Полный текст (878 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَهُوَ ضَرْبَان احدهما مُعَارضَة عِلّة الأَصْل بعلة أُخْرَى وَقد دخل ذَلِك فِي القَوْل بالعلتين وَالْآخر مُعَارضَة قِيَاس بِقِيَاس
وَلما كَانَت الْمُعَارضَة إِنَّمَا تتمّ مَعَ التَّنَافِي وَمَعَ الِاشْتِبَاه وَقد يجب مَتى حصلت الْمُعَارضَة أَن يَقع التَّرْجِيح وَجب ذكر الْعِلَل المتنافية والفصل بَينهمَا وَبَين الْعِلَل الَّتِي لَيست متنافية وَذكر قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه والفصل بَينهمَا وَبَين الْعِلَل الَّتِي لَيست متنافية وَذكر قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه والفصل بَينه وَبَين قِيَاس الْمَعْنى وَذكر مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح وَهل يجوز اسْتِوَاء الأمارتين فِي وُجُوه التَّرْجِيح وَمَا القَوْل فيهمَا إِذا اسْتَويَا وَهل يجوز إِذا اسْتَويَا عِنْد الْمُجْتَهد أَن يكون لَهُ اقاويل مُخْتَلفَة فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَهل يجوز أَن ينْسب إِلَى الْمُجْتَهد أقاويل على طَرِيق التَّرْجِيح
وَنحن نذْكر هَذِه الْأَبْوَاب على هَذَا النسق إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَفِي طَرِيق وجودهما فيهمَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن القائس قد يُعلل الْفَرْع بأوصاف لَا يسلم خَصمه وجودهَا فِي الْفَرْع فَيكون لَهُ أَن ينازعه فِي ذَلِك وَقد لَا يسلم وجودهَا فِي بعض الْفَرْع فَيمْتَنع القائس من قِيَاس جَمِيع الْفَرْع بِتِلْكَ الْعلَّة وَإِن رام القائس أَن يقيس مَا وجدت فِيهِ الْعلَّة دون مَا لم تُوجد فِيهِ الْعلَّة جَازَ ذَلِك إِذا أمكن أَن يكون بعض ذَلِك الْفَرْع مُعَللا دون بعض وَقد يُعلل القائس الأَصْل بعلة لَا تُوجد فِي الأَصْل عِنْد خَصمه وَلَا تُوجد فِي بعضه فَلهُ أَن يمنعهُ من رد الْفَرْع إِلَى جَمِيع ذَلِك الأَصْل فان رده إِلَى الْموضع الَّذِي وجدت فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة جَازَ ذَلِك إِلَّا أَن يمْنَع مَانع من تَعْلِيل بعض الأَصْل دون بعض وَذَلِكَ كمنع أَصْحَاب الشَّافِعِي من قِيَاس الجص على الْبر بعلة أَنه مَكِيل لقَولهم إِن عِلّة تَحْرِيم الْبر هِيَ عِلّة وَاحِدَة شائعة فِي جَمِيع الْبر والكيل غير شَائِع فِي جَمِيع الْبر لِأَن الْحبَّة أَو الحبتين لَا يَتَأَتَّى فيهمَا الْكَيْل
стр. 667
وأصحابنا ينفصلون عَن ذَلِك بِأَن الْمحرم من الْبر علته وَاحِدَة وَهِي الْكَيْل إِلَّا أَن الْمحرم هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل دون مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل لِأَن النَّبِي ﷺ نهي عَن بيع الْبر بِالْبرِّ إِلَّا كَيْلا بكيل فَأجَاز بِالْكَيْلِ مَا منع مِنْهُ بِغَيْر كيل وَالَّذِي يجوز بَيْعه إِذا تساوى فِي الْكَيْل هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل فَيجب أَن يكون مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل هُوَ مَا يحرم بَيْعه إِذا تفاضل فِي الْكَيْل فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع
فَأَما طَرِيق وجودهَا فيهمَا فقد يجوز أَن تكون أَمارَة تُفْضِي إِلَى الظَّن وَقد تكون دلَالَة تَقْتَضِي وجودهَا فيهمَا ضَرُورَة وَلَا فرق بَين هَذِه الْأَقْسَام فِي صِحَة الْقيَاس لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يعلق الحكم بِمَا يَظُنّهُ عِلّة الحكم جَازَ أَن يعلق الحكم بِمَا ظن وجوده من عِلّة الحكم أَلا ترى أَنا يظنّ مَجِيء الْمَطَر إِذا ظننا بِخَبَر من ظَاهره الصدْق وجود الْغَيْم كَمَا يظنّ ذَلِك وَإِن علمنَا وجود الْغَيْم فاذا جَازَ لنا التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع إِذا ظننا اشتراكهما فِي الاوصاف جَازَ ذَلِك مَعَ الْعلم المكتسب لاشْتِرَاكهمَا فِي الْأَوْصَاف وَكَانَ جَوَاز ذَلِك فِي الْعلم الضَّرُورِيّ باشتراكهما فِي الْأَوْصَاف أَحَق ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة وَأَنه لَا بُد أَن يكون إِلَيْهِمَا طَرِيق ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْقيَاس الشَّرْعِيّ لَا بُد فِيهِ من أصل وَفرع يثبت فِيهِ حكم الأَصْل وَلَيْسَ يَخْلُو القائس إِمَّا أَن يثبت الحكم فِي الْفَرْع تبعا لثُبُوته فِي الأَصْل أَولا يثبت تبعا لَهُ فان لم يُثبتهُ تبعا للْأَصْل كَانَ مبتدئا بالحكم غير قائس وَإِن أثبت الحكم فِي الْفَرْع تبعا لثُبُوته فِي الأَصْل وَلم يعْتَبر شبها بَين الْفَرْع وَالْأَصْل لم يكن بِأَن يتبع الْفَرْع هَذَا الأَصْل بِأولى من أَن لَا يتبعهُ إِيَّاه ويتبعه أصلا وَيجب أَن يكون لذَلِك الشّبَه تعلق بالحكم وتأثير فِيهِ وَإِلَّا لم يكن القائس بِأَن يعْتَبر ذَلِك الشّبَه بِأولى من أَن لَا يعتبره وَيعْتَبر شبها آخر بَين الْفَرْع وَبَين أصل
стр. 668
أخر أَولا يعْتَبر شبها أصلا
فان قيل ألستم تقيسون الْفَرْع على أصل لم تدل دلَالَة على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ فَهَلا جَازَ أَن تقيس لأجل شبه لم تدل دلَالَة على كَونه عِلّة الْجَواب أَنا لَا نقيس الْفَرْع على اصل إِلَّا وَقد دلّت الدّلَالَة على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا دلّت الدّلَالَة على عِلّة حكم الأَصْل وَعلمنَا وجودهَا فِي الْفَرْع فقيام الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة أَو السمعية على أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ يدل على وجوب قِيَاس ذَلِك الْفَرْع على ذَلِك الأَصْل ﷺ َ - بَاب فِي أَن طَرِيق الْعلَّة الشَّرْعِيَّة الشَّرْع فَقَط ﷺ َ -
إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن طَرِيق الْعلَّة الشَّرْعِيَّة هُوَ كَيْفيَّة ثُبُوت حكمهَا وتأثيرها فِيهِ نَحْو أَن يثبت حكمهَا مَعهَا فِي الأَصْل وينتفي بانتفائها وَمَعْلُوم أَن ذَلِك مَوْقُوف على الشَّرْع لِأَن حكمهَا وَكَيْفِيَّة ثُبُوتهَا بِحَسب الْعلَّة حاصلان بِالشَّرْعِ فَقَط
فان قيل هلا توصلتم إِلَيْهَا بأمارة من جِهَة الْعَادَات كَمَا تتوصلون إِلَى قيم الْمُتْلفَات وجهة الْقبْلَة بأمارات من جِهَة الْعَادَات قيل إِنَّمَا سَاغَ ذَلِك فِي الْقيم لِأَن الْعَادَات قد جرت بِبيع الْأَشْيَاء الَّتِي من جنس الْمُتْلف وَأمكن أَن يعرف قيمَة الْمُتْلف بِاعْتِبَار ثمن نَظِيره فَأَما الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فأحكامها شَرْعِيَّة لم تثبت بالعادات فتعلم علتها بكيفية ثُبُوتهَا فِي الْعَادة وَأما الْقبْلَة فقد عرف كَونهَا فِي بعض الْجِهَات وَعرف كَون الشَّمْس فِي بعض الْجِهَات وَكَذَلِكَ الرِّيَاح فَأمكن أَن نستدل بِبَعْض مَا هُوَ فِي جِهَة على شَيْء آخر هُوَ فِي جِهَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعَ أَمَارَات الْعَادَات
إِن قيل أَلَيْسَ نستدل بعقولنا على أَن الحكم الشَّرْعِيّ إِذا حصل عِنْد صفة وارتفع عِنْد ارتفاعها فَهُوَ مُؤثر فِيهِ قيل إِنَّا لَا ندفع أَن الِاسْتِدْلَال
стр. 669
بالأمارات والأدلة إِنَّمَا يتَمَكَّن مِنْهُ بالعقول وَلَكنَّا انكرنا أَن تكون الأمارة عَلَيْهَا أَمارَة عقلية وَمَا ذكرْتُمْ من الأمارة شَرْعِي ﷺ َ - بَاب فِي أَن الطَّرِيق إِلَى صِحَة الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يجوز أَن يكون نصا وَغير نَص ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة قد يجوز كَونهَا مَعْلُومَة فَيكون طريقها نصا من الله أَو من رَسُوله أَو من الامة متواترا وَيجوز أَن يكون مظنونا كَونهَا عِلّة وَأكْثر الْعِلَل الشَّرْعِيَّة مظنونة فَيجب أَن يكون طريقها أمارت مظنونة وَلَا فرق بَين أَن يكون نصا مَنْقُولًا بالآحاد أَو تَنْبِيه نَص هَذِه سَبيله أَو استنباطا لِأَن كل ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الظَّن الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب فِي الْعِلَل وَنحن نشرح أَدِلَّة النُّصُوص والاستنباط على صِحَة الْعِلَل فِي بَاب يَلِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى ﷺ َ - بَاب أَقسَام طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لما كَانَت طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة الشَّرْع وَكَانَت الطّرق الشَّرْعِيَّة إِمَّا لفظا وَإِمَّا استنباطا كَانَت طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِمَّا لفظا وَإِمَّا استنباطا والألفاظ الدَّالَّة على ذَلِك إِمَّا صَرِيحَة وَإِمَّا منبهة أما الصَّرِيحَة فَمِنْهَا أَن يكون لَفظهَا لفظ الْعلَّة وَمِنْهَا مَا يقوم مقَام لفظ الْعلَّة فَالْأول كَقَوْل الْقَائِل لغيره أوجبت عَلَيْك كَذَا لعِلَّة كَذَا وَالثَّانِي قَول الْقَائِل لغيره أوجبت عَلَيْك كَذَا لِأَنَّهُ كَذَا أَو لأجل كَذَا أَو كَيْلا يكون كَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لأجل الرأفة وَقَالَ الله ﴿كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم﴾
стр. 670
إِن قيل قد يَقُول الْإِنْسَان لغيره صل للتقرب إِلَى الله وَلَا يُفِيد ذَلِك كَون التَّقَرُّب عِلّة فِي وجوب الْفِعْل قيل لِأَنَّهُ لم يُعلل الْوُجُوب بالتقرب وَإِنَّمَا علل فعله للصَّلَاة وَهَذَا يَقْتَضِي كَون التَّقَرُّب عِلّة وغرضا باعثا على الْفِعْل
وَأما الْأَلْفَاظ المنبهة على الْعلَّة فضروب
مِنْهَا أَن يكون فِي الْكَلَام لفظ غير صَحِيح فِي التَّعْلِيل يعلق الحكم بعلته
وَمِنْهَا أَن يصدر الحكم من النَّبِي ﷺ عِنْد علمه بِصفة الْمَحْكُوم فِيهِ فَيعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم
وَمِنْهَا أَن تكون الصّفة مَذْكُورَة على حد لَو لم تكن عِلّة لم يكن لذكرها فَائِدَة
وَمِنْهَا أَن يَقع النَّهْي عَن فعل بِمَنْع مَا تقدم إِيجَابه علينا فنعلم أَن الْعلَّة فِي كَونه محرما كَونه مَانِعا من الْوَاجِب وَإِن لم يُصَرح بذلك
أما الْقسم الأول فكتعليق الحكم على علته بِلَفْظ الْفَاء وَلَا بُد من تَأْخِير لفظ الْفَاء وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تدخل الْفَاء على السَّبَب وَالْعلَّة وَيكون الحكم مُتَقَدما كَقَوْل النَّبِي ﷺ فِي الْمحرم الَّذِي وَقعت بِهِ رَاحِلَته لَا تخمروا رَأسه وَلَا تقربوه طيبا فانه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا وَالْآخر أَن تدخل الْفَاء على الحكم وَتَكون الْعلَّة مُتَقَدّمَة وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون الْفَاء دخلت على كَلَام الله أَو كَلَام رَسُوله ﷺ وَالْآخر أَن تدخل فِي رِوَايَة الرَّاوِي فَالْأول قَول الله ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَقَوله ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَقَوله ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَو ضَعِيفا أَو لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ فليملل وليه بِالْعَدْلِ﴾
стр. 671
يدل على أَن الْعلَّة فِي قيام وليه وبالإملاء هُوَ أَنه لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ وَالثَّانِي قَول الرَّاوِي سَهَا النَّبِي ﷺ فَسجدَ وزنى مَاعِز فرجمه رَسُول الله ﷺ
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَن يصدر القَوْل من النَّبِي ﷺ عِنْد علمه بِصفة الْمَحْكُوم فِيهِ فنحو أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن حكم شَيْء وَيذكر السَّائِل صفة لذَلِك الشَّيْء مِمَّا يجوز كَونهَا عِلّة مُؤثرَة فِي ذَلِك الحكم فيجيب النَّبِي ﷺ عِنْد سَماع تِلْكَ الصّفة فَيعلم أَنه لَو لم تكن مُؤثرَة فِي ذَلِك الحكم لم يجب النَّبِي ﷺ عِنْد سماعهَا نَحْو أَن يَقُول قَائِل يَا رَسُول الله أفطرت فَيَقُول عَلَيْك الْكَفَّارَة فَيعلم أَن الْكَفَّارَة وَجَبت لأجل الْإِفْطَار إِذْ لَو لم يكن الْإِفْطَار مؤثرا فِي ذَلِك لما أوجب الحكم عِنْد سَمَاعه لَهُ كَمَا لَا يجوز أَن يُوجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لَو سمع أَنه مَشى وتحدث
وَأما الثَّالِث وَهُوَ أَن لَا يكون لذَلِك الْوَصْف فَائِدَة لَو لم يكن عِلّة فضروب
مِنْهَا أَن يكون الْوَصْف مَذْكُورا بِلَفْظ أَن كَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ امْتنع من الدُّخُول عِنْد قوم عِنْدهم كلب فَقيل إِنَّك تدخل على آل فلَان وَعِنْدهم هر فَقَالَ إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات فَلَو لم يكن لكَونهَا من الطوافين تَأْثِير فِي طَهَارَتهَا لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارتها فَائِدَة
وَمِنْهَا أَن يُوصف الْمَحْكُوم فِيهِ بِصفة قد كَانَ يُمكن الْإِخْلَال بذكرها وَذكر مَا جرى مجْراهَا فنعلم أَنَّهَا مَا ذكرت إِلَّا لِأَنَّهَا مُؤثرَة فِي الحكم كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي النَّبِيذ تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور
وَمِنْهَا التَّقْرِير على وصف الشَّيْء وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يُقرر النَّبِي ﷺ على وصف الشَّيْء الْمَسْئُول عَنهُ كَقَوْلِه أينقص الرطب إِذا جف
стр. 672
فَقَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذن فَلَو لم يكن نقصانه باليبس عِلّة فِي الْمَنْع من البيع لم يكن للتقرير عَلَيْهِ فَائِدَة وَهَذَا يدل على الْعلَّة أَيْضا من حَيْثُ الْجَواب بِالْفَاءِ
وَمِنْهَا أَن يُقرر النَّبِي ﷺ على حكم مَا يشبه الْمَسْئُول عَنهُ وينبه على وَجه الشّبَه فَيعلم أَن وَجه الشّبَه هُوَ الْعلَّة فِي ذَلِك الحكم كَقَوْل النَّبِي ﷺ لعمر ﵁ وَقد سَأَلَهُ عَن قبْلَة الصَّائِم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ محجته فَعلم أَنه لم يفْسد الصَّوْم بالمضمضة والقبلة لِأَنَّهُ لم يحصل مَا يتبعهما من الْإِنْزَال والازدراء
وَمِنْهَا أَن يفرق النَّبِي ﷺ بَين شَيْئَيْنِ فِي الحكم بِذكر صفة فَيعلم أَنه لَو لم تكن تِلْكَ الصّفة عِلّة لم يكن لذكرها معنى وَهَذَا ضَرْبَان أَحدهمَا أَن لَا يكون حكم أَحدهمَا مَذْكُورا فِي الْخطاب وَالْآخر أَن يكون حكمهمَا مَذْكُورا فِيهِ أما الأول فَقَوْل النَّبِي ﷺ الْقَاتِل لَا يَرث وَذَلِكَ أَنه قد تقدم بِبَيَان إِرْث الْوَرَثَة فَلَمَّا قَالَ الْقَاتِل لَا يَرث وَفرق بَينه وَبَين جَمِيع الْوَرَثَة بِذكر الْقَتْل الَّذِي يجوز كَونه مؤثرا فِي نفي الْإِرْث علمنَا أَنه الْعلَّة فِي نفي الْإِرْث وَكَقَوْلِه ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان لِأَنَّهُ قد تقدم أَمر القَاضِي بِأَن يقْضِي فاذا منع من ان يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان علمنَا أَن الْغَضَب عِلّة فِي الْمَنْع سِيمَا وَقد علمنَا أَن الْغَضَب بِمَنْع من الْوُقُوف على الْحجَّة وَيمْنَع من الِاسْتِيفَاء وَأما إِذا كَانَ حكم الشَّيْئَيْنِ مَذْكُورا فِي الْخطاب فضروب
مِنْهَا أَن يفرق بَينهمَا بِلَفْظ يجْرِي مجْرى الشَّرْط كَقَوْل النَّبِي ﷺ فاذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم يدا بيد بعد نَهْيه عَن بيع الْبر مُتَفَاضلا فَدلَّ على أَن اخْتِلَاف الجنسين عِلّة فِي جَوَاز البيع
وَمِنْهَا أَن تقع التَّفْرِقَة بَينهمَا بالغاية كَقَوْلِه ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ فَلَو اقْتصر على ذَلِك لدل على تعلق الْإِبَاحَة بِالطُّهْرِ وَإِلَّا لم
стр. 673
يكن لذكره فَائِدَة مَعَ جَوَاز كَونه عِلّة
وَمِنْهَا وُقُوع التَّفْرِقَة بَينهمَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْل الله ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾
وَمِنْهَا أَن تكون التَّفْرِقَة وَقعت بِلَفْظ يجْرِي مجْرى الِاسْتِدْرَاك كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ فَدلَّ على أَن التعقيد مُؤثر فِي الْمُؤَاخَذَة
وَمِنْهَا أَن يسْتَأْنف أحد الشَّيْئَيْنِ بِذكر صفة من الصِّفَات بعد ذكر الآخر وَتَكون تِلْكَ الصّفة مِمَّا يجوز أَن تُؤثر فِي ذَلِك الحكم كَقَوْل النَّبِي ﷺ للراجل سهم وللفارس سَهْمَان وَهَذِه الْأَقْسَام وَإِن كَانَت مُؤثرَة فِي الحكم فانه لَا يمْتَنع أَن تكون مُؤثرَة فِيهِ لعلل لِأَنَّهُ يجوز أَن يُعلل كَون الْغَضَب مَانِعا من الحكم بَين الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُ يشغل الذِّهْن وَيجوز أَن تدل الدّلَالَة على أَن هَذِه الْعِلَل لَهَا شُرُوط وَيجوز أَن تدل على أَنَّهَا غير مَشْرُوطَة فاذا فقدت الدّلَالَة حكم بأَشْيَاء مُخْتَلفَة غير مَشْرُوطَة
وَأما الرَّابِع وَهُوَ النَّهْي عَن شَيْء يمْنَع من الْوَاجِب فَهُوَ كَقَوْل الله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾ وَذَلِكَ أَنه لما أوجب علينا السَّعْي ثمَّ نَهَانَا عَن البيع الْمَانِع من السَّعْي علمنَا أَنه إِنَّمَا نَهَانَا عَنهُ لِأَنَّهُ مَانع من الْوَاجِب وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ وَذَلِكَ أَنه نهى عَن ذَلِك لِأَنَّهُ منَاف للإعظام الْوَاجِب لَهما من حَيْثُ كَانَ أَذَى واستخفافا فَدلَّ من طَرِيق الأولى على الْمَنْع من ضربهما لِأَن مَا منع مِنْهُ لعِلَّة فَمَا فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة وَزِيَادَة أولى بِالْمَنْعِ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَن الْمَنْع من ضربهما مَعْقُول من جِهَة اللَّفْظ لَا من جِهَة الْقيَاس قَالَ وَلَا بُد من اعْتِبَار عَادَة أهل اللُّغَة فِي ذَلِك
стр. 674
وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك مَعْقُول من قِيَاس الأولى لَا بِاللَّفْظِ هُوَ أَنه لَو عقل بِاللَّفْظِ لَكَانَ اللَّفْظ مَوْضُوعا للْمَنْع من ضربهما إِمَّا فِي اللُّغَة اَوْ فِي الْعرف وَمن الْبَين أَنه غير مَوْضُوع للْمَنْع من الضَّرْب فِي اللُّغَة وَلَا يجوز أَن يكون مَوْضُوعا لذَلِك فِي الْعرف لِأَن الْعلم بِالْمَنْعِ من ضربهما مَوْقُوف على قِيَاس الأولى بَيَان ذَلِك إِن الْإِنْسَان إِذا سمع قَول الله ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَقل لَهما قولا كَرِيمًا﴾ علم أَن هَذَا القَوْل خرج مخرج الإعظام لَهما سِيمَا مَعَ مَا تقرر فِي الْعُقُول من وجوب تعظيمهما إِذا كَانَا مُؤمنين وَإِذا علم ذَلِك علم أَنه نهى عَن التأفيف لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّعْظِيم فانه يُنَافِيهِ من حَيْثُ كَانَ أَذَى قصد بِهِ الاستخفاف فنعلم أَنه نهى عَن ذَلِك لكَونه أَذَى ونعلم أَن الْحَكِيم لَا ينْهَى عَن الشَّيْء لعِلَّة ويرخص فِيمَا فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة وَزِيَادَة بل يكون يحظر ذَلِك أولى وَالضَّرْب هَذِه سَبيله فَكَانَ أولى بِالْمَنْعِ يبين ذَلِك أَنه لَو لم يحصل للْإنْسَان هَذِه الْجُمْلَة لم يعلم الْمَنْع من ضربهما لِأَنَّهُ لَو جوز أَن يكون إِنَّمَا نهى عَن التأفيف لِأَنَّهُ أَذَى قَلِيل لَا للإعظام لجوزنا أَن نؤمر بضربهما فان الْإِنْسَان قد يَقُول لغيره لَا تحبس اللص لَكِن اقْطَعْ يَده وَلَا تقطع يَد فلَان بل اقتله وَلَو علم أَنه نهى عَن التأفيف لِأَنَّهُ أَذَى وَجوز أَن يمْنَع الْحَكِيم من الشَّيْء لعِلَّة ويرخص فِيمَا فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة وَزِيَادَة لما علم الْمَنْع من ضربهما فَعلمنَا أَن الْعلم بذلك مَوْقُوف على الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لَا غير دون مَا يدعى من الْعرف وَأَيْضًا فَلَيْسَ يجوز الحكم بِنَقْل الْكَلَام إِلَى الْعرف إِلَّا إِذا لم يُمكن سواهُ وَقد بَينا أَنه قد أمكن سواهُ
إِن قيل لَو عقل ذَلِك بِالْقِيَاسِ لجَاز أَن لَا يعلم الْمَنْع من ضربهما كثير من النَّاس بِأَن لَا يقيسوا قيل إِنَّمَا كَانَ يجب ذَلِك لَو كَانَ مَا ذَكرْنَاهُ من مُقَدمَات هَذَا الْقيَاس مستانفا تحْتَاج إِلَى غامض فحص فَأَما وَكثير مِنْهَا يُعلمهُ الْمُكَلف قبل الْخطاب كالقول بِأَن الْحَكِيم لَا يرخص فِي فعل مَا فِيهِ عِلّة الْمَنْع وَزِيَادَة
стр. 675
وكالقول بمنافاة الْأَذَى وَالِاسْتِخْفَاف للتعظيم وَمِنْهَا مَا الْعلم بِهِ مُقَارن للخطاب كالقول بِأَن هَذَا الْخطاب خرج مخرج التَّعْظِيم فاذا كَانَ كَذَلِك كَانَت هَذِه الْمُقدمَات متكالمة للعاقل عِنْد سَماع الْخطاب وَبهَا يكمل قِيَاس الأولى
فان قيل لَو علم ذَلِك بِالْقِيَاسِ لصَحَّ أَن لَا يعلم الْعَاقِل الْمَنْع من ضربهما لَو مَنعه الله من الْقيَاس الشَّرْعِيّ قيل لَا يحسن الْمَنْع من هَذَا الْقيَاس مَعَ الْإِيضَاح لعلته لِأَنَّهُ لَا يحسن أَن يَقُول الْحَكِيم لَا تمنعوا مِمَّا وجد فِيهِ عِلّة الْمَنْع وَزِيَادَة أَلا ترى لَو قَالَ إِنَّمَا منعت من ضرب الْأَبَوَيْنِ لكَونه أَذَى وَلَا تقيسوا على ذَلِك مَا هُوَ اشد مِنْهُ كَانَ مناقضة للتَّعْلِيل وَلَا يكون مناقضة فِي اللَّفْظ وَلَو حسن الْمَنْع من هَذَا الْقيَاس لَكَانَ إِذا منع الله من الْقيَاس لَا يعلم الْمَنْع من ضربهما وَإِن منع من التأفيف
فَأَما قَول الْقَائِل لَيْسَ لفُلَان عِنْدِي حَبَّة فانه يمْنَع من أَن يكون لَهُ عَلَيْهِ أَكثر من ذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَكثر من ذَلِك لَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَبَّة وَزِيَادَة فَأَما مَا نقص عَن الْحبَّة فَلَيْسَ ينبىء القَوْل عَنهُ لكنه لَا يثبت فِي الذِّمَّة على وَجه يُطَالب بِهِ الْإِنْسَان فان جرت الْعَادة بالمطالبة بِهِ لم يفد قَوْله لَيْسَ لَهُ عِنْدِي حَبَّة نفى مَا نقص عَنْهَا
وَقَول الْقَائِل فلَان لَا يملك حَبَّة ينفى كَونه مَالِكًا لأكْثر مِنْهَا هُوَ حَبَّة وَزِيَادَة وَمَا نقص عَنْهَا لَا يتَعَرَّض لَهُ خطابه وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُوصف الْإِنْسَان بِأَنَّهُ مَالِكه وَقَول الْقَائِل فلَان لَا يملك نقيرا وَلَا قطميرا فانه يدل من جِهَة الْعرف على أَنه لَا يملك شَيْئا لَا من جِهَة اللُّغَة وَلَا جِهَة التَّعْلِيل أما اللُّغَة فلَان قَوْلنَا قطمير مَوْضُوع لما يغشى النواة وَقَوْلنَا نقير مَوْضُوع للنقرة الَّتِي على ظهرهَا وَلَيْسَ هُوَ مَوْضُوعا لقَلِيل المَال وَكَثِيره وَأما أَنه غير مَفْهُوم بِالتَّعْلِيلِ فَلِأَن الْإِنْسَان لَا يقْصد أَن يَنْفِي كَون غير مَالِكًا لنقير النواة وللفتيل وَإِذا لم يقْصد نفي ذَلِك وَلَا يحظر ذَلِك على مَاله لم يُمكن أَن يُقَال إِذا لم يكن الْإِنْسَان مَالِكًا لَهما فبأن لَا يملك مَا فَوْقهمَا أولى وَلَا يقْصد الْإِنْسَان أَن يصف
стр. 676
غَيره بالخيانة بالنقير والقطمير حَتَّى يُقَال إِذا خَان فيهمَا فَمَا فَوْقهمَا أولى بذلك فاذا بَطل أَن يكون ذَلِك مفهوما باللغة وَالتَّعْلِيل علمنَا أَنه فِي الْعرف مَوْضُوع لنفي ملك الْقَلِيل وَالْكثير لَا أَنه يُفِيد نفي ملكه لأَقل الْقَلِيل ثمَّ يُقَال مَا زَاد على أقل لغيره قد حصل فِيهِ الْقَلِيل وَزِيَادَة
فَأَما قَول الْقَائِل لغيره لَا تقل لأَبِيك أُفٍّ فانه يقْصد بِهِ الْمَنْع من التأفيف على الْحَقِيقَة فَيمكن أَن يُقَال إِذا مَنعه من ذَلِك لِأَنَّهُ أَذَى فبأن يمنعهُ مِمَّا هُوَ أعظم مِنْهُ أولى
وَأما قَول الْقَائِل فلَان مؤتمن على قِنْطَار فانه لَا يدل على انه أَمِين فِيمَا زَاد على ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان قد يصرفهُ نَفسه عَن الْخِيَانَة فِي قدر من المَال وَلَا يصرفهُ عَن الْخِيَانَة فِيمَا هُوَ اكثر مِنْهُ وَأما مَا نقص عَن قِنْطَار فانه قد دخل فِي القنطار فالخطاب يتَنَاوَلهُ فان علمنَا أَن قَوْله فلَان مؤتمن على قِنْطَار يَقْتَضِي أَمَانَته على كل حَال كَانَ ذَلِك مَعْرُوفا بِالْعرْفِ لِأَنَّهُ لَا تَقْتَضِيه اللُّغَة وَلَا التَّعْلِيل
فَأَما طَرِيق الْعلَّة المستنبطة فأشياء
مِنْهَا أَن يكون الْوَصْف مؤثرا فِي قبيل ذَلِك الحكم ونوعه فِي الاصول فَيكون أولى بِأَن يكون عِلّة من وصف لَا تُؤثر فِي نوع ذَلِك الحكم وَلَا تُؤثر فِيهِ بِعَيْنِه لِأَن الْعلَّة تُؤثر فِي الحكم فَمَا لَا يُؤثر فِي الحكم لَا يكون عِلّة وَذَلِكَ كالبلوغ مُؤثر فِي رفع الْحجر عَن المَال فَكَانَ أولى بَان يكون عِلّة فِي رفع الْحجر فِي النِّكَاح من الثيوبة لِأَن الثيوبة لَا تُؤثر فِي جنس هَذَا الحكم الَّذِي هُوَ رفع الْحجر
وَمِنْهَا أَن يُوجد الحكم فِي الأَصْل عِنْد حُصُوله صفة وينتفي عِنْد انتفائها وَذَلِكَ يَقْتَضِي ان لذَلِك الْوَصْف من التَّأْثِير فِي ذَلِك الحكم مَا لَيْسَ لغيره وَهَذِه طَريقَة تعتمد فِي المؤثرات الْعَقْلِيَّة وَقد حكى قَاضِي الْقُضَاة ﵀ عَن الشَّيْخ
стр. 677
أبي عبد الله ﵁ أَنه كَانَ لَا يعتمدها وَيَقُول يجب أَن يقوى بغَيْرهَا وَالْأولَى كَونهَا مُعْتَمدَة بِنَفسِهَا فان قيل إِن كَانَ للْأَصْل وصف آخر يُوجد الحكم بِوُجُودِهِ وينتفي بانتفائه مَا قَوْلكُم فِيهِ قيل إِنَّه إِذا كَانَ الحكم يُوجد مَعَ وجود كل وَاحِد من الوصفين لم يكن الحكم يَنْتَفِي عِنْد انْتِفَاء كل وَاحِد مِنْهَا على كل حَال إِلَّا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُؤثر فِيهِ لِأَنَّهُ قد كفى كل وَاحِد من الوصفين فِي وجود الحكم وَأثر عَدمه فِي عَدمه على بعض الْوُجُوه وَهُوَ إِذا لم يخلفه الْوَصْف الآخر
وَمِنْهَا أَن يجمع الْأمة أَو القائسون مِنْهَا على تَعْلِيل أصل ويختلفوا فِي علته فَيبْطل إِلَّا عِلّة وَاحِدَة فَيعلم صِحَّتهَا لِأَنَّهَا لَو فَسدتْ لخرج الْحق عَن أَيدي الْأمة فَأَما إِذا لم يجمعوا على تَعْلِيل الأَصْل بل علله فَمنهمْ من علله بعلة وَمِنْهُم من علله بِأُخْرَى وفسدت إِحْدَاهمَا فانه لَا يجب صِحَة الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إفسادها ذهَاب جَمِيع الْأمة عَن الْحق وَلَا فِي سلامتها من وُجُوه الْفساد مَا يُوجب صِحَّتهَا على أَن من أقوى وُجُوه الْفساد أَن لَا يدل دَلِيل على صِحَّتهَا وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن قيام الدّلَالَة على التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ يُوجب الْقيَاس على كل حَال إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أقوى الْمَوَانِع أَن لَا يظفر بعلة قد دلّ الدَّلِيل على صِحَّتهَا وَمِمَّا ذكر من الطّرق أَن يكون الحكم مجاورا لأحد الوصفين دون الآخر فَيكون مَا جاوره الحكم عِلّة دون مَا لم يجاوره ولمعترض أَن يَقُول إِن كَانَ الحكم المجاور للوصف حَاصِلا عِنْده وَإِن عدم الْوَصْف الآخر ومرتفعا عِنْد ارتفاعه وَإِن وجد الْوَصْف الآخر فَهَذَا رُجُوع إِلَى أَن الحكم قد وجد بِوُجُود الْوَصْف وانتفى بانتفائه وَلم يُوجد بِوُجُود وصف آخر وَلَا انْتَفَى بانتفائه وَإِن أُرِيد أَن الحكم قد يَتَجَدَّد عِنْد تجدّد أحد الوصفين وَلَا بُد من تقدم وجود الْوَصْف الآخر فانه لَا يدل ذَلِك على أَن أحد الوصفين هُوَ الْعلَّة وَحده لِأَنَّهُ لَيْسَ يَكْفِي حُصُوله وَحده كالرجم المتجدد اسْتِحْقَاقه عِنْد تجدّد الزِّنَا لَيْسَ يَكْفِي فِيهِ الزِّنَا إِلَّا بعد تقدم الْإِحْصَان فَوَجَبَ اعتبارهما وَإِن كَانَ الْإِحْصَان شرطا
стр. 678
لَا عِلّة لِأَنَّهُ لَا يجوز ان يسْتَحق بِهِ الْعقُوبَة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها دَلِيل على أَنَّهَا عِلّة وَمعنى جريانها فِي معلولها هُوَ أَن الحكم يتبعهَا فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ وَالْجَوَاب إِن أَرَادَ الْمُسْتَدلّ أَن الحكم يتبعهَا فِي كل مَوضِع بِاتِّفَاق مِنْهُ وَمن خَصمه لم يسلم لَهُ الْخصم ذَلِك لِأَن الْعِرَاقِيّ لَا يسلم للحجازي أَن تَحْرِيم التَّفَاضُل يحصل فِي كل مَأْكُول وَإِن اراد أَنه هُوَ الَّذِي يتبعهَا حكمهَا فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ قيل لَهُ أفيسوغ لَك أَن يتبعهَا الحكم فِي مَوضِع وجدت فِيهِ فان قَالَ لَا قيل لَهُ فَلم سَاغَ لَك ذَلِك فان قَالَ لِأَنَّهَا عِلّة الحكم فِي الأَصْل قيل فَأَنت مستدل على أَنَّهَا عِلّة حكم الأَصْل بِصِحَّة الجريان ونستدل على صِحَة الجريان بِأَنَّهَا عِلّة الحكم فِي الأَصْل وَذَلِكَ فَاسد فان قَالَ إِنَّمَا سَاغَ لي ذَلِك لِأَنَّهَا لَا تنْتَقض قيل معنى كَونهَا غير منتقضة أَنَّك علقت الحكم بهَا فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ فكأنك قلت إِنَّمَا سَاغَ لي تَعْلِيق الحكم بهَا أَيْنَمَا وجدت لِأَنِّي علقت الحكم بهَا أَيْنَمَا وجدت فان قَالَ إِنَّمَا سَاغَ لي تَعْلِيق الحكم بهَا أَيْنَمَا وجدت لِأَنَّهُ لم يَمْنعنِي من ذَلِك نَص وَلَا عِلّة أولى مِنْهَا قيل لَهُ وَلم إِذا لم يمْنَع من ذَلِك نَص أَو عِلّة وَجب تَعْلِيق الحكم بهَا وَمَا أنْكرت أَنه إِذا لم يمْنَع النَّص من ذَلِك منع غَيره من وُجُوه الْفساد لِأَن وُجُوه الْفساد كَثِيرَة فان قَالَ لَيْسَ يمْنَع من ذَلِك وَجه من وُجُوه الْفساد قيل لَهُ أتعد فِي وُجُوه الْفساد فقد الدّلَالَة على صِحَّتهَا فان قَالَ نعم قيل فَدلَّ على صِحَّتهَا واترك جريانها وَعدم انتقاضها وَإِن قَالَ لَا أعد ذَلِك من وُجُوه الْفساد بل يجوز لي أَن أعلق الحكم بهَا إِذا سلمت من نَص يَدْفَعهَا وَغَيره ذَلِك قيل لَهُ لم زعمت أَنَّهَا إِذا سلمت من ذَلِك صحت فان قَالَ لِأَنَّهَا تفْسد بمعارضة النَّص وَغَيره من وُجُوه الْفساد فَيجب صِحَّتهَا بسلامتها من ذَلِك قيل إِن قَوْلنَا إِن مَا حصل فِيهِ وَجه من وُجُوه الْفساد فَهُوَ فَاسد إِنَّمَا يلْزمه القَوْل بِأَن مَا لَيْسَ بفاسد فَلَيْسَ فِيهِ وَجه من وُجُوه الْفساد وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن مَا لم يحصل فِيهِ وَجه فَسَاد فَلَيْسَ بفاسد
стр. 679
كَمَا أَن قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان يلْزمه أَن مَا لَيْسَ بحيوان فَلَيْسَ بانسان وَلَا يلْزمه مِنْهُ أَن مَا لَيْسَ بانسان فَلَيْسَ بحيوان وَيبين ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ لَو قَالَ زيد لَيْسَ فِي الدَّار لبطل القَوْل بِأَن زيدا فِي الدَّار وَلَا يجب إِذا لم يخبر النَّبِي ﷺ بذلك أَن يَصح القَوْل بِأَنَّهُ فِي الدَّار فان قَالَ ألستم تنفون وجوب صَلَاة سادسة لعدم الدّلَالَة فَيجوز مثله فِي الْعلَّة قيل إِنَّمَا نفي ذَلِك شُيُوخنَا لعلمهم باضطرار أَن ذَلِك لَيْسَ من الدّين وَلَو لم يعلم ذَلِك باضطرار لنفيناه لدلَالَة وَهِي أَنه لَو وَجَبت لدلنا الله سُبْحَانَهُ على ذَلِك فان قَالُوا قُولُوا لَو لم يكن الْعلَّة صَحِيحَة لأعلمنا الله تَعَالَى ذَلِك قيل يَكْفِي فِي النَّفْي فقد دلَالَة الْإِثْبَات وَلَا يَكْفِي فِي الْإِثْبَات فقد دلَالَة النَّفْي أَلا ترى أَنا ننفي صَلَاة سادسة لفقد الدَّلِيل على وُجُوبهَا وَلَا نوجبها لفقد الدَّلِيل على نَفيهَا وَذَلِكَ أَن الأَصْل نفي وُجُوبهَا فَلَا ننتقل عَنهُ إِلَّا بِدَلِيل وَالْأَصْل أَنا غير معتقدين لصِحَّة الْعلَّة فَلَا ننتقل عَن ذَلِكُم إِلَّا بِدَلِيل فان قَالُوا عجز الْخصم عَن إفسادها يدل على صِحَّتهَا قيل الْخصم قد يعجز عَن إِفْسَاد الْفَاسِد وَأكْثر مَا فِي عَجزه أَن يكون قد سلمت الْعلَّة من وُجُوه الْفساد وَقد تقدم الْكَلَام فِي ذَلِك
وَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي طَرِيق الْعلَّة وَنحن نتكلم الْآن فِي الْعلَّة من حَيْثُ هِيَ عِلّة حكم الأَصْل وَمَا يتَّصل بذلك ﷺ َ - بَاب الْكَلَام فِي حكم الأَصْل ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْوَصْف لَا يَصح كَونه عِلّة حكم الأَصْل إِلَّا وَالْحكم مَوْجُود فِي الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن ينظر الْإِنْسَان هَل الحكم مَوْجُود فِي الأَصْل ام لَا فانه قد يقيس الْإِنْسَان على أصل لَا يسلم خَصمه وجود الحكم فِيهِ وَقد يكون الحكم مَوْجُودا فِي بعض الأَصْل دون بعض وَيكون القائس قد رام رد الْفَرْع إِلَى جَمِيع الأَصْل فَلَا يُمكنهُ ذَلِك فان رام رده إِلَى الْموضع الَّذِي وجد فِيهِ وَلم يمْنَع من ذَلِك مَانع من إِجْمَاع أَو غَيره جَازَ ذَلِك
стр. 680
- ﷺ َ - بَاب فِي تَعْلِيل حكم الأَصْل بِالِاسْمِ وبأحكام شَرْعِيَّة وبجميع أَوْصَاف الأَصْل ﷺ َ -
أما تَعْلِيله بِالِاسْمِ نَحْو تَحْرِيم الْخمر بَان الْعَرَب سمته خمرًا فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لذَلِك فِي التَّحْرِيم وَيجوز تَعْلِيل التَّحْرِيم بِكَوْنِهِ خمرًا وَيُرَاد بذلك فَائِدَة قَوْلنَا خمر لِأَن الْمرجع بذلك إِلَى صِفَات علتها الْخمر وَيجوز تَعْلِيل الحكم بِحكم شَرْعِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون لبَعض الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تَأْثِير فِي حكم آخر نَحْو قَوْلنَا طَهَارَة مزيلة للْحَدَث وَأَشْبَاه ذَلِك كَثِيرَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون الْمُؤثر فِي الحكم مَجْمُوع صِفَات كَثِيرَة كَمَا لَا يمْتَنع أَن يكون الْمُؤثر فِيهِ صِفَات قَليلَة فاما تَعْلِيل الحكم بِجَمِيعِ صِفَات الأَصْل حَتَّى يدْخل فِيهِ كَونه فِي مَكَان كَذَا وَأَن كَونه كَذَا فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لكثير من هَذِه الْأَوْصَاف فِي الحكم وَمن يمْنَع من الْعلَّة القاصرة يَقُول إِن تَعْلِيل الشَّيْء بِجَمِيعِ أَوْصَافه تَعْلِيل بِمَا لَا يتَعَدَّى لِأَن جَمِيع صِفَات الشَّيْء لَا تُوجد فِي غَيره ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي عدم التَّأْثِير ﷺ َ -
اعْلَم أَنه إِذا كَانَ فِي أَوْصَاف الْعلَّة وصف لَا تَأْثِير لَهُ لَو عدم عَن الأَصْل لم يعْدم الحكم عَنهُ فانه يعلم بذلك أَنه لَا يجوز أَن تكون الْعلَّة مَجْمُوع تِلْكَ الْأَوْصَاف بل يَنْبَغِي أَن يرفض مِنْهَا ذَلِك الْوَصْف لِأَنَّهُ لَو أثبت فِي الْعلَّة مَا لَا يضر عَدمه وَجب إشبات مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْأَوْصَاف فان انتقضت الْعلَّة بفرع من الْفُرُوع مَتى أزلنا ذَلِك الْوَصْف عَن الْعلَّة فَسدتْ الْعلَّة وَلَا يجوز ضم الْوَصْف إِلَيْهَا لتسلم الْعلَّة من النَّقْض لِأَن الْعلَّة يجب أَن تعلم أَولا أَن حكم الأَصْل مُتَعَلق بهَا وانها مُؤثرَة فِيهِ ثمَّ تجْرِي فِي الْفُرُوع فاذا كَانَ وصف مِنْهَا غير مُؤثر فِي حكمه لم يجز كَونه فِي جملَة علته فَيجب إِسْقَاطه وَإِذا سقط
стр. 681
وانتقض مَا عداهُ لم يجز كَون مَجْمُوع الْأَوْصَاف عِلّة وَلَا مَا عدا ذَلِك الْوَصْف وَيُفَارق عدم التَّأْثِير عكس الْعلَّة لِأَن عكسها هُوَ أَن يُوجد حكمهَا مَعَ عدمهَا فِي بعض الْمَوَاضِع وَلَيْسَ ذَلِك يمْتَنع لِأَن الْعلَّة إِذا كَانَت أَمارَة فقد يجوز أَن تدل على الحكم الْوَاحِد أمارتان أَيهمَا وجدت دلّت عَلَيْهِ وَإِن كَانَت وَجه الْمصلحَة فقد شبت الْمصلحَة لوجه وَقد ثَبت لوجه آخر كَمَا يقبح الشَّيْء لوجه ويقبح لوجه آخر فَأَما عدم التَّأْثِير فَهُوَ أَن لَا يُؤثر وصف من الْأَوْصَاف فِي الحكم وَيكون التَّأْثِير لغيره فَلَا يجوز ضم مَا لَا تَأْثِير إِلَى مَا لَهُ تَأْثِير ﷺ َ - بَاب فِي تَعْلِيل الأَصْل الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول ﷺ َ -
اعْلَم انه إِذا تقررت فِي الاصول أَحْكَام مَعْلُومَة وَيثبت بِخَبَر من الْأَخْبَار فِي شَيْء من الْأَشْيَاء حكم مُخَالف لما يَقْتَضِيهِ قِيَاس ذَلِك الشَّيْء على تِلْكَ الاصول فمعلوم أَن الْقيَاس على ذَلِك الشَّيْء يُوجب خلاف مَا يُوجِبهُ الْقيَاس على تِلْكَ الاصول وَقد اجاز أَصْحَاب الشَّافِعِي وَطَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة الْقيَاس على ذَلِك الشَّيْء الْمَخْصُوص من جملَة الْقيَاس وَلم يجوز الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقيَاس عَلَيْهِ إِلَّا لإحدى خلال ثَلَاث أَحدهَا أَن يكون مَا ورد خلاف قِيَاس الاصول قد نَص على علته نَحْو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه علل طَهَارَة الهر بِأَنَّهَا من الطوافين علينا والطوافات قَالَ لِأَن النَّص على الْعلَّة كالتصريح بِوُجُوب الْقيَاس على ذَلِك الشَّيْء وأحدها أَن تكون الامة مجمعة على تَعْلِيل مَا ورد بِهِ الْخَبَر وَإِن اخْتلفُوا فِي علته وأحدها أَن يكون الحكم الَّذِي ورد بِهِ الْخَبَر مُوَافقا للْقِيَاس على بعض الاصول وَإِن كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس على أصُول أخر كالخبر بالتحالف فِي الْمُتَبَايعين إِذا اخْتلفَا فانه بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَيُقَاس عَلَيْهِ الْإِجَارَات لِأَن قياسها مُوَافق لقياس آخر من قِيَاس الاصول وَهُوَ أَنه تملك على الْغَيْر فَالْقَوْل قَوْله فِيهِ وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَ فِي الشَّرْع أصل يُبِيح هَذَا الْقيَاس وأصل يحظره وَكَانَ الأَصْل جَوَاز الْقيَاس وَجب الْقيَاس
стр. 682
وَقد أجَاز الشَّيْخ أَبُو الْحسن ﵁ الْقيَاس على خبر الْوَاحِد الْمُخَصّص للْعُمُوم وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي ﵀ إِذا كَانَ الْخَبَر الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول غير مَقْطُوع بِهِ لم يجز الْقيَاس عَلَيْهِ فَاقْتضى قَوْله هَذَا أَنه يجوز أَن يكون مذْهبه أَنه إِذا كَانَ الْخَبَر مَقْطُوعًا بِهِ جَازَ الْقيَاس عَلَيْهِ وَاعْلَم أَن مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول إِمَّا أَن يكون دَلِيلا مَقْطُوعًا بِهِ أَو غير مَقْطُوع بِهِ فان كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَهُوَ أصل فِي نَفسه لِأَن هَذَا معنى قَوْلنَا أصل فِي هَذَا الْموضع فَالْقِيَاس عَلَيْهِ كالقياس على تِلْكَ الاصول وَيجب أَن يقْصد الْمُجْتَهد مقصد التَّرْجِيح بَين القياسين وَيبين ذَلِك أَنه إِذا كَانَ عُمُوم الْكتاب لَا يمْنَع من قِيَاس يخصصه فبأن يكون الْقيَاس على الْعُمُوم لَا يمْنَع من الْقيَاس على أصل آخر يُخَالف الْعُمُوم اولى لِأَن الْعُمُوم أقوى من الْقيَاس عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْخَبَر الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول غير مَقْطُوع بِهِ فانه لَا تَخْلُو عِلّة حكمه إِمَّا تكون منصوصة أَو غير منصوصة فان لم تكن منصوصة وَلَو كَانَت اقوى من الْعلَّة الَّتِي يُقَاس بهَا الْفُرُوع على تِلْكَ الاصول فَلَا شُبْهَة فِي أَن الْقيَاس على الاصول أولى لِأَن الْقيَاس على مَا طَرِيقه مَعْلُوم أولى من الْقيَاس على مَا طَرِيقه غير مَعْلُوم وَإِن كَانَت الْعلَّة منصوصة فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الدَّرْس أَنه يَسْتَوِي القياسان من هَذَا الْوَجْه لِأَن الْقيَاس على الاصول يخْتَص بِأَن طَرِيق حكم أَصله مَعْلُوم وَإِن كَانَت طرق علته غير مَعْلُومَة وَالْقِيَاس على مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول علته منصوصة
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذِه الْعلَّة وَإِن كَانَت منصوصة فَهِيَ غير مَعْلُومَة إِذْ هِيَ منقولة بالآحاد فَلم يساو الْقيَاس بهَا على تِلْكَ الاصول فِي الْقُوَّة وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الْقيَاس على الاصول الْمَعْلُومَة لَهُ حَظّ من الْقُوَّة من حَيْثُ كَانَ حكم أَصله مَعْلُوما وَلَا يمْتَنع أَن تعَارض هَذِه الْقُوَّة قُوَّة أُخْرَى وَهِي طَرِيق الْعلَّة بِأَن يكون طَرِيق عِلّة الْقيَاس الآخر أقوى من طَرِيق عِلّة الْقيَاس على الاصول أما بِأَن تكون الْعلَّة منصوصة أَو مدلولا عَلَيْهَا بتنبيه فالموضع مَوضِع اجْتِهَاد فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق الْمَنْع من ذَلِك
стр. 683
يبين ذَلِك أَن خبر الْوَاحِد إِذا خص عُمُوم الْكتاب جَازَ أَن يكون الْقيَاس على الْخَبَر الْخَاص أولى من الْقيَاس على الْعُمُوم وَإِن كَانَ الْعُمُوم مَعْلُوما وَخبر الْوَاحِد غير مَعْلُوم إِن قيل إِن مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تدل أَمارَة على عِلّة حكمه قيل هَذَا دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا فان قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَن الْقيَاس على الْأُصُول يمانع الْقيَاس على مَا ورد بِخِلَاف الاصول قيل هلا كَانَ الْقيَاس على مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول يمانع الْقيَاس على الاصول وَيمْنَع أَن تدل على علته أَمارَة وَإِذا جَازَ أَن يدل على عِلّة هَذَا الْقيَاس النَّص جَازَ أَن يدل عَلَيْهِ دلَالَة غير النَّص
فان قيل مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه لَا يجوز أَن يُسَاوِي أَمارَة عِلّة الْقيَاس على الاصول فِي الْقُوَّة فَلَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ قيل هَذَا دَعْوَى وَمَا أنكرتم أَن يكون الْخَبَر الْوَارِد بخلاق قِيَاس الاصول قد غير الحكم عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من قبل لِأَنَّهُ لما كَانَ مَعْلُوما صَار أصلا فِي نَفسه فَلَا يمْتَنع أَن يَقع التَّنْبِيه على علته وَيكون التَّنْبِيه عَلَيْهِ أقوى وَأظْهر من التَّنْبِيه على عِلّة الاصول ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ قد جَازَ أَن يدل عَلَيْهَا النَّص وَهُوَ أقوى وَأظْهر من عِلّة الاصول فَلَا يجوز أَن يدل عَلَيْهَا تَنْبِيه النَّص وَيكون أقوى من دلَالَة عِلّة الاصول ﷺ َ - بَاب فِي تَعْلِيل أصُول الْعِبَادَات والتقديرات وَغير ذَلِك ﷺ َ -
اعْلَم أَن أَبَا عَليّ ﵁ لَا يجوز تَعْلِيل الاصول وَلَا يجوز إِثْبَات صَلَاة سادسة بِالْقِيَاسِ وَلَا بتعليل الْحُدُود وَهُوَ قَول أبي الْحسن وَلِهَذَا منع من قطع المختلس بِالْقِيَاسِ وَمنع من إِثْبَات صَلَاة بإيماء الْحَاجِب بِالْقِيَاسِ وَمنع من تَعْلِيل الْكَفَّارَات وَإِثْبَات كَفَّارَة بِقِيَاس وَسوى بَين الْكَفَّارَات الْجَارِيَة مجْرى الْعُقُوبَات وَبَين مَا لَا تجْرِي مجْرى الْعُقُوبَات وأعمل الِاسْتِدْلَال فِي موضعهَا وَفِي مَوضِع الْحَد وَحكي عَن أبي حنيفَة ﵁ شَبِيها بذلك
стр. 684
لِأَنَّهُ لم يثبت الصَّوْم بَدَلا من هدى الْمحصر لِأَن ذَلِك إِثْبَات عبَادَة مُبتَدأَة وَمنع الشَّيْخ أَبُو الْحسن ﵁ من إِثْبَات النصب ابْتِدَاء بِالْقِيَاسِ أَو بِخَبَر الْوَاحِد وَكَذَلِكَ لم يثبت الزَّكَاة فِي الفصلان وَاسْتعْمل الْقيَاس فِي نصب مَا ثَبت فِيهِ الزَّكَاة كَمَا يعْمل الْقيَاس فِي صِفَات الصَّلَاة وَإِن لم يَسْتَعْمِلهُ فِي نفس الصَّلَاة وَقبل خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات نِصَاب زَائِد على الْمِائَتَيْنِ على مَذْهَب أبي حنيفَة ﵁ وَمنع من الْقيَاس فِي الْمَقَادِير وَلم يُعلل مَا رخص فِيهِ للتساهل وَلم يقس عَلَيْهِ كاجرة الْحمام والاستصناع وَقبل أَبُو يُوسُف خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات الْحُدُود كَمَا يقبل الشَّهَادَة فِيهِ وَإِن كَانَ مِمَّا يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه يثبت الْحَد بِالْقِيَاسِ أَيْضا لِأَن الْقيَاس كَخَبَر الْوَاحِد فِي إِفَادَة الظَّن فان لم يمْتَنع إثْبَاته بِأَحَدِهِمَا وَإِن كَانَ يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ فَكَذَلِك الآخر أما الشَّافِعِي ﵀ وَأَصْحَابه فانهم يعللون كل ذَلِك ويستعملون الْقيَاس فِيهِ مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع إِلَّا أَنهم يَقُولُونَ إِن الْأُصُول وَالْحُدُود لَا مجَال للْقِيَاس فيهمَا وَلَو دلّ الدَّلِيل على الْعلَّة فيهمَا لقيس عَلَيْهِمَا وَقد حد بَعضهم واطىء الْبَهِيمَة قِيَاسا على الزَّانِي وَإِن كَانَ بَعضهم يَقُول إِن ذَلِك زنا
وَالْخلاف بَين النَّاس هَل فِي الشَّرِيعَة جملَة من الْمسَائِل يعلم أَنه لَا يجوز أَن تدل دلَالَة على عِلّة أَحْكَامهَا فَيمْتَنع اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهَا فِي الْجُمْلَة أَو لَيْسَ ذَلِك بل يَنْبَغِي أَن يستقرىء مَسْأَلَة مَسْأَلَة فأصحاب أبي حنيفَة يَقُولُونَ إِنَّا قد علمنَا ذَلِك فِي جملَة من الْمسَائِل وَهِي الَّتِي ذكروها وَغَيرهم لَا يحكم بذلك فِي أَكثر هَذِه الْمسَائِل على سَبِيل الْجُمْلَة بل يستقرءون مَسْأَلَة مَسْأَلَة وَالْأَظْهَر فِي كثير مِمَّا ذَكرُوهُ أَنه لَا يظْهر علته كالتقديرات واصول الْعِبَادَات وَالْأولَى مَعَ ذَلِك استقراء مَسْأَلَة مَسْأَلَة فَمَا لَا يدل على علته دلَالَة لم يسْتَعْمل فِيهِ الْقيَاس لجَوَاز أَن يكون فِيهَا مَا دلّ دلَالَة على عِلّة حكمه غير أَن مَا أَخذ علينا التطرق إِلَيْهِ بالأدلة الْمَعْلُومَة فانه لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهِ كَصَلَاة سادسة ولإجماع الامة على أَنه لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَا تظهر فِيهِ دلَالَة تدل على علته وَمَا رخص فِيهِ للتساهل فَلَا عِلّة فِيهِ إِلَّا شذة الْبلوى بِهِ وكل مَا هَذِه حَاله قد رخصوه وَمَا لم يرخصوه من ذَلِك فالإجماع على حظره يمْنَع من قِيَاسه على مَا
стр. 685
رخصوه وَيبعد أَن تظهر فِي التقديرات والأعداد عِلّة فاما الْكَفَّارَات فَلَا يبعد أَن تظهر علتها فيقاس عَلَيْهَا غَيرهَا بِتِلْكَ الْعلَّة وَلَيْسَ لمن منع من ذَلِك أَن يجْرِي بِهِ مجْرى الْحُدُود من حَيْثُ كَانَت عقوبات لِأَنَّهُ يُسَوِّي فِي الْمَنْع من إِثْبَاتهَا قِيَاسا بَين مَا يجْرِي مِنْهَا مجْرى الْعُقُوبَات وَبَين مَا لَا يجْرِي مِنْهَا مجْرى الْعُقُوبَات وَأَيْضًا فقد أثبتوا على الْآكِل فِي شهر رَمَضَان كَفَّارَة وَهِي جَارِيَة مجْرى الْعُقُوبَات اعْتِبَارا بالمجامع وسلكوا فِي ذَلِك مَسْلَك التَّعْلِيل وَلَا يعصمهم من ذَلِك أَن يمتنعوا من تَسْمِيَة ذَلِك قِيَاسا وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم هَل هُوَ قِيَاس أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن الشَّيْخ أَبَا الْحسن ﵀ لم يكن يثبت الْكَفَّارَات بِالْقِيَاسِ وَكَانَ يثبتها بالاستدلال على مَوضِع الحكم فَيثبت الْكَفَّارَة على الْأكل فِي شهر رَمَضَان اعْتِبَارا بالمجاميع فِيهِ فَيَقُول قد علمت أَن الْكَفَّارَة لم تجب فِي الْجِمَاع لعَينه بل لِأَنَّهُ مُفسد لعين صَوْم شهر رَمَضَان مَعَ ضرب مَخْصُوص من المأثم وَهَذَا مَوْجُود فِي الْأكل
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَنه كَانَ يفصل بَين الْقيَاس وَبَين ذَلِك بِأَنا نحتاج إِلَى الِاسْتِدْلَال لنعلم بِأَن الْجِمَاع يخْتَص بمأثم مَخْصُوص وَلَا يحْتَاج إِلَى الِاسْتِدْلَال لنعلم أَن الْبر مَكِيل فَيُقَال لَهُ حَاجَتك إِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَال لَا يخْرجك من أَن تكون قد سلكت مَسْلَك التَّعْلِيل بِهَذِهِ الْأَوْصَاف وأجريت حكمهَا مَعهَا وَهَذِه صُورَة الْقيَاس على أَن المقائيس مَا يعلم ثُبُوت علته فِي أَصله بِدَلِيل وَذَلِكَ بِأَن تكون الْعلَّة حكما شَرْعِيًّا لِأَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعْلُومَة بِالدَّلِيلِ على أَن مَا افْتقر فِيهِ إِلَى الِاسْتِدْلَال هُوَ أخْفى مِمَّا علم ضَرُورَة فان لم تثبت الْكَفَّارَة بالأجلى فَالْأولى أَن لَا تثبت بالأخفى
وَيُمكن أَن نقيس الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم بِوَجْه آخر وَهُوَ أَن يكون الحكم ثَابتا فِي مَوضِع مُجمل ثمَّ نستدل لنعلم ذَلِك الْموضع فاذا ثَبت بِالدَّلِيلِ أَن
стр. 686
شَيْئا من الْأَشْيَاء من ذَلِك الْموضع ألحق بِهِ حكمه لَا على سَبِيل الْقيَاس بل على سَبِيل إِدْخَال التَّفْصِيل فِي الْجُمْلَة فان قيس الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم بِهَذَا قيل لَهُ أموضع الْكَفَّارَة هُوَ الْجِمَاع أم بعض أَوْصَافه فان قَالَ هُوَ الْجِمَاع قيل هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى اسْتِدْلَال زَائِد على الْخَبَر وَيَنْبَغِي أَن لَا يلْحق بِهِ إِلَّا مَا كَانَ جماعا وَإِن قَالَ موضعهَا هُوَ بعض أَوْصَافه وَهُوَ إِفْسَاد عين صَوْم الشَّهْر مَعَ مأثم مَخْصُوص قيل ابالنص علمت أَن هَذَا مَوضِع الْكَفَّارَة أم بِدَلِيل وَلَيْسَ يُمكنهُ القَوْل بِأَنَّهُ علم ذَلِك بِالنَّصِّ لِأَن النَّص يتَنَاوَل الْجِمَاع لَا هَذِه الْأَوْصَاف وَإِن قَالَ علمت ذَلِك لَا بِالنَّصِّ وَلَكِن بِاعْتِبَار أفسدت بِهِ تَعْلِيق الْكَفَّارَة بِالْجِمَاعِ وَبِغَيْرِهِ من أَوْصَافه سوى مَا ذكرته قيل هَذَا تَعْلِيل مِنْك لِأَنَّك علقت هَذِه الْكَفَّارَة بِهَذِهِ الْأَوْصَاف وَقلت لَهَا مَا ثَبت الْكَفَّارَة وتوصلت إِلَى ذَلِك بِأَن أفسدت تعلق الْكَفَّارَة بِمَا عَداهَا فاذا حكمت على الْأكل بِالْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ مُفسد لعين صَوْم رَمَضَان مَعَ مأثم مَخْصُوص فقد قست وَجرى ذَلِك مجْرى أَن تفْسد تَعْلِيق الرِّبَا بِعَين الْبر وبصفاته سوى الْكَيْل ثمَّ تحرم الارز لِأَنَّهُ مَكِيل وكل من أثبت الْكَفَّارَة بِالْقِيَاسِ أَن يسْلك هَذَا المسلك ونسميه اسْتِدْلَالا على مَوضِع الحكم ﷺ َ - بَاب تَعْلِيل حكم الأَصْل بعلتين ﷺ َ -
اعْلَم أَن حكم الأَصْل إِذا علل بعلتين فإمَّا أَن تكون إِحْدَاهمَا هِيَ الدَّلِيل على حكم الأَصْل أَو لَا تكون وَاحِدَة مِنْهُمَا هِيَ الدَّلِيل على حكم الأَصْل بل الدَّلِيل عَلَيْهِ نَص أَو إِجْمَاع فان لم تكن وَاحِدَة مِنْهُمَا دَلِيلا على حكم الأَصْل جَازَ أَن تصحا جَمِيعًا لِأَن الْعلَّة إِن كَانَت أَمارَة فَجَائِز أَن تدل على الحكم الْوَاحِد امارتان وَإِن كَانَت مُوجبَة وَجه مصلحَة فَجَائِز أَن يكون الشَّيْء صلاحا من وَجْهَيْن يبين ذَلِك أَنه قد يسْتَحق الْإِنْسَان الْقَتْل لردته وَلِأَنَّهُ قتل غَيره وَقد تفْسد صَلَاة الْإِنْسَان بِالْحَدَثِ وبالكلام إِذا وجدا مَعًا وأمثال ذَلِك كَثِيرَة وَإِن كَانَ إِحْدَى العلتين دَلِيلا على حكم الأَصْل فإمَّا أَن تكون دَلِيل حكمه من غير أَن يُقَاس بهَا على اصل آخر أَو أَن تكون دَلِيله بَان يُقَاس بهَا
стр. 687
على أصل آخر مِثَال ردنا التطاول فِي الشَّهَادَة على السّرقَة إِلَى التطاول فِي الشَّهَادَة على الزِّنَا فِي أَن الْحَاكِم لَا يحكم بهما بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا حق من حُقُوق الله تَعَالَى وَلَيْسَت هَذِه الْعلَّة هِيَ الَّتِي لَهَا لم يحكم الْحَاكِم بِالشَّهَادَةِ على الزِّنَا إِذا تطاول عهدها لَكِن الْعلَّة فِي ذَلِك أَن الشُّهُود على الزِّنَا مخيرون بَين إِقَامَة الشَّهَادَة بِحَق الله سُبْحَانَهُ وَبَين السّتْر على الْمَشْهُود عَلَيْهِ فاذا أخروا الشَّهَادَة علمنَا أَنهم آثروا فاذا شهدُوا من بعد تَبينا ان عَدَاوَة تَجَدَّدَتْ لَهُم والعدوان تتهم الشُّهُود وَقد منع النَّبِي ﷺ من قبُول شَهَادَة ذَوي الأضغان وَظهر لنا أَنهم من ذَوي الأضغان لَا أَنا نقيسهم على ذَوي الأضغان وَهَذِه الْعلَّة لَا يُمكن ذكرهَا فِي الشَّهَادَة على السّرقَة لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الشُّهُود إِنَّمَا أخروا الشَّهَادَة لِأَن الْمَسْرُوق مِنْهُ أخر الْمُطَالبَة فقد بَان عِلّة حكم الأَصْل غير الْعلَّة الَّتِي بهَا رددنا الْفَرْع إِلَى الأَصْل
وَقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من أجَاز تَعْلِيل الحكم بِالْعِلَّةِ الَّتِي لم يثبت الحكم بهَا قَالَ لِأَن الْعلَّة الَّتِي بهَا يثبت حكم الأَصْل هِيَ طَرِيق الحكم فِي الأَصْل فجرت مجْرى النَّص الدَّال على حكم الأَصْل فَكَمَا يجوز أَن تدل دلَالَة على أَن لبَعض اوصاف الأَصْل الْمَنْصُوص على حكمه تَأْثِيرا فِي ذَلِك الحكم فتجعل علته وَيُقَاس بهَا فرع من الْفُرُوع عَلَيْهِ جَازَ أَيْضا فِي بعض مَا ثَبت حكمه لعِلَّة من الْعِلَل أَن تدل دلَالَة على أَن لبَعض أَوْصَافه تَأْثِيرا فِي ذَلِك الحكم فتجعل عِلّة فِيهِ وَيُقَاس بهَا على الْفُرُوع وَمِنْهُم من لم يصحح الْعلَّة الَّتِي لَا يثبت بهَا حكم الأَصْل لِأَن هَذِه الْعلَّة لَا يُمكن أَن تدل على صِحَّتهَا وَأَنَّهَا لمكانها ثَبت حكم الأَصْل لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يسْتَدلّ على ذَلِك بِفساد مَا عَداهَا لِأَن الْعلَّة الْأُخْرَى صَحِيحَة وَلَا يُمكن أَن نستدل عَلَيْهَا بِأَن الحكم يُوجد بوجودها فِي الأَصْل وينتفي بانتفائها عَن الأَصْل وَانْتِفَاء مَا يقوم مقَامهَا لعلمنا أَنَّهَا لَو وجدت وَحدهَا فِي الأَصْل من دون الْعلَّة الْأُخْرَى لم يثبت الحكم فاذا لم يُمكن أَن تدل دلَالَة على صِحَّتهَا لم تثبت صِحَّتهَا
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ إِذا كَانَت الْعلَّة الَّتِي هِيَ دَلِيل الحكم فِي الأَصْل يُقَاس بهَا ذَلِك الأَصْل على أصل آخر فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن أَن يُقَاس الْفَرْع الآخر بِتِلْكَ الْعلَّة على الأَصْل الأول أَو لَا يُمكن فَإِن لم يُمكن فَالْخِلَاف فِيهِ
стр. 688
كالخلاف فِيمَا تقدم الْآن وَإِن أمكن ذَلِك فمثاله أَن يرد الذّرة إِلَى الارز بعلة أَنه مَكِيل وَيرد الارز إِلَى الْبر بِهَذِهِ الْعلَّة وَهَذَا تَطْوِيل لَا فَائِدَة فِيهِ لِأَنَّهُ يُمكن رد الذّرة إِلَى الْبر بِهَذِهِ الْعلَّة وَلِأَن رد الذّرة إِلَى الارز يُوهم أَن حكمه مِنْهُ مُسْتَفَاد وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذّرة كالارز فِي أَن الْعلم بِحكم أَحدهمَا لَا يسْبق الْعلم بِحكم الآخر فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ بل حكمهَا يَتَرَتَّب على الْبر ﷺ َ - بَاب فِي تَعْلِيل الأَصْل بعلة لَا تتعدا ﷺ َ -
أما الشَّيْخ أَبُو عبد الله ﵀ فانه أفسدها إِلَّا أَن يدل عَلَيْهَا نَص أَو إِجْمَاع وَحكى عَنهُ قَاضِي الْقُضَاة ﵀ أَنَّهَا صححها فِي بعض مسَائِله وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن ﵁ أفسدها إِلَّا أَن يدل عَلَيْهَا نَص وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وقاضي الْقُضَاة يصححونها
وَالدَّلِيل على صِحَّتهَا هُوَ أَن من أفسدها إِمَّا أَن يُفْسِدهَا لِأَنَّهَا لم تتعد إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ أَو أَنَّهَا لم تتعد إِلَى فرع أصلا اخْتلف فِيهِ أَو لم يخْتَلف فِيهِ فان قَالَ بِالْأولِ كَانَ قد جعل صِحَّتهَا وفسادها موقوفين على أَن يخْتَار النَّاس الْخلاف فِي الْفَرْع أَو الِاتِّفَاق فِيهِ وَهَذَا شنيع وَأَيْضًا فَإِن كَانَت الْعلَّة هِيَ وَجه الْمصلحَة فوجوه الْمصَالح إِذا حصلت فِي الشَّيْء اقْتَضَت كَونه مصلحَة وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ أَو لم يَقع وَإِن كَانَت أَمارَة على الحكم وعَلى وَجه الْمصلحَة فالأدلة والأمارات لَا تفْسد بالِاتِّفَاقِ على مدلولها وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي فَالَّذِي يُفْسِدهُ أَيْضا هُوَ أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة إِذا دلّت عَلَيْهَا الأمارة غلب على ظننا أَنَّهَا وَجه الْمصلحَة وَإِن لم تتعد لِأَن وُجُوه الْمصَالح قد تخْتَص نوعا وَاحِدًا وَقد تتعداه كَمَا نقُوله فِي وُجُوه الْقبْح وَالْحسن كلهَا وَأَيْضًا فالعلة لَو فَسدتْ إِذا لم تتعد لَكَانَ فَسَادهَا وَجه مَعْقُول
فان قَالُوا الْوَجْه فِي ذَلِك هُوَ أَن الْعلَّة المستنبطة إِذا لم تتعد لم يكن فِي استنباطها فَائِدَة لِأَن حكم الأَصْل ثَابت بِالنَّصِّ لِأَنَّهَا بِالنَّصِّ قد أُغني غنها فِي الأَصْل وَلَيْسَت مَوْجُودَة فِي فرع فَيكون طَرِيقا إِلَى حكمه وَإِذا لم يكن فِي
стр. 689
استنباطها فَائِدَة كَانَت عَبَثا وَلَيْسَ كَذَلِك الْعلَّة المنصوصة لِأَنَّهَا لم تثبت عِلّة بالاستنباط قيل إِن المستنبط لِلْعِلَّةِ طَالب لَهَا وَهُوَ فِي حَال طلبه لَا يعلم مَا عِلّة الحكم وَهل هِيَ متعدية أم لَا فَيُقَال لَهُ لَا تتكلف هَذَا الْبَحْث والطلب وَإِنَّمَا يعلم أَن الْعلَّة الَّتِي تبحث عَنْهَا لَا تتعدى بعد اسْتِيفَاء الطّلب وَأَيْضًا يكون الطّلب لَهَا عَبَثا لَا يفْسد الْعلَّة لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع كَونهَا عِلّة وَيكون الطَّالِب لَهَا عابثا حِين يتشاغل بِطَلَب مَا هُوَ مستغن عَنهُ وَأَيْضًا فَلَو جَازَ أَن يكون الطّلب لَهَا عَبَثا لِأَنَّهَا لَيست بطرِيق إِلَى الحكم لَا فِي الحكم وَلَا فِي الْفَرْع لَكَانَ النَّص عَلَيْهَا عَبَثا لِأَنَّهَا لَيست بطرِيق إِلَى حكم فِي أصل وَلَا فرع وَأَيْضًا وُقُوع الْغنى عَن الشَّيْء لَا يُفْسِدهُ أَلا ترى أَنا نستغني بِالْقُرْآنِ فِي بعض الْأَحْكَام عَن أَخْبَار الْآحَاد وَعَن الْقيَاس وَلَا يُوجب ذَلِك فسادهما
فان قيل خبر الْوَاحِد يُمكن أَن يكون طَرِيقا إِلَى الحكم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَلَا يُمكن أَن تكون الْعلَّة القاصرة طَرِيقا إِلَى حكم أصلا قيل إِنَّمَا تكلمنا على قَوْلكُم طلبَهَا عَبث إِذْ النَّص قد أغْنى عَنْهَا وَلَيْسَ لَهَا وجود فِي بعض الْفُرُوع وَلم نتكلم على مَا ذكرتموه الْآن وَهُوَ قَوْلكُم الْعلَّة القاصرة لَا يُمكن أَن تكون طَرِيقا إِلَى حكم فَلم يكن فِي طلبَهَا فَائِدَة فان قُلْتُمْ ذَلِك أجبناكم بِمَا تقدم دون هَذَا الْوَجْه
وَإِن قَالُوا إِذا لم تكن الْعلَّة طَرِيقا إِلَى حكم لم تكن فِيهَا نَفسهَا فَائِدَة وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا يجوز أَن ينصب الله عَلَيْهِ أَمارَة فَكل عِلّة قَاصِرَة فَإنَّا نعلم أَن الله لم ينصب عَلَيْهَا أَمارَة قيل وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا يجوز أَن ينص الله وَلَا رَسُوله عَلَيْهِ فان جعلتم للنَّص عَلَيْهَا فَائِدَة فقد بَطل قَوْلكُم إِن مَا لَا يُفِيد حكما فَهُوَ فَاسد وَأَيْضًا فَلَا فَائِدَة أَكثر من الْعلم بعلة الحكم فانا إِذا علمنَا كم الشَّيْء ووقفنا على علنه صرنا عَالمين أَو ظانين بِمَا لم نَكُنْ عَالمين بِهِ وَذَلِكَ مَا تتشوق النَّفس إِلَى مَعْرفَته وَلَا يمْتَنع أَن يكون لنا فِي ظن ذَاك مصلحَة وَفَائِدَة أُخْرَى وَهِي أَن نمتنع من قِيَاس فرع على أصل علته قَاصِرَة
فان قَالُوا فَهَذَا يُمكن إِذا لم تنصب أَمارَة على أَن ذَلِك الْوَصْف عِلّة قيل
стр. 690
هَذَا الْقدر لَا يمْنَع من الْقيَاس على ذَلِك الأَصْل لِأَنَّهُ يجوز أَن يظنّ أَن علته وصف آخر فيقاس بِهِ فرع من الْفُرُوع وَإِذا ظننا أَن مَا لَا يتَعَدَّى هُوَ الْعلَّة لِأَن أَمارَة كَونه عِلّة أقوى من كل الأمارات رفضنا مَا عدا ذَلِك الْوَصْف فَلم نقس على ذَلِك الْوَصْف شَيْئا وَلَهُم أَن يَقُولُوا وَكَانَ يُمكن أَن لَا يُقَاس على ذَلِك الأَصْل بِأَن لَا ينصب الله أَمارَة على شَيْء من أَوْصَافه وَإِذا أمكن ذَلِك لم يكن فِي نصب أَمارَة على الْوَصْف الَّذِي لَا يتَعَدَّى فَائِدَة
واقوى مَا يُمكن أَن يحتجوا بِهِ هُوَ أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة والأمارة كالدلالة فِي أَنَّهَا كاشفة عَن شَيْء وَلَا يتَصَوَّر دلَالَة وامارة لَا تكشف عَن شَيْء وَالْعلَّة القاصرة لَا تكشف عَن حكم أصل وَلَا فرع فَلم تكن أَمارَة وَإِذا لم تكن أَمارَة لم تكن عِلّة وَالْجَوَاب إِنَّه إِذا دلّت أَمارَة صَحِيحَة على كَون الْوَصْف عِلّة قضينا بِأَنَّهَا وَجه الْمصلحَة وَقُلْنَا بِأَن الْعلَّة أَمارَة على معنى أَنَّهَا مظنون كَونهَا عِلّة وَيُمكن أَن نقُول إِنَّهَا أَمارَة على وَجه الْمصلحَة بِمَعْنى أَنَّهَا مُقَارنَة فَيدل على أَن وَجه الْمصلحَة يُوجد حَيْثُ تُوجد الْعلَّة ثمَّ يُقَال لَهُم إِذا نَص على الْعلَّة الَّتِي لَا تتعدى أَلَيْسَ تكون الْعلَّة أَمارَة أَو دلَالَة فان قَالُوا بلَى قيل لَهُم فعلى مَا تدل فان قَالُوا إِنَّهَا تكون وَجه الْمصلحَة أَو تكون أَمارَة على وَجه الْمصلحَة وَلَا تكون أَمارَة وَلَا دلَالَة على حكم قيل لَهُم مثله فِي الْعلَّة المستنبطة ﷺ َ - بَاب فِي اخْتِلَاف مَوْضُوع الْعلَّة وَالْحكم ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْعلَّة قد تكون حكما مَا شَرْعِيًّا وَيكون حكمهَا شَرْعِيًّا وَإِذا كَانَ أَحدهمَا مَبْنِيا على التَّخْفِيف وَالْآخر على التَّغْلِيظ جَازَ أَن يَجْعَل ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي أَن لَا يعْتَبر أَحدهمَا بِالْآخرِ وَيُمكن أَن يُجَاب عَن ذَلِك فَيُقَال لَا يمْتَنع اعْتِبَار أَحدهمَا بِالْآخرِ إِذا دلّت الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة فان قيل إِنَّه لَا يجوز أَن تدل الدّلَالَة على صِحَة مثل هَذِه الْعلَّة انْتقل الْكَلَام إِلَى إِقَامَة الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة وَنحن من بعد نذْكر الْكَلَام فِي الْعلَّة من حَيْثُ هِيَ دَلِيل على حكم الْفَرْع إِن شَاءَ الله
стр. 691
- ﷺ َ - بَاب فِي اخْتِلَاف مَوْضُوع الْفَرْع وَالْأَصْل وَفِي حكم الْفَرْع إِذا تقدم حكم الأَصْل ﷺ َ -
أما اخْتِلَاف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع فنحو أَن يكون الأَصْل مَبْنِيا على التَّخْفِيف كالتيمم وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ وَيكون الْفَرْع مَبْنِيا على التَّغْلِيظ كَالْوضُوءِ وَغسل الرجلَيْن ويروم القائس أَن يثبت فِي الْفَرْع حكما مخففا وَيكون الأَصْل مَبْنِيا على التَّغْلِيظ كَالْوضُوءِ وَغسل الرجلَيْن وَيكون الْفَرْع مَبْنِيا على التَّخْفِيف كالتيمم وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ ويروم القائس أَن يثبت فِي الْفَرْع حكما مغلظا فاختلاف الْفَرْع وَالْأَصْل كالأمارة على أَنه لَا يَنْبَغِي رد أَحدهمَا إِلَى الآخر فان دلّت دلَالَة على صِحَة الْعلَّة الجامعة بَينهمَا أوجبت الدّلَالَة التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي ذَلِك الحكم وَإِن اخْتلفَا فِي التَّغْلِيظ وَالتَّخْفِيف من وُجُوه أخر
وَأما الْفَرْع إِذا تقدم حكمه على حكم الأَصْل فمثاله الْوضُوء إِذا قيس على التَّيَمُّم فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فِيهِ وَذَلِكَ أَن الْوضُوء وَجب بِمَكَّة وَالتَّيَمُّم وَجب بعد الْهِجْرَة وَقد منع من ذَلِك قوم لِأَن شَرط مَا تقدم وُجُوبه لَا يجوز كَونه مستفادا مِمَّا تَأَخّر وُجُوبه لِأَن الدَّلِيل لَا يجوز تَأَخره عَن الْمَدْلُول عَلَيْهِ وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الْفَرْع إِذا تقدم حكمه فانه إِن لم يدل على ثُبُوت حكمه إِلَّا الْقيَاس على ذَلِك الأَصْل فانه لَا يَصح ذَلِك الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون لنا على الحكم الَّذِي تعبدنا بِهِ دَلِيل فِي الْحَال وَإِن دلّ على حكم الْفَرْع دَلِيل مُتَقَدم لم يبطل ذَلِك الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يدلنا الله على الحكم بأدلة مترادفة أَلا ترى أَن المعجزات تتواتر بعد المعجزة الْمُقَارنَة لابتداء الدعْوَة ﷺ َ - بَاب فِي الْعلَّة هَل هِيَ دَلِيل على رسم الْفَرْع ثمَّ يعلق بِهِ حكم شَرْعِي أَو تدل ابْتِدَاء على حكم شَرْعِي ﷺ َ -
حُكيَ عَن أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج أَنه قَالَ إِنَّمَا يثبت بِالْقِيَاسِ الْأَسْمَاء فِي الْفَرْع ثمَّ تعلق عَلَيْهَا الْأَحْكَام وَكَانَ يتَوَصَّل بِالْقِيَاسِ إِلَى أَن الشُّفْعَة تَرِكَة ثمَّ
стр. 692
يَجْعَلهَا موروثة وَإِن وطىء الْبَهِيمَة زنا ثمَّ يتَعَلَّق بِهِ الْحَد وَبَعض الشَّافِعِيَّة كَانَ يقيس النَّبِيذ على الْخمر فِي تَسْمِيَته خمرًا لاشْتِرَاكهمَا فِي الشدَّة ثمَّ يحرمه بِالْآيَةِ وَأكْثر الْفُقَهَاء متفقون على أَن الْعِلَل تثبت بهَا الْأَحْكَام
فان كَانَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج منع من إِثْبَات الْأَحْكَام فِي الْفَرْع بالعلل فَذَلِك بَاطِل لِأَن أَكثر الْمسَائِل إِنَّمَا تعلل فِيهَا أَحْكَامهَا دون أسمائها والأمارات إِنَّمَا تدل على أَن بعض صِفَات الأَصْل لَهُ تَأْثِير فِي الحكم لَا فِي الِاسْم أَلا ترى أَنا نعلل تَحْرِيم الْبر بِكَوْنِهِ مَكِيلًا لَا بِكَوْنِهِ مُسَمّى بِأَنَّهُ بر والأمارة إِنَّمَا تدل على أَن للكيل أَو الطّعْم تَأْثِيرا فِي تَحْرِيم بعضه بِبَعْض مُتَفَاضلا لَا فِي كَونه مُسَمّى بِأَنَّهُ بر ثمَّ إِنَّا نرد الارز إِلَيْهِ لنثبت فِيهِ حكمه ابْتِدَاء لَا تبعا للاسم لأَنا لَا نروم بقياسه عَلَيْهِ أَن نُسَمِّيه برا وَإِن أَرَادَ أَن الْعِلَل قد يتَوَصَّل بهَا إِلَى الْأَسْمَاء فِي بعض الْمَوَاضِع وَلم يمْنَع من أَن يتَوَصَّل بهَا إِلَى الْأَحْكَام أَيْضا فان أَرَادَ بالعلل الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وبالأسماء الْأَسْمَاء اللُّغَوِيَّة فَذَلِك بَاطِل لِأَن اللُّغَة أسبق من الشَّرْع ولتقدم اللُّغَة خاطبنا الله تَعَالَى بهَا فَلَا يجوز إِثْبَات أسمائها بِأُمُور طارئة وَلِأَن أَمَارَات جَمِيع الْعِلَل الشَّرْعِيَّة تتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَلَا تتَعَلَّق بالأسماء اللُّغَوِيَّة وَإِن أَرَادَ أَن الْأَسْمَاء قد تثبت فِي اللُّغَة بِقِيَاس غير شَرْعِي نَحْو أَن نعلم أَنهم سموا الْجِسْم الْأَبْيَض الَّذِي حضرهم بِأَنَّهُ أَبيض لوُجُود الْبيَاض فِيهِ لعلمنا أَنه إِذا انْتَفَى عَنهُ الْبيَاض لم يسموه بذلك فاذا وجد فِيهِ سموهُ بذلك ثمَّ نقيس عَلَيْهِ مَا غَابَ عَنْهُم من الْأَجْسَام الْبيض فقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيد وَإِن أَرَادَ أَن من الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة مَا تثبت بالعلل فَغير بعيد ايضا لأَنا نعلم أَن الشَّرِيعَة إِنَّمَا سمت الصَّلَاة صَلَاة لصفة من الصِّفَات مَتى انْتَفَت عَنْهَا لم تسم فِي الشَّرِيعَة صَلَاة فنعلم أَن مَا شاركها فِي تِلْكَ الصّفة يُسمى صَلَاة
وَأما قَول بعض الشَّافِعِيَّة أَن النَّبِيذ يُسمى خمرًا فَلَيْسَ هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي
стр. 693
وَقد قَالَ فِي كثير من كتبه إِن الْخمر هُوَ عصير الْعِنَب الني المشتد وَأما قِيَاسه النَّبِيذ على الْخمر بعلة الشدَّة وإيجابهم بذلك أَن يُسمى خمرًا فَبَاطِل لِأَن الْخمر لم تسم خمرًا للشدة فَقَط وَإِن كَانَ لَو لم تُوجد الشدَّة لم تسم خمرًا كَمَا أَن الْخلّ لم يسم خلا للحموضة وَإِن كَانَ لولاها لم يسم خلا لكنه إِنَّمَا سمى خمرًا لِأَنَّهُ عصير الْعِنَب الني المشتد وَلَو كَانَ قَوْلنَا خمر يشْتَمل التمري والعنبي لشمُول اسْم الْخمر لخمر الْعرَاق وخمر فَارس لَكَانَ قَول الْقَائِل لغيره أَمَعَك نَبِيذ أم خمر كَقَوْلِه أَمَعَك خمر أَو خمر الْعرَاق فَلَمَّا افْتَرقَا فِي الْجِنْس علمنَا أَن اسْم الْخمر لَا يتَنَاوَل النَّبِيذ وَقَول النَّبِي ﷺ الْخمر من هَاتين مَحْمُول على أَنه إِنَّمَا سمى مَا يكون من النَّخْلَة خمرًا مجَازًا لما ذَكرْنَاهُ الْآن
فان قيل هلا قُلْتُمْ إِنَّه يَقع عَلَيْهِ اسْم الْخمر يعرف الشَّرْع قيل لَيْسَ هَذَا قولا لأحد وَلَو اقْتَضَاهُ عرف الشَّرْع لسبق إِلَى إفهام أهل الشَّرْع من قَوْلنَا خمر التمري والعنبي مَعًا على سَوَاء كَمَا يسْبق إِلَى إفهامهم من اسْم الصَّلَاة هَذِه الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يقبح أَن يَقُول الْقَائِل أَمَعَك نَبِيذ أم خمر ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْعلَّة هَل يتَوَصَّل بهَا إِلَى إِثْبَات الحكم فِي الْفَرْع وَإِن لم ينص عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة أم لَا ﷺ َ -
ذهب الشَّيْخ أَبُو هَاشم ﵀ إِلَى أَنه لَا يجوز إِثْبَات الحكم فِي شَيْء بِالْقِيَاسِ إِلَّا وَقد ورد النَّص باثباته فِيهِ على الْجُمْلَة فَيكون الْقيَاس دَالا على تَفْصِيل الحكم قَالَ فَلَو لم يكن إِرْث الْأَخ ثَابتا فِي الْجُمْلَة لم يجز إِثْبَات إِرْثه مَعَ الْجد بِالْقِيَاسِ وَأَجَازَ غَيره من القائسين إِثْبَات الحكم بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يتَقَدَّم إثْبَاته فِي الْجُمْلَة وَالدَّلِيل على ذَلِك هُوَ أَن الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة على جَوَاز اسْتِعْمَال الْقيَاس لَا تخص التَّفْصِيل من الْجُمْلَة بل تجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهَا وَلِأَن الْأمة قاست مَسْأَلَة الْحَرَام وَلم يتقدمه فِيهَا حكم شَرْعِي على الْجُمْلَة راموا
стр. 694
تَفْصِيله بل كَانُوا لمقايستهم يثبتون أصل الحكم وَقَول الله ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ لَيْسَ يدل على إِثْبَات الحكم فِي الْجُمْلَة فِي مَسْأَلَة الْحَرَام لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يدل على الْمَنْع من التَّحْرِيم وَلَا يدل على حكم التَّحْرِيم إِذا وجد وَقد قَاس مثبتو الْقيَاس الارز على الْبر وَلَا يتقدمه تَحْرِيم بِبيعِهِ مُتَفَاضلا على الْجُمْلَة ﷺ َ - بَاب فِي تَخْصِيص النُّصُوص بِالْقِيَاسِ ونسخها بِهِ ﷺ َ -
أما نسخ النُّصُوص بِالْقِيَاسِ فسنبينه فِي تضاعيف هَذَا الْفَصْل وَأما إِذا كَانَ الْقيَاس رَافعا للنصوص من غير نسخ فقد تقدم ذَلِك فِي الْأَخْبَار وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا الْفَصْل هُنَاكَ وَلم نذكرهُ فِي أَبْوَاب الْقيَاس لأَنا نقدم النَّص على الْقيَاس وَذَلِكَ لَا يقف على كَون الْقيَاس حجَّة فِي الْجُمْلَة وَأما إِذا كَانَت النُّصُوص عَامَّة فانما ذكرنَا القَوْل فِي مُعَارضَة الْقيَاس لَهَا فِي ابواب الْقيَاس لأَنا نخصص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا وَالْقِيَاس حجَّة فِي الْجُمْلَة
وَقد اخْتلف النَّاس فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ ﵀ وَبَعض الْفُقَهَاء لَا يخص بِهِ أصلا وَهُوَ قَول أبي هَاشم أَولا وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو الْحسن وَكثير من الْفُقَهَاء أَنه يخص بِهِ الْعُمُوم على كل حَال وَهُوَ قَول أبي هَاشم أخيرا وَمن النَّاس من خص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ فِي حَال دون حَال وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي تِلْكَ الْحَال فَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي من خص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ وَلم يَخُصُّهُ بالخفي وَمن النَّاس من خصّه بِالْقِيَاسِ إِذا دخله التَّخْصِيص وَلم يَخُصُّهُ بِهِ إِذا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص
وَالدَّلِيل على تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ هُوَ أَن الصَّحَابَة ﵂ اخْتلفت فِي الْجد فبعضهم جعله أولى من الْأَخ والاخت بِجَمِيعِ المَال وَذهب فِي
стр. 695
ذَلِك إِلَى قِيَاس وَخص بِهِ قَول الله ﴿إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد﴾ وَبَعْضهمْ قَاسم بَين الْجد وَالْأَخ وَاسْتدلَّ بِالْقِيَاسِ على أَنه يقاسم وَلم يَجْعَل للاخ إِرْث جَمِيع مَال اخته وَلم يَجْعَل لاخته مَعَ الْجد النّصْف بل خص الْآيَة وَهَذَا يبطل قَول من لم يخص الْعُمُوم إِلَّا بِقِيَاس معنى لِأَن الْقيَاس فِي مَسْأَلَة الْجد هُوَ قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه
فان قَالُوا خصو الْآيَة بِكَوْن الْجد وَارِثا بِمِقْدَار مَا يَرِثهُ وَإِثْبَات إِرْثه فِي الْجُمْلَة مَعْلُوم بِقِيَاس جلي قيل إِنَّهُم لم يذكرُوا فِي ذَلِك قِيَاسا مُفردا بل لم يستعملوا فِي إِثْبَات إِرْثه إِلَّا مَا استعملوه فِي مِقْدَار إِرْثه لأَنهم استعملوا الْقيَاس فِي هَل يَرث الْكل أَو الْبَعْض ثمَّ تبع ذَلِك ثُبُوت إِرْثه وَهَذِه الدّلَالَة تفْسد قَول من شَرط فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ أَن يكون الْعُمُوم قد خص من وَجه آخر لأَنا قد بَينا فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد أَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص هُوَ كالعموم الَّذِي لم يخص وَإِذا لم يكن بَينهمَا فرق كَانَ إِجْمَاع السّلف ﵃ على أَحدهمَا كاجماعهم على الآخر كَمَا إِن إِجْمَاعهم على الْقيَاس فِي مَسْأَلَة الْجد دَلِيل على صِحَة الْقيَاس فِي مَسْأَلَة تجْرِي مجْراهَا
إِن قيل الْيَسْ التَّخْصِيص فِي معنى النّسخ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ إِخْرَاج بعض مَا تضمنه الطاب ثمَّ لم يدل عنْدكُمْ إِجْمَاع الصَّحَابَة على تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ وبأخبار الْآحَاد على جَوَاز نسخه بهما وَلَا دلّ إِجْمَاعهم على الْمَنْع من نسخ الْعُمُوم بهما على الْمَنْع من تَخْصِيصه بهما فَهَلا قُلْتُمْ إِن إِجْمَاعهم على تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِالْقِيَاسِ إِذا دخله التَّخْصِيص لَا يدل على جَوَاز تَخْصِيصه إِذا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص وَإِن كَانَ أَحدهمَا فِي معنى الآخر قيل إِن الْحكمَيْنِ إِذا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فان الدّلَالَة على جَوَاز أَحدهمَا هِيَ دلَالَة على جَوَاز الآخر إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع أَلا ترى أَن الصَّحَابَة لَو أَجمعت على قبُول خبر
стр. 696
الْوَاحِد فِي وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء لدل ذَلِك على قبُوله فِي النِّيَّة فِي التَّيَمُّم فاذا ثَبت ذَلِك فاجماعهم على تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ هُوَ دَلِيل على جَوَاز نسخه بِالْقِيَاسِ لَوْلَا مَانع من ذَلِك وَهُوَ الْإِجْمَاع وإجماعهم على الْمَنْع من نسخه بِالْقِيَاسِ هُوَ دَلِيل على الْمَنْع من تَخْصِيصه بِالْقِيَاسِ لَوْلَا مَانع منع من ذَلِك وَهُوَ إِجْمَاعهم على تَخْصِيصه بِهِ
دَلِيل آخر وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ مَقْطُوع بِهِ لِأَن دَلِيله مَقْطُوع بِهِ وَهُوَ إِجْمَاع الصَّحَابَة كَمَا أَن الْعَمَل بِالْعُمُومِ مَقْطُوع بِهِ فهما متساويان فِي هَذِه الْجِهَة وَمِنْهَا يَقع التَّخْصِيص فَيجب إذذ كَانَ أَحدهمَا أخص من الآخر أَن يخص بِهِ الْأَعَمّ كَمَا يخص الْعُمُوم بِدَلِيل خَاص مَقْطُوع بِهِ يبين ذَلِك أَنا نعدل عَن مُقْتَضى الْعقل فِي تَحْلِيل الأنبذة وَغير ذَلِك إِلَى الْقيَاس مَعَ أَن مُقْتَضى الْعقل مَقْطُوع بِهِ فَيجب مثله فِي الْعُمُوم
فان قيل إِنَّمَا نعدل إِلَى الْقيَاس عَن مجوزات الْعُقُول لَا عَن واجباتها وَإِبَاحَة النَّبِيذ من مجوزات الْعُقُول قيل مَا معنى وصفكم لإباحة النَّبِيذ أَنه من مجوزات الْعُقُول فان قَالُوا معنى ذَلِك أَن الْعقل وَإِن أَبَاحَهُ فانه يجوز أَن يخْتَص بِوَجْه مفْسدَة فِي الْمُسْتَقْبل فَيرد الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ قيل لَهُم وكل مَا يعدل إِلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَن مُقْتَضى الْعُقُول هَذِه سَبيله وَهُوَ مَوضِع استدلالنا عَلَيْكُم فان قَالُوا إِنَّمَا جَوَّزنَا اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي مُقْتَضى الْعقل لِأَن الْعقل اقْتضى حكمه بِشَرْط أَن لَا ينقلنا عَنهُ دَلِيل سَمْعِي وَالْقِيَاس دَلِيل سَمْعِي فاذا نقلنا عَن مُقْتَضى الْعقل وَجب الِانْتِقَال عَنهُ قيل والعموم أَيْضا إِنَّمَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق مَا لم يمنعنا دَلِيل سَمْعِي وَالْقِيَاس فِي الْجُمْلَة دَلِيل سَمْعِي عندنَا وعندكم وَاعْلَم أَنا قد بَينا فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد انه لَا يَصح الِاحْتِجَاج باجماع الصَّحَابَة على قبُول أَخْبَار الْآحَاد فِي الْجُمْلَة على قبُولهَا فِي التَّخْصِيص وَأَنه إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يحْتَج بقبولهم لَهَا فِي التَّخْصِيص لِأَن إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مُفَارقَة للاخرى وَمَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ يتَوَجَّه هَا هُنَا فَلَا معنى لإعادته
стр. 697
دَلِيل قد خصت الصَّحَابَة الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا خصت آيَة الْجلد واخرجت مِنْهَا العَبْد لأَنهم لم يجلدوه مائَة وَإِنَّمَا خصوه بِالْقِيَاسِ وَلقَائِل أَن يَقُول مَا يؤمنكم أَن يَكُونُوا خصوه من الْآيَة بِدَلِيل غير الْقيَاس وَاسْتغْنى بِالْإِجْمَاع عَن نَقله
دَلِيل قد خصت الصَّحَابَة قَول الله ﴿وَأحل الله البيع﴾ بِقِيَاس الارز على الْبر وَلقَائِل أَن يَقُول لَا سَبِيل لكم إِلَى بَيَان ذَلِك لِأَن كثيرا من الْفُقَهَاء لَا يسلمُونَ أَن الصَّحَابَة اعتقدت تَحْرِيم التَّفَاضُل فِيمَا عدا السِّتَّة فضلا عَن أَن يَكُونُوا محرمين لَهُ قِيَاسا
دَلِيل قد عدلت الصَّحَابَة عَن ظَاهر الْقُرْآن لقياس فَيجب مثله فِي التَّخْصِيص لِأَن التَّخْصِيص عدُول عَن الظَّاهِر وَلقَائِل أَن يَقُول إِن من يُخَالف فِي تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِالْقِيَاسِ لَا يسلم أَن الصَّحَابَة أَجمعت على ترك الظَّاهِر بِالْقِيَاسِ
وَاحْتج الْمُخَالف باشياء
مِنْهَا أَن عُمُوم الْكتاب دَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَالْقِيَاس أَمارَة مظنونة وَلَا يجوز الِاعْتِرَاض بالمظنون على الْمَعْلُوم وَالْجَوَاب عَن ذَلِك قد تقدم فِي بَاب تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد وَرُبمَا تعلق بِهَذِهِ الشُّبْهَة من لَا يُجِيز تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ إِذا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص ويجيز تَخْصِيصه إِذا دخله التَّخْصِيص فاذا نوقض بتخصيصه بِالْقِيَاسِ إِذا دخله التَّخْصِيص يَقُول إِن دُخُول التَّخْصِيص يدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قَالَ مَعَ الْعُمُوم احملوه على عُمُومه مَا لم يمنعكم مَانع وَيدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قد أشعرنا بِأَنَّهُ معرض للتخصيص فَيُقَال لَهُ لم زعمت أَن تَخْصِيصه يَقْتَضِي حمله على عُمُومه مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع فان قَالَ لِأَن الْعُمُوم من حَقه أَن يجْرِي على عُمُومه إِلَّا لدَلِيل قيل فَهَذَا حكم الْعُمُوم
стр. 698
سَوَاء علمنَا دُخُول التَّخْصِيص عَلَيْهِ أَو لم نعلم ذَلِك وَلَيْسَ يقف ذَلِك على دُخُول التَّخْصِيص وَيُقَال لَهُ وَدلَالَة الأمارة على تَخْصِيص الْعُمُوم تدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قَالَ فِي الْعُمُوم إحملوه على عُمُومه إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع وَيُقَال لَهُم لم زعمتم أَن دُخُول التَّخْصِيص فِي الْعُمُوم إِشْعَار بتخصيص زَائِد وَرُبمَا قَالُوا لَو خص الْعُمُوم الَّذِي لم يدْخلهُ التَّخْصِيص لاقترن بِهِ مَا يَخُصُّهُ لِأَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر قيل كَذَلِك يَقُول من لم يجوز تاخير الْبَيَان لِأَنَّهُ يذهب إِلَى أَن مَا دلّ على عِلّة الْقيَاس لم يكن مُتَأَخِّرًا عَن الْعُمُوم ثمَّ يُقَال لَهُ يلزمك مَا ألزمتنا فِي الْعُمُوم إِذا دخله التَّخْصِيص وَقَالُوا أَيْضا إِن مَا دخله التَّخْصِيص يدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قد قَالَ فِيهِ إِنَّه لَيْسَ المُرَاد بِهِ جَمِيعه فَيكون مُجملا فَجَاز إِعْمَال الْقيَاس فِيهِ وَالْجَوَاب أَن الْعُمُوم إِذا خص تَخْصِيصًا معينا فانه يبْقى الْبَاقِي وَمَعْلُوم دُخُوله تَحت الْعُمُوم وَلَا يكون مُجملا وَإِنَّمَا يكون مُجملا إِذا خص تَخْصِيصًا غير معِين
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس إِنَّمَا يَصح بِالضَّرُورَةِ الداعية إِلَيْهِ وَمَعَ وجود الْعُمُوم فَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ الْجَواب يُقَال لَهُم اتريدون أَن الضَّرُورَة الداعية إِلَى الْقيَاس زائلة إِذا دخل الحكم تَحت لفظ الْعُمُوم أَو اذا كَانَ الحكم مرَادا بِالْعُمُومِ فان قَالُوا بِالْأولِ كَانَ مَوضِع الْخلاف وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي لم يُمكنهُم أَن يبينوا أَن الحكم مُرَاد بِالْعُمُومِ إِلَّا إِذا اثبتوا أَن الْقيَاس لَيْسَ بِحجَّة مَعَ الْعُمُوم فَيصير دليلهم مَبْنِيا على نفس الْمَسْأَلَة فان قَالُوا تنَاول لفظ الْعُمُوم للمسألة يدل على أَنَّهَا مُرَادة بِهِ وَذَلِكَ نعني عَن الْقيَاس قيل إِنَّمَا تعلمُونَ أَن تنَاول لفظ الْعُمُوم لَهَا يدل على انها مُرَادة بِهِ إِذا علمْتُم أَنه لَيْسَ من شَرط دلَالَة الْعُمُوم على ذَلِك أَن لَا يُعَارضهُ قِيَاس وَإِنَّمَا تعلمُونَ ذَلِك إِذا علمْتُم أَن الْقيَاس الْمُخَصّص للْعُمُوم لَيْسَ بِدلَالَة وَهَذَا مَوضِع الْخلاف
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس فرع على النَّص فَلَو خص الْقيَاس الْعُمُوم لَكَانَ قد اعْترض بالفرع على الأَصْل الْجَواب إِن قِيَاس الارز على الْبر إِنَّمَا يخص
стр. 699
قَول الله ﴿وَأحل الله البيع﴾ وَلَيْسَ هَذِه الْآيَة أصلا لهَذَا الْقيَاس لِأَن أصل الْقيَاس هُوَ إِمَّا مَا يَقع الرَّد إِلَيْهِ كالبر أَو تَحْرِيمه أَو مَا يدل على تَحْرِيمه أَو مَا يدل على صِحَة الْقيَاس كاجماع الصَّحَابَة وَغَيره فاما قَول الله ﴿وَأحل الله البيع﴾ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي رددنا إِلَيْهِ الارز وَلَا هُوَ الدَّال على صِحَة الْقيَاس فَلم يعْتَرض بالفرع على أَصله
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِمعَاذ بِمَاذَا تحكم قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ بِسنة نبيه قَالَ فان لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي فَجعل اجْتِهَاده مَشْرُوطًا بَان لَا يجد الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة وَمَا يتَنَاوَلهُ عُمُوم الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ مَوْجُود إِمَّا فِي الْكتاب وَإِمَّا فِي السّنة وَقد صَوبه النَّبِي ﷺ الْجَواب أَن المُرَاد بذلك إِن لم يجد فِي نَص الْكتاب وَالسّنة الَّذِي يعلم بدليلنا يدل على ذَلِك أَنه قَالَ أحكم بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ أحكم بِسنة رَسُول الله ﷺ وَمَعْلُوم أَن ذَلِك لَا يمْنَع من تَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ الْمَعْلُومَة وَلَيْسَ يجوز الْجَواب عَن هَذَا الْخَبَر بَان يُقَال إِن حكم الْقيَاس غير مَوْجُود وَإِن تنَاوله الْعُمُوم وَأَن ذَلِك قد دخل تَحت قَوْله أجتهد رَأْيِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم معَاذ أَن ذَلِك الحكم غير مَوْجُود فِي الْكتاب وان تنَاوله عُمُومه بعد أَن يجْتَهد فَيعلم أَن الْقيَاس قد دلّ على أَن ذَلِك الحكم لم يرد بِالْعُمُومِ وَعند ذَلِك يسْقط عَنهُ الِاجْتِهَاد وَمَعْلُوم أَنه قد جعل اجْتِهَاد رَأْيه مَشْرُوطًا بِنَفْي وجدانه الحكم وَهَذَا التَّأْوِيل يَقْتَضِي أَن نفي وجدانه الحكم فِي الْكتاب مَشْرُوط بتقدم اجْتِهَاد رَأْيه
وَمِنْهَا أَن النّسخ كاتخصيص فِي ان كل وَاحِد مِنْهُمَا يدل على أَن الْمُخَاطب بِالْخِطَابِ لم يرد بِهِ بعض مَا تنَاوله فاذا لم يجز النّسخ بِالْقِيَاسِ فَكَذَلِك التَّخْصِيص وَالْجَوَاب أَن شَيخنَا أَبَا عبد الله يَقُول إِن الْأمة أَجمعت على أَن الْقُرْآن لَا ينْسَخ بِقِيَاس كَمَا أَجمعت الصَّحَابَة على أَنه يخص بِهِ وَلَوْلَا ذَلِك لجوزت نسخ الْقُرْآن بِهِ فالشبهة زائلة عَنهُ فان قيل كَيفَ يجوز أَن نجمع على
стр. 700
الْمَنْع مَا اجمعت الصَّحَابَة على جَوَازه قيل إِن الصَّحَابَة لم تنص على جَوَاز نسخ الْقُرْآن بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا أَجمعت على تَخْصِيصه بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يرد التَّعَبُّد بِأَحَدِهِمَا دون الآخر لوجه الْمصلحَة يفترقان فِيهِ لَا يُعلمهُ إِلَّا الله أَلا ترى أَنه كَانَ يجوز وُرُود النَّص بِالْفرقِ بَين التَّخْصِيص والنسخ بِالْقِيَاسِ وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو هَاشم ﵀ بِأَنَّهُ إِنَّمَا لم يجز النّسخ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن ينزل الله نصا وَيجْعَل الْعَمَل بِهِ مَوْقُوفا على اجتهادنا وَإِنَّمَا الْجَائِز صرفه من وَجه إِلَى وَجه بِالِاجْتِهَادِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كَون الْعَمَل بِالنَّصِّ مَوْقُوفا على اجتهادنا مَعْنَاهُ أَنا نجوز أَن لَا يعْمل بِهِ أصلا إِذا أدّى الِاجْتِهَاد إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا سَبِيل النّسخ من الْمَنْسُوخ قد عمل بِهِ فِي حَال مُتَقَدّمَة فان كَانَ إِخْرَاج بعض الْأَشْخَاص من كَونهم مرادين بِالْخِطَابِ هُوَ صرف للخطاب من جِهَة إِلَى جِهَة وَلَيْسَ هُوَ إيقاف الْخطاب على اجتهادنا فَكَذَلِك إِخْرَاج حكم الْخطاب فِي بعض الْأَزْمَان دون بعض هُوَ صرف الْخطاب من جِهَة إِلَى جِهَة وَأجَاب أَصْحَاب الشَّافِعِي عَن الشُّبْهَة بِأَن النّسخ إِنَّمَا لم يَصح بِالْقِيَاسِ لِأَن كَونه نَاسِخا للنَّص بِخِلَافِهِ وَالْقِيَاس لَا يَصح إِذا دَفعه النَّص فوقوع النّسخ بِهِ وُقُوع بِدَلِيل فَاسد وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْقيَاس إِذا نسخ الْكتاب لم يكن الْكتاب بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يبطل حكمه وَإِنَّمَا يقصر حكمه على بعض الْأَزْمَان كَمَا أَن الْقيَاس إِذا خصّه لم يكن النَّص بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لم يرفعهُ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا قصره على بعض الْأَشْخَاص
وَمِنْهَا قَوْلهم من شَرط الْقيَاس أَن لَا يردهُ النَّص لِأَن الامة أَجمعت على هَذَا الشَّرْط وَإِذا كَانَ الْعُمُوم بِخِلَاف الْقيَاس فقد رده النَّص الْجَواب يُقَال لَهُم إِن أردتم برد النَّص أَن يكون الْقيَاس دافعا لَهُ أصلا فَكَذَلِك نقُول وَلَيْسَ ذَلِك مَوْجُودا فِي مَسْأَلَتنَا وَإِن أردتم أَن يكون الْقيَاس يُنَافِي بعض مَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم فَلَيْسَ فَسَاد مَا هَذِه سَبيله يجمع بل هُوَ مَوضِع الْخلاف
стр. 701
- ﷺ َ - بَاب فِي قلب الْعلَّة وَالْقَوْل بموجبها ﷺ َ -
أما قلب الْعلَّة فَهُوَ أَن يعلق الْخصم عَلَيْهَا ضد مَا علقه الْمُعَلل من الحكم فَلَا يكون تَعْلِيق أحد الْحكمَيْنِ أولى من الآخر فَيبْطل تعلقهَا بهما وَذَلِكَ على أضْرب أَحدهمَا أَن يكون الحكمان مفصلين وَالْآخر أَن يَكُونَا مجملين وَالْآخر أَن يكون أَحدهمَا مُجملا وَالْآخر مفصلا أما المفصلان فضربان
أَحدهمَا أَن يتناقضا بأنفسهما حَتَّى يَقُول الْمُعَلل فَوَجَبَ أَن يجوز وَيَقُول الاخر فَوَجَبَ أَن لَا يجوز وَالْآخر لَا يتناقضان بأنفسهما بل بِوَاسِطَة مِثَاله أَن يُعلل الْمُعَلل اسْتِحْقَاق من قتل بِغَيْر السَّيْف للْقصَاص بِأَنَّهُ قتل لَا على وَجه الْقصاص فَأشبه مَا إِذا قتل الْقَاتِل بِالسَّيْفِ فَيَقُول الْخصم فَوَجَبَ أَن لَا يقْتَصّ مِنْهُ بِغَيْر السَّيْف كَمَا إِذا قتل الْقَاتِل بِالسَّيْفِ أما الْقسم الأول فَلَا وجود لَهُ لِأَن الْحكمَيْنِ إِذا تناقضا كذب احدهما واستحال اجْتِمَاعهمَا فِي الأَصْل وَمن حق من قلب الْقيَاس أَن يصدق هُوَ والمعلل فِيمَا يحكمان بِهِ فِي الأَصْل واما الثَّانِي فَلهُ وجود وَهُوَ دَلِيل على فَسَاد الْعلَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بَان تدل الْعلَّة على أحد الْحكمَيْنِ وَلَا تدل على الآخر لِأَن الْإِجْمَاع وَاقع على أحد الْحكمَيْنِ إِذا ثَبت انْتَفَى الآخر بِأولى من الْعَكْس واما إِذا كَانَا مجملين فنحو أَن يَقُول أَحدهمَا فَوَجَبَ أَن يكون من شَرط هَذِه الْعِبَادَة معنى مَا وَيَقُول الآخر فَوَجَبَ أَن لَا يكون من شَرطهَا معنى من الْمعَانِي وَهَذَا كالقسم الأول فِي التَّنَاقُض لِأَن الْحكمَيْنِ وَإِن كَانَا مجملين فهما مفصلان فِي إِثْبَات الشَّرْط ونفيه وَأما إِذا كَانَ أَحدهمَا مُجملا وَالْآخر مفصلا فضربان
أَحدهمَا أَن يكون الْمُجْمل هُوَ حكم التَّسْوِيَة نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل فَوَجَبَ أَن يَسْتَوِي كَذَا مَعَ كَذَا وَتَكون الامة مجمعة على أَن أَحدهمَا على الْحَظْر فَيجب مثله فِي الآخر وَالْآخر لَيْسَ هُوَ قِيَاس التَّسْوِيَة ومثاله تَعْلِيل الِاعْتِكَاف
стр. 702
بِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى من الْمعَانِي كالوقوف بِعَرَفَة وَيَقُول الْخصم فَلم يكن من شَرطه الصَّوْم كالوقوف وَهَذَا هُوَ الَّذِي قلبه يفْسد الْعلَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يدل الْعلَّة على أَحدهمَا فَيَنْتَفِي الآخر لمَكَان الْإِجْمَاع بِأولى من الْعَكْس وَهَذَا أولى مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب أفردناه فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ فان اعْترض قلب الْعلَّة نقض أَو غَيره من وُجُوه الْفساد بَطل الْقلب وَصَحَّ قِيَاس الْمُعَلل لِأَنَّهُ قد صَار حكمه أولى بِأَن يعلق على الْعلَّة
فَأَما القَوْل بِمُوجب الْعلَّة فَهُوَ أَن يُمكن الْخصم أَن يَقُول بالحكم الَّذِي علقه القائس فَيعلم أَن الْعلَّة مَا دلّت على مَوضِع الْخلاف مِثَاله تَعْلِيل الِاعْتِكَاف بِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه معنى مَا كالوقوف بِعَرَفَة فَيَقُول الْخصم أَنا أَقُول من شَرط الِاعْتِكَاف اقتران معنى مَا وَهُوَ النِّيَّة ﷺ َ - بَاب فِي تَخْصِيص الْعلَّة ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْعلَّة قد يُوجد مَعْنَاهَا فِي فرع من دون حكمهَا وَقد يُوجد لَفظهَا وَمَعْنَاهَا فِي فرع من دون حكمهَا
فَالْأول هُوَ الْكسر وَذَلِكَ بِأَن ترفع وَصفا من أَوْصَاف الْعلَّة ظنا مِنْك أَنه لَا تَأْثِير لَهُ وَأَن الَّذِي يجوز أَن يُؤثر فِي الحكم هُوَ مَا عداهُ ثمَّ ينْقض مَا عداهُ مِثَاله أَن يُعلل مُعَلل وجوب صَلَاة الْخَوْف بِأَنَّهَا صَلَاة يجب قَضَاؤُهَا كَصَلَاة الْأَمْن فيظن الْمُعْتَرض انه لَا تَأْثِير لكَون الْعِبَادَة صَلَاة فِي هَذَا الحكم وَأَن الَّذِي يظنّ أَنه مُؤثر فِي الْوُجُوب هُوَ وجوب الْقَضَاء ثمَّ ينْقض ذَلِك بِصَوْم الْحَائِض فِي شهر رَمَضَان يجب قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ بِوَاجِب وَيَنْبَغِي للمعلل إِذا أَرَادَ أَن يُجيب عَن ذَلِك أَن يبين أَن لكَون الْعِبَادَة صَلَاة تَأْثِيرا فِي الحكم الْمُعَلل وَأَن الصَّلَاة تخَالف الصّيام فِي هَذَا الْبَاب
стр. 703
وَأما الْقسم الثَّانِي فَهُوَ النَّقْض وَقد اخْتلف النَّاس هَل يجوز تَخْصِيص الْعلَّة المستنبطة وَلَا يمْنَع ذَلِك من كَونهَا أَمارَة على الحكم وَلَا يجوز تخصيصها وَيكون تخصيصها مَانِعا من كَونهَا أَمارَة فَأكْثر أَصْحَاب أبي حنيفَة يجيزون تخصيصها وَهُوَ محكي عَن مَالك وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يمْنَعُونَ وَرُبمَا مر فِي كَلَام الشَّافِعِي جَوَازه وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن الشَّافِعِي يُجِيز ذَلِك وَإِنَّمَا يعدل عَن حكم عِلّة إِلَى حكم عِلّة أُخْرَى والمعلوم من مذْهبه أَنه يشْتَرط نفي الْعلَّة الثَّابِتَة فِي الْعلَّة الاولى حَتَّى لَا ينْتَقض غير أَنه لَا يُصَرح بِاشْتِرَاط ذَلِك لِأَنَّهُ مَعْلُوم من مذْهبه الِاشْتِرَاط
أما الْعلَّة الشَّرْعِيَّة المنصوصة فقد اتّفق على جَوَاز تخصيصها من أجَاز تَخْصِيص الشَّرْعِيَّة المستنبطة وَاخْتلف مانعو تَخْصِيص المستنبطة فِي جَوَاز تَخْصِيص المنصوصة الشَّرْعِيَّة فَأَجَازَهُ بَعضهم وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَمنع مِنْهُ آخَرُونَ وَأقوى مَا يحْتَج بِهِ المانعون من تخيص الْعلَّة المستنبطة هُوَ أَن يُقَال معنى قَوْلنَا إِنَّه لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة هُوَ أَن تخصيصها يمْنَع من كَونهَا أَمارَة وطريقا إِلَى الْوُقُوف على الحكم فِي شَيْء من الْفُرُوع سَوَاء ظن بهَا أَنه وَجه الْمصلحَة أَو لم يظنّ بهَا ذَلِك فاذا بَينا ان تخصيصها يمْنَع من كَونهَا طَرِيقا إِلَى الحكم فقد تمّ مَا اردناه وَبَيَان ذَلِك أَنا إِذا علمنَا أَن عِلّة تَحْرِيم بيع الذَّهَب بِالذَّهَب مُتَفَاضلا هِيَ كَونه مَوْزُونا ثمَّ علمنَا إِبَاحَة بيع الرصاص مُتَفَاضلا مَعَ أَنه مَوْزُون لم يخل إِمَّا أَن نعلم ذَلِك بعلة أُخْرَى تَقْتَضِي إِبَاحَته هِيَ أقوى من عِلّة تَحْرِيم الذَّهَب وَإِمَّا أَن نعلم ذَلِك بِنَصّ فَإِن دلّ على إِبَاحَته عِلّة يُقَاس بهَا الرصاص على أصل مُبَاح نَحْو كَونه أَبيض أَو غير ذَلِك من أَوْصَافه فانا حِينَئِذٍ إِنَّمَا نعلم تَحْرِيم بيع الْحَدِيد مُتَفَاضلا لِأَنَّهُ مَوْزُون غير أَبيض لأَنا لَو شككنا فِي كَونه أَبيض لم نعلم قبح بَيْعه مُتَفَاضلا كَمَا لَا نعلم ذَلِك لَو شككنا فِي كَونه مَوْزُونا فَبَان أَنا لَا نعلم بعد التَّخْصِيص تَحْرِيم شَيْء بِكَوْنِهِ مَوْزُونا فَقَط وَبَطل أَن يكون هَذَا فَقَط عِلّة وَثَبت أَن الْعلَّة كَونه مَوْزُونا مَعَ أَنه غير أَبيض
стр. 704
فان قَالَ أَنا أشترطه غير أَنِّي لَا أُسَمِّيهِ جُزْءا من الْعلَّة وَإِن كَانَ التَّحْرِيم لَا يحصل من دونه قيل قد ناقضت فِي هَذَا الْكَلَام لِأَنَّك قد اشترطته فِي التَّحْرِيم وَلم تفصل بَينه وَبَين غَيره من الْأَوْصَاف ثمَّ نقضت ذَلِك بِقَوْلِك لَا أُسَمِّيهِ جُزْءا من الْعلَّة مَعَ أَنَّك قد وَافَقت فِي الْمَعْنى وخالفت فِي الِاسْم وَإِن دلّ على إِبَاحَة بيع الرصاص نَص وَكُنَّا قد علمنَا إِبَاحَته فَالْقَوْل فِي ذَلِك قد تقدم من أَن نشترط نفي عِلّة الْإِبَاحَة فِي عِلّة الْحَظْر وَإِن لم نعلم عِلّة إِبَاحَته فمعلوم أَن عِلّة ذَلِك مَقْصُورَة على الرصاص لَا يتخطأه لِأَنَّهَا لَو تخطئه لوَجَبَ فِي الْحِكْمَة أَن ينصب الله عَلَيْهَا دلَالَة ليعلم ثُبُوت حكمهَا فِيمَا عدا الرصاص وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم نعلم قبح بيع الْحَدِيد مُتَفَاضلا وَلَا غَيره إِلَّا إِذا علمناه مَوْزُونا لَيْسَ بِرَصَاصٍ لِأَنَّهُ لَو شككنا فِي كَونه رصاصا لم نعلم قبح بَيْعه مُتَفَاضلا وَكَذَا القَوْل فِي الِاسْتِدْلَال بِالْعُمُومِ لأَنا إِنَّمَا نعلم حسن قتل زيد الْمُشرك بقول الله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وَإِن ذَلِك تنَاوله اللَّفْظ مَعَ أَنه لَا دَلِيل يخصصه وَهَذَا لَا يُمكن تَخْصِيصه وَالَّذِي يبين مَا قُلْنَاهُ من اشْتِرَاط نفي الْمُخَصّص أَن الْإِنْسَان لَو اسْتدلَّ على طَرِيقه فِي بَريَّة بأميال مَنْصُوبَة ثمَّ رأى ميلًا لَا يدل على طَرِيقه وَعلم أَنه لَا يدل على طَرِيقه لِأَنَّهُ أسود فانه لَا يسْتَدلّ فِيمَا بعد على طَرِيقه بِوُجُود ميل دون أَن يعلم أَنه غير أسود لِأَنَّهُ لَو شكّ فِي سوَاده لم يسْتَدلّ بِهِ على طَرِيقه فقد صَحَّ مَا اردناه وَالْعلَّة المنصوصة فِي ذَلِك كالمستنبطة
وَقد احْتج فِي الْمَسْأَلَة بأَشْيَاء أخر
مِنْهَا أَنه لَا طَرِيق إِلَى صِحَة الْعلَّة الشَّرْعِيَّة المستنبطة إِلَّا جريانها فِي معلولاتها فاذا لم تجر فِيهَا لم يكن إِلَى صِحَّتهَا طَرِيق وَلَو كَانَت صَحِيحَة لوَجَبَ فِي الْحِكْمَة نصب طَرِيق إِلَيْهَا وَهَذَا بَاطِل لما بَيناهُ من أَن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها لَيْسَ بطرِيق إِلَى صِحَّتهَا فضلا أَن يُقَال إِنَّه لَيْسَ إِلَيْهَا طَرِيق سواهُ
стр. 705
فَلم يجب بطلَان الْعلَّة إِذا لم تجر فِي معلولها
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة قد دلّ الدَّلِيل على تعلق الحكم بهَا فَلم يجز تخصيصها كالعلة الْعَقْلِيَّة وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم زعمتم أَن الْعَقْلِيَّة إِنَّمَا لم يجز تخصيصها لِأَن الدّلَالَة دلّت على تعلق الحكم بهَا وَمَا أنكرتم أَن الَّذِي لَهُ لم يجز تخصيصها هُوَ كَونهَا مُوجبَة وَالْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة فالأمارات قد يتبعهَا حكمهَا وَقد لَا يتبعهَا فان قَالُوا ألستم تجوزون كَون بعض الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَجه الْمصلحَة ووجوه الْمصَالح مُوجبَات ايضا فَلم يجز إِذا تخصيصها قيل إِن ثَبت ذَلِك فِي بعض الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فَأَنا نظن كَونهَا وَجه مصلحَة فَهِيَ من هَذِه الْجِهَة أَمارَة أَيْضا والأمارات المظنونة لَا يجب أَن لَا تخطيء أبدا فان قَالُوا الْعلَّة الْمَانِعَة من تَخْصِيص الْعَقْلِيَّة هُوَ وجوب تبع حكمهَا لَهَا اينما حصلت مَا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع فَلذَلِك لم يجز ان يمْنَع مَانع من حكمهَا وَكَانَ وجوب تبع الحكم لَهَا من غير مَانع هُوَ الَّذِي لأَجله لم يجز أَن يمْنَع مَانع من حكمهَا قيل لم زعمتم أَن الْعلَّة مَا ذكرْتُمْ وَلم إِذا وَجب تبع الحكم لَهَا مَا لم يمْنَع مَانع لم يجز أَن يمْنَع مَانع من تَعْلِيق الحكم بهَا فِي بعض الْمَوَاضِع ثمَّ يبطل ذَلِك عَلَيْهِم بِالْعِلَّةِ المنصوصة على قَول من أجَاز تخصيصها وَيبْطل بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ يجب شُمُوله مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وَلَا يَسْتَحِيل أَن يمْنَع مَانع من شُمُوله
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة مَعَ الشَّرْع كالعقلية مَعَ الْعقل فَكَمَا لم يجز تَخْصِيص هَذِه الْعلَّة لم يجز تَخْصِيص تِلْكَ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن عنيتم أَنَّهَا مَعَ الشَّرْع كالعقلية مَعَ الْعقل من حَيْثُ دلّ الدَّلِيل على تعلق الحكم بهَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمُتَقَدّم وَإِن عنيتم أَنَّهَا مَعَ الشَّرْع كالعقلية مَعَ الْعقل فِي الْمَنْع من تخصيصها فقد جمعتم بَينهمَا بِغَيْر عِلّة
وَمِنْهَا أَن الأمارة الدَّالَّة على الْعلَّة هِيَ طريقها وَالطَّرِيق إِلَى الاعتقادات والظنون لَا يخْتَلف فِي الشَّخْص الْوَاحِد بل إِذا كَانَ طَرِيقا إِلَى الظَّن شَيْء أَو اعْتِقَاده وَوجد فِي شَيْء آخر كَانَ طَرِيقا إِلَى اعْتِقَاده أَو ظَنّه فَيجب أَن يكون
следующие страницы →