Полный текст (878 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مُقْتَضى الْعقل لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَلَا يجوز تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِمَا يرجع إِلَى إِسْنَاده لِأَن التَّرْجِيح بذلك يَقْتَضِي قُوَّة الظَّن لثُبُوت احدهما وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا مظنونا فيقوى ظننا لَهُ وَيجوز ان يُقَال إِن التَّعَبُّد علينا بِأَحَدِهِمَا يُقَوي بِمَا يرجع إِلَى صفة الحكم نَحْو الْحَظْر وَالْوُجُوب لِأَن ذَلِك لَيْسَ يَقْتَضِي قُوَّة الظَّن لثُبُوت الْخَبَر وَإِنَّمَا يَقْتَضِي التَّعَبُّد والتعبد عِنْد التَّعَارُض قد يدْخل الظَّن فِي شَرَائِطه وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فَلَيْسَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِالْآخرِ أولى من الْعَكْس فَيجوز أَن يرجح كَون أَحدهمَا مُخَصّصا للْآخر بِمَا يرجع إِلَى الحكم من كَونه مَحْظُورًا أَو غير ذَلِك وَمِثَال ذَلِك من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ وَقَوله ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ وَإِن كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا وَكَانَ أَحدهمَا خَاصّا فانه يَقع التَّخْصِيص بِهِ مَعْلُوما كَانَ الْخَاص أَو مظنونا وَإِن لم يكن أَحدهمَا خَاصّا حكم بالمعلوم لِأَنَّهُ لَا يجوز إطراحه إِلَى المظنون وَإِن كَانَا مظنونين قضي بالخاص مِنْهُمَا إِن كَانَ فيهمَا خَاص وَإِن لم يكن رجح أَحدهمَا على الآخر وَعمل على الْأَرْجَح
وَيُقَال أَيْضا فِي قسْمَة الْأَخْبَار المتعارضة أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا تَعَارضا فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَينهمَا اَوْ لَا يُمكن فان أمكن فإمَّا ان يُمكن الْجمع بَينهمَا فِي وَقت وَاحِد أَو فِي وَقْتَيْنِ أما فِي وَقت وَاحِد فبأن يحمل أَحدهمَا لمَكَان الآخر على مجَاز إِمَّا بالتخصيص وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَأما فِي وَقْتَيْنِ فبأن يعلم تقدم أَحدهمَا بِعَيْنِه على الآخر فَيكون مَنْسُوخا بِمَا تاخر عَنهُ وَأما مَا لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فإمَّا أَن لَا يُمكن لأنفسهما أَو لأمر اقتران بهما فَمَا لَا يُمكن لأمر اقْترن بهما فَهُوَ أَن يُمكن تاويل أَحدهمَا بِالْآخرِ لَكِن الْأمة منعت من ذَلِك كَرِوَايَة ابْن عَبَّاس ﵁ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة يُمكن تَخْصِيصه فِي الجنسين الْمُخْتَلِفين بِخَبَر أبي سعيد لَكِن السّلف على قَوْلَيْنِ أَكْثَرهم تَركه وَصَارَ إِلَى رِوَايَة أبي
стр. 597
سعيد والأقل أَخذ بِهِ وَأما الَّذِي لَا يُمكن ذَلِك فِيهِ لأنفسهما فَلهُ شُرُوط
مِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا نفيا لحم الآخر أَو حكم أَحدهمَا ضدا لحكم الآخر
وَمِنْهَا أَن يتَعَلَّق كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا تعلق بِهِ الآخر على الْحَد الَّذِي تعلق بِهِ الآخر فِي الْوَقْت الَّذِي تعلق بِهِ الآخر وَلَا يكون أَحدهمَا خَاصّا وَالْآخر عَاما بل يكونَانِ خاصين أَو عَاميْنِ أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فَلَا يكون أَحدهمَا بِأَن يكون مَخْصُوصًا بِالْآخرِ بِأولى من الْعَكْس
وَمِنْهَا أَن لَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر وَمَتى تَعَارضا هَذَا التَّعَارُض رجح بَينهمَا وَعمل على التَّرْجِيح وَإِن تَسَاويا فِي التَّرْجِيح فسنذكر حكمه إِن شَاءَ الله
إِن قيل كَيفَ يثبت التَّنَافِي فِي الْأَخْبَار وَلَيْسَ فِي الألفلظ إِلَّا مَا يُمكن تَأْوِيله على مُوَافقَة غَيره قيل قد يكون فِي الْأَلْفَاظ مَا لَا يُمكن ذَلِك فِيهِ إِلَّا بالتعسف الشَّديد فِي التَّأْوِيل وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي كَلَام حَكِيم ﷺ َ - بَاب فِيمَا يتَرَجَّح بِهِ أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْخَبَر يرجح على الْخَبَر بِمَا يرجع إِلَى سَنَده وَبِمَا يرجع إِلَى مَتنه والراجع إِلَى سَنَده ضَرْبَان أَحدهمَا كَثْرَة الروَاة وَالْآخر أَحْوَالهم وَكَثْرَة الروَاة ضَرْبَان أَحدهمَا تكون الْكَثْرَة مُسَمَّاة وَالْآخر لَا تكون مُسَمَّاة فَالْأول أَن يروي أحد الْخَبَرَيْنِ صَحَابِيّ مَذْكُور وَالْآخر يرويهِ صحابيان مذكوران وَالثَّانِي أَن يروي كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ صَحَابِيّ مَذْكُور ويروي أَيْضا أَحدهمَا تَابِعِيّ ثِقَة عَن النَّبِي ﷺ والمعلوم أَنه مَا أَخذ الْعلم ذَلِك عَن الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ وَلَا عَمَّن أَخذ الْعلم عَنهُ فَيعلم أَنه قد رَوَاهُ صَحَابِيّ آخر
стр. 598
وَأما التَّرْجِيح بأحوال الروَاة فانه يَقع بِقُوَّة الْأَحْوَال المراعاة فِي قبُول الْخَبَر وَهِي ضَرْبَان أَحدهمَا الدّين والورع والتحري وَالْآخر الْعلم والبصيرة بِمَا يرويهِ أما الأول فبأن يكون رَاوِي أحد الْخَبَرَيْنِ أَشد تحريا وَأكْثر ورعا وَأما الثَّانِي فضربان أَحدهمَا أَن تكون قُوَّة علم الرَّاوِي وَشدَّة بصيرته لَا تخْتَص بذلك الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَالْآخر يخْتَص بذلك الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ أما الأول فبأن يكون أَحدهمَا أضبط وَقد يكون أضبط لِأَنَّهُ أَشد تيقظا وأوفر عقلا وأغزر فقها وَقد يسْتَدلّ على أَنه أضبط بِكَوْنِهِ أَكثر اشتغالا بِالْحَدِيثِ وَأَشد انْقِطَاعًا إِلَيْهِ بقلة مَا يَقع فِي حَدِيثه إِلَيْهِ من الْخلَل فِي الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَأما مَا يخْتَص الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فراجع إِلَى قُوَّة طَرِيق الرَّاوِي نَحْو أَن يروي زيد أَنه شَاهد عمرا بِبَغْدَاد فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ فِي وَقت السحر ويروي الآخر أَنه شَاهده فِي ذَلِك الْيَوْم بِالْبَصْرَةِ الظّهْر فان طَرِيق هَذَا أظهر وَدخُول اللّبْس على الرَّاوِي وَالْآخر أَكثر وَنَحْو أَن يُرْسل أَحدهمَا الحَدِيث ويسنده الآخر على قَول بَعضهم لِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل الحَدِيث فَيَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ إِلَّا وَقد اشتدت ثقته بقول النَّبِي ﷺ لذَلِك وَنَحْو أَن يكون أحد الراويين أَشد مُلَابسَة بِمَا رَوَاهُ فَيكون طَرِيقه إِلَيْهِ أظهر فَكَذَلِك رجعت الصَّحَابَة إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي أَحْكَام الْجَنَابَة وَرجح الشَّافِعِي رِوَايَة أبي رَافع فِي تَزْوِيج مَيْمُونَة على رِوَايَة ابْن عَبَّاس لأَنا أَبَا رَافع السفير فِي ذَلِك فَكَانَ أعرف بالقصة وَنحن نذْكر الْآن الْأَدِلَّة على ذَلِك إِن شَاءَ الله
أما كَثْرَة الروَاة فقد رجح بهَا الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن وَلم يرجح بهَا قوم وَالدَّلِيل على التَّرْجِيح بِهِ أَن أحد الْخَبَرَيْنِ إِنَّمَا يرتجح على صَاحبه بِقُوَّة يتَمَيَّز بهَا وَكَثْرَة الْعدَد قُوَّة أما اعْتِبَار الْقُوَّة فِي الْأَخْبَار فقد رَجَعَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بأخبار الْآحَاد وَأَجْمعُوا على الِاحْتِيَاط فِي الْإِخْبَار وَأما أَن كَثْرَة الروَاة تحصل بهَا قُوَّة الْخَبَر فَلِأَن الروَاة إِذا بلغُوا حدا من الْكَثْرَة وَقع الْعلم بخبرهم فَكلما قاربوا تِلْكَ الْكَثْرَة قوي الظَّن لصدقهم وَلِأَن السَّهْو والغلط مَعَ الْكَثْرَة أقل وَكَذَلِكَ الْكَذِب لِأَن الْإِنْسَان يستحي أَن يطلع غَيره على كذبه وَلَا يستحي إِذا
стр. 599
لم يشْعر بِهِ غَيره
وقاس الْمُخَالف الْخَبَر على الشَّهَادَة بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خبر عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم فَلم يتَرَجَّح بِكَثْرَة المخبرين الْجَواب إِن قَاضِي الْقُضَاة ﵀ حكى فِي الدَّرْس أَن مَالِكًا ﵀ رجح إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ بِكَثْرَة الشُّهُود وَغَيره لم يرجحها بِالْكَثْرَةِ قَالَ لِأَن الشَّهَادَة أصل فِي نَفسه أَلا ترى أَنه اعْتبر فِيهَا لفظ مَخْصُوص وَلَيْسَ يجب إِذا لم يجز الشَّهَادَة على مُوجب الْقيَاس فِي ذَلِك من التَّرْجِيح بِقُوَّة الظَّن أَن لَا يجْرِي الْخَبَر على ذَلِك لِأَن الأَصْل هُوَ التَّرْجِيح بِقُوَّة الظَّن إِذْ الظَّن الْقوي مَعَ ظن أَضْعَف مِنْهُ كَالْعلمِ مَعَ الظَّن لِأَن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا زِيَادَة لَيست فِي الآخر فاذا كَانَ الأَصْل ثُبُوت التَّرْجِيح بذلك فَمَا خرج عَن هَذَا الأَصْل لَا يجوز قِيَاس مَا عداهُ عَلَيْهِ بل يجب تبقيه مَا عداهُ على حكم الأَصْل وقاس الْمُخَالف أَيْضا الْخَبَر على الْفَتْوَى فِي أَنه لَا يتَرَجَّح إِحْدَى الفتويين على الْأُخْرَى بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ من أَن خُرُوج الْبَعْض من هَذِه الْمسَائِل عَن مُوجب الْقيَاس لَا يَقْتَضِي خُرُوج الْبَعْض الآخر مِنْهُ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح إِنَّه لَو رجح إِحْدَى الفتويين بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ جَازَ
وَأما التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْوَرع والتحري فانما وَجب لِأَن الْكَذِب والتساهل مَعهَا أبعد فالظن لصدق الرَّاوِي أقوى وَالْخَطَأ مَعَ قُوَّة الضَّبْط أبعد فالظن لصدق الْخَبَر مَعَه يكون أقوى وَالْخَطَأ مَعَ كَون الرَّاوِي أفقه ابعد إِذا كَانَ يروي على الْمَعْنى فَأَما رِوَايَة اللَّفْظ فانه يَسْتَوِي فِيهِ الْفَقِيه وَغَيره والغلط مَعَ الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تَلْتَبِس الْحَال فِيهَا أبعد وَكَون أحد الراويين أَشد مُلَابسَة لما ورد الْخَبَر فِيهِ يبعد مَعَه الالتباس والاشتباه
وَأما تَرْجِيح الْمُرْسل على الْمسند فَلم يذهب إِلَيْهِ أَكثر النَّاس وَذهب عِيسَى ابْن ابان إِلَى التَّرْجِيح بِهِ لِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل الحَدِيث وَيَقُول قَالَ النَّبِي ﷺ إِلَّا وَقد وثق أَن النَّبِي ﷺ قَالَه قَالَ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا الْكَلَام يتَوَجَّه إِذا قَالَ الرَّاوِي قَالَ النَّبِي فَأَما إِذا قَالَ عَن النَّبِي فانه لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ هَذَا
стр. 600
الْكَلَام وَأَيْضًا فان قَول الرَّاوِي قَالَ النَّبِي ﵇ يحسن مَعَه الظَّن لكَونه قَائِلا لذَلِك كَمَا يحسن مَعَ الْعلم فَمن ايْنَ أَنه لم يقل قَالَ النَّبِي إِلَّا وظنه آكِد من الظَّن الْحَاصِل بِرِوَايَة الْمسند الْمعَارض لَهُ فان قَالَ الْمُرْسل للْحَدِيث إِذا أرْسلت فقد حدثت عَن جمَاعَة من الثِّقَات فَحِينَئِذٍ يكون مرسله اقوى مِمَّن أسْند حَدِيثه إِلَى وَاحِد لأجل الْكَثْرَة
وَقد رجح قوم الْخَبَر بِكَوْن الرَّاوِي من أكَابِر السّلف وَكَونه أقدم هِجْرَة وَهَذَا إِنَّمَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح من حَيْثُ كَانَ من هَذِه سَبيله أعرف بأحوال النَّبِي ﵇ واشد خبْرَة بِهِ وَرجح قوم الْخَبَر بِالْحُرِّيَّةِ والذكورية أما الْحُرِّيَّة فَلَا تَأْثِير لَهَا فِي قُوَّة الظَّن وَأما الذكورية فان كَانَ الضَّبْط مَعهَا أَشد وَقع بهَا التَّرْجِيح وكل ذَلِك قد دخل فِيمَا تقدم
وَأما التَّرْجِيح بِمَا يرجع إِلَى متن الْخَبَر فضربان أَحدهمَا رَاجع إِلَى لفظ الْخَبَر وَالْآخر لَا يرجع إِلَى لَفظه اما الرَّاجِع إِلَى لَفظه فبأن يكون فِي أَحدهمَا اختلال فِي اللَّفْظ أَو فِي الْمَعْنى وَالْآخر سليما من ذَلِك فيقوى الظَّن لبعده عَن الْخَطَأ والسهو فان قيل فَمَا كَانَ اضْطِرَاب لَفظه بِغَيْر الْمَعْنى يَنْبَغِي أَن لَا يقبل فَلَا معنى للترجيح عَلَيْهِ قيل قد يقبل إِذا أمكن تَأْوِيل ذَلِك الِاضْطِرَاب على بعض الْوُجُوه وَأما مَا لَا يرجع إِلَى اللَّفْظ فضربان أَحدهمَا صفة حكمه وَالْآخر طَرِيق يشْهد بِحكمِهِ فَأَما مَا يشد بالحكم فضربان أَحدهمَا يَكْفِي نَفسه فِي ثُبُوت الحكم وَالْآخر لَا يَكْفِي وَمَا يَكْفِي نَفسه فِي ذَلِك ضَرْبَان احدهما دَلِيل وَالْآخر أَمارَة فالدليل هُوَ الْكتاب وَالسّنة الْمَقْطُوع بهَا لِأَنَّهُ إِذا وَقع التَّرْجِيح بِمَا لَا يَكْفِي نَفسه فِي ثُبُوت الحكم فالترجيح بِمَا لَا يَكْفِي نَفسه أولى وَهَذَا مَفْرُوض فِي كتاب يدل على الحكم على ضرب من الِاشْتِبَاه وَيكون خبر الْوَاحِد تدل عَلَيْهِ دلَالَة ظَاهِرَة فَحِينَئِذٍ يرجح بِالْكتاب وَإِلَّا فَإِن دلّ الْكتاب دلَالَة ظَاهِرَة فَلَا معنى لِأَن يَقع التَّرْجِيح بِهِ بل هُوَ الأَصْل فِي الدّلَالَة وعَلى هَذَا قد يعضد الْإِجْمَاع الْخَبَر فيرجح بِهِ وَإِن انْعَقَد الْإِجْمَاع عَن غَيره وَمن ذَلِك أَن
стр. 601
يكون من عمل بِأحد الْخَبَرَيْنِ قد عمل بِالْآخرِ وَإِن لم يعلم أَي عمليه هُوَ الْمُتَأَخر فَيكون الْخَبَر الَّذِي عمل بِهِ الْفَرِيقَانِ أولى قَالَ قَاضِي الْقُضَاة لأَنا إِذا لم نعلم أَي العملين هُوَ الْمُتَأَخر كَانَ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ لنا أَن ندفعه بالمحتمل
وَلقَائِل أَن يَقُول سَوَاء كَانَ الْعَمَل بذلك الْخَبَر مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا فانه يكون إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُتَقَدما فقد وافقوا رِوَايَة الْخَبَر الآخر وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَن رُوَاة الْخَبَر الآخر عاملون بِهِ على كل حَال
وَأما الأمارة المرجحة للْخَبَر فَقِيَاس الْأُصُول إِذا شهد بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْخَبَر
فَأَما مَا لَا يَكْفِي فِي ثُبُوت الحكم فضربان
أَحدهمَا أَن يُوَافق أحد الْخَبَرَيْنِ حكم الْعقل الَّذِي يجوز الِانْتِقَال عَنهُ وَذَلِكَ أَن الْعقل لَيْسَ يَكْفِي فِي قبح الْمضرَّة إِلَّا بِشَرْط أَن لَا يُوجد دَلِيل شَرْعِي يدل على أَن فِيهِ مصلحَة وَمَنْفَعَة موفية فان وَافق حكم الْعقل أحد الْخَبَرَيْنِ لم يرجح بذلك على الْخَبَر الآخر فَلذَلِك أخرنا الْكَلَام فِي هَذَا الْقسم
وَالضَّرْب الآخر أَن يعْمل أَكثر السّلف بِأحد الْخَبَرَيْنِ ويعيبوا على من خَالفه كَخَبَر الرِّبَا وَقد رجح بذلك عيس بن أبان لِأَن الْأَغْلَب أَن الصَّوَاب يكون مَعَ الْأَكْثَر وَيمْنَع مِنْهُ قَاضِي الْقُضَاة لِأَن عمل الْأَكْثَر لَيْسَ بِحجَّة وَيجوز الْغَلَط عَلَيْهِم كجوازه على الْأَقَل
وَأما التَّرْجِيح بِصفة حكم الْخَبَر فوجوه
مِنْهَا أَن يكون جكم أحد الْخَبَرَيْنِ مطابقا للْأَصْل وَيكون الآخر نَاقِلا عَن الأَصْل نفيا كَانَ أَو إِثْبَاتًا
وَمِنْهَا أَن يكون لأحد الْخَبَرَيْنِ حكم بَاقٍ بِاتِّفَاق وَلَيْسَ كَذَلِك للْخَبَر الآخر
стр. 602
وَمِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا أحوط
وَمِنْهَا أَن يكون آكِد
وَمِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا قد ندبنا إِلَى إِسْقَاطه
أما إِذا كَانَ حكم احدهما هُوَ الأَصْل فضربان أَحدهمَا أَن يكون الأَصْل من حَال الْمَرْوِيّ عَنهُ وَالْآخر أَن يكون هُوَ الأَصْل فِي الْعقل
فَالْأول نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لم يصل فِي الْكَعْبَة وَأَنه لم يقبل وَهُوَ صَائِم وَأَنه تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال لِأَن الأَصْل هُوَ عدم الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة وَعدم الْقبْلَة وَعدم التَّزْوِيج فَالْخَبَر الْمَرْوِيّ أَنه صلى فِي الْكَعْبَة أولى لِأَن ثِقَة من روى أَنه صلى فِيهَا تَقْتَضِي أَن تحمل رِوَايَة من روى أَنه لم يصل فِيهَا على حسب اعْتِقَاده وَأَنه خَفِي عَلَيْهِ بعض احوال النَّبِي ﷺ وَأما رِوَايَة أم سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ لم يقبلهَا وَهُوَ صَائِم فانما هِيَ رِوَايَة عَن حَالهَا مَعَه لَا تعَارض رِوَايَة عَائِشَة أَنه قبلهَا وَهُوَ صَائِم فَلَا يمْنَع من الْأَخْذ بهَا وعدالة رَاوِي تَزْوِيج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حرَام تَقْتَضِي أَن ينْسب رَاوِي تَزْوِيجه إِيَّاهَا وَهُوَ حَلَال إِلَى أَنه استدام الأَصْل فَكَانَت أولى من هَذِه الرِّوَايَة
وَالضَّرْب الثَّانِي كَرِوَايَة من روى حكما يَقْتَضِيهِ الْعقل نَحْو إِسْقَاط عبَادَة ويروي الآخر التَّعَبُّد بهَا فرواية الْإِثْبَات أولى لِأَن الظَّاهِر ان النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يعلمنَا مَا لَا نعلمهُ من دونه وَهَذَا الظَّاهِر مُطَابق لرِوَايَة من روى الحكم الشَّرْعِيّ فَكَانَت أولى وَلِأَن الظَّاهِر مِمَّا يُطَابق حكم الْعقل أَنه هُوَ الأَصْل الْمُتَقَدّم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى متأخره فَكَانَت أشبه بالناسخ وَالْأَخْذ بالناسخ أولى وَالْوَجْه الأول أقوى
إِن قيل هلا عملتم بِمَا يُوَافق أصل الْعقل لِأَنَّهُ قد عضده دَلِيل وَلَيْسَ كَذَلِك الحكم النَّاقِل قيل إِن الْعقل إِنَّمَا لَا يُوجب الْعِبَادَة بِشَرْط أَن لَا ينْقل
стр. 603
شرع فاذا روى شرع ناقل صَار كَأَن الْعقل مَا اقْتضى نفي تِلْكَ الْعِبَادَة لِأَن شَرط اقتضائه لنفيها قد زَالَ وَالتَّرْجِيح وَاقع بِهَذَا الْقَبِيل وَإِن كَانَ الخبران معلومين إِذا احتججنا بِمَا ذَكرْنَاهُ أخيرا من أَن الْخَبَر النَّاقِل كالناسخ لِأَن النَّاسِخ يقدم على الْمَنْسُوخ وَإِن كَانَا معلومين وَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا كَانَ أَحدهمَا نفيا وَالْآخر إِثْبَاتًا وَكَانَا شرعيين فانهما سَوَاء
وَلقَائِل أَن يَقُول لَا بُد أَن يكون أَحدهمَا مطابقا لحكم الْعقل لِأَنَّهُ لَا فعل من الْأَفْعَال إِلَّا وَله فِي الْعقل حكم إِمَّا الْقبْح أَو الْحسن أَو مَا زَاد على الْحسن وَلَيْسَ يكون أحد الْخَبَرَيْنِ نفيا وَالْآخر إِثْبَاتًا إِلَّا وَالنَّفْي مِنْهُمَا نفي لوَاحِد من هَذِه الْأَحْكَام وَالْإِثْبَات مِنْهُمَا إِثْبَات لبعضها فَإِذن أحد هذَيْن الْخَبَرَيْنِ وَاجِب أَن يكون مطابقا لحكم الْعقل
وَقد مثل قَاضِي الْقُضَاة ذَلِك بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي الْكَعْبَة وَمَا رُوِيَ أَنه لم يصل فِيهَا وَبِمَا رَوَت عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قبلهَا وَهُوَ صَائِم وَمَا رَوَت أم سَلمَة أَنه مَا كَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم وَلَيْسَ هَذَا بمثال الْمَسْأَلَة لِأَن الْقبْلَة ونفيها وَالصَّلَاة ونفيها هِيَ أَفعَال وَلَيْسَت بِأَحْكَام فَيُقَال إِنَّهَا عقلية اَوْ شَرْعِيَّة وَإِنَّمَا الْأَحْكَام جَوَاز الصَّلَاة وَنفي جَوَازهَا وَالْعقل لَو تجرد لَكَانَ مطابقا لنفي جَوَازهَا وَأَنَّهَا غير مصلحَة وَكَون الْقبْلَة غير مفْسدَة للصَّوْم هُوَ مُقْتَضى الْعقل وَكَذَلِكَ تَزْوِيج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال أَو حرَام هُوَ إِيقَاع فعل فِي أَحْوَال وَلَيْسَ ذَلِك بِحكم وَإِنَّمَا الحكم هُوَ حسن ذَلِك مَعَ الْإِحْرَام أَو قبحه وَمُقْتَضى الْعقل هُوَ حسنه فَبَان أَن أَحْكَام هَذِه الْأَفْعَال لَيْسَ يَخْلُو أَن تطابق الْعقل إِمَّا النَّفْي مِنْهَا وَإِمَّا الْإِثْبَات فان مثل ذَلِك بِأَن يَقْتَضِي الْعقل قبح الْفِعْل ويروي خبر فِي إِبَاحَته وَخبر فِي وُجُوبه فَيُقَال إِن وُجُوبه وإباحته شرعيان وَالْإِبَاحَة نفي الْوُجُوب فَالْجَوَاب إِن مَا تضمن الْإِبَاحَة لَا يتَضَمَّن نفي الْوُجُوب فَقَط وَلَو تضمن ذَلِك كَانَ قد تضمن حكما عقليا لِأَن الْقبْح قد اقْتَضَاهُ الْعقل والقبيح غير وَاجِب فَمَا اقْتضى كَونه غير وَاجِب قد
стр. 604
طابق مُقْتَضى الْعقل لَكِن مَا تضمن الْإِبَاحَة قد تضمن نفيا وإثباتا أما النَّفْي فنفي الْوُجُوب وَأما الْإِثْبَات فَهُوَ كَون الْفِعْل حسنا وَهُوَ زِيَادَة نفي الْوُجُوب وَهُوَ حكم شَرْعِي وَالْخَبَر الدَّال على الْوُجُوب أولى لِأَنَّهُ لَا يُعَارض خبر الْإِبَاحَة فِي اقتضائه نفي الْقبْح لِأَن الْوَاجِب غير قَبِيح وَلَا يُعَارضهُ فِي اقتضائه الْحسن لِأَن الْوَاجِب حسن وَإِنَّمَا يُعَارضهُ فِي نفي الْإِيجَاب وَهَذَا هُوَ حكم الْعقل والإيجاب هُوَ الحكم الْمَنْقُول فَكَانَ أولى
فَأَما إِذا كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي إِثْبَات حد وَالْآخر يَقْتَضِي نَفْيه فقوم رجحوا الْخَبَر الْمسْقط للحد لِأَن الْحَد يسْقط بالشبه وبتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ فَوَجَبَ إِسْقَاطه بتعارض الْخَبَرَيْنِ وَيكون ذَلِك كالشبه فِي إِسْقَاطه وقاضي الْقُضَاة يَقُول هما سَوَاء لِأَن الْحَد إِنَّمَا يسْقط عَن الْأَعْيَان بالشبه فَأَما إثْبَاته فِي الْجُمْلَة فِي الشَّرِيعَة فمفارق لإثباته وإسقاطه فِي أَعْيَان الْأَشْخَاص وَلقَائِل أَن يَقُول إِن تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْحَد إِذا كَانَ شبهه فِي إِسْقَاطه الْأَعْيَان مَعَ ثُبُوته فِي أصل الشَّرِيعَة فبأن يجب إِسْقَاطه فِي الْجُمْلَة إِذا تعَارض خبران وَلم يقدم لَهُ حَالَة ثُبُوت أولى
وَأما إِذا تضمن أحد الْخَبَرَيْنِ الْحُرِّيَّة وتضمن الآخر الرّقّ فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنَّهُمَا سيان وَقَالَ غَيره الْمُثبت للحرية أولى لِأَن الْحُرِّيَّة لَا يعترضها من الْأَسْبَاب المبطلة لَهَا مَا يعْتَرض الرّقّ وَلَا يبطل الْحُرِّيَّة بعد ثُبُوتهَا كَمَا يبطل الرّقّ بعد ثُبُوته فَكَانَت الْحُرِّيَّة آكِد
فَأَما إِذا اقْتضى أحد الْخَبَرَيْنِ الْحَظْر وَاقْتضى الآخر الْإِبَاحَة فان أَحدهمَا لَا بُد من كَونه مطابقا لمقْتَضى الْعقل فَيكون النَّاقِل عَنهُ أولى وَلَكِن لَا يمْتَنع أَن ينظر هَل للحظر وَجه تَرْجِيح كَمَا أَن النَّقْل عَن أصل الْعقل وَجه تَرْجِيح فان قيل قد يكون الْحَظْر وَالْإِبَاحَة شرعيين إِذا كَانَ حكم الْعقل الْوُجُوب قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْخَبَر الحاظر هُوَ النَّاقِل عَن مُوجب الْعقل الَّذِي هُوَ الْوُجُوب وَالْخَبَر الْمُبِيح لَا يُعَارض حكم الْعقل من حَيْثُ اقْتضى الْحسن وَإِنَّمَا يُعَارضهُ من
стр. 605
حَيْثُ يَنْفِي الْوُجُوب وَلَا مُعَارضَة بَينه وَبَين الْخَبَر الحاظر من هَذِه الْجِهَة وَالْقَوْل فِي الْحَظْر هَل هُوَ وَجه تَرْجِيح يجْرِي هَكَذَا لَا يخلوا الخبران اللَّذَان أَحدهمَا حاظر وَالْآخر مُبِيح إِمَّا أَن يكون لأَحَدهمَا حكم بَاقٍ أَو لَا يكون لأَحَدهمَا حكم بَاقٍ فان كَانَ لَهُ ذَلِك فإمَّا أَن يكون ذَلِك الحكم يعلم بَقَاؤُهُ بذلك الْخَبَر أَو بِغَيْرِهِ فان لم يعلم إِلَّا بذلك الْخَبَر نَحْو أَن يكون حكما شَرْعِيًّا أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ لأجل ذَلِك الْخَبَر فانه يدل ذَلِك على ثُبُوت الْخَبَر وبقائه لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لم يثبت حكمه وَإِن كَانَ ذَلِك الحكم الْبَاقِي يعلم بِغَيْر ذَلِك الْخَبَر لم يثبت حكمه وَإِن كَانَ ذَلِك الحكم الْبَاقِي يعلم بِغَيْر ذَلِك الْخَبَر فانه لَا يدل على ثُبُوت الحكم وَصِحَّته فَلَا يكون ذَلِك الْخَبَر أولى من غَيره نَحْو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه سُئِلَ عَن مس الذّكر هَل فِيهِ وضوء فَقَالَ لَا هَل هُوَ إِلَّا بضعَة مِنْك فان كَون الذّكر بضعَة من الْإِنْسَان وَإِن كَانَ بَاقِيا فَلَيْسَ بَقَاؤُهُ لأجل هَذَا الْخَبَر فَيدل على بَقَاء الْخَبَر فَأَما إِن لم يكن لأحد الْخَبَرَيْنِ حكم بَاقٍ فان الشَّيْخ ابا الْحسن قَالَ الحاظر أولى وَقَالَ الشَّيْخ ابو هَاشم وَعِيسَى ابْن أبان رحمهمَا الله يطرحان وَيرجع الْمُجْتَهد إِلَى غَيرهمَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَو الْبَقَاء على حكم الْعقل وَوجه قَوْلهمَا هُوَ أَنا إِذا علمنَا تقدم أحد هذَيْن الْخَبَرَيْنِ وَلم يعلم ايهما هُوَ الْمُتَقَدّم جَازَ كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخر الَّذِي يجب الْعَمَل بِهِ بَدَلا من صَاحبه وَلَيْسَ يجوز استعمالهما لأَنا فَرضنَا الْكَلَام فِي خبرين متنافيين وَلذَلِك احتجنا إِلَى التَّرْجِيح وَلَا يجوز الْعَمَل على أَحدهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَمَل على أَحدهمَا أولى من الْعَمَل على الآخر فَلم يبْق إِلَّا إطراحهما وجريا مجْرى عقدتي وليين على امْرَأَة وَلَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر فانهما تبطلان لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَجرى مجْرى الغرقى فِي أَنه إِذا لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر بَطل حكم الْإِرْث بَينهم
فان قيل فَيجب أَن لَا يعملوا على حكم الْعقل لجَوَاز أَن يكون هُوَ الْمفْسدَة قيل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك بِدَلِيل شَرْعِي ناقل وَلَا دَلِيل فِي الشَّرْع مَعَ التَّعَارُض لِأَن التَّعَارُض والتمانع يصير الشَّرْع كَأَنَّهُ لم يكن فينفرد حكم الْعقل
стр. 606
وَالْجَوَاب عَن الشهبة هُوَ أَن قَوْلهم إِذا جَازَ أَن يكون كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ هُوَ الْمُتَأَخر فَلم يكن الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا أولى من الآخر هُوَ نفس الْخلاف لِأَن الْمُخَالف يَقُول بل الْعَمَل على الحاظر أولى وَإِن جَوَّزنَا تقدمه وَلَا يشبه ذَلِك عقدتي الوليين على المراة لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد الْعقْدَيْنِ حاظرا وَالْآخر مبيحا وَكَذَلِكَ الغرقى لما ترافع مَوْتهمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم جِهَة مُخْتَصَّة للحظر وجهة مُخْتَصَّة للاباحة
وَقد نصر القَوْل الأول بِوُجُوه
مِنْهَا أَن الْحَظْر أَدخل فِي التَّعَبُّد من الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ أشق فَكَانَ أولى وَالْجَوَاب إِن الْفِعْل قد يتعبدنا الله بحظره وَقد يتعبدنا الله باعتقاد إِبَاحَته وَقد يرد الشَّرْع باباحته مَا لم يكن فِي الْفِعْل مُبَاحا كَمَا يرد بحظر مَا لم يكن مَحْظُورًا فَلَيْسَ أَحدهمَا أَدخل فِي التَّعَبُّد من الآخر
وَمِنْهَا أَنه إِذا تعَارض خَبرا حظر وَإِبَاحَة فقد حصلت جِهَة حظر وجهة إِبَاحَة وَهَاتَانِ الجهتان مَتى اجتمعتا كَانَ الْحَظْر أولى أَلا ترى أَن الْأمة بَين شَرِيكَيْنِ لما اجْتمع فِيهَا ملك هَذَا الشَّرِيك فَهُوَ مُبِيح لَهُ الوطيء وَملك الآخر وَهُوَ حاظر كَانَ الْحَظْر أولى الْجَواب إِن ملك أحد الشَّرِيكَيْنِ لبَعض الْأمة لَيْسَ بِجِهَة مبيحة للوطيء با الْجِهَة المبيحة للوطيء ملك جَمِيعهَا فَلم يحصل فِي هَذِه الْأمة جهتان إِحْدَاهمَا لَو انْفَرَدت أَبَاحَتْ وَالْأُخْرَى لَو انْفَرَدت حظرت والخبران كل وَاحِد مِنْهُمَا لَو انْفَرد لثبت حكمه
وَمِنْهَا لَو غرق جمَاعَة من الْأَقَارِب وخفي علينا تقدم بَعضهم على بعض جعلناهم كَأَنَّهُمْ غرقوا مَعًا وَلم نؤرث بَعضهم من بعض وغلبنا حظر التَّوَارُث بَينهم الْجَواب إِن ذَلِك حجَّة لمخالفهم لأَنهم قد نزلُوا منزلَة من لم يموتوا وَفرق بَينهمَا قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الغرقى يجوز أَن يَكُونُوا غرقوا مَعًا فَجَاز أَن نجريهم هَذَا المجرى أما الْخَبَر الحاظر والمبيح فَلَا يجوز كَونهمَا واردين مَعًا فَلم
стр. 607
يَصح تقديرهما هَذَا التَّقْدِير
وَمِنْهَا أَن الْعَمَل على الْحَظْر أحوط لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْفِعْل مَحْظُورًا فقد تجنبه الْمُكَلف وَإِن كَانَ مُبَاحا لم يضرّهُ تَركه وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا استباحه وَفعله لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون مَحْظُورًا فَيكون بِفِعْلِهِ لَهُ فَاعِلا لمحظور
إِن قيل وَهُوَ معذر إِذا عمله على الْحَظْر لِأَنَّهُ قد اعْتقد قبحه وَلَا يَأْمَن كَونه مسنا فَيكون مقدما على اعْتِقَاد لَا يَأْمَن كَونه جهلا فَالْجَوَاب إِن الْفِعْل إِذا كَانَ مَحْظُورًا فاستباحه الْإِنْسَان كَانَ بِفِعْلِهِ وباعتقاد إِبَاحَته مقدما على قبيحين وَإِذا كَانَ مُبَاحا فتجنبه مُعْتَقدًا لحظره كَانَ مقبحا باعتقاد حظره فَصَارَ التَّعْزِير فِي ذَلِك أَكثر وَكَانَ الْعُدُول إِلَى تجنبه أولى لِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَض إِلَّا التَّرْجِيح بِوَجْه لَهُ ضرب من الْقُوَّة وَأَيْضًا فانه إِذا ثَبت أَن تجنب الْفِعْل أولى من الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي تعَارض فِيهِ الخبران قَطعنَا على أَن اعْتِقَاد تجنبه وحظره لَيْسَ بِجَهْل وَلَا قَبِيح وَلَا نَكُون مقدمين على اعْتِقَاد لَا يُؤمن كَونه جهلا فَهَذَا الْوَجْه أولى فِي الِاحْتِجَاج من كل مَا سلف
فان قيل أَلَيْسَ إِذا تَعَارَضَت الْبَيِّنَتَانِ فِي الْملك لم تسقطا وَعَملا عَلَيْهِمَا فَهَلا وَجب مثله فِي الْخَبَرَيْنِ قيل أحد لم يقل فِي الْخَبَرَيْنِ المتنافيين كَذَلِك فان قيل فَهَلا اطرحتم الْبَيِّنَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا اطرحتم الْخَبَرَيْنِ قيل لِأَنَّهُ يُمكن الْعَمَل عَلَيْهِمَا بِأَن يَجْعَل الدَّار ملكا بَين المتداعيين وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الْبَيِّنَتَيْنِ يجوز صدقهما بِأَن يشْهد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا شهد بِهِ لمَكَان الْيَد وَالتَّصَرُّف وَيجوز أَن يكون المتداعيان متصرفين فِي الْملك فَيثبت لكل وَاحِد مِنْهُمَا الْملك بِحكم الْيَد وَلَيْسَ يجوز وُرُود الْإِبَاحَة والحظر مَعًا فينقلا مَعًا
стр. 608
الْكَلَام فِي الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد
فصل فِي ذكر أَبْوَاب الْقيَاس
اعْلَم أَن الْغَرَض بالْكلَام فِي الْقيَاس أَن نبين أَنه متعبد بِهِ ونبين شُرُوطه وَالْكَلَام فِي وُرُود التَّعَبُّد بِهِ يَنْبَغِي أَن يتقدمه جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ وكلا الْأَمريْنِ يبتنى على الْكَلَام فِي مَاهِيَّة الْقيَاس وَلما كَانَ الْقيَاس الشَّرْعِيّ أَمارَة وَجب أَن نبين أول مَا الأمارات وَمَا أقسامها ثمَّ نذْكر مَا الْقيَاس وَمَا يتَّصل بِهِ ثمَّ نذْكر جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ وَنفي جَوَاز ذَلِك وَذَلِكَ يتَضَمَّن أبوابا مِنْهَا جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ فِي الْجُمْلَة وَمِنْهَا جَوَاز تعبد النَّبِي ﷺ بِهِ وَمِنْهَا جَوَاز تعبد من عاصره بِهِ وَمِنْهَا أَنه لَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ فِي جَمِيع الشرعيات وَأما وُرُود التَّعَبُّد فيتضمن أَيْضا أبوابا مِنْهَا وُرُود التَّعَبُّد بِهِ فِي الْجُمْلَة وَمِنْهَا هَل النَّص على عِلّة الحكم يَكْفِي فِي التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ أم لَا وَمِنْهَا هَل يفقتر التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ إِلَى أَن ينص لنا على الأَصْل الْمَقِيس عَلَيْهِ وَإِلَى إِجْمَاع الامة على تَعْلِيل الأَصْل أم لَا وَمِنْهَا هَل تعبد النَّبِي ﵇ بِالْقِيَاسِ وَمِنْهَا هَل تعبد بِهِ من عاصره وَمِنْهَا هَل يُوصف الْقيَاس المتعبد بِهِ بِأَنَّهُ دين ومأمور بِهِ وَبعد ذَلِك نتكلم فِي شُرُوط الْقيَاس وَذَلِكَ يشْتَمل على أَبْوَاب سنذكرها إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي الأمارات وأحكامها ﷺ َ -
اعْلَم أَن الأمارة هِيَ الَّتِي النّظر الصَّحِيح فِيهَا يُؤَدِّي إِلَى الظَّن وَبِذَلِك نتميز من الدّلَالَة والمتكلمون يسمون كل مَا هَذِه سَبيله أَمارَة عقليا كَانَ أَو
стр. 609
شَرْعِيًّا وَالْفُقَهَاء يسمون الأمارات الشَّرْعِيَّة كالقياس وَخبر الْوَاحِد أَدِلَّة وَلَا يسمون الأمارات الْعَقْلِيَّة أَدِلَّة كالأمارة على الْقبْلَة وعَلى قيم الْمُتْلفَات وَالْكَلَام فِي ذَلِك كَلَام فِي عبارَة لَا طائل فِي الْإِكْثَار مِنْهُ
وَأما قسْمَة الأمارات فقد ذكر فِيهَا عدَّة وُجُوه مِنْهَا المحكى عَن الشَّيْخ أبي الْحسن ﵀ وَهِي أَن أَدِلَّة الشَّرْع الَّتِي لَيست بِنَصّ وَلَا ظَاهر مِنْهَا مَا يُسمى قِيَاسا وَمِنْهَا مَا يُسمى دَلِيلا على صِحَة الْعلَّة وَمِنْهَا مَا يُسمى دَلِيلا على مَوضِع الحكم وَمِنْهَا مَا يُسمى دَلِيلا على المُرَاد بالعبارة الْمُشْتَركَة هَذَا مَا لَهُ اصل معِين فَأَما مَا لَا أصل لَهُ معِين فنحو مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى قيم الْمُتْلفَات وَلَيْسَ يَعْنِي بِالْأَصْلِ هَا هُنَا مَا يَقع الرَّد إِلَيْهِ لِأَن كثيرا من هَذِه الْأَقْسَام لَا يَقع الرَّد إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْأَصْلِ هَا هُنَا طَريقَة يشار إِلَيْهَا
وَنحن نقسم مَا ذكره فَنَقُول ادلة الشَّرْع إِمَّا ظَاهر وَنَصّ وَإِمَّا غير ظَاهر وَغير نَص وَمَا لَيْسَ بِظَاهِر مِنْهُ مَا لَا يحصل فِيهِ طَريقَة مُعينَة مثل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى قيم الْمُتْلفَات وَمِنْه مَا لَهُ طَريقَة مُعينَة يشار إِلَيْهَا وَلما كَانَ كل دَلِيل فَلهُ مَدْلُول وَجب فِيمَا لَهُ طَريقَة مُعينَة أَن يدل على مَدْلُول وَلَا يَخْلُو مَدْلُوله إِمَّا أَن يكون حكما وَإِمَّا دَلِيلا على حكم فَمَا يدل على حكم مِمَّا لَهُ طَريقَة يشار إِلَيْهَا فَهُوَ الْقيَاس وَمَا يدل على دَلِيل حكم فَمِنْهُ مَا يدل على عِلّة حكم لِأَن عِلّة الحكم دَلِيل على الحكم وَذَلِكَ نَحْو مَا كَانَ يسْتَدلّ بِهِ على أَن الْكَيْل أولى من الطّعْم فِي كَونه عِلّة الرِّبَا وَمِنْه مَا يدل على مُرَاد الله سُبْحَانَهُ بخطابه الْمُشْتَرك نَحْو مَا يدل على أَن المُرَاد بِآيَة الْأَقْرَاء الْحيض وَمِنْه مَا يدل على أَن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِالْكَفَّارَةِ الْمُعَلقَة بِالْجِمَاعِ فِي الصَّوْم هُوَ أَن يعلقها بهتك صَوْم شهر رَمَضَان مَعَ ضرب من المأثم وَهَذَا هُوَ الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم
قَالَ قَاضِي الْقُضَاة كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِيهَا الِاسْتِحْسَان وَأجَاب عَن
стр. 610
ذَلِك بِأَن الِاسْتِحْسَان إِمَّا أَن يكون عُدُولًا إِلَى قِيَاس أولى من قِيَاس فقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقيَاس فِي جملَة أقسامه وَإِمَّا أَن يكون عُدُولًا إِلَى نَص وَلَيْسَ غَرَضه قسْمَة النُّصُوص فيدخله فِي جملَته وَقَالَ أَيْضا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر مَا يحْتَج بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة من قَوْلهم إِن الْعِبَادَة إِذا لم تفْسد لعدم صفة من صفاتها فبأن لَا تفْسد بِوُقُوع تِلْكَ الصّفة على وَجه الْفساد أولى وللشيخ أبي الْحسن أَن يُجيب على ذَلِك بِأَن هَذَا دَاخل فِي جملَة الْقيَاس وَذَلِكَ أَن الْعِبَادَة الَّتِي قد انْتَفَت عَنْهَا الصّفة وَالَّتِي قد حصلت فِيهَا الصّفة على وَجه الْفساد قد اشْتَركَا فِي أَنَّهُمَا لم يختصا بِالصّفةِ على وَجه الصِّحَّة وَقَالَ أَيْضا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِي ذَلِك استدلالهم على أَن انكشاف ربع السَّاق فِي الصَّلَاة يُفْسِدهَا وَهُوَ قَوْلهم إِن انكشاف جَمِيعه يُفْسِدهَا لِأَن المواجه لَهُ يرى ربعه وَلأبي الْحسن ان يَقُول إِن هَذَا دَاخل فِي جملَة الْقيَاس لِأَنِّي قد علمت أَن الْعلَّة الْمفْسدَة للصَّلَاة إِذا انْكَشَفَ جَمِيعه هُوَ إِمْكَان رُؤْيَة ربعه وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة فِي انكشاف ربعه فالجمع بَينهمَا قِيَاس
وَقِسْمَة أُخْرَى محكية عَن الشَّافِعِي ﵀ وَهِي أَن أَدِلَّة الشَّرْع مستنبطة وَغير مستنبطة وَالَّتِي لَيست مستنبطة يدْخل فِيهَا خطاب الله وخطاب رَسُوله وأفعاله وخطاب الامة وافعالها والمستنبطة ضَرْبَان احدهما تحقق فِيهِ الْعلَّة وَالْآخر لَا تحقق فِيهِ الْعلَّة أما الَّذِي تحقق فِيهِ الْعلَّة فضربان أَحدهمَا لَا يقوى شبه الْفَرْع فِيهِ إِلَّا بِأَصْل وَاحِد ويسميه قِيَاس عِلّة وَقِيَاس معنى كرد العَبْد إِلَّا الْأمة فِي تنصيف الْحَد وَالْآخر يُقَوي شُبْهَة باصول مُخْتَلفَة وَأَن يرجح شبهه بِأَحَدِهِمَا نَحْو شبه العَبْد الْمُتْلف بالمملوكات وبالحر الَّذِي دِيَته مقدرَة وَيُسمى ذَلِك قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه وَمَا لَا تحقق فِيهِ الْعلَّة هُوَ إِيجَابه على من هُوَ خَارج الْمصر حُضُور الْجُمُعَة وَنَحْو اشْتِرَاك الْأَخ وَالْجد فِي الْمِيرَاث وَهَذَا الْمِثَال خَارج من هَذَا الْقسم لِأَن الْعلَّة فِيهِ مُحَققَة وَهُوَ الإدلاء بِالْمَيتِ وَيبعد أَن يسْتَدلّ على الْأَحْكَام بطريقة مستنبطة لَا تحقق فِيهَا الْعلَّة لِأَن الْعلَّة هِيَ الطَّرِيق إِلَى الحكم فَمَا لم تحقق لم يُمكن التَّوَصُّل إِلَى الحكم
стр. 611
وَكَانَ الشَّافِعِي يُسَمِّي الْقيَاس اسْتِدْلَالا لِأَنَّهُ فحص وَنظر ويسمي الِاسْتِدْلَال قِيَاسا لوُجُود التَّعْلِيل فِيهِ
وَقسم قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الْعمد الأمارات قسْمَة هَذَا مَعْنَاهَا الأمارات الَّتِي لَيست بأخبار آحَاد إِمَّا أَن يكون لَهَا أصل يَقع الرَّد إِلَيْهِ وَهُوَ الْقيَاس وَإِمَّا أَن لَا يكون لَهَا أصل يَقع إِلَيْهِ الرَّد وَهُوَ ضَرْبَان
أَحدهمَا لَا يتلخص الامارة فِيهِ كالأمارة الَّتِي يفصل بهَا بَين الْعَمَل الْقَلِيل وَالْكثير فِي الصَّلَاة إِذْ الْمرجع بذلك إِلَى مَا يغلب فِي الظَّن من غير أَمارَة يُمكن تَعْيِينهَا وَلَا يُمكن أَن يَجْعَل أَمارَة الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة أَن لَا يغلب على ظن الْمشَاهد لفَاعِله أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة لِأَن من يُشَاهد غَيره يقتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ من الْعَمَل الْقَلِيل
وَالضَّرْب الآخر يُمكن تَلْخِيص الأمارة فِيهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَمارَة عقلية وَالْآخر أَمارَة سمعية والأمارة الْعَقْلِيَّة هِيَ الَّتِي لَا يحْتَاج فِي كَونهَا أَمارَة إِلَى سمع وَهِي ضَرْبَان احدهما الحكم الْمُتَعَلّق بهَا عَقْلِي وَالْآخر سَمْعِي أما الأول فقيم الْمُتْلفَات الحكم فِيهِ عَقْلِي وَهُوَ قدر الْقيمَة والأمارة عقلية وَهِي اختبار عادات النَّاس فِي البيع وَيُمكن تَلْخِيص الأمارة فِي ذَلِك لِأَن من قوم الثَّوْب بِعشْرَة دَرَاهِم لَو قيل لَهُ لم قومته لقَالَ إِن عَادَة النَّاس أَن يبيعوا مثله بِعشْرَة دَرَاهِم
إِن قيل هلا أوجبتم من جِهَة الْعقل إِذا خرق زيد ثوب عَمْرو أَن يخرق عَمْرو ثوب زيد قيل إِن زيدا لَو أمكنه أَن لَا يخرق مَا خرقه من ثوب عَمْرو وَجب عَلَيْهِ أَن لَا يخرقه وَلم يُوجد معنى لذَلِك فاذا لم يُمكنهُ ذَلِك وَجب عَلَيْهِ مَا يجْرِي هَذَا المجرى وَهُوَ سد الثلمة الَّتِي أحدثها بِدفع الْمثل أَو الْقيمَة حَتَّى يصير كَأَنَّهُ لم يحدث مَا أحدث
فان قيل إِنَّه إِذا خرج من الْقيمَة فقد نفى شِفَاء الغيظ قيل إِن غيظ
стр. 612
الْمَجْنِي عَلَيْهِ يَزُول بِخُرُوج الْجَانِي من الْقيمَة أَو الْمثل مَعَ الِاعْتِذَار أَو مَعَ إِلْزَام الْحَاكِم إِيَّاه ذَلِك
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن السُّؤَال بِأَن زيدا إِذا خرق ثوب من خرق ثَوْبه فقد أضرّ بِنَفسِهِ حِين لم يتعوض من مَاله التَّالِف بِمَال غَيره والإضرار بِالنَّفسِ من غير فَائِدَة قَبِيح وَسَأَلَ نَفسه فَقَالَ هلا كَانَت الْفَائِدَة فِي ذَلِك التشفي فَقَالَ التشفي إِنَّمَا يحسن تبعا لحسن تخريق ثوب الْجَانِي فاذا لم يحسن ذَلِك لم يحسن التشفي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يقبح تخريق ثوب الْجَانِي إِذا بينتم أَنه لَا يحسن التشفي فقبحه تَابع لبُطْلَان كَون التشفي وَجها فِي حسنه بِخِلَاف قَوْلكُم إِن التشفي تَابع لحسن التخريق
وَأما الأمارة الْعَقْلِيَّة الَّتِي حكمهَا سَمْعِي فنحو الأمارات الْعَقْلِيَّة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى جِهَة الْقبْلَة وَحكمهَا السمعي وجوب التَّوَجُّه فِي تِلْكَ الْجِهَة وعَلى التَّحْقِيق حكمهَا هُوَ كَون الْقبْلَة فِي تِلْكَ الْجِهَة وَوُجُوب التَّوَجُّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة هُوَ تَابع لحكمها إِلَّا أَن ذَلِك لَا يخرج وجوب التَّوَجُّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة من أَن يكون من أَحْكَام هَذِه الأمارة على بعض الْوُجُوه
وَأما الأمارة السمعية فَهِيَ الَّتِي يفْتَقر فِي كَونهَا أَمارَة إِلَى سمع وَلَا يَخْلُو حكمهَا إِمَّا أَن يكون سمعيا أَو عقليا إِلَّا أَنه لَا يجوز أَن يكون حكمهَا عقليا لِأَن الْعقل أسبق من السّمع وَطَرِيق الشَّيْء لَا يجوز أَن يتَأَخَّر عَنهُ وَأما الَّتِي حكمهَا سَمْعِي فنحو جعل الْمَسْجِد أَمارَة فاصلة بَين الْحَالة الَّتِي يجوز للامام إِذا أحدث أَن يسْتَخْلف فِيهَا وَبَين الْحَالة الَّتِي لَا يجوز لَهُ ذَلِك من حَيْثُ بني الْمَسْجِد للصَّلَاة الْوَاحِدَة فَكَانَ كالصف الْوَاحِد فَهَذَا الِاعْتِبَار بِالشَّرْعِ علم كَونه أَمارَة وَالْحكم الْمُتَعَلّق بِهِ سَمْعِي وَكَذَلِكَ وجوب مصير أهل الْقرى إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة إِذا سمعو الْأَذَان هُوَ حكم سَمْعِي وَكَون سَماع الْأَذَان أَمارَة لذَلِك مَعْلُوم بِالسَّمْعِ
стр. 613
فان قيل وَلم قُلْتُمْ إِن مَا لَا يتلخص فِيهِ طَريقَة مُعينَة لَا بُد فِيهِ من أَمارَة قيل لِأَن الله سُبْحَانَهُ كلفنا فِي ذَلِك الِاجْتِهَاد وَالنَّظَر وَلَا بُد من أَن نجتهد فِي طَرِيق إِمَّا دلَالَة وَإِمَّا أَمارَة فَإِذا لم يكن دلَالَة فَلَا بُد من أَمارَة وَإِن لم يتلخص الْعبارَة عَنْهَا وَلِهَذَا يجد الْإِنْسَان فِي نَفسه أمرا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الظَّن فان مَا عمله فِي الصَّلَاة عمل قَلِيل وَإِن لم يتلخص الْعبارَة عَنهُ
وَاعْلَم أَن الأمارة لَا بُد من أَن يكون بَينهَا وَبَين مَا هِيَ أَمارَة فِيهِ تعلق لَوْلَا ذَلِك لم يكن بِأَن يكون أَمارَة عَلَيْهِ أولى من أَن لَا يكون أَمارَة عَلَيْهِ أَو أَمارَة على غَيره وَذَلِكَ التَّعَلُّق ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون الأمارة كالمؤثرة فِي مدلولها على الْأَكْثَر والأغلب وَالْآخر أَن تكون لَوْلَا مدلولها لما كَانَت الأمارة على الْأَمر الْأَكْثَر وَيكون مدلولها كالمؤثر فِيهَا وَيجوز حُصُول الأمارة على الندرة من دون مدلولها مِثَال الأول من العقليات الْغَيْم الرطب فِي زمن الشتَاء لِأَنَّهُ كالمؤثر فِي نزُول الْمَطَر وَهُوَ أَمارَة عَلَيْهِ ومثاله أَيْضا دين الْإِنْسَان فانه مُؤثر فِي تجنبه الْكَذِب وَهُوَ أَمارَة عَلَيْهِ ومثاله فِي الشرعيات وجود عِلّة الأَصْل فِي الْفَرْع فانها أَمارَة لثُبُوت حكمه وَهِي طريقنا إِلَى ثُبُوت الحكم فِيهِ إِذا دلّ الدَّلِيل على وجوب الْقيَاس وَمِثَال الْقسم الثَّانِي من العقليات أَن نعلم أَن فِي بعض الْمنَازل مَرِيضا قد شفي ثمَّ يسمع الصُّرَاخ من دَاره فَذَلِك أَمارَة على مَوته وَمَوته هُوَ الْمُؤثر فِي الصُّرَاخ ولولاه لم يكن الصُّرَاخ فِي الْأَكْثَر وَإِن جَازَ أَن يكون سَبَب حُدُوثه غير مَوته ومثاله من الشرعيات ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل مَعَ وصف وانتفاؤه فِي الأَصْل عِنْد انتفائه فَذَلِك أَمارَة لكَون ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم فِي الأَصْل لِأَن حُصُول الحكم بِحُصُول الْوَصْف وانتفاؤه بانتفائه طَرِيق إِلَى كَون ذَلِك عِلّة فاذا لم يكن دلَالَة فَهُوَ إِذا أَمارَة على ذَلِك وَلَوْلَا أَن ذَلِك الْوَصْف هُوَ عِلّة الحكم لم تحصل هَذِه الأمارة أَعنِي ثُبُوت الحكم بِثُبُوت الْوَصْف وانتفاؤه بانتفائه وَإِذا ثَبت أَن ذَلِك الْوَصْف هُوَ عِلّة الحكم فِي الأَصْل ثَبت كَونه أَمارَة على وجوب الحكم فِي الْفَرْع وَلَيْسَ يمْتَنع كَون الحكم على كَيْفيَّة مَخْصُوصَة أَمارَة على أَن بعض أَوْصَاف الأَصْل هُوَ عِلّة حكمه
стр. 614
وَتَكون الْعلَّة أَمارَة على وجوب الحكم فِي الْفَرْع ﷺ َ - بَاب فِي الْقيَاس مَا هُوَ ﷺ َ -
اخْتلف النَّاس فِي حد الْقيَاس فحده بَعضهم بِأَنَّهُ اسْتِخْرَاج الْحق وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون اسْتِخْرَاج الْحق بالاستدلال بالنصوص والظواهر قِيَاسا وَيلْزم ذَلِك أَيْضا من حَده بِأَنَّهُ اسْتِدْلَال وَحده بَعضهم بِأَنَّهُ التَّشْبِيه وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون من قَالَ إِن الارز يشبه الْبر فِي الصلابة قائسا وَأَن يُوصف الله سُبْحَانَهُ بانه قائس إِذا شبه بَين الشَّيْئَيْنِ وَحده الشَّيْخ أَبُو هَاشم بِأَنَّهُ حمل الشَّيْء على غَيره وإجراء حكمه عَلَيْهِ فان أَرَادَ إِجْرَاء حكمه عَلَيْهِ لأجل الشّبَه فَصَحِيح وَكَانَ يجب التَّصْرِيح بذلك وَإِن لم يرد ذَلِك لم يَصح لِأَن إِثْبَات الحكم فِي الشَّيْء من غير تَشْبِيه بَينه وَبَين غَيره يكون مُبْتَدأ وَمن ابْتَدَأَ فَأثْبت فِي الشَّيْء حكما لَا يكون قائسا وَإِن اتّفق أَن يكون ذَلِك الحكم ثَابتا فِي غَيره وَحده قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَنَّهُ حمل الشَّيْء على الشَّيْء فِي بعض أَحْكَامه لضرب من الشّبَه
وَأبين من هَذَا أَن يحد بِأَنَّهُ تَحْصِيل حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم عِنْد الْمُجْتَهد وَقد دخل فِي ذَلِك الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي الْإِثْبَات وَفِي النَّفْي وَإِنَّمَا قُلْنَا الشّبَه عِنْد الْمُجْتَهد لِأَن الْمُجْتَهد قد يظنّ أَن بَين الشَّيْئَيْنِ شبها وَإِن لم يكن بَينهمَا شبه فَيكون رده إِلَيْهِ قِيَاسا وَإِنَّمَا حددنا الْقيَاس بِمَا ذكرنَا لِأَن الْمَعْقُول من الْقيَاس أَن يكون قِيَاس شَيْء على شَيْء أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ قست هَذَا الشَّيْء قيل لَهُ على مَاذَا قسته وَلَو أثبت الْإِنْسَان حكم الشَّيْء فِي غَيره لَا لشبه بَينهمَا لَكَانَ مبتدئا بالحكم فِيهِ غير مراع لحكم الأَصْل وَلم يشرط اعْتِبَار الشّبَه فِي الْحَد لِأَنَّهُ دَاخل فِي الْمَعْقُول من الْقيَاس لَا لِأَن الْقيَاس لَا يَصح من دونه
стр. 615
إِن قيل أَلَيْسَ الْفُقَهَاء يسمون قِيَاس الْعَكْس قِيَاسا وَلَيْسَ هُوَ تَحْصِيل حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم بل هُوَ تَحْصِيل نقيض حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لافتراقهما فِي عِلّة الحكم مِثَاله قَول الْقَائِل لَو لم يكن الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف لما كَانَ من شَرطه وَإِن نذر أَن يعْتَكف بِالصَّوْمِ كَالصَّلَاةِ لما لم تكن من شَرط الِاعْتِكَاف لم تكن من شَرطه وَإِن نذر أَن يعْتَكف بِالصَّلَاةِ فَالْأَصْل هُوَ الصَّلَاة وَالْحكم هُوَ نفي كَونهَا شرطا فِي الِاعْتِكَاف وَلَيْسَ يثبت هَذَا الحكم فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الصَّوْم فَإِنَّمَا يثبت نقيضه وَلم يجتمعا فِي الْعلَّة بل افْتَرقَا فِيهَا لِأَن الْعلَّة الَّتِي لَهَا لم تكن الصَّلَاة شرطا فِي الِاعْتِكَاف هِيَ كَونهَا غير شَرط فِيهِ مَعَ النّذر وَهَذَا الْمَعْنى غير مَوْجُود فِي الصَّوْم لِأَنَّهُ شَرط مَعَ النّذر الْجَواب انه إِذا كَانَ الْمَعْقُول من الْقيَاس أَن يكون قِيَاس شَيْء على شَيْء وَلَا يكون قِيَاسا عَلَيْهِ إِلَّا وَقد اعْتبر حكمه وَلَا يكون الْقيَاس مُعْتَبرا بِحكمِهِ إِلَّا وَقد اعْتبر الشّبَه بَينهمَا إِذا كَانَ ذَلِك لَا يتم فِي قِيَاس الْعَكْس وَجب تَسْمِيَته قِيَاسا مجَازًا من حَيْثُ كَانَ الْفَرْع مُعْتَبرا بِغَيْرِهِ على بعض الْوُجُوه فَلَا يجب إِذن دُخُوله فِي الْحَد
وَيجوز أَن نحد الْقيَاس بِحَدّ يشْتَمل قِيَاس الطَّرْد وَالْعَكْس فَنَقُول الْقيَاس هُوَ تَحْصِيل الحكم فِي الشَّيْء بِاعْتِبَار تَعْلِيل غَيره وَهَذَا الْحَد يشْتَمل على كلا القياسين أما قِيَاس الطَّرْد فقد حصل الحكم فِي فَرعه بِاعْتِبَار تَعْلِيل الأَصْل وَأما قِيَاس الْعَكْس فانه قد اعْتبر تَعْلِيل الأَصْل لنفي حكمه من الْفَرْع لافتراقهما فِي الْعلَّة
وَإِذا حددنا الْقيَاس بذلك قسمناه إِلَى قِيَاس الطَّرْد وَالْعَكْس وَقِيَاس الطَّرْد هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَقِيَاس الْعَكْس هُوَ تَحْصِيل نقيض حكم الشَّيْء فِي غَيره لافتراقهما فِي عِلّة الحكم
فَأَما حكم الْقيَاس الشَّرْعِيّ فَهُوَ المنقسم إِلَى كَون الْفِعْل قبيحا وحسنا وَيكون فعله أولى من تَركه أَو يكون تَركه أولى من فعله وَكَونه وَاجِبا
وَأما الأَصْل فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه مُسْتَعْمل فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا
стр. 616
الطَّرِيق إِلَى الشَّيْء كالكتاب هُوَ أصل الْأَحْكَام وأحدها الحكم الْمَقِيس عَلَيْهِ وَهُوَ أصل الْقيَاس وَاحِدهَا الشَّيْء الَّذِي لَا يَصح الْعلم بِغَيْرِهِ إِلَّا مَعَ الْعلم بِهِ كالموصوف وَالصّفة وأحدها الحكم الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره كدخول الْحمام بِغَيْر عوض مُقَدّر فَإِنَّهُ يُقَال إِن هَذَا أصل فِي نَفسه وَيُمكن أَن يُقَال إِن قَوْلنَا أصل يسْتَعْمل على الْحَقِيقَة وعَلى الْمجَاز فالمستعمل على الْحَقِيقَة هُوَ مَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ غَيره ويستند إِلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ صِحَّته كَالْعلمِ بِصفة الشَّيْء يتَفَرَّع على الْعلم بالشَّيْء وَقد يُوصف الشَّيْء أَيْضا بِأَنَّهُ أصل الصّفة وَالضَّرْب الآخر يتَفَرَّع عَلَيْهِ الْعلم بالشَّيْء بِأَن يكون طَرِيقا إِلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يكون طَرِيقا إِلَيْهِ بطرِيق التَّشْبِيه وَهُوَ أصل الْقيَاس وَالْآخر بِغَيْر طَرِيق التشبية وَهُوَ النُّصُوص وَغَيرهَا وَأما الْمُسَمّى اصلا على الْمجَاز فَهُوَ دُخُول الْحمام باجرة غير مقدرَة وَإِنَّمَا تجوزنا بتسميته ذَلِك اصلا لِأَنَّهُ أشبه الْأُصُول الْمُتَقَدّم ذكرهَا من حَيْثُ لم يستفد حكمه من غَيره
فاما أصل الْقيَاس فقد اخْتلف النَّاس فِيهِ فَقَالَ المتكلمون الأَصْل الَّذِي يُقَاس عَلَيْهِ الارز هُوَ الْخَبَر الدَّال على ثُبُوت الرِّبَا فِي الْبر وَقَالَ الْفُقَهَاء بل هُوَ الشَّيْء يثبت حكم الْقيَاس فِيهِ بِالنَّصِّ كالبر أَو يَقُول هُوَ الشَّيْء الَّذِي يسْبق الْعلم بِحُصُول حكم الْقيَاس فِيهِ وَقَالَ بَعضهم بل هُوَ حكم الْقيَاس من حَيْثُ هُوَ ثَابت بِالنَّصِّ نَحْو كَون الْبر حَرَامًا وَالْكَلَام فِي ذَلِك من وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا الَّذِي يَقع النّظر فِيهِ حَتَّى يعلم حُصُول الحكم فِي الارز وَالْآخر قَوْلنَا هَل فَائِدَة قَوْلنَا أصل ثَابِتَة فِي كل وَاحِد من هَذِه الْأَشْيَاء أم لَا وَأَنه أَحْرَى أَن يُوصف بِأَنَّهُ أصل أما الْكَلَام فِي الأول فَهُوَ أَن القائس ينظر أَي الْأَوْصَاف يُؤثر فِي قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا فنظره يتَعَلَّق بالحكم وبالعلة ثمَّ ينظر هَل الْعلَّة مَوْجُودَة فِي الْأرز أم لَا فان كَانَت مَوْجُودَة تبعها الحكم وَلَو علم قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا ضَرُورَة أمكنه قِيَاس الارز عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يحْتَج الارز إِلَى الِاسْتِدْلَال بالْخبر على ثُبُوت الرِّبَا فِي الْبر لِأَنَّهُ لَيْسَ يعلم ذَلِك ضَرُورَة وَلَا
стр. 617
بِدَلِيل عقل وَهَذِه الْجُمْلَة لَا بُد مِنْهَا وَلَا خلاف فِيهَا فان خَالف فِيهَا أحد فِيمَا ذَكرْنَاهُ يفْسد قَوْله وَالْكَلَام فِي الْوَجْه الثَّانِي هُوَ أَن وصف الْخَبَر الثَّانِي على قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا بِأَنَّهُ أصل لقبح بيع الْأرز صَحِيح لِأَنَّهُ عَلَيْهِ يتَفَرَّع قبح بيع الارز مُتَفَاضلا من حَيْثُ كَانَ الْخَبَر دَالا على مَا إِذا نَظرنَا فِيهِ فَعلمنَا عِلّة الْقبْح أَو ظنناها أثبتنا الْقبْح فِي الارز وَأما وصف الْبر بِأَنَّهُ أصل ففائدته أَن الْعلم بِحكمِهِ بسبق الْعلم بِحكم الارز وَأَن حكم الارز يتَفَرَّع على حكم الْبر وَالْبر نَفسه أصل لحكمه لِأَن الشَّيْء اصل لصفته يبين أَن حكم الارز يتَفَرَّع على حكم الْبر هُوَ أَنا إِذا نَظرنَا فِي حكم الْبر وظننا علته أمكننا قِيَاس الارز عَلَيْهِ فَصَارَ حكم الارز متفرعا على حكم الْبر من هَذِه الْجِهَة وَلَيْسَ يلْزم على هَذَا أَن يُوصف الْبر قبل الشَّرْع بِأَنَّهُ اصل لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ اصلا إِذا ثَبت فِيهِ الحكم الَّذِي إِذا نَظرنَا فِيهِ وَفِي صِفَاته يوصلنا إِلَى حكم غَيره وَمَعْلُوم أَن الرِّبَا لم يكن ثَابتا فِي الْبر قبل الشَّرْع فَلم يكن إِذْ ذَاك اصلا وَإِذا كَانَ لوصف الْبر بِأَنَّهُ أصل وَجه صَحِيح لم نلم الْفُقَهَاء على الِاصْطِلَاح على وصف ذَلِك بِأَنَّهُ اصل فَأَما وصف حكم الْبر بِأَنَّهُ أصل لحكم الارز فَلهُ وَجه صَحِيح ايضا لِأَن حكم الارز يتَفَرَّع على حكم الْبر من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ
إِن قيل لَيْسَ يَخْلُو كَون الْبر حَرَامًا إِمَّا أَن يكون فعلنَا أَو اعتقادنا قبح بيع بعضه بِبَعْض مُتَفَاضلا وَإِن كَانَ هُوَ فعلنَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يَصح الْقيَاس لَو لم يُوجد فعلنَا لبيعه مُتَفَاضلا وَإِن كَانَ هُوَ اعتقادنا كَون ذَلِك حَرَامًا فاعتقادنا لذَلِك لَيْسَ بِحرَام فيقاس عَلَيْهِ بيع الارز فَإِذن الأَصْل هُوَ الْخَبَر الْجَواب ان من جعل حكم الْبر هُوَ الأَصْل يَقُول إِن الحكم هُوَ قبح بَيْعه مُتَفَاضلا وَلَيْسَ هُوَ مُجَرّد الْفِعْل وَلَا اعتقادنا كَمَا أَنا نقيس الْكَذِب الَّذِي فِيهِ نفع على الْكَذِب العاري عَن نفع وَدفع ضَرَر وَلَا نقيسه على مُجَرّد كَونه فعلا وَلَا على علمنَا بقبحه لِأَن علمنَا لَيْسَ بقبح وَلَيْسَ قبحه مَعْلُوما بِدَلِيل فَيُقَال إِن الْقيَاس يَقع على دَلِيله وَلَيْسَ يقف صِحَة الْقيَاس على وجود بيع الْبر مُتَفَاضلا لانه لَو لم يُوجد ذَلِك أمكننا أَن نقُول لَو وجد لَكَانَ قبيحا لِأَنَّهُ
стр. 618
مَكِيل جنس وَهَذَا قَائِم فِي الارز فَوَجَبَ قبح بَيْعه مَعَه مُتَفَاضلا كَمَا أَنه لَو لم يُوجد كذب أمكننا أَن نقُول لَو وجد الْكَذِب العاري من دفع مضرَّة ونفع لَكَانَ قبيحا لِأَنَّهُ كذب وَهَذَا حَاصِل فِي الْكَذِب الَّذِي فِيهِ نفع على أَن الْقَائِل إِن كَون بيع الْبر مُتَفَاضلا حَرَامًا إِمَّا أَن يكون بيعنا لَهُ مُتَفَاضلا وَإِمَّا أَن يكون اعتقادنا كَونه حَرَامًا قد جعل كَونه حَرَامًا مُعْتَقدًا لاعتقاد ومعتقد الِاعْتِقَاد غير الِاعْتِقَاد وَهُوَ أَيْضا أَمر زَائِد على كَون الْفِعْل فعلا لِأَن كَون الْفِعْل حَرَامًا أَمر زَائِد على كَونه فعلا وَلِهَذَا كَانَ اعْتِقَاد أَحدهمَا مفارقا لاعتقاد الآخر وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَ تَحْرِيم الْفِعْل ويعنون بذلك كَونه حَرَامًا فصح أَن لكل وَاحِد من الْأَقَاوِيل الْمَذْكُورَة فِي معنى الأَصْل وَجها صَحِيحا وَإِن كَانَ الأول أَن يكون الحكم هُوَ الأَصْل
وَأما الْفَرْع فِي الْقيَاس فَهُوَ عِنْد الْمُتَكَلِّمين الحكم الْمَطْلُوب إثْبَاته بِالتَّعْلِيلِ كقبح بيع الارز مُتَفَاضلا لِأَنَّهُ هُوَ المتفرع على غَيره دون نفس الارز وَعند الْفُقَهَاء ان الْفَرْع هُوَ الَّذِي يطْلب حكمه بِالْقِيَاسِ وَهُوَ أَيْضا الَّذِي يتَعَدَّى إِلَيْهِ حكم غَيره أَو الَّذِي يتَأَخَّر الْعلم بِحكمِهِ كالارز وَإِنَّمَا سموا ذَلِك فرعا لِأَن حكمه يتَفَرَّع على غَيره وَمَا ذكره المتكلمون أولى لِأَن نفس الارز لَيْسَ يتَفَرَّع على غَيره وَإِنَّمَا المتفرع حكمه
وَأما الشّبَه فَهُوَ مَا يشْتَرك فِيهِ الشيئان من الصِّفَات سَوَاء كَانَت صفة ذاتية أَو غير ذاتية كاشتراك الجسمين فِي السوَاد وَقد يكون صفة تفِيد حكما عقليا أَو سمعيا وغرض الْفُقَهَاء من ذَلِك مَا اقْتضى الحكم السمعي
وَأما التَّشْبِيه فقد قيل هُوَ فِي الأَصْل مَا بِهِ يكون الشَّيْء مشبها لغيره كالتحريك هُوَ مَا بِهِ يكون الشَّيْء محركا لغيره فقد اسْتعْمل فِي الِاعْتِقَاد وَالظَّن وَالْخَبَر فَيُقَال لمن أخبر أَو اعْتقد أَن الله يشبه الْأَشْيَاء إِنَّه مشبه وان خَبره تَشْبِيه
فَأَما قَوْلنَا عِلّة فمستعمل فِي عرف اللُّغَة وَفِي عرف الْفُقَهَاء وَفِي عرف
стр. 619
الْمُتَكَلِّمين أما فِي عرف اللُّغَة فمستعمل فِيمَا أثر فِي أَمر من الامور سَوَاء كَانَ صفة أَو كَانَ ذاتا وَسَوَاء آثر فِي الْفِعْل أَو فِي التّرْك فَيُقَال مَجِيء زيد عِلّة فِي خُرُوج عَمْرو وَفِي أَن لَا يخرج عَمْرو ويسمون الْمَرَض عِلّة لِأَنَّهُ يُؤثر فِي فقد التَّصَرُّف وَأما الْعلَّة فِي عرف الْفُقَهَاء فَهِيَ مَا أثرث حكما شَرْعِيًّا وَإِنَّمَا يكون الحكم شَرْعِيًّا إِذا كَانَ مستفادا من الشَّرْع وَأما فِي عرف الْمُتَكَلِّمين فتستعمل على الْمجَاز وعَلى الْحَقِيقَة أما على الْحَقِيقَة فتستعمل فِي كل ذَات أوجبت حَالا لغَيْرهَا كَقَوْل بَعضهم إِن الْحَرَكَة عِلّة مُوجبَة كَون المتحرك متحركا وَأما اسْتِعْمَاله على الْمجَاز فَمِنْهُ أَن تكون الْعلَّة مُؤثرَة فِي الِاسْم كَقَوْلِنَا السوَاد عِلّة فِي كَون الْأسود أسود أَي هُوَ عِلّة فِي تَسْمِيَته أسود وَمِنْه مَا يُؤثر فِي الْمَعْنى وَهَذَا مِنْهُ مَا يُؤثر فِي النَّفْي كتأثير الْبيَاض فِي انْتِفَاء السوَاد وَمِنْه مَا يُؤثر فِي الْإِثْبَات وَهَذَا مِنْهُ ذَات كتأثير السَّبَب فِي الْمُسَبّب وَمِنْه صفة تَقْتَضِي صفة كاقتضاء صفة الْجَوْهَر كَونه متحيزا هَذَا على قَول شُيُوخنَا وَإِنَّمَا سموا كل وَاحِد من ذَلِك عِلّة لِأَن لَهَا تَأْثِيرا فِي الْإِيجَاب إِلَّا أَنهم لَا يسمون هَذِه الْأَقْسَام عللا إِلَّا نَادرا وَسموا الْقسم الأول عِلّة على الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا مُوجبَة على كل حَال من غير شَرط وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَقْسَام الْأُخَر
وَأما الْمُعَلل فَهُوَ مَا طلبت علته فعلل بهَا وَهَذَا هُوَ الحكم الثَّابِت فِي الأَصْل لِأَنَّهُ الَّذِي يعلم أَولا ثمَّ يطْلب علته فيعلل بهَا
وَأما الْمَعْلُول فَهُوَ الَّذِي أثرته الْعلَّة وأنتجته وَهَذَا هُوَ الحكم من حَيْثُ هُوَ ثَابت فِي الْفَرْع لَا من حَيْثُ هُوَ ثَابت فِي الأَصْل ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْعقل لَا يقبح التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ ﷺ َ -
اعْلَم أَن من نفاة الْقيَاس من قَالَ إِن الْعقل يقبح التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ على الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْعقل لَا يقبح ذَلِك وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعقل
стр. 620
يجوز تَكَامل شُرُوط حسن التَّعَبُّد بذلك وَلَا يجوز أَن يقبحه مَعَ تجويزه اخْتِصَاصه بِمَا يُوجب حسنه
وشرائط حسن التَّعَبُّد بِالْفِعْلِ إِمَّا أَن ترجع إِلَى الْفِعْل نَحْو كَونه ندبا وواجبا وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى الْفَاعِل نَحْو كَونه مزاح الْعلَّة بالأقدار والآلات وإعلام وجوب الْفِعْل وَكَونه ندبا أَو التَّمَكُّن من علم ذَلِك بِنصب الدّلَالَة وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى التَّعَبُّد نَحْو أَن يكون الْأَمر مفْسدَة وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى الْمُكَلف نَحْو علمه من حَال الْفِعْل وَالْفَاعِل بِمَا ذَكرْنَاهُ وَأَنه سيثيب الْمُكَلف إِن أطَاع وكل ذَلِك يجوز الْعقل حُصُوله فِي هَذَا التَّعَبُّد
وَأما مَا يرجع إِلَى الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَهُوَ أَن الْعقل يجوز أَن يكون فعلنَا بِحَسب مَا ظنناه من الأمارة لطفا وَإِذا لم نعمل بحسبها فاتنا اللطف وَذَلِكَ إِن ظننا الأمارة حَالَة نَحن عَلَيْهَا وَقد تخْتَلف الْمصَالح بِحَسب أحوالنا أَلا ترى أَن مصلحَة الْمُسَافِر فِي صلَاته خلاف مصلحَة الْمُقِيم وَكَذَلِكَ الطَّاهِر وَالْحَائِض وَيخْتَلف الْوَاجِب على الْإِنْسَان بِحَسب ظَنّه الْمُخَالفَة فِي سَفَره وَأما أَن الْإِنْسَان قَادر على الْفِعْل حَاضر الْآلَات فَبين وَأما أَنه يجوز كَون الْمُكَلف مُتَمَكنًا من الْعلم بِوُجُوب الْعَمَل على الْقيَاس فَهُوَ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ الله للمكلف إِذا ظَنَنْت بأمارة أَن عِلّة تَحْرِيم الْخمر هِيَ الشدَّة فقد وَجب عَلَيْك قِيَاس النَّبِيذ عَلَيْهِ ولزمك اجْتِنَاب شربه فقد تمكن من الْعلم بقبح شرب النَّبِيذ لِأَنَّهُ قد وقف علمه بقبحه على ظَنّه الأمارة وَهُوَ يعرف هَذَا الظَّن من نَفسه كَمَا أَنه يكون مُمكنا لَهُ من الْعلم إِذا قَالَ لَهُ الْخمر حرَام لِأَنَّهَا شَدِيدَة وَقس عَلَيْهَا النَّبِيذ وكما لَو قَالَ لَهُ النَّبِيذ حرَام وَإِذا كَانَ الْمُكَلف مُتَمَكنًا من الْعلم فَلَو قَالَ الله سُبْحَانَهُ لَهُ ذَلِك وَجَاز فِي الْعقل ان يَقُول لَهُ هَذَا القَوْل فقد جَازَ فِي الْعقل أَن يكون مُتَمَكنًا من الْعلم بِوُجُوب الْعَمَل على الْقيَاس
وَأما أَن الْعقل يجوز أَن لَا يكون التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ مفْسدَة فُلَانُهُ إِن جوز كَونه مفْسدَة فانه يجوز غير مفْسدَة إِذْ لَيْسَ فِي الْعقل مَا يُوجب كَونه مفْسدَة
стр. 621
وَأَيْضًا فاذا جَازَ أَن يكون الْعَمَل بِالْقِيَاسِ مصلحَة جَازَ أَن يكون التَّعَبُّد بذلك مصلحَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون الْعَمَل بالشَّيْء مصلحَة وَيكون التَّعَبُّد بِهِ مفْسدَة
وَأما أَن الْمُكَلف عَالم من حَال الْفِعْل وَالْفَاعِل بِمَا ذَكرْنَاهُ وَأَنه سيثيب الْمُكَلف إِن أطَاع فَلِأَنَّهُ عَالم بِكُل مَا يَصح أَن يعلم وَهَذِه الْأَشْيَاء يَصح أَن تعلم فِي نَفسهَا فقد جَازَ تَكَامل الشَّرَائِط لحسن هَذَا التَّكْلِيف
وَيُمكن اخْتِصَار هَذِه الدّلَالَة ويقتصر على مَا يُخَالف فِيهِ الْخصم فَنَقُول إِنَّه قد حسن فِي الْعقل تَكْلِيف الْعَمَل بِمُوجب الْقيَاس الْمَعْلُومَة علته وَلَو قبح تَكْلِيف الْعَمَل إِذا كَانَ الْقيَاس مظنون الْعلَّة لَكَانَ إِنَّمَا يقبح لأجل مَا بِهِ افترق التكليفان وَالَّذِي افْتَرقَا فِيهِ هُوَ بَيَان هَذَا التَّكْلِيف للْعَمَل بِحَسب الظَّن دون التَّكْلِيف الآخر وَلَو كَانَ هَذَا وَجها بقبح التَّكْلِيف لما ورد بِهِ التَّعَبُّد الْعقلِيّ والسمعي أما الْعقلِيّ فوجوب الْقيام من تَحت حَائِط مائل يخْشَى سُقُوطه لفرط ميله وَإِن جوز السَّلامَة فِي الْقعُود والهلاك فِي النهوض وقبح السّفر للريح مَعَ ظن الخسران وقبح سلوك طَرِيق بِظَنّ الأمارة وجود اللُّصُوص فِيهِ وَإِن جَوَّزنَا خلاف مَا ظننا وَأما السمعي فَالْحكم بِشَهَادَة من يظنّ صدقه وتولية الْقُضَاة والأمراء عِنْد ظن سدادهم والتوجه إِلَى جِهَة عِنْد ظن كَون الْقبْلَة فِيهَا وَالْحكم بِقدر من النَّفَقَة بِحَسب الظَّن إِلَى غير ذَلِك وَأَيْضًا فَالْحكم بِحَسب الظَّن لَا يمْتَنع أَن يكون مصلحَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَلم يمْتَنع وُرُود التَّعَبُّد بِهِ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَوْله لَو جَازَ التَّعَبُّد فِي الْفُرُوع بِالْقِيَاسِ مَعَ أَنَّهَا مصَالح جَازَ مثله فِي الْأُصُول الشَّرْعِيَّة مَعَ أَنَّهَا مصَالح الْجَواب ان الْمُسْتَدلّ إِن ألزمنا جَوَاز التَّعَبُّد بِقِيَاس الْبر فِي الرِّبَا على أصل قد نَص على ثُبُوت الرِّبَا فِيهِ فانا نلتزم ذَلِك وَيكون قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا فرعا وَالْحَال هَذِه لِأَنَّهُ لم ينص على ثُبُوت الرِّبَا
стр. 622
فِيهِ وَإِنَّمَا أثبت الرِّبَا فِيهِ بِالرَّدِّ إِلَى غَيره وَإِن ألزمنا أَن نقيس الرِّبَا فِي الْبر لَا على شَيْء فقد ألزم مَا لَا يعقل لِأَن الْمَعْقُول من الْقيَاس أَن يكون قِيَاسا على شَيْء وَيُقَال لَهُم إِذا جَازَ قِيَاس شَيْء على شَيْء جَازَ مَا لَا يتَصَوَّر من قِيَاس شَيْء لَا على شَيْء وعَلى أَن الْمُخَالف لم يقْصد إلزامنا مَا لَا يعقل وَإِنَّمَا قصد إلزامنا مَا يعقل مِمَّا تحظره الْحِكْمَة لِأَنَّهُ قَالَ لَا يجوز أَن يتعبد بِالظَّنِّ فِي الْمصَالح وَهَذَا إِن امْتنع فانما يمْتَنع من جِهَة الْحِكْمَة لَا لِأَنَّهُ لَا يعقل
وَمِنْهَا قَوْلهم الشرعيات مصَالح فَلَو جَوَّزنَا إِثْبَاتهَا بالأمارات مَعَ أَنَّهَا قد تخطىء جَازَ أَن يخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار إِذا دلّت الأمارات على كَونه فِيهَا وَإِن كَانَت الأمارات قد تخطىء وتصيب وَالْجَوَاب حكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ ابي عبد الله رحمهمَا الله التَّسْوِيَة بَين الْأَمريْنِ قَالَ لِأَنَّهُ كَمَا نجوز أَن بِنصب الله تَعَالَى أَمارَة على شبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ فاذا غلب على ظننا شبهه بِهِ تعبدنا بِالْعلمِ بِوُجُوب إِلْحَاقه بِهِ فِي حكمه وبالعمل بِهِ فَكَذَلِك نجوز أَن ينصب على كَون زيد فِي الدَّار أَمارَة فاذا ظنناه فِي الدَّار جَازَ أَن يتعبدنا بِأَن ننتقل عَن ظن كَونه فِيهَا إِلَى الْعلم لكَونه فِيهَا ويتعبدنا بالْخبر عَن كَونه فِيهَا فَلم يفرق بَينهمَا
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لم يسو بَينهمَا لِأَن الأمارة الدَّالَّة على كَون زيد فِي الدَّار نظيرها الأمارة الدَّالَّة على شبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ فِيمَا هُوَ عِلّة الحكم وَنحن لَا ننتقل عَن الظَّن لشبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ إِلَى الْقطع على ذَلِك فَكيف قَالَ إِنَّه يجوز أَن يتعبدنا أَن ننتقل عَن الظَّن لكَون زيد فِي الدَّار إِلَى الْعلم بِأَنَّهُ فِيهَا كَمَا فعلنَا فِي الْقيَاس وَهُوَ لم يفعل مثل ذَلِك فِي الْقيَاس وَأَيْضًا فان جَازَ مَعَ كَون الأمارة قد تخطىء وتصيب أَن يسْتَمر الْحَال فِي إصابتها فِي دلالتها على كَون زيد فِي الدَّار جَازَ مَعَ أَن الِاخْتِيَار قد يخطىء ويصيب أَن تستمر إِصَابَته للحق وَإِن جَازَ أَن يتَّفق إِصَابَة الأمارة فِي شَيْء من الْأَشْيَاء فتتعبد بهَا فِي ذَلِك الشَّيْء بِالْقطعِ على حكمهَا جَازَ مثله فِي الِاخْتِيَار إِذا اتّفق إِصَابَته الْحق فِي مَوضِع وَاحِد وَفِي ذَلِك مُوَافقَة مويس بن عمرَان
стр. 623
وَحكي عَن الشَّيْخ أبي هَاشم أَنه منع من التَّعَبُّد بالأخبار عَن كَون زيد فِي الدَّار وَيُمكن نصْرَة ذَلِك فَنَقُول إِن أَرَادَ السَّائِل إلزامنا جَوَاز الْخَبَر عَن ظننا كَون زيد فِي الدَّار فَذَلِك جَائِز وَهُوَ خبر صدق وَإِن أَرَادَ إلزامنا الْإِخْبَار عَن كَون زيد فِي الدَّار على الْإِطْلَاق لَا بِحَسب الظَّن فَذَلِك غير لَازم لِأَن من شَرط حسن الْخَبَر أَن يكون صدقا وَالْخَبَر عَن أَن زيدا فِي الدَّار لَا يكون حسنا إِلَّا وَهُوَ صدق وَلَيْسَ معنى كَونه مُصدقا أَن نفعله وَنحن ظانون أَن زيدا فِي الدَّار بل معنى كَونه صدقا أَن يكون متناولا لكَون زيد فِي الدَّار وَيكون زيد فِيهَا وَقد يظنّ الْمخبر أَنه فِيهَا وَلَا يكون فِيهَا فَمَتَى أخبر وَالْحَال هَذِه عَن كَونه فِيهَا على سَبِيل الْقطع كَانَ مقدما على خبر لَا يَأْمَن كَونه كذبا وَذَلِكَ قَبِيح وَأما الْعِبَادَات الشَّرْعِيَّة فَهِيَ مصَالح وَقد يكون الْفِعْل يصلح إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على صفة مَا وَمَتى لم يكن مصلحَة فَلَا يمْتَنع أَن يكون فعلنَا الْفِعْل وَنحن نظن شبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ هُوَ الْمصلحَة وَإِذا لم نَنْظُر حَتَّى نظن شبهه بِهِ أَو بِغَيْرِهِ فاتتنا الْمصلحَة فاذا تعبدنا الله بذلك علمنَا بتعبده أَن الْمصلحَة هُوَ أَن نَفْعل بِحَسب ظننا
وَهَكَذَا الْجَواب إِذا قيل لنا جوزوا أَن تدل أَمارَة على أَن الْعُمُوم مُسْتَغْرق وتخبرون بذلك على سَبِيل الْقطع لِأَن معنى كَونه مُسْتَغْرقا هُوَ أَن الْعَرَب وَضعته للاستغراق وَكَذَلِكَ الْخَبَر عَن أَن الله لَا يرى لأجل أَمارَة وَلَيْسَ يخْتَلف ذَلِك بِحَسب ظننا كَمَا يجوز أَن تخْتَلف الْمصَالح بِحَسب ظننا
فان قيل أتجوزون أَن يدلكم أَمارَة على أَن الْعَرَب وضعت أَلْفَاظ الْعُمُوم للاستغراق فيلزمكم أَن تستدلوا بِهِ على الْأَحْكَام قيل لَا يمْتَنع ذَلِك وَلَا أعرف فِيهِ نصا عَن شُيُوخنَا لِأَنَّهُ إِن جَازَ أَن نستدل بقول النَّبِي ﷺ إِذا ظننا أَنه قَالَه جَازَ أَن نستدل إِذا ظننا أَن الْعَرَب وَضعته للاستغراق
فان قيل أفتجوزون أَن يجب عَلَيْكُم عبَادَة الله إِذا ظننتم وجوده بأمارة وَأَن تقتصروا على الظَّن فِي ذَلِك قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا تجب مَعْرفَته
стр. 624
لِأَنَّهَا لطف وَنحن مَعَ الْمعرفَة وَالْعلم بِهِ ابعد من الْقَبِيح وَمَتى أمعن الْإِنْسَان فِي النّظر وصل إِلَى الْعلم بِهِ فَلَزِمَ الْإِنْسَان ذَلِك لِأَنَّهُ يلْزمه كل مَا مَعَه يكون أبعد من الْقَبِيح وَمن المضار ويمكنه ذَلِك بالإمعان فِي النّظر
فان قيل أَيجوزُ أَن لَا يُمكنهُ ذَلِك بِأَن لَا تنصب لَهُ دلَالَة عَلَيْهِ وتنصب لَهُ أَمارَة قيل هَذَا محَال لِأَن جسم الْإِنْسَان دلَالَة على الله تَعَالَى فَكيف يجوز وَالْحَال هَذِه أَن لَا يكون الْإِنْسَان دلَالَة على ربه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْمصَالح لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالاستدلال وَلَكِن بالنصوص فَكيف يتعبد فِيهَا بِالْقِيَاسِ الْجَواب أَنهم إِن أَرَادوا أَن الْمصَالح لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالاستدلال أصلا فَذَلِك بَاطِل بالاستدلال بالنصوص وَإِن أَرَادوا الِاسْتِدْلَال بالأمارات قيل أتريدون الأمارات الَّتِي لَا تستند إِلَى اصول منصوصة فان قَالُوا نعم فَكَذَلِك نقُول وَإِن قَالُوا نُرِيد الأمارات المستندة إِلَى اصول منصوصة فَهُوَ نفس الْمَسْأَلَة فقد استدلوا على صِحَة قَوْلهم بقَوْلهمْ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الأمارة وَالظَّن قد يخطئان وَلَا يجوز أَن يتعبد الْحَكِيم فِي الْمصَالح بِمَا يجوز أَن يخطىء الْمصَالح الْجَواب أَنا لَا نقُول إِنَّا نظن الْمصلحَة فَيلْزم مَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا نقُول إِن عَملنَا بِحَسب الظَّن هُوَ الْمصلحَة وَذَلِكَ مَعْلُوم بِدَلِيل قَاطع وَهُوَ دَلِيل التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ على أَن مَا ذَكرُوهُ منتقض بِمَا تعبدنا فِيهِ بِالظَّنِّ فِي الشَّرْع وَالْعقل كالشهادات وَالتَّصَرُّف فِي الْمَنَافِع والمضار لأَنا قد نتصرف وَنحن نظن الْمَنْفَعَة فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الْمضرَّة وَيحسن ذَلِك وَإِن أمكن أَن يدلنا الله على مَا فِيهِ منافعنا بِدَلِيل قَاطع أَو يعلمنَا الله ذَلِك ضَرُورَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن الشُّبْهَة بِأَن الْمصَالح إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالنصوص لَا غير لَكِن بَعْضهَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِنَصّ ظَاهر وَبَعضهَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِنَصّ خَفِي يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال حَتَّى يعلم أَن الحكم مُرَاد بِهِ وَمَا علم بِالْقِيَاسِ من هَذَا الْقَبِيل وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا معنى لقولكم إِن النَّص دلّ على حكم الْفَرْع وأنكم احتجتم إِلَى اسْتِدْلَال لِتَعْلَمُوا أَنه مُرَاد بِالنَّصِّ إِلَّا
стр. 625
أَن النَّص دلّ على حكم الأَصْل ثمَّ استخرجتم عِلّة الحكم وقستم بهَا بعض الْفُرُوع وَهَذَا الَّذِي أنكرناه
وَمِنْهَا قَوْلهم الْقيَاس فعلنَا وَلَا يجوز التَّوَصُّل إِلَى الْمصَالح بفعلنا الْجَواب أَن الْقيَاس هُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الحكم وَلَا بُد فِي ذَلِك من أَمارَة يسْتَدلّ بهَا على عِلّة الأَصْل وَمن دَلِيل يدلنا على وجوب إِلْحَاق حكم الأَصْل بالفرع الَّذِي وجدت فِيهِ عِلّة الحكم وَلَا بُد من نظر فِي هَذِه الدّلَالَة وَفِي الامارة فان أَرَادوا بقَوْلهمْ إِن الْقيَاس فعلنَا إثباتنا حكم الأَصْل فِي الْفَرْع فَذَلِك هُوَ اعتقادنا وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي توصلنا بِهِ إِلَى الْمصَالح بل إِنَّمَا توصلنا إِلَى هَذَا الِاعْتِقَاد بِغَيْرِهِ وَإِن أَرَادوا الدَّلِيل الدَّال على وجوب إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ أَو الأمارة الدَّالَّة على صِحَة الْعلَّة فَذَلِك لَيْسَ بفعلنا وَإِن أَرَادوا النّظر فِي الدَّلِيل والأمارة فلعمري إِنَّه فعلنَا وَلَيْسَ يمْتَنع أَن نتوصل بِهِ إِلَى الْمصَالح إِذا وَقع فِي دَلِيل كَمَا أَن النُّصُوص تُؤدِّي إِلَى الْمصَالح بِشَرْط وُقُوع النّظر فِيهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَكل ظن وكل علم مكتسب فانما يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِالنّظرِ وَهُوَ فعلنَا
وَمِنْهَا قَوْلهم جلى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تعرف إِلَّا بالنصوص فَلم يجز إِثْبَات خفيها إِلَّا بِالنَّصِّ أَيْضا لِأَن مَا علم جليه بطرِيق فخفيه لَا يعلم إِلَّا بذلك فِي الطَّرِيق كالمدركات لَا يعلم جليها وخفيها إِلَّا بالإدراك الْجَواب يُقَال لَهُم وَلم إِذا كَانَت المدركات كَذَلِك كَانَت غَيرهَا مثلهَا أَلَيْسَ مَا عدا الشرعيات يعلم جليه بالإدراك والضرورة وَيعلم خفيه بالاستدلال دون الْإِدْرَاك وجلى الشرعيات تعلم بالنصوص الظَّاهِرَة وخفيها تعلم بِنَصّ خَفِي وَكثير من الزَّعْفَرَان الْوَاقِع فِي المَاء يعلم بالإدراك وخفيه يعلم بِخَبَر من شَاهد وُقُوعه فِيهِ فان قَالُوا أَلَيْسَ قد اسْتندَ ذَلِك إِلَى الْمُشَاهدَة قيل فَكَذَلِك أَحْكَام الْفُرُوع تستند إِلَى الْأَحْكَام الثَّابِتَة بالنصوص وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن الشُّبْهَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من وُقُوع الزَّعْفَرَان فِي المَاء وَبِأَن جَمِيع الشرعيات تعلم
стр. 626
بِالنَّصِّ لَكِن بَعْضهَا تعلم بِظَاهِر النَّص وَبَعضهَا تعلم اسْتِدْلَالا بِالنَّصِّ وَمَا علم بِالْقِيَاسِ هُوَ من الْقسم الثَّانِي وَلَهُم أَن يَقُولُوا إِن النَّص لَا يتَنَاوَل إِلَّا حكم الأَصْل وَلَيْسَ فِيهِ ذكر لحكم الْفَرْع وَلَو كَانَت الْفُرُوع مَعْلُومَة بالنصوص لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهَا لكَانَتْ العقليات المكتسبة مَعْلُومَة بالإدراك لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهُ فِي الْعلم بهَا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَت للشرعيات علل لكَانَتْ كالعلل الْعَقْلِيَّة فِي الاستحالة انفكاكها من أَحْكَامهَا فِي كل حَال أَلا ترى أَن الْحَرَكَة يَسْتَحِيل وجودهَا وَلَيْسَ الْجِسْم متحركا وَفِي ذَلِك ثُبُوت الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة قبل الشَّرْع الْجَواب أَنهم جمعُوا بَين الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والشرعية من غير جَامع وَأَيْضًا فان عنوا بالحركة تحرّك الْجِسْم فَذَلِك إِنَّمَا وَجب كَون الْجِسْم مَعَه متحركا لِأَن كَون الْجِسْم إِذا تحرّك هُوَ معنى كَونه متحركا فَالْقَوْل بِأَن فِيهِ حَرَكَة وَلَيْسَ هُوَ متحرك مناقضة وَإِن عنوا بالحركة معنى يُوجب كَون الْجِسْم متحركا كَمَا يَقُوله أَصْحَابنَا فَذَلِك ذَات مُوجبَة كَون الْجِسْم متحركا وَلَا يجوز وقُوف ايجابها على شَرط لِأَنَّهَا لَو وجدت من دون إِيجَاب لنا انْفَصل وجودهَا من عدمهَا وَأما الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فانها إِمَّا أَن تكون وَجه الْمصلحَة وَإِمَّا أَن تكون أَمارَة يصحبها وَجه الْمصلحَة فان كَانَت وَجه الْمصلحَة فمعلوم أَن وَجه الْمصلحَة يجوز أَن يَقْتَضِي الْمصلحَة بِشَرْط يخْتَص بعض الْأَزْمَان دون بعض أَلا ترى أَن مصلحَة الصَّبِي فِي وَقت الرِّفْق ومصلحته فِي وَقت العنف وَلِهَذَا اخْتلف شرائع الْأَنْبِيَاء وَصَحَّ نسخ الْعِبَادَات فَلم يمْتَنع أَن يكون الشَّرْط فِي كَون الْعِلَل الشَّرْعِيَّة مُوجبَة للْمصْلحَة لَا يحصل قبل الشَّرِيعَة فَلَا تثبت الْمصلحَة قبل الشَّرِيعَة وَإِن كَانَت الْعِلَل الشَّرْعِيَّة امارات تصْحَب وَجه الْمصلحَة وَكَانَ وَجه الْمصلحَة قد يقف على شَرط يرجع إِلَى أَحْوَال الْمُكَلف وَيخْتَص بِبَعْض الْأَزْمَان كَانَت الأمارة الَّتِي تصْحَب وَجه الْمصلحَة تخْتَص كَونهَا أَمارَة أَيْضا بِبَعْض الْأَزْمَان دون بعض فان قيل بِمَاذَا تعلمُونَ تعلق الحكم بِالْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّة قيل بتعليق النَّبِي ﵇ الحكم عَلَيْهَا إِمَّا نصا وَإِمَّا تَنْبِيها كَمَا نعلم تعلق
стр. 627
الحكم بِالِاسْمِ بتعليق النَّبِي ﵇ الحكم عَلَيْهِ وَذَلِكَ غير حَاصِل قبل الشَّرِيعَة فَلم يثبت قبل الشَّرْع
وَمِنْهَا قَوْلهم الْعقل كالنص فِي أَنه يدل على حكم الْحَادِثَة فَكَمَا لَا يجوز أَن يتعبدنا الله تَعَالَى بِالْقِيَاسِ الْمُخَالف لنَصّ معِين فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يتعبدنا بِقِيَاس يُخَالف حكم الْعقل وكل حَادِثَة فلهَا حكم فِي الْعقل فاذن لَا يجوز أَن يتعبد فِيهَا بِالْقِيَاسِ الْجَواب أَن هَذَا منتقض بِخَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُ لَا يجوز اسْتِعْمَاله فِي خلاف نَص الْقُرْآن وَيجوز أَن ينْتَقل بِهِ عَن حكم الْعقل على أَن مَا ذَكرُوهُ لَا يمْنَع من التَّعَبُّد بِقِيَاس مُطَابق لما فِي الْعقل على أَن النَّص الْمعِين لَو تَرَكْنَاهُ بِالْقِيَاسِ كُنَّا قد ألغينا كَلَام الْحَكِيم لِأَنَّهُ اقْتضى الحكم مُطلقًا وَالْعقل فانما اقْتضى الحكم مَا لم ينقلنا عَن دَلِيل شَرْعِي فَمن أَيْن لَهُم أَن الْقيَاس لَيْسَ بِدَلِيل شَرْعِي وَهل نوزعوا إِلَّا فِي ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْحَكِيم لَا يقْتَصر بالمكلف على أدون البيانين مَعَ قدرته على أعلاهما وَالْقِيَاس أدون بَيَانا من النَّص الْجَواب أَن فِي هَذَا الْكَلَام تَسْلِيم أَن الْقيَاس بَيَان فَلَا يمْتَنع أَن تكون فِيهِ مصلحَة زَائِدَة وَإِن كَانَ أدون بَيَانا من غَيره وَلَو وَجب التَّعَبُّد بِأَعْلَى الباينات لوَجَبَ تعريفنا الْأَحْكَام ضَرُورَة أَو الِاقْتِصَار بِنَا على النُّصُوص الجلية المتواترة دون الْآحَاد لِأَنَّهَا أَعلَى بَيَانا من الْخفية
وَمِنْهَا قَوْلهم نظر القائس لَا بُد من أَن يَقع فِي مَنْظُور فِيهِ وَلَيْسَ إِلَّا النَّص أَو الحكم وَلَيْسَ يجوز أَن يَقع فِي النَّص لِأَن النَّص لَا يتَنَاوَل الْفَرْع وَلَا يجوز وُقُوعه فِي الحكم لِأَن الحكم هُوَ فعل الْمُكَلف فَكَانَ يَنْبَغِي لَو لم يُوجد فعل من الْمُكَلف أَن لَا يَصح مِنْهُ الَّذِي يحصل من القائس هُوَ نظر فِي الأمارات الدَّالَّة على الْعِلَل وَقد تكون الأمارة كَيْفيَّة فِي الحكم نَحْو ان يحصل الحكم بِحَسب حُصُول صفة وينتفي عِنْد انتفائها فِي الأَصْل أَو يكون لصفة من الصِّفَات تَأْثِير فِي الاصول فالنظر فِي ذَلِك يَقْتَضِي كَون تِلْكَ الصّفة عِلّة وَالنَّظَر فِي حُصُولهَا فِي
стр. 628
الْفَرْع يُؤَدِّي إِلَى إِلْحَاقه بِالْأَصْلِ وَلَيْسَ الحكم هُوَ فعلنَا بل كَون الْفِعْل وَاجِبا وقبيحا وَذَلِكَ مُتَصَوّر متوهم يُمكن النّظر فِي حُصُوله بِحَسب صفة من الصِّفَات وجد الْفِعْل أَو لم يُوجد
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ أَن يكون الْقيَاس صَحِيحا لَكَانَ حجَّة مَعَ النَّص الْجَواب أَن ذَلِك دَعْوَى وَمَعَ ذَلِك فَإِن أَرَادوا أَنه يكون حجَّة مَعَ النَّص على حكم الأَصْل فَكَذَلِك نقُول وَإِن أَرَادوا مَعَ النَّص على خلاف حكمه فِي الْفَرْع فقد بَينا القَوْل فِي ذَلِك فِي الْخَبَر الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول على انه لَا يمْتَنع أَن يكون حجَّة إِذا انْفَرد وَإِذا عَارضه النَّص كَانَ النَّص أولى مِنْهُ كَمَا أَن خبر الْوَاحِد حجَّة إِذا انْفَرد وَإِذا اجْتمع مَعَ الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَمَعَ نَص الْقُرْآن كَانَا أولى وَإِن أَرَادوا النَّص على مثل حكمه فِي الْفَرْع فانا نجوز ذَلِك لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّص خبر وَاحِد فَهُوَ أَمارَة وَكَذَلِكَ الْقيَاس المطابق لَهُ وَإِن كَانَ النَّص خَبرا متواترا فَالْقِيَاس حجَّة فِي الْفَرْع بِمَعْنى أَنه لَو فَقدنَا النَّص الْمُتَوَاتر لوَجَبَ الحكم لمَكَان الْقيَاس
وَمِنْهَا أَنه لَو جَازَ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ لجَاز أَن يتعبد بِهِ النَّبِي ﵇ وَمن حَضَره ولصح بِهِ النّسخ الْجَواب أَن كل ذَلِك مجوز فِي الْعقل
وَمِنْهَا لَو جَازَ التَّعَبُّد بِتَحْرِيم شَيْء لظننا شُبْهَة بِأَصْل محرم جَازَ أَن نتعبد بِتَحْرِيمِهِ إِذا ظننا شُبْهَة بِالْأَصْلِ من غير أَمارَة أَو اعتقدنا شُبْهَة تنحيتا وَإِذا اشتهينا تَحْرِيمه وَإِذا اخترنا ذَلِك أَو شككنا فِي كَونه مشبها لَهُ لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن تكون مصلحتنا أَن نَفْعل بِحَسب شهوتنا وشكنا واختبارنا الْجَواب أَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ مَبْنِيّ على مَا تقرر فِي الْعقل من حسن التَّصَرُّف فِي الدُّنْيَا بِحَسب ظن النَّفْع وانفاع الضَّرَر إِذا كَانَ الظَّن صادرا عَن امارة كَمَا تقرر حسن ذَلِك فِي الْعقل فقد تقرر فِيهِ قبح تحمل المشاق لأجل الشَّهَوَات والهوى وَالِاخْتِيَار وَلأَجل ظن لَا أَمارَة لَهُ وتقرر فِي الْعقل أَن الْإِقْدَام على الْفِعْل مَعَ الشَّك فِي مضرته لَا يحسن إِلَّا بعد الْبَحْث وَمَتى أقدم الْإِنْسَان من غير بحث ذمه
стр. 629
الْعُقَلَاء وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا ظن اندفاع مضرَّة لأجل أَمارَة صَحِيحَة وَأما إِذا شكّ فِي حُصُوله وَجه الْقبْح فِي الشَّيْء كشكه فِي كَون الْخَبَر كذبا فانه يقبح مِنْهُ فقد عمل فِي هَذَا الْموضع على الشَّك وَإِذا شكّ فِي الْحَدث بعد تَيَقّن الطَّهَارَة فمالك عمل على الشَّك فَأوجب الطَّهَارَة وَغَيره من الْفُقَهَاء عمل على الأَصْل وَلكُل وَجه فِي التَّعَبُّد فقد جَازَ الْعَمَل على الشَّك على بعض الْوُجُوه
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ لَكَانَ على علته أَمارَة وَلَا يجوز أَن تكون عَلَيْهَا أَمارَة فاذا لَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ وَإِنَّمَا لم تكن على علته أَمارَة لِأَن الأمارة إِمَّا أَن تدل عَلَيْهَا الْعَادَات أَو النُّصُوص وكلامنا فِي قِيَاس لَيست علته وَلَا أمارتها مَنْصُوص عَلَيْهَا فَلم يجز أَن يكون النَّص طَرِيقا إِلَى أَمارَة الْقيَاس المستنبطة علته وَلما لم تكن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ثَابِتَة بالعادات لم تكن عللها وأماراتها ثَابِتَة بالعادات يُقَال لَهُم وَلم لَا يجوز أَن يكون الطَّرِيق إِلَى ذَلِك تَنْبِيه الشَّرْع وعاداته لِأَن الشَّرْع يدل تصريحه وَقد يدل تنبيهه فاذا علمنَا أَن الحكم يثبت فِي الأَصْل عِنْد وصف وينتفي عِنْد انتفائه غلب على ظننا أَنه لأَجله ثَبت وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْوَصْف مؤثرا فِي جنس ذَلِك نَحْو الْبلُوغ الْمُؤثر فِي رفع الْحجر فِي المَال كَانَ اولى بِأَن يرفع الْحجر فِي النِّكَاح وَلَا شُبْهَة فِي حُصُول الظَّن عِنْد هَذِه الأمارات ﷺ َ - بَاب فِي أَنه كَانَ يجوز من جِهَة الْعقل أَن يتعبد الله الْأَنْبِيَاء بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد ﷺ َ -
اعْلَم أَن اجْتِهَاد النَّبِي ﵇ إِن أُرِيد بِهِ الِاسْتِدْلَال بالنصوص على مُرَاد الله فَذَلِك جَائِز لَا شُبْهَة فِيهِ وَإِن أُرِيد بِهِ الِاسْتِدْلَال بالأمارات الشَّرْعِيَّة فالأمارات الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان أَخْبَار آحَاد وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي النَّبِي ﵇ وَالْآخر الأمارات المستنبطة الَّتِي يجمع بهَا بَين الْفُرُوع والاصول وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشْتَبه الْحَال فِيهِ هَل كَانَ يجوز تعبد النَّبِي ﵇ فَالصَّحِيح جَوَازه لِأَنَّهُ كَمَا يجوز فِي الْعقل أَن تكون مصلحتنا أَن نعمل باجتهادنا تَارَة
стр. 630
وبالنص أُخْرَى جَازَ مثله فِي النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ يحِيل الْعقل ذَلِك فِي النَّبِي ﷺ ويصححه فِينَا كَمَا لَا يُصَحِّحهُ فِي زيد وَيمْنَع مِنْهُ فِي عَمْرو وَلِهَذَا جَازَ أَن يجب علينا وَعَلِيهِ الْعَمَل على اجتهادنا فِي مضار الدُّنْيَا ومنافعها
فان قيل إِن اجْتِهَاد النَّبِي ﷺ يخْتَص بِوَجْه قبح لِأَنَّهُ ينفر عَنهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِذا علم أَنه يثبت الْأَحْكَام بِاجْتِهَادِهِ نفر عَنهُ وَالثَّانِي أَنه إِذا ثَبت الحكم بِاجْتِهَادِهِ كَانَ للْعَالم أَن يُخَالِفهُ وَوَجَب إِذا أفتى الْعَاميّ أَن يُخبرهُ وَذَلِكَ أبلغ مَا ينفر عَنهُ الْجَواب انه لَا تنفير فِي إثْبَاته الحكم بِاجْتِهَادِهِ لِأَن الْمُجْتَهد لَيْسَ يجْتَهد من قبل نَفسه لكنه يعْتَقد أَن الله حكم بذلك الحكم وَأَنه اسْتدلَّ بتنبيه الله إِيَّاه فَأَي تنفير فِي الِاسْتِدْلَال على مُرَاد الله وَأما مُخَالفَة الْعَالم والعامي لَهُ فَلَا يجوز كَمَا لَا يجوز مخالفتهما الْإِجْمَاع
إِن قيل لَو وَجب على غَيره الْأَخْذ بقوله وَالْقطع عَلَيْهِ لوَجَبَ ذَلِك لكَونه نَبيا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يقطع هُوَ على قَول نَفسه لعلمه أَنه نَبِي وقطعه على قَول نَفسه يُخرجهُ عَن ان يكون من جملَة الِاجْتِهَاد المفضي إِلَى الظَّن قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن كَونه نَبيا يكون دلَالَة لغيره على الْقطع وَلَا يكون دلَالَة لنَفسِهِ قَالَ وَلَا يتنافى ذَلِك وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الدَّلِيل لَا يجوز ان يدل مُكَلّفا دون مُكَلّف مَعَ اشتراكهما فِي الْعلم بشرائطه وَلَيْسَ يعلم غير النَّبِي ﵇ من شَرَائِط الِاسْتِدْلَال على أَن النَّبِي ﵇ مُصِيب قطعا مَا لَا يعلم النَّبِي فَكيف يكون كَونه نَبيا دلَالَة قَاطِعَة لغيره وَلَا يكون دلَالَة لَهُ وَنحن نقُول فِي ذَلِك إِنَّه إِذا كَانَ الله إِنَّمَا كلف الْمُجْتَهد الحكم بأشبه الأمارتين ومكنه من الْوُصُول إِلَى ذَلِك بِأَن ينظر النّظر الصَّحِيح فالنبي ﵇ يعلم من نَفسه الْوُصُول إِلَى ذَلِك لعلمه بِأَنَّهُ قد نظر النّظر الصَّحِيح كَمَا يعلم ذَلِك من غَيره من الْمُجْتَهدين وَغير النَّبِي يعلم ذَلِك من حَال النَّبِي ﵇ لعلمه بِأَنَّهُ مَعْصُوم من الْخَطَأ فِي الْأَحْكَام كَمَا أَنه مَعْصُوم فِيمَا يُؤَدِّيه إِذْ خلاف
стр. 631
ذَلِك ينفر عَنهُ وَلَا يجوز ان يرجع عَن ذَلِك الحكم لِأَن الرُّجُوع عَنهُ خطأ فَأَما إِذا قيل كل مُجْتَهد مُصِيب فانه إِذا كَانَ غَيره من الْمُجْتَهدين يقطع على أَنه مُصِيب فالنبي بِالْقطعِ على ذَلِك من نَفسه أولى وَلَا يجوز لغيره أَن يُخَالِفهُ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده لِأَنَّهُ ينفر عَنهُ وَإِن كَانَ رُجُوعه إِلَى قَول آخر ينفر عَنهُ لم نجوزه وَإِن لم ينفر جوزناه
فان قيل لَو جَوَّزنَا أَن يجْتَهد لوَجَبَ الْقطع على ان الْعلَّة الَّتِي استخرجها هِيَ عِلّة الحكم لوُجُوب حكمنَا بهَا وَلَا يقطع هُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مُجْتَهد ومحال أَن نقطع نَحن على ذَلِك دونه مَعَ كوننا متبعين لَهُ وَمَعَ انا إِنَّمَا قَطعنَا على ذَلِك لكَونه نَبيا وَهُوَ يعلم مَعَ كَونه نَبيا مَا علمناه الْجَواب أَنه لَا يقطع هُوَ وَلَا نَحن على عِلّة حكم الأَصْل وَنحن وَهُوَ نقطع على عِلّة حكم الْفَرْع على مَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِي أَن الْحق فِي وَاحِد وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك ﵀ فِي الشَّرْح بجوابين أَحدهمَا أَنا نَحن نقطع على الْعلَّة الَّتِي استخرجها لِأَنَّهُ يجب علينا اتِّبَاعه وَلَا يقطع هُوَ على ذَلِك لِأَنَّهُ مُجْتَهد وَهَذَا لَا يَصح لما ذَكرْنَاهُ وَالْآخر أَنه بعد تَكَامل اجْتِهَاده يعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم كَمَا أَنا نظن صدق الْمخبر إِذا أخبر وَحده فاذا تَوَاتر المخبرون حصل لنا الْعلم بصدقه
فان قيل أفتجوزون أَن يتعبد النَّبِي ﵇ بِاجْتِهَادِهِ فِي تَأْوِيل آيَة قيل يجوز ذَلِك بل ذَلِك أولى مِمَّا تقدم لِأَن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك اسْتِدْلَال بِدلَالَة لَا بأمارة ﷺ َ - بَاب فِي هَل كَانَ يجوز ان يتعبد الله من عاصر النَّبِي ﷺ مِمَّن حَضَره أَو غَابَ عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاس أم لَا ﷺ َ -
اما من غَابَ عَنهُ ﵇ فَحكى قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الشَّرْح
стр. 632
أَن أَكثر الذاهبين إِلَى الِاجْتِهَاد أَجَازُوا ذَلِك والأقلون منعُوا مِنْهُ وَحكي أَن أَبَا عَليّ ﵀ قَالَ فِي كتاب الِاجْتِهَاد لَا أَدْرِي هَل كَانَ يجوز لمن غَابَ عَن النَّبِي ﷺ فِي عصره أَن يجْتَهد أم لَا قَالَ لِأَن خبر معَاذ من اخبار الْآحَاد وَالصَّحِيح أَن لَهُم أَن يجتهدوا إِذا ضَاقَ زمَان الْحَادِثَة عَن استفتاء النَّبِي ﷺ إِذْ لَا يُمكنهُم سوى ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَا فرق فِي الْعُقُول بَينهم وَبَين من لَا يعاصر النَّبِي ﷺ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَن خبر معَاذ وَإِن كَانَ من اخبار الْآحَاد فقد تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فهم بَين مُحْتَج بِهِ ومتأول لَهُ فصح التَّعَلُّق بِهِ فِي أَن للمجتهد أَن يجْتَهد مَعَ غيبته عَن النَّبِي ﷺ فَأَما إِذا أمكن الْمُجْتَهد مراسلة النَّبِي ﷺ فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْحَاضِر إِذا أمكنه سُؤَاله وَقد أجَاز اجْتِهَاده قوم من القائسين إِلَّا أَن يمْنَع من اجْتِهَاده مَانع وَمنع مِنْهُ آخَرُونَ مِنْهُم الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وَأَجَازَ قوم لمن بِحَضْرَتِهِ أَن يجْتَهد إِذا أذن لَهُ النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك وَأَجَازَ قَاضِي الْقُضَاة ﵀ من جِهَة الْعقل وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ لمن حضر النَّبِي ﷺ وَلمن غَابَ عَنهُ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة أَن يعْمل بِاجْتِهَادِهِ إِذا لم يسْأَل النَّبِي ﷺ وَلَا يمْتَنع إِذا سَأَلَهُ أَن يكون مصْلحَته أَن ينص لَهُ على الحكم وَلَا يمْتَنع أَن تكون مصْلحَته أَن يكله إِلَى اجْتِهَاده وَالْأولَى أَن يُقَال إِنَّه لَا يجوز لمن حضر النَّبِي ﷺ أَن يجْتَهد من جِهَة الْعقل قبل سُؤال النَّبِي ﷺ كَمَا لَا يجوز للسالك فِي بَريَّة مخوفة أَن يعْمل على رَأْيه مَعَ تمكنه من سُؤال من بِخَبَر الطَّرِيق أَسد من خبرته وكما لَا يجوز أَن يجْتَهد من غير أَن يطْلب للنصوص ويفقدها وَيجوز إِن سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَن يكله إِلَى اجْتِهَاده بِأَن يعلم الله تَعَالَى أَن مصْلحَته أَن يعْمل على اجْتِهَاده
стр. 633
- ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا يجوز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيع الشرعيات وَيجوز التَّعَبُّد فِي جَمِيعهَا بالنصوص ﷺ َ -
أما جَوَاز ذَلِك بالنصوص لِأَنَّهُ مُمكن أَن ينص الله على صِفَات الْمسَائِل فِي الْجُمْلَة فَيدْخل تفصيلها فِيهَا وَيجوز أَن يكون فِي ذَلِك مصلحَة نَحْو أَن ينص الله تَعَالَى على الرِّبَا فِي كل مَوْزُون فَيدْخل فِي ذَلِك أَنْوَاع الموزونات أما التَّعَبُّد فِي جَمِيعهَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يَصح لِأَنَّهُ إِمَّا أَن تقاس جَمِيع الشرعيات أَو لَا تقاس فان لم تقس انْتقض كَونهَا مقيسة وَإِن قيست فاما أَن يُقَاس على غَيرهَا وَإِمَّا ان يُقَاس بَعْضهَا على بعض بِأَن يُقَاس الْفَرْع على الأَصْل وَيُقَاس الأَصْل على فَرعه وَفِي ذَلِك تبين الشَّيْء بِنَفسِهِ وَإِن قيست على غَيرهَا فَذَلِك الْغَيْر إِمَّا شَرْعِي وَإِمَّا عَقْلِي وقياسها على أصُول غَيرهَا شرعيه لَا يُمكن لأَنا قد فَرضنَا الْكَلَام فِي أَن يكون جَمِيع الشرعيات مقيسة وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء يُقَاس عَلَيْهِ وَإِن قيست على أصُول عقلية بِاعْتِبَار وُجُوه قبحها وحسنها أَو بِاعْتِبَار أَمَارَات عقلية مستندة إِلَى عادات لم يَصح لأَنا لم نجد فِي الْعقل أصلا لوُجُوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها وشروطها واوقاتها وَلَا نعلم أَيْضا وَجه وجوب ذَلِك فِي الصَّلَاة من جِهَة الْعقل فَيَقَع الْقيَاس بهَا على غَيرهَا وَأما الأمارات المستخرجة بالعادات فَلَيْسَتْ دَالَّة على وجوب شَيْء وَلَا على حظره وَإِنَّمَا تدل على حُدُوث حَادث كأمارة الْمَطَر أَو تدل على مِقْدَار شَيْء كأمارة قيمَة الْمُتْلف وَلَيْسَ وجوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها من هذَيْن وَلَا تَجِد من جِهَة الْعَادَات أَمَارَات على وجوب الصَّلَاة وشروطها وَلَو دلّت أَمَارَات الْعَادَات على ذَلِك لما كَانَ وجوب الصَّلَاة شَرْعِيًّا بل كَانَ مَعْرُوفا بِالْعَادَةِ فصح أَن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيع الشرعيات لَا يجوز
стр. 634
- ﷺ َ - بَاب فِي أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ ﷺ َ -
اعْلَم أَن من النَّاس من قَالَ قد تعبدنا الله تَعَالَى فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة بِالْقِيَاسِ وَمِنْهُم من قَالَ لم يتعبد بِهِ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قَالَ قد وَردت الشَّرِيعَة بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا لم يُثبتهُ فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على التَّعَبُّد بِهِ وَاخْتلف من أثبت التَّعَبُّد بِهِ فَقَالَ قوم الْعقل يدل على ذَلِك والسمع وَقَالَ آخَرُونَ السّمع فَقَط يدل عَلَيْهِ وَالَّذِي يبين أَن الْعقل بدل على التَّعَبُّد بِهِ أَن مرادنا بقولنَا إِن الْعقل يدل على ذَلِك هُوَ أَنا إِذا ظننا بأمارة شَرْعِيَّة عِلّة حكم الأَصْل ثمَّ علمنَا بِالْعقلِ أَو بالحس ثُبُوتهَا فِي شَيْء آخر فان الْعقل يُوجب قِيَاس ذَلِك الشَّيْء على ذَلِك الأَصْل بِتِلْكَ الْعلَّة أما جَوَاز قيام امارة شَرْعِيَّة على عِلّة حكم الأَصْل فَهُوَ أَنا إِذا علمنَا أَن قبح شرب الْخمر يحصل عِنْد شدتها وينتفي عِنْد انْتِفَاء شدتها كَانَ ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي الظَّن لكَون شدتها عِلّة تَحْرِيمهَا وَمَعْلُوم أَن الشدَّة مَعْلُوم ثُبُوتهَا فِي النَّبِيذ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعقل يُوجب قِيَاس النَّبِيذ على الْخمر لِأَن الْعقل يَقْتَضِي قبح مَا ظننا فِيهِ أَمارَة الْمضرَّة وأمارة التَّحْرِيم هِيَ أَمارَة الْمضرَّة أَلا ترى أَن الْعقل يَقْتَضِي قبح الْجُلُوس تَحت حَائِط مائل لعلمنا بِثُبُوت امارة الْمضرَّة فان قيل كَيفَ يجوز الْقطع على قبح مَا وجدت فِيهِ امارة التَّحْرِيم والمضرة مَعَ ان الأمارة قد تخطىء وَقد تصيب قيل كَمَا يجوز مثله فِي امارة المضار الْحَاصِلَة فِي الْقيام تَحت حَائِط مائل
فان قَالُوا الْعقل إِذا انْفَرد يَقْتَضِي إِبَاحَة شرب النَّبِيذ فَلم يجز الِانْصِرَاف عَنهُ لأمارة قيل لَهُم مثله فِي الْجُلُوس تَحت الْحَائِط لِأَن الْعقل يَقْتَضِي إِبَاحَة الْجُلُوس فِي الأَصْل فَيجب أَن لَا ننتقل عَن هَذِه الْإِبَاحَة لأمارة يجوز أَن تخطيء وتصيب
فان قَالُوا إِنَّمَا حسن الْجُلُوس بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ امارة الْمضرَّة قيل
стр. 635
وَإِنَّمَا حسن بِالْعقلِ شرب النَّبِيذ بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ أَمارَة التَّحْرِيم والمضرة وَلَا فرق بَينهمَا
وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵁ لأَنهم قَالُوا فِي مسَائِل اخْتلف فِيهَا بِالْقِيَاسِ من غير نَكِير ظهر من بَعضهم وَمَا قَالُوهُ من غير نَكِير فَهُوَ حق فَمن ذَلِك قَول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ حرَام قَالَ أَبُو بكر وَعمر ﵉ هُوَ يَمِين وَقَالَ عَليّ وَزيد ﵉ هُوَ طَلَاق ثَالِث وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵇ هُوَ طَلْقَة وَاحِدَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵇ هُوَ ظِهَار وَقَالَ بَعضهم هُوَ إِيلَاء وَاخْتِلَافهمْ فِي ذَلِك ظَاهر وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم قَالُوا ذَلِك قِيَاسا لأَنهم إِمَّا أَن يَكُونُوا قَالُوا ذَلِك عَن طَرِيق أَو لَا عَن طَرِيق وَلَو كَانُوا قَالُوا ذَلِك لَا عَن طَرِيق لكانوا قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ لِأَن من أعظم الْخَطَأ أَن يُقَال فِي دين الله لَا عَن طَرِيق فان قَالُوا ذَلِك عَن طَرِيق فَأَما أَن يكون نصا جليا أَو غير جلي أَو قِيَاسا أَو استنابطا وَلَو كَانَ فِي ذَلِك نَص لاحتج بِهِ بَعضهم ليقيم عذر نَفسه وليرد غَيره عَن خطئه هَذِه عَادَة من قَالَ قولا خَالفه فِيهِ من يقْصد مباحثته وَطلب الْحق مِنْهُ وَلِأَنَّهُم كَانُوا يعظمون مُخَالفَة نُصُوص النَّبِي ﷺ جليها وخفيها فَلَو كَانَ عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك نَص مُخَالف لبَعض هَذِه الْأَقَاوِيل لكَانَتْ كراهتهم لمُخَالفَته تَدْعُو إِلَى إِظْهَاره سِيمَا إِن كَانَ جليا وَأَيْضًا محَال من جِهَة الْعَادَات فِي عدد كثير يهتمون بِنَقْل كَلَام من يعظمونه حَتَّى ينقلوا مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي أَن يهملوا إِظْهَار مَا اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي وَوَقع فِي الِاخْتِلَاف وَيُفَارق ذَلِك ترك نقل مَا أَجمعُوا لأَجله لِأَن الْإِجْمَاع حجَّة وَقد أغْنى عَن الْخَبَر وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا وَقع الِاخْتِلَاف وَلَو أظهرُوا النَّص لاحتجوا بِهِ ولكان خوضهم فِيهِ يمْنَع من أَن ينكتم وَلَا ينْقل وَلَو نقل لعرفه الْفُقَهَاء مَعَ فحصهم عَن السّنَن ولسنا نجد فِي الشَّرِيعَة نصا فِي ذَلِك فان قَول الله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ إِنَّمَا هُوَ منع من
следующие страницы →