدِيث فان قَالَ أعلم أَنِّي مَا رويته فانه تعَارض ذَلِك رِوَايَة من روى عَنهُ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا ثِقَة فَيحْتَمل أَن يكون الْمَرْوِيّ عَنهُ قد رَوَاهُ ثمَّ نَسيَه وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي سَمعه من غَيره مِمَّن لَيْسَ بِثِقَة وأسنده إِلَى من أسْندهُ إِلَيْهِ سَهوا فصل فِي أَن الْخَبَر لَا يرد إِذا كَانَ رَاوِيه وَاحِدًا ذهب جلّ الْقَائِلين بأخبار الْآحَاد إِلَى قبُول الْخَبَر وَإِن رَوَاهُ وَاحِد وَقَالَ أَبُو عَليّ إِذا روى العدلان خَبرا وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن رَوَاهُ وَاحِد فَقَط لم يجز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِأحد شُرُوط مِنْهَا أَن يعضده ظَاهر أَو عمل بعض الصَّحَابَة أَو اجْتِهَاد أَو يكون منتشرا وَحكى عَنهُ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه لم يقبل فِي الزِّنَا إِلَّا خبر اربعة كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلم تقبل شَهَادَة الْقَابِلَة الْوَاحِدَة وَالدَّلِيل على القَوْل الاول قِيَاسه على أَخْبَار الْمُعَامَلَات على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع السّلف عمل أَبُو بكر ﵁ على خبر رَوَاهُ بِلَال وَعمل عمر على خبر حمل بن مَالك وعملت الصَّحَابَة على خبر أبي سعيد فِي الرِّبَا وعملت على خبر أبي رَافع فِي المخابرة وَكَانَ عَليّ ﵇ يسْتَحْلف وَيقبل خبر ابي بكر بِغَيْر استحلاف وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال لَعَلَّهُم قبلوا مَا قبلوه لِأَن اجْتِهَادًا عضده لأَنهم كَانُوا يتركون اجتهادهم لبَعض هَذِه الْأَخْبَار وَكَانُوا لَا يرَوْنَ بالمخابرة بَأْسا حَتَّى رُوِيَ لَهُم عَن النَّبِي ﷺ النَّهْي عَنْهَا وَحجَّة أبي عَليّ ﵀ هِيَ الْمرجع فِي قبُول خبر الْوَاحِد إِلَى الشَّرْع وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لم يعْمل على خبر ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى سَأَلَ ابا بكر وَعمر وَقد اعْتبرت الصَّحَابَة الْعدَد فِي الْأَخْبَار فان ابا بكر لم يقبل خبر الْمُغيرَة فِي الْجدّة حَتَّى رَوَاهُ مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة وَلم يعْمل عمر على خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان

стр. 558

حَتَّى رَوَاهُ مَعَه غَيره وَلَا عمل على خبر فَاطِمَة بنت قيس وَلم يقبلا خبر عُثْمَان فِي رد الحكم وَقَالا إِنَّك شَاهد وَاحِد قَالَ فَعلمت أَن ذَلِك إِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُنكر عَلَيْهِم الْجَواب أما رُجُوع النَّبِي ﷺ إِلَى خبر ابي بكر وَعمر ﵄ فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ فان دلّ فانما يدل على اعْتِبَار ثَلَاثَة ابي بكر وَعمر وَذي الْيَدَيْنِ على أَن الْإِنْسَان قد يخبر عَن أُمُور الدُّنْيَا بِمَا يظنّ خِلَافه فَيرجع فِي تَحْقِيق ذَلِك إِلَى جمَاعَة استظهارا وطلبا لقُوَّة الظَّن فَلَا يدل على أَنه لَا يعول فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَّا على خبر جمَاعَة وَأما طلب الصَّحَابَة لراو آخر فانه لَا يدل على أَنهم اعتقدوا أَنه لَا يعْمل على الْوَاحِد لَو انْفَرد لِأَن الْحَاكِم قد يطْلب شَاهدا ثَالِثا ليقوي ظَنّه وَإِن كَانَ لَو لم يشْهد الثَّالِث عمل على شَهَادَة الِاثْنَيْنِ وَقد يعْمل الانسان فِي امور الدُّنْيَا على خبر الْوَاحِد وَيطْلب فِي بعض الْأَشْيَاء مخبرا ثَانِيًا ليقوي ظَنّه وَقد يضعف الظَّن لصدق الرَّاوِي مرّة وَلَا يضعف لصدقه أُخْرَى وَقد ينْفَرد الْعدْل بالرواية لأمر مستبعد فِي الْعَادة أَو لأمر تَقْتَضِي الْعَادة أَن لَا ينْفَرد بروايته الْوَاحِد وَلَا يظنّ تَعَمّده بِهِ الْكَذِب لَكِن يظنّ بِهِ السَّهْو والغلط وَلَا يظنّ بِهِ ذَلِك مرّة اخرى إِذا انْتَفَت هَذِه الْأُمُور فاذا كَانَ طَرِيق قبُول خبر الْوَاحِد وَالِاجْتِهَاد فِي عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه وَاخْتلفت الاحوال فِي ذَلِك وَوجدنَا الَّذين طلبُوا رَاوِيا آخر هم الَّذين لم يطلبوه فِي حَالَة اخرى علمنَا أَنهم إِنَّمَا طلبُوا مخبرا ثَانِيًا لتقوية الظَّن أَو لِأَنَّهُ اعتراضهم بعض مَا ذَكرْنَاهُ لَا لأَنهم اعتقدوا حظر الْعَمَل على خبر الْوَاحِد على أَنه رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ لأبي مُوسَى مَا اتهمتك وَلَكِنِّي خفت أَن يتقول النَّاس على رَسُول الله ﷺ وَقد بَينا أَن ردة خبر فَاطِمَة بنت قيس إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ نسخ لكتاب الله وَإِنَّمَا لم يعْمل أَبُو بكر وَعمر ﵄ على خبر عُثْمَان ﵁ فِي رد الحكم لِأَن ذَلِك شَهَادَة لِأَنَّهُ إِثْبَات حكم فِي عين لَا يتعداها أَلا ترى أَنَّهُمَا سميا ذَلِك شَهَادَة فَدلَّ ذَلِك على أَنه كَانَ شَهَادَة عِنْدهمَا

стр. 559

وقاس أَبُو عَليّ ﵀ الْخَبَر على الشاهدة لعِلَّة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِخْبَار عَن الْغَيْر يجب عِنْده الْعَمَل فَكَانَ من شَرطه الْعدَد وَهَذِه عِلّة غير مَعْلُومَة فَلَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا فِيمَا يجب فِيهِ الْعلم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تكون الشَّهَادَة إِنَّمَا شَرط فِيهَا الْعدَد لكَونهَا شَهَادَة وَلِهَذَا قبل فَتْوَى الْفَقِيه الْوَاحِد لما لم يكن شَهَادَة وَلِهَذَا لم يعْتَبر فِي الْمخبر مَا اعْتبر فِي الشَّاهِد من الْحُرِّيَّة فصل فِي الْخَبَر إِذا أسْندهُ من أرسل غَيره من الْأَحَادِيث هَل يقبل أم لَا أما من يقبل الْمَرَاسِيل فَلَا شُبْهَة فِي قبُوله واما من لم يقبل الْمَرَاسِيل فكثير مِنْهُم قبله ايضا قَالَ لِأَن إرْسَاله يخْتَص ذَلِك الْمُرْسل دون هَذَا الْمسند وَلَيْسَ إرْسَاله لذَلِك الْخَبَر بِأَكْثَرَ من تَركه رِوَايَته فَوَجَبَ قبُول مُسْنده إِلَّا أَن يُوهم فِيمَا أرْسلهُ أَنه سَمعه مِمَّن أسْندهُ إِلَيْهِ وأتى بِلَفْظ يُوهم ذَلِك فَجرى ذَلِك مجْرى كذبه فيقدح فِي أَمَانَته فَأَما إِذا قَالَ قَالَ فلَان فان ذَلِك لَا يُوهم أَنه سَمعه مِمَّن أسْندهُ إِلَيْهِ فَلَا يقْدَح فِي امانته وَمِنْهُم من لم يقبل مَا اسنده قَالَ إِن إرْسَاله يدل على أَنه إِنَّمَا لم يذكر الرَّاوِي لضَعْفه فِي نَفسه فستره لَهُ وَالْحَال هَذِه خِيَانَة فَلم يقبل حَدِيثه وَاخْتلف من قبل من حَدِيث الْمُرْسل مَا اسنده كَيفَ يقبله فَقَالَ الشَّافِعِي لَا يقبل من حَدِيثه إِلَّا مَا قَالَ فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت وَلَا يقبل إِذا أَتَى بِلَفْظ موهم وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث لَا يقبل حَتَّى يَقُول سَمِعت فلَانا وَأَصْحَاب الحَدِيث يفرقون بَين أَن يَقُول الْإِنْسَان حَدثنِي فلَان أَو أَخْبرنِي فلَان فيجعلون الأول دَالا على أَنه شافهه بِالْحَدِيثِ ويجعلون الثَّانِي مترددا بَين المشافهة بِالْحَدِيثِ وَبَين أَن يكون قد أجَازه أَو كتب بِهِ إِلَيْهِ وَهَذِه عَادَة لَهُم وَإِلَّا فَظَاهر قَوْله أَخْبرنِي يُفِيد أَنه تولى إخْبَاره بِالْحَدِيثِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بالمشافهة

стр. 560

- ﷺ َ - بَاب فِي فُصُول كَيْفيَّة النَّقْل ﷺ َ - فصل فِي رِوَايَة الحَدِيث بِغَيْر لفظ النَّبِي ﷺ هَل يرد لَهُ الحَدِيث أم لَا إِذا رُوِيَ الحَدِيث بِلَفْظ غير لفظ النَّبِي ﷺ فان لم يسند مُسْنده بل زَاد أَو نقص أَو كَانَ أوضح مِنْهُ أَو أُخْفِي مِنْهُ فانه لَا يجوز ذَلِك لِأَن مَا زَاد على كَلَام النَّبِي ﷺ فَهُوَ كذب عَلَيْهِ لَا يجوز قبُوله وَمَا نقص عَنهُ فانه إِمَّا أَن ينبىء عَن أَنه رفع حكما قد اثبته فَلَا يجوز قبُوله أَو يكون فِيهِ كتمان لحكم قد أثْبته وَالْكذب والكتمان محظوران وَلَا يجوز الْعُدُول إِلَى لفظ أظهر من لفظ النَّبِي ﷺ وَلَا أخْفى مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ان يتَعَلَّق الْمصلحَة بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره النَّبِي ﵇ الْخَفي أَو الظَّاهِر أَلا ترى أَنه قد يجوز أَن يكون من الْمصلحَة أَن يعرف الحكم بِاللَّفْظِ الْجَلِيّ تَارَة وبالخفي أَو بِالْقِيَاسِ تَارَة وَإِن سد اللَّفْظ مسد لفظ النَّبِي ﷺ فان اشتبهت الْحَال فِيهِ حَتَّى يكون مَوضِع اجْتِهَاد لم يجز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ان يكون لَو نقل لفظ النَّبِي ﵇ إِلَى غَيره أَن يكون اجْتِهَاد غَيره فِيهِ خلاف اجْتِهَاده وَإِن لم تشتبه الْحَال فِيهِ نَحْو قَول الْقَائِل جلس وَقعد فانه يجوز الْعُدُول عَن أَحدهمَا إِلَى الآخر وَيقبل الْخَبَر وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ ﵏ لِأَنَّهُ إِن وَجب نقل الحَدِيث لأجل اللَّفْظ فَقَط دَفعه الْإِجْمَاع وَإِن وَجب لأجل اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَجب تِلَاوَة اللَّفْظ وَلَا دَلِيل فِي الْعقل وَلَا فِي الشَّرْع يَقْتَضِي كوننا متعبدين بِتِلَاوَة لفظ النَّبِي ﵇ فَبَقيَ أَنه يجب نقل حَدِيثه لأجل الْمَعْنى وَهَذَا الْغَرَض حَاصِل وَإِن عدل الرَّاوِي إِلَى لفظ يقوم مقَام لفظ النَّبِي ﷺ وَفَارق الْأَذَان وَالتَّشَهُّد لِأَن الشَّرْع اقْتضى كوننا متعبدين بِتِلَاوَة ألفاظها فان قاسوا خطاب النَّبِي ﷺ على التَّشَهُّد أعوزتهم على صَحِيحَة تجمع بَينهمَا وَلم يكن ذَلِك بِأولى من قِيَاسه على الشَّهَادَة وَقَول النَّبِي ﷺ نصر الله امرء سمع مَقَالَتي فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب

стр. 561

حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه لَا يمْنَع من نقل حَدِيثه على الْمَعْنى لِأَن من نقل الْمَعْنى يُقَال إِنَّه قد أدّى كَمَا سمع لِأَنَّهُ يُقَال للمترجم من لُغَة إِلَى لُغَة قد أدّى كَمَا سمع على أَنه لَو منع الْخَبَر من نقل الحَدِيث على الْمَعْنى لَكَانَ قد منع من ذَلِك فِيمَا يشْتَبه وَيجوز أَن يخْتَلف الِاجْتِهَاد فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه وَمَا لَا يشْتَبه من الْأَلْفَاظ وَلَا يخْتَلف اجْتِهَاد النَّاس فِي قيام بعضه مقَام بعض يَسْتَوِي فِيهِ النَّاقِص الْفِقْه والكامل الْفِقْه والفقيه وَغير الْفَقِيه وَلِهَذَا يجب أَن يكون النَّاقِل للْحَدِيث على الْمَعْنى من أهل الْعلم ليعلم مَا يشْتَبه الْحَال فِيهِ مِمَّا لَا يشْتَبه فِيهِ فصل فِي الرِّوَايَة من كتاب إِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث من كِتَابه فَلهُ أَحْوَال مِنْهَا أَن يعلم أَنه قَرَأَهُ على شَيْخه أَو حَدثهُ بِهِ وَيذكر أَلْفَاظ قِرَاءَته وَوقت ذَلِك فَلَا شُبْهَة فِي جَوَاز رِوَايَته وَالْأَخْذ بهَا وَكَذَلِكَ إِذا علم الرَّاوِي أَنه قَرَأَ جَمِيع مَا فِي الْكتاب أَو حَدثهُ بِهِ الرَّاوِي وَلم يذكر الفاظ الْقِرَاءَة وَلَا وَقت الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ عَالم فِي الْحَال بِأَنَّهُ قَرَأَ جَمِيع مَا فِي الْكتاب أَو سَمعه مِمَّن حَدثهُ وَمِنْهَا أَن يعلم أَنه مَا سمع مَا فِي الْكتاب أَو يظنّ ذَلِك أَو يجوز سَمَاعه وَيجوز نَفْيه على سَوَاء وَفِي ذَلِك كُله لَا يجوز لَهُ أَن يحدث بِهِ وَلَا يُؤْخَذ بروايته لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يخبر بِمَا يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ أَو ظان أَو شَاك وَمِنْهَا أَن لَا يذكر سَمَاعه لما فِي الْكتاب وَلَا قِرَاءَته لَهُ وَلكنه يغلب على ظَنّه سَمَاعه لَهُ أَو قِرَاءَته لما يرَاهُ من خطه فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون النَّاس قد اخْتلفُوا فِيهِ فَعِنْدَ أبي حنيفه ﵀ لَا يجوز لَهُ أَن يرويهِ وَلَا يجوز الْعَمَل على رِوَايَته لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَقُول حَدثنِي فلَان وَهُوَ لَا يعلم أَنه حَدثهُ إِذا كَانَ ذَلِك حكما عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد حَدثهُ كَمَا لَا يجوز مثله فِي الشَّهَادَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجوز لَهُ الرِّوَايَة وَيجب الْعَمَل عَلَيْهَا لِأَن الصَّحَابَة

стр. 562

كَانَت تعْمل على كتب النَّبِي ﷺ نَحْو عَملهَا على كِتَابه إِلَى عَمْرو بن حزم من غير أَن يرويهِ لَهَا راو بل عمِلُوا لأجل الْخط وَأَنه مَنْسُوب إِلَى رَسُول الله ﷺ فان ثَبت أَنَّهَا عملت عَلَيْهِ من غير رِوَايَة جَازَ أَن يروي الْإِنْسَان من كِتَابه إِذا غلب على ظَنّه سَمَاعه وَيكون إخْبَاره إِخْبَارًا عَن ظَنّه وَيجوز الْعَمَل عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي الْمَرَاسِيل ﷺ َ - الْخَبَر الْمُرْسل هُوَ أَن يسمع الرجل الحَدِيث من زيد عَن عَمْرو فاذا رَوَاهُ قَالَ قَالَ عَمْرو وأضرب عَن ذكر زيد وَاخْتلف النَّاس فِي الرَّاوِي إِذا فعل ذَلِك وَكَانَ مِمَّن يقبل مُسْنده يقبل مرسله أَبُو حنيفَة وَمَالك وابو هَاشم على كل حَال وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح عنيت بالمتكلمين الَّذين قبلوا الْمَرَاسِيل ابا هَاشم دون من لم يقبل إِلَّا خبر اثْنَيْنِ وَقَالَ فِي الدَّرْس إِن أَبَا عَليّ يَقُول إِذا روى الحَدِيث اثْنَان رَوَاهُ أَحدهمَا عَن رجل بَصرِي لم يسمه وَرَوَاهُ الآخر عَن كُوفِي لم يسمه فانه يقبل وَلم يقبل أهل الظَّاهِر وَطَائِفَة من أَصْحَاب الحَدِيث الْمَرَاسِيل على كل حَال وَقبل قوم مَرَاسِيل من يقبل مُسْنده فِي حَال دون حَال وَهِي إِذا اخْتصَّ بِشُرُوط وَالشَّافِعِيّ اعْتبر أحد شُرُوط مِنْهَا أَن يكون ذَلِك الْخَبَر قد أسْندهُ غير مرسله قَالَ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا إِذا لم تقم الْحجَّة باسناد ذَلِك من الْمسند فَأَما إِن قَامَت الْحجَّة باسناده فَالْمُعْتَبر بِهِ دون الْمُرْسل وَمِنْهَا أَن يكون قد أرْسلهُ راو آخر يروي عَن غير شُيُوخ الأول وَمِنْهَا أَن يعضده قَول صَحَابِيّ وَمِنْهَا أَن يعضده قَول أَكثر أهل الْعلم

стр. 563

وَمِنْهَا أَن يكون الْمُرْسل مِمَّن لَا يُرْسل عَمَّن فِيهِ عِلّة من جَهَالَة وَغَيرهَا ثمَّ قَالَ وَمن هَذِه حَاله أحب أَن يقبل مرسله وَلَا أَسْتَطِيع أَن اقول إِن الْحجَّة تثبت بِهِ كثبوتها بالمتصل وَشرط عِيسَى بن ابان فِي قبُول الْمَرَاسِيل أَن يُرْسِلهُ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ أَو تَابِعِيّ التَّابِعين أَو من أَئِمَّة أهل النَّقْل دون من سوى هَؤُلَاءِ وَاحْتج من قبل الْمَرَاسِيل باشياء مِنْهَا إرْسَال الْمُرْسل مَعَ عَدَالَته يجْرِي مجْرى ذكره من أرسل عَنهُ وَقَوله هُوَ عدل عِنْدِي فِي الدّلَالَة على أَنه قد عدله وَلَو قَالَ ذَلِك لقبل حَدِيثه فَكَذَلِك إِذا أرسل وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن إرْسَاله يجْرِي مجْرى ذكره وتعديله لِأَنَّهُ مَعَ عَدَالَته لَا يستجيز أَن يخبر عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا وَله الْإِخْبَار عَنهُ وَلَا يكون لَهُ الْإِخْبَار بذلك إِلَّا وَهُوَ عَالم أَو ظان لِأَن الْخَبَر بِمَا يجوز كَونه ونفيه على سَوَاء قَبِيح وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْزَام النَّاس عبَادَة أَو إطراح عبَادَة عَنْهُم من غير أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ أوجب ذَلِك أَو يَظُنّهُ فَبَان أَن عَدَالَته تَقْتَضِي مَا ذكرنَا وَأما أَن الرَّاوِي إِذا ذكر من رُوِيَ عَنهُ وَقَالَ هُوَ ثِقَة عِنْدِي لزم قبُول خَبره وَإِن لم يذكر أَسبَاب ثقته فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين اصحاب أبي حنيفَة والشافهي وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْجرْح فَعِنْدَ أَصْحَاب ابي حنيفَة لَا يجب أَن يذكر الْإِنْسَان سَبَب الْجرْح وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يصير الْمَجْرُوح مجروحا إِلَّا بِذكر اسباب الْجرْح وَالْأَمر فِي التَّزْكِيَة ظَاهر فان اصحاب الحَدِيث يزكون الرجل من غير أَن يذكرُوا أَسبَاب عَدَالَته وَلِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون ثِقَة زكيا إِذا اجْتنب الْكَبَائِر وَلم يخل بالواجبات فَلَو وَجب ذكر أَعْيَان ذَلِك فِي طول الزَّمَان مَخَافَة أَن يكون فِيهَا مَا لَا تسلم مَعَه عَدَالَة الْإِنْسَان عِنْد السَّامع وَجب مَا يشق احصاؤه بل يتَعَذَّر إِن قيل إِنَّمَا لم يجب على الْمُزَكي ذكر اسباب الْعَدَالَة لهَذِهِ الْمَشَقَّة الَّتِي ذكرتموها وَذَلِكَ غير قَائِم فِي ذكر الْمخبر قيل هَذِه الْمَشَقَّة إِن ثَبت مَعهَا الظَّن لعدالة من زَكَّاهُ الْمُزَكي فَهُوَ غرضنا وَلَيْسَ سَبَب هَذَا الظَّن هَذِه الْمَشَقَّة وَإِنَّمَا سَببه عَدَالَة الْمُزَكي وَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَو لم تثبت مَعهَا عَدَالَته لم يجز الحكم بتزكيته لأجل الْمَشَقَّة إِذْ كَانَ الظَّن لعدالته غير حَاصِل فان قيل إِنَّمَا لم يجب على الْمُزَكي ذكر أَسبَاب عَدَالَة من زَكَاة

стр. 564

لِأَنَّهُ يخبر عَن ظَنّه وَأما الْمخبر فانما يخبر عَن غَيره فَوَجَبَ ذكره قيل وَقد يكون الْإِنْسَان عدلا عِنْد الْمُزَكي بِأَن يُخبرهُ غَيره عَن عَدَالَته فَهُوَ كالمخبر وَأَيْضًا فان هَذَا فرق لَا يُؤثر فِي مَوضِع الْجمع وَذَلِكَ أَن الْمخبر إِنَّمَا أخبر عَن النَّبِي ﷺ وَطَرِيقه إِلَى ذَلِك غَيره كَمَا أَن ظن الْمُزَكي لعدالة من زَكَاة طَريقَة مَعْرفَته بِأَسْبَاب عَدَالَته فَكَمَا لم يجب ذكر ذَلِك لم يجب ذكر الْمخبر فان قيل يلزمكم على مَا ذكرْتُمْ أَن يجْرِي إضراب شُهُود الْفَرْع مَعَ عدالتهم عَن ذكر شُهُود الاصل مجْرى أَن يذكروهم ويعدلوهم وَأَن يلْزم الْحَاكِم الحكم بِشَهَادَتِهِم وَإِن لم يذكرُوا شُهُود الأَصْل كَمَا يلْزمه إِذا ذكروهم وعدلوهم الْجَواب إِن إضرابهم عَن ذكر شُهُود الأَصْل يجْرِي مجْرى مَا ذكرْتُمْ وَلَو تركنَا وَهَذَا الأَصْل لحكمنا بِشَهَادَتِهِم وَإِن لم يذكرُوا شُهُود الأَصْل لَكِن الدّلَالَة منعت من ذَلِك وَلَيْسَ يجب إِذا منعت الدّلَالَة من ذَلِك أَن يمْتَنع أَن يحكم بأخبار الْمَرَاسِيل كَمَا أَن الدّلَالَة قد دلّت على أَن من شَرط الحكم بِشَهَادَة شُهُود الْفَرْع أَن يحملهم شُهُود الأَصْل الشَّهَادَة فاعتبرنا قيام الدّلَالَة على ذَلِك وَلم نعتبره فِي غير هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ لَو لم تقم الدّلَالَة على ذَلِك لأجرينا الشَّهَادَة على الشَّهَادَة مجْرى الشَّهَادَة على الْإِقْرَار وَلَا يشرط فِيهِ أَن يحملهم الشُّهُود الشَّهَادَة كَمَا لَا يشرط أَن يحملهم الْمقر الشَّهَادَة على إِقْرَاره إِن قيل أَلَيْسَ لَو ثَبت عَدَالَة الشُّهُود عِنْد الْحَاكِم لم يسْقط النّظر فِي عدالتهم عَن حَاكم آخر فَهَلا كَانَ ثُبُوت عَدَالَة من أرْسلهُ الْمخبر عِنْده لَا يسْقط عَن غَيره النّظر فِي عَدَالَته قيل فَيجب لَو ذكر الْمخبر من أخبر عَنهُ وعدله أَن لَا يسْقط عَن السَّامع للْخَبَر النّظر فِي عَدَالَته كَمَا لم يسْقط عَن القَاضِي الثَّانِي النّظر فِي عَدَالَة الشُّهُود وَإِن ذكرُوا عِنْده فَلَمَّا لم يجز ذَلِك علمنَا مُفَارقَة الشَّهَادَة للْخَبَر وَمِنْهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة حُكيَ عَن الْبَراء بن عَازِب أَنه قَالَ لَيْسَ كل مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ سمعناه مِنْهُ غير أَنا لَا نكذب وَرُوِيَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ فَلَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِك ذكر أَن الْفضل بن عَبَّاس أخبرهُ بذلك وَرُوِيَ ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ =

стр. 565

أَنه قَالَ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة ثمَّ أسْندهُ إِلَى أُسَامَة وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رمي جَمْرَة الْعقبَة ثمَّ اسند ذَلِك إِلَى الْفضل بن عَبَّاس فَلَو لم يجز الْعَمَل على الْمَرَاسِيل لَكَانَ الْمُرْسل إِذا لم يبين أَنه قد أرسل الحَدِيث جرى مجْرى أَن يروي عَن فَاسق أَو كَافِر على وَجه يُوهم أَنه عدل وَلَا يبين أَنه كَافِر فِي أَن ذَلِك مُنكر وَلَو كَانَ مُنْكرا لأنكروه وَلما اجْتَمعُوا على ترك إِنْكَاره وَمَعْلُوم أَن من أرسل وَمن لم يُرْسل لم يُنكر ذَلِك إِن قيل أَلَيْسَ قد كَانَ عَليّ ابْن أبي طَالب ﵇ يسْتَحْلف من يُخبرهُ عَن النَّبِي ﷺ أَو سَمعه من غَيره عَنهُ وَيجوز أَن يكون حلفه هَل سمع الحَدِيث فِي الْجُمْلَة أم لَا على أَن استحلافه إِنَّمَا كَانَ استظهارا لِأَن أحدا لَا يشرط ذَلِك فِي حَدِيث الثِّقَة وَلِهَذَا لم يسْتَحْلف أَبَا بكر ﵇ على أَن ذَلِك لَا يعْتَرض دليلنا لِأَن دليلنا هُوَ أَنهم لما عرفُوا أَن بَعضهم أرسل لم ينكروا عَلَيْهِ وَلم يرو أَن عليا ﵇ أنكر عَلَيْهِم إِن قيل مَا ذكرتموه من الْأَخْبَار الدَّالَّة على أَنهم أرْسلُوا هِيَ أَخْبَار آحَاد غير مؤدية إِلَى الْعلم فَالْجَوَاب ان كل وَاحِد مِنْهَا وَإِن كَانَ خبر وَاحِد فان مجموعها متواتر وَلقَائِل أَن يَقُول إِن مَا ذكرتموه أَخْبَار يسيرَة وَلَا يصير مَعْنَاهَا متواتر بِهَذَا الْقدر أَلا ترى أَن الْخَبَر الْوَاحِد لَو رَوَاهُ ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة لم يكن متواترا فالأخبار الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة أولى أَن لَا يكون مَعْنَاهَا متواترا فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بهَا إِلَّا ان يُقَال إِنَّه يجوز أَن يحْتَج بأخبار الْآحَاد فِي إِثْبَات مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعَمَل دون الْعلم وَمِنْهَا أَنه لَو لم يقبل الْخَبَر الْمُرْسل لما قبل إِذا جَوَّزنَا كَونه مُرْسلا حَتَّى إِذا قَالَ الرَّاوِي عَن فلَان لم يقبل حَدِيثه لجَوَاز أَن يكون مَا سمع مِنْهُ لكنه أخبر عَنهُ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يقبل الحَدِيث إِلَّا أَن يظنّ أَنه غير مُرْسل نَحْو أَن يَقُول حَدثنَا فلَان أَو سَمِعت فلَانا أَو عَن فلَان وَيكون قد أَطَالَ صحبته لِأَن ذَلِك أَمارَة تدل على أَنه قد سَمعه مِنْهُ وَمَتى لم يعلم أَنه صَحبه لم يكن قَوْله عَن فلَان أَمارَة على أَنه سَمعه مِنْهُ فَلَا يقبل حَدِيثه وَاحْتج من لم يقبل أَخْبَار الْمَرَاسِيل بأَشْيَاء
следующие страницы →