Полный текст (878 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وَلَا يجوز مَعَ اهتمام النقلَة بِالنَّقْلِ أَن يستفيض ذَلِك فَلَا ينْقل وَإِذا ثَبت أَن قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر لَا يكون حجَّة فَجرى مجْرى قَول الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خَالف فِيهِ غَيره فِي أَنه لَا يخص بِهِ الْعُمُوم
стр. 492
الْكَلَام فِي الْأَخْبَار
أَبْوَاب الْأَخْبَار بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب بَاب فِي الاخبار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَصفَة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر بَاب فِي شَرط وُقُوع الْعلم بالأخبار بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ مَا لَيْسَ بمتواتر من الْأَخْبَار وَمَا لَا يقبل فِيهِ ذَلِك بَاب فِي جَوَاز التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِي وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ وَيدخل فِي ذَلِك الْمَرَاسِيل وَغَيرهَا بَاب فِي كَيفَ يَنْبَغِي للراوي أَن يروي وَفِي الْمَفْهُوم من رِوَايَته بَاب فِي الْأَخْبَار المتعارضة بَاب فِيمَا يرجح بِهِ الْخَبَر على غَيره فَالْأول ﷺ َ - بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب ﷺ َ -
أما قَوْله خبر فواقع على قَول مَخْصُوص وَلَيْسَ بواقع على سَبِيل الْحَقِيقَة على الْإِشَارَة وَالدّلَالَة لِأَن من وصف غَيره بِأَنَّهُ مخبر وَبِأَنَّهُ فَاعل للْخَبَر لم يسْبق إِلَى فهم السَّامع لَهُ إِلَّا أَنه مُتَكَلم بِصِيغَة مَخْصُوصَة
فَأَما مَا مَعَه تكون الصِّيغَة خَبرا مستعملة فِي فائدتها فَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِيهِ الْإِرَادَة والأغراض لِأَن صِيغَة الْخَبَر قد ترد وَلَا تكون خَبرا بل تكون أمرا وَلَا تشْتَرط الْإِرَادَة والأغراض فِي كَون الْخَبَر على صِيغَة الْخَبَر
стр. 493
وَأما حد الْخَبَر فقد قيل إِن أهل اللُّغَة حدوه بِأَنَّهُ كَلَام يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب فان قيل أَلَيْسَ قَول الْقَائِل مُحَمَّد ومسيلمة صادقان خبر وَلَيْسَ بِصدق وَلَا كذب قيل قد أجَاب الشَّيْخ أَبُو عَليّ بَان هَذَا الْخطاب يُفِيد صدق أَحدهمَا فِي حَال صدق الآخر فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحدهمَا صَادِق فِي حَال صدق الآخر وَلَو قَالَ ذَلِك كَانَ قَوْله كذبا فَكَذَلِك إِذا قَالَ هما صادقان وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَيْسَ ينبىء هَذَا الْكَلَام عَن أَن صدق أَحدهمَا حَاصِل فِي حَال صدق الآخر وَلَا أَنه قبله وَلَا بعده فَلَا يكون ذَلِك معنى الْكَلَام
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو هَاشم بِأَن هَذَا الْكَلَام يجْرِي مجْرى خبرين أَحدهمَا خبر بِصدق النَّبِي ﷺ وَالْآخر خبر بِصدق مُسَيْلمَة فَكَمَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي مَجْمُوع خبرين متميزين إنَّهُمَا صدق أَو كذب فَكَذَلِك فِي هَذَا الْكَلَام وَلقَائِل أَن يَقُول بِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يجْرِي مجْرى خبرين إِلَّا من حَيْثُ أَفَادَ حكما لشخصين وَذَلِكَ لَا يمْنَع من وَصفه بِالصّدقِ وَالْكذب أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل كل شَيْء قديم كذب وَإِن أَفَادَ حكما لذوات كَثِيرَة
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن مرادنا بقولنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب هُوَ مَا إِذا قيل للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت لم يحظره اللُّغَة وَهَذِه صُورَة هَذَا الْكَلَام فَكَانَ دَاخِلا فِي حد الْخَبَر
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو عبد الله بِأَن هَذَا الْكَلَام كذب فانه يُفِيد الْإِخْبَار عَن شَيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة الصدْق إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى أَحدهمَا كَانَ أَن قَول الْقَائِل كل إِنْسَان أسود كذب لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة السوَاد إِلَى جَمِيعهم وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَى جَمِيعهم
إِن قيل إِذا حددتم الْخَبَر بِأَنَّهُ مَا دخله الصدْق وَالْكذب وحددتم الصدْق بِأَنَّهُ الْإِخْبَار على الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وحددتم الْكَذِب بِأَنَّهُ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ كُنْتُم قد عَرَفْتُمْ الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن الْخَبَر قد عَرفْنَاهُ ولسنا نُرِيد بتحديده أَن نعرفه
стр. 494
وَإِنَّمَا نُرِيد أَن نفصله عَن غَيره فَلم يكن فِيمَا فعلنَا تَعْرِيف الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْغَرَض بِالْحَدِّ التَّمْيِيز فَنحْن إِذا ميزنا وفصلنا الْخَبَر بِالصّدقِ وَالْكذب وميزنا الصدْق وَالْكذب بالْخبر كُنَّا قد ميزنا وفصلنا كل وَاحِد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وكأنا قُلْنَا الْخَبَر يتَمَيَّز بِأَنَّهُ خبر فان صَحَّ ذَلِك فَيجب الِاقْتِصَار على القَوْل بِأَن الْخَبَر هُوَ خبر وَلَا يتَكَلَّف هَذَا التَّطْوِيل وعَلى أَنا إِن كُنَّا قد عرفنَا الْخَبَر وعقلناه فَمن سَأَلنَا عَن حَده فانما سَأَلنَا عَن عبارَة تنبىء عَن هَذَا الْمَعْقُول الْمَعْرُوف لنا فَيجب أَن نأتي بهَا والا لم نَكُنْ قد حددناه وَأَيْضًا فان كُنَّا قد عقلنا جَمِيع معنى الْخَبَر فقد تميز لنا أَيْضا فَيجب أَن نستغني عَن حَده
جَوَاب آخر وَهُوَ أَن قَوْلنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب أردنَا بِهِ مَا لَا يحظر أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت وَلَيْسَ يقف حظر ذَلِك على معرفَة الصدْق وَالْكذب بل ذَلِك يرجع فِيهِ إِلَى اللُّغَة وَهَذَا لَا يَصح أَيْضا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسوغ أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم صدقت أَو كذبت إِذا عرفونا الصِّيغَة وميزوها مِمَّا لَا يَصح أَن يُقَال لمن تكلم بِهِ صدقت أَو كذبت فَالْخَبَر هُوَ مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الصِّيغَة فَيجب أَن يكون حد الْخَبَر هُوَ مَا أنبأ عَنْهَا
وَالْأولَى أَن نحد الْخَبَر بِأَنَّهُ كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الامور إِلَى أَمر من الامور نفيا أَو إِثْبَاتًا وَإِنَّمَا قُلْنَا بِنَفسِهِ لِأَن الْأَمر يُفِيد وجوب الْفِعْل لَا بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد هُوَ استدعاء للْفِعْل لَا محَالة لَا يُفِيد إِلَّا ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد كَون الْفِعْل وَاجِبا تبعا لذَلِك ولصدوره عَن حَكِيم وَكَذَلِكَ دلَالَة النَّهْي على قبح الْفِعْل فَأَما قَول الْقَائِل هَذَا الْفِعْل وَاجِب اَوْ قَبِيح فانه يُفِيد تصريحه تَعْلِيق الْوُجُوب والقبح بِالْفِعْلِ
فَأَما أَقسَام الْخَبَر الصدْق وَالْكذب فَعِنْدَ أبي عُثْمَان الجاحظ أَن الْخَبَر المتناول للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه صدقا أَن يعْتَقد فَاعله أَو يظنّ أَنه كَذَلِك والمتناول للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه كذبا أَن يَعْتَقِدهُ فَاعله أَو
стр. 495
يَظُنّهُ كَذَلِك وَمَتى لم يَعْتَقِدهُ كَذَلِك وَلم يَظُنّهُ لم يكن صدقا وَلَا كذبا وأجراه مجْرى الِاعْتِقَاد فِي خلوه من كَونه علما أَو جهلا إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَلم يقتض سُكُون النَّفس وَحجَّة أبي عُثْمَان هِيَ أَن زيدا إِذا كَانَ فِي الدَّار فَظن ظان أَنه لَيْسَ فِيهَا فَقَالَ زيد فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ صَادِق فَبَطل أَن يكون الْخَبَر إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ كَانَ صدقا على كل حَال وَلَو قَالَ زيد لَيْسَ فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ كَاذِب فَبَطل ان يكون الْخَبَر مَتى تنَاول الشَّيْء لَا على مَا هُوَ كَانَ كذبا على كل حَال وَلَو أخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار وَكَانَ فِيهَا وَهُوَ يَعْتَقِدهُ أَو يَظُنّهُ فِيهَا وصف بِأَنَّهُ صَادِق وَيكون كَاذِبًا إِذا أخبر بانه لَيْسَ فِيهَا وَهُوَ يَظُنّهُ أَو يَعْتَقِدهُ فِيهَا
وَعند جمَاعَة شُيُوخنَا أَن الْخَبَر إِمَّا أَن يكون صدقا أَو كذبا لِأَن الْيَهُودِيّ إِذا قَالَ مُحَمَّد ﷺ لَيْسَ بِنَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ كَاذِب وَوصف خَبره بِأَنَّهُ كذب وَإِن جَازَ أَن لَا يكون مُعْتَقدًا وَلَا ظَانّا لنبوته ﷺ وَإِذا قَالَ قَائِل إِنَّه نَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ صَادِق وَأَن خَبره صدق فَعلم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يشْتَرط الظَّن والاعتقاد فِي كَون الْخَبَر صدقا أَو كذبا
وَقد أفسد قَاضِي الْقُضَاة قَول ابي عُثْمَان بِأَن ظن الْمخبر واعتقاده يرجع إِلَيْهِ لَا إِلَى الْخَبَر فَلم يكن شرطا فِي كَونه كذبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ذَلِك كَمَا أَن إِرَادَة الْمخبر رَاجِعَة إِلَيْهِ وَهِي شَرط عِنْده فِي كَون الْخَبَر خَبرا وَالْكَلَام فِي ذَلِك فِي عبارَة وَالْأولَى أَن نفصل القَوْل فِيهِ فَمَتَى سَأَلَ سَائل عَن رجل قَالَ زيد فِي الدَّار وَهُوَ يَظُنّهُ فِيهَا وَلم يكن فِيهَا هَل هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب أَو لَا فانا نقُول هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب على معنى أَن مخبره على خلاف مَا تنَاوله ونوصف بِأَنَّهُ لَيْسَ بكاذب وَكَلَامه لَيْسَ بكذب لِمَعْنى أَنه لم يقْصد بِهِ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ وَإِذا اخْتلف الْقَصْد بوصفنا لهَذَا الْخَبَر بِأَنَّهُ كذب وَجب أَن لَا يُطلق الْوَصْف عَلَيْهِ بذلك وَأَن يُقيد وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَن أخبر بالشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَهُوَ يظنّ أَنه كَاذِب أَن خَبره يُوصف بِأَنَّهُ صدق وَأَنه صَادِق على هَذَا التَّقْيِيد فَأَما وصف الْيَهُودِيّ بِأَنَّهُ كَاذِب فِي
стр. 496
قَوْله إِن مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِي فَمَعْنَاه أَنه فَاعل لخَبر مخبره على خلاف مَا هُوَ بِهِ وَأَيْضًا فَظَاهر من الْيَهُود العناد وَالتَّقْصِير فِي النّظر فهم مقدمون على هَذَا الْخَبَر مَعَ خوفهم أَن يَكُونُوا كاذبين فوصفوا بِأَنَّهُم كاذبون على طَرِيق الذَّم ﷺ َ - بَاب فِي الْأَخْبَار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا ﷺ َ -
الْأَخْبَار مِنْهَا مَا يعلم سامعها صدقهَا وَمِنْهَا مَا لَا يعلم صدقهَا أما الَّتِي لَا يعلم صدقهَا إِمَّا أَن يعلم كذبهَا أَو لَا يعلم كذبهَا وَلَا صدقهَا وَالَّتِي يعلم صدقهَا إِمَّا أَن يُعلمهُ بِأَمْر مُنْفَصِل عَنْهَا أَو غير مُنْفَصِل عَنْهَا فَالْأول إِمَّا أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يعلم صِحَّته ضَرُورَة بالإدراك أَو غَيره كالإخبار بعلو السَّمَاء على الأَرْض وَبِأَن الْعشْرَة أَكثر من الْخَمْسَة وَإِمَّا أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يعلم صِحَّته بالاستدلال بِالْعقلِ وبالسمع كالخبر عَن حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ وجوب الصَّلَاة وَغير ذَلِك وَأما الَّتِي يعلم صدقهَا بِمَا يتَّصل بالْخبر وَيتَعَلَّق بِهِ فإمَّا أَن يرجع إِلَى أَحْوَال الْمخبر أَو إِلَى أَحْوَال السَّامع
فالاول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الْمخبر لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب أصلا وَالْآخر لَا يجوز كَونه كَاذِبًا فِي ذَلِك الْخَبَر وَإِن جَازَ ان يكذب فِي غَيره فَالْأول أَن يكون الْمخبر حكيما إِمَّا لعلمه وغناه وَإِمَّا لِأَنَّهُ عصم من الْكَذِب إِمَّا لدلَالَة المعجزات وَإِمَّا لشهادة الله وَرَسُوله بذلك كالامة وَأما الْمخبر الَّذِي يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب فِي غير ذَلِك الْخَبَر فانما نعلم صدقه فِي الْخَبَر إِذا لم يكن لَهُ دَاع إِلَى الْكَذِب وَلَا يجوز أَن يشْتَبه عَلَيْهِ الْمخبر عَنهُ وَإِنَّمَا نعلم أَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب إِذا كَانَ المخبرون كَثْرَة يمْتَنع مَعهَا أَن ينظمهم دَاع وَاحِد إِلَى الْكَذِب اتِّفَاقًا أَو تواطؤا
وَأما الرَّاجِع إِلَى السَّامع فإمَّا أَن يرجع إِلَى إِمْسَاكه عَن النكير أَو إِلَى مصيره إِلَى الْخَبَر أما الأول فبأن يخبر الْمخبر بِحَضْرَة من يَدعِي عَلَيْهِ الْعلم بصدقه فَلَا
стр. 497
يُنكره مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأنكره إِمَّا من جِهَة الْحِكْمَة وَإِمَّا من جِهَة الْعَادة فَالْأول أَن يكون من ادعِي عَلَيْهِ الْعلم بِصدق الْخَبَر نَبيا وَأما الثَّانِي فبأن يكون من ادّعى عَلَيْهِ الْعلم جمَاعَة كثيرين وَلَا دَاعِي لَهُم إِلَى الْإِمْسَاك من رَغْبَة وَلَا رهبة
فَأَما الرَّاجِع إِلَى مصيره إِلَى الْخَبَر فَهُوَ أَن لَا يَدعِي على السامعين الْعلم بِهِ لكِنهمْ يصيرون إِلَيْهِ عملا أَو تقبلا أَو تركا لرده على خلاف فِي ذَلِك
فاما الْأَخْبَار الَّتِي يعلم السَّامع كذبهَا فَمِنْهَا مَا يعلم ذَلِك من حَالهَا لأمر مُنْفَصِل عَنْهَا كالأخبار عَمَّا يعلم باضطرار كذبهَا أَو بِدَلِيل سَمْعِي أَو عَقْلِي وَمِنْهَا مَا يعلم ذَلِك من حَالهَا بِأَمْر مُتَّصِل بِهِ وَذَلِكَ رَاجع إِلَى كَيْفيَّة نقل الْخَبَر بِأَن ينْقل خفِيا وَمن حَقه أَن ينْقل ظَاهرا وَإِنَّمَا يكون ذَلِك من حَقه إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ ظَاهرا وقويت دواعي الدّين أَو الْعَادة أَو كليهمَا إِلَى نَقله فَالْأول اصول الشَّرِيعَة وَالثَّانِي أَن يثبت النَّاس على رجل بَيِّنَة فِي مَسْجِد الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة فَلَا يَنْقُلهُ إِلَّا وَاحِد أَو اثْنَان وَالثَّالِث المعجزات فانه قد اجْتمع فِيهَا أَنَّهَا غَرِيبَة بديعة وَأَن الدّين يتَعَلَّق بهَا
فَأَما النَّص الَّذِي تدعيه الإمامية وتدعي لُزُوم الْمعرفَة بِهِ لأهل كل عصر فانه إِذا لم ينْقل نقلا يحجّ وأجمعت الامة على أَنه لَو كَانَ صَحِيحا للَزِمَ الْعلم بِهِ أهل الْأَعْصَار فانا نعلم بُطْلَانه لِأَن الله لَو كلفهم الْعلم بِهِ لجعل لَهُم إِلَيْهِ سَبِيلا فان لم يجمع الْأمة على ذَلِك لم يعلم بُطْلَانه إِلَى بطرِيق آخر لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون صَحِيحا وَيلْزم الْعلم بِهِ من عاصر الإِمَام وَيكون قَول من قَالَ إِن فرض الْعلم بِهِ لَازم لأهل الْأَعْصَار كلهَا بَاطِلا
فَأَما ظُهُور مخبر الْخَبَر فَلَيْسَ بِمُوجب بِانْفِرَادِهِ شياع نَقله لِأَن طُلُوع الشَّمْس ظَاهر وَلم يجب نَقله فَأَما أَن لَا ينْقل الشَّيْء نقل نَظِيره فَلَيْسَ بِمُوجب كذب الْخَبَر إِلَّا أَن تكون الدَّوَاعِي قَوِيَّة إِلَى نَقله فَأَما إِذا لم يكن كَذَلِك فَلَيْسَ بممتنع إِذا لم تقو الدَّوَاعِي إِلَى نَقله أَن يتَّفق نقل نَظِيره نقلا شَائِعا وَلَا
стр. 498
ينْقل هُوَ هَذَا النَّقْل فَأَما جهر النَّبِي ﷺ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَلَو كَانَ على حد جهره بِالْفَاتِحَةِ كلهَا لنقل كنقل الْفَاتِحَة لِأَن الدَّاعِي إِلَيْهِمَا وَاحِد لكنه لَا يمْتَنع أَن يكون النَّبِي ﷺ كَانَ يجْهر بِالْفَاتِحَةِ فِي جَمِيع صلوَات الْجَهْر وَكَانَ يجْهر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَارَة دون تَارَة أَو كَانَ يجْهر بهَا جَهرا خفِيا يسْمعهَا من قوى سَمعه مِمَّن قرب مِنْهُ دون من بعد أَو من ضعف سَمعه حسب عَادَة كثير مِمَّن يبتدىء بِالْقِرَاءَةِ يجْهر بهَا جَهرا قَرِيبا ثمَّ يشْتَد صَوته فَلذَلِك اخْتلف النَّقْل للجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَأَما الْخَبَر الَّذِي إِذا فتش عَنهُ أهل الْعلم وَلم يظفروا بِهِ فِي جملَة الْأَخْبَار بعد اسْتِقْرَار السّنَن فانه يعلم كذبه لعلمنا أَن الْأَخْبَار قد دونت وَرِوَايَة الْخَبَر بَعْدَمَا دونت الْأَخْبَار هِيَ رِوَايَة لما دون وَنَنْظُر فاذا لم يُوجد ذَلِك علمنَا كذبه لأَنا لم نشاهده كَمَا لَو قَالَ الرَّاوِي هَذَا الْخَبَر فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ فَلَا نشاهده فِيهِ
فَأَما مَا يعم الْبلوى بِهِ إِذا لم يشْتَهر نَقله فان كَانَ متضمنا للْعلم فقد تقدم ذكره وَإِن كَانَ متضمنا للْعَمَل فَسَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَأما الْأَخْبَار الَّتِي لَا يعلم صدقهَا وَلَا كذبهَا فَهِيَ أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يقْتَرن بهَا مَا يمْنَع من صِحَّتهَا وَهِي ضَرْبَان مِنْهَا مَا تَتَضَمَّن عملا وَمِنْهَا مَا تَتَضَمَّن علما أما الأول فإمَّا أَن لَا يجب الْعَمَل بهَا بَان لَا تتكامل فِيهَا الشُّرُوط الَّتِي مَعهَا يجب الْعَمَل بهَا وَإِمَّا أَن يجب الْعَمَل بهَا إِمَّا عقلا كأخبار الْمُعَامَلَات وَإِمَّا أَن يجب سمعا كأخبار الشَّرِيعَة وكالشهادات عِنْد من لم يُوجب الْعَمَل بهَا عقلا وَأما المتضمنة للْعلم فَمِنْهَا مَا يُوَافق مُقْتَضى الْعقل وَمِنْهَا مَا لَا يُوَافقهُ فَالْأول يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ قَالَه وَالثَّانِي إِن أمكن تَأْوِيله من غير تعسف يجوز أَن يكون قَالَه وَإِن لم يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف لم يجز أَن يكون قَالَه على ذَلِك الْحَد وَإِنَّمَا يجوز أَن يكون قَالَه مَعَ زِيَادَة أَو نُقْصَان أَو حِكَايَة عَن الْغَيْر
وَاعْلَم أَنه لَا يجوز كَون أَخْبَار الْآحَاد المروية عَن النَّبِي ﷺ كلهَا كذبا لِأَن
стр. 499
الْعَادة تمنع فِي الْأَخْبَار الْكَثِيرَة أَن يكذب رواتها على كثرتها وَاخْتِلَافهمْ وكثرتهم وَلَيْسَ جَمِيع مَا يروي عَنهُ صلوَات الله عَلَيْهِ صدقا لما رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ سيكذب عَليّ فان كَانَ هَذَا الْخَبَر صدقا فقد كذب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ كذبا فقد كذب عَلَيْهِ فِيهِ ﷺ
وَقد كَانَ السّلف يُنكرُونَ كَثْرَة الرِّوَايَة وَحكي عَن شُعْبَة أَنه قَالَ ثلث الحَدِيث كذب وَكثير مِمَّا يتَضَمَّن الْجَبْر والتشبيه مَا لَا يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف شَدِيد لَا يتَعَذَّر مثله فِي كل كَلَام متناقض وَذَلِكَ يمْنَع أَن يَقُوله النَّبِي ﷺ وَلَا يمْنَع أَن يكون من روى ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين فقد تعمد الْكَذِب وَلَا يمْتَنع أَن يثبت أَن بعض الصَّحَابَة الَّذِي رَوَاهَا أَن يكون لحقه سَهْو وَغلط وَأَن يكون النَّبِي ﷺ حَكَاهُ عَن غَيره وَظن الرَّاوِي أَنه حَكَاهُ عَن نَفسه أوخرج عَن سَبَب بِغَيْر فَائِدَته أَو تقدمه مَا يعين حكمه وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل عَلَيْهِ دَاخل وَهُوَ فِي حَدِيث ابتدا أَوله لِأَن معنى الحَدِيث يتَغَيَّر بِحَسب أَوله وَلما ذكرنَا قَالَت عَائِشَة فِيمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ولد الزِّنَا شَرّ الثَّلَاثَة والتاجر فَاجر إِنَّمَا عني ﷺ تَاجِرًا دلّس وَولد زنا سبّ أمه وَقَالَت فِيمَا رُوِيَ عَنهُ الشؤم فِي ثَلَاث الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس أَنه ﷺ حَكَاهُ عَن غَيره وَأنْكرت مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يتعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يواصل رِوَايَة هَذِه الْأَخْبَار وأمثالها لتَكون مضبوطة فَيمْتَنع الزِّيَادَة فِيهَا وَلَو أهملت رِوَايَتهَا لأمكن أَن يزْدَاد فِيهَا فاذا أنكرها مُنكر قَالَ الرَّاوِي إِنَّمَا لم يعرف مَا رويته لِأَنَّهُ مِمَّا أهملت رِوَايَته وَيَنْبَغِي لراويها أَن يتأولها لمن يَرْوِيهَا لَهُ إِن كَانَ يضعف عَن تَأْوِيلهَا أَو يبين لَهُ بُطْلَانهَا إِن لم يُمكن تَأْوِيلهَا ﷺ َ - بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَبَيَان صفة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر ﷺ َ -
أما خبر الله وَخبر رَسُوله وأخبار الْأمة فانما وَقع الْعلم لمخبرها لِأَن حِكْمَة الله تَقْتَضِي صدقه فِي إخْبَاره وَصدق من أظهر عَلَيْهِ المعجز وَأخْبر
стр. 500
بعدالته وَأما الْأَخْبَار المتواترة كالإخبار عَن وجود مَكَّة وَغَيرهَا فقد حُكيَ عَن قوم أَنه لَا علم إِلَّا بالحواس دون الْإِخْبَار وَالَّذِي يبطل قَوْلهم وجد اننا أَنْفُسنَا معتقدة وجود مصر وخراسان سَاكِنة إِلَى غير ذَلِك عِنْد تَوَاتر الْأَخْبَار علينا بهَا فَجرى مجْرى الْمعرفَة بالمشاهدات وَيُفَارق مَا يرويهِ الْوَاحِد والاثنان وَمن خَالف فِي أَنا معتقدون لذَلِك واثقون بِهِ فقد دفع مَا نجده فَلَا وَجه لمكالمته وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا لَو وَقع الْعلم بالأخبار المتواترة لوقع عِنْد الْخَبَر الأول وَالثَّانِي لِأَن من يَقُول وَإِن الْعلم لمخبر هَذِه الْأَخْبَار مكتسب يَقُول إِن شَرط اكتسابه حَاصِل فِي التَّوَاتُر دون الْآحَاد وَمن يَقُول إِنَّه ضَرُورِيّ يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ اخْتَار فعله عِنْد التَّوَاتُر دون الْآحَاد وَله أَن يَقُول مَا ذكره السَّائِل يجْرِي مجْرى الشّبَه وَالْعلم الضَّرُورِيّ لَا يَنْتَفِي بِمَا يجْرِي مجْرى الشّبَه أَلا ترى أَن الْعلم بالمدركات لَا يَنْتَفِي باخْتلَاف المناظر
وَاخْتلف النَّاس فِي الْعلم الْوَاقِع عِنْد التَّوَاتُر فَقَالَ شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِنَّه ضَرُورِيّ غير مكتسب وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي إِنَّه مكتسب وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أصُول الْفِقْه وَنحن نؤمن إِلَى القَوْل فِيهِ لِأَن النَّاس قد ذَكرُوهُ فِي أصُول الْفِقْه ونحيل باستيفائه على مَا ذَكرْنَاهُ فِي شرح الْعمد فَنَقُول إِن الِاسْتِدْلَال هُوَ تَرْتِيب عُلُوم يتَوَصَّل بِهِ إِلَى علم آخر فَكل مَا وقف وجوده على تَرْتِيب عُلُوم فَهُوَ مستدل عَلَيْهِ وَالْعلم الْوَاقِع بالتواتر هَذِه سَبيله لأَنا إِنَّمَا نعلم مَا أخبرنَا بِهِ إِذا علمنَا أَن الْمخبر لم يخبر عَن رَأْيه بل أخبر عَمَّا لَا لبس فِيهِ وَأَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب فنعلم أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب لعلمنا أَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب ونعلم أَنه لَا يجوز كَونه كذبا وَإِن لم يتعمده لعلمنا بظهوره وارتفاع اللّبْس فِيهِ فَإِذا فسد كَونه كذبا ثَبت كَونه صدقا وَمَتى اخْتَلَّ شَرط من هَذِه الشُّرُوط لم نعلم صِحَة الْخَبَر
وَالْقَوْل بعد هَذَا إِن ذَلِك طَرِيق يُمكن مثله فِي كل الْعُلُوم وَأقوى مَا يذكرهُ الذاهبون إِلَى القَوْل الأول محتجين ومعترضين على مَا ذكرنَا هُوَ أَن الْوَاحِد منا
стр. 501
يعلم وجود الصين وَلَا يعلم أَنه اخبره بذلك كَثْرَة وَذَلِكَ بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان يعلم فِي الْجُمْلَة أَنه قد أخبرهُ بذلك من لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب وَإِن لم يعلم أعيانهم وَيعلم أَن كل من يسْأَله عَن الصين إِمَّا أَن يُخبرهُ عَن مُشَاهدَة أَو عَن خبر من شَاهده وَيعلم أَنه لَا يجوز أَن لَا يكون لوُجُود الصين أصل ويتصل الْأَخْبَار عَنْهَا للأزمان الطَّوِيلَة وَلَا يظْهر كذبهَا لأحد من النَّاس وَلَا يجوز أَن يظْهر كذبهَا وَلَا يتحدث بِهِ وَيظْهر الْخلاف فِيهِ وَالْإِنْكَار لَهُ فينتشر
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْعلم الْوَاقِع بالتواتر لَا يَنْتَفِي بالشبه وَهَذِه عَلامَة الضَّرُورِيّ وَهَذَا غير مُسلم لِأَن الْعُلُوم الْمُجَاورَة للضرورية لَا تَنْتفِي بالشبه وَهِي مكتسبة
وَاحْتَجُّوا بَان من لَيْسَ من أهل النّظر كالمراهقين والعوام يعْرفُونَ الْبلدَانِ فَعلم أَن ذَلِك غير وَاقع عَن نظر وَالْجَوَاب أَن النّظر فِي ذَلِك لَيْسَ هُوَ إِلَّا تَرْتِيب الْعُلُوم بأحوال المخبرين وَهَذَا الْقدر يحصل للعامة والمراهقين لِأَن هَؤُلَاءِ لَا يمْتَنع أَن يَتَرَتَّب فِي أنفسهم كثير من الْعُلُوم وَيحصل لَهُم عَن ذَلِك عُلُوم أخر
وَاحْتَجُّوا بِأَن اعتقادنا للاستغناء عَن النّظر فِي الْعلم بالبلدان يصرفنا عَن النّظر فِيهِ فَيجب أَن لَا يَقع منا وَذَلِكَ يخْتل كوننا عَالمين بهَا والمعلوم خِلَافه وَالْجَوَاب أَن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك لَيْسَ هُوَ أَكثر من تَرْتِيب عُلُوم بأحوال المخبرين على مَا ذكرنَا وَذَلِكَ يحصل عِنْد سَماع الْمخبر الْمُتَوَاتر لأَنا نعلم كثرتهم وَامْتِنَاع تواطئهم واتفاق الْكَذِب مِنْهُم وَيعلم ظُهُور الْمخبر وارتفاع اللّبْس فِيهِ وَالْعلم بِصِحَّة الْمخبر عَنهُ يَقع عِنْد ذَلِك من غير استيناف نظر بعد مَا ذَكرْنَاهُ فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر
فَأَما إِذا أخبر الْوَاحِد بِشَيْء لَا لبس فِيهِ بِحَضْرَة جمَاعَة لَا يتَعَمَّد مثلهَا الْكَذِب فَادّعى مشاهدتها لذَلِك وَلم يصرفهَا عَن تَكْذِيبه صَارف بدين وَلَا رهبة وَلَا رَغْبَة فَسَكَتَتْ عَن تَكْذِيبه فانه يعلم صدقه لِأَن استشهاده بهَا إِنَّمَا هُوَ طلب
стр. 502
لإخبارها بِمثل مَا أخبر بِهِ أَو طلب لسكوتها عَن تَكْذِيبه فسكوتها عَن تَكْذِيبه كالإخبار عَن تَصْدِيقه فاذا لم يجز أَن يخبر بصدقه وَهِي عَالِمَة أَنه كَاذِب فَكَذَلِك إِذا سكتت وَأَيْضًا فان نفوس النَّاس مُؤثرَة لتكذيب الْكذَّاب سِيمَا إِذا استشهدها وَمَتى كفت عَن ذَلِك وجدت فِي أَنْفسهَا ضَرَرا فاذا لم يكن فِي مُقَابلَة هَذَا صَارف وَجب أَن تكذبه بأجمعها أَو بَعْضهَا إِن كَانَ كَاذِبًا فاما أَن دَعَاهَا التدين أَو رَغْبَة إِلَى السُّكُوت فان ذَلِك لَا يَسْتَوِي للجماعات فِي إيثارهما على الْإِخْبَار بكذب الْمخبر إِذا علموه كذابا وَأما هَيْبَة السُّلْطَان فانها إِن منعت فِي الْحَال عَن تَكْذِيبه فانها لَا تمنع فِي الْمُسْتَقْبل فِي غير ذَلِك الْمجْلس وَلَا تمنع من إِظْهَار ذَلِك إِلَى الإخوان والأصدقاء فَلَا يلبث ذَلِك أَن يشيع وَيظْهر وَلِهَذَا لَا يطْمع السُّلْطَان فِي أهل بَغْدَاد أَن يشْتَهر بهم الْحَال فِي ترك تَكْذِيب الْمُدَّعِي أَن بَين الْبَصْرَة وبغداد بَلَدا أكبر مِنْهُمَا
فاما خبر الْمخبر بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ فانه إِمَّا أَن يَدعِي عَلَيْهِ مشاهدته أَو لَا يَدعِي ذَلِك فان ادَّعَاهَا فسكوت النَّبِي ﷺ عَن الرَّد عَلَيْهِ مَعَ كَونه كَاذِبًا موهم صدقه فاذا سُكُوته دَلِيل على صدقه وَإِن لم يدع مشاهدته فإمَّا أَن يكون مَا أخبر بِهِ من أُمُور الدّين أَو الدُّنْيَا فان كَانَ من الدّين فإمَّا أَن يكون قد علم خلاف ذَلِك من شَرعه أَو لم يعلم ذَلِك فان لم يعلم ذَلِك فسكوته دَلِيل على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأوهم صدقه وَإِن كَانَ قد علم خلاف ذَلِك من شَرعه فاما أَن يكون ذَلِك مِمَّا يجوز أَن يتَغَيَّر شَرعه فِيهِ أَو لَا يجوز فان جَازَ تغيره كَانَ سُكُوته دَلِيلا على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأوهم تغيره مَعَ أَنه مَا تغير وَلِأَن بسكوته قد ترك أَن يُنكر عَلَيْهِ فعلا قبيحا وَهُوَ كذبه وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يجوز أَن يتَغَيَّر شَرعه فِيهِ لم يجب إِنْكَاره إِذا لم يُؤثر إِنْكَاره لِأَنَّهُ لَا ايهام فِي سُكُوته وَلَا هُوَ ترك لما يُؤثر فِي إِزَالَة الْمُنكر وَلِهَذَا لَا يجب عَلَيْهِ مُوَاصلَة الْإِنْكَار على الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين كَانَ يشاهدهم يتظاهرون بانحرافهم إِلَى الْإِسْلَام وَإِن كَانَ يُؤثر إِنْكَاره فَلَا بُد من إِنْكَاره لوُجُوب إِنْكَار الْمُنكر إِذا أثر وَذَلِكَ نَحْو إِنْكَار الْمعاصِي على بعض أمته لِأَنَّهُ لَا
стр. 503
بُد من أَن يكون لإنكاره على من يعْتَقد نبوته تَأْثِير وَإِن كَانَ مَا أخبر عَنهُ الْمخبر من أُمُور الدُّنْيَا فسكوته عَن تَكْذِيبه يَقْتَضِي كَونه عَالما بصدقه أَو غير عَالم بصدقه وَلَا بكذبه وَلَا يجوز كَونه عَالما بكذبه وَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ فان علمنَا أَنه لَا يخفي عَلَيْهِ صدقه من كذبه فسكوته دَلِيل على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لَكَانَ مَا أَتَاهُ قبيحا يلْزم إِنْكَاره كَسَائِر الْمُنكر
فَأَما خبر الْوَاحِد إِذا أَجمعت الامة على مُقْتَضَاهُ وحكمت بِصِحَّتِهِ فانه يقطع على صِحَّته لِأَنَّهَا لَا تجمع على خطأ وَإِن لم تحكم بِصِحَّتِهِ فَعِنْدَ الشَّيْخ أبي هَاشم وَأبي الْحسن وَأبي عبد الله ﵏ أَن الْأمة لَا تجمع على مُقْتَضى خبر الْوَاحِد إِلَّا وَقد قَامَت بِهِ الْحجَّة وَعند غَيرهم أَنه لَا تكون الْحجَّة قد قَامَت بِهِ وَلَا مَقْطُوعًا على معينه لِأَن الامة إِذا اعتقدت وجوب الْعَمَل بالْخبر المظنون لم يسْتَحل أَن يروي لَهَا خبر وَاحِد قد تكاملت فِيهِ شَرَائِط الْعَمَل فتعمل بِهِ لِأَن الْعَمَل يتبع الاعتقادات وَلِهَذَا جَازَ أَن يجمعوا على الحكم بِالِاجْتِهَادِ لما كَانُوا قد اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل بِهِ وَجَوَاز ذَلِك فِي خبر الْوَاحِد أولى لِأَنَّهُ أظهر
فان قَالُوا إِذا أجمعنا على وجوب الِاجْتِهَاد قَطعنَا على الِاجْتِهَاد قيل إِن أردتم أَنكُمْ تقطعون على أَن الأمارة كَانَت مَقْطُوعًا بحكمها قبل الْإِجْمَاع لم يَصح لِأَن الأمارة لم تكن دلَالَة وَإِن أردتم أَن الأمارة بعد الْإِجْمَاع يقطع على تعلق الحكم بهَا فَلَيْسَ لذَلِك معنى إِلَّا أَن الحكم مَقْطُوع بِهِ لَا يجوز خِلَافه وَهَكَذَا نقُول فِي حكم الْخَبَر الْمجمع عَلَيْهِ وَذَلِكَ غير القَوْل بِأَن الْخَبَر قد قَالَه النَّبِي ﷺ وَحجَّة الْأَوَّلين هِيَ أَن الْعَادة جَارِيَة فِي أمتنَا أَنَّهَا لَا تجمع على مُقْتَضى خبر وَاحِد إِلَّا وَقد قَامَت الْحجَّة بِهِ أَلا ترى أَن مَا لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يتفقوا على مُقْتَضَاهُ كَحَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ تطيب لحُرْمَة قبل إِحْرَامه وَحَدِيث بروع بنت واشق وَأما الْأَخْبَار عَن أصُول الصَّلَوَات والزكوات فانه لما قَامَت الْحجَّة بهَا أَجمعُوا على حكمهَا وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم
стр. 504
إِن أردتم أَن أَكثر أَخْبَار الْآحَاد لم يتفقوا على مُوجبهَا قيل لكم قد جوزتم كَون بَعْضهَا لم تقم الْحجَّة بِهِ وَقد وَقع الْإِجْمَاع على حكمه فان قَالُوا نقيس الأول على الْأَكْثَر الَّذِي اختبرناه فَعرفنَا أَن الْإِجْمَاع لم يَقع على حكمه إِلَّا بعد قيام الْحجَّة بِهِ بعلة أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد قيل لَهُم لم زعمتم صِحَة هَذِه الْعلَّة وَأَيْضًا فان من يعْتَقد وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا روى لَهُ خبر وَاحِد وَلم يعْمل بِهِ لَا يَقُول إِنَّمَا لم أعمل بِهِ لِأَنَّهُ خبر وَاحِد بل يَقُول إِنَّمَا لم أعمل بِهِ لِأَنَّهُ لم تتكامل فِيهِ شَرَائِط الْعَمَل أَو يتاوله وَيصير إِلَى غَيره فَبَان أَنه لَيْسَ الْعلَّة فِي أَن لَا يعْمل بِهِ كَونه خبر وَاحِد ثمَّ ينْقض عَلَيْهِم بِخَبَر عبد الرَّحْمَن فِي جِزْيَة الْمَجُوس وَخبر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين لِأَن الصَّحَابَة أَجمعت على مُقْتَضى ذَلِك لأجل الْخَيْر من غير ان قَامَت الْحجَّة بِهِ لأَنهم أَجمعُوا عِنْد سَماع الْخَبَر من غير تجدّد شَيْء آخر وَلِهَذَا صَحَّ أَن يسْتَدلّ باجماعهم على ذَلِك على أَنهم أَجمعُوا على الْعَمَل بأخبار غير مَقْطُوع بهَا وَإِن أردتم أَنكُمْ عَرَفْتُمْ أَن كل خبر وَاحِد لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يجمعوا على حكمه قيل لم زعمتم ذَلِك وَمَا أنكرتم أَن يكون كثيرا مِمَّا أَجمعُوا على حكمه من أَخْبَار الْآحَاد لم تقم بِهِ الْحجَّة بِهِ وَلَو كَانَ كل مَا اجْمَعُوا على مُقْتَضَاهُ قد قَامَت الْحجَّة بِهِ لم يَصح الِاسْتِدْلَال باجماع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد
وَيُمكن أَن يحتجوا فيقولوا إِذا أَجمعُوا على مُوجب الْخَبَر وَجب كَون الْخَبَر حَقًا لأَنهم لَا يجمعُونَ على خطأ وَلَا يجوز أَن يُقَال إِذا أَجمعُوا على حكمه قَطعنَا على أَن الْخَبَر حق وَإِن لم تكن الْحجَّة قد قَامَت بِهِ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَنهم لَا يتَّفق مِنْهُم الْإِجْمَاع على خبر إِلَّا وَقد قَالَه النَّبِي ﷺ من غير حجَّة دلتهم على ذَلِك وَمثل ذَلِك لَا يحصل بالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يجوز أَن يتَّفق مِنْهُم الصَّوَاب من غير دلَالَة وَالْجَوَاب إِنَّهُم لم يجمعوا على صِحَة الْخَبَر فَيكون صَحِيحا وَإِنَّمَا أَجمعُوا على حكمه وَذَلِكَ يدل على أَن حكمه حق وصواب وَلَا يمْتَنع أَن يقطع على صِحَة الحكم وَإِن كَانَ الْخَبَر مظنونا غير مَقْطُوع بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه
стр. 505
فاما خبر الْوَاحِد إِذا عمل عَلَيْهِ أَكثر الصَّحَابَة وعابوا على من لم يعْمل بِهِ فحكي عَن عِيسَى بن أبان أَنه يقطع بِهِ وَالصَّحِيح أَنه لَا يقطع بِهِ لِأَن قَول أَكثر أهل الْعَصْر من الْمُجْتَهدين لَيْسَ بِحجَّة وَالْأولَى أَن يسْتَدلّ فِي تَحْرِيم بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدا بِحَدِيث أبي سعيد ﵁ لَا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة لِأَن ابْن عَبَّاس يخالفهم
فَأَما إِذا عمل بعض الصَّحَابَة بِخَبَر وَاحِد وتأوله الْبَاقُونَ فَلَا يجب الْقطع بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاتِّفَاق مِنْهُم على أَن النَّبِي ﷺ قَالَه لِأَن الْوَاجِب على الْمُجْتَهد أَن يعْمل بِهِ أَو يتأوله
وَأما إِذا تضمن خبر الْوَاحِد علما وَجَاز أَن يَقُوله النَّبِي ﷺ فان إمْسَاك الصَّحَابَة عَن إِنْكَاره لَا يدل على أَن النَّبِي ﷺ قَالَه لجَوَاز أَن يَكُونُوا إِنَّمَا أَمْسكُوا عَن ردة لتجويزهم أَن يكون النَّبِي ﷺ قد قَالَه ﷺ َ - بَاب فِي شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر ﷺ َ -
اعْلَم أَن من جعل الْعلم الْوَاقِع بالتواتر مكتسبا يشرط فِي وُقُوع الْعلم بِهِ أَن يكون المخبرون كَثْرَة يمْتَنع مَعهَا اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم والتواطؤ عَلَيْهِ وَأَن يَكُونُوا إِنَّمَا أخبروا بِهِ مضطرين وَإِنَّمَا شرطنا ذَلِك لأَنا لَو جَوَّزنَا أَن يشتركوا فِي الْكَذِب اتِّفَاقًا أَو بتواطؤ أَو تراسل لم نَأْمَن أَن يَكُونُوا كذبُوا لهذين الْوَجْهَيْنِ وَلَو جَوَّزنَا أَن يَكُونُوا قد الْتبس عَلَيْهِم مَا أخبروا بِهِ فظنوا أَنهم محقون فِيهِ وهم غير محقين لم نثق بِصِحَّة مَا اخبروا بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن مَا تكاملت فِيهِ هَذِه الشَّرَائِط من الْأَخْبَار يعلم صِحَّتهَا لِأَن مَا أخبر بِهِ المتواترون لَو كَانَ كذبا لم يخل إِمَّا أَن يَكُونُوا قد اعتقدوا كَونه كذبا وتعمدوه أَو يَكُونُوا لم يعتقدوا ذَلِك بل ظنوه صدقا وَهَذَا الاخير غير حَاصِل فِيمَا هُوَ مَعْلُوم باضطرار لِأَنَّهُ لَا لبس فِي ذَلِك وَلَا اشْتِبَاه وَإِن كَانُوا تعمدوا الْكَذِب فَأَما
стр. 506
أَن يَكُونُوا تعمدوه لغير دَاع أَو لداع والاول بَاطِل لِأَن الْمُمَيز لَا يفعل إِلَّا لداع سِيمَا مَا لَهُ عَنهُ صَارف وَإِن كَانُوا تعمدوه لداع فإمَّا أَن يرجع الدَّاعِي إِلَى الْخَبَر أَو إِلَى غَيره وَالْأول بَاطِل لِأَن الرَّاجِع إِلَى الْخَبَر هُوَ كَونه كذبا وَذَلِكَ يصرف عَن فعله وَيُفَارق إخبارهم بِالصّدقِ عَمَّا فِيهِ فَائِدَة لِأَن الْفَائِدَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَكَون الْخَبَر صدقا لَا يصرف وَمَا يرجع إِلَى غير الْخَبَر فَهُوَ إِمَّا الدّين أَو الدُّنْيَا من رَغْبَة أَو رهبة وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَفْعَلُوا ذَلِك لداع وَاحِد من هَذِه الدَّوَاعِي وَإِمَّا أَن يَفْعَله بَعضهم لبَعض هَذِه الدَّوَاعِي وَبَعْضهمْ يفعل للْبَعْض الآخر وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تحصل لَهُم هَذِه الدَّوَاعِي بتراسل أَو تحصل لَهُم من غير تراسل وَلَا تشاعر أما التدين الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِخْبَار بِخِلَاف مَا يعلم باضطرار فتدين ظَاهر الْبطلَان وَلَيْسَ يجوز أَن يشْتَرك الْخلق الْعَظِيم فِي تَرْجِيح مَا قد ظهر فَسَاده من التدين على مَا فِي عُقُولهمْ من تجنب الْكَذِب والنفور مِنْهُ سِيمَا إِذا علم الْكذَّاب أَن غَيره يعلم أَنه كَاذِب بل لَا بُد أَن يخْتَلف أَحْوَال الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فِي ذَلِك إِن لم يتفقوا على تجنب الْكَذِب والعدول عَن ذَلِك التدين الظَّاهِر الْبطلَان وَلَا فرق فِيمَا ذَكرْنَاهُ بَين أَن يكون قد دخلت عَلَيْهِم شُبْهَة فِي ذَلِك التدين أَو لم تكن دخلت عَلَيْهِم شُبْهَة لِأَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة لَا يتساوون فِي تَرْجِيح الشُّبْهَة على مَا فِي عُقُولهمْ من استقباح الْكَذِب كَمَا لَا يجوز أَن يتساووا فِي مأكل وَاحِد وسلوك طَرِيق وَاحِد وَأما الرَّغْبَة واعتقاد الْمَنْفَعَة فقد تكون رَجَاء عوض عَن الْكَذِب وَقد تكون إِيثَار إطراف النَّاس فكثير من النَّاس يحبونَ أَن يخبروا غَيرهم بِمَا لَا أصل لَهُ ليطرفوهم ويقربوا بذلك من قُلُوبهم وَالْجَمَاعَات لَا يتساوون فِي إِيثَار ذَلِك على إطراح الْكَذِب وَلَا يتساوون فِي الافتقار إِلَى مَا وَقعت الرَّغْبَة بِهِ بل كثير مِنْهُم لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكثير مِنْهُم يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يؤثره على الصدْق فَأَما رَغْبَة السُّلْطَان ورهبته فانهما لَا تجمعان الْجمع الْعَظِيم على الْإِخْبَار بِمَا يعلمونه بَاطِلا أَلا ترى أَن السُّلْطَان لَا يُمكنهُ ذَلِك فِي جَمِيع أهل بَغْدَاد لِأَنَّهُ لَا يُحِيط بهم إحصاؤه حَتَّى يصير كل وَاحِد مِنْهُم مُضْطَرّا إِلَى الْخَبَر وَقد تغري رهبة السُّلْطَان كثيرا من النَّاس بالتحدث بالشَّيْء
стр. 507
على حَقِيقَته عِنْد الإخوان والثقات وَلَا يلبث بذلك أَن يشيع الْخَبَر الصَّحِيح فِي النَّاس وَرُبمَا علمنَا فِي كثير من الْأَشْيَاء أَنه لَا غَرَض للسُّلْطَان فِي أَن نخبر عَنْهَا بِالْكَذِبِ وَأَنه لَا غَرَض للمخبرين فِي ذَلِك وَلَا يجوز إبِْطَال هَذَا الْقسم بِأَنَّهُ لَو كَانَ السُّلْطَان أرهبهم لظهر لِأَنَّهُ يُقَال فِي ذَلِك مَا أنكرتم أَن يكون السُّلْطَان دعاهم بالرهبة إِلَى كتمان الرهبة وَلَا يجوز أَن تكون الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة بَعْضهَا يخبر بِمَا يعلم كذبا بالرغبة وَبَعضهَا لرهبة وَبَعضهَا للتدين لِأَن كلامنا فِي جمَاعَة عَظِيمَة أبعاضها جمَاعَة عَظِيمَة يمْتَنع تَسَاوِي أحوالها فِي قُوَّة هَذِه الدَّوَاعِي وإيثارها على استقباح الْكَذِب والنفور عَنهُ مَعَ مَا فِي طباع النَّاس من محبَّة التحدث بِمَا كَانَ وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال إِن الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة قد يكون أَن تخبر بِمَا تعلمه كذبا أَو تكْتم ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد والإثنين لِأَنَّهُ إِن جَازَ ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة إِلَّا الْوَاحِد جَازَ مَعَ ذَلِك الْوَاحِد وَوَجَب لَو لم يكن فِيهَا ذَلِك الْوَاحِد أَن يجوز أَن يجتمعوا على الْكَذِب وَفِي ذَلِك جَوَاز الْكَذِب على المتواترين
فَهَذِهِ الشَّرَائِط يَعْتَبِرهَا من يَقُول إِن الْعلم بالتواتر مكتسب وَمن يَقُول إِنَّه ضَرُورِيّ لَا يَعْتَبِرهَا وَيَقُول إِن الْعلم لَا يحصل بتأمل أَحْوَال المخبرين وَإِنَّمَا يحصل من فعل الله سُبْحَانَهُ فان فعله الله سُبْحَانَهُ علمنَا تَكَامل شُرُوط التَّوَاتُر فِي الْخَبَر وَإِن لم يَفْعَله علمنَا أَنه لم تتكامل الشَّرَائِط فِيهِ ونقول إِن الْعلم الضَّرُورِيّ لَو لم يحصل بالتواتر لَكَانَ يسْتَدلّ بِهِ ويشرط فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من الشَّرَائِط ونقول أَيْضا يجوز أَن لَا يَقع الْعلم الضَّرُورِيّ بِخَبَر الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ فان لم يَقع الْعلم بخبرهم الضَّرُورِيّ أمكن أَن يسْتَدلّ بِهِ إِن حصلت فِيهِ الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا
ويشرطون فِي حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بالتواتر أَشْيَاء
مِنْهَا أَن لَا يكون السامعون عَالمين بِمَا أخبروا بِهِ باضطرار وَلَيْسَ يَلِيق الْكَلَام فِي ذَلِك بأصول الْفِقْه وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الشَّرْح للعمد
стр. 508
وَمِنْهَا أَن يكون المخبرون أَكثر من أَرْبَعَة
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا مضطرين إِلَى مَا أخبروا عَنهُ وَمن حكمه أَنه إِذا وَقع الْعلم بِخَبَر عدد أَن يَقع بِخَبَر من ساواه فِي ذَلِك الْعدَد فاذا وَقع الْعلم لعاقل أَن يَقع لكل عَاقل
أما وُقُوع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة فَمن قَالَ إِن الْعلم بالأخبار مكتسب فانه يَقُول إِنَّمَا يَقع الْعلم بالتواتر لِأَنَّهُ قد علم أَن المخبرين لَا دَاعِي لَهُم إِلَى الْكَذِب وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك إِذا علم اسْتِحَالَة اشتراكهم فِي دَاع وَاحِد اتِّفَاقًا أَو تواطؤا وَالْأَرْبَعَة لَا يعلم اسْتِحَالَة كلا الْأَمريْنِ عَلَيْهِم فَلم يَقع الْعلم بخبرهم وَأما من يَقُول الْعلم الْوَاقِع بالتواتر ضَرُورِيّ فانه يَقُول لَو وَقع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة عَن مُشَاهدَة لوقع بِخَبَر كل أَرْبَعَة اضطروا إِلَى مَا أخبروا عَنهُ فَكَانَ يجب إِذا شهد أَرْبَعَة أَنهم شاهدوا فلَانا يَزْنِي أَن يسْتَغْنى القَاضِي عَن السُّؤَال عَنْهُم لِأَنَّهُ إِن علم صدقهم فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى السُّؤَال عَنْهُم وَإِن لم يعلم صدقهم علم أَنهم كذبة أَو بَعضهم فيستغني أَيْضا عَن السُّؤَال وَلَا يُقيم الْحَد وَفِي الْإِجْمَاع على وجوب إِقَامَة الْحَد وَإِن لم يضْطَر إِلَى صدقهم على أَن الْعلم لَا يَقع بِخَبَر أَرْبَعَة
وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك كَون الشُّهُود مخبرين بِلَفْظ الشَّهَادَة لَا بِلَفْظ الْخَبَر لِأَن اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ لَا يُؤثر فِي ذَلِك أَلا ترى أَن الْأَخْبَار المتواترة بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية سَوَاء فِي وُقُوع الْعلم وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن من شَرط الشَّهَادَة أَن يجتمعوا فِي الشَّهَادَة وَذَلِكَ يجوز وُقُوع التواطؤ مِنْهُم لِأَن اجْتِمَاع الْأَرْبَعَة عِنْد الْخَبَر وافتراقهم سَوَاء فِي تَجْوِيز كَونهم متواطئين فان جَازَ فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ وُقُوع الْعلم بخبرهم جَازَ مثله فِي الْحَالة الْأُخْرَى
إِن قيل فَيجب إِذا وَجب على الْحَاكِم أَن يُقيم الْحَد بِشَهَادَة خَمْسَة وَإِن لم يضْطَر إِلَى الْعلم بصدقهم أَن يدل ذَلِك على أَن الْعلم الضَّرُورِيّ لَا يَقع بِخَبَر خَمْسَة قيل لَا يجب ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يَقع الْعلم بِخَبَر خَمْسَة وَأَن يكون
стр. 509
الْحَاكِم إِنَّمَا لم يعلم ضَرُورَة صدق هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة وَإِن وَجب عَلَيْهِ إِقَامَة الْحَد لجَوَاز أَن يكون أَرْبَعَة مِنْهُم شهدُوا عَن مُشَاهدَة وَالْخَامِس لم يُشَاهد فَلَزِمَهُ إِقَامَة الْحَد بِشَهَادَة أَرْبَعَة مِنْهُم وَإِن لم يعرفهُمْ بأعيانهم وَلَا يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا لم يعلم صدقهم لِأَن الْخَمْسَة لَا يَقع الْعلم بخبرهم وَإِذا لم يمْتَنع كلا الْأَمريْنِ لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل على أَن الْخَمْسَة لَا يجوز وُقُوع الْعلم بخبرهم وَوَجَب كَون ذَلِك مشكوكا فِيهِ وَلَا يلْزم على ذَلِك أَن لَا يَقع الْعلم بِعَدَد القاسمة من حَيْثُ لم يعْتَبر الْحَاكِم وُقُوع الْعلم بخبرهم لِأَن أهل الْعرَاق يَقُولُونَ يحلف خَمْسُونَ من الْمُدعى عَلَيْهِم كل وَاحِد مِنْهُم أَنه مَا قتل وَلَا عرف قَاتلا فَلَيْسَ يخبرون عَن مخبر وَاحِد بل كل وَاحِد مِنْهُم يخبر عَن غير مَا يخبر عَنهُ الآخر وَعند الشَّافِعِي يحلف خَمْسُونَ من المدعين كل وَاحِد مِنْهُم بِحَسب ظَنّه فمخبر كل وَاحِد مِنْهُم غير مخبر الآخر
فان قيل وَلَو قَالُوا لَو وَقع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة لوقع بِخَبَر كل أَرْبَعَة قيل لِأَنَّهُ لَو وَقع الْعلم بِخَبَر قوم وَلم يَقع بِخَبَر مثلهم مَعَ تساويهم فِي الشُّرُوط لم يمْتَنع أَن يخبرنا قافلة الْحَاج عَن مَكَّة فنعرفها وَأَن يخبرنا عَن الْمَدِينَة فَلَا نعرفها وَفِي ذَلِك جَوَاز الشَّك فِي الْبلدَانِ مَعَ تَوَاتر الْأَخْبَار عَنْهَا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْعلم بمخبر الْأَخْبَار من فعل الله عِنْدهم فَمَا يؤمنهم أَن يفعل الْعلم عِنْد خبر اربعة دون أَرْبَعَة وَلَا يجْرِي الْعَادة فِي ذَلِك على طَريقَة وَاحِدَة وَيجْرِي الْعَادة على طَريقَة وَاحِدَة فِي فعل الْعلم عِنْد إِخْبَار الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فَلَا يلْزم الشَّك إِذا أخبر بهَا الْجَمَاعَات
فَأَما اشْتِرَاط كَون المخبرين عَالمين بِمَا أخبروا عَنهُ ضَرُورَة فان من يَقُول إِن الْعلم بالتواتر مكتسب يَجْعَل من شَرط الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه لَا يشْتَبه على المخبرين مَا أخبروا عَنهُ فيظنوه حَقًا فيخبروا عَنهُ وَأَن لم يقصدوا الْكَذِب وَهَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يَكُونُوا عَالمين باستدلال لِأَن مَا يعلم باستدلال يجوز دُخُول الشُّبْهَة فِيهِ على الْخلق الْعَظِيم يبين ذَلِك أَن الْمُسلمين على كثرتهم يخبرون
стр. 510
الْيَهُود بنبوة مُحَمَّد ﷺ فَلَا يعلم الْيَهُود ذَلِك وَلَو أخْبرهُم بعض الْمُسلمين بِمَا شاهدوه لعلمه الْيَهُود وَلَا فرق بَينهمَا وَهَذَا الْوَجْه يحْتَج بِهِ من قَالَ إِن الْعلم بمخبر الْإِخْبَار ضَرُورِيّ ويحتج أَيْضا بِأَن علم السَّامع فرع على علم الْمخبر وَلم يجز كَونه ضَرُورَة مَعَ كَون الأَصْل مكتسبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن علم السَّامع لَيْسَ بصادر عَن علم الْمخبر وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله سُبْحَانَهُ مُبْتَدأ إِخْبَار إيجاده عَن الْخَبَر فَلم يمْتَنع أَن يَفْعَله عِنْد خبر من تعلم مَا أخبر عَنهُ باستدلال
فَأَما ان كل عدد وَقع الْعلم بخبرهم لجَماعَة فانه يَقع الْعلم بخبرهم لغير تِلْكَ الْجَمَاعَة وَيَقَع الْعلم بِخَبَر مثل هَؤُلَاءِ المخبرين فالدليل عَلَيْهِ عندنَا هُوَ أَن الْعلم إِنَّمَا يَقع بخبرهم لأَنهم اختصوا بِشُرُوط مَعْلُومَة تُؤدِّي إِلَى الْعلم بصدقهم وَهِي متقررة عِنْد كل من عرف الْعَادَات وَإِن لم يعْتَبر عَنْهَا كثير مِنْهُم فاذا حصلت هَذِه الشُّرُوط فِي عدد آخر وَجب أَن يُؤَدِّي خَبره إِلَى مثل مَا أدّى إِلَيْهِ خبر الْأَوَّلين
وَأما من قَالَ إِن الْعلم بالمخبر عَنهُ ضَرُورَة فانه يَقُول لَو جَازَ خلاف ذَلِك لم يمْتَنع أَن يكون فِي الْعُقَلَاء من يُخْبِرهُمْ المتواترون بِمَا شاهدوه فَلَا يعلم صدقهم وَفِي ذَلِك تَجْوِيز كَون بعض الْعُقَلَاء غير عَالمين بِأَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة مَعَ سَمَاعه الْأَخْبَار عَنْهَا كسماعنا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي إِحَالَة انْتِفَاء الْعلم بِمَكَّة وَأَنْتُم لَا تحيلون ذَلِك لِأَن وُقُوع الْعلم بذلك مُبْتَدأ من فعل الله
فان قَالُوا لَيْسَ ذَلِك بمحال وَلَكنَّا قد علمنَا أَنه لن تخْتَلف فِيهِ السامعون قيل لَهُم وَكَيف علمْتُم ذَلِك وَلَعَلَّ الْعَادة قد جرت بِخِلَاف ذَلِك فِي كثير من الْعُقَلَاء وَلَيْسَ من شَرط وُقُوع الْعلم أَن يكون المخبرون أَو بَعضهم مُؤمنين أما على قَوْلنَا فَلِأَن الْخَبَر طَرِيق إِلَى الْعلم من حَيْثُ لم يكن للمخبرين دَاع إِلَى تعمد الْكَذِب وَلَا كَانَ الْحق فِيهِ ملتبسا ومجموع ذَلِك يُمكن حُصُوله مَعَ الْكَافرين وَلِأَن أهل بِلَاد الْكفْر يعْملُونَ بتواتر أهل مقالاتهم من أَحْوَال الْبِلَاد مثل مَا
стр. 511
نعلمهُ نَحن وَهَذَا الْوَجْه يحْتَج بِهِ من قَالَ إِن الْعلم بالتواتر ضَرُورِيّ وَلَيْسَ من شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر أَن يكون المخبرون عشْرين لِأَنَّهُ لَا دَلِيل على اشْتِرَاط ذَلِك وَالْأَظْهَر أَن شَرط الِاسْتِدْلَال لَا يحصل فيهم وَمن يشرط هَذَا الْعدَد يتَعَلَّق بقول الله سُبْحَانَهُ إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ قَالُوا فَأوجب على الْعشْرين الْجِهَاد وَإِنَّمَا خصهم بِالْوُجُوب لأَنهم إِذا أخبروا علم صدقهم وَهَذَا لَا يدل لِأَنَّهُ الْآيَة إِنَّمَا تَقْتَضِي وجوب صبرهم لمائتين وَلَيْسَ فِيهَا قصر الْوُجُوب عَلَيْهِم وَالْأمة أَيْضا مجمعة على وجوب الْجِهَاد على الْعشْرَة إِذا كَانَ فيهم غنى وَلَو أوجب الله على الْعشْرين الْجِهَاد دون من نقص مِنْهُم لم يكن فِي ذَلِك دلَالَة على أَنه إِنَّمَا خصهم بِالْوُجُوب لما ذَكرُوهُ دون غَيره من وُجُوه الْمصَالح الَّتِي يخْتَص الله تَعَالَى بِالْعلمِ بهَا وَلَا دَلِيل على اشْتِرَاط كَون المخبرين سبعين وَلَا ثَلَاث مائَة على مَا يحْكى عَن بَعضهم فِي السّبْعين تعلقا بِاخْتِيَار مُوسَى سبعين رجلا من قومه ليصيروا مَعَه إِلَى مُنَاجَاة ربه وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك إِلَّا ليخبروا قَومهمْ فَلَو وَقع الْعلم بِخَبَر من دونهم لم يكن لاختيارهم فَائِدَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَة أَنه اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَيجوز أَن يكون اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَلغيره وَلم يكن مَجْمُوع الغرضين حَاصِلا فِيمَن دونهم وَتعلق من اشْتِرَاط ثَلَاث مائَة بِأَنَّهُم عدَّة أهل بدر فَتعلق بِمَا لَا علقَة لَهُ بِالْمَسْأَلَة فان قَالُوا إِنَّمَا اخْتَارَهُمْ النَّبِي ﷺ ليخبر الْمُشْركين بشرعه قيل لَهُم فقد كَانُوا أَكثر من ثَلَاث مائَة وايضا فَمن أَيْن أَنه اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَمَا تنكرون أَنه اتّفق اخْتِيَار ذَلِك الْعدَد لَا لما قَالُوهُ ﷺ َ - بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم ﷺ َ -
قَالَ أَكثر النَّاس إِنَّه لَا يَقْتَضِي الْعلم وَقَالَ آخَرُونَ يَقْتَضِيهِ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَلم يشرط قوم من أهل الظَّاهِر اقتران قرينَة بالْخبر وَشرط أَبُو إِسْحَاق النظام فِي اقْتِضَاء الْخَبَر الْعلم اقتران قَرَائِن بِهِ وَقيل إِنَّه شَرط ذَلِك فِي التَّوَاتُر
стр. 512
أَيْضا وَمثل ذَلِك بِأَن نخبر بِمَوْت زيد ونسمع فِي دَاره الواعية ونرى الْجِنَازَة على بَابه مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَاره مَرِيض سواهُ وَحكي عَن قوم أَن يَقْتَضِي الْعلم الظَّاهِر وعنوا بذلك الظَّن
وَاحْتج الْأَولونَ بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن خبر الْوَاحِد لَو اقْتضى الْعلم لاقتضاه كل خبر وَاحِد كَمَا أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر لما اقْتَضَاهُ اقْتَضَاهُ كل خبر متواتر وَهَذَا اقْتِصَار على الدَّعْوَى فان قَالُوا إِنَّمَا اقْتضى كل خبر متواتر الْعلم لِأَنَّهُ من قبيل مَا يَقع الْعلم عِنْده وَهَذَا قَائِم فِي خبر الْوَاحِد لَو كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْعلم قيل لم زعمتم أَن هَذِه هِيَ الْعلَّة وَمَا انكرتم أَن الْعلم الْوَاقِع بالتواتر إِن كَانَ ضَرُورِيًّا فَهُوَ من فعل الله سُبْحَانَهُ فَمَا يؤمنكم أَن يخْتَار فعله عِنْد كل خبر متواتر لاقْتِضَاء الْمصلحَة لذَلِك وَلم يقتض الْمصلحَة فعله عِنْد كل خبر وَاحِد فَلم يَفْعَله عِنْد كل أَخْبَار الْآحَاد وَإِن كَانَ الْعلم بالتواتر مكتسبا فَمَا يؤمنكم أَن تكون شُرُوط الِاسْتِدْلَال بِهِ تتساوى فِيهَا الْأَخْبَار المتواترة وَلَا يسمع فِيهِ أَخْبَار الْآحَاد
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلم لَا يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أَرْبَعَة فَقَط فَلم يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا وَاحِد لِأَن الْأَرْبَعَة وَاحِد وَزِيَادَة وَهَذَا لَا يَصح لأَنا قد بَينا انه لَا طَرِيق لَهُم إِلَى الْعلم بِأَن الْعلم لَا يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أَرْبَعَة
وَمِنْهَا إبطالهم مَذْهَب النظام لِأَنَّهُ لَو وقف حُصُول الْعلم بالمخبر عَنهُ على قَرَائِن لم يمْتَنع أَن يخبر المتواترون رجلا عَاقِلا بِمَكَّة وَلَا يقْتَرن بخبرهم هَذِه الْقَرَائِن فَلَا نعرفها وَهَذَا إِنَّمَا يُفِيد مَذْهَب أبي إِسْحَاق فِي اشْتِرَاط الْقَرَائِن فِي وُقُوع الْعلم بالأخبار المتواترة وَلَعَلَّ أَبَا إِسْحَاق عَنى بالقرائن بالأخبار المتواترة مَا لَا يَنْفَكّ مِنْهَا الْأَخْبَار المتواترة نَحْو امْتنَاع اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم وَأَن لَا يَصح فيهم التواطؤ فَلَا يلْزمه أَن لَا يعلم بعض الْعُقَلَاء أَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة
وَمِنْهَا أَنه لَيْسَ يَخْلُو الْعلم الْوَاقِع عِنْد الْخَبَر إِمَّا أَن يكون سَببه الْقَرِينَة
стр. 513
وَحدهَا أَو الْقَرِينَة بِشَرْط الْخَبَر أَو الْخَبَر وَحده أَو الْخَبَر بِشَرْط الْقَرِينَة والقسمان الْأَوَّلَانِ باطلان لِأَن الْقَرِينَة لَا تتَنَاوَل الْمخبر عَنهُ وَإِنَّمَا المتناول لَهُ هُوَ الْخَبَر فَلم يجز أَن لَا يكون هُوَ سَبَب الْعلم أَو يكون سَببه غَيره وَلَو كَانَ الْخَبَر وَحده يَقْتَضِي الْعلم لاقتضاه إِذا تجرد والمعلوم خِلَافه وَلَا يجوز أَن يَقْتَضِيهِ لشرط الْقَرِينَة كسماع الواعية من دَار الْمَرِيض مَعَ تقدم الْعلم بِأَنَّهُ لَا مَرِيض فِي الدَّار سواهُ لعلمنا أَنه لَو تجردت هَذِه الْقَرِينَة عَن الْخَبَر لَكَانَ اعتقادنا موت ذَلِك الْمَرِيض كاعتقادنا مَوته مَعَ الْخَبَر وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَبَب الصُّرَاخ فِي دَاره موت غَيره فَجْأَة فاذا سمعنَا الْخَبَر بِمَوْت ذَلِك الْمَرِيض مَعَ الواعية كَانَ اعتقادنا لمَوْته آكِد من اعتقادنا لمَوْته عِنْد سَماع الواعية فَقَط فَلَا يمْتَنع أَن تكون هَذِه الْقُوَّة هِيَ الْعلم على أَن مَا أبطلوا بِهِ أَن تكون الْقَرِينَة وَحدهَا مقتضية للْعلم لَا يَصح لِأَنَّهَا وَإِن لم يكن لفظا متناولا للمخبر عَنهُ فَهِيَ فعل لَا دَاعِي إِلَيْهِ إِلَّا الْمَوْت أَعنِي الصُّرَاخ وَحُضُور الْجِنَازَة وَهَذَا وَجه صَحِيح فِي التَّعَلُّق بالمخبر عَنهُ
وَيَنْبَغِي أَن نقسم الْكَلَام على الْمُخَالف فَنَقُول بِهِ أتزعم أَن كل خبر وَاحِد يَقْتَضِي الْعلم فان قَالَ نعم فَنحْن نعلم أَن كثيرا من النَّاس يخبروننا بِمَا لَا نظنه فضلا أَن نعلمهُ وَكَانَ يجب فِيمَا لَا نعلم صدقه من الْأَخْبَار أَن نعلم كذبه وَإِن قَالُوا إِنَّمَا نعلم صدق بعض أَخْبَار الْآحَاد دون بعض قيل أتعلمون ذَلِك ضَرُورَة أَو اكتسابا فان قَالُوا ضَرُورَة قيل هَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ يَكْفِي مُجَرّد الْخَبَر فِي وقوفنا على مخبره من دون أَن نلحظ أمورا أخر فان كُنَّا عَالمين بالمخبر عَنهُ فانما يَقْتَضِي علمنَا بِهِ اكتسابا وَتلك الامور إِمَّا أَن ترجع إِلَى احوال الْمخبر وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى غير احواله وَمِثَال الثَّانِي اقتران الواعية وَحُضُور الْجِنَازَة بالْخبر عَن الْمَوْت وَأما أَحْوَال الْمخبر فنحو أَن يكون لَهُ صَارف عَن الْكَذِب فِي ذَلِك الْخَبَر وَلَا يكون لَهُ دَاع إِلَيْهِ نَحْو أَن يكون متحفظا من الْكَذِب نافرا عَنهُ فِي الْجُمْلَة وَنَحْو أَن يكون رَسُولا من سُلْطَان يذكر أَن السطان يَأْمر الْجَيْش بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ فعقوبة السُّلْطَان تصرفه عَن
стр. 514
الْكَذِب وَنَحْو أَن يخبر الْإِنْسَان بأسعار بَلَده وَهُوَ ذُو مُرُوءَة تصرفه عَن الْكَذِب وَلَا يكون لَهُ إِلَى الْكَذِب فِي ذَلِك دَاع وَنَحْو أَن يكون الْإِنْسَان مهتما بِأَمْر من الامور متشاغلا بِهِ فَيسْأَل عَن غَيره فيخبر عَنهُ فِي الْحَال فَيعلم أَنه لم يفكر فِيهِ فيدعوه إِلَى الْكَذِب دَاع مَعَ علمنَا بِأَن كَونه كذبا يصرف عَنهُ وَهَذِه الْأُمُور تَقْتَضِي أَن لَا غَرَض للمخبر فِي الْكَذِب فَيبْطل بذلك أَن يتَعَمَّد الْكَذِب فَيعلم أَنه إِنَّمَا تعمد الصدْق وَهَذَا اسْتِدْلَال على الشَّيْء بابطال ضِدّه
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا نعلم صدق خبر الْوَاحِد اسْتِدْلَالا بِمَا ذكرتموه الْآن قيل لَيْسَ فِيمَا ذكرنَا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْعلم لِأَنَّهُ قد يخبرنا الْإِنْسَان بِمَوْت الْمَرِيض وَيكون غَرَض أَهله بالصراخ عَلَيْهِ وإحضار الْجِنَازَة إِيهَام السُّلْطَان مَوته ليسلم مِنْهُ أَو يكون قد أُغمي عَلَيْهِ أَو يكون غَيره قد مَاتَ فَجْأَة وَقد يكون الْإِنْسَان شَدِيد التحفظ من الْكَذِب فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن وَقد يعدل عَنهُ فِي بعض الْأَشْيَاء دون الْبَعْض وَقد يكون الْإِنْسَان مهتما بِمَا يسْأَل عَنهُ وَيظْهر أَنه مهتم لغيره فاذا سُئِلَ عَنهُ أظهر أَنه قد نبه عَلَيْهِ وَقد كَانَ سَاهِيا عَنهُ ثمَّ أجَاب عَنهُ ليوهم أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب فِيهِ وَقد يسْبق من الْإِنْسَان يَمِين فِي أَن يكذب فِي سعر الْأَشْيَاء أَو يكون غَرَضه أَن يعجب النَّاس بغلاء الأسعار أَو رخصها وَإِن كَانَ كَاذِبًا أَو يكون لَهُ غَرَض فِي نفاق سلْعَته أَو سلْعَة صديقه وَقد يشْتَبه عَلَيْهِ الْحَال فِي ذَلِك فيخبر بِالْكَذِبِ وَإِن لم يتعمده وَقد يرغب رَسُول السُّلْطَان بِالْمَالِ الجزيل فِي أَن يخبر رعية السُّلْطَان وجيشه بِأَمْر السُّلْطَان إيَّاهُم بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ وَرُبمَا أمرع السُّلْطَان بِالْكَذِبِ فِي ذَلِك إِمَّا استهزاء وَإِمَّا اختبارا لطاعة جنده وَإِذا أمكنت هَذِه الْوُجُوه لم يعلم أَنه لَا غَرَض للمخبر إِلَّا الصدْق فَلم يعلم صدقه وَإِن غلب الظَّن
وَأما خطّ الْإِنْسَان فانه قد يتَمَيَّز من غَيره صُورَة كَمَا يتَمَيَّز صور النَّاس بَعْضهَا من بعض فاشتباه خطّ زيد بِخَط عَمْرو فِي بعض الْحَالَات لَا يقْدَح فِيمَا
стр. 515
قُلْنَاهُ كَمَا لَا يقْدَح فِي تَمْيِيز الصُّور حُصُول الِاشْتِبَاه بَين بعض الصُّور فِي بعض الْحَالَات
وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِأَن الله منعنَا أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لَا نعلم وتعبدنا بِخَبَر الْوَاحِد فَعلمنَا أَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الْعلم لَا الظَّن وَالْجَوَاب إِن التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي جَوَاز القَوْل على الله بِمَا لَا يعلم لأَنا وَإِن ظننا صدق الرَّاوِي فانا نعلم بِدَلِيل قَاطع وجوب الْعَمَل بِهِ وَإِذا قُلْنَا إِن الله تعبدنا بذلك الْعَمَل فقد قُلْنَا على الله بِمَا لَا نعلم ﷺ َ - بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَمَا لَا يقبل فِيهِ ﷺ َ -
اعْلَم أَن الرِّوَايَة إِمَّا تَتَضَمَّن شرعا عَن النَّبِي ﷺ أَو لَا تَتَضَمَّن ذَلِك وَالْأول إِمَّا أَن نَكُون تعبدنا فِيهِ بِالْعلمِ فَلَا نقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد أَو لم نتعبد فِيهِ بِالْعلمِ بل بِالْعَمَلِ فنقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد إِذا تكاملت شَرَائِطه وَسَوَاء كَانَ عبَادَة مُبتَدأَة أَو ركنا من اركانها أَو حدا أَو ابْتِدَاء نِصَاب أَو تَقْديرا
وَحكي قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن الشَّيْخ أبي عبد الله ﵀ أَنه كَانَ يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد فِيمَا يَنْتَفِي بالشبه وَحكي عَن أبي يُوسُف خلاف ذَلِك من قَالَ ثمَّ سمعته يَقُول بالْقَوْل الثَّانِي وَكَانَ يمْنَع من قبُوله فِي ابْتِدَاء الْحُدُود وَابْتِدَاء النصب وأركان الصَّلَوَات وَيفرق بَين ابْتِدَاء النصب وَبَين توافي النصب فَقبل خبر الْوَاحِد فِي النّصاب الزَّائِد على خَمْسَة أَوَاقٍ لِأَنَّهُ فرع وَلَا يقبله فِي ابْتِدَاء الفصيلات والعجاجيل لِأَنَّهُ أصل عِنْده وَيقبل خبر الْوَاحِد فِي إِسْقَاط الْحُدُود وَلَا يقبله فِي إِثْبَاتهَا وقاضي الْقُضَاة يقبله فِي كل ذَلِك لِأَنَّهُ لَا وَجه يفصل بِهِ بَينهَا وَبَين غَيرهَا
وَانْتِفَاء الشَّيْء بالشبه لَا يمْنَع من قبُول الْخَبَر فِيهِ كَمَا لَا يمْنَع من قبُول الشَّهَادَة فِيهِ غير أَنا لَا نقبل خبر الْوَاحِد فِي الْحُدُود على وَجه الْعقُوبَة وَإِنَّمَا
стр. 516
نقبله فِي الْحُدُود على وَجه الامتحان إِلَّا على قَول من أجَاز الْعقُوبَة مَعَ الظَّن وَظَاهر آيَة السّرقَة إِنَّمَا يَقْتَضِي قطع السراق عُقُوبَة وَإِنَّمَا علمنَا بِالسنةِ أَن من قطع امتحانا مُرَاد بِالْآيَةِ
وَإِن كَانَ مَا يرويهِ الرَّاوِي لَيْسَ يتَضَمَّن إِضَافَة شرع إِلَى النَّبِي ﷺ فإمَّا أَن يجْرِي مجْرَاه كاضافة الْفَتْوَى إِلَى الْمُفْتِي فَيقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَإِمَّا أَن لَا يجْرِي مجْرى إِضَافَة الشَّرْع وَهَذَا إِمَّا أَن يتَضَمَّن مَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم أَو يتَضَمَّن مَا لَا يفْتَقر إِلَى ذَلِك فان تضمن مَا لَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم فاما أَن يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي أَو لَا يتَعَلَّق بِهِ ذَلِك فان لم يتَعَلَّق بِهِ ذَلِك كالهدايا والمعاملات وَذَلِكَ يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد إِذا غلب على الظَّن صَدَقَة بَالغا كَانَ الْمخبر أَو غير بَالغ فَاسِقًا كَانَ أَو عادلا وَيقبل أَيْضا فِي أُمُور الدُّنْيَا مَا يجْرِي مجْرى الْخَبَر فِي اقْتِضَاء غَالب الظَّن وَلِهَذَا قُلْنَا إِن وضع المَاء فِي الطَّرِيق على بعض الْوُجُوه يُبِيح شربه كَمَا يبيحه الْخَبَر بإباحته وَوضع الصَّدَقَة فِي يَد السَّائِل يبيحه أَخذهَا
فَأَما مَا يتَضَمَّن مَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي فالإخبار عَن نَجَاسَة المَاء وَكَون الشَّاة ميتَة يقبل خبر الْوَاحِد فِيهِ ولتعلقه بِالشَّرْعِ لَا يقبل فِيهِ خبر الْمُشرك وَاخْتلفُوا فِي قبُول خبر الْفَاسِق لِأَن لَهُ شبها بِأُمُور الدُّنْيَا وبأمور الدّين فَلذَلِك وَقع الْخلاف
وَأما مَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم فَمِنْهُ مَا لَيْسَ هُوَ حكما على معِين وَلَا يتَعَلَّق بِهِ الْمُخَاصمَة وَمِنْه مَا يكون حكما على معِين وَيتَعَلَّق بِهِ الْمُخَاصمَة أما الأول فنحو رُؤْيَة هِلَال شَوَّال ورمضان وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي هِلَال شَوَّال فَقبل بَعضهم فِيهِ خبر الْوَاحِد وَلم يقبل بَعضهم فِيهِ إِلَّا خبر اثْنَيْنِ وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف فِيهِ لِأَن لَهُ شبها بالأمور الدِّينِيَّة وَله شبها بِمَا يتَعَلَّق بالخصومات لِأَنَّهُ قد يحكم بِهِ الْحَاكِم
стр. 517
وَأما الْقسم الثَّانِي فضربان أَحدهمَا لَا يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد وَالْآخر يُمكن ذَلِك فِيهِ فَالْأول يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَذَلِكَ دَعْوَى الْمَرْأَة انْقِضَاء عدتهَا فِي زمَان يجوز انقضاؤها فِيهِ وَأما الَّذِي يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد فَمِنْهُ مَا يشق وَمِنْه مَا لَا يشق فِي الْغَالِب وَالْأول يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد كَشَهَادَة الْقَابِلَة فِي الْولادَة وَالثَّانِي لَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد كالحقوق وَالْحُدُود فَصَارَ خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يقبل فِي إِثْبَات شرع لَيْسَ لَهُ طَرِيق مَعْلُوم وَلَا يقبل فِي كثير مِمَّا يتَعَلَّق بالحكومات على الآخر وَيقبل خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات شرع ثمَّ يتبع ذَلِك تَعْلِيق الحكم على الْأَعْيَان وَلِهَذَا قبلت الصَّحَابَة وضي الله عَنْهَا خبر الْوَاحِد فِي الْجدّة وَتبع ذَلِك تَعْلِيق حكم على الْعين وَلم يقبلُوا خبر الْوَاحِد فِي رد الحكم لما تعلق بِعَين ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد ﷺ َ -
ذهب أَكثر النَّاس إِلَى جَوَاز التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِهِ وَمنع آخَرُونَ من ذَلِك وَالدَّلِيل على جَوَازه أَنه يجوز التَّعَبُّد بالأخبار المتواترة فَلَو امْتنع التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد لامتنع ذَلِك لما بِهِ يُفَارق أَخْبَار الْآحَاد أَخْبَار التَّوَاتُر وَالَّذِي يُمكن أَن يُقَال إنَّهُمَا يفترقان فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْعَمَل بأخبار الْآحَاد غير مَعْلُوم وَالْآخر أَن الْعَمَل بهَا وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه مَوْقُوف على ظن صدق الْمخبر وَوُجُوب الْعَمَل وقبحه لَا يقفان على الظَّن
وَالَّذِي يفْسد الْوَجْه الأول هُوَ أَنا نجيز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِأَن يدل دَلِيل قَاطع على وجوب الْعَمَل بِهِ إِذا تكاملت شُرُوطه فنكون عِنْد تَكَامل الشُّرُوط عَالمين بِوُجُوب الْعَمَل لمَكَان الدَّلِيل إِذْ لَا فرق بَين أَن يَقُول الله إِذا غلب على ظنكم صدق الرَّاوِي فاعملوا بِخَبَرِهِ وَبَين أَن يَقُول إِذا أخْبركُم فلَان فاعملوا بِخَبَرِهِ وَبَين أَن يَقُول افعلوا كَذَا وَكَذَا فِي أَنا نعلم وجوب
стр. 518
الْفِعْل فِي هَذِه الْأَحْوَال كلهَا
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ وقُوف الْعَمَل على الظَّن فَلَيْسَ يمْتَنع لِأَن الْفِعْل الشَّرْعِيّ إِنَّمَا يجب لكَونه مصلحَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون مصلحَة إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على صفة مَخْصُوصَة وكوننا ظانين لصدق الرَّاوِي صفة من صفاتنا فَدخلت فِي جملَة أحوالنا الَّتِي يجوز كَون الْفِعْل عِنْدهَا مصلحَة وَاجِبا أَو مَحْظُورًا وَلِهَذَا يلْزم الْمُسَافِر سلوك طَرِيق وتجنب آخر إِذا أخبر بسلامة ذَلِك واختلال هَذَا من يغلب على ظَنّه صدقه وَوَجَب على الإِمَام الْقطع وَالْجَلد وَالْقَتْل إِذا شهد بِالزِّنَا وَالْقَتْل والسرق شَاهِدَانِ أَو أَرْبَعَة ظَاهِرهمْ الْعَدَالَة
وَقد فرقوا بَين خبر الْوَاحِد وَبَين الشَّهَادَة بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الشَّهَادَة تقبل فِيمَا يجوز فِيهِ الصُّلْح وَفِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد الْجَواب إِن الشَّهَادَة مَقْبُولَة فِيمَا لَا يجوز فِيهِ الصُّلْح كالفروج وإراقة الدِّمَاء ويلزمهم جَوَاز التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي احكام الْبياعَات وَغير ذَلِك وهم يأبون ذَلِك وَأما أُمُور الدُّنْيَا فَهِيَ كأمور الدّين فِيمَا نَحن بسبيله لِأَن الْوُجُوب والقبح يدْخل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيهَا والعبادات الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا وَجَبت وقبحت لكَونهَا مصَالح فِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا من الْقَتْل وَغَيره فاذا جَازَ أَن يجب علينا مَا ذَكرْنَاهُ من أُمُور الدُّنْيَا بِحَسب الظَّن جَازَ ذَلِك فِي الشرعيات على أَنا نقبل الشَّهَادَة فِي أُمُور شَرْعِيَّة كرؤية الْأَهِلّة على ان الْحَد أَمر شَرْعِي وَقد قبلوا فِيهِ شَهَادَة الِاثْنَيْنِ
وَمِنْهَا قَوْلهم أَنْتُم تقبلون أَخْبَار الْآحَاد فِي إِثْبَات شرع وَالشَّهَادَة بِأَن زيدا قتل أَو سرق لَيْسَ يثبت بهَا شرع وَالْجَوَاب إِنَّه لَا فرق بَينهمَا لأَنا عِنْد الشَّهَادَة نعلم أَن قتل الْمَشْهُود عَلَيْهِ شرع وَدَلِيلنَا على ذَلِك مَا دلنا على وجوب الْعَمَل بالشهادات وَعند خبر الْوَاحِد نعلم أَن الحكم بِهِ شرع وَدَلِيلنَا على ذَلِك مَا دلنا على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فَلَا فصل بَينهمَا إِلَّا أَن الحكم يثبت بالْخبر فِي الْجُمْلَة وبالشهادة يثبت على عين وَهَذَا غير قَادِح فِي تعلق الحكم
стр. 519
الشَّرْعِيّ بِالظَّنِّ على أَن الْغَرَض باثبات الحكم فِي الْجُمْلَة بِخَبَر الْوَاحِد تعلق على الْأَعْيَان فاذا جَازَ إثْبَاته فِي الْأَعْيَان بِخَبَر مظنون جَازَ إثْبَاته فِي الْجُمْلَة لِأَن الْغَرَض بِالْجُمْلَةِ الْأَعْيَان على انا إِذا قبلنَا شَهَادَة شَاهِدين على زيد وَشَهَادَة غَيرهمَا أَو شَهَادَتهمَا على عَمْرو وعَلى خَالِد فقد علقنا الحكم على أَعْيَان كَثِيرَة بِخَبَر مظنون على انه يلْزمهُم أَن يقبلُوا خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات حكم على شخص وَاحِد وهم يابون ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّه إِنَّمَا وَجب الحكم عِنْد الشَّهَادَة بِدَلِيل قَاطع وَالشَّهَادَة شَرط وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ الدَّلِيل على الحكم هُوَ خبر الْوَاحِد وَلَا تجعلونه شرطا وَالْجَوَاب أَنه لَا بُد فِي الحكم بِخَبَر الْوَاحِد من خبر الْوَاحِد وَمن الدَّلِيل الدَّال على وجوب الْعَمَل بِهِ وَتَسْمِيَة الْخَبَر دَلِيلا أَو شرطا كَلَام فِي عبارَة فَلَا يضرنا الِامْتِنَاع من تَسْمِيَة الْخَبَر دَلِيلا إِذا كَانَ الْغَرَض مَا ذَكرْنَاهُ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو جَازَ أَن يكون علمنَا بِمَا أخبرنَا بِهِ الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ مصلحَة ونعلم ذَلِك إِذا ظننا صدقه جَازَ أَن يكون الْفِعْل مصلحَة إِذا أخبرنَا بِوُجُوبِهِ على الله سُبْحَانَهُ من يغلب على ظننا صدقه فِي أَن الله تَعَالَى أرْسلهُ ونعلم وجوب ذَلِك علينا وَمَا الْفرق بَين أَن يكون الْمخبر بِالْمَصْلَحَةِ عَن الله بِلَا وَاسِطَة أَو بِوَاسِطَة نَبِي وَالْجَوَاب أَن من يُجِيز وُرُود التَّعَبُّد الشَّرْعِيّ بِالرُّجُوعِ إِلَى خبر الْوَاحِد يقطع على وجوب الْعَمَل بِهِ لِأَن دَلِيلا قَاطعا دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ وَهُوَ قَول الله وَقَول رَسُوله أَو قَول الْأمة وَقَول الْأمة لَا بُد من أَن يسْتَند إِلَى قَول الله وَقَول رَسُوله وَإِنَّمَا تكون الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قَاطِعَة إِذا علمنَا صدق الرَّسُول بمعجز حَتَّى إِذا أخبرنَا بِوُجُوب الْعَمَل بالْخبر الْوَاحِد علمنَا وجوب الْعَمَل بِهِ وَهَذَا لَا يتم إِذا كَانَ صدق المدعين للنبوة مظنونا غير مَقْطُوع بِهِ فان قَالُوا إِنَّمَا أَنْتُم مَا ذكرْتُمْ إِذا ألزمناكم أَن يكون صدق جَمِيع الْأَنْبِيَاء مظنونا وَنحن إِنَّمَا نلزمكم أَن تعلمُوا صدق بعض الْأَنْبِيَاء بمعجز
стр. 520
ونقول لكم ذَلِك النَّبِي إِذا أخْبركُم إِنْسَان ان الله أرْسلهُ بشرائع وظننتم صدقه فاعملوا بهَا وَاعْمَلُوا أَنَّهَا مصلحَة الْجَواب أَن تَجْوِيز كذب من أكْرمه الله بالرسالة من أقوى مَا ينفر عَنهُ وَلَيْسَ يجوز على الْأَنْبِيَاء مَا ينفر عَنْهُم لِأَن ذَلِك مفْسدَة وَلَيْسَ يجب فِي غَيرهم من التَّنْزِيه عَن التنفير مَا يحب فيهم أَلا ترى أَنه لَا يلْزم على ذَلِك كَون الْأُمَرَاء والقضاة وَالشُّهُود مجنبين مَا ينفر عَنْهُم حَتَّى لَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وَإِن كَانُوا ينفذون أحكاما شَرْعِيَّة ويحكمون بهَا وَأَيْضًا فانه إِنَّمَا جَازَ الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا غلب على ظننا صدق الْمخبر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يغلب على ظننا صدق من اخبر أَنه شَاهد النَّبِي ﵇ وَسمع مِنْهُ كلَاما كثيرا إِذا مثل ذَلِك كثير قد جرت بِهِ الْعَادَات وَلم تجر الْعَادَات بِسَمَاع كَلَام الله من غير وَاسِطَة وَمَا يحصل للنَّبِي ﵇ من الرِّئَاسَة الْعَظِيمَة الَّتِي لَا تدانيها رئاسة وَيَدْعُو الْإِنْسَان إِلَى ادعائها فاذا اجْتمع للعاقل تجويزه كذب الْمُدَّعِي للنبوة من غير معْجزَة طلبا للرئاسة الْعَظِيمَة مَعَ أَنه مخبر بِمَا لم تجر بِهِ الْعَادَات لم يجر أَن يغلب على ظَنّه صدقه وَأَيْضًا فَفِي الِاقْتِصَار على ظن صدق الْمُدَّعِي للنبوة أعظم مفْسدَة لما فِي النُّبُوَّة من الرِّئَاسَة الْعَظِيمَة الَّتِي يطْلبهَا كل أحد فَلَو تعبدنا بِالْأَخْذِ فِي ذَلِك بِالظَّنِّ لتعمد أَكثر النَّاس التظاهر بِالصّدقِ والستر لتتم لَهُ هَذِه الرِّئَاسَة فيكثر المدعون للنبوة الواردون بالشرائع الْمُخْتَلفَة وَلَيْسَ للمخبر مثل هَذِه الرِّئَاسَة وَلَا يجب تَصْدِيقه بِغَيْر الشَّرَائِع فِي كل حَال لِأَن السّنَن تَنْحَصِر فِي حَيَاة النَّبِي وَبعد وَفَاته بِزَمَان يسير فَمَا يرد بعد ذَلِك نعلم أَنه كذب وَأَيْضًا فَإِن لزمنا مَا ذَكرُوهُ على قَوْلنَا فِي المخبرين لَزِمَهُم ذَلِك على قَوْلهم وَقَوْلنَا فِي الشُّهُود لأَنهم ينقلون مَا إِذا حكم بِهِ كَانَ الحكم بِهِ شَرْعِيًّا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد فِي فروع الشَّرِيعَة جَازَ التَّعَبُّد بهَا فِي الْأُصُول وَفِي الْأَدِلَّة وَالْأَخْبَار حَتَّى إِذا روى لنا الْوَاحِد أَن أهل اللُّغَة وضعُوا اللَّفْظ للْعُمُوم قبلناه وَإِذا أخبرنَا الْوَاحِد أَن زيدا فِي الدَّار جَازَ أَن نخبر نَحن أَنه فِي الدَّار قطعا كَمَا نخبر قطعا بِوُجُوب مَا أخبرنَا الْوَاحِد بِوُجُوبِهِ
стр. 521
عَن النَّبِي ﷺ الْجَواب يُقَال لَهُم مَا تُرِيدُونَ بالاصول فان قَالُوا الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم شهر رَمَضَان قيل قد كَانَ يجوز وُرُود التَّعَبُّد باخبار الْآحَاد فِيهَا وَلَا يكون حِينَئِذٍ من الاصول لِأَن اصول الشَّرِيعَة هِيَ مَا لَا يكون الْعلم بِوُجُوبِهَا مُتَعَلقا بِظَنّ وَإِن قَالُوا نُرِيد بالاصول تَوْحِيد الله وعدله قيل لَو قبلنَا أَخْبَار الْآحَاد فِي ذَلِك لقبلناها فِي الاعتقادات وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن الْوَاحِد إِذا أخبر عَن النَّبِي ﷺ ان الله لَا يرى لم يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك فَلَا يعلم أَن الله لَا يرى لأَنا غير عَالمين بدليله وَإِذا لم نَكُنْ عَالمين بِأَنَّهُ لَا يرى واعتقدنا ذَلِك لم نَأْمَن كَون اعتقادنا جهلا وكل اعْتِقَاد لَا يُؤمن كَونه جهلا فَهُوَ قَبِيح وَأما فروع الشَّرِيعَة فَلَيْسَتْ اعتقادات فَيكون الْمُقدم عَلَيْهَا مقدما على اعْتِقَاد لَا يامن كَونه جهلا بل هِيَ أَعمال فان قيل ألستم عِنْد خبر الْوَاحِد تعلمُونَ وجوب الْفِعْل عَلَيْكُم فقد أقدمتم على اعْتِقَاد أَيْضا قيل إِنَّا نَأْمَن كَون ذَلِك الِاعْتِقَاد جهلا لِأَنَّهُ قد دلّ عَلَيْهِ دَلِيل قَاطع وَهُوَ مَا دلّ على وجوب الْمصير إِلَى أَخْبَار الْآحَاد فان قيل فَهَلا جَازَ أَن يدل دَلِيل قَاطع على قبُول خبر الْآحَاد فِي الرُّؤْيَة وَغَيرهَا فتعتقدون ذَلِك وتأمنون كَون اعتقادكم جهلا قيل إِنَّا لَا نجوز ذَلِك لِأَن كَون البارىء تَعَالَى غير مرئي امْر حَاصِل فِي نَفسه لَا يحصل بِحَسب ظننا فَلم يجب إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن يكون تَعَالَى غير مرئي وَإِذا لم يجب ذَلِك لم يجز أَن يدل دَلِيل قَاطع على كَونه كَذَلِك إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ لَا يرى وَكَون الْعَمَل مصلحَة يجوز أَن يقف على أَن نفعله وَنحن على صفة وَهُوَ كوننا ظانين صدق الرَّاوِي وَإِذا جَازَ ان تكون مصلحتنا ان نَفْعل الْفِعْل وَنحن نظن صدق الرَّاوِي لوُجُوب الْفِعْل جَازَ أَن تدل دلَالَة قَاطِعَة على وجوب ذَلِك علينا عِنْد ظننا فاذا دلّت على ذَلِك علمنَا وجوب ذَلِك الْفِعْل علينا واخبرنا قطعا عَن وُجُوبه علينا فان قيل فَيجب إِذا أخْبركُم عَن النَّبِي ﷺ بِأَن الله لَا يرى من يغلب على ظنكم صدقه أَن تظنوا أَن الله لَا يرى وتقتصروا على ذَلِك قيل لَئِن جَازَ الِاقْتِصَار على الظَّن فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل وَالصِّفَات لجوزنا
стр. 522
وُرُود التَّعَبُّد بالاقتصار على الظَّن فِي ذَلِك وَلَكِن لَا نجوز الِاقْتِصَار على الظَّن فِي ذَلِك وَهَذَا السُّؤَال إِنَّمَا يلْزم على القَوْل بِأَن خبر الثِّقَة غير الظَّن وَهَذَا يوافقنا عَلَيْهِ خصومنا فان كَانَ السُّؤَال لَازِما لنا فَهُوَ لَازم لَهُم أَيْضا وَلَا جَوَاب عَنهُ إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يجوز الِاقْتِصَار فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل على الظَّن دون الْعلم وَمَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الْجَواب عَن الْأَخْبَار لِأَن زيدا إِذا أخبرنَا بِأَن عمرا فِي الدَّار وظننا صدقه لم نَأْمَن أَن لَا يكون فِي الدَّار لِأَنَّهُ كَونه فِي الدَّار لَيْسَ مِمَّا يحصل بِحَسب ظننا بل هُوَ أَمر فِي نَفسه كَذَلِك ظنناه أم لم نظنه فخبرنا قطعا عَن أَنه فِي الدَّار خبر لَا نَأْمَن من كَونه كذبا فقبح فان أخبرنَا بِحَسب ظننا جَازَ لأَنا نَأْمَن كَونه كذبا فان قيل ايجوز أَن يَقُول لكم النَّبِي ﷺ إِذا ظننتم صدق من أخْبركُم بِشَيْء فَهُوَ كَمَا أخْبركُم قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز اتِّفَاق الصدْق فِي خبر كل من ظننا صدقه وَلَا يجوز أَيْضا أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِشَيْء وظننتم صدقه فَهُوَ صَادِق لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَّفق الصدْق وَالصَّوَاب فِي كل مَا ظنناه وَيجوز أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِأُمُور يسيرَة وعينها وظننتم صدقه فَهُوَ كَمَا أخْبركُم لِأَنَّهُ يجوز أَن يتَّفق الصدْق وَالصَّوَاب فِيمَا نظنه إِذا كَانَت أَشْيَاء يسيرَة نَحْو أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد عَن النَّبِي ﷺ بِأَن الله لَا يرى أَو قَالَ إِذا أخْبركُم مخبر عَن النَّبِي ﷺ بِأَن الله لَا يرى وظننتم صدقه عَن النَّبِي ﵇ فَهُوَ كَمَا أخْبركُم أَو يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ إِن الله لَا يرى فَهُوَ صَادِق وَإِذا قَالَ ذَلِك انتقلنا عَن ظننا إِلَى الْقطع وَجَاز أَن نخبر عَن ذَلِك قطعا فَأَما إِذا أخبرنَا الْوَاحِد عَن أهل اللُّغَة أَنهم وضعُوا لفظا للْعُمُوم فانا لَا نقطع على ذَلِك لِأَن كَونهم واضعين لَهُ لَيْسَ مِمَّا يحصل بِحَسب الظَّن فَهُوَ بِخِلَاف كَون الْفِعْل مصلحَة وَيجوز أَن نظن أَنهم وضعُوا ذَلِك للْعُمُوم وَأَن يتعبدنا الله سُبْحَانَهُ بالاستدلال بذلك اللَّفْظ على الشُّمُول فِي الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْفُرُوع جَازَ التَّعَبُّد بِهِ فِي نقل
стр. 523
الْقُرْآن الْجَواب أَنهم جمعُوا بَين الْمَوْضِعَيْنِ بِغَيْر عِلّة ثمَّ إِن الْقُرْآن الْمَنْقُول بالآحاد إِمَّا أَن يظْهر فِيهِ الإعجاز وَإِمَّا أَن لَا يظْهر فِيهِ الإعجاز فان لم يظْهر فِيهِ الإعجاز جَازَ أَن نعمل بِمَا تضمنه من عمل إِذا نقل إِلَيْنَا بالآحاد وَلِهَذَا نعمل بِمثل مَا ينْقل من قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود ﵀ وَمَا يظْهر فِيهِ الإعجاز فَهُوَ حجَّة للنبوة وَلَا يكون حجَّة إِلَّا وَقد علم أَنه لم يُعَارض فِي عصر النَّبِي ﵇ مَعَ سَماع أهل الْعَصْر لَهُ وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا وَقد تَوَاتر نقل ظُهُوره فِي ذَلِك الْعَصْر
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الشرعيات مصَالح وَالْوَاحد يجوز أَن يكذب فِيمَا يخبر بِهِ من فعل أَو ترك وَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا تضمنه خَبره مفْسدَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن ذَلِك فِي الشَّرْح والدرس فَقَالَ إِن الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الْوَاجِب الشَّرْعِيّ كَونه مصلحَة مدلولا عَلَيْهِ إِمَّا بِعَيْنِه وَإِمَّا بِصفتِهِ فاذا قَامَت الدّلَالَة على وجوب الْعَمَل عِنْد خبر الْوَاحِد وظننا صدقه علمنَا أَن الْعَمَل صَلَاح لنا كَمَا نعلم أَن قطع الْيَد صَلَاح عِنْد الْبَيِّنَة وَهَذَا لَا يعْتَرض قَول الْمُخَالف إِن الرَّاوِي إِذا جَازَ عَلَيْهِ الْكَذِب لم نَأْمَن أَن يخبر بالمفسدة وَمَتى ثَبت للمخالف هَذَا كَانَ لَهُ أَن يَقُول لَا يجوز أَن تدل دلَالَة على مَا ذكرْتُمْ فان قُلْتُمْ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِمَا ظنناه يدل على صدق الْمخبر قيل لكم فَيجب أَن تقطعوا على صدقه وَلَئِن جَازَ ذَلِك ليجوزن أَن تدل دلَالَة على أَن نحكم مَا نريده فنعلم أَن كل مَا نُرِيد الحكم بِهِ فَهُوَ صَوَاب فان قُلْتُمْ لَا يجوز أَن يتَّفق ذَلِك فِي كل مَا نريده قيل لَك وَلَا يجوز أَن يتَّفق الصَّوَاب فِي كل مَا نظن صدق الرَّاوِي فِيهِ فَأَما مَا ذكره من الحكم عِنْد الْبَيِّنَة فَهُوَ نقض لما اعتلوا بِهِ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكذب الشُّهُود فنقطع يدا لَا يسْتَحق قطعهَا وَالْجَوَاب عَن الشُّبْهَة هُوَ أَن الْفِعْل قد يكون صلاحا إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على حَالَة مَخْصُوصَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون مَتى ظننا صدق الرَّاوِي أَو كُنَّا مِمَّن يجوز أَن يظنّ صدقه لأمارة صَحِيحَة فمصلحتنا أَن نَفْعل مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَر صدق الرَّاوِي أَو كذب كَمَا نقُوله فِي الحكم عِنْد الْبَيِّنَة وَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك لم يجب مَا قَالُوهُ من أَن تَجْوِيز
стр. 524
كذب الرَّاوِي يلْزمه تَجْوِيز كَون الْفِعْل الَّذِي رَوَاهُ مفْسدَة كَمَا لَا يلْزمه مثله فِي الْبَيِّنَة فان قَالُوا لَيْسَ يخلوا ظنكم صدق الرَّاوِي إِمَّا أَن يكون طَرِيقا إِلَى الْمصلحَة أَو شرطا فِي كَون فعلكم مصلحَة فان كَانَ طَرِيقا وقلتم لَا يجوز أَن يخطىء فقد جعلتم الظَّن علما ولزمكم قبُول خبر الْوَاحِد فِي الاعتقادات وَإِن جوزتم أَن يخطىء الظَّن لم يجز كَونه طَرِيقا إِلَى الْقطع على أَن مَا فعلتموه مصلحَة وَلَئِن جَازَ أَن يكون طَرِيقا إِلَى ذَلِك مَعَ جَوَاز كَونه خطأ جَازَ أَن يكون طَرِيقا إِلَى الاعتقادات وَجَاز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ فِيهَا وَإِن جعلتموه شرطا يصير الْفِعْل عِنْده مصلحَة فَلم لَا يجوز كَون الْفِعْل مصلحَة إِذا ظننا كذب الرَّاوِي لَهُ وَإِذا اشتهينا فعله وَإِذا اخترناه وَأَن يرد التَّعَبُّد بذلك قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فَقَالَ يجوز كَون هَذِه الْأَشْيَاء أسبابا يجب عِنْدهَا الْفِعْل على مَا ذَكرُوهُ وَنحن نجيب عَن ذَلِك بِأَنا إِنَّمَا جَوَّزنَا أَن يكون الْفِعْل مصلحَة عِنْد حَالَة من حالاتنا ثمَّ بَينا إِن ظننا صدق الرَّاوِي مِمَّا يشْهد الْعقل بِجَوَاز كَونه شرطا فِي الْمصلحَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من التَّصَرُّف فِي الْأَسْفَار وَالْحكم بِالْبَيِّنَاتِ وكما أَن الْعقل بذلك شَاهد فَهُوَ شَاهد بِأَن مَا ذكرتموه لَا يكون شرطا فِي وجوب الْفِعْل أَلا ترى أَن الْمُسَافِر إِذا خَافَ فِي سَفَره فخبره بعض من يظنّ صدقه بسلامة بعض الطّرق وَفَسَاد غَيره فانه يجب عَلَيْهِ أَن يعْمل على مَا ظَنّه صلاحا دون مَا ظن فِيهِ الْفساد وَلَو ظن كذب الْمخبر بأمارة لم يجز أَن يعْمل على خَبره وَلَا يجوز لَهُ مَعَ اشْتِبَاه الطّرق عَلَيْهِ وخوفه أَن يعْمل على شَهْوَته واختياره من غير أَمارَة على أَن القَوْل بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يعْمل الْإِنْسَان بِمَا يشتهيه ويختاره إِسْقَاط للتكليف لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قيل لَهُ افْعَل مَا تختاره دون مَا لَا تختاره وَنحن إِنَّمَا نتكلم فِي تَكْلِيف على صفة هَل يحسن أم لَا وَقصد السَّائِل أَن يلْزمنَا على هَذَا التَّكْلِيف تكليفا آخر على صفة أُخْرَى وَلَيْسَ غَرَضه إلزامنا إِسْقَاط التَّكْلِيف فقد بَان أَنه لم يلْزمنَا مَا قصد إلزامنا فان قَالُوا يجوز أَن يُقَال للْإنْسَان إِذا اخْتَرْت الْفِعْل أَو اشتهيته فَلم يصرفك صَارف فقد وَجب عَلَيْك فعله مَا دمت مرِيدا لَهُ وَإِن لم تكن مُخْتَارًا
стр. 525
لَهُ قَاصِدا إِلَيْهِ لم يجب عَلَيْك فعله قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ وَالْحَال هَذِه لَا بُد من كَونه فَاعِلا فايجاب ذَلِك لَا يَصح
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أَخْبَار الْآحَاد قد تتعارض وَلَا يُمكن الْعَمَل بهَا فَلَو جَازَ التَّعَبُّد بهَا لجَاز التَّعَبُّد بِمَا لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ الْجَواب أَنه لَيْسَ كل تعَارض يمْنَع من الْعَمَل بالْخبر بل قد يعْمل مَعَ التَّعَارُض على مَا يتَرَجَّح من أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر كَمَا يعْمل الْمُسَافِر فِي طَرِيقه على مَا يتَرَجَّح من إِحْدَى الأمارتين وَيُمكن أَن يعْمل بالخبرين إِمَّا على الْجمع وَإِمَّا على التَّخْيِير فان لم يُمكن ذَلِك ففقد إِمْكَانه يمْنَع من التَّعَبُّد بهَا فِيهِ هَذَا التَّعَارُض الْمَانِع من الْعَمَل غير مَانع من التَّعَبُّد بِمَا يُمكن الْعَمَل بِهِ مِمَّا لَا تعَارض فِيهِ وَمَا ذَكرُوهُ منتقض بِالْعَمَلِ بِالْبَيِّنَاتِ والأمارات للْمُسَافِر لِأَنَّهَا قد تتعارض ﷺ َ - بَاب فِي التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد ﷺ َ -
اخْتلف مجيزو وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد فِي الشرعيات فَمنهمْ من قَالَ قد ورد التَّعَبُّد بهَا وَمِنْهُم من قَالَ لم يرد بهَا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قرن إِلَى قَوْله لم يرد التَّعَبُّد بهَا أَن قَالَ قد ورد التَّعَبُّد بِأَن لَا يعْمل بهَا وَمِنْهُم من اقْتصر على أَن التَّعَبُّد لم يرد بهَا وَاخْتلف من قَالَ بورود التَّعَبُّد بهَا فَقَالَ قوم الْعقل يدل على التَّعَبُّد بهَا وَمِنْهُم من قَالَ الْعقل لَا يدل على ذَلِك
وَالدَّلِيل على وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد هُوَ أَن الْعُقَلَاء يعْملُونَ بعقولهم وجوب الْعَمَل على خبر الْوَاحِد فِي العقليات وَلَا يجوز أَن يعلمُوا وجوب ذَلِك أَو حسنه بعقولهم إِلَّا وَقد علمُوا الْعلَّة الَّتِي لَهَا وَجب ذَلِك أَو حسن وَلَا عِلّة لذَلِك إِلَّا أَنهم قد ظنُّوا بِخَبَر الْوَاحِد تَفْصِيل جملَة مَعْلُومَة بِالْعقلِ وَهَذَا مَوْجُود فِي خبر الْوَاحِد الْوَارِد فِي الشرعيات فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَنه مَعْلُوم بِالْعقلِ وجوب التَّحَرُّز من المضار وَحسن اجتلاب الْمَنَافِع فاذا ظننا
стр. 526
صدق من أخبرنَا بمضرة إِن لم نفصد أَو لم نشرب الدَّوَاء أَو إِن سلكنا فِي سفرنا طَرِيقا مَخْصُوصًا أَو لم نقم من تَحت الْحَائِط فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة من وجوب التَّحَرُّز من المضار وَقد علمنَا فِي الْجُمْلَة وجوب الانقياد للنَّبِي ﷺ فِيمَا يخبرنا بِهِ من مصالحنا وَوُجُوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة فِي تجنب الْمصَالح فاذا ظننا بِخَبَر الْوَاحِد أَن النَّبِي ﵇ قد دَعَانَا إِلَى الانقياد لَهُ فِي فعل أخبر أَنه مصلحَة وخلافه مفْسدَة مضرَّة فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن الحكم يحصل عِنْده وينتفي عِنْد انتفائه لأَنا إِذا علمناه فِي الْجُمْلَة وجوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة وظننا بالْخبر أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة وَلم يُمكن الْعلم وَجب علينا تجنبه وَإِن ازلنا عَن أَنْفُسنَا اعْتِقَاد مَا عدا ذَلِك وَإِذا رَجعْنَا إِلَى عقولنا وجدناها تتبع تجنب هَذَا الْفِعْل لهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَو لم يحصل لنا الْعلم بِوُجُوب دفع المضار فِي الْجُمْلَة أَو حصل ذَلِك وَلم نظن أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة لم يجب علينا تجنبه وَكَذَلِكَ لَو ظننا ذَلِك وأمكننا تَحْصِيل الْعلم فَعلمنَا أَن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ
إِن قيل بل الْعلَّة فِي الأَصْل ظننا الْمضرَّة فِي امور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل إِن مَا ذكرتموه وَإِن كَانَ من أُمُور الدُّنْيَا فَهُوَ من امور الدّين لِأَن التَّحَرُّز من المضار وَاجِب فِي الْعقل وَمَا وَجب فِي الْعقل فَهُوَ من الدّين فان قَالُوا إِن خبر الْوَاحِد فِي أُمُور الدُّنْيَا وَارِد فِيمَا نعلم جملَته عقلا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل لَا فرق بَينهمَا لِأَن خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَارِد بتفصيل الانقياد للنَّبِي ﷺ والتزام أمره والتحرز من مضار الْمُخَالفَة وَهَذَا مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالشَّرْع كَمَا يعلم التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا بِالْعقلِ وَالشَّرْع وَأَيْضًا فَلَو ثَبت أَن وجوب التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا مَعْلُوم بِالْعقلِ فَقَط والتحرز من مضار الشرعيات مَعْلُوم بِالشَّرْعِ فَقَط لَكَانَ ذَلِك اخْتِلَافا فِي طَرِيق الْعلم بِالْوُجُوب وَذَلِكَ غير مُؤثر فِيمَا يقبل من أَخْبَار الْآحَاد وَإِنَّمَا الَّذِي يجوز أَن يُؤثر فِي ذَلِك هُوَ أَن يُقَال إِن الشرعيات مصَالح والمخبر الْوَاحِد يجوز أَن يكون كذابا فَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا نَقله
стр. 527
مفْسدَة وسنتكلم فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله
إِن قيل إِنَّمَا وَجب قبُول خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَنَّهُ لَا يغلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة إِذا قبلناه بل يغلب على الظَّن وصولها إِذا لم نقبله وَلَيْسَ كَذَلِك الشرعيات لِأَنَّهُ لَيْسَ يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِذا لم نقبل خبر الْوَاحِد بل لَا نَأْمَن أَن يؤاخذنا المتعبد لنا إِذا قبلنَا خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب ان كلامنا فِي خبر من نظن صدقه لدينِهِ وأمانته وَقد بَينا أَن خبر من هَذِه سَبيله فِي الشرعيات يُسَاوِي خَبره فِي العقليات وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِلَيْنَا إِن لم نقبل خَبره ويؤمننا من مُؤَاخذَة المتعبد إِذا قبلناه ويقضينا الْقطع على مؤاخذته إِذا لم نقبله
إِن قيل إِنَّمَا قبلنَا خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَن الْعَادة قد جرت بنزول المضار وَالْمَنَافِع فاذا غلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة لزمنا التَّحَرُّز مِنْهَا قيل وَقد جرت عَادَة الشَّرْع بالزام الْعِبَادَات وَلَا يمْتَنع فِي الْعقل إِيدَاع ذَلِك الْوَاحِد وَأَن تكون الْمصلحَة أَن يرد التَّعَبُّد بِهِ كَمَا لَا يمْتَنع أَن يرد التَّحَرُّز من الْمضرَّة من جِهَة وَاحِد فاذا لم يمْتَنع ذَلِك جرى خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات مجْرَاه فِي العقليات
فان قيل الْفرق بَين الشرعيات والعقليات أَن الشرعيات يُمكن فِيهَا طَريقَة تَقْتَضِي الْعلم نَحْو الرُّجُوع إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَالْإِجْمَاع والبقاء على حكم الْعقل فَلم يجز الرُّجُوع إِلَى الظَّن وَلَيْسَ كَذَلِك الامور الْعَقْلِيَّة من أُمُور الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر فِيهَا طَريقَة مَعْلُومَة فَجَاز الرُّجُوع إِلَى الظَّن قيل إِنَّه إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة كتاب أَو سنة مَقْطُوع بهَا أَو إِجْمَاع بِخِلَاف خبر الْوَاحِد وَلم يكن الْخَبَر مُخَصّصا فانا لَا نعدل إِلَيْهِ عَن هَذِه الْأَدِلَّة ومسألتنا مَفْرُوضَة فِي خبر وَاحِد تخَالف مَا ذكرتموه وَأما الْبَقَاء فممكن فِي العقليات وَفِي الشرعيات لِأَن الأَصْل فِي الْعقل أَن لَا يجب علينا إيلام أَنْفُسنَا بفصد وَشرب دَوَاء ومسير فِي طَرِيق مَخْصُوص فاذا لم يجز الْبَقَاء على حكم الْعقل فِي هَذِه
стр. 528
الْأَشْيَاء إِذا أخبرنَا بالمضرة فِي تَركهَا من نظن صدقه علمنَا أَن الْبَقَاء على حكم الْعقل لَيْسَ بِدَلِيل قَاطع مَعَ الظَّن لصدق الْمخبر فَبَطل قَول الْمُخَالف إِن ذَلِك دَلِيل قَاطع مَعَ خبر الْوَاحِد
وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن قِيَاس خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على قبُوله فِي العقليات والمعاملات بِأَن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن والشرعيات مَبْنِيَّة على الْمصَالح فاذا لم نَأْمَن كذب الْمخبر لم نَأْمَن أَن يكون فعلنَا مَا أخبرنَا بِهِ مفْسدَة وَالْجَوَاب أَن قَوْله إِن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن هُوَ الحكم الَّذِي طلبنا علته وقسنا بهَا خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على الْمُعَامَلَات فَلَا يَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا بذلك لأَنا نَكُون قد فرقنا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِنَفس الحكم والمصالح وَإِن كَانَت مُعْتَبرَة فِي الشرعيات فالمضار وَالْمَنَافِع هما المعتبران فِي العقليات والمعاملات لأَنا إِنَّمَا ننحو بِمَا نفعله نَحْو الْمَنَافِع والخلاص من المضار كَمَا أَنا ننحو بالشرائع تَحْصِيل الْمصَالح ولأجلها وَجَبت فاذا قَامَ غَالب الظَّن فِي الْمَنَافِع والمضار الْعَقْلِيَّة مقَام الْعلم مَعَ تَجْوِيز كذب الْمخبر فَكَذَلِك غَالب الظَّن بِصدق الْمخبر فِي الشرعيات وَلَو جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات لجَوَاز كذب الْمخبر فَيكون مَا أخبر بِهِ مفْسدَة جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي العقليات لجَوَاز كذب الْمخبر فيلحقنا الْمضرَّة فِي اتِّبَاعه ونخلص مِنْهَا بمخالفته على أَن قَوْله لَا نَأْمَن أَن يكون الْمخبر كَاذِبًا فنكون باتباعه فاعلين للمفسدة يُبِيح الْمَنْع من وُرُود التَّعَبُّد بِقبُول خَبره لِأَن فعل مَا لَا نؤمن من كَونه مفْسدَة قَبِيح فان قَالَ قيام الدّلَالَة على التَّعَبُّد بِهِ دلَالَة على أَن الْمصلحَة هِيَ اتِّبَاع مَا ظنناه من صدقه لَا غير قيل فاذن يجوز أَن تكون الْمصلحَة هِيَ فعلنَا مَا ظنناه من صدق الْمخبر فَلم قطعْتُمْ على أَن الْمصلحَة قد تكون غير مَا فَعَلْنَاهُ فان قَالُوا نَحن وَإِن جَوَّزنَا أَن نَكُون علمنَا بِحَسب مَا ظننا من صدق الرَّاوِي هُوَ الْمصلحَة فانا لَا نعلم ذَلِك إِلَّا بتعبد شَرْعِي قيل فكأنكم فصلتم بَين خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَبَينه فِي العقليات بِأَن العقليات يعْمل فِيهَا على الظَّن من غير تعبد شَرْعِي والشرعيات لَا يعْمل فِيهَا على الظَّن
стр. 529
إِلَّا بتعبد وَهَذَا هُوَ نفس الْمَسْأَلَة فقد فصلتم بَين المسالتين بِنَفس الحكم لَا بِالْعِلَّةِ المفرقة بَينهمَا على انه جَازَ أَن يُقَال إِن قيام الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة على قبُول خبر الْوَاحِد يدلنا على ان الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي جَازَ أَن يُقَال قِيَاس الَّذِي ذكرنَا هُوَ دليلنا على أَن الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي
وَأجَاب أَيْضا بِأَن الْعَمَل على غَالب الظَّن فِي دفع المضار فِي الدُّنْيَا هُوَ الأَصْل للْعَمَل على الْعلم بِدفع المضار لِأَن امور الدُّنْيَا الْمُسْتَقْبلَة غير مَعْلُومَة وَإِنَّمَا هِيَ مظنونة وَلَيْسَ يُمكن أَن يُقَال إِن أُمُور الدّين المظنونة هِيَ الأَصْل لامور الدّين الْمَعْلُومَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ فرق لَا يُؤثر فِي وَجه الْجمع الَّذِي ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب إِذا أشبه الظَّن لامور الدّين الظَّن لامور الدُّنْيَا فِي وجوب الْعَمَل عَلَيْهَا أَن يشتبها فِي كل وَجه بل لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل عَلَيْهِمَا وَيكون الْعَمَل على غَالب الظَّن أصلا للْعَمَل على الْعلم فِي امور الدُّنْيَا وللعمل على الظَّن فِي أُمُور الدّين أصلا بِنَفسِهِ
دَلِيل قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فتعبدنا بِقبُول خبر كل طَائِفَة خرجت للتفقه ثمَّ أنذرت قَومهَا وَهَذِه صفة خبر الْوَاحِد يبين ذَلِك أَنه سُبْحَانَهُ أوجب على كل فرقة أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة وَالثَّلَاثَة فرقة فَوَجَبَ أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة والطائفة من الثَّلَاثَة وَاحِد أَو اثْنَان فاذا خرجا لسَمَاع الْأَخْبَار وتدبرها فقد خرجا للتفقه فِي الدّين فاذا رَجَعَ من هَذِه سَبيله فَأخْبر قومه بِوُجُوب عبَادَة وحذرهم من تَركهَا فقد أنذر قومه فاذا كُنَّا متعبدين بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْله كُنَّا متعبدين بذلك وَإِن لم نخرج لهَذَا الْغَرَض لِأَن أحدا لم يفصل بَين الْمَوْضِعَيْنِ
стр. 530
إِن قيل لم قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على التَّعَبُّد بِالرُّجُوعِ إِلَى قَول الطَّائِفَة قيل إِنَّمَا تعبدها بانذار قَومهَا لكَي يحذر فتعبد قَومهَا بالحذر وَلَيْسَ يَخْلُو إِذا أخبرتم الطَّائِفَة بِوُجُوب فعل أَو تَحْرِيمه إِمَّا أَن يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الطَّائِفَة أَو يلْزمهَا الْإِمْسَاك عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ من فعل أَو ترك أَو أَن يخرج جماعتها أَو من يقوم بِالْحجَّةِ بنقله إِلَى الْآفَاق لاستبانة الْخَبَر وَالْقسم الأول هُوَ قَوْلنَا وَالثَّانِي يرجع إِلَيْهِ لأَنا إِن كُنَّا نشرب النَّبِيذ فخبرنا الطَّائِفَة بِتَحْرِيمِهِ فإيجاب إمساكنا عَن شربه هُوَ تَحْرِيم شربه وَإِن كُنَّا تاركين لبَعض الصَّلَوَات فأخبرونا بِوُجُوبِهَا فوجوب إمساكنا عَن الْإِخْلَال بهَا هُوَ إِيجَاب فعلنَا فَبَان رُجُوع هَذَا الْقسم إِلَى الْقسم الأول بِخِلَاف مَا ظَنّه بَعضهم وَإِن وَجب على جماعتنا أَو على أكثرنا الْخُرُوج من الأوطان إِلَى الْآفَاق ليعلموا صَحِيح الحَدِيث من باطله لم يَصح بِالْإِجْمَاع لِأَن أحدا من الْأمة لم يُوجب على اهل الْقرى فِي عصر النَّبِي ﷺ وعصر من بعده أَن يخرجُوا أَو أَكْثَرهم إِذا لم تقم الْحجَّة بِنَقْل الطَّائِفَة إِلَيْهِم ويتركوا بِلَادهمْ كلما سمعُوا بِخَبَر يتَضَمَّن فعلا شَرْعِيًّا وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يستقروا فِي بِلَادهمْ قبل اسْتِقْرَار السّنَن
إِن قيل قَوْلكُم إِن الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ خبر الْوَاحِد بَاطِل من وُجُوه
مِنْهَا أَنه تعبد من كل فرقة طَائِفَة بالتفقه والإنذار لقومهم وهم مَجْمُوع الْفرق لِأَن مَجْمُوع الطوائف هم قوم الْفرق فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَجْمُوع الطوائف من يتواتر الْخَبَر بنقلهم الْجَواب أَنه لَا يجوز أَن يكون أَرَادَ مَجْمُوع الطوائف ينذر كل فرقة لِأَنَّهَا لم يكن عِنْد كل طَائِفَة فرقة فَتكون رَاجِعَة إِلَيْهَا وَقَوله ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ يدل على أَنهم كَانُوا عِنْدهم وَهَذَا إِنَّمَا يتم فِي كل فرقة مَعَ طائفتها
وَمِنْهَا أَن قَوْله ﴿ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا﴾ يدل على أَنه أَرَادَ
следующие страницы →