← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ذَلِك ينفر عَنهُ وَلَا يجوز ان يرجع عَن ذَلِك الحكم لِأَن الرُّجُوع عَنهُ خطأ فَأَما إِذا قيل كل مُجْتَهد مُصِيب فانه إِذا كَانَ غَيره من الْمُجْتَهدين يقطع على أَنه مُصِيب فالنبي بِالْقطعِ على ذَلِك من نَفسه أولى وَلَا يجوز لغيره أَن يُخَالِفهُ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده لِأَنَّهُ ينفر عَنهُ وَإِن كَانَ رُجُوعه إِلَى قَول آخر ينفر عَنهُ لم نجوزه وَإِن لم ينفر جوزناه فان قيل لَو جَوَّزنَا أَن يجْتَهد لوَجَبَ الْقطع على ان الْعلَّة الَّتِي استخرجها هِيَ عِلّة الحكم لوُجُوب حكمنَا بهَا وَلَا يقطع هُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مُجْتَهد ومحال أَن نقطع نَحن على ذَلِك دونه مَعَ كوننا متبعين لَهُ وَمَعَ انا إِنَّمَا قَطعنَا على ذَلِك لكَونه نَبيا وَهُوَ يعلم مَعَ كَونه نَبيا مَا علمناه الْجَواب أَنه لَا يقطع هُوَ وَلَا نَحن على عِلّة حكم الأَصْل وَنحن وَهُوَ نقطع على عِلّة حكم الْفَرْع على مَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِي أَن الْحق فِي وَاحِد وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك ﵀ فِي الشَّرْح بجوابين أَحدهمَا أَنا نَحن نقطع على الْعلَّة الَّتِي استخرجها لِأَنَّهُ يجب علينا اتِّبَاعه وَلَا يقطع هُوَ على ذَلِك لِأَنَّهُ مُجْتَهد وَهَذَا لَا يَصح لما ذَكرْنَاهُ وَالْآخر أَنه بعد تَكَامل اجْتِهَاده يعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم كَمَا أَنا نظن صدق الْمخبر إِذا أخبر وَحده فاذا تَوَاتر المخبرون حصل لنا الْعلم بصدقه فان قيل أفتجوزون أَن يتعبد النَّبِي ﵇ بِاجْتِهَادِهِ فِي تَأْوِيل آيَة قيل يجوز ذَلِك بل ذَلِك أولى مِمَّا تقدم لِأَن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك اسْتِدْلَال بِدلَالَة لَا بأمارة ﷺ َ - بَاب فِي هَل كَانَ يجوز ان يتعبد الله من عاصر النَّبِي ﷺ مِمَّن حَضَره أَو غَابَ عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاس أم لَا ﷺ َ - اما من غَابَ عَنهُ ﵇ فَحكى قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الشَّرْح

стр. 632

أَن أَكثر الذاهبين إِلَى الِاجْتِهَاد أَجَازُوا ذَلِك والأقلون منعُوا مِنْهُ وَحكي أَن أَبَا عَليّ ﵀ قَالَ فِي كتاب الِاجْتِهَاد لَا أَدْرِي هَل كَانَ يجوز لمن غَابَ عَن النَّبِي ﷺ فِي عصره أَن يجْتَهد أم لَا قَالَ لِأَن خبر معَاذ من اخبار الْآحَاد وَالصَّحِيح أَن لَهُم أَن يجتهدوا إِذا ضَاقَ زمَان الْحَادِثَة عَن استفتاء النَّبِي ﷺ إِذْ لَا يُمكنهُم سوى ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَا فرق فِي الْعُقُول بَينهم وَبَين من لَا يعاصر النَّبِي ﷺ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَن خبر معَاذ وَإِن كَانَ من اخبار الْآحَاد فقد تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فهم بَين مُحْتَج بِهِ ومتأول لَهُ فصح التَّعَلُّق بِهِ فِي أَن للمجتهد أَن يجْتَهد مَعَ غيبته عَن النَّبِي ﷺ فَأَما إِذا أمكن الْمُجْتَهد مراسلة النَّبِي ﷺ فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْحَاضِر إِذا أمكنه سُؤَاله وَقد أجَاز اجْتِهَاده قوم من القائسين إِلَّا أَن يمْنَع من اجْتِهَاده مَانع وَمنع مِنْهُ آخَرُونَ مِنْهُم الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وَأَجَازَ قوم لمن بِحَضْرَتِهِ أَن يجْتَهد إِذا أذن لَهُ النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك وَأَجَازَ قَاضِي الْقُضَاة ﵀ من جِهَة الْعقل وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ لمن حضر النَّبِي ﷺ وَلمن غَابَ عَنهُ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة أَن يعْمل بِاجْتِهَادِهِ إِذا لم يسْأَل النَّبِي ﷺ وَلَا يمْتَنع إِذا سَأَلَهُ أَن يكون مصْلحَته أَن ينص لَهُ على الحكم وَلَا يمْتَنع أَن تكون مصْلحَته أَن يكله إِلَى اجْتِهَاده وَالْأولَى أَن يُقَال إِنَّه لَا يجوز لمن حضر النَّبِي ﷺ أَن يجْتَهد من جِهَة الْعقل قبل سُؤال النَّبِي ﷺ كَمَا لَا يجوز للسالك فِي بَريَّة مخوفة أَن يعْمل على رَأْيه مَعَ تمكنه من سُؤال من بِخَبَر الطَّرِيق أَسد من خبرته وكما لَا يجوز أَن يجْتَهد من غير أَن يطْلب للنصوص ويفقدها وَيجوز إِن سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَن يكله إِلَى اجْتِهَاده بِأَن يعلم الله تَعَالَى أَن مصْلحَته أَن يعْمل على اجْتِهَاده

стр. 633

- ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا يجوز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيع الشرعيات وَيجوز التَّعَبُّد فِي جَمِيعهَا بالنصوص ﷺ َ - أما جَوَاز ذَلِك بالنصوص لِأَنَّهُ مُمكن أَن ينص الله على صِفَات الْمسَائِل فِي الْجُمْلَة فَيدْخل تفصيلها فِيهَا وَيجوز أَن يكون فِي ذَلِك مصلحَة نَحْو أَن ينص الله تَعَالَى على الرِّبَا فِي كل مَوْزُون فَيدْخل فِي ذَلِك أَنْوَاع الموزونات أما التَّعَبُّد فِي جَمِيعهَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يَصح لِأَنَّهُ إِمَّا أَن تقاس جَمِيع الشرعيات أَو لَا تقاس فان لم تقس انْتقض كَونهَا مقيسة وَإِن قيست فاما أَن يُقَاس على غَيرهَا وَإِمَّا ان يُقَاس بَعْضهَا على بعض بِأَن يُقَاس الْفَرْع على الأَصْل وَيُقَاس الأَصْل على فَرعه وَفِي ذَلِك تبين الشَّيْء بِنَفسِهِ وَإِن قيست على غَيرهَا فَذَلِك الْغَيْر إِمَّا شَرْعِي وَإِمَّا عَقْلِي وقياسها على أصُول غَيرهَا شرعيه لَا يُمكن لأَنا قد فَرضنَا الْكَلَام فِي أَن يكون جَمِيع الشرعيات مقيسة وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء يُقَاس عَلَيْهِ وَإِن قيست على أصُول عقلية بِاعْتِبَار وُجُوه قبحها وحسنها أَو بِاعْتِبَار أَمَارَات عقلية مستندة إِلَى عادات لم يَصح لأَنا لم نجد فِي الْعقل أصلا لوُجُوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها وشروطها واوقاتها وَلَا نعلم أَيْضا وَجه وجوب ذَلِك فِي الصَّلَاة من جِهَة الْعقل فَيَقَع الْقيَاس بهَا على غَيرهَا وَأما الأمارات المستخرجة بالعادات فَلَيْسَتْ دَالَّة على وجوب شَيْء وَلَا على حظره وَإِنَّمَا تدل على حُدُوث حَادث كأمارة الْمَطَر أَو تدل على مِقْدَار شَيْء كأمارة قيمَة الْمُتْلف وَلَيْسَ وجوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها من هذَيْن وَلَا تَجِد من جِهَة الْعَادَات أَمَارَات على وجوب الصَّلَاة وشروطها وَلَو دلّت أَمَارَات الْعَادَات على ذَلِك لما كَانَ وجوب الصَّلَاة شَرْعِيًّا بل كَانَ مَعْرُوفا بِالْعَادَةِ فصح أَن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيع الشرعيات لَا يجوز

стр. 634

- ﷺ َ - بَاب فِي أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ ﷺ َ - اعْلَم أَن من النَّاس من قَالَ قد تعبدنا الله تَعَالَى فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة بِالْقِيَاسِ وَمِنْهُم من قَالَ لم يتعبد بِهِ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قَالَ قد وَردت الشَّرِيعَة بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا لم يُثبتهُ فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على التَّعَبُّد بِهِ وَاخْتلف من أثبت التَّعَبُّد بِهِ فَقَالَ قوم الْعقل يدل على ذَلِك والسمع وَقَالَ آخَرُونَ السّمع فَقَط يدل عَلَيْهِ وَالَّذِي يبين أَن الْعقل بدل على التَّعَبُّد بِهِ أَن مرادنا بقولنَا إِن الْعقل يدل على ذَلِك هُوَ أَنا إِذا ظننا بأمارة شَرْعِيَّة عِلّة حكم الأَصْل ثمَّ علمنَا بِالْعقلِ أَو بالحس ثُبُوتهَا فِي شَيْء آخر فان الْعقل يُوجب قِيَاس ذَلِك الشَّيْء على ذَلِك الأَصْل بِتِلْكَ الْعلَّة أما جَوَاز قيام امارة شَرْعِيَّة على عِلّة حكم الأَصْل فَهُوَ أَنا إِذا علمنَا أَن قبح شرب الْخمر يحصل عِنْد شدتها وينتفي عِنْد انْتِفَاء شدتها كَانَ ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي الظَّن لكَون شدتها عِلّة تَحْرِيمهَا وَمَعْلُوم أَن الشدَّة مَعْلُوم ثُبُوتهَا فِي النَّبِيذ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعقل يُوجب قِيَاس النَّبِيذ على الْخمر لِأَن الْعقل يَقْتَضِي قبح مَا ظننا فِيهِ أَمارَة الْمضرَّة وأمارة التَّحْرِيم هِيَ أَمارَة الْمضرَّة أَلا ترى أَن الْعقل يَقْتَضِي قبح الْجُلُوس تَحت حَائِط مائل لعلمنا بِثُبُوت امارة الْمضرَّة فان قيل كَيفَ يجوز الْقطع على قبح مَا وجدت فِيهِ امارة التَّحْرِيم والمضرة مَعَ ان الأمارة قد تخطىء وَقد تصيب قيل كَمَا يجوز مثله فِي امارة المضار الْحَاصِلَة فِي الْقيام تَحت حَائِط مائل فان قَالُوا الْعقل إِذا انْفَرد يَقْتَضِي إِبَاحَة شرب النَّبِيذ فَلم يجز الِانْصِرَاف عَنهُ لأمارة قيل لَهُم مثله فِي الْجُلُوس تَحت الْحَائِط لِأَن الْعقل يَقْتَضِي إِبَاحَة الْجُلُوس فِي الأَصْل فَيجب أَن لَا ننتقل عَن هَذِه الْإِبَاحَة لأمارة يجوز أَن تخطيء وتصيب فان قَالُوا إِنَّمَا حسن الْجُلُوس بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ امارة الْمضرَّة قيل

стр. 635

وَإِنَّمَا حسن بِالْعقلِ شرب النَّبِيذ بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ أَمارَة التَّحْرِيم والمضرة وَلَا فرق بَينهمَا وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵁ لأَنهم قَالُوا فِي مسَائِل اخْتلف فِيهَا بِالْقِيَاسِ من غير نَكِير ظهر من بَعضهم وَمَا قَالُوهُ من غير نَكِير فَهُوَ حق فَمن ذَلِك قَول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ حرَام قَالَ أَبُو بكر وَعمر ﵉ هُوَ يَمِين وَقَالَ عَليّ وَزيد ﵉ هُوَ طَلَاق ثَالِث وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵇ هُوَ طَلْقَة وَاحِدَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵇ هُوَ ظِهَار وَقَالَ بَعضهم هُوَ إِيلَاء وَاخْتِلَافهمْ فِي ذَلِك ظَاهر وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم قَالُوا ذَلِك قِيَاسا لأَنهم إِمَّا أَن يَكُونُوا قَالُوا ذَلِك عَن طَرِيق أَو لَا عَن طَرِيق وَلَو كَانُوا قَالُوا ذَلِك لَا عَن طَرِيق لكانوا قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ لِأَن من أعظم الْخَطَأ أَن يُقَال فِي دين الله لَا عَن طَرِيق فان قَالُوا ذَلِك عَن طَرِيق فَأَما أَن يكون نصا جليا أَو غير جلي أَو قِيَاسا أَو استنابطا وَلَو كَانَ فِي ذَلِك نَص لاحتج بِهِ بَعضهم ليقيم عذر نَفسه وليرد غَيره عَن خطئه هَذِه عَادَة من قَالَ قولا خَالفه فِيهِ من يقْصد مباحثته وَطلب الْحق مِنْهُ وَلِأَنَّهُم كَانُوا يعظمون مُخَالفَة نُصُوص النَّبِي ﷺ جليها وخفيها فَلَو كَانَ عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك نَص مُخَالف لبَعض هَذِه الْأَقَاوِيل لكَانَتْ كراهتهم لمُخَالفَته تَدْعُو إِلَى إِظْهَاره سِيمَا إِن كَانَ جليا وَأَيْضًا محَال من جِهَة الْعَادَات فِي عدد كثير يهتمون بِنَقْل كَلَام من يعظمونه حَتَّى ينقلوا مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي أَن يهملوا إِظْهَار مَا اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي وَوَقع فِي الِاخْتِلَاف وَيُفَارق ذَلِك ترك نقل مَا أَجمعُوا لأَجله لِأَن الْإِجْمَاع حجَّة وَقد أغْنى عَن الْخَبَر وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا وَقع الِاخْتِلَاف وَلَو أظهرُوا النَّص لاحتجوا بِهِ ولكان خوضهم فِيهِ يمْنَع من أَن ينكتم وَلَا ينْقل وَلَو نقل لعرفه الْفُقَهَاء مَعَ فحصهم عَن السّنَن ولسنا نجد فِي الشَّرِيعَة نصا فِي ذَلِك فان قَول الله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ إِنَّمَا هُوَ منع من

стр. 636

التَّحْرِيم وَلَيْسَ فِيهِ مَا حكمه فان قَالُوا وَلَو كَانُوا قاسوا هَذِه الْمَسْأَلَة على غَيرهَا لصرحوا بِالْعِلَّةِ قيل لَا يجب ذَلِك بل يَكْفِي التَّنْبِيه على الْعلَّة وَقد نبه كل مِنْهُم على الْقيَاس وَالْعلَّة لِأَن من قَالَ إِنَّه طَلَاق ثَلَاث جعل مُطلق التَّحْرِيم يَقْتَضِي غَايَة التَّحْرِيم ثمَّ ألزمهُ هَذَا الحكم قِيَاسا على طَلَاق الثَّلَاث من حَيْثُ كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا يُفِيد غَايَة التَّحْرِيم وَمن جعله طَلْقَة وَاحِدَة اعْتبر أقل مَا يثبت مَعَه التَّحْرِيم وقاسه على الطَّلقَة الْوَاحِدَة بعلة ان كل وَاحِد مِنْهَا يتَنَاوَل أقل التَّحْرِيم وَمن جعله إِيلَاء اعْتبر أَن الزَّوْج قد منع نَفسه بِهَذَا القَوْل عَن وَطئهَا وَمن جعله ظِهَارًا أجراه مجْرى الظِّهَار من قبل أَنه يُفِيد التَّحْرِيم بِلَفْظ لَيْسَ بِلَفْظ طَلَاق وَلَا إِيلَاء وَإِذا كَانَ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مُمكنا وَلم يُمكن ذكر نَص وَلَا أَنهم قَالُوا بِغَيْر طَرِيق وَجب الْقطع على أَنهم أَرَادوا مَا ذَكرْنَاهُ أَو مَا يجْرِي مجْرَاه من التَّشْبِيه وَأَيْضًا فان النَّاس قد يقتصرون على الْفَتْوَى فِي كَلَامهم وَيعلم السَّامع الْوَجْه الدَّال على الْفَتْوَى من نفس الْفَتْوَى أَلا ترى أَن النَّاس قد يشيرون فِي الْحَرْب بآراء ويجرون الشَّيْء مجْرى غَيره وَلَا يصرحون بِذكر الشّبَه فَيعلم وَجه التَّشْبِيه بَيَان ذَلِك أَن رَئِيس الْجَيْش لَو امْر مرّة بِضَرْب رِقَاب من يتحسس عَلَيْهِ لعَدوه قصدا مِنْهُ إِلَى زجر من يتحسس عَلَيْهِ ثمَّ أحسن مرّة إِلَى من يتحسس عَلَيْهِ استمالة مِنْهُ لَهُم ليدلوه على عَورَة عدوه ثمَّ ظهر مرّة ثَالِثَة على آخَرين ينقلون اخباره على عدوه فَقَالَ بَعضهم اقتلهم كَالَّذِين قَتلهمْ وَقَالَ آخَرُونَ أحسن إِلَيْهِم كَالَّذِين أَحْسَنت إِلَيْهِم لعلم أَن هَؤُلَاءِ لحظوا استمالتهم ليدلوه على عَورَة عدوه واولئك قصدُوا زجر غَيرهم عَن التحسس عَلَيْهِ فَكَذَلِك مَا ذكرنَا عَن السّلف ﵃ فان قيل هلا وَجب أَن يصرحوا وَلَا يقتصروا فِيهَا على التَّنْبِيه كَمَا وَجب

стр. 637

أَن ينقلوا النَّص قيل قد ثَبت أَن الْعَادة والديانة قد أوجبتها نقل النَّص وَأَن الْعَادة فِي التَّعْلِيل والتشبيه أَن يُصَرح بهَا تَارَة وينبه عَلَيْهَا أُخْرَى فان قيل هلا صَرَّحُوا بذلك ليقيموا عذرهمْ ويمكنوا غَيرهم من الِاحْتِجَاج بِهِ قيل قد بلغُوا هَذِه الْغَرَض بالتنبيه وَلِهَذَا قد يُنَبه الْفُقَهَاء من كَلَامهم على تَلْخِيص الْعلَّة وَالْقِيَاس وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لم يكن مِنْهُم نَكِير لِأَنَّهُ لَو كَانَ مِنْهُم نَكِير لظهر وَلَا منع مَعَ ظُهُوره أَن ينكتم وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم إِذا لم ينكروه لم يكن بَاطِلا لِأَنَّهُ لَو كَانَ بَاطِلا لَكَانَ إِنْكَاره وَاجِبا وَكَانُوا قد اتَّفقُوا على ترك الْوَاجِب وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِنَّمَا لم ينكروه لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي معاصي غير الْأَنْبِيَاء مَا يقطع على أَنه صَغِير وَلِأَن الصَّغِير يجب إِنْكَاره كالكبير وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ وشبهوه بِغَيْرِهِ مَسْأَلَة الْجد وَقَول ابْن عَبَّاس أما يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب ابا وَلم يذهب إِلَى تَسْمِيَة الْجد ابا لِأَن ابْن عَبَّاس لَا يذهب عَلَيْهِ مَعَ تقدمه فِي اللُّغَة أَن الْجد لَا يُسمى أَبَا حَقِيقَة أَلا ترى أَنه يَنْفِي عَنهُ الِاسْم فَيُقَال لَيْسَ هُوَ بِأبي الْمَيِّت وَلكنه جده وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه بِمَنْزِلَة الْأَب كَمَا أَن ابْن الابْن بِمَنْزِلَة الابْن لما كَانَ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّت من جِهَة الْأَوْلَاد بِوَاسِطَة وَأَنه لَا فرق فِي الْولادَة والقرب بهَا بَين الْعُلُوّ السّفل هَذَا يدل عَلَيْهِ كَلَامه لِأَنَّهُ إِذا لم يرد أَنه أَب فِي الْحَقِيقَة فَلَا بُد مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَعَن عَليّ وَزيد بن ثَابت ﵄ أَنَّهُمَا شبهاه بغصني شَجَرَة وبجدولي نهر ليعرفا قربهما من الْمَيِّت ثمَّ شركا بَينهمَا فِي الْمِيرَاث قان قيل وَمن أَيْن صِحَة هَذَا التَّشْبِيه عَنْهُم قيل من نقل فتاويهم نقل هَذَا التَّشْبِيه فاذا كَانَ أَحدهمَا مَعْلُوما كَانَ الآخر مثله وَيبين ذَلِك أَن الْمُتَقَدِّمين من الْمُخَالفين كَانُوا بَين متناول لهَذِهِ التشبيهات وَبَين محط لَهَا فَلم يكن فيهم من يجحدها وَإِنَّمَا تجاسر على جَحدهَا بعض أهل هَذَا الْعَصْر وَلَو علمُوا أَن الإقراربفتاويهم يضرهم لجحدوها على أَنهم لَو لَو يشبهوا بِمَا ذَكرْنَاهُ لكانوا

стр. 638

قد قَالُوا غير ذَلِك من الِاحْتِجَاج إِمَّا نَص أَو غَيره مُجملا أَو مفصلا وَلَا يجوز مَعَ اهتمام النقلَة بأحوالهم على كثرتهم أَن يتْركُوا نقل مَا كَانَ بَينهم ويطبقوا على نقل مَا لم يجز لَهُ ذكر فيهم وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِن تشبيههم الْجد وَالْأَخ بغصني شَجَرَة وبجدولي نهر تَشْبِيه عَقْلِي يعْرفُونَ بِهِ قربهما من الْمَيِّت ثمَّ يورثونهما أَو أَحدهمَا لما تقرر فِي الشَّرْع من أَن المشتركين فِي الْقرب يرثان وَأَن أقربهما أَحَق بِالْمِيرَاثِ وَذَلِكَ أَنه قد يَرث الْأَبْعَد مَعَ الْأَقْرَب فان ابْن الابْن إِلَى أَربع منَازِل هُوَ أولى بِالْمَالِ من بنت الْبِنْت وَابْن ابْن الْعم أول من بنت الْعم وَهُوَ أبعد مِنْهُمَا وَأَيْضًا فانهم لم يورثوهما على سَوَاء بل بَعضهم قَاسم بالجد مَا كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من الثُّلُث وَشبهه فِي ذَلِك بَالَام لما كَانَ لَهُ أَوْلَاد وَلم ينقصهُ من الثُّلُث مَعَ مَا لَهُ من الْأَوْلَاد والتعصيب وَبَعْضهمْ قَاسم بِهِ مَا كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من السُّدس فَلم ينقصهُ من السُّدس تَشْبِيها بالجدة أم الْأُم من حَيْثُ اشْتَركَا فِي الْأَوْلَاد بِوَاسِطَة إِن قيل إِنَّمَا اعْتبر بالسدس لِأَن رجلا روى أَن النَّبِي ﷺ جعل للْجدّ السُّدس فَقَالَ لَهُ عمر مَعَ من قَالَ الرجل لَا ادري وَالْجَوَاب أَن قَوْله لَا أَدْرِي دَلِيل على أَنه جعل لَهُ السُّدس فِي حَال دون حَال وَأَنه نسي الرجل تِلْكَ الْحَالة فَلَا يُمكن أَن يُقَال لَهُ السُّدس فِي كل حَال فَلهَذَا لم ينقصوه مِنْهُ وعَلى أَنه لَو كَانَ ذَلِك عَاما فِي جَمِيع الْحَالَات لتعلقوا بِهِ وَتعلق بِهِ بَعضهم وَكَانُوا لَا يعطونه إِلَّا السُّدس إِذْ النَّبِي ﷺ قد أعطَاهُ السُّدس فِي كل حَال وَلَيْسَ لأحدأن يَقُول إِنَّهُم قَالُوا فِي هَذِه الْمسَائِل بِالصُّلْحِ لِأَن مَسْأَلَة الْحَرَام لَا يجوز فِيهَا الصُّلْح وَلِأَن كل مِنْهُم أفتى المستفتى وَحكم بِمَا يَقُوله وَلم يردهُ إِلَى الصُّلْح وَلَيْسَ لأحد ان يَقُول إِنَّهُم قَالُوا فِيهَا بِأَقَلّ مَا قيل لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم اخْتلَافهمْ أَقْوَال فَقَالُوا هم بِأَقَلِّهَا وَلَا اتَّفقُوا على قَول فَيُقَال إِنَّه أقل مَا قيل بل قَالُوا بأقاويل متباينة بَعْضهَا اقل من بعض وَمِمَّا قَالَه السّلف اعْتِبَارا أَن عمر ﵁ لم يُعْط الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم شَيْئا فِي الْمَسْأَلَة الحمارية فَقَالُوا هَب أَن ابانا كَانَ حمارا فورثهم وَهَذَا اعْتِبَار لأَنهم قَالُوا إِذا

стр. 639

أَعْطَيْت الْإِخْوَة للْأُم وَنحن قد شاركناهم فِي ولادَة الْأُم وزدنا عَلَيْهِم بِالْأَبِ فان لم ينفعنا ذَلِك لم يجز أَن يضرنا وَلَيْسَ يجوز أَن يكون أَعْطَاهُم لدخولهم تَحت الظَّاهِر وَهُوَ قَوْله ﴿فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ لِأَن الْخطاب انْصَرف إِلَى الاخوة للْأُم فَقَط أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ دَلِيل آخر ظَاهر عَن الصَّحَابَة ﵃ أَنهم قَالُوا بِالرَّأْيِ وَذَلِكَ لَا يُمكن دَفعه كَقَوْل أبي بكر ﵁ أَقُول فِيهَا برأيي وَقَول عمر اقضي برأيي فِيهِ وَقَالَ هَذَا مَا رأى عمر وَقَالَ عَليّ ﵇ فِي أم الْوَلَد كَانَ رَأْيِي ورأي عمر أَن لَا يبعن ثمَّ رَأَيْت ببيعهن وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي قصَّة بروع بنت واشق أَقُول فِيهَا برأيي وَقَوْلنَا رَأْي عبارَة عَن اعْتِقَاد أَو ظن فان توصل إِلَيْهِمَا بِاعْتِبَار واستنباط إِمَّا بِدلَالَة عقلية أَو امارة فَلَا شُبْهَة فِي وُقُوع اسْم الرَّأْي عَلَيْهِمَا فانه يُقَال فلَان رَأْيه الْعدْل وَفُلَان من رَأْيه الْقدر وَإِن توصل إِلَيْهِمَا بِنَصّ جلي أَو خَفِي فوقوع اسْم الرَّأْي عَلَيْهِمَا مشتبه وَالْأَقْرَب أَنه يجوز أَن يَقع عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أحد من أَن يَقُول إِن تَحْرِيم الْميتَة يرَاهُ الْمُسلمُونَ وَهُوَ رَأْيهمْ وَيمْتَنع أَن يَقُول هُوَ من رَأْيهمْ لِأَنَّهُ يُوهم أَنهم حرموها برأيهم فَأَما قَول الْقَائِل قلت هَذَا برأيي فَلَا يعقل مِنْهُ أَنه قَالَه بِنَصّ لَا جلي وَلَا خَفِي وَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ أَنه قَالَه استنباطا واستخراجا بِمَا يرَاهُ من الأمارات والأدلة الَّتِي لَيست بِنَصّ جلي وَلَا خَفِي وَلِهَذَا لَا يُقَال إِن الْمُسلمين حرمُوا الْميتَة برأيهم وَلَا يُقَال إِن ابا حنيفَة اثْبتْ الرِّبَا فِي السِّتَّة الْأَجْنَاس بِرَأْيهِ وَيُقَال إِنَّه أثبت الرِّبَا فِيمَا عَداهَا بِرَأْيهِ وَلَا يُقَال فِي الْجَيْش إِذا اطاعوا الإِمَام فِي رَأْي إِنَّهُم فاعلون ذَلِك بأرائهم وَلذَلِك لَا تُوصَف آراؤهم بالسداد إِذا كَانَ رَأْي الإِمَام سديدا واتبعوه فِيهِ من غير فحص وَيُقَال

стр. 640

للْإنْسَان أقلت هَذَا بِرَأْيِك أم بِكِتَاب الله فَيجْعَل أَحدهمَا فِي مُقَابلَة الآخر ومخالفونا يذمون القَوْل بِالرَّأْيِ ويذمون أَصْحَاب الرَّأْي وهم الْقَائِلُونَ بآرائهم وَلَيْسَ يجوز أَن يذموا الْقَائِلين بالنصوص فاذا ثَبت ذَلِك وَلم تكن على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة أَدِلَّة عقلية علمنَا أَن قَول من قَالَ من السّلف أَقُول فِيهَا برأيي إِنَّمَا اراد بِهِ الأمارات المظنونة وَأما قَول عمر ﵁ فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة إِلَى ابي مُوسَى قس الْأُمُور فَهُوَ صَرِيح فِي الْقيَاس إِن قيل قد رُوِيَ عَنْهُم ذمّ الرَّأْي كَقَوْل أبي بكر ﵁ أَي أَرض تُقِلني أَو سَمَاء تُظِلنِي إِذا قلت فِي كتاب الله برأيي وَقَول عمر ﵁ أجرأكم على الْجد أجرأكم على النَّار وَقَوله أعيتهم الْأَحَادِيث أَن يحفظوها فَقَالُوا بِالرَّأْيِ وَقَول عَليّ ﵇ من أَرَادَ أَن يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيقل فِي الْجد بِرَأْيهِ وَقَوله لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ مسح بَاطِن الْخُف أولى من ظَاهره وَقَول ابْن مَسْعُود يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا يقيسون الامور بآرائهم الْجَواب إِنَّه إِذا كَانَ الَّذين ذموا الرَّأْي هم الَّذين قَالُوا بِهِ وَجب صرف ذمهم إِلَى الرَّأْي مَعَ وجود النَّص أَو مَعَ ترك الطّلب للنَّص كَمَا يجب مثله لَو حُكيَ الرَّأْي وذمه عَن رَسُول الله ﷺ على أَن قَول أبي بكر ﵁ أَي أَرض تُقِلني إِذا قلت فِي كتاب الله برأيي إِنَّمَا عَنى بِهِ تَفْسِير الْقُرْآن ولعمري إِنَّه إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُفَسر على عرف اللُّغَة وَبِمَا سمع من النَّبِي ﷺ وَقَول عمر أجرأكم على الْجد أجرأكم على النَّار إِنَّمَا هُوَ ذمّ الجرأة وَترك التثبت وَلَيْسَ بذم للرأي وَقَوله أعيتهم الأحالديث أَن يحفظوها إِنَّمَا هُوَ ذمّ لمن عدل إِلَى الرَّأْي وَلم يطْلب الْأَحَادِيث وَلم يحفظ مَا وجد مِنْهَا وَقَول عَليّ ﵇ من اراد أَن يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيقل فِي الْجد بِرَأْيهِ مَعْنَاهُ الرَّأْي الَّذِي لَا يسْتَند إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَالْقَوْل بِمَا سنح من غير استقصاء النّظر فِي الأمارات الصَّحِيحَة وَقَول ابْن مَسْعُود يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ النَّاس عُلَمَاء جُهَّالًا

стр. 641

يقيسون الامور بآرائهم فانما ذمّ بذلك الرَّأْي قبل طلب السّنَن وَالنَّظَر فِيهَا وَقَول عَليّ ﵇ لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من ظَاهره مَعْنَاهُ لَو كَانَ الدّين جمعه بِالرَّأْيِ فَكَانهُ أَرَادَ أَن يبين ان لَيْسَ جَمِيع مَا أَتَت بِهِ السّنَن على مَا يَقْتَضِيهِ راي الْإِنْسَان وَبَين ذَلِك بمسح الْخُف دَلِيل آخر رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِمعَاذ حِين أنفذه إِلَى الْيمن بِمَ تحكم قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ بِسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ فان لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي وَعنهُ أَنه قَالَ لِمعَاذ وَأبي مُوسَى وَقد أنفذهما إِلَى الْيمن بِمَ تقضيان قَالَا إِن لم نجد الحكم فِي السّنة قسنا الْأَمر بِالْأَمر فَمَا كَانَ اقْربْ إِلَى الْحق عَملنَا بِهِ وَقَالَ ﷺ لِابْنِ مَسْعُود ﵁ اقْضِ بِالْكتاب وَالسّنة إِذا وجدتهما فان لم تَجِد الحكم فيهمَا اجْتهد رايك وَقَوله ﷺ لعمر وَقد سَأَلَهُ عَن قبْلَة الصَّائِم أرايت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته وَقَالَ للخثعمية وَقد سَأَلته الْحَج عَن ابيها أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت تقضينه قَالَت نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضى وَخبر معَاذ وَإِن قيل إِنَّه مُرْسل رَوَاهُ جمَاعَة من أهل حمص مذكورون عَن معَاذ وَقد تلقى بِالْقبُولِ لِأَن النَّاس فِيهِ فريقان احدهما يحْتَج بِهِ وَالْآخر يتأوله وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن النَّبِي ﷺ صَوبه فِي قَوْله أجتهد رَأْيِي عِنْد الِانْتِقَال من الْكتاب وَالسّنة فَعلمنَا أَن قَوْله أجتهد رَأْيِي لم ينْصَرف إِلَى الحكم بِالْكتاب وَالسّنة فان قيل إِنَّمَا عَنى معَاذ أَن يجْتَهد رَأْيه فِي الِاسْتِدْلَال بخفي النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة قيل قَول النَّبِي ﷺ فان لم تَجِد مُطلق فِي نفي وجدان نَص جلي وخفي فِي الْكتاب وَالسّنة على أَن من اسْتدلَّ بالنصوص الْخفية لَا يُقَال إِنَّه قد اجْتهد رَأْيه فان قيل إِنَّمَا أَرَادَ أجتهد رَأْيِي فِي طلب الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة قيل الطَّالِب لَا يُقَال إِنَّه اجْتهد رَأْيه وَإِنَّمَا يُقَال اجْتهد فِي الطّلب وَأَيْضًا فان معَاذ لما قَالَ أحكم بِكِتَاب الله وَقَالَ لَهُ ص =

стр. 642

فان لم تَجِد انْصَرف إِلَى نفي الوجدان الَّذِي يجوز مَعَه الِانْتِقَال من الْكتاب وَكَذَلِكَ قَوْله فِي السّنة فان لم تَجِد يُرِيد نفي الوجدان المسوغ للانتقال من السّنة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا وَقد استوفى الطّلب فان قيل أفتقطعون على ثُبُوت خبر معَاذ قيل لَا وَمَا اسْتدلَّ بِهِ على صِحَّته من احتجاج بعض الْأمة بِهِ وتاول بَعْضهَا لَهُ لَا يدل على أَن مُتَّفق على صِحَّته لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تكون الْأمة إِنَّمَا لم ترده لِأَنَّهَا لم تعلم بُطْلَانه وَلما أمكن الْمُخَالف تَأْوِيله وَلم يعلم بطلَان تاويله لم يردهُ كأخبار الْفِقْه إِن قيل أفصحيح الِاحْتِجَاج بِهَذِهِ الْأَخْبَار وَإِن كَانَت من أَخْبَار الْآحَاد قيل يَصح ذَلِك لِأَن اسْتِعْمَال الْقيَاس من الْأَعْمَال فَجَاز ان يقبل فِيهِ أَخْبَار الْآحَاد وَيقطع على وُجُوبه علينا لأجل الدَّلِيل الدَّال على وجوب قبُول أَخْبَار الْآحَاد كَمَا يقطع بذلك على وجوب مَا تضمنته اخبار الْآحَاد من فروع الشَّرِيعَة وَلَا فرق بَين أَن نظن أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَة وَبَين أَن نظن أَنه أَمر بِاسْتِعْمَال مَا يُفْضِي إِلَى وجوب النِّيَّة فِي انه يجب أَلا ترى أَنه لَا فرق بَين أَن يخبرنا مخبر بِوُجُود سبع فِي الطَّرِيق فِي لُزُوم تجنبه إِذا ظننا صدقه وَبَين أَن يَأْمُرنَا من ظَاهره السداد والنصح سُؤال رجل عَن الطَّرِيق وَيَقُول لنا إِنَّه خَبِير بِالطَّرِيقِ فِي أَنه يلْزمنَا سُؤَاله إِذا خفنا الطَّرِيق وَإِذا أخبرنَا بِشَيْء وظننا صدقه عَملنَا بِحَسبِهِ وَأما وَجه الِاسْتِدْلَال يَقُول النَّبِي ﷺ لعمر أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء فَهُوَ أَنه شبه قبْلَة الصَّائِم من غير إيلاج بمضمضة من غير ازدراد واجرى حكم أَحدهمَا على الآخر وَهُوَ نفي إِفْسَاد الصَّوْم وَهَذَا قِيَاس وَقَوله أَرَأَيْت لَو تمضمضت يدل على أَنه كَانَ تمهد أَمر الْقيَاس وَأَنه قد دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين وتشبيهه حَجهَا عَنهُ بذلك يدل على تمهد الْقيَاس فِي الشَّرِيعَة دَلِيل آخر قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَالِاعْتِبَار هُوَ

стр. 643

اعْتِبَار الشَّيْء بِغَيْرِهِ وإجراء حكمه عَلَيْهِ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ فِي الْأَسْنَان اعْتبر حكمهَا بالأصابع فِي ان دِيَتهَا مُتَسَاوِيَة وَقَالَ اعْتبر هَذَا بِهَذَا وَقَوْلهمْ إِن فِي هَذَا عِبْرَة مَعْنَاهُ أَن فِيهِ مَا يَقْتَضِي حمل غَيره عَلَيْهِ نَحْو أَن يعاجل من ظلم بِالْهَلَاكِ فَيُقَال فِي هَذَا عِبْرَة أَي فِيهِ مَا يَقْتَضِي حمل غَيره عَلَيْهِ وَلَيْسَ الِاعْتِبَار هُوَ الانزجار والاتعاظ لِأَن الاتعاظ والانزجار غَايَة الِاعْتِبَار فَعلمنَا تباينهما إِن قيل لَو كَانَ الِاعْتِبَار مَا ذكرْتُمْ لوصف قائس الْفُرُوع على الاصول بِأَنَّهُ مُعْتَبر وَإِن أقدم على الْمعاصِي وَلم يعْمل لآخرته قيل لَا يُوصف بِهَذَا لِأَن إِطْلَاق ذَلِك يُفِيد أَنه مُعْتَبر بِجَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أَن يعْتَبر بِهِ لِأَنَّهُ يخرج مخرج الْمَدْح لكنه يُقَال إِنَّه يعْتَبر الْفُرُوع بالاصول إِن قيل لَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ مَا ذكرْتُمْ لحسن التَّصْرِيح بِهِ وَمَعْلُوم أَنه لَا يحسن أَن نقُول يخرجُون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فقيسوا الارز على الْبر قيل إِنَّمَا لم يحسن ذَلِك لِأَنَّهُ اقْتِصَار على مَا لَا تعلق لَهُ بالْكلَام وعدول عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ وَيُفَارق ذَلِك أَن يَأْتِي بِكَلَام يشْتَمل على مَا يتَعَلَّق بالْكلَام الْمُتَقَدّم وعَلى مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ أَلا ترى أَن النَّبِي ﵇ لَو سُئِلَ عَمَّن بلع حَصَاة فِي شهر رَمَضَان لم يحسن أَن يَقُول من جَامع فِي رَمَضَان فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة إِذا لم يكن فِي ذَلِك تَنْبِيه على حكم من بلغ حَصَاة وَيحسن أَن يَقُول من أفطر فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة وَلَو كَانَ ذَلِك دخل فِيهِ لُزُوم الْكَفَّارَة لمن بلع حَصَاة ولمعترض أَن يَقُول إِن قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فاعتبروا﴾ لَيْسَ بِعُمُوم فَلم يفد جَمِيع ضروب الِاعْتِبَار فِي كل شَيْء كَمَا أَن قَول الْقَائِل اقْتُلُوا لَا يُفِيد جَمِيع ضروب الْقَتْل وَلَا قتل كل إِنْسَان واعترضت الدّلَالَة أَيْضا بِأَن للمخالف أَن يَقُول إِنَّا اعْتبرنَا بالاصول الَّتِي وَردت فِيهَا النُّصُوص فَكَمَا لَا

стр. 644

أثبت فِي الاصول الَّتِي لَا ينفرع على غَيرهَا الحكم إِلَّا بِالنَّصِّ أَو الْبَقَاء على حكم الْعقل كَذَا لَا اثْبتْ فِي غَيرهَا حكما إِلَّا بِالنَّصِّ أَو بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل دَلِيل آخر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَظَاهر الرَّد يُفِيد الْقيَاس وَلِأَنَّهُ لَو أَرَادَ بِالرَّدِّ إِلَى الله الِاسْتِدْلَال بِظَاهِر كتاب الله تَعَالَى لَكَانَ الْكَلَام متكررا لِأَن ذَلِك مُسْتَفَاد من قَول الله تَعَالَى ﴿وَأَطيعُوا الله﴾ إِذا ذَلِك أَمر بامتثال خطاب الله سُبْحَانَهُ كُله وَالْجَوَاب أَن الرَّد إِلَى الله يُفِيد الرُّجُوع إِلَى ظَاهر كتاب الله جليه وخفيه لِأَنَّهُ يُقَال لمن يسْتَدلّ بِهِ وَيعْمل بِمَا فِيهِ إِنَّه يرد امْرَهْ إِلَى الله وَالْغَرَض بِالْآيَةِ أَمر بِطَاعَة الله سُبْحَانَهُ فِيمَا نعلم أَنه امرنا بِهِ وأمرنا بِمَا لَا نعلم أَنه أمرنَا بِهِ مِمَّا اخْتَلَفْنَا فِيهِ أَن نرده إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ بِأَن نفحص عَنهُ فيهمَا حَتَّى إِذا علمنَا أَنه مِمَّا أمرنَا الله تَعَالَى بِهِ دخل ذَلِك فَمَا قد أوجبه علينا فِي اول الْآيَة من طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله فَلَا تكْرَار فِي ذَلِك وَيحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى عَنى بِالْخِطَابِ المعاصرين للنَّبِي ﷺ لِأَن خطاب المواجهة هَذَا ظَاهره فَقَالَ لَهُم أطِيعُوا الله فِيمَا امركم بِهِ وَأَطيعُوا الرَّسُول فان تنازعتم فِي شَيْء لم يظْهر فِيهِ من الله وَرَسُوله أَمر فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول بِأَن تسألوا عَنهُ الرَّسُول فان قيل هَذَا قصر للخطاب على المعاصرين للنَّبِي ﵇ دون غَيرهم وذل تَخْصِيص بِغَيْر دلَالَة قيل ظَاهر المواجهة يَقْتَضِي الْحَاضِرين وَأَيْضًا فانا إِن تركنَا الظَّاهِر من هَذَا الْوَجْه فَنحْن متمسكون بِهِ من حَيْثُ جَعَلْنَاهُ عَاما فِي أهل الِاجْتِهَاد وَغَيرهم وَأَنْتُم تخصون بِالرَّدِّ أهل الِاجْتِهَاد فَكل منا تَأَول الظَّاهِر وَأَنْتُم المستدلون دَلِيل آخر قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ والاستنباط هُوَ الْقيَاس وَكَذَلِكَ الرَّد

стр. 645

وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الرَّد إِلَى اولي الْأَمر يكون بالاستفتاء والاستشارة والاستنباط هُوَ إِخْرَاج الشَّيْء من كَونه بَاطِنا إِلَى أَن يظْهر وَقد يكون ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَقد يكون بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُقَال لمن اسْتدلَّ على الشَّيْء بخفي النُّصُوص قد استنبط هَذَا الحكم من هَذِه النُّصُوص على أَن هَذَا وَارِد فِي الْأَمْن وَالْخَوْف قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول﴾ الْآيَة دَلِيل قَول الله ﴿إِن أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا﴾ وَلم يُنكر عَلَيْهِم هَذَا التَّشَبُّه وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْكَلَام خرج مخرج النكير عَلَيْهِم لأَنهم أوجبوا إِذا كَانُوا بشرا مثلهم أَن لَا يصدوهم عَمَّا كَانَ يعبد آباؤهم وَقد ردوا عَلَيْهِم بِمَا حَكَاهُ الله من قَوْله ﴿إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده﴾ وعَلى ان هَذَا تَشْبِيه فِي غير حكم شَرْعِي فَهُوَ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لمن ذكر أَنه ولد لَهُ ابْن أسود أَلَك إبل فَقَالَ نعم فَقَالَ أفيهما جمل أَوْرَق قَالَ نعم قَالَ وَأَنِّي ذَلِك قَالَ الرجل لَعَلَّ عرقا نزع قَالَ النَّبِي ﷺ وَلَعَلَّ عرقا نزع وَذَلِكَ أَن هَذَا تَنْبِيه على أَمارَة عقلية فِي حكم عَقْلِي دَلِيل عقلت الْأمة من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ الْمَنْع من ضربهما وَلم تعقل ذَلِك إِلَّا قِيَاسا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْأمة عقلت ذَلِك لفظا كَمَا أَن قَول الْقَائِل مَا لفُلَان عِنْدِي حَبَّة يُفِيد فِي عرف اللُّغَة أَنه مَا لَهُ عِنْده قَلِيل وَلَا كثير لَا حَبَّة وَلَا أقل مِنْهَا وَله أَن يَقُول إِن الْمَنْع من ضربهما علم قِيَاسا على الْمَنْع من التأفيف بعلة أَنه أَذَى وَكَون الْأَذَى عِلّة فِي ذَلِك مَعْلُوم غير مظنون

стр. 646

دَلِيل أَجمعت الْأمة على قِيَاس الزناة على مَاعِز فِي الرَّجْم وَلقَائِل أَن يَقُول بل عقلت الْأمة أَن حكم الزناة حكم مَاعِز من قصد النَّبِي ﷺ ضَرُورَة أَو أَنَّهَا عقلت ذَلِك من قَوْله ﷺ حكمي فِي الْوَاحِد حكمي فِي الْجَمَاعَة على أَن كَون الزِّنَا بِشَرْط الْإِحْصَان عِلّة فِي الرَّجْم مَعْلُوم غير مظنون دَلِيل قد تعبدنا الله بالاستدلال بالأمارات على جِهَة الْقبْلَة إِذا اشْتبهَ علينا أمرهَا وَأَن نصلي إِلَى الْجِهَة الَّتِي ظننا أَن الْقبْلَة فِيهَا وَهَذَا تعبد بالاستدلال بالأمارات وبالعمل بحسبها الْجَواب ان من الْمُخَالفين من لَا يجوز الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة وَيُوجب على من اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة الصَّلَاة إِلَى جَمِيع الْجِهَات فَلَا يسلم هذاالموضع وَمِنْهُم من يُوجب الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة وَله أَن يَقُول إِن الأمارات الدَّالَّة على الْقبْلَة أَمَارَات عقلية لَا سمعية وَلست امْنَعْ من كوننا متعبدين بِمَا ذكرْتُمْ فِي الْقبْلَة وَلَكِنِّي أمنع من كوننا متعبدين فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة بالاستدلال بالأمارات المظنونة الشَّرْعِيَّة وبالعمل بحسبها وَلَيْسَ يلْزم إِذا تعبدنا بالأمارات فِي مَوضِع أَن نَكُون متعبدين بهَا فِي مَوضِع آخر إِلَّا لجامع يجمع بَين الْمَوْضِعَيْنِ فان قَالُوا إِذا جَازَ التَّعَبُّد بالأمارات المظنونة فِي مَوضِع جَازَ التَّعَبُّد بهَا فِي مَوضِع آخر إِذا مَا سوغ احدهما سوغ الآخر وَإِن منع من احدهما مَانع فَهُوَ مَانع من الآخر قيل هَذَا يدل على جَوَاز التَّعَبُّد بالأمارات فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة وَلَيْسَ ذَلِك مَسْأَلَتنَا فان قَالُوا إِنَّا تعبدنا بذلك فِي الْقبْلَة لِأَنَّهُ لما لم نعاينها لم يبْق إِلَّا التَّعَبُّد فِيهَا بالأمارات وَكَذَلِكَ مَعَ فقد النَّص على الْحَوَادِث لَا يبْقى إِلَّا التَّعَبُّد بالأمارات قيل لم زعمتم ذَلِك وَمَا أنكرتم أَنه يبْقى من التَّعَبُّد فِي الْمَوْضِعَيْنِ وُجُوه أخر مِنْهَا ان نتعبد فِيهَا بِحكم الْعقل فَيبقى فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة على مُقْتَضى الْعقل وَلَا يلْزم عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة الصَّلَاة إِلَى جِهَة من الْجِهَات وَيُمكن أَن نتعبد بِالصَّلَاةِ إِلَى جَمِيع الْجِهَات أَو إِلَى أَي جِهَة اخترنا فان قَالُوا إِنَّمَا تعبدنا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقبْلَة وَالْعَمَل بِحَسبِهِ لفقد الْعلم بهَا فَيجب إِذا فَقدنَا الْعلم بِحكم الْحَادِثَة أَن نَكُون متعبدين بالاستدلال عَلَيْهِ بالأمارات وَالْعَمَل بحسبها قيل لَهُم إِن مخالفكم

стр. 647

لَا يسلم أَنا قد فَقدنَا طَرِيقا إِلَى الْعلم بِحكم الْحَادِثَة لِأَنَّهُ يَجْعَل الطَّرِيق إِلَى ذَلِك الْعقل فان قَالُوا إِنَّمَا تعبدنا بالأمارات فِي الْقبْلَة لفقد معاينتها فَيجب مثله فِي حكم الْحَادِثَة عِنْد فقد النَّص لِأَن فقد النَّص يجْرِي فقد مُعَاينَة الْقبْلَة قيل لَهُم أَتَجْعَلُونَ فقد مُعَاينَة الْقبْلَة عِنْد فقد مُعَاينَة الْقبْلَة عِلّة مظنونة أَو مَعْلُومَة فان قَالُوا هِيَ مظنونة قيل لَهُم وَهل نوزعتم إِلَّا فِي صِحَة الْقيَاس بعلة مظنونة وَإِن قَالُوا هِيَ مَعْلُومَة قيل لَهُم دلوا على ذَلِك وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا يجب الْعَمَل فِي الأمارات فِي الْقبْلَة لمصْلحَة لَا يعلمهَا إِلَّا الله أَلا ترى أَنه كَانَ لَا يمْتَنع أَن يتعبدنا بالأمارات فِي الْقبْلَة إِذا لم نعاينها ويتعبدنا بِالْبَقَاءِ على حكم مُوجب الْعقل فِي الْفُرُوع الَّتِي لَا نَص فِيهَا فان قَالُوا إِنَّمَا تعبدنا بالأمارات فِي الْقبْلَة لِأَن ذَلِك من قبيل دفع المضار وَهَذَا مَوْجُود فِي الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة قيل هَذَا رُجُوع إِلَى دليلنا الأول وَيجب الرُّجُوع فِيهِ إِلَى أصل عَقْلِي لِأَن مَا ذكرتموه عِلّة عقلية دَلِيل آخر كل حَادِثَة فَلَا بُد فِيهَا من حكم وَلَا بُد من أَن يكون إِلَيْهِ طَرِيق وَكثير من الْحَوَادِث لَا نَص فِيهَا وَلَا إِجْمَاع وَلَيْسَ بعدهمَا إِلَّا الْقيَاس فَلَو لم يكن الْقيَاس حجَّة خلت كثير من الْحَوَادِث من أَن يكون إِلَى حكمه طَرِيق فان قيل جَمِيع الْحَوَادِث عَلَيْهَا نُصُوص تشملها إِمَّا ظَاهِرَة وَإِمَّا خُفْيَة وَلَيْسَ يبعد ذَلِك وَإِن كثرت الْحَوَادِث إِذا كَانَت النُّصُوص عَامَّة لِأَن قَول النَّبِي ﷺ فَمَا سقت السَّمَاء الْعشْر شَامِل لكل مَا سقته السَّمَاء وَإِن كثر عدده قيل لَو كَانَ جَمِيع الْحَوَادِث يشملها النُّصُوص لما افْتقر أهل الظَّاهِر فِي كثير مِنْهَا إِلَى اسْتِصْحَاب الْحَال وَهَذِه الدّلَالَة مُعْتَرضَة لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ الْمُسْتَدلّ أَنه لَا بُد فِي كل حَادِثَة من حكم أَي من قَضِيَّة إِمَّا نفيا وغما إِثْبَاتًا فَصَحِيح لَكِن لَا يلْزم أَن يكون طَرِيق ذَلِك الشَّرْع بل قد يجوز أَن يكون طَرِيقه الشَّرْع وَيجوز أَن يكون طَرِيقه الْعقل فيلزمنا التَّمَسُّك بِحكمِهِ إِذا لم ينقلنا عَنهُ نَص وَإِن اراد بالحكم حكما شَرْعِيًّا فانه يجوز خلو كثير من الْحَوَادِث مِنْهُ

стр. 648

وَقد اسْتدلَّ بِهَذِهِ الدّلَالَة من وَجه آخر وَهُوَ أَن السّلف رجعُوا فِي أَحْكَام الْحَوَادِث إِلَى الشَّرْع فَعلمنَا أَن طريقها الشَّرْع دون الْعقل فاذا لم يكن فِيهَا نَص وَلَا إِجْمَاع فطريقها إِذا الْقيَاس وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أردتم بِهَذَا الْكَلَام الْمسَائِل الَّتِي دارت بَين الصَّحَابَة وبينتم أَنهم لم يستدلوا فِيهَا بِالْعقلِ وَلَا بِالْكتاب وَالسّنة وَأَنه لَيْسَ بعد ذَلِك إِلَّا أَنهم استدلوا عَلَيْهَا بِالْقِيَاسِ فَهَذَا اسْتِدْلَال بِإِجْمَاع السّلف وَقد تقدم وَإِن أردتم أَن السّلف لما طلبُوا حكم بعض الْمسَائِل من الشَّرْع وَجب أَن نطلب حكم جَمِيع الْحَوَادِث من الشَّرْع فَقَط قيل لكم وَلم يجب ذَلِك أَو لَسْتُم وغيركم من مخالفيكم تستدلون فِي كثير من الْمسَائِل بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل فان قُلْتُمْ لَو لم يكن الْقيَاس صَحِيحا لعدلوا فِي الْحَوَادِث الْحَادِثَة فِيمَا بَينهم الَّتِي لَا نَص فِيهَا إِلَى حكم الْعقل فَلَمَّا لم يَفْعَلُوا ذَلِك علمنَا أَنهم عدلوا إِلَى الْقيَاس قيل لكم هَذَا رُجُوع إِلَى استدلالكم الأول وَهُوَ قَوْلكُم إِنَّمَا حكمُوا فِي الْمسَائِل بِأَحْكَام لَا وَجه لما حكمُوا بِهِ إِلَّا الْقيَاس وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ قَالُوا وَالْحكم بِالْقِيَاسِ تقدم بَين يَدي الله وَرَسُوله لِأَنَّهُ حكم بِغَيْر قَوْلهمَا وَقَول على الله بِمَا لَا نعلم وَوصف الشَّيْء بِأَنَّهُ حَلَال وَحرَام وَلَا نَأْمَن كَونه كذبا وَبِقَوْلِهِ ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾

стр. 649

وَبِقَوْلِهِ ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ الْجَواب يُقَال لَهُم لم زعمتم أَن الحكم بِالْقِيَاسِ هَذَا سَبيله وَمَا أنكرتم أَنا لَا نَكُون بالحكم بِهِ متعبدين بَين يَدي الله وَرَسُوله إِذْ كُنَّا حاكمين بِمَا أمرنَا الله أَن نحكم بِهِ وَلم نقف مَا لَيْسَ لنا بِهِ علم وَلم نقل على الله مَا لَا نعلم وَلَا واصفين بِالْكَذِبِ لِأَن الدّلَالَة القاطعة على صِحَة الْقيَاس قد أمنتنا من كل ذَلِك وأوجبت أَن الحكم بِهِ حكم بِمَا انْزِلْ ورد إِلَى الله وَالرَّسُول وَأَنه مِمَّا بَينه الله فِي كِتَابه لِأَنَّهُ دلّ على صِحَة الْقيَاس وَمَعْلُوم أَن المُرَاد بقوله ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ إِمَّا على جملَة أَو على تَفْصِيل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَان لكل شَيْء على التَّفْصِيل أَلا ترى أَن كثيرا مِنْهُ مُبين بسنته ﵇ وَمِنْهَا مَا احْتج بِهِ النظام من أَن الله قد دلّ بِوَضْع الشَّرِيعَة على أَنه منعنَا من الْقيَاس لِأَنَّهُ فرق بَين المتفقين وَجمع بَين المفرقين فأباح النّظر الى شعر الْأمة الْحَسْنَاء وحظر النّظر إِلَى شعر الْحرَّة وَإِن كَانَت شوهاء وَأوجب الْغسْل من الْمَنِيّ دون الْبَوْل وَأوجب على الطَّاهِر من الْحيض قَضَاء الصّيام دون الصَّلَاة وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن ذَلِك بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الْقيَاس يَقْتَضِي الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي الحكم واختلافهما فِيهِ إِذا اشْتَركَا أَو افْتَرقَا فِي علته لَا فِي الصُّورَة وَلم يبين النظام أَن شعر الْحرَّة وَالْأمة قد اشْتَركَا فِي عِلّة التَّحْرِيم أَو الْإِبَاحَة حَتَّى يكون وُرُود الشَّرْع بالتفرقة بَينهمَا ورودا بِمَا يمْنَع من الْقيَاس

стр. 650

وللنظام أَن يَقُول غرضي بِمَا ذكرته الْإِبَانَة عَن أَن الشَّرِيعَة قد شهِدت بابطال أماراتكم لِأَن الشَّرِيعَة لَو حظرت النّظر إِلَى شعر الْحرَّة وَلم تذكر الْأمة لقلتم إِنَّمَا حظرت ذَلِك خوف الْفِتْنَة وَذَلِكَ قَائِم فِي شعر الْأمة الْحَسْنَاء فَيحرم النّظر إِلَيْهِ ولكان ذَلِك من اقوى مَا تذكرونه من أماراتكم فِي الْقيَاس فاذا شهِدت الشَّرِيعَة بابطاله فقد صَحَّ قولي إِن وَضعهَا يمْنَع من الْقيَاس وَمِنْهَا أَن ذَلِك لَو منع من الْقيَاس الشَّرْعِيّ لمنع من الْقيَاس الْعقلِيّ لِأَن الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة قد تخْتَلف فِيهَا الْأَشْيَاء المتفقة وتشترك فِيهَا الْأَشْيَاء المتباينة وللنظام أَن يَقُول الاحكام الْعَقْلِيَّة لَا تشترك فِيهَا الْأَشْيَاء المتباينة فِي علل تِلْكَ الْأَحْكَام وَلَا تفترق فِيهَا الْأَشْيَاء المتفقة فِي عللها وَأَنا قد أريتكم أَشْيَاء متفقة فِي أَمْثَال عللكم وأماراتكم وَهِي متباينة فِي أَحْكَام تِلْكَ الامارات فَكَانَ فِي ذَلِك بطلَان قَوْلكُم وَلم توجدوني مثله فِي العقليات وَمِنْهَا أَن قَالَ أَكثر مَا يَقْتَضِيهِ وضع الشَّرِيعَة أَن تخْتَلف أَحْكَام الْأَشْيَاء فَيكون الْقيَاس عَلَيْهَا يثبت أحكاما متضادة فِي الْفُرُوع وَلَيْسَ ذَلِك يمْتَنع عندنَا إِذا كَانَ الْمُكَلف مُخَيّرا فِيهَا وللنظام أَن يَقُول مَا التزمتموه خَارج عَمَّا رمته لِأَن الَّذِي رمته هُوَ وُرُود الشَّرِيعَة بِمَا يُخَالف مفايستكم فِي التَّسْوِيَة والتفرقة ليَصِح أَن وَضعهَا يمْنَع من الْقيَاس وَلَيْسَ غرضي أَن أبين أَن الْقيَاس يَقْتَضِي أحكاما متضادة فِي الْفَرْع فتجيبوني بِالْتِزَام ذَلِك وَنحن نجيب النظام فَنَقُول إِنَّه أرانا مثل أمارتنا فقد نفت الشَّرِيعَة أَحْكَامهَا وَذَلِكَ إِنَّمَا نمْنَع من كَونهَا أَدِلَّة وَلَا نمْنَع من كَونهَا أَمارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرط الأمارة أَن تدل هِيَ وأمثالها على حكمهَا على كل حَال بل قد تتخرم دلالتها وَلَا تخرج من كَونهَا أَمارَة أَلا ترى أَن الْغَيْم الرطب أَمارَة فِي الشتَاء على الْمَطَر وَلَيْسَ ينْقض كَونه أَمارَة على ذَلِك وجودنا غيما أرطب من ذَلِك فِي صميم الشتَاء وَلَا يكون الْمَطَر وامثال ذَلِك كثير وَكَذَلِكَ لَا تخرج أمارتنا من كَونهَا أَمَارَات بِوَجْه لوجودنا أَمْثَالهَا وأحكامها متخلفة عَنْهَا فان قَالَ قد وجدت الْأَكْثَر من أَمْثَال أماراتكم لَا يتَعَلَّق بهَا فِي الشَّرِيعَة حكم فَخرجت بذلك عَن أَن تكون أَمَارَات إِذْ الْأَكْثَر من الأمارات يتَعَلَّق بهَا

стр. 651

الْأَحْكَام قيل لَهُ بَين ذَلِك وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى بَيَانه وَمِمَّا احْتج بِهِ الْمُخَالف قَوْلهم لَو كَانَ الله وَرَسُوله قد تعبدنا بِالْقِيَاسِ لَكَانَ القائسون مُطِيعِينَ للنَّبِي ﷺ وَفِي ذَلِك كَونه عَالما بهم وَبِمَا يؤديهم اجتهادهم إِلَيْهِ وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الله قد أعلم نبيه ﷺ بالقائسين مفصلا وَأَرَادَ الْقيَاس مِنْهُم وَكَانُوا مُطِيعِينَ لَهُ وَلَا يمْتَنع أَن يكون قد أَرَادَ فِي الْجُمْلَة من الْمُجْتَهدين أَن يجتهدوا الِاجْتِهَاد الصَّحِيح ويفعلوا بِحَسبِهِ وكل من فعل ذَلِك يكون مُطيعًا للنَّبِي ﷺ فان قيل فَمَتَى أَرَادَ الله حكم الْفُرُوع من الْمُكَلف قيل ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد وَعَلِيهِ دَلِيل يَقُول إِن الله أَرَادَ حكم الْفَرْع بِنصب الدّلَالَة على ذَلِك وَمن يَقُول كل مُجْتَهد مُصِيب مِنْهُم من يَقُول أَرَادَ أَحْكَام الْفُرُوع عِنْد نصب الأمارات وَمِنْهُم من يَقُول أرادها عِنْد نصب الدّلَالَة على الْعَمَل بِالْقِيَاسِ وَقد اخْتَارَهُ قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد وَقَالَ وَمِنْهُم من يَقُول أرادذلك عِنْد النَّص الدَّال على حكم الأَصْل وَقد اخْتَارَهُ فِي الشَّرْح وَفِي كتاب النِّهَايَة وَمِنْهُم من يَقُول أَرَادَ بعض الْأَحْكَام بالنصوص وَيقف على الْبَاقِي وَلَا يدْرِي بِمَاذَا أُرِيد وابطل فِي الشَّرْح أَن تكون الْأَحْكَام مُرَادة بِدَلِيل الْقيَاس لِأَن دَلِيل الْقيَاس مُجمل وَأوجب أَن تكون مُرَادة بِالنَّصِّ الدَّال على حكم الأَصْل قَالَ لِأَن عِنْد الْقيَاس نقُول لَا يَخْلُو مُرَاده بِتَحْرِيم الرِّبَا إِمَّا أَن يكون نفس الْعين أَو بعض صفاتها ثمَّ نتوصل بالأمارات إِلَى إِثْبَات الْمَعْنى وَلقَائِل أَن يَقُول لَا أقسم هَذِه الْقِسْمَة لِأَنِّي قد علمت أَنه مَا أُرِيد بِتَحْرِيم التَّفَاضُل فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة إِلَّا مَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظ دون غَيره وَإِنَّمَا أعرف حكم الْفَرْع لاختصاصه بِمَا ظَنَنْت أَنه عِلّة الحكم مَعَ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِالْقِيَاسِ وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الله إِنَّمَا أَرَادَ الحكم عِنْد نصب الدّلَالَة على صِحَة الْقيَاس مَعَ نصب الأمارة الدَّالَّة على عِلّة الحكم ووجودها فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ لَا بُد من مَجْمُوع ذَلِك فِي الْعلم لحكم الْفَرْع وَلَيْسَ بعض ذَلِك مُرَتبا على بعض بل لمجموعة تشافه

стр. 652

الحكم وَمعنى ذَلِك انه فعل كل وَاحِد من ذَلِك لأجل الحكم وَمِنْهَا قَوْلهم إِن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وَإِن جَازَ فان مقايستكم لم يرد التَّعَبُّد بهَا لِأَنَّهُ مَا من فرع إِلَّا وَيُشبه أصلين متضادي الحكم وَذَلِكَ يَقْتَضِي ثبوتهما فِيهِ وَذَلِكَ محَال فَعلمنَا أَن الله سُبْحَانَهُ لم يتعبدنا بذلك الْجَواب يُقَال لَهُم إِن كل فرع يشبه أصلين متضادي الحكم ثمَّ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يؤد إِلَى محَال لِأَن من لَا يُجِيز الحكم فِي الْفَرْع بالتخيير يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ قد جعل لنا طَرِيقا إِلَى قُوَّة شبهه باحد الْأَصْلَيْنِ فَيَنْبَغِي أَن يُرَاجع الْمُجْتَهد النّظر حَتَّى يظفر بذلك وَمن يجوز الحكم بالتخيير يَقُول يجوز ان يعتدل الشبهان عِنْد الْمُجْتَهد فَيكون مُخَيّرا بَين إِلْحَاقه بِأَيّ الْأَصْلَيْنِ شَاءَ فَلَا يُنَافِي فِي ذَلِك وَالْقَوْل فِي ذَلِك كالقول فِي أَخْبَار الْآحَاد المتعارضة وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس وَإِن جَازَ التَّعَبُّد بِهِ مَوْقُوف على ثُبُوت الْحَاجة إِلَيْهِ وَتَنَاول النُّصُوص الْخَاصَّة والعامة للحوادث كلهَا يرفع الْحَاجة إِلَيْهِ فاذا لسنا متعبدين بِهِ الْجَواب أَن قَوْلهم إِن النُّصُوص متناولة لجَمِيع الْحَوَادِث دَعْوَى وَلَو كَانَت النُّصُوص متناولة لجَمِيع الْحَوَادِث لتناولت الْحَوَادِث الَّتِي اخْتلف الصَّحَابَة فِيهَا وَكَانُوا يحتجون بهَا وَلما لم يحتجوا بهَا علمنَا أَنه لم يكن فِيهَا نُصُوص وَلَو تناولت النُّصُوص جَمِيع الْحَوَادِث لما افْتقر نفاة الْقيَاس إِلَى الِاسْتِدْلَال بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل فِي كثير من الْحَوَادِث وَمِنْهَا أَن يزِيدُوا فِي هَذِه الدّلَالَة فيقولوا تنَاول خَاص النُّصُوص وعامها أَو دَلِيل الْعقل لكل حَادِثَة تغني عَن الْقيَاس فِيهَا فَلم نَكُنْ متعبدين بِهِ إِذْ التَّعَبُّد بِهِ مَوْقُوف على الْحَاجة ولسنا مُحْتَاجين إِلَيْهِ مَعَ هَذِه الامور الْجَواب أَن تنَاول النُّصُوص للحادثة لَا يمْنَع من قياسها على غَيرهَا إِذا كَانَ حكم الْقيَاس هُوَ حكم النَّص لِأَنَّهُ إِن تنَاولهَا خبر وَاحِد كَانَ عَلَيْهَا أمارتان خبر وَاحِد وَقِيَاس وَإِن تنَاولهَا خبر متواتر قسناها على غَيرهَا لِأَنَّهُ لَو لم يكن الْخَبَر الْمُتَوَاتر لدل الْقيَاس على حكمهَا وَإِن تنَاول الْحَادِثَة عُمُوم جَازَ إِثْبَات حكم الْعُمُوم فِيهَا

стр. 653

بقياسها على غَيرهَا وَجَاز إخْرَاجهَا من الْعُمُوم بقياسها أَيْضا على غَيرهَا فَتَنَاول النُّصُوص للحادثة لَا يَقْتَضِي كوننا غير متعبدين فِيهَا بِالْقِيَاسِ وَأما تنَاول الْعقل للحادثة فانه إِنَّمَا يَقْتَضِي إِثْبَات حكمه فِيهَا ويغني عَمَّا سواهُ مَا لم ينْقل عَنهُ دَلِيل شَرْعِي فَعَلَيْهِم أَن يبينوا أَن الْقيَاس لَيْسَ بِدَلِيل شَرْعِي حَتَّى يمْتَنع أَن ينقلنا عَن حكم الْعقل هَذَا إِذا كَانَ الْقيَاس غير مُطَابق لحكم الْعقل فان كَانَ مطابقا لَهُ فَمَا الْمَانِع من ان يدل هُوَ على الْحَادِثَة مَعَ الْعقل كَمَا يدل الْعقل على الْحَادِثَة مَعَ خبر وَاحِد وَمِنْهَا قَوْلهم لَو نَص الله على عِلّة حكم الْحَادِثَة مَا جَازَ أَن نقيس عَلَيْهَا غَيرهَا بِتِلْكَ الْعلَّة فأحرى أَن لَا يجوز أَن نقيس على مَا لم ينص على علته وَإِذا لم يجز لنا الْقيَاس ثَبت أَن الله مَا تعبدنا بِهِ وَاسْتَدَلُّوا على أَن الْقيَاس على مَا نَص على علته لَا يجوز بِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لوَكِيله أعتق زيدا عَبدِي لِأَنَّهُ اسود مَا جَازَ أَن يعْتق كل عبد لَهُ أسود الْجَواب يُقَال لَهُم أتمنعون الْقيَاس على مَا نَص على عِلّة حكمه وَإِن تعبدنا بِالْقِيَاسِ أَو إِن لم نتعبد بِالْقِيَاسِ فان قَالُوا بِالْأولِ كَانُوا قد منعُوا من فعل مَا تعبد الله بِهِ لِأَن الله إِذا تعبدنا بِالْقِيَاسِ فَأولى المقاييس مَا نَص على علته وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم من النَّاس من يَقُول لَا يجوز الْقيَاس على مَا نَص على علته إِلَّا بعد أَن نتعبد بِالْقِيَاسِ وَلَا يَكْفِي النَّص على عِلّة الحكم فِي إِبَاحَة الْقيَاس ويحوج إِلَى ذَلِك من النَّص على الْعلَّة وَمَعَ فقد النَّص عَلَيْهَا ويسوى بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَمن النَّاس من يَقُول يَكْفِي النَّص على الْعلَّة فِي جَوَاز الْقيَاس بهَا لما سَنذكرُهُ فِي بَاب ياتي وَلَا بُد من تعبد بِالْقِيَاسِ إِذا لم ينص على الْعلَّة وَإِن اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَقُول إِن التَّعَبُّد بذلك يثبت عقلا وَشرعا وَمِنْهُم من يَقُول يثبت شرعا فَقَط فَمَا بني عَلَيْهِ الْمُسْتَدلّ دَلِيله من أَن الْقيَاس على مَا نَص على علته لَا يجوز لَا يُسلمهُ هَؤُلَاءِ وَمَا احْتج بِهِ من الْعتْق سَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب مُفْرد أَن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 654

- ﷺ َ - بَاب فِي النَّص على عِلّة الحكم هَل هُوَ تعبد بِالْقِيَاسِ بهَا أَو لَا بُد من تعبد زَائِد على النَّص على الْعلَّة ﷺ َ - اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ الجعفران وَبَعض أهل الظَّاهِر لَيْسَ النَّص على الْعلَّة تعبدا بِالْقِيَاسِ بهَا وَقَالَ أَبُو اسحاق النظام وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الْفُقَهَاء وَقَول بعض أهل الظَّاهِر إِن النَّص عَلَيْهَا يَكْفِي فِي التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بهَا وَالشَّيْخ أَبُو هَاشم أَبُو عبد الله ﵀ إِن كَانَت الْعلَّة المنصوصة عِلّة فِي التَّحْرِيم كَانَ النَّص عَلَيْهَا تعبدا بِالْقِيَاسِ بهَا وَإِن كَانَت عِلّة فِي إِيجَاب الْفِعْل أَو كَونه ندبا لم يكن النَّص عَلَيْهَا تعبدا بِالْقِيَاسِ بهَا وَاحْتج المانعون من الْقيَاس بهَا من غير هَذَا التَّفْصِيل فَقَالُوا إِن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِمَّا أَن تكون وَجه الْمصلحَة وَإِمَّا أَن تكون أَمارَة فان كَانَت وَجه الْمصلحَة وَجب أَن يُوقع الْمُكَلف الْفِعْل لأَجلهَا وَلَيْسَ يجب إِذا فعل الْإِنْسَان فعلا لغَرَض من الْأَغْرَاض وَوجه من الْوُجُوه ان يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض لِأَن من اكل رمانة لِأَنَّهَا حامضة لَا يجب أَن يَأْكُل كل رمانة حامضة وَمن تصدق على فَقير بدرهم لِأَنَّهُ فَقير لَا يجب أَن يتَصَدَّق على كل فَقير فَلَو أوجب الله علينا أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو وَكَانَت حلاوته دَاعِيَة إِلَى اكله لم يجب أَن تَدعُوهُ حلاوة الْعَسَل إِلَى أكله فَلم يجب علينا أكله وَأكل كل حُلْو وَإِن كَانَت الْعلَّة أَمارَة فَمَعْنَى ذَلِك هُوَ أَن وَجه الْمصلحَة يقارنها وَلَا يَنْفَكّ مِنْهَا فاذا ثَبت بهَا ذكرنَا أَن وَجه الْمصلحَة لَا تتبعها الْمصلحَة فِي كل مَوضِع فَكَذَلِك مَا لَا يَنْفَكّ من وَجه الْمصلحَة فعلى هَذَا الْوَجْه ذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ هَذَا الدَّلِيل وَالْجَوَاب إِن السكر لَو وَجب أكله لِأَنَّهُ حُلْو وَقُلْنَا إِن حلاوته وَجه الْمصلحَة وَالْوُجُوب لم يلْزم أَن يَأْكُل الْمُكَلف السكر لِأَنَّهُ حُلْو فيوقع الْفِعْل لهَذَا الْوَجْه بل يَكْفِي أَن يَأْكُلهُ لِأَنَّهُ وَاجِب وَلَيْسَ من شَرط كَون

стр. 655

حلاوة السكر وَجه الْمصلحَة أَن يكون دَاعِيَة إِلَى اكل السكر بل من شَرط كَونهَا وَجه الْمصلحَة أَن يكون أكل السكر يَدْعُو لأَجلهَا إِلَى فعل وَاجِب آخر أَو يصرف عَن قَبِيح وَهَذَا الْقدر كَاف فِي كَون الْحَلَاوَة وَجه الْمصلحَة وَلَو لزم الْمُكَلف أكل السكر لنه حُلْو لم يسْقط عَنهُ وجوب أكل كل حُلْو من حَيْثُ أمكنه أَن يَأْكُل السكر من حَيْثُ أَنه حُلْو وَلَا يَأْكُل مَا ساواه فِي الْحَلَاوَة على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ فِي الرمانة لِأَن وجوب الْوَاجِب لَا يقف على كَونه لَا بُد من وُقُوعه من الْمُكَلف بل من شَرط وُجُوبه إِمْكَان وُقُوعه وَإِمْكَان تَركه وَيُمكن أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة أَن يحتجوا بِهَذِهِ الدّلَالَة على وَجه آخر فيقولوا إِن علل الشرعيات هِيَ وُجُوه الْمصَالح والمصلحة إِمَّا أَن تكون دَاعِيَة إِلَى فعل وَاجِب ومسهلة لَهُ أَو صارفة عَن قَبِيح أَو دَاعِيَة إِلَى تَركه ومسهلة لَهُ وَمَا دَعَا إِلَى فعل وسهلة لَا يجب أَن يكون هُوَ وَلَا مثله دَاعيا إِلَى جنس ذَلِك الْفِعْل وَلَا مسهلا لَهُ وَمَا يصرف عَن الْفِعْل يجب أَن يصرف هُوَ وَمثله عَن جنس ذَلِك الْفِعْل أَلا ترى أَن من أكل رمانة لِأَنَّهَا حامضة فان حموضتها قد دَعَتْهُ إِلَى أكلهَا وسهلت عَلَيْهِ وَلَا يجب أَن يَأْكُل غَيرهَا من الرُّمَّان وَمن لم يَأْكُل رمانة لِأَنَّهَا حامضة فان حموضتها قد صرفته عَن أكلهَا وسهلت عَلَيْهِ الْإِخْلَال بأكلها وَيلْزم أَن لَا يَأْكُل كل رمانه حامضة فاذا ثَبت ذَلِك فَلَو نَص الله على أَن عِلّة وجوب أكل السكر كَونه حلوا يجوزنا أَن تكون حلاوته لطفا وداعيا إِلَى الْإِخْلَال بِالْكَذِبِ فَيلْزم أَن تكون حلاوة الْعَسَل إِذا أكله الْإِنْسَان دَاعيا لَهُ إِلَى الْإِخْلَال بِالْكَذِبِ وجوزنا أَن تكون حلاوته دَاعِيَة إِلَى فعل وَاجِب كرد الْوَدِيعَة ومسهلا لَهُ كَمَا ان حموضة الرمانة دَاعِيَة إِلَى أكلهَا وَلَا يلْزم أَن تَدْعُو حلاوة الْعَسَل إِلَى رد الودائع كَمَا لم يلْزم أَن تَدْعُو حموضة رمانة أُخْرَى أَو حموضة الْخلّ إِلَى أكله وَإِذا جَوَّزنَا كلا الْأَمريْنِ لم يجز لنا إِيجَاب أكل الْعَسَل لتجويزنا أَن تكون حلاوة السكر وَجه مصلحَة فِي فعل وَاجِب فَلَا يجب أَن تكون حلاوة الْعَسَل بِمثلِهِ بل يلْزمنَا أَن نقطع على أَن حلاوة السكر

стр. 656

لَيْسَ بِوَجْه مصلحَة فِي التّرْك لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لأخبرنا الله بذلك أَو لتعبدنا بِالْقِيَاسِ وَالْجَوَاب إِن من يفعل الْفِعْل لداع ومسهل فانه يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الدَّاعِي إِلَّا أَن يُقَابل ذَلِك الدَّاعِي صَارف أَو يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وآكل الرمانة إِنَّمَا لم يَأْكُل رمانة أُخْرَى لِأَن شَهْوَته للحموضة قد زَالَت أَو تناقصت فَلم يحصل دَاعِيَة إِلَى أكل رمانة أُخْرَى أَو لم يحصل على حد مَا حصل إِلَى الأولى وَإِذا نَص الله سُبْحَانَهُ على أَن عِلّة أكل السكر كَونه حلوا فَظَاهر أَن حلاوته هِيَ وَجه الْمصلحَة من غير شَرط فَلم يجز حُصُول الْحَلَاوَة إِلَّا وَهِي دَاعِيَة إِلَى مَا دعت إِلَيْهِ حلاوة السكر وَاحْتَجُّوا بِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ أعتقت عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ اسود لم يعْتَقد السامعون أَنه قد أعتق كل عبيده السود وَلَو قَالَ لوَكِيله أعتق عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ أسود لم يجز للْوَكِيل عتق كل عبيده السود الْجَواب إِن الْإِنْسَان إِذا قَالَ أعتقت عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ أسود فان كل عَاقل يناقضه إِذا لم يعْتق غَيره من عبيده السود إِلَّا أَن يكون قد عرف من قَصده أَنه اعتقده لِأَنَّهُ أسود مَعَ شَرط آخر لَا يُوجد فِي غَيره وَإِذا قَالَ لوَكِيله أعتق زيدا عَبدِي لِأَنَّهُ أسود قَالَ لَهُ الْعُقَلَاء فعندك الآخر أسود فَلم خصصت هَذَا بِالْعِتْقِ وَإِنَّمَا لم يجز للْوَكِيل الْإِقْدَام على عتق عبد لَهُ لِأَن الشَّرْع منع من ذَلِك إِلَّا بِصَرِيح القَوْل وَلِأَن المؤكل لما جَازَت عَلَيْهِ البدوات والمناقضات لم يجز من جِهَة الْعقل الْإِقْدَام على إِتْلَاف مَاله إِلَّا بِصَرِيح القَوْل أَلا ترى أَن المؤكل لَو أَمر وَكيله بِالْقِيَاسِ لم يكن للْوَكِيل عتق كل عبيده السود وَلِهَذَا ثَبت الْقيَاس فِيمَا عدا الْإِتْلَاف لِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لعَبْدِهِ لَا تدخل دَار فلَان لِأَنَّهُ عدوي فَدخل دَار غَيره من أعدائه لامه الْعُقَلَاء وَلَو قَالَ أوجبت أَو أبحت لَك دُخُول دَار فلَان لِأَنَّهُ صديقي كَانَ لَهُ دُخُول دَار غَيره من أصدقائه وَلَو لامه لائم على ذَلِك لعنفه الْعُقَلَاء وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الشَّيْخ عبد الله رحمهمَا الله احْتج لمذهبه بِأَن من فعل

стр. 657

فعلا لغَرَض من الْأَغْرَاض فانه لَا يجب أَن يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض وَمن ترك فعلا لغَرَض فانه لَا يجب أَن يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض وَمن ترك فعلا لغَرَض فانه يتْرك مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض فاذا حرم الله تَعَالَى الْخمر لشدتها فان الشدَّة تكون وَجه الْمصلحَة وَلَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَلها يتْرك الْفِعْل وَإِذا كَانَت وَجها فِي التّرْك وَجب أَن يشيع فِي تَحْرِيم كل شدَّة فاذا وَجب أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو لم يجب أَن يشيع فِي كل حُلْو وَالْجَوَاب يُقَال إِن أردْت أَن الشدَّة وَجه لَهَا بترك شرب الْخمر فقد بَينا بطلَان ذَلِك إِن أردْت أَنَّهَا لاخْتِصَاص الْخمر بهَا يَقْتَضِي ترك شربهَا انصرافا عَن قَبِيح آخر فَمن أَيْن ذَلِك وَمَا يُنكر أَنه يجوز ذَلِك وَيجوز أَن يكون تَارِك شربهَا يفعل وَاجِبا وَلَو شربهَا أخل بِهِ وَمَا يُنكر لَو أوجب الله تَعَالَى علينا أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو أَن يكون أكله يصرف عَن قَبِيح وَلَا يَدْعُو إِلَى وَاجِب فَلَا يَنْبَغِي أَن يفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ بل يَنْبَغِي أَن يجوز فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون دَاعيا إِلَى التّرْك وداعيا إِلَى الْفِعْل على أَن قَوْله إِن وَجه الْمصلحَة لَهَا يفعل الْفِعْل إِن أَرَادَ بِهِ لَهَا يفعل الملطوف فِيهِ على معنى أَن الْمُكَلف يفعل الملطوف فِيهِ لأجل اللطف فَهُوَ صَحِيح وَإِن أَرَادَ أَن وَجه الْمصلحَة هُوَ غَرَضه ومقصوده بِفعل الملطوف فِيهِ كَمَا يَقُول خرجت من الدَّار لاسلم على زيد فَبَاطِل لِأَن اللطف مُتَقَدم فَلَا يجوز أَن يكون هُوَ غَرَض الْمُكَلف أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا اسْتغنى أَو رزقه الله ولدا فَدَعَاهُ ذَلِك إِلَى الصَّلَاة لَا يكون غَرَضه وقصده بِالصَّلَاةِ الِاسْتِغْنَاء وَالْولد وَأما أَبُو إِسْحَاق النظام فَلهُ أَن يحْتَج فَيَقُول لَو قَالَ الله اوجبت أكل السكر فِي كل يَوْم لِأَنَّهُ حُلْو لَكَانَ ذَلِك تعليلا لوُجُوبه فِي كل يَوْم ولكانت الْحَلَاوَة فَقَط وَجه الْمصلحَة فِي وُجُوبه فِي كل يَوْم لِأَنَّهُ قصر التَّعْلِيل عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَاف أحوالنا وَلَا يجوز حُصُول وَجه الْوُجُوب أَو الْحسن أَو الْقبْح فَلَا يُؤثر أَلا ترى أَنه لَا يجوز حُصُول الْفِعْل ظلما وَلَا يكون قبيحا وَأَيْضًا فان قدرا من الرِّفْق لَا يجوز أَن يصلح الصَّبِي وَهُوَ على صفة مَخْصُوصَة

стр. 658

وَلَا يصلحه مثله مَتى كَانَ الصَّبِي على تِلْكَ الصّفة وَإِذا ثَبت ذَلِك كَانَت الْحَلَاوَة مُؤثرَة فِي الْمصلحَة فِي كل مَوضِع فَوَجَبَ أكل الْعَسَل وَقد احْتج لهَذِهِ الْمقَالة أَيْضا بِأَنَّهُ لَو لم يجز الْقيَاس بِالْعِلَّةِ المنصوصة لم تكن للنَّص عَلَيْهَا فَائِدَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْفَائِدَة فِيهَا أَن يعلم كَونهَا عِلّة لِأَن الْعلم نَفسه فَائِدَة وَقَالَ أَيْضا لَو لم يتعبد بِالْقِيَاسِ لعلم كل عَاقل تَحْرِيم ضرب الْوَالِدين من قَول الله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ لما نبه الله تَعَالَى على الْعلَّة فاذا نَص عَلَيْهَا فَالْقِيَاس بهَا أولى فَالْجَوَاب إِن كثيرا من النَّاس يَقُول إِن الْمَنْع من ضربهما مَعْلُوم بِاللَّفْظِ لَا من جِهَة الْقيَاس وَمن لم يقل إِن ذَلِك مَعْلُوم بِاللَّفْظِ يَقُول لَو لم يتعبد الله بِالْقِيَاسِ لم أعرف ذَلِك بِالْقِيَاسِ على التأفيف لَكِن أعرفهُ بِالْعقلِ من حَيْثُ أَن ضربهما كفر نعْمَة وَإِنَّمَا يثبت أَن الْمَنْع من التأفيف دَال على تَحْرِيم الضَّرْب إِذا ثَبت أَن الْعلم بِالْعِلَّةِ يَكْفِي فِي التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فَأَما مَعَ الشَّك فِي ذَلِك فَلَا يُمكن الْمَنْع من ضربهما بِالْقِيَاسِ على التأفيف فأمأ إِذا نَص الله على الْعلَّة وَتعبد بِالْقِيَاسِ فَلَا شُبْهَة فِي جَوَاز الْقيَاس بهَا لأَنا قد بَينا أَن النَّص على الْعلَّة هُوَ تعبد بِالْقِيَاسِ فانضمام تعبد زَائِد يزِيد التَّعَبُّد تَأْكِيدًا وَلِأَنَّهُ لَو لم يجز الْقيَاس بهَا لم يجز الْقيَاس بالمستنبطة فَكَانَ لَا يجوز الْقيَاس أصلا وَفِي ذَلِك وُرُود التَّعَبُّد بِمَا لَا يجوز فعله شُبْهَة إِن قيل إِذا أوجب الله تَعَالَى أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو فَيجب إِذا شَاركهُ الْعَسَل فِي الْحَلَاوَة أَن يكون قد قَامَ مقَامه فِي وَجه الْمصلحَة وَفِي ذَلِك كَونهمَا واجبين على الْبَدَل وَالْجَوَاب إِن الْفِعْل إِذا وَجب التَّعْيِين لوجه ثمَّ شَاركهُ

стр. 659

فِيهِ فعل آخر وَجب أَن يُشَارِكهُ فِي الْوُجُوب على التَّعْيِين لِأَن هَذَا هُوَ حكم الأَصْل شُبْهَة إِن قَالُوا لَو قَالَ الرجل لوَكِيله أعتق عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ أسود وَيَنْبَغِي أَن يقيس لم يجز لَهُ أَن يعْتق جَمِيع عبيده السود وَالْجَوَاب عَن ذَلِك مَا تقدم من أَن الشَّرْع وَالِاحْتِيَاط من جِهَة الْعقل يمْنَع من الْإِتْلَاف على المؤكل إِلَّا بِصَرِيح اللَّفْظ لما يجوز عَلَيْهِ من المناقضات والبدوات ﷺ َ - بَاب فِي أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ على الأَصْل وَإِن لم ينص لنا على الْقيَاس عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَلَا أَجمعت الامة على تَعْلِيله وَوُجُوب الْقيَاس عَلَيْهِ ﷺ َ - حُكيَ عَن بشر المريسي الْمَنْع من الْقيَاس على الأَصْل إِلَّا بعد أَن تجمع الامة على تَعْلِيله وَعَن قوم أَنه يجب أَن ينص لنا على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ وَالدَّلِيل على أَنه لَا اعْتِبَار بذلك أَن الصَّحَابَة قد قاست على أصُول لم يتقدمها إِجْمَاع على قِيَاس تِلْكَ الْمسَائِل عَلَيْهَا وَقد قَاس كل مِنْهُم على غير الأَصْل الَّذِي قَاس عَلَيْهِ غَيره وَلَا نَص لَهُم على الْقيَاس على أصل من تِلْكَ الْأُصُول لِأَنَّهُ لَو نَص لَهُم على ذَلِك لاحتج بِهِ بَعضهم على بعض فِي وجوب الْقيَاس على ذَلِك الأَصْل وَلِأَنَّهُ إِن كَانَ الأَصْل قد نَص على علته فقد بَينا أَن ذَلِك تعبد بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَأَنه لَا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة تعبد وَبينا مثل ذَلِك فِي الْعِلَل المستنبطة وَقُلْنَا إِن الْعقل يَقْتَضِي الْقيَاس بهَا على الأَصْل كالأمارات الْعَقْلِيَّة ﷺ َ - بَاب فِي النَّبِي ﷺ هَل كَانَ متعبدا بِالِاجْتِهَادِ أم لَا ﷺ َ - قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله إِنَّه لم يكن متعبدا بِالِاجْتِهَادِ فِي شَيْء من الشرعيات وَحكي عَن أبي يُوسُف ﵀ أَنه كَانَ متعبدا بذلك

стр. 660

وَجوز الشَّافِعِي فِي رسَالَته أَن يكون فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا قَالَه ﷺ اجْتِهَادًا وَجوز قَاضِي الْقُضَاة ﵀ ذَلِك وَلم يقطع عَلَيْهِ وَاسْتدلَّ بِأَن الْعقل يجوز أَن يتعبده الله بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع مَا يدل على أَنه تعبد بذلك وَلَا أَنه لم يتعبد بِهِ وَذَلِكَ يَصح إِذا أفسدنا أَدِلَّة القاطعين على أَنه تعبد بذلك والقاطعين على أَنه لم يتعبد بِهِ فمما احْتج بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ تعبد بِالِاجْتِهَادِ قَوْلهم إِن فِي الِاجْتِهَاد مزِيد ثَوَاب فَلَا يجوز أَن يحرمه النَّبِي ﷺ وَالْجَوَاب إِنَّه لَيْسَ يثبت أَن ثَوَاب الْمُجْتَهد فِي الأمارات أَكثر من ثَوَاب الْمُسْتَدلّ بالأدلة لِأَن الْمَشَقَّة مَوْجُودَة فيهمَا وَلَا يعلم التَّفَاضُل بَينهمَا فِيمَا يَقْتَضِي مزِيد الثَّوَاب على أَن الْوَاجِب أَن يكون ثَوَاب النَّبِي ﷺ أَكثر وَلَيْسَ فِي كل فعل فَعَلْنَاهُ يجب أَن يفعل النَّبِي ﷺ مثله ليستحق مثل ثوابنا على أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون متعبدا بِالِاجْتِهَادِ فِي جَمِيع مَا تعبدنا بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ لما قَالَ فِي مَكَّة لَا يختلي خَلاهَا قَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِلَّا الْإِذْخر وَمَعْلُوم أَن الْوَحْي لم ينزل عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال وَلكنه تنبه من اسْتثِْنَاء الْعَبَّاس على مَوضِع الِاجْتِهَاد وَالْجَوَاب إِنَّه لَا يمْتَنع ان يكون أَرَادَ اسْتثِْنَاء الْإِذْخر فسبقه الْعَبَّاس إِلَيْهِ فَلَا يجب الْقطع على مَا قَالُوهُ وَمِنْهَا أَن الْعَمَل على الْقيَاس مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالنَّبِيّ ﷺ وَغَيره فِي ذَلِك سَوَاء وَالْجَوَاب إِن الْعقل يُوجب عندنَا إِذا لم يكن فِي الْحَادِثَة نَص وَإِذا لم يدل الشَّرْع على أَن الْقيَاس مفْسدَة فَمَا يؤمننا أَن يكون اسْتِعْمَال الْقيَاس للنَّبِي ﷺ مفْسدَة وَأَن مصْلحَته أَن يعْمل على النَّص فدله الله على ذَلِك وَنَصّ لَهُ على الْأَحْكَام

стр. 661

وَاحْتج المانعون من كَونه متعبدا بِالِاجْتِهَادِ بأَشْيَاء مِنْهَا قَول الله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فَأخْبر أَن مَا ينْطق بِهِ هُوَ عَن وَحي وَلَا يُقَال لما يصدر عَن اجْتِهَاد إِنَّه عَن وَحي أَلا ترى أَنه لَا يُقَال إِن قَول الْمُجْتَهد منا هُوَ عَن وَحي وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَن الْآيَة تَنْصَرِف إِلَى مَا ينْطق بِهِ دون مَا يظْهر مِنْهُ فعلا فَمن أَيْن أَن كل مَا فعله كَانَ وَحيا وَأما قَوْله وَمَا ينْطق عَن الْهوى فَلَا يمْتَنع من كَونه مُجْتَهدا لِأَن الحكم بِالِاجْتِهَادِ لَيْسَ هُوَ عَن هوى وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأمة اتّفقت على أَن مَا يَقُوله النَّبِي ﷺ لَيْسَ عَن اجْتِهَاد وَالْجَوَاب إِن أَبَا يُوسُف وَالشَّافِعِيّ يخالفان فِي ذَلِك وَلَا يعلم سبق الْإِجْمَاع لَهما وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ فِي الْأَحْكَام مَا صدر عَن اجْتِهَاد فَيجب أَن لَا يَجْعَل أصلا وَأَن يُخَالف فِيهِ وَلَا يكفر مخالفه لِأَن كل ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد الْجَواب إِنَّه لَيْسَ ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق أَلا ترى أَن الْأمة إِذا أَجمعت عَن اجْتِهَاد فانه لَا يجوز مُخَالفَته وَيجب أَن يَجْعَل أصلا وَرُبمَا فسق من خَالفه وَإِن كَانَ من خَالف الِاجْتِهَاد الَّذِي لم يجمع عَلَيْهِ لَا يفسق وَإِذا جَازَ أَن يفسق إِذا قارنه إِجْمَاع جَازَ أَن يكفر إِذا قارنه قَول النَّبِي ﷺ وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ نزل منزلا فَقيل لَهُ إِن كَانَ ذَلِك عَن وَحي فالسمع وَالطَّاعَة وَإِن كَانَ إِنَّمَا هُوَ الرَّأْي فَلَيْسَ بمنزل مكيدة فَقَالَ بل هُوَ الرَّأْي فَدلَّ على أَنه يجوز مُرَاجعَته فِي الرَّأْي وَمَعْلُوم أَنه لَا يجوز مُرَاجعَته فِي الْأَحْكَام فَعلم أَنَّهَا لَيست بِرَأْي وَالْجَوَاب أَن ذَلِك إِنَّمَا يدل على مُرَاجعَته فِي الآراء الَّتِي لَيست من الْأَحْكَام كالرأي فِي الْحَرْب وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة خَارِجَة عَن ذَلِك

стр. 662

وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ متعبدا بِالِاجْتِهَادِ لاظهره الْجَواب إِنَّه لَا يمْتَنع ان يكون من الْمصلحَة إِظْهَاره وَمِنْهَا أَنه لَو تعبد بِالِاجْتِهَادِ لما توقف على الْوَحْي الْجَواب إِنَّه لَيْسَ معنى أَن توقف فِي كل الْأَحْكَام على الْوَحْي فاذا ثَبت ذَلِك فَكل مَا تعبدنا فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ الشَّرْعِيّ فَيجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ تعبد بِهِ وَيجوز أَن يكون قد نصب لَهُ دَلِيل يَخُصُّهُ وَأما الِاجْتِهَاد فِي أَخْبَار الْآحَاد فيتأتى فِينَا دونه ﷺ َ - بَاب فِيمَن عاصر النَّبِي ﷺ هَل كَانَ متعبدا بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد أم لَا ﷺ َ - أما من عاصر النَّبِي ﷺ فَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الشَّرْح أَن أَكثر الذاهبين إِلَى الِاجْتِهَاد قَالُوا كَانَ متعبدا بذلك والأقلون منعُوا وَحكى أَن أَبَا عَليّ ﵀ قَالَ لَا أَدْرِي هَل كَانَ من عاصر النَّبِي ﷺ متعبدا بِأَن يجْتَهد أم لَا لِأَن خبر معَاذ من أَخْبَار الْآحَاد وَلم يقطع قَاضِي الْقُضَاة على وُرُود التَّعَبُّد بذلك لمن حضر النَّبِي ﷺ لِأَن مَا يروي فِي ذَلِك أَخْبَار آحَاد وَقطع على أَن من غَابَ عَنهُ مِمَّن عاصره متعبد بذلك لِأَن خبر معَاذ عِنْده ثَابت لتلقي الامة لَهُ بِالْقبُولِ وَظَاهر أَنه لم يكن عَادَة الْحَاضِرين عِنْد النَّبِي ﷺ الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك عَادَة لَهُم لظهر لَهُم ذَلِك عَنْهُم كَمَا أَنه لم يكن عَادَتهم طلب الحكم من التَّوْرَاة وَيجوز أَن يكون الْوَاحِد والاثنان قد أذن لَهما النَّبِي ﷺ أَن يجتهدا بِحَضْرَتِهِ لِأَن خبر عَمْرو بن الْعَاصِ يجوز صِحَّته فَأَما من غَابَ عَن النَّبِي ﷺ فَيجوز أَن يكون متعبدا بِالِاجْتِهَادِ أَيْضا إِلَّا أَن الْأَمر فِيهِ أظهر مِمَّن حَضَره لِأَن خبر معَاذ أظهر ﷺ َ - بَاب فِي الْقيَاس هَل هُوَ مَأْمُور بِهِ وَدين أم لَا ﷺ َ - أما كَونه مَأْمُورا بِهِ بِمَعْنى أَن الله بعثنَا على فعله بالأدلة

стр. 663

فَصَحِيح وَأما كَونه مَأْمُورا بِهِ بِصِيغَة افْعَل فَصَحِيح أَيْضا عِنْد من يحْتَج بقول الله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَمَا جرى مجْرَاه من أَلْفَاظ الْأَمر وَأما من يحْتَج بِالْإِجْمَاع أَو بِالْعقلِ فَلَا يُمكنهُ علم ذَلِك لجَوَاز أَن يكون مَا دلّ الْأمة على صِحَة الْقيَاس هُوَ إِخْبَار من النَّبِي ﷺ بِصِحَّتِهِ وَثُبُوت التَّعَبُّد بِهِ وَأما وَصفه بانه دين الله فَلَا شُبْهَة فِيهِ إِذا عني بذلك أَنه لَيْسَ ببدعة وَإِن عني غير ذَلِك فَعِنْدَ الشَّيْخ ابي الْهُذيْل ﵀ انه لَا يُطلق عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن اسْم الدّين يَقع على مَا هُوَ ثَابت مُسْتَمر وَأَبُو عَليّ ﵀ يصف مَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبا بذلك وَبِأَنَّهُ إِيمَان دون مَا كَانَ مِنْهُ ندبا وقاضي الْقُضَاة ﵀ يصف بذلك واجبه وندبه وَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ ضَرْبَان وَاجِب وَندب وَالْوَاجِب ضَرْبَان أَحدهمَا وَاجِب على الْأَعْيَان والتضييق وَالْآخر على الْكِفَايَة فَالَّذِي على الْأَعْيَان والتضييق هُوَ قِيَاس من نزلت بِهِ حَادِثَة من الْمُجْتَهدين أَو كَانَ قَاضِيا فِيهَا أَو مفتيا وَلم يقم غَيره مقَامه وضاق الْوَقْت وَالْوَاجِب على الْكِفَايَة أَن يقوم غَيره مقَامه فِي الْفَتْوَى وَالنَّدْب فَهُوَ الْقيَاس فِيمَا لم يحدث من الْمسَائِل مِمَّا يجوز حُدُوثه فقد ندب الْإِنْسَان إِلَى إبلاء الِاجْتِهَاد فِيهِ ليَكُون الْجَواب فِيهِ معدا لوقت الْحَاجة ﷺ َ - بَاب الْكَلَام فِي شُرُوط الْقيَاس وَمَا يُصَحِّحهُ وَمَا يُفْسِدهُ ﷺ َ - اعْلَم أَن الْقيَاس لما كَانَ هُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم كَانَ الْكَلَام فِيهِ إِمَّا كلَاما فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ دَلِيل الحكم أَو كلَاما فِي

стр. 664

الحكم الَّذِي هُوَ مدلولها وَالْكَلَام فِي الحكم يجب أَن يتَعَلَّق بالحكم وَبِمَا يُوجد الحكم فِيهِ وَلما كَانَ الحكم مَوْجُودا فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع أمكن أَن نَنْظُر فِيهِ نظرا مُتَعَلقا بِالْأَصْلِ أَو بالفرع أَو بِالْأَصْلِ وبالفرع مَعًا وَالْكَلَام فِي الْعلَّة إِمَّا كَلَام فِي وجودهَا أَو فِي غير وجودهَا وَالْكَلَام فِي وجودهَا إِمَّا أَن يتَعَلَّق بوجودها فِي الأَصْل أَو فِي الْفَرْع لِأَن الْعلَّة يجب أَن تُوجد فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَالْكَلَام فِي غير وجودهَا إِمَّا أَن يكون كلَاما فِي طَرِيق صِحَّتهَا أَو فِيمَا يعترضها ويفسدها وَيدخل فِي كل قسم من ذَلِك عدَّة فُصُول سنذكرها إِن شَاءَ الله وَقد أجرينا الْكَلَام فِي الْقيَاس فِي كتاب مُفْرد فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَذكرنَا جَمِيع فصوله فِي هَذِه الْأَقْسَام وَذكرنَا هَذِه الْقِسْمَة وشرحناها فِي شرحنا للعمد وَنحن نجري الْكَلَام فِي الْقيَاس فِي هَذَا الْكتاب على قسْمَة اخرى فَنَقُول إِن الْكَلَام فِي الْقيَاس يجب أَن يتَعَلَّق بعلته لِأَنَّهَا عِلّة حكم أَصله وَدَلِيل حكم فَرعه وَلما كَانَت عِلّة الْقيَاس هِيَ عِلّة حكم الأَصْل وَدلَالَة حكم الْفَرْع إِذا اخْتصّت بهما وَوجدت فيهمَا وَجب أَن نتكلم فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَفِي طَرِيق وجودهَا فيهمَا ثمَّ نتكلم فِي كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل وَفِي طَرِيق كَونهَا عِلّة فِيهِ ثمَّ نتكلم فِي كَونهَا دلَالَة على حكم الْفَرْع وكلامنا فِي كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل هُوَ كَلَام فِي شُرُوطهَا المختصة بِكَوْنِهَا عِلّة حكم الأَصْل وكلامنا فِي كَونهَا دلَالَة حكم الْفَرْع هُوَ كَلَام شُرُوطهَا المختصة بِكَوْنِهَا دلَالَة على حكم الْفَرْع وَإِن كَانَ هَذَانِ الكلامان جَمِيعًا كلَاما يقف عَلَيْهِ فَسَاد الْعلَّة وَنفي فَسَادهَا وَأما الْكَلَام فِي طَرِيق كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل فانه يتبعهُ القَوْل بِأَنَّهُ لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن نقُول لَا بُد من طَرِيق إِلَى كَون الْعلَّة عِلّة إِلَّا وَقد أَوجَبْنَا انه لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة وَالْكَلَام فِي طَرِيق الْعلَّة يَقع فِي فُصُول مِنْهَا أَنه لَا يجوز إِثْبَات الْوَصْف عِلّة إِلَّا بِدلَالَة وَمِنْهَا أَنه يجب أَن تكون الدّلَالَة شَرْعِيَّة وَمِنْهَا أَنه يجوز أَن يكون

стр. 665

الدَّلِيل على كَونهَا عِلّة نصا وَغَيره وَمِنْهَا أَنْوَاع أَدِلَّة صِحَة الْعلَّة وَأما الْكَلَام فِي الشُّرُوط الراجعة إِلَى كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل فَيَقَع فِي مَوَاضِع مِنْهَا الْكَلَام فِي وجود الحكم فِي الأَصْل لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل كَون الْوَصْف عِلّة فِي حكم وَالْحكم غير حَاصِل وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم بِالِاسْمِ وبحكم شَرْعِي وبالأوصاف الْكَثِيرَة وَمِنْهَا التَّعْلِيل بأوصاف فِيهَا وصف لَا يُؤثر وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم الْمَخْصُوص من جِهَة الْقيَاس وَمِنْهَا تَعْلِيل الْكَفَّارَات وَالْحُدُود والتقديرات وَمِنْهَا هَل يُوجد فِي الاستنباط طَريقَة غير الْقيَاس يجوز الِاسْتِدْلَال بهَا على مَوضِع الحكم أم لَا وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم بعلتين وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون إِحْدَى العلتين دلَالَة حكم الأَصْل وَالْآخر لَا تكون دلَالَة حكمه وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم بِمَا لَا يتَعَدَّى عَن الأَصْل وَمِنْهَا هَل يجوز أَن تخَالف الْعلَّة مَوْضُوع حكم أَصْلهَا أم لَا وَأما الْكَلَام فِي الْعلَّة من حَيْثُ هِيَ دلَالَة على حكم الْفَرْع فضربان احدهما يتَعَلَّق بِحكم الأَصْل وَالْآخر لَا يتَعَلَّق بِهِ والمتعلق بِحكم الأَصْل ضَرْبَان أَحدهمَا هَل تدل الْعلَّة على حكم الْفَرْع وَإِن اخْتلف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع وَالْآخر هَل تدل على حكمه وَإِن كَانَ حكم الأَصْل مُتَأَخِّرًا عَن حكم الْفَرْع وَأما مَا لَا يتَعَلَّق بِحكم الأَصْل فأشياء مِنْهَا هَل الْعلَّة دَالَّة على اسْم الْفَرْع ثمَّ يعلق بِهِ حكم شَرْعِي أَو يدل ابْتِدَاء على حكم شَرْعِي وَمِنْهَا هَل تدل على حكمه وَإِن لم يثبت ذَلِك الحكم فِي ذَلِك الْفَرْع فِي الْجُمْلَة أم لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الشَّرْط وَمِنْهَا هَل تدل على حكم الْفَرْع مَعَ مُعَارضَة نَص خَاص أَو عَام فيخصه أَو ينسخه وَمِنْهَا هَل تدل على الحكم وعَلى ضِدّه وَهَذَا هُوَ الْقلب وَمِنْهَا هَل يُمكن الْخصم أَن يَقُول بموجبها ليعلم أَن الْمُسْتَدلّ مَا اسْتدلَّ بهَا على مَوضِع الْخلاف وَمِنْهَا هَل يجوز وجودهَا لفظا أَو معنى فِي فرع وَلَا تدل على حكمهَا أم لَا وَيتبع ذَلِك ذكر النَّقْض وَمَا يحترس بِهِ من النَّقْض وَذكر الِاسْتِحْسَان وَمِنْهَا القَوْل فِي دلالتها على حكم الْفَرْع مَعَ مُعَارضَة على أُخْرَى

стр. 666

وَهُوَ ضَرْبَان احدهما مُعَارضَة عِلّة الأَصْل بعلة أُخْرَى وَقد دخل ذَلِك فِي القَوْل بالعلتين وَالْآخر مُعَارضَة قِيَاس بِقِيَاس وَلما كَانَت الْمُعَارضَة إِنَّمَا تتمّ مَعَ التَّنَافِي وَمَعَ الِاشْتِبَاه وَقد يجب مَتى حصلت الْمُعَارضَة أَن يَقع التَّرْجِيح وَجب ذكر الْعِلَل المتنافية والفصل بَينهمَا وَبَين الْعِلَل الَّتِي لَيست متنافية وَذكر قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه والفصل بَينهمَا وَبَين الْعِلَل الَّتِي لَيست متنافية وَذكر قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه والفصل بَينه وَبَين قِيَاس الْمَعْنى وَذكر مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح وَهل يجوز اسْتِوَاء الأمارتين فِي وُجُوه التَّرْجِيح وَمَا القَوْل فيهمَا إِذا اسْتَويَا وَهل يجوز إِذا اسْتَويَا عِنْد الْمُجْتَهد أَن يكون لَهُ اقاويل مُخْتَلفَة فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَهل يجوز أَن ينْسب إِلَى الْمُجْتَهد أقاويل على طَرِيق التَّرْجِيح وَنحن نذْكر هَذِه الْأَبْوَاب على هَذَا النسق إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَفِي طَرِيق وجودهما فيهمَا ﷺ َ - اعْلَم أَن القائس قد يُعلل الْفَرْع بأوصاف لَا يسلم خَصمه وجودهَا فِي الْفَرْع فَيكون لَهُ أَن ينازعه فِي ذَلِك وَقد لَا يسلم وجودهَا فِي بعض الْفَرْع فَيمْتَنع القائس من قِيَاس جَمِيع الْفَرْع بِتِلْكَ الْعلَّة وَإِن رام القائس أَن يقيس مَا وجدت فِيهِ الْعلَّة دون مَا لم تُوجد فِيهِ الْعلَّة جَازَ ذَلِك إِذا أمكن أَن يكون بعض ذَلِك الْفَرْع مُعَللا دون بعض وَقد يُعلل القائس الأَصْل بعلة لَا تُوجد فِي الأَصْل عِنْد خَصمه وَلَا تُوجد فِي بعضه فَلهُ أَن يمنعهُ من رد الْفَرْع إِلَى جَمِيع ذَلِك الأَصْل فان رده إِلَى الْموضع الَّذِي وجدت فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة جَازَ ذَلِك إِلَّا أَن يمْنَع مَانع من تَعْلِيل بعض الأَصْل دون بعض وَذَلِكَ كمنع أَصْحَاب الشَّافِعِي من قِيَاس الجص على الْبر بعلة أَنه مَكِيل لقَولهم إِن عِلّة تَحْرِيم الْبر هِيَ عِلّة وَاحِدَة شائعة فِي جَمِيع الْبر والكيل غير شَائِع فِي جَمِيع الْبر لِأَن الْحبَّة أَو الحبتين لَا يَتَأَتَّى فيهمَا الْكَيْل

стр. 667

وأصحابنا ينفصلون عَن ذَلِك بِأَن الْمحرم من الْبر علته وَاحِدَة وَهِي الْكَيْل إِلَّا أَن الْمحرم هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل دون مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل لِأَن النَّبِي ﷺ نهي عَن بيع الْبر بِالْبرِّ إِلَّا كَيْلا بكيل فَأجَاز بِالْكَيْلِ مَا منع مِنْهُ بِغَيْر كيل وَالَّذِي يجوز بَيْعه إِذا تساوى فِي الْكَيْل هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل فَيجب أَن يكون مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل هُوَ مَا يحرم بَيْعه إِذا تفاضل فِي الْكَيْل فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع فَأَما طَرِيق وجودهَا فيهمَا فقد يجوز أَن تكون أَمارَة تُفْضِي إِلَى الظَّن وَقد تكون دلَالَة تَقْتَضِي وجودهَا فيهمَا ضَرُورَة وَلَا فرق بَين هَذِه الْأَقْسَام فِي صِحَة الْقيَاس لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يعلق الحكم بِمَا يَظُنّهُ عِلّة الحكم جَازَ أَن يعلق الحكم بِمَا ظن وجوده من عِلّة الحكم أَلا ترى أَنا يظنّ مَجِيء الْمَطَر إِذا ظننا بِخَبَر من ظَاهره الصدْق وجود الْغَيْم كَمَا يظنّ ذَلِك وَإِن علمنَا وجود الْغَيْم فاذا جَازَ لنا التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع إِذا ظننا اشتراكهما فِي الاوصاف جَازَ ذَلِك مَعَ الْعلم المكتسب لاشْتِرَاكهمَا فِي الْأَوْصَاف وَكَانَ جَوَاز ذَلِك فِي الْعلم الضَّرُورِيّ باشتراكهما فِي الْأَوْصَاف أَحَق ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة وَأَنه لَا بُد أَن يكون إِلَيْهِمَا طَرِيق ﷺ َ - اعْلَم أَن الْقيَاس الشَّرْعِيّ لَا بُد فِيهِ من أصل وَفرع يثبت فِيهِ حكم الأَصْل وَلَيْسَ يَخْلُو القائس إِمَّا أَن يثبت الحكم فِي الْفَرْع تبعا لثُبُوته فِي الأَصْل أَولا يثبت تبعا لَهُ فان لم يُثبتهُ تبعا للْأَصْل كَانَ مبتدئا بالحكم غير قائس وَإِن أثبت الحكم فِي الْفَرْع تبعا لثُبُوته فِي الأَصْل وَلم يعْتَبر شبها بَين الْفَرْع وَالْأَصْل لم يكن بِأَن يتبع الْفَرْع هَذَا الأَصْل بِأولى من أَن لَا يتبعهُ إِيَّاه ويتبعه أصلا وَيجب أَن يكون لذَلِك الشّبَه تعلق بالحكم وتأثير فِيهِ وَإِلَّا لم يكن القائس بِأَن يعْتَبر ذَلِك الشّبَه بِأولى من أَن لَا يعتبره وَيعْتَبر شبها آخر بَين الْفَرْع وَبَين أصل

стр. 668

أخر أَولا يعْتَبر شبها أصلا فان قيل ألستم تقيسون الْفَرْع على أصل لم تدل دلَالَة على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ فَهَلا جَازَ أَن تقيس لأجل شبه لم تدل دلَالَة على كَونه عِلّة الْجَواب أَنا لَا نقيس الْفَرْع على اصل إِلَّا وَقد دلّت الدّلَالَة على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا دلّت الدّلَالَة على عِلّة حكم الأَصْل وَعلمنَا وجودهَا فِي الْفَرْع فقيام الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة أَو السمعية على أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ يدل على وجوب قِيَاس ذَلِك الْفَرْع على ذَلِك الأَصْل ﷺ َ - بَاب فِي أَن طَرِيق الْعلَّة الشَّرْعِيَّة الشَّرْع فَقَط ﷺ َ - إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن طَرِيق الْعلَّة الشَّرْعِيَّة هُوَ كَيْفيَّة ثُبُوت حكمهَا وتأثيرها فِيهِ نَحْو أَن يثبت حكمهَا مَعهَا فِي الأَصْل وينتفي بانتفائها وَمَعْلُوم أَن ذَلِك مَوْقُوف على الشَّرْع لِأَن حكمهَا وَكَيْفِيَّة ثُبُوتهَا بِحَسب الْعلَّة حاصلان بِالشَّرْعِ فَقَط فان قيل هلا توصلتم إِلَيْهَا بأمارة من جِهَة الْعَادَات كَمَا تتوصلون إِلَى قيم الْمُتْلفَات وجهة الْقبْلَة بأمارات من جِهَة الْعَادَات قيل إِنَّمَا سَاغَ ذَلِك فِي الْقيم لِأَن الْعَادَات قد جرت بِبيع الْأَشْيَاء الَّتِي من جنس الْمُتْلف وَأمكن أَن يعرف قيمَة الْمُتْلف بِاعْتِبَار ثمن نَظِيره فَأَما الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فأحكامها شَرْعِيَّة لم تثبت بالعادات فتعلم علتها بكيفية ثُبُوتهَا فِي الْعَادة وَأما الْقبْلَة فقد عرف كَونهَا فِي بعض الْجِهَات وَعرف كَون الشَّمْس فِي بعض الْجِهَات وَكَذَلِكَ الرِّيَاح فَأمكن أَن نستدل بِبَعْض مَا هُوَ فِي جِهَة على شَيْء آخر هُوَ فِي جِهَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعَ أَمَارَات الْعَادَات إِن قيل أَلَيْسَ نستدل بعقولنا على أَن الحكم الشَّرْعِيّ إِذا حصل عِنْد صفة وارتفع عِنْد ارتفاعها فَهُوَ مُؤثر فِيهِ قيل إِنَّا لَا ندفع أَن الِاسْتِدْلَال

стр. 669

بالأمارات والأدلة إِنَّمَا يتَمَكَّن مِنْهُ بالعقول وَلَكنَّا انكرنا أَن تكون الأمارة عَلَيْهَا أَمارَة عقلية وَمَا ذكرْتُمْ من الأمارة شَرْعِي ﷺ َ - بَاب فِي أَن الطَّرِيق إِلَى صِحَة الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يجوز أَن يكون نصا وَغير نَص ﷺ َ - اعْلَم أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة قد يجوز كَونهَا مَعْلُومَة فَيكون طريقها نصا من الله أَو من رَسُوله أَو من الامة متواترا وَيجوز أَن يكون مظنونا كَونهَا عِلّة وَأكْثر الْعِلَل الشَّرْعِيَّة مظنونة فَيجب أَن يكون طريقها أمارت مظنونة وَلَا فرق بَين أَن يكون نصا مَنْقُولًا بالآحاد أَو تَنْبِيه نَص هَذِه سَبيله أَو استنباطا لِأَن كل ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الظَّن الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب فِي الْعِلَل وَنحن نشرح أَدِلَّة النُّصُوص والاستنباط على صِحَة الْعِلَل فِي بَاب يَلِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى ﷺ َ - بَاب أَقسَام طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة ﷺ َ - اعْلَم أَنه لما كَانَت طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة الشَّرْع وَكَانَت الطّرق الشَّرْعِيَّة إِمَّا لفظا وَإِمَّا استنباطا كَانَت طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِمَّا لفظا وَإِمَّا استنباطا والألفاظ الدَّالَّة على ذَلِك إِمَّا صَرِيحَة وَإِمَّا منبهة أما الصَّرِيحَة فَمِنْهَا أَن يكون لَفظهَا لفظ الْعلَّة وَمِنْهَا مَا يقوم مقَام لفظ الْعلَّة فَالْأول كَقَوْل الْقَائِل لغيره أوجبت عَلَيْك كَذَا لعِلَّة كَذَا وَالثَّانِي قَول الْقَائِل لغيره أوجبت عَلَيْك كَذَا لِأَنَّهُ كَذَا أَو لأجل كَذَا أَو كَيْلا يكون كَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لأجل الرأفة وَقَالَ الله ﴿كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم﴾

стр. 670

إِن قيل قد يَقُول الْإِنْسَان لغيره صل للتقرب إِلَى الله وَلَا يُفِيد ذَلِك كَون التَّقَرُّب عِلّة فِي وجوب الْفِعْل قيل لِأَنَّهُ لم يُعلل الْوُجُوب بالتقرب وَإِنَّمَا علل فعله للصَّلَاة وَهَذَا يَقْتَضِي كَون التَّقَرُّب عِلّة وغرضا باعثا على الْفِعْل وَأما الْأَلْفَاظ المنبهة على الْعلَّة فضروب مِنْهَا أَن يكون فِي الْكَلَام لفظ غير صَحِيح فِي التَّعْلِيل يعلق الحكم بعلته وَمِنْهَا أَن يصدر الحكم من النَّبِي ﷺ عِنْد علمه بِصفة الْمَحْكُوم فِيهِ فَيعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم وَمِنْهَا أَن تكون الصّفة مَذْكُورَة على حد لَو لم تكن عِلّة لم يكن لذكرها فَائِدَة وَمِنْهَا أَن يَقع النَّهْي عَن فعل بِمَنْع مَا تقدم إِيجَابه علينا فنعلم أَن الْعلَّة فِي كَونه محرما كَونه مَانِعا من الْوَاجِب وَإِن لم يُصَرح بذلك أما الْقسم الأول فكتعليق الحكم على علته بِلَفْظ الْفَاء وَلَا بُد من تَأْخِير لفظ الْفَاء وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تدخل الْفَاء على السَّبَب وَالْعلَّة وَيكون الحكم مُتَقَدما كَقَوْل النَّبِي ﷺ فِي الْمحرم الَّذِي وَقعت بِهِ رَاحِلَته لَا تخمروا رَأسه وَلَا تقربوه طيبا فانه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا وَالْآخر أَن تدخل الْفَاء على الحكم وَتَكون الْعلَّة مُتَقَدّمَة وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون الْفَاء دخلت على كَلَام الله أَو كَلَام رَسُوله ﷺ وَالْآخر أَن تدخل فِي رِوَايَة الرَّاوِي فَالْأول قَول الله ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَقَوله ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَقَوله ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَو ضَعِيفا أَو لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ فليملل وليه بِالْعَدْلِ﴾
следующие страницы →