Полный текст (878 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فان قَالُوا بِهَذَا الثَّانِي وَرُبمَا فسروا كَلَامهم بِهِ قيل لَهُم فقد أقررتم أَن قَوْلنَا افْعَل مَوْضُوع لشَيْء غير الْإِرَادَة فبينوا انه غير الْوَاجِب حَتَّى يتم دليلكم وَإِن أردتم الأول لم نسلمه لكم فان استدللتم عَلَيْهِ بِمَا ذكرتموه قيل لكم لَا نسلم أَنه لَا فرق بَين قَول الْقَائِل لغيره افْعَل وَبَين قَوْله أُرِيد مِنْك أَن تفعل بل بَينهمَا فرق وَهُوَ أَن قَوْله افْعَل يُفِيد أَن يفعل لَا محَالة ويفيد الْإِرَادَة من حَيْثُ كَانَ الْمُتَكَلّم بِهَذَا الْكَلَام باعثا على الْفِعْل وَلَا يجوز أَن يبْعَث إِلَّا على فعل مَا لَهُ فِيهِ غَرَض وَلَو عزلنا هَذَا عَن أَنْفُسنَا لم نعلم أَنه مُرِيد للْفِعْل وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْله أُرِيد مِنْك أَن تفعل لِأَن ذَلِك صَرِيح فِي الْإِخْبَار عَن كَونه مرِيدا وَلَيْسَ بِصَرِيح فِي استدعاء الْفِعْل فضلا عَن أَن يكون مستدعيا لَا محَالة وَأما قَوْلهم إِنَّه لافرق بَين السُّؤَال وَبَين الْأَمر إِلَّا بالرتبة فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه لَا فرق بَين الْأَمر وَالسُّؤَال فِي اقتضائهما للْفِعْل لَا محَالة أَلا ترى أَن الْوَاحِد منا إِذا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي أَو قَالَ للامير اخلع عَليّ فَإِنَّهُ يجد من نَفسه أَن يطْلب وُقُوع ذَلِك لَا محَالة وَأَن لَا يَقع الْإِخْلَال بِهِ وَإِن أورد ذَلِك على طَرِيق التضرع وَعلم أَن إِيصَال الخلعة إِلَيْهِ تفضل لَا يسْتَحق بالاخلال بِهِ الذَّم فَكَأَنَّهُ يَقُول أَنا أعلم أَن ذَلِك تفضل وَلَكِنِّي أطلب أَن يفعل بِي لَا محَالة أَلا ترى أَن السَّائِل قد يُصَرح بذلك فَيَقُول اخلع عَليّ أَيهَا الْأَمِير وَلَا تخل بالتفضل عَليّ بالخلعة
فان قيل فاذا كَانَ قَول السَّائِل للمسؤول افْعَل هُوَ طلب للْفِعْل لَا محَالة وَكَانَ السَّائِل بذلك طَالبا للْفِعْل لَا محَالة فقد أَرَادَ الْفِعْل لَا محَالة وَإِلَّا لم يكن مُسْتَعْملا للفظة فِيمَا وضعت لَهُ وَقَوْلنَا أَرَادَ الْفِعْل لَا محَالة يُفِيد أَنه أَرَادَهُ وَكره ضِدّه وَتَركه وَفِي ذَلِك كَونه كَارِهًا لِلْحسنِ لِأَنَّهُ قد يكون ضد مَا سَأَلَهُ حسنا وَكَرَاهَة الْحسن قبيحة قيل قد بَينا أَن الْإِنْسَان إِذا سَأَلَ غَيره شَيْئا فقد طلب أَن يَفْعَله لَا محَالة وَيجْرِي مجْرى أَن يَقُول أَعْطِنِي مَالا وَلَا تخل بذلك وَقد يُصَرح السَّائِل بذلك وَلَا شُبْهَة فِي أَن ذَلِك طلب للْفِعْل لَا محَالة والسائل بِهَذَا الْكَلَام طَالب للْفِعْل لَا محَالة أفتقولون إِن من قَالَ ذَلِك يكره ضد
стр. 72
مَا سَأَلَ فان قَالُوا لَا مَعَ أَنه طَالب أَن يفعل المسؤول الْفِعْل لَا محَالة قُلْنَا مثله فِي السُّؤَال إِذا تجرد عَن نهي وَإِن قَالُوا هُوَ كَارِه لضد مَا سَأَلَهُ وَكَرَاهَة الْحسن قبيحة كَانُوا قد التزموا مَا عابوه وَإِن قَالُوا لَا يمْتَنع حسن كَرَاهَة الْحسن قُلْنَا مثله فِي السُّؤَال وَيُقَال لَهُم كَرَاهَة الْحسن قبيحة إِذا كَانَت كَرَاهَة لَهُ لِأَنَّهُ حسن فَأَما إِذا كَانَت كَرَاهَة لَهُ لِأَن فِيهِ مضرَّة أَو فَوت مَنْفَعَة فَلَا أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يَقُول خرج زيد من عِنْدِي آخر النَّهَار وَإِنِّي لكاره لذَلِك لما لي فِي كَونه عِنْدِي من الْأنس وَلَا يلومه أحد على ذَلِك وَلَو قَالَ أردْت أَن يقتل زيد عمرا لأنني أحسده واستضر بجسدي إِيَّاه لامه الْعُقَلَاء فَلَيْسَ يلْزم حسن إِرَادَة الْقَبِيح على حسن كَرَاهَة الْحسن لَا لحسنه وَمَا نذكرهُ فِي الْكتاب من إِطْلَاق قبح كَرَاهَة الْحسن إِنَّمَا جرينا فِيهِ على طَريقَة أَصْحَابنَا
فان قَالُوا لَو كَانَ السَّائِل قد طلب الْفِعْل لَا محَالة لَكَانَ قد أوجب على المسؤول فعل مَا لَيْسَ بِلَازِم قيل الملزم غَيره الْفِعْل والموجب عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يلْحقهُ الذَّم واللوم بالإخلال بِهِ إِمَّا بِحَق وَإِمَّا بِغَيْر حق وَذَلِكَ مُرْتَفع عَن السَّائِل فَلم يكن مُوجبا وَلَا ملزما للْفِعْل
فان قَالُوا فَإِذا كَانَ السُّؤَال يَقْتَضِي الْفِعْل لَا محَالة وَلَا يُوجِبهُ فَمَا أنكرتم أَن يكون الْأَمر يَقْتَضِي الْفِعْل لَا محَالة وَلَا يُوجِبهُ قيل إِنَّا نقُول إِن لَفْظَة افْعَل تَقْتَضِي استدعاء الْفِعْل لَا محَالة وَقد يَسْتَدْعِي بهَا الْإِنْسَان الْقَبِيح والمباح لمنافعه وَإِنَّمَا نعلم أَنَّهَا استدعاء وَطلب لما لَيْسَ بقبيح وَلَا مُبَاح إِذا صدرت من حَكِيم وَلَا تجوز عَلَيْهِ الْمَنَافِع والمضار أَو ناقل عَمَّن لَا يجوز عَلَيْهِ الْمَنَافِع والمضار وَذَلِكَ يمْنَع أَيْضا أَن يكون استدعاء أَن يفعل الْمَأْمُور الْفِعْل لَا محَالة وَلَيْسَ هُوَ بِوَاجِب فعله لِأَنَّهُ لَا يحسن أَن يُقَال للمكلف افْعَل هَذَا الْفِعْل لَا محَالة وَهُوَ بِصفة النّدب إِلَّا وَبَين لَهُ أَنه بِصفة النّدب الَّذِي يجوز لَهُ الْإِخْلَال بِهِ لِأَن الله إِنَّمَا يَأْمُرنَا بمصالحنا ويستحيل عَلَيْهِ الْمَنَافِع والمضار وَلَا
стр. 73
يجوز أَن يَقُول الْحَكِيم لغيره افْعَل هَذَا الْفِعْل لَا محَالة وَهُوَ يعلم أَنه ينْتَفع بِهِ وَلَا يستضر بِتَرْكِهِ بل لَا بُد أَن يبين لَهُ جَوَاز تَركه فاذا لم يُبينهُ ثَبت الْوُجُوب لِأَن تَقْدِير الْأَمر بالنوافل الأولى أَن تفعل وَلَك أَن لَا تفعل وَهَذِه زِيَادَة فافتقر إِثْبَاتهَا إِلَى دَلِيل فَمَتَى فقد الدَّلِيل فَلَا بُد من الْوُجُوب
وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم إِن النَّهْي لَا يَقْتَضِي إِلَّا كَرَاهَة الناهي للمنهي عَنهُ فَهُوَ أَنا لَا نسلم ذَلِك فِي النَّهْي بل قَول الْقَائِل لَا تفعل هُوَ طلب للإخلال بِالْفِعْلِ لَا محَالة كَمَا أَن قَوْله افْعَل هُوَ طلب للْفِعْل لَا محَالة وَإِنَّمَا تعقل الْكَرَاهَة على طَرِيق التبع من حَيْثُ لم يجز أَن يمْنَع الْمُتَكَلّم إِلَّا مِمَّا هُوَ كَارِه لَهُ وَأَيْضًا إِن قَوْلنَا لَا تفعل كالنفي لقولنا افْعَل فان اقْتضى النَّهْي الْكَرَاهَة فَيجب أَن يَقْتَضِي الْأَمر نفي الْكَرَاهَة فَقَط
وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم إِن لَفْظَة افْعَل تدخل فِي أَن يكون أمرا بالإرادة لَا غير والإرادة لَا تَقْتَضِي الْوُجُوب فَهُوَ أَن هَذَا إِنَّمَا يدل على أَن مَا بِهِ يكون الْأَمر أمرا وَهُوَ الْإِرَادَة لَا يُفِيد الْوُجُوب وَلَا يدل على أَن الصِّيغَة مَا وضعت للْوُجُوب وَأحد الْأَمريْنِ مباين للْآخر أَلا ترى أَنه لَا يمْتَنع أَن يَقُول أهل اللُّغَة قد وَضعنَا قَوْلنَا افْعَل للْوُجُوب وسمينا قَوْلنَا افْعَل أمرا إِذا أَرَادَ الْمُتَكَلّم بهَا الْفِعْل سَوَاء اسْتعْملت فِي الْوُجُوب أَو فِي النّدب أَلا ترى أَن الْمُخَالف يَقُول قد وضعت لَفْظَة افْعَل للإرادة وَوضعت بِأَنَّهَا صِيغَة افْعَل سَوَاء اسْتعْملت فِي الْإِرَادَة أَو فِي الْكَرَاهَة
وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم إِن لَفْظَة افْعَل تفِيد الْإِرَادَة وَمَا زَاد عَلَيْهَا لَا دَلِيل على إفادتها لَهُ فَهُوَ أَنهم إِن أَرَادوا أَنَّهَا مَوْضُوعَة للإرادة فَغير مُسلم وَقد أفسدناه من قبل وَإِن أَرَادوا أَنَّهَا مَوْضُوعَة لغير الْإِرَادَة والإرادة مفهومة مِنْهَا على طَرِيق التبع قيل لَهُم فقد بَطل قَوْلكُم لَا دَلِيل يدل على اقتضائها على مَا زَاد على الْإِرَادَة
وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم إِنَّه يَنْبَغِي أَن يثبت من أَحْوَال الْآمِر مَا يُطَابق
стр. 74
قَوْله افْعَل فَهُوَ أَن ذَلِك صَوَاب غير أَن قَوْله افْعَل يَقْتَضِي ظَاهره أَن يفعل لَا محَالة وَالَّذِي يُطَابق ذَلِك هُوَ الْإِرَادَة وَالْكَرَاهَة لضد الْفِعْل فَعَلَيْهِم إِفْسَاد ذَلِك حَتَّى يتم دليلهم
وَرُبمَا استدلوا على أَن الْأَمر لَيْسَ على الْوُجُوب بِأَن السُّلْطَان قد يَأْمر بالْحسنِ وبالقبيح ويوصفان بِأَنَّهُمَا مَأْمُور بهما على الْحَقِيقَة ويوصف السُّلْطَان بِأَنَّهُ أَمر على الْحَقِيقَة فَلَو كَانَ الْأَمر يُفِيد الْوُجُوب لما وصف هذَيْن بِأَنَّهُمَا مَأْمُور بهما وَالْجَوَاب أَن هَذَا إِنَّمَا يدل على أَن لَفْظَة افْعَل مَتى صدرت من مُرِيد للْفِعْل كَانَت أمرا على الْحَقِيقَة وَلَا تدل على أَن صيغها الَّتِي هِيَ قَول الْقَائِل افْعَل مَا وضعت للْوُجُوب وَقد بَينا فرق مَا بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَرُبمَا قَالُوا لَو اقْتَضَت الْوُجُوب لكَانَتْ إِذا تناولت الْقَبِيح جعلته وَاجِبا وَهَذَا إِنَّمَا يفْسد بِكَوْنِهَا جاعلة للْفِعْل وَاجِبا ولسنا نقُول ذَلِك بل نقُول إِنَّهَا مَوْضُوعَة لاقْتِضَاء الْفِعْل لَا محَالة والمتكلم بهما قد طلب الْفِعْل لَا محَالة فاذا كَانَ حكيما يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْمَنَافِع والمضار علمنَا أَن الْفِعْل مِمَّا يجب أَن يفعل لَا محَالة وَلَا يلْزم إِذا اسْتعْملت فِي غير الْإِيجَاب أَن لَا تكون مَوْضُوعَة لَهُ لِأَنَّهَا مستعملة فِي غير الْإِرَادَة وَلَا يمْنَع ذَلِك عِنْدهم من وَضعهَا لَهَا وَصِيغَة الْعُمُوم قد تسْتَعْمل فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق وَلَا تدل على أَنَّهَا مَا وضعت للاستغراق ﷺ َ - بَاب فِي صِيغَة الْأَمر الْوَارِدَة بعد حظر ﷺ َ -
اعْلَم أَنَّهَا إِذا وَردت بعد حظر عَقْلِي أَو شَرْعِي أفادت مَا تفيده لَو لم يتقدمها حظر من وجوب أَو ندب وَقَالَ جلّ الْفُقَهَاء إِنَّهَا تفِيد بعد الْحَظْر الشَّرْعِيّ الْإِبَاحَة وَالْإِطْلَاق
وَدَلِيلنَا أَن صِيغَة الْأَمر إِنَّمَا وَجب أَن تحمل على الْوُجُوب لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لَهُ وَقد صدرت من حَكِيم وتجردت عَن دلَالَة تدل على أَنَّهَا مستعملة فِي غَيره
стр. 75
وَهَذِه الْأُمُور قَائِمَة بعد الْحَظْر فدلت على الْوُجُوب
وَيُمكن الْمُخَالف أَن يَقُول إِنَّهَا بعد النَّهْي مَوْضُوعَة للْإِبَاحَة فِي أصل اللُّغَة أَو فِي الْعرف وَأَن يَقُول إِنَّهَا مَوْضُوعَة للْإِيجَاب فِي الْأَحْوَال كلهَا غير أَن تقدم النَّهْي من الْآمِر دلَالَة على أَنه استعملها فِي الْإِبَاحَة وَالْأول بَاطِل لِأَن الْمَعْقُول من لَفْظَة افْعَل الْبَعْث على الْفِعْل واستدعاؤه دون التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَتَركه وَالْإِبَاحَة هِيَ تَخْيِير بَين الْفِعْل وَتَركه فَلم تكن مستفادة من صِيغَة الْأَمر وَلِأَن هَذَا القَوْل لَا يشْهد لَهُ أهل اللُّغَة فَهُوَ جَار مجْرى أَن يُقَال إِن الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب فِي مَكَان دون مَكَان ولأنا لَو عزلنا عَن أوهامنا أَن الشَّيْء الْمَأْمُور بِهِ مِمَّا تجب إِبَاحَته لَوْلَا النَّهْي لما سبق إِلَى أفهامنا من الْأَمر الْإِبَاحَة وَلِهَذَا إِذا قَالَ الْأَب لِابْنِهِ اخْرُج من الْحَبْس إِلَى الْمكتب لَا يسْبق إِلَى الأفهام إِبَاحَة الْخُرُوج
فان قَالُوا لَو لم يفد الْإِبَاحَة لم يكن لَهَا لفظ بعد الْحَظْر قيل بلَى لَهَا أَلْفَاظ وَهُوَ قَوْله أبحت وأطلقت وَافْعل إِن شِئْت وَأَنت مُخَيّر بَين الْفِعْل وَتَركه فَأَما إِن قيل إِن تقدم الْحَظْر دلَالَة على أَن الْمُتَكَلّم اسْتعْمل صِيغَة الْأَمر فِي الْإِبَاحَة كَمَا أَن الْعَجز دلَالَة على أَن الْمُتَكَلّم لم يعن بِالْأَمر الْعَجز فَالَّذِي يُبطلهُ هُوَ أَن ذَلِك إِنَّمَا يكون دلَالَة على مَا ذَكرُوهُ لَو لم يجز انْتِقَال الْمَحْظُور من كَونه مَحْظُور إِلَى كَونه وَاجِبا فَأَما وَذَلِكَ جَائِز فَلَا دلَالَة فِيهِ على الْعُدُول عَن ظَاهر الْأَمر وَلِهَذَا كَانَ الْأَمر الْوَارِد بعد حظر عَقْلِي يُفِيد الْوُجُوب
فان قيل الظَّاهِر من الشَّيْء الْمَحْظُور بِالنَّهْي أَن لَا ينْتَقل إِلَى الْوُجُوب قيل لَا نسلم ذَلِك وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ معنى قَوْلكُم أَن الظَّاهِر مَا ذكرْتُمْ أَنه الْأَكْثَر والأغلب وَذَلِكَ يَقْتَضِي غَالب الظَّن فان الْمَحْظُور بِالنَّهْي لَا ينْتَقل إِلَى الْوُجُوب والأمارة الدَّالَّة على الظَّن لَا تنْتَقل عَن مُوجب الدّلَالَة الدَّالَّة على الْعلم وَالْأَمر الصَّادِر عَن الله سُبْحَانَهُ دلَالَة على الْعلم وَلَيْسَ وجداننا أوَامِر وَارِدَة بعد الْحَظْر وَهِي مستعملة فِي الْإِبَاحَة مِمَّا يَقْتَضِي أَن ذَلِك هُوَ ظَاهرهَا كَمَا أَن
стр. 76
وجداننا أَلْفَاظ عُمُوم لم يرد بهَا الإستغراق لَا تدل على أَنَّهَا مَا وضعت لذَلِك وَقد قَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن الْأمة إِنَّمَا حملت قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ على الْإِبَاحَة لِأَنَّهَا علمت من قصد النَّبِي ﷺ ضَرُورَة أَن هَذِه الْأَشْيَاء مُبَاحَة لَوْلَا مَا عرض فِيهَا من إِحْرَام أَو تشاغل بِالصَّلَاةِ وَمَا أشبه ذَلِك وَقد يعلم الْإِنْسَان أَن زيدا لَا يُوجب على عَبده الْخُرُوج من الْحَبْس بل يبيحه لَهُ إِلَّا عِنْدَمَا يُرِيد حَبسه فِيهِ فَلهَذَا نعلم أَنه إِذا قَالَ لَهُ اخْرُج من الْحَبْس أَنه قد أَبَاحَهُ الْخُرُوج وَرُبمَا كَانَ مُوجبا بذلك عَلَيْهِ الْخُرُوج وَهُوَ الْأَكْثَر فِي العبيد لما يعرض من كَونهم فِي الْحَبْس من مضرَّة الْمولى بانقطاعهم عَن خدمته ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر بالأشياء على طَرِيق التَّخْيِير هَل يُفِيد وجوب جَمِيعهَا على الْبَدَل أم يُفِيد وجوب وَاحِد مِنْهَا لَا بِعَيْنِه ﷺ َ -
اعْلَم أَنه يَنْبَغِي أَن نبين معنى قَوْلنَا إِن الْأَشْيَاء وَاجِبَة على الْبَدَل وَمعنى إِيجَاب الله سُبْحَانَهُ إِيَّاهَا على الْبَدَل ونبين الشَّرْط فِي إِيجَابهَا على الْبَدَل ونبين جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بهَا على الْبَدَل ونبين الطَّرِيق إِلَى ثُبُوت التَّعَبُّد بالأشياء على الْبَدَل وَأَن الله سُبْحَانَهُ قد تعبدنا بالأشياء على الْبَدَل ونبين كَيْفيَّة التَّعَبُّد بهَا
فَأَما معنى قَوْلنَا إِن الْأَشْيَاء وَاجِبَة على الْبَدَل فَهُوَ أَنه لَا يجوز للمكلف الْإِخْلَال بجميعها وَلَا يلْزمه الْجمع بَينهَا وَيكون فعل كل وَاحِد مِنْهَا موكولا إِلَى اخْتِيَاره لتساويها فِي وَجه الْوُجُوب وَمعنى إِيجَاب الله سُبْحَانَهُ لَهَا هُوَ أَنه كره ترك جَمِيعهَا وَأَرَادَ كل وَاحِد مِنْهَا وَلم يكره ترك كل وَاحِد مِنْهَا إِذا فعل الْمُكَلف الآخر وفوض إِلَى الْمُكَلف فعل أَيهَا شَاءَ وعرفه جَمِيع ذَلِك وَقد
стр. 77
يجوز أَن يُرِيد جَمِيعهَا على الْبَدَل وعَلى الْجمع وَيُفَارق ذَلِك الْوَاجِبَات الْمرتبَة نَحْو التَّيَمُّم مَعَ تعذر الْوضُوء لِأَن فعل التَّيَمُّم وَالْوُضُوء لَيْسَ بموكول إِلَى اخْتِيَار الْمُكَلف وَقد دخل فِي ذَلِك تَخْيِير اللابس للخفين بَين أَن يمسح عَلَيْهِمَا أَن يغسل رجلَيْهِ وَإِن تعين عَلَيْهِ غسلهمَا عِنْد ظهورهما لِأَن تبقية الْخُف ونزعه موكول إِلَى اخْتِيَاره
فَأَما شُرُوط إِيجَاب الْأَشْيَاء على التَّخْيِير فضربان أَحدهمَا أَن يتَمَكَّن الْمُكَلف من الْفِعْلَيْنِ بِأَن يقدر عَلَيْهِمَا ويتميزان لَهُ وَالْآخر أَن يتساوى الفعلان فِي الصّفة الَّتِي تنَاولهَا التَّعَبُّد نَحْو أَن يَكُونَا واجبين أَو ندبين لِأَنَّهُ لَو خير الله سُبْحَانَهُ بَين قَبِيح ومباح لَكَانَ قد فسح فِي فعل الْقَبِيح تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَلَو خير بَين ندب ومباح لَكَانَ قد جعل للمكلف أَن يَفْعَله وَأَن لَا يَفْعَله من غير أَن يتَرَجَّح فعله على تَركه وَذَلِكَ يدْخلهُ فِي كَونه مُبَاحا وَلَو خير بَين وَاجِب وَندب لَكَانَ قد فسح فِي ترك الْوَاجِب لِأَنَّهُ قد اباحه تَركه إِلَى غَيره
وَقد قيل إِن الله سُبْحَانَهُ لما خير بَين تَقْدِيم الزَّكَاة وتأخيرها لم يُخَيّر بَين وَاجِب وَنفل وَإِنَّمَا خير الْإِنْسَان بَين أَن يَجْعَل نَفسه عِنْد حؤول الْحول على الصّفة الَّتِي تلْزم مَعهَا الزَّكَاة بِأَن لَا يقدم الزَّكَاة وَبَين أَن يخرج نَفسه عَن هَذِه الصّفة بِأَن يقدمهَا وَعِنْدنَا أَنه إِنَّمَا خير بَين التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسد مسد صَاحبه فِي الْمصلحَة وَلَا يجوز أَن يُخَيّر الْإِنْسَان بَين أَن يفعل الْفِعْل وَلَا يَفْعَله إِلَّا إِذا كَانَ مُبَاحا لهَذَا قَالَ شُيُوخنَا إِن الْإِنْسَان إِنَّمَا خير بَين الصَّوْم فِي السّفر وَبَين الْعَزْم عَلَيْهِ فِي الْحَضَر وَعند قوم أَنه خير بَين الصَّوْم فِي السّفر وَبَين الصَّوْم فِي الْحَضَر فَلم يحصل التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَتَركه
فَأَما الدّلَالَة على جَوَاز التَّعَبُّد بالأشياء على التَّخْيِير فَهِيَ أَنه لَا يمْتَنع فِي الْعقل أَن يصلح زيد عِنْد كل وَاحِد من فعلين كَمَا لَا يمْتَنع ان يصلح عِنْد فعل وَاحِد معِين وكما جَازَ أَن يكون الْفِعْل صلاحا لشخص وَاحِد جَازَ أَن يكون الفعلان صلاحا فِي وَاجِب وَاحِد أَلا ترى أَن الْإِنْسَان قد يظنّ أَن وَلَده لَا يمْضِي إِلَى
стр. 78
الْمكتب إِلَّا إِذا أَمر يَده على رَأسه وَقد يظنّ أَن يمْضِي عِنْد ذَلِك وعندما يهب لَهُ درهما وَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك فِي الْأَفْعَال لم يحسن أَن لَا يُكَلف وَلَا وَاحِدًا مِنْهَا لِأَن فِيهِ تَفْوِيت مصلحتنا وَلَا ان يُوجب مجموعهما لِأَن الْمصلحَة تحصل من دون مجموعهما فَلَا وَجه لوجوبهما على الْجمع وَلَا أَن يُوجب أَحدهمَا بِعَيْنِه لِأَنَّهُ يكون الْمُكَلف قد فصل بَينهمَا فِي الْوُجُوب مَعَ اشتراكهما فِي وَجه الْوُجُوب
وَأما الْكَلَام فِي طَرِيق وُرُود التَّعَبُّد بالأشياء على الْبَدَل فضربان أَحدهمَا عَقْلِي وَالْآخر سَمْعِي أما الْعقلِيّ فَيجوز أَن يعلم بِالْعقلِ تَسَاوِي شَيْئَيْنِ أَو أَكثر فِي وَجه الْوُجُوب كرد الْوَدِيعَة بِكُل وَاحِدَة من الْيَدَيْنِ وَأما الشَّرْعِيّ فضربان أَحدهمَا مَشْرُوط بطريقة عقلية وَالْآخر غير مَشْرُوط بطريقة عقلية أما ألأول فنحو أَن يَأْمُرنَا الله سُبْحَانَهُ بأَشْيَاء فِي وَقت وَاحِد ويستحيل الْجمع بَينهمَا فنعلم أَنَّهَا على التَّخْيِير وَأما الثَّانِي فضربان أَحدهمَا أَن يرد السّمع بتساوي أَشْيَاء فِي وَجه الْوُجُوب وَالْآخر أَن يرد بايجاب أَشْيَاء على طَرِيق التَّخْيِير وَذَلِكَ نَحْو الْكَفَّارَات الثَّلَاث
وَقد ذهب الْفُقَهَاء إِلَى أَن الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِد لَا بِعَيْنِه وَقَالَ بَعضهم إِن الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِدَة وَأَنَّهَا تتَعَيَّن بِالْفِعْلِ وَذهب شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِلَى إِن الْكل وَاجِبَة على التَّخْيِير وَمعنى ذَلِك أَنه لَا يجوز الْإِخْلَال بأجمعها وَلَا يجب الْجمع بَين اثْنَيْنِ مِنْهُمَا لتساويهما فِي وَجه الْوُجُوب وَمعنى إِيجَاب الله إِيَّاهَا هُوَ أَنه أَرَادَ كل وَاحِدَة مِنْهَا وَكره ترك أجمعها وَلم يكره ترك وَاحِدَة مِنْهَا إِلَى الْأُخْرَى وعرفنا ذَلِك فان كَانَ الْفُقَهَاء هَذَا أَرَادوا وَهُوَ الْأَشْبَه بكلامهم فَالْمَسْأَلَة وفَاق وكل سُؤال يتَوَجَّه علينا فَهُوَ يتَوَجَّه عَلَيْهِم يلْزمنَا وإياهم الِانْفِصَال عَنهُ وَإِن قَالُوا بل الْوَاجِب وَاحِد معِين عِنْد الله غير معِين عندنَا إِلَّا أَن الله سُبْحَانَهُ قد علم أَن الْمُكَلف لَا يخْتَار إِلَّا مَا هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ فَالْخِلَاف بَيْننَا وَبينهمْ فِي الْمَعْنى
وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾
стр. 79
الْآيَة وَقَوله ﴿فكفارته إطْعَام﴾ إِيجَاب للإطعام وَقَوله ﴿أَو كسوتهم﴾ عطف على الاطعام تَقْدِيره أَو كَفَّارَته كسوتهم فشرك بَينهمَا فِي الْإِيجَاب لَا على الْجمع فَكَانَا واجبين على التَّخْيِير فصح أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يقوم مقَام الآخر فِي الْوُجُوب فان قيل قَوْله ﴿فكفارته إطْعَام﴾ يجوز أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يحصل من الْكَفَّارَة فَكَأَنَّهُ قَالَ فَمَا يُوجد من الْكَفَّارَة هُوَ إطْعَام أَو كسْوَة من حانث آخر أَو عتق قيل هَذَا الْكَلَام من الله هُوَ إِيجَاب لرجوع الْأمة إِلَى الْآيَة فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة وايضا لَو كَانَ كَمَا ذكرْتُمْ لما كَانَ الْخطاب رَاجعا إِلَى كل من حلف وَإِنَّمَا كَانَ يرجع أَوله إِلَى بعض من حلف وثانيه إِلَى بعض آخر وثالثه إِلَى بعض ثَالِث لِأَنَّهُ لَيْسَ كل من حلف فقد كفر وَلَا كل من كفر فقد كفر بِالْإِطْعَامِ فان قيل إِنَّمَا قَالَ ﴿فكفارته إطْعَام﴾ ثمَّ قَالَ ﴿أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ لِأَن بعض الْمُكَلّفين يلْزمه الْإِطْعَام وَبَعْضهمْ يلْزمه الْكسْوَة وَبَعْضهمْ يلْزمه الْعتْق فَكَأَنَّهُ قَالَ فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين لبَعْضهِم أَو الْكسْوَة لبَعض آخر قيل إِن قَوْله ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ خطاب للكافة وَالْمرَاد بِهِ كل وَاحِد مِنْهُم لِاتِّفَاق الْمُسلمين على أَن كل حانث قد قيل لَهُ كفر بِالْإِطْعَامِ أَو الْكسْوَة أَو بِالْعِتْقِ وَلم يقل أحد إِن الله سُبْحَانَهُ قَالَ لوَاحِد كفر بِالْإِطْعَامِ وَقَالَ لآخر كفر بالكسوة يبين ذَلِك أَن حمل الْآيَة على ذَلِك يحوج إِلَى إِضْمَار حَتَّى يكون تَقْدِيره فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين لبعضكم أَو كسوتهم لبعضكم وَلَيْسَ يجوز إِضْمَار لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلَو كَانَ قَوْله فكفارته خطابا للكافة لَا لكل وَاحِد مِنْهُم لقَالَ فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين وكسوتهم وتحرير رَقَبَة لِأَن الثَّلَاثَة وَاجِبَة على الْجمع عَلَيْهِم أَلا ترى أَنه يجب على
стр. 80
بَعضهم الْكسْوَة فَقَط فِي حَال مَا يجب الْإِطْعَام فَقَط على آخَرين فِي حَال مَا يجب الْعتْق فَقَط على أخرين
دَلِيل آخر لَو كَانَت الْوَاحِدَة من الْكَفَّارَات وَاجِبَة بِعَينهَا على الْمُكَلف لعينها الله لَهُ وَإِلَّا كَانَ قد كلفه مَا لَا طَرِيق لَهُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يجوز وَلَيْسَ فِي شَيْء من الْأَدِلَّة تعْيين لكفارة من الْكَفَّارَات
دَلِيل آخر قد خير الله سُبْحَانَهُ والمسلمون كل مُكَلّف بَين الْكَفَّارَات الثَّلَاث فَلَو وَجب وَاحِدَة مِنْهَا على الْمُكَلف لَا غير لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ قد خَيره بَين الْوَاجِب وَبَين مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَفِي ذَلِك إِبَاحَة الْإِخْلَال بِالْوَاجِبِ إِن قيل إِنَّمَا خير الله بَين الْكَفَّارَات وَإِن كَانَ الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قد علم أَن الْمُكَلف لَا يخْتَار إِلَّا الْوَاجِب قيل لَهُ لَيْسَ يَخْلُو اخْتِيَاره للواحدة مِنْهَا إِمَّا أَن يكون لَهُ تَأْثِير فِي كَونهَا مصلحَة وَاقعَة على وَجه الْوُجُوب أَو لَيْسَ لَهُ تَأْثِير فِي ذَلِك فان لم يكن لَهُ تَأْثِير فِي ذَلِك أدّى إِلَى أَن يتَّفق وُقُوع الْمُكَلّفين مَعَ كثرتهم وَطول أزمانهم على الْمصلحَة دون الْمفْسدَة وَذَلِكَ فِي التَّعَذُّر كتعذر اتِّفَاق الْفِعْل الْمُحكم مِمَّن لَيْسَ بعالم بِهِ وَفِي ذَلِك جَوَاز اتِّفَاق تَصْدِيق أَنْبيَاء من جملَة كَذَّابين مِمَّن لَا يعلم الْفرق بَينهم وَأَيْضًا فَلَو صَحَّ وُقُوع الْوَاجِب اتِّفَاقًا لم يخرج الْبَارِي سُبْحَانَهُ من كَونه مُخَيّرا لنا بَين الْوَاجِب وَبَين مَا لَيْسَ بِوَاجِب ومبيحا لنا الْإِخْلَال بِالْوَاجِبِ وَإِن علم أَنا لَا نخل بِهِ وَأَيْضًا فالأمة مجمعة على أَن من كفر بِوَاحِدَة من الْكَفَّارَات لَو كفر بغَيْرهَا أَجزَأَهُ وَكَانَ مكفرا بِمَا تعبد بِهِ فَلَو لم يكن مَا كفر بِهِ وَاجِبا لم يكن مجزئا فان قَالُوا لاختيار الْمُكَلف تَأْثِير فِي كَون الْفِعْل الْمُخْتَار مصلحَة قيل لَهُم لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن تكون مصادفة الِاخْتِيَار لأي فعل أُشير إِلَيْهِ تَجْعَلهُ مصلحَة حَتَّى يكون الِاخْتِيَار وَحده هُوَ الْمُؤثر فِي كَون الْفِعْل الْمُخْتَار صلاحا أَو تكون مصادفته لوَاحِدَة من الْكَفَّارَات الثَّلَاث هُوَ الْمصلحَة فان قَالُوا بِالْأولِ لَزِمَهُم أَن يكون للمكلف أَن يخْتَار أَن يكفر بِغَيْر الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة وَالْعِتْق وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم اشْترك الْكَفَّارَات الثَّلَاث فِي الْوَجْه الَّذِي بِهِ فَارَقت مَا لَيْسَ مِنْهَا وَهُوَ الَّذِي
стр. 81
صَار لَهُ الْفِعْل مصلحَة إِذا قارنه الاختيارأو لَا تشترك فِي ذَلِك بل الْوَاحِد مِنْهَا هُوَ مُخْتَصّ بِهَذَا الْوَجْه فَقَط فان قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم فاذا الَّذِي يكون مصلحَة إِذا اخترناه هُوَ وَاحِد مِنْهَا فَقَط وَهَذَا يمْنَع مِنْهُ تَخْيِير الله سُبْحَانَهُ الْمُكَلف بَين أَن يَفْعَله وَبَين أَن يتْركهُ وَيفْعل غَيره وَيجب أَن لَو فعلنَا غَيره أَن لَا يجزئنا وَالْأمة مجمعة على أَنه يجزئنا فان قَالُوا لَا يمْتَنع أَن يكون مَا عدا تِلْكَ الْكَفَّارَة مُبَاحا وَيسْقط بِهِ الْفَرْض كَا تَقولُونَ إِن الْقَبِيح يسْقط بِهِ الْفَرْض قيل إِن الْأمة كَمَا اجْتمعت على أَن الْمُكَفّر بِوَاحِدَة من الْكَفَّارَات لَو كفر بغَيْرهَا اجزأه فقد أَجمعت أَيْضا على أَنه لَو كفر بغَيْرهَا لَكَانَ قد فعل الْوَاجِب وَمَا تعبد بِهِ وَأَيْضًا فَانِي إِنَّمَا أجوز فِي الْقَبِيح أَن يسْقط بِهِ الْفَرْض إِذا كَانَ سَادًّا لمسد الْوَاجِب فِي وَجه الْمصلحَة وَإِنَّمَا قبح وَلم يدْخل تَحت التَّكْلِيف لِأَن فِيهِ وَجها من وُجُوه الْقبْح أَو لِأَنَّهُ إِذا فعله الْمُكَلف صَار لَو فعل ذَلِك الْوَاجِب لم يكن على صفة المصلجة فَيسْقط وُجُوبه لهَذَا وَأما الْمُبَاح فَلَو سقط بِهِ الْوَاجِب لَكَانَ إِمَّا أَن يسْقط بِهِ لِأَنَّهُ إِمَّا قد ساواه فِي وَجه الْوُجُوب وَفِي ذَلِك كَونه وَاجِبا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وَجه قبح يمْنَع من وُجُوبه وَإِمَّا أَن يسْقط الْوَاجِب لِأَنَّهُ يصير مَعَه غير مصلحَة فَذَلِك يَجعله مفْسدَة لِأَن عِنْده يبطل لطف الْمُكَلف وَيصير فَاعِلا لقبيح ولولاه لَكَانَ لَهُ لطف يصرفهُ عَن ذَلِك الْقَبِيح وَإِن قَالُوا الْكَفَّارَات الثَّلَاث تشترك فِي الْوَجْه الَّذِي تتَمَيَّز بِهِ مِمَّا لَيْسَ بكفارة وَهُوَ الَّذِي لمكانه صَار كل وَاحِد مِنْهَا إِذا ضامه الِاخْتِيَار مصلحَة قيل لَهُم فقد وَجب أَن تكون كل وَاحِدَة مِنْهَا لَو فعلت سدت مسد الْأُخْرَى فِي الْمصلحَة وَهَذَا هُوَ قَوْلنَا وَالَّذِي يبْقى بَيْننَا وَبَيْنكُم مَا قلتموه من أَن يكون للآختيار تَأْثِير فِي كَون الْفِعْل مصلحَة مَعَ مَا عَلَيْهِ الْفِعْل من الْوَجْه وَهَذَا لَا معنى لَهُ لِأَن الْمُكَفّر عَالم بِمَا يَفْعَله وَمن هَذِه سَبيله منا لَا بُد من أَن يقْصد وَيُرِيد مَا يَفْعَله وَمَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْفِعْل لَا معنى لاشتراطه فِي الْمصلحَة لِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يَجْعَل اخْتِيَار كل فعل وَاجِب شرطا فِي كَونه وَاجِبا
فَأَما من ذهب إِلَى أَن الْوَاجِب من الْكَفَّارَات وَاحِدَة وَأَنَّهَا تتَعَيَّن بِالْفِعْلِ
стр. 82
فَيُقَال لَهُم مَا معنى قَوْلكُم إِنَّهَا تتَعَيَّن بِالْفِعْلِ فان قَالُوا إِذا فعلت لزم فعلهَا مرّة ثَانِيَة قيل لَهُم إِن أردتم تَكْرِير مثلهَا فَذَلِك غير وَاجِب بِاتِّفَاق وَإِن أردتم فعل نفس مَا فعله فَذَلِك غير مُمكن وَلَو أمكن لم يجب فان قَالُوا نُرِيد بذلك أَنه إِذا فعلهَا علمنَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَت وَاجِبَة عَلَيْهِ دون غَيرهَا قيل فَكَانَ يجب أَن يدلنا الله على وُجُوبهَا بِعَينهَا وَلَا يخيرنا بَينهَا وَبَين غَيرهَا وَلَا تجمع الْأمة على أَنه لَو كرر بغَيْرهَا أَجزَأَهُ فَإِن قَالُوا معنى ذَلِك أَنه إِذا فعلهَا أَجزَأَهُ فِي إِسْقَاط الْفَرْض قيل وَكَذَلِكَ مَا لم يَفْعَله لَو فعله أَجزَأَهُ
وَالَّذِي وَالَّذِي ذَكرُوهُ نسلمه وَلَيْسَ هُوَ مَوضِع الْخلاف فَهَذِهِ الْقِسْمَة تبطل قَول الْمُخَالف وَيَزُول مَعهَا اعتراضات وَقد أفسد أَصْحَابنَا قَول الْمُخَالف بِهَذِهِ على الْوُجُوه غير هَذِه الْقِسْمَة فَقَالُوا لَو كَانَ الْوَاجِب وَاحِدَة من الْكَفَّارَات لعينها الله سُبْحَانَهُ بِالْوُجُوب وَلما وكل فعلهَا إِلَى اختيارنا لِأَن الْإِنْسَان قد يخْتَار الْمصلحَة والمفسدة كَمَا لم يجز أَن يكل إِلَيْنَا اخْتِيَار نَبِي من غير أَن يدلنا عَلَيْهِ بمعجزة وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يتم هَذَا الْكَلَام لَو كَانَت الْكَفَّارَة مصلحَة من دون الِاخْتِيَار فَيُقَال يجوز أَن يخْتَار الْمُكَلف الْمصلحَة وَيجوز أَن يخْتَار مَا لَيْسَ بمصلحة كَمَا أَن النَّبِي يكون نَبيا من دون اختيارنا اعْتِقَاد نبوته فَأَما إِذا قُلْنَا إِن تأخيرنا مكمل كَون مَا يَفْعَله مصلحَة فَإنَّا نعلم أَن مَا نختاره هُوَ الْمصلحَة لأجل اختيارنا لَا لِأَنَّهُ صَادف اختيارنا مَا هُوَ مصلحَة فَيُقَال فاذا جَازَ أَن يُصَادف اختياركم الْمصلحَة جَازَ أَيْضا أَن يُصَادف أَيْضا مَا لَيْسَ بمصلحة
وَقَالُوا أَيْضا لَو كَانَت الْوَاحِدَة من الثَّلَاث وَاجِبَة فَقَط وَهُوَ الَّذِي يختاره الْمُكَلف لَكَانَ لَو كفر بغَيْرهَا لم تُجزئه وَالْإِجْمَاع وَاقع على انه يُجزئهُ وَلقَائِل أَن يَقُول إِذا جعلت الْمصلحَة أَن أفعل الْكَفَّارَة وَأَنا مختارها وَجب لَو لم يفعل الْمُكَلف مَا فعله وَفعل غَيره أَن تكون مصلحَة أَيْضا لنه قد فعله وَهُوَ مُخْتَار لَهُ
стр. 83
وَقَالُوا أَيْضا كَانَ يجب لَو اخل بِالثلَاثِ أجمع أَن لَا يسْتَحق ذما لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ وَاحِدَة مِنْهَا إِذا اخْتَارَهُ فاذا لم يختره لم يحصل الشَّرْط وَلقَائِل أَن يَقُول الْمصلحَة إِنَّمَا تحصل باحدى الْكَفَّارَات مَعَ الِاخْتِيَار فان لم تُوجد فَاتَت الْمصلحَة فَجرى مجْرى لطف يحصل بِمَجْمُوع فعلين وَجرى مجْرى قَوْلكُم إِن بيع الْأرز مُتَفَاضلا إِنَّمَا يكون مفْسدَة إِذا غلب على ظن الْمُجْتَهد شبه بِالْبرِّ وَلَا يجوز مَعَ ذَلِك إقدام الْمُجْتَهد على بَيْعه مُتَفَاضلا إِذا لم يجْتَهد فِي تَحْرِيمه بل يلْزمه أَن يجْتَهد حَتَّى إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى تَحْرِيمه اجتنبه
وَقَالُوا أَيْضا لَو كَانَت الْوَاحِدَة من الْكَفَّارَات وَاجِبَة فَقَط لَكَانَ قد خير الله سُبْحَانَهُ بَين الْوَاجِب وَبَين مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا تصير مصلحَة بِاخْتِيَار الْمُكَلف وأيها فعل وَهُوَ مُخْتَار لَهُ فقد فعل الْمصلحَة فَلم يُخَيّر بَين الْمصلحَة وَبَين مَا لَيْسَ بمصلحة
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو كَانَ كل وَاحِدَة من الْكَفَّارَات وَاجِبَة لوَجَبَ الْجمع بَينهَا إِذْ كل وَاحِدَة مِنْهَا على وَجه الْوُجُوب وَإِذا وجدت وَاحِدَة مِنْهَا لم تخرج الْأُخْرَى من أَن تكون لَو فعلت لوقعت على وَجه الْوُجُوب وَالْجَوَاب أَن كل وَاحِدَة مِنْهَا تخْتَص بِوَجْه وجوب يقوم فِيهِ مقَام الْأُخْرَى فَتسقط الْمصلحَة الاولى فَلم يجز أَن تجب الْأُخْرَى مَعَ أَن الحانث قد استوفى الْمصلحَة بالاولى يبين ذَلِك أَن الْإِطْعَام إِذا كَانَ مصلحَة فِي رد وَدِيعَة وَكَانَت الْكسْوَة تسد مسده فِي ذَلِك فانه إِذا أطْعم الحانث فَرد الْوَدِيعَة قَامَ الْإِطْعَام مقَام الْكسْوَة وَلم يبْق شَيْء تكون الْكسْوَة مصلحَة فِيهِ فَلم يجز أَن يجب
وَمِنْهَا قَوْلهم كَانَ يجب لَو كفر الحانث بهَا مَعًا أَن تكون كلهَا وَاجِبَة إِذْ لَيْسَ بَعْضهَا بذلك أولى من بعض وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَنا لَا نقُول بهد إيجادها بِأَنَّهَا وَاجِبَة عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك يُفِيد لُزُوم فعلهَا وَذَلِكَ مُسْتَحِيل بعد
стр. 84
إيجادها وَإِنَّمَا يُقَال فِي الْمَوْجُود إِنَّه وَاجِب وَلَا يُقَال إِنَّه وَاجِب على أحد وَلَا يُقَال فِي الْكَفَّارَات الْمَوْجُودَة مَعًا إِنَّهَا وَاجِبَة لَا على الْجمع وَلَا على الْبَدَل والتخيير لِأَن التَّخْيِير وَالْبدل إِنَّمَا يصحان على الْمَعْدُوم دون الْمَوْجُود قَالَ فَلَو قُلْنَا إِنَّهَا وَاجِبَة لكَانَتْ وَاجِبَة على الْجمع وَذَلِكَ بَاطِل وَلقَائِل أَن يَقُول إِذا لم تكن بعد إيجادها مَوْصُوفَة بِالْوُجُوب لَا على التَّخْيِير وَلَا على الْجمع وَلَا كل وَاحِد مِنْهَا على وَجه وجوب لأنكم لَا تصفون كل وَاحِدَة بِأَنَّهَا وَاجِبَة فانه يلزمكم أَن تَقولُوا إِن وَاحِد مِنْهَا وَاجِب لَا يتَعَيَّن عندنَا وَإِذا قُلْتُمْ ذَلِك لزمكم أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد هُوَ الْوَاجِب قبل وجوده لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا وَاجِبا قبل وجوده على الْبَدَل لِأَن كل وَاحِد مِنْهَا لَو وجد لَكَانَ على وَجه الْوُجُوب فان كَانَت إِذا وجدت فواحد مِنْهَا فَقَط على وَجه الْوُجُوب فَذَاك إِذا هُوَ الْوَاجِب على الْمُكَلف قبل وجوده مَا لم يُوجد الآخر فَأَما إِذا وجد الآخر فَلَا قيل لَهُ فاذا وجدت مَعًا لم يكن بَعْضهَا بِأَن يخرج من أَن يكون على وَجه الْوُجُوب لأجل وجود الآخر بِأولى من الْعَكْس فَيلْزم أَن يخرج كلهَا عَن صفة الْوُجُوب وَنحن نجيب عَن الشُّبْهَة فَنَقُول للسَّائِل إِن أردْت بِقَوْلِك هَل هِيَ وَاجِبَة كلهَا انه يلْزم فعلهَا مَعَ أَنَّهَا مفعولة فَذَلِك مُسْتَحِيل وَلَا يبْقى بعد ذَلِك إِلَّا أَن تَقول هَل هِيَ على صِفَات كَانَ يلْزم لمكانها إيجادها إِمَّا على الْجمع وَإِمَّا على الْبَدَل فجوابنا أما أَن تكون وَاجِبَة على الْجمع فَلَا وَأما على الْبَدَل فَنعم هِيَ بعد وجودهَا وَاجِبَة على معنى أَن كل وَاحِد مِنْهَا على صفة مُتَسَاوِيَة للصفة الْأُخْرَى ولمكان تِلْكَ الصّفة يلْزم إيجادها على التَّخْيِير وَهُوَ قَوْلنَا
وَمِنْهَا وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَت وَاجِبَة على الْبَدَل لم يخل إِذا أطْعم الْمُكَفّر فِي حَال مَا كسا إِمَّا أَن يسْقط الْغَرَض بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِمَّا أَن يسْقط لمجموعهما أَو بِوَاحِد مِنْهُمَا فَلَو سقط لمجموعهما لكانا واجبين على الْجمع وَلَو سقط بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لَكَانَ قد حصل حكم وَاحِد عَن مؤثرين وَإِن سقط بِوَاحِد مِنْهُمَا فَذَلِك هُوَ الْفَرْض دون غَيره وَالْجَوَاب أَن الْفَرْض يسْقط بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا
стр. 85
لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا سَاد مسد الآخر فِي وَجه الْوُجُوب فَلَيْسَ بِأَن يسْقط بِأَحَدِهِمَا أولى من أَن يسْقط بِالْآخرِ وَذَلِكَ غير مُمْتَنع أَلا ترى أَن الْمُكَلف لَو قتل أحدا فِي حَال مَا ارْتَدَّ لَا يسْتَحق قَتله وَهُوَ حكم وَاحِد بِكُل وَاحِد من الرِّدَّة وَالْقَتْل وَلَو انكشفت عَورَة الْمُصَلِّي فِي حَال مَا وطيء على نَجَاسَة وَفِي حَال مَا أحدث يخرج من الصَّلَاة بِكُل وَاحِد مِنْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضهَا بِأَن يُؤثر فِي ذَلِك أولى من بعض وعَلى أَن هَذِه الشُّبْهَة الَّتِي قبلهَا تلْزم الْمُخَالف إِذا قَالَ إِن الْوَاجِب هُوَ مَا يختاره الْمُكَلف لِأَنَّهُ إِذا كفر بالكسوة وَالْعِتْق وَالْإِطْعَام مَعًا فقد اخْتَار كل وَاحِد مِنْهَا فَوَجَبَ أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا هُوَ الْوَاجِب وَبِكُل وَاحِد مِنْهَا يسْقط الْفَرْض وَكَذَلِكَ من قَالَ يتَعَيَّن الْوَاجِب بِالْفِعْلِ
وَمِنْهَا وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قَالَ الحانث للْفَقِير مَلكتك هَذِه الْكسْوَة وَهَذَا الطَّعَام وَقَالَ مثل ذَلِك لباقي الْفُقَرَاء يكون ذَلِك وَاجِبا أَو ندبا فان قُلْتُمْ وَاجِب لزمكم أَن يكون الْجمع بَين الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة وَاجِبا وَإِن قُلْتُمْ ندب لزمكم أَن يكون هَذَا الْمُكَفّر مَا فعل الْوَاجِب وَإِن قُلْتُمْ هُوَ وَاجِب وَندب لم يكن بعضه بِالْوُجُوب أولى من بعض وكنتم قد صرتم إِلَى قَول مخالفكم من أَن الْوَاجِب أَحدهمَا وَالْجَوَاب أَنا نقُول إِنَّه وَاجِب على معنى أَنه يتَضَمَّن إفعالا لَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهَا لأسقط الْفَرْض ونقول إِنَّه ندب على معنى أَنه لَا يلْزمه أَن يجمع بَينهمَا وَلَا تنَاقض بَين ذَلِك على هَذَا التَّفْسِير
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَت وَاجِبَة كلهَا لوَجَبَ إِذا أطْعم وكسا مَعًا أَن يَنْوِي بِكُل وَاحِد مِنْهَا الْوُجُوب لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يكون أَحدهمَا هُوَ الْوَاجِب أولى من الآخر وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم إِن أردتم بذلك أَنه يَنْوِي أَنه يفعل مَا يقوم مقَام غَيره فِي وَجه الْمصلحَة وَإِسْقَاط الْفَرْض فَنعم وَهُوَ مُطَابق لما فسرناه وَإِن أردتم بِهِ أَنه يَنْوِي بِكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا أَنه يلْزمه فعله وَإِن فعل الآخر فَلَا ثمَّ إِن الشُّبْهَة لَازِمَة لَهُم إِذا قَالُوا إِن بِالِاخْتِيَارِ أَو بِالْفِعْلِ يتَمَيَّز الْوُجُوب لِأَن الِاخْتِيَار قد حصل فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا
стр. 86
وَمِنْهَا قَوْلهم كَانَ يجب لَو أخل بِكُل وَاحِدَة من الْكَفَّارَات أَن يسْتَحق الذَّم على الْإِخْلَال بِكُل وَاحِدَة مِنْهَا لِأَن كلهَا وَاجِبَة فَلَيْسَ بِأَن يذم على ترك الْبَعْض أولى من الْبَعْض وَالْجَوَاب أَنا لم نقل إِنَّه يلْزمه الْجمع بَينهمَا حَتَّى يُعَاقب على كل وَاحِدَة مِنْهَا ونقول يسْتَحق قدرا من الْعقَاب على الْإِخْلَال بِالْكُلِّ كَمَا يذم على الْإِخْلَال بِالْكُلِّ وَلَا بِقدر الْعقَاب وَيسْقط كل شُبْهَة وَقد أجَاب شُيُوخنَا عَنهُ بِأَنَّهُ يسْتَحق الذَّم وَالْعِقَاب على أدونها عقَابا لِأَنَّهُ لَو فعله مَا اسْتحق شَيْئا من الْعقَاب فان قيل لَو فعل أعظمها عقَابا لما اسْتحق الذَّم فَيجب إِذا أخل بِالْكُلِّ أَن يسْتَحق ذَلِك الْعقَاب وَالْجَوَاب أَنه إِذا كَانَ لَو فعل أقلهَا عقَابا سقط عَنهُ الْعقَاب فَيجب إِذا أخل بأجمعها ثمَّ عُوقِبَ فِي كل وَقت عِقَاب أقلهَا عقَابا ان يجْرِي بعد اسْتِيفَاء هَذَا الْعقَاب مجْرى من فعل الْكَفَّارَة الَّتِي هَذَا الْعقَاب يسْتَحق على تَركهَا وَلَو فعلهَا لم يسْتَحق عقَابا فَكَذَلِك إِذا استوفى عقابها وَالْأولَى أَن يُقَال يسْتَحق عِقَاب أدونها عقَابا لما ذَكرْنَاهُ الْآن لكنه يسْتَحق ذَلِك على الْإِخْلَال بأجمعها لَا بِوَاحِدَة مِنْهَا لِأَنَّهَا إِذا كَانَت وَاجِبَة على الْبَدَل لم يجز أَن يُعَاقب على الْإِخْلَال بِوَاحِد مِنْهَا لِأَن فِي ذَلِك كَونهَا هِيَ الْوَاجِبَة وَإِنَّمَا يُعَاقب كَمَا يذم وَمَعْلُوم أَنا لَا نذمه لم أخل بِوَاحِدَة وَإِنَّمَا نذمه لم أخل بالكفارات الثَّلَاث فَكَذَلِك يُعَاقب أَلا ترى أَنا نلومه ونعنفه فَنَقُول لم أخللت بجميعها وَلَا نقُول لم أخللت بِوَاحِدَة مِنْهَا فان قَالُوا فاذا كَانَ يسْتَحق الْعقَاب على الْإِخْلَال بأجمعها فَكيف يتَصَوَّر أَن بَعْضهَا أقل عقَابا وَبَعضهَا أَزِيد قيل بِأَن يكون بَعْضهَا أشق من بعض نَحْو الْعتْق وَيتَصَوَّر أَن لَو وَجب وَحده لَكَانَ عِقَاب الْإِخْلَال بِهِ أقل من عِقَاب ترك الْكسْوَة لَو وَجَبت وَحدهَا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَت كلهَا وَاجِبَة لَا يسْتَحق فاعلها مَعًا على كل وَاحِد مِنْهَا ثَوَاب الْوَاجِب وَأجَاب أَصْحَابنَا عَن ذَلِك بِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَحق عَلَيْهِ ذَلِك الثَّوَاب وَلقَائِل أَن يَقُول وَلَو أفرد فعل أدونها ثَوابًا لَكَانَ وَاجِبا وَلَا يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوَابه فيلزمكم على تعليلكم أَن يسْتَحق على ذَلِك ثَوَاب الْوَاجِب وَيسْتَحق
стр. 87
ثَوَاب الْأَعْظَم لَا على أَنه ثَوَاب الْوَاجِب ثمَّ يُقَال لَهُم أبزيادة الثَّوَاب صَار وَاجِبا أم لَا فان قَالُوا نعم قيل فَيجب أَن يكون هَذَا الْوَاجِب قبل ايجاده وَإِن قَالُوا لَا قيل لَهُم فَمَا بِهِ صَارَت وَاجِبَة قد اشتركت فِيهِ فَلم صَار الثَّوَاب الأزيد هُوَ ثَوَاب الْوَاجِب دون غَيره ثمَّ يُقَال لَهُم إِنَّكُم بقولكم أزيدها ثَوابًا هُوَ الَّذِي يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب دون غَيره تَسْلِيم مِنْكُم أَن ذَلِك هُوَ الْوَاجِب دون غَيره لِأَن مَا لم يُوجد إِنَّمَا يُوصف بِالْوُجُوب وَحده لِأَنَّهُ إِذا وجد اخْتصَّ بِوَجْه الْوُجُوب دون غَيره وَهَذَا قد قلتموه فِي هَذِه الْكَفَّارَة وَنحن نجيب عَن الشُّبْهَة فَنَقُول للمستدلين قَوْلكُم على أَنَّهَا تسْتَحقّ ثوب الْوَاجِب تَسْلِيم مِنْكُم أَن فِيهَا وَاحِد وَاجِب يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب وأنكم تطلبون أَيهَا هُوَ وَنحن قد بَينا أَن كل وَاحِد مِنْهَا وَاجِب إِذا وجدت مَعًا على التَّفْسِير الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَكل وَاحِد مِنْهَا يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب على معنى أَنه يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوَاب مَا هُوَ على صفة لَو فعل وَحده لأسقط الْفَرْض ونقول إِن كل وَاحِد مِنْهَا لَا يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب إِذا أُرِيد بِالْوَاجِبِ لُزُومه بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يلْزم بِعَيْنِه
وَاسْتَدَلُّوا على جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بِوَاحِد من الْأَشْيَاء لَا بِعَيْنِه وَيجْعَل ذَلِك موكولا إِلَى اختيارنا بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يَقُول الله سُبْحَانَهُ أوجبت عَلَيْكُم وَاحِدَة من الْكَفَّارَات لَا بِعَينهَا فافعلوا أَيهَا شِئْتُم وَلَو قَالَ ذَلِك لَوَجَبَتْ وَاحِدَة مِنْهَا لَا بِعَينهَا وَالْجَوَاب أَنه إِن عني بقوله أوجبت عَلَيْكُم وَاحِدَة مِنْهَا لَا بِعَينهَا أَنه لَا يلْزمنَا ضم وَاحِدَة إِلَى وَاحِدَة وَأَنه يلْزمنَا أَيهَا شِئْنَا لِأَن كل وَاحِدَة تقوم مقَام الْأُخْرَى فَصَحِيح وَهُوَ مَذْهَبنَا وَإِن عني أَن الْوَاجِب والمصلحة وَاحِد لم يُعينهُ لنا وَهُوَ فِي نَفسه مُتَعَيّن عِنْد الله فَذَلِك لَا يجوز أَن يَقُوله وَهُوَ مَوضِع الْخلاف
وَاسْتَدَلُّوا على أَن التَّعَبُّد بذلك قد ورد بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الحانث لَا يلْزمه عتق كل رِقَاب الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يلْزمه عتق وَاحِدَة
стр. 88
مِنْهَا لَا بِعَينهَا وَذَلِكَ موكول إِلَى اخْتِيَاره وَكَذَلِكَ الْعمي إِذا أفتاه فقيهان بفتويين مُخْتَلفين أَنه يلْزمه أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه وَكَذَلِكَ إِذا اعتدلت عِنْد الْمُجْتَهد أمارتان أَنه يلْزمه الْمصير إِلَى أحداهما لَا بِعَينهَا وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَنَّهُ يلْزمه عتق كل رَقَبَة تمكن من عتقهَا على الْبَدَل وَهَذَا هُوَ مَذْهَبنَا وَلَيْسَ ذَلِك بمستحيل على التَّفْسِير الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَكَذَلِكَ يلْزم الْعَاميّ الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الفتويين على الْبَدَل وَكَذَلِكَ الْمُجْتَهد إِذا اعتدلت عِنْده الأمارتان
وَمِنْهَا أَن الْإِنْسَان لَو عقد على قفيز من صبرَة لَكَانَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ قَفِيزا مِنْهَا لَا بِعَيْنِه وَإِنَّمَا يتَعَيَّن بِاخْتِيَار وَالْجَوَاب أَنه إِذا عقد على قفيز من صبره فَلَيْسَ العقد بِأَن يتَنَاوَل قَفِيزا مِنْهَا أولى من قفيز لعقد الإختصاص فَوَجَبَ أَن يكون كل قفيز مِنْهَا قد يتَنَاوَلهُ العقد على سَبِيل الْبَدَل على معنى أَن كل وَاحِد مِنْهَا لَا اخْتِصَاص للْعقد بِهِ دون صَاحبه وَللْمُشْتَرِي أَن يختاره وَإِذا اخْتَارَهُ تعين ملكه فِيهِ فَتعين الْملك فِي القفيز كسقوط الْفَرْض بِالْكَفَّارَةِ وَكَذَلِكَ إِذا طلق زَوْجَة من زَوْجَاته لَا بِعَينهَا أَو أعتق عبدا من عبيده لَا بِعَيْنِه أَن كل وَاحِد مِنْهُم مُعتق على الْبَدَل وكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ طَالِق على الْبَدَل على معنى أَنه لَا اخْتِصَاص للطَّلَاق وَالْعِتْق بِوَاحِد دون صَاحبه وَأَنه أَي نِسَائِهِ اخْتَار مفارقتها حلت لَهُ الْأُخْرَى وتعينت الْفرْقَة عَلَيْهَا وَأي عبيده اخْتَار عتقه تعيّنت فِيهِ الْحُرِّيَّة وَكَانَ لَهُ اسْتِخْدَام البَاقِينَ وَقد أجَاب الشَّيْخ أَبُو عبد الله وقاضي الْقُضَاة عَن الشُّبْهَة فَقَالَا إِنَّه لما جَازَ أَن يقف العقد على القفيز على الِاخْتِيَار جَازَ أَن يقف فرع من فروعه على الِاخْتِيَار وَظَاهر ذَلِك يَقْتَضِي تَسْلِيم مَا قَالَه الْمُخَالف من أَن الْمَبِيع من الصُّبْرَة والمعقود مِنْهَا قفيز يعلم الله عينه وَلَا نعلمهُ نَحن وَمَا عداهُ غير مَعْقُود عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمُطلقَة من النِّسَاء وَاحِدَة يعلم الله عينهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يعين الله سُبْحَانَهُ لنا الْمُطلقَة والقفيز الْمَبِيع وَإِلَّا كَانَ قد خيرنا بَين أَن نقبض مَا نملكه وَمَا لَا نملكه وَبَين الْمقَام على الْمُطلقَة وَالَّتِي لَيست بمطلقة وَبَين ملك الْحر وَالْعَبْد فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي إِيجَاب الْأَشْيَاء على جِهَة التَّخْيِير
стр. 89
فَأَما كَيْفيَّة إِرَادَة الله الْأَشْيَاء الَّتِي أوجبهَا فَنحْن آخذون فِيهَا فَنَقُول إِن الْأَشْيَاء الَّتِي أوجبهَا الله سُبْحَانَهُ لَا على الْجمع ضَرْبَان أَحدهمَا أوجبهَا على التَّرْتِيب وَالْآخر أوجبهَا على الْبَدَل
أما الأول فَهِيَ الَّتِي تعبد بِبَعْضِهَا عِنْد تعذر الْبَعْض كالتيمم عِنْد عدم المَاء وَأكل الْميتَة عِنْد تعذر الطَّعَام وَالْخَوْف على النَّفس أَو عِنْد وجود الْمَشَقَّة نَحْو التَّيَمُّم عِنْد وجود مَاء بِأَكْثَرَ من ثمن مثله وَمَا تعبد الله سُبْحَانَهُ بِهِ على التَّرْتِيب مِنْهُ مَا قد أَرَادَ جَمِيعه وَإِن لم يجب جَمِيعه نَحْو الصّيام وَالْعِتْق فِي كَفَّارَة الْيَمين وَإِن كَانَ إِذا فعل الصّيام لَا تكون كَفَّارَة مِنْهُ وَمِنْه مَا لم يرد الْجمع نَحْو أكل الْميتَة وَأكل الْمُبَاح من الطَّعَام والأشياء الْمرتبَة قد يكون مِنْهَا مَا يُوصف بِأَنَّهُ رخصَة وَهُوَ أَن يكون أسهل وَالْأَصْل غَيره وَلذَلِك الْمسْح على الْخُفَّيْنِ رخصَة وَأكل الْميتَة رخصَة
وَأما الْأَشْيَاء المتعبد بهَا على الْبَدَل فضربان أَحدهمَا أرادها الله بأجمعها وَإِن لم يجب الْجمع وَالْآخر لم يرد الْجمع فَالْأول نَحْو الْكَفَّارَات الثَّلَاث وَأما الَّذِي لم يردهُ أجمع فضربان أَحدهمَا كره الْجمع بَينه نَحْو تَزْوِيج الْمَرْأَتَيْنِ كفوين وَالْآخر لم يرد الْجمع وَلَا كرهه نَحْو ستر الْعَوْرَة وكل مَا يسْتَحبّ ستره فِي الصَّلَاة بِثَوْب بعد ثوب لِأَن الثَّوْب الثَّانِي مُبَاح مَا أَرَادَهُ الله وَلَا كرهه وَقد أَرَادَ السّتْر بِكُل وَاحِد مِنْهَا على الْبَدَل ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر هَل يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ أم لَا ﷺ َ -
ذهب الْفُقَهَاء بأسرهم إِلَى أَنه يدل على ذَلِك وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِنَّه لَا يدل عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن نذْكر معنى وَصفنَا لِلْعِبَادَةِ بِأَنَّهَا مجزئة وَغير مجزئة ثمَّ نَبْنِي الْكَلَام عَلَيْهِ فَنَقُول إِن وصف الْعِبَادَة بِأَنَّهَا مجزئة مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكْفِي وتجزيء فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد بهَا وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا اسْتَوْفَيْنَا شُرُوطهَا الَّتِي تعبدنا أَن
стр. 90
نفعلها عَلَيْهَا وَذَلِكَ أَنه لَا فرق بَين قَوْلنَا هَذَا الشَّيْء يجزئني وَبَين قَوْلنَا إِنَّه يَكْفِينِي والمعقول من قَوْلنَا إِنَّه يَكْفِينِي أَنه يَكْفِي فِي غَرَض من الْأَغْرَاض وَكَذَلِكَ الْمَعْقُول من قَوْلنَا فِي الْعِبَادَة إِنَّهَا تجزيء هُوَ أَنَّهَا تَكْفِي وتجزيء فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد وَإِذا قُلْنَا إِن الْعِبَادَة لَا تجزيء فالمعقول مِنْهُ أَنَّهَا لَا تجزىء فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد بهَا وَإِنَّمَا لَا تجزيء فِي ذَلِك لِأَنَّهَا لم تستوف شرايطها الَّتِي أَخذ علينا إيقاعها عَلَيْهَا وَتبع ذَلِك أَن يجب قَضَاؤُهَا بذلك التَّعَبُّد إِن لم تكن موقتة أَو كَانَ وَقتهَا بَاقِيا وَأَن يجوز أَن يجب قَضَاؤُهَا إِن كَانَ قد خرج وَقتهَا وَقد دخل تَحت هَذَا الْكَلَام الْعِبَادَات الْوَاجِبَة وَغير الْوَاجِبَة وَلَيْسَ معنى قَوْلنَا إِن الْعِبَادَة تجزىء أَنَّهَا حَسَنَة لِأَن الْمُبَاح حسن وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ يجزىء وَإِنَّمَا يُوصف الْمُبَاح بِأَنَّهُ جَائِز على معنى أَنه حسن غير قَبِيح وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن معنى وصف الْعِبَادَة بِأَنَّهَا مجزئة هُوَ أَنه لَا يجب قَضَاؤُهَا وَمعنى وصفهَا بِأَنَّهَا لَا تجزيء هُوَ أَنه يلْزم قَضَاؤُهَا وَهَذَا غير مُسْتَمر لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَو أمرنَا بِالصَّلَاةِ على طَهَارَة فصلى الْإِنْسَان على غير طَهَارَة وَمَات عقيب الصَّلَاة أَو بَقِي حَتَّى خرج وَقت الصَّلَاة وَلم يرد التَّعَبُّد بِالْقضَاءِ لوَجَبَ أَن تكون الصَّلَاة مجزئة إِذْ كَانَ الْقَضَاء لم يجب وَهُوَ معنى كَونهَا مجزئة عِنْده فَإِن قَالَ الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ غير المجزئة هِيَ الَّتِي يجوز أَن يجب قَضَاؤُهَا أَو كَانَ يجوز أَن يجب قَضَاؤُهَا وَمَا فرضتموه كَانَ يجوز أَن يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء قيل فقد صَارَت الْعِبَادَة المجزئة هِيَ الَّتِي تكون على صفة لأَجلهَا لَا يجوز أَن يجب قَضَاؤُهَا وَالَّتِي لَا تجزيء تكون على صفة يجوز مَعهَا أَن يجب قَضَاؤُهَا فَمَا تِلْكَ الصّفة إِذْ هِيَ معنى الْإِجْزَاء فَلَا بُد عِنْد ذَلِك من الرُّجُوع إِلَى مَا قُلْنَاهُ فَيظْهر أَن الْمَأْمُور بِهِ إِذا فعل على حد مَا أَمر بِهِ لم يجز أَن يجب قَضَاؤُهُ
فاذا ثَبت ذَلِك فلنتكلم فِي الْمَسْأَلَة على كلا الْقَوْلَيْنِ فَنَقُول إِن كَانَ معنى وصف الْعِبَادَة بِأَنَّهَا مجزئة أَنه قد سقط بهَا التَّعَبُّد فمعلوم أَن الْأَمر يدل على أَن مَا تنَاوله إِذا فعل على حد مَا تنَاوله مَعَ تَكَامل الشَّرَائِط فَهُوَ يجزيء لِأَن
стр. 91
الْمُكَلف بِهَذَا الْفِعْل ممتثل للامر فَلَو قُلْنَا إِن التَّعَبُّد بذلك الْفِعْل بَاقٍ عَلَيْهِ انْتقض القَوْل بِأَنَّهُ ممتثل لِلْأَمْرِ لِأَن الْأَمر تعبد وَلِهَذَا نقُول إِن الْمُضِيّ فِي الْحجَّة الْفَاسِدَة يجزيء فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد بالمضي فِيهَا وَإِنَّمَا لَا يجزيء فِيهَا إِسْقَاط التَّعَبُّد بِحجَّة صَحِيحَة لِأَن ذَلِك التَّعَبُّد مَا امتثل وَكَذَلِكَ الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت على ظن الطَّهَارَة تجزيء فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد المتوجه إِلَى الظَّان فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِذا ذكر من بعد أَنه كَانَ مُحدثا توجه إِلَيْهِ أَمر آخر لِأَنَّهُ إِنَّمَا كلف الصَّلَاة على طَهَارَة إِذا ذكر أمه كَانَ مُحدثا حِين صلى فَأَما كَون الْعباد جَائِزَة على معنى أَنَّهَا حَسَنَة فَلَا شُبْهَة فِي أَن الْأَمر يدل عَلَيْهِ لِأَن الْأَمر يدل على الْوُجُوب أَو على النّدب وَالْحسن دَاخل تَحت كل وَاحِد مِنْهُمَا
فَأَما القَوْل بِأَن الْأَمر يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ على معنى أَنه يمْنَع من لزم الْقَضَاء فَصَحِيح أَيْضا لِأَن قَضَاء الْعِبَادَة الموقتة هُوَ فعل وَاقع بعد خُرُوج وَقتهَا بَدَلا من فعلهَا فِي وَقتهَا على الْوَجْه الْمَأْمُور بِهِ وَذَلِكَ يكون إِمَّا لِأَن الْعِبَادَة مَا فعلت أصلا أَو فعلت على وَجه الْفساد وَذَلِكَ غير حَاصِل إِذا فعلهَا الْإِنْسَان على وَجه الصِّحَّة فَلم يتَصَوَّر الْقَضَاء اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يجب عَلَيْهِ بعد خُرُوج الْوَقْت فعل مثل مَا فعله فِي الْوَقْت وَلَا يكون قَضَاء لما فعله فَذَلِك غير مُنكر وَالْأَمر لَا يدل على نفي وجوب ذَلِك أَلا ترى أَن الْأَمر بِصَلَاة الظّهْر لَا يمْنَع من وجوب مثلهَا فِي الْعَصْر غير أَنه لَا يكون قَضَاء لَهَا فان قيل أَلَيْسَ الْمَاضِي فِي الْحجَّة الْفَاسِدَة قد امتثل الْأَمر فِي الْمُضِيّ فِيهَا وَيلْزمهُ الْقَضَاء وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فِي آخر الْوَقْت على ظن الطَّهَارَة قيل الْحجَّة الصَّحِيحَة لَا تكون قَضَاء لمقْتَضى الْأَمر بالمضي فِي الْحجَّة الْفَاسِدَة وَإِنَّمَا هِيَ مفعولة لأجل أَن الْأَمر بِالْحَجِّ الصَّحِيح بَاقٍ وَالصَّلَاة المفعولة بعد خُرُوج الْوَقْت إِذا ذكر الْمُكَلف أَنه كَانَ صلى على غير طَهَارَة لَيْسَ بِقَضَاء لمقْتَضى الْأَمر بِالصَّلَاةِ مَعَ ظن الطَّهَارَة وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاء لمقْتَضى الْأَمر بِصَلَاة على طَهَارَة
стр. 92
- ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر بالشَّيْء هَل يدل على وجوب مَا لَا يتم الشَّيْء إِلَّا بِهِ أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَنه يَنْبَغِي أَن نذْكر الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تتمّ الْعِبَادَة إِلَّا مَعهَا ثمَّ نذْكر مَتى يدل الْأَمر على وجوب مَا لَا يتم الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا مَعَه وَمَتى لَا يدل وَيدل على كلا الْقسمَيْنِ
ونبدأ بِالْأولِ فَنَقُول إِن مَا لَا تتمّ الْعِبَادَة إِلَّا بِهِ ضَرْبَان أَحدهمَا هُوَ كالوصلة وَالطَّرِيق الْمُتَقَدّم على الْعِبَادَة وَالْآخر لَيْسَ كالوصلة الْمُتَقَدّمَة فَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا يجب بحصوله حُصُول مَا هُوَ طَرِيق إِلَيْهِ وَالْآخر لَا يجب ذَلِك فِيهِ فَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا يجب بحصوله حُصُول مَا هُوَ طَرِيق إِلَيْهِ وَالْآخر لَا يجب ذَلِك فِيهِ فَالْأول نَحْو أَن يَأْمُرنَا الله سُبْحَانَهُ بإيلام زيد فَإِن وصلتنا إِلَى ذَلِك هُوَ ضَرْبَة ومحال وجود الضَّرْب الشَّديد فِي بدنه مَعَ احْتِمَاله الْأَلَم وَلَا يألم وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْعِبَادَة بِالشَّرْعِ وَالْآخر تحْتَاج إِلَيْهِ فِي نَفسهَا لَا بِالشَّرْعِ أما الأول فكحاجة الصَّلَاة إِلَى تَقْدِيم الطَّهَارَة وَأما الثَّانِي فكالتمكن على اخْتِلَاف أقسامه كالقدرة والآلات وَقطع الْمسَافَة إِلَى أقرب الْأَمَاكِن من عَرَفَة والتمكن مِنْهُ مَا يَصح من الْمُكَلف تَحْصِيله كَقطع الْمسَافَة وإحضار بعض الْآلَات وَمِنْه مَا لَا يَصح من الْمُكَلف كالقدرة
فَأَما مَا لَيْسَ كالوصلة مِمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ الْعِبَادَة فان الْعِبَادَة المفتقرة إِلَيْهِ ضَرْبَان أَحدهمَا إقدام على الْفِعْل وَالْآخر إخلال بِفعل أما الأول فضربان أَحدهمَا أَن يكون إِنَّمَا لم يتم من دون غَيره لأجل الالتباس نَحْو أَن يتْرك الْإِنْسَان صَلَاة من جملَة الْخمس لَا يعرفهَا بِعَينهَا فَيلْزمهُ فعل الْخمس لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن مَعَ الالتباس أَن يتَيَقَّن إِتْيَانه بالمنسية إِلَّا بِفِعْلِهِ الْكل والآخران أَن لَا يُمكن اسْتِيفَاء الْعِبَادَة إِلَّا بِفعل آخر لأجل التقارب نَحْو ستر جَمِيع الْفَخْذ لِأَنَّهُ لَا يُمكن إِلَّا مَعَ ستر بعض الرّكْبَة وَغسل جَمِيع الْوَجْه لَا يُمكن إِلَّا مَعَ غسل يسير من الرَّأْس وَأما إِذا كَانَت الْعِبَادَة إخلالا بِفعل وَلَا يُمكن إِلَّا بِغَيْرِهِ فَهُوَ أَن يكون مَا يلْزم
стр. 93
الْإِخْلَال بِهِ ملتبسا بِغَيْرِهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون قد تغير فِي نَفسه وَالْآخر لَا يكون قد تغير فِي نَفسه فَالْأول نَحْو اخْتِلَاط النَّجَاسَة بِالْمَاءِ الطَّاهِر وَقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من حرم اسْتِعْمَال المَاء الْمُتَيَقن حُصُول النَّجَاسَة فِيهِ على كل حَال وَلم يَجْعَلهَا مستهلكة وَمِنْهُم من جعلهَا مستهلكة وَاخْتلفُوا فِي الأمارة الدَّالَّة على استهلاكها فَمنهمْ من قَالَ هِيَ تغير المَاء وَمِنْهُم من قَالَ هِيَ كَثْرَة المَاء وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قدر الْكَثْرَة بالقلتين وَمِنْهُم من قدرهَا بكر وَغير ذَلِك فَأَما مَا لَا يتَغَيَّر مَعَ الالتباس فَإِنَّهُ يشْتَمل على مسَائِل
مِنْهَا أَن يلتبس الْإِنَاء النَّجس بِالْإِنَاءِ الطَّاهِر وَقد اخْتلف فِي ذَلِك فَمنع قوم من اسْتِعْمَالهَا تَغْلِيبًا للحظر لأجل مُسَاوَاة الطَّاهِر النَّجس فِي الْعدَد وَقَالَ قوم بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل على غَلَبَة الظَّن فَإِذا غلب على الظَّن نَجَاسَة أَحدهمَا جرى ذَلِك مجْرى الْعلم فِي أَن أَحدهمَا قد أمكن اسْتِعْمَاله من دون الْمحرم
وَمِنْهَا أَن يُوقع الْإِنْسَان الطَّلَاق على امْرَأَة من نِسَائِهِ بِعَينهَا ثمَّ تذْهب عَلَيْهِ عينهَا قَالَ قَاضِي الْقُضَاة الْأَقْوَى عِنْدِي أَن تحرم الْكل لِأَن التَّحْرِيم قد كَانَ تعين فَلَا يُؤمن إِذا استمتع بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ أَن تكون هِيَ الْمُطلقَة
فَهَذِهِ جملَة الْأَقْسَام وَقد ذكرت فِي الشَّرْح الْأَشْيَاء الَّتِي يتبع بَعْضهَا أَحْكَام بعض وَقد ذكرهَا قَاضِي الْقُضَاة فِي شَرحه وَعدلت عَن ذكرهَا هَا هُنَا لِأَنَّهَا بالْكلَام أشبه
فَأَما الْكَلَام فِي الْفَصْل الثَّانِي فَهُوَ أَن مَا لَا يتم الْعِبَادَة إِلَّا مَعَه ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يُمكن الْمُكَلف تَحْصِيله كالقدرة وَالْآخر يُمكن تَحْصِيله فَالْأول لَا يدل الْأَمر بِالْعبَادَة على وُجُوبه لِأَنَّهُ غير مُمكن فعله وَالْأَمر من الْحَكِيم لَا يتَوَجَّه بِمَا لَا يُمكن وَلَا يتَوَجَّه إِلَى الْعِبَادَة إِلَّا بِشَرْط حُصُول الْقُدْرَة لِأَنَّهُ إِن كَانَ يُوجد مَعَ فقدها كَانَ أمرا بِمَا لَا يُطَاق وَالثَّانِي على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون الْأَمر بِالْعبَادَة ورد مَشْرُوطًا بِحُصُول مَا يفْتَقر إِلَيْهِ الْعِبَادَة نَحْو أَن يُقَال
стр. 94
للمكلف اصْعَدْ السَّطْح إِن كَانَ السّلم مَنْصُوبًا وَهَذَا يَقْتَضِي وجوب الصعُود إِن كَانَ السّلم مَنْصُوبًا لِأَن الْأَمر تنَاول الْمُكَلف بِهَذَا الشَّرْط وَقد حصل الشَّرْط وَلَا يتَنَاوَل الْمُكَلف مَعَ فقد الشَّرْط فَلم يُوجب عَلَيْهِ صعُودًا كساير مَا لَا يتَنَاوَلهُ الْأَمر وَإِذا لم يُوجب عَلَيْهِ الصعُود لم يُوجب عَلَيْهِ نصب السّلم وَالضَّرْب الآخر أَن يرد الْأَمر مُطلقًا نَحْو أَن يُقَال للمكلف اصْعَدْ السَّطْح فان هَذَا الْأَمر يُوجب عَلَيْهِ الصعُود وَتَقْدِيم نصب السّلم يدل على ذَلِك أَن الْأَمر الْمُطلق يَقْتَضِي إِيقَاع الْفِعْل لَا محَالة مَتى أمكن إِيقَاعه وَإِذا اقْتضى ذَلِك اقْتضى إِيقَاع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْفِعْل وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْمُطلق يَقْتَضِي إِيقَاع الْفِعْل على كل حَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُقَيّدا بِوَقْت نَحْو أَن يُقَال اصْعَدْ السَّطْح فِي هَذَا الْوَقْت فانه يجْرِي مجْرى أَن نقُول لَهُ لَا يخرج هَذَا الْوَقْت إِلَّا وَقد صعدت السَّطْح على كل حَال مَتى تمكنت الصعُود إِذْ لَيْسَ فِي لفظ الْأَمر ذكر الشَّرْط وَلَو قيل لَهُ ذَلِك لزمَه الصعُود على كل حَال وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن هَذَا يَقْتَضِي وجوب نصب السّلم لِأَنَّهُ لَو لم يجب نصب السّلم بل كَانَ مُبَاحا أَن لَا ينصبه لَكَانَ الْأَمر كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ مُبَاح أَن لَا تنصب السّلم وواجب عَلَيْك مَعَ فقد السّلم وَغَيره أَن تصعد وَذَلِكَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق
فَإِن قيل لَيْسَ يَخْلُو الْأَمر بالصعود إِمَّا أَن يكون مَشْرُوطًا بِنصب السّلم أَو غير مَشْرُوط بِهِ فَإِن كَانَ مَشْرُوطًا بِهِ فَهُوَ قَوْلنَا وَيجب إِذا لم يكن السّلم مَنْصُوبًا أَن لَا يكون مُتَوَجها إِلَى الْمُكَلف وَلَا يلْزمه نَصبه وَإِن كَانَ غير مَشْرُوط بِوُجُود السّلم فَذَلِك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَالْجَوَاب أَنا لَا نعقل من قَوْلهم إِن الْأَمر بالصعود مَشْرُوط بِنصب السّلم إِلَّا أَنه يتَنَاوَل الْمَأْمُور عِنْد نصب السّلم وَلَا يتَنَاوَلهُ إِذا لم يكن السّلم مَنْصُوبًا وَهَذَا مَوضِع الْخلاف لأَنا نقُول إِن الْأَمر يتَنَاوَل الْمَأْمُور سَوَاء كَانَ السّلم مَنْصُوبًا أَو غير مَنْصُوب وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لأَنا نقُول إِن الْأَمر اقْتضى وجوب نصب السّلم وَهُوَ مُمكن للمكلف وَلَوْلَا صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ لَكَانَ كل من أَمر غُلَامه بحاجة فِي السُّوق وَهُوَ فِي الْبَيْت أَن يكون إِنَّمَا أمره بذلك إِن حصل فِي أقرب
стр. 95
الْأَمَاكِن من مَكَان تِلْكَ الْحَاجة إِن كَانَت الْقِسْمَة لَا تَخْلُو مِمَّا ذَكرُوهُ
فَإِن قَالُوا لَيْسَ فِي لفظ الْأَمر ذكر الْإِيجَاب غير الْمَأْمُور بِهِ فَلم أوجبتموه قيل لِأَن وجوب الْمَأْمُور بِهِ اقْتضى وُجُوبه كَمَا أَوجَبْنَا التَّسَبُّب وَإِن كَانَ الْأَمر بالمسبب لَا ذكر للسبب فِيهِ وكما أَوجَبْنَا ستر بعض الرّكْبَة وَإِن لم يكن لَهُ ذكر فِي الْأَمر بستر الْفَخْذ
فَإِن قيل هلا شرطتم الْأَمر بِحُصُول الصّفة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا الْفِعْل حَتَّى لَا يلْزم وجوب تَحْصِيل تِلْكَ الصّفة قيل لِأَن اشْتِرَاط مَا ذكرْتُمْ يمْنَع من ثُبُوت وجوب الْمَأْمُور بِهِ فِي بعض الْحَالَات وعَلى بعض الْوُجُوه بِأَن لَا تكون الصّفة حَاصِلَة ول يلْزم تَحْصِيلهَا وَنحن قد بَينا أَن ظَاهر الْأَمر يَقْتَضِي وجوب الْمَأْمُور على كل حَال فاشتراط مَا ذكرْتُمْ فِيهِ ترك للظَّاهِر
فَإِن قَالُوا لَسْتُم بِأَن تتمسكوا بِظَاهِر الْأَمر فِي إِيجَاب الْمَأْمُور بِهِ على كل حَال وتتركوا ظَاهره فِي إِيجَاب مَا لَا ذكر لَهُ فِي الْأَمر بِأولى من أَن تتمسكوا بِظَاهِرِهِ فِي نفي وجوب مَا لَا ذكر لإيجابه فِيهِ وَهُوَ ترك ظَاهر الْأَمر فِي نفي اشْتِرَاط شَرط يمْنَع من وجوب الْمَأْمُور بِهِ فِي بعض الْحَالَات قيل قد سلمتم وَبينا نَحن أَن مَا تفعلونه أَنْتُم ترك لظَاهِر الْأَمر فَأَما إيجابنا لما لَا ذكر لَهُ فِي الْأَمر فَلَيْسَ بترك لظَاهِر الْأَمر فَيَقَع بَيْننَا وَبَيْنكُم الْمُسَاوَاة فِي ترك إِحْدَى الظاهرين وَاسْتِعْمَال الآخر لِأَن مَا لَا يتم الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا مَعَه كَمَا أَنه لَا ذكر لإيجابه فِي الْأَمر فَإِنَّهُ لَا ذكر لنفي وُجُوبه فِيهِ وَمن أوجب مَا لَا يمْنَع اللَّفْظ من وُجُوبه وَلَا يَقْتَضِي صَرِيحه وُجُوبه لم يكن تَارِكًا لظَاهِر اللَّفْظ أَلا ترى أَن إِثْبَات الرِّبَا لَيْسَ بترك لآيَة الدّين لما لم ينفه وَلم يتَعَرَّض لَهُ أصلا فَأَما ظَاهر قَوْله افْعَل فِي هَذَا الْوَقْت فانه يَقْتَضِي أَن يفعل فِيهِ على كل حَال مَتى أمكنه فعله فِيهِ على كل حَال فَالْقَوْل بِأَنَّهُ مَشْرُوط شرطا إِن لم يكن حَاصِلا فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْفِعْل إِسْقَاط الْوُجُوب فِي كل حَال مَعَ أَن ظَاهر القَوْل اقْتَضَاهُ
стр. 96
- ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ نهي عَن ضِدّه دَال على قبحه أم لَا ﷺ َ -
ذهب قوم إِلَى أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه وَخَالفهُم أخرون على ذَلِك وَإِلَيْهِ ذهب قَاضِي القاضة واصحابنا وَالْخلاف فِي ذَلِك إِمَّا فِي الِاسْم وَإِمَّا فِي الْمَعْنى
فَالْخِلَاف فِي الِاسْم أَن يسموا الْأَمر نهيا على الْحَقِيقَة وَهَذَا بَاطِل لِأَن أهل اللُّغَة فصلوا بَين الْأَمر وَالنَّهْي فِي الِاسْم وَسموا هَذَا أمرا وَسموا هَذَا نهيا وَلم يستعملوا اسْم النَّهْي فِي الْأَمر فَإِن استعملوه فِيهِ فقليل نَادِر
وَالْخلاف فِي الْمَعْنى من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال إِن صِيغَة لَا تفعل وَهُوَ النَّهْي مَوْجُودَة فِي الْأَمر وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ لِأَن الْحس يَدْفَعهُ وَالْآخر أَن يُقَال إِن الْأَمر نهي عَن ضِدّه فِي الْمَعْنى من جِهَة أَن يحرم ضِدّه وَهَذَا يكون من وُجُوه
مِنْهَا أَن يُقَال إِن صِيغَة الْأَمر تَقْتَضِي إِيقَاع الْفِعْل ونمنع من الْإِخْلَال بِهِ وَمن كل فعل يمْنَع من فعل الْمَأْمُور بِهِ فَمن هَذِه الْجِهَة يكون محرما لضد الْمَأْمُور بِهِ وَهَذَا قد بَينا صِحَّته من قبل
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِن الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب لدَلِيل سوى هَذَا الدَّلِيل فاذا تجرد الْأَمر عَن دلَالَة تدل على أَن أحد أضداد الْمَأْمُور بِهِ يقوم مقَامه فِي الْوُجُوب اقْتضى قبح أضداده إِذْ كل وَاحِد مِنْهَا يمْنَع من فعل الْمَأْمُور بِهِ وَمَا منع من فعل الْوَاجِب فَهُوَ قَبِيح وَهَذَا الْوَجْه أَيْضا فَهُوَ صَحِيح إِذا ثَبت أَن الْأَمر يدل على الْوُجُوب
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِن الْأَمر يدل على كَون الْمَأْمُور بِهِ ندبا فَيَقْتَضِي أَن الأولى أَن لَا يفعل ضِدّه كَمَا أَن النَّهْي على طَرِيق التَّنْزِيه يَقْتَضِي أَن الأولى أَن لَا يفعل
стр. 97
الْمنْهِي عَنهُ وَهَذَا لَا يأباه الْقَائِلُونَ بِأَن الْأَمر على النّدب غير أَنه لَو سمي الْأَمر بالندب نهيا عَن ضد الْمَأْمُور بِهِ لَكنا منهيين عَن البيع وَسَائِر الْمُبَاحَات لأَنا مأمورون بأضدادها من النّدب
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي حسنه أَو كَونه ندبا وَحسن الشَّيْء يَقْتَضِي قبح ضِدّه وَأَن الْأَمر يدل على إِرَادَة الْآمِر للْمَأْمُور بِهِ وَإِرَادَة الشَّيْء كَرَاهَة ضِدّه أَو تتبعها لَا محَالة كَرَاهَة ضِدّه إِمَّا من جِهَة الْحِكْمَة أَو الصِّحَّة والحكيم لَا يكره إِلَّا الْقَبِيح وَهَذَا كُله بَاطِل بالنوافل لِأَنَّهَا حَسَنَة وَمرَاده لَيست اضدادها قبيحة وَلَا مَكْرُوهَة
فَإِن قَالُوا صِيغَة افْعَل إِذا تعلّقت بالنوافل لم تكن أمرا على الْحَقِيقَة فَلهَذَا لم تكن نهيا عَن أضدادها قيل إِنَّمَا كلامنا على قَوْلكُم إِن حسن الشَّيْء وَتعلق الْإِرَادَة بِهِ يَقْتَضِي قبح ضِدّه وَكَونه مَكْرُوها وَهَذَا منتقض بالنوافل سَوَاء سميتم مَا تعلق بِهِ أمرا أم لَا ثمَّ يُقَال لَهُم فاذا كَانَ مَا تعلق بالنوافل لَيْسَ بِالْأَمر فَمَا الْأَمر فان قَالُوا مَا دلّ على الْوُجُوب كَانُوا قد تركُوا هَذَا الْقسم وَعدلُوا إِلَى مَا تقدم فَأَما النَّهْي عَن الشَّيْء فانه دُعَاء إِلَى الْإِخْلَال بِهِ فَيجب كَونه فِي معنى الْأَمر بِمَا لَا يَصح الْإِخْلَال بالمنهي عَنهُ إِلَّا مَعَه فَإِن كَانَ للمنهي عَنهُ ضد وَاحِد وَلَا يُمكن الِانْصِرَاف عَنهُ إِلَّا إِلَيْهِ كَانَ النَّهْي دَلِيلا على وُجُوبه بِعَيْنِه وَإِن كَانَ لَهُ اضداد كَثِيرَة وَلَا يُمكن الِانْصِرَاف عَنهُ إِلَّا إِلَى وَاحِد مِنْهَا كَانَ النَّهْي فِي حكم الْأَمر بهَا أجمع على الْبَدَل ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر الْمُطلق هَل يَقْتَضِي الْفِعْل مرّة وَاحِدَة أَو يَقْتَضِي التّكْرَار ﷺ َ -
ذهب بعض النَّاس إِلَى أَن ظَاهره يُفِيد التّكْرَار وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ إِنَّه لَا يفِيدهُ وَإِنَّمَا يُفِيد إِيقَاع الْفِعْل فَقَط وبالمرة الْوَاحِدَة يحصل ذَلِك وَالدَّلِيل على
стр. 98
ذَلِك أَن السَّيِّد إِذا أَمر غُلَامه بِالدُّخُولِ إِلَى الدَّار أَو يشترى اللَّحْم لم يعقل مِنْهُ التّكْرَار وَلَو ذمه على تَركه تكْرَار الدُّخُول لامه الْعُقَلَاء وَلَو كرر الدُّخُول اليها جَازَ أَن يلومه وَيَقُول لَهُ إِنِّي لم آمُرك بتكرار الدُّخُول إِلَيْهَا
فان قيل أَلَيْسَ الرجل إِذا قَالَ لغيره أكْرم فلَانا أَو أحسن عشرته عقل مِنْهُ التّكْرَار قيل لَهُ الْمَعْقُول من قَول الْقَائِل لغيره أحسن عشرَة فلَان لَا تسيء عشرته وَلِهَذَا يُقَال لمن لَا يسيء عشرته على غَيره إِنَّه يحسن عشرته وَالنَّهْي يُفِيد الاستدامة وَأَيْضًا فَإِن هَذَا الْكَلَام يعقل مِنْهُ فعل الْإِكْرَام والتعظيم وَمَعْلُوم أَنه لم يَأْمُرهُ باكرامه وتعظيمه إِلَّا لِأَنَّهُ عِنْده يسْتَحق ذَلِك فَمَتَى لم يعلم زَوَال الْعلَّة الْمُوجبَة لاستحقاقه وَجب دوَام ذَلِك فبهذه الْقَرِينَة يعلم دوَام الْإِكْرَام لَا لمُجَرّد الْأَمر وايضا فان قَوْلنَا عشرَة يُفِيد جملَة من الْأَفْعَال لَا فعلا وَاحِدًا أَلا ترى أَن من رَأَيْنَاهُ يُعَامل غَيره بِعَمَل وَاحِد جميل لَا يُوصف بِأَنَّهُ حسن الْعشْرَة وَإِنَّمَا يُوصف بذلك إِذا عرفنَا أَن ذَلِك من عَادَته وَأَنه يُكَرر هَذَا الْفِعْل وَإِذا كَانَ اسْم الْعشْرَة يُفِيد جملَة من الْأَفْعَال وَالْأَمر بِحسن الْعشْرَة أَمر بجملة من الْأَفْعَال حَسَنَة وَلَيْسَ أسم الْعشْرَة يتَنَاوَل فعلا وَاحِدًا حَتَّى إِذا اسْتُفِيدَ من قَوْلنَا أحسن عشرَة فلَان أَفعَال كَثِيرَة وَجب أَن يكون قد دلّ على تكْرَار فَائِدَته
دَلِيل آخر قَول الْقَائِل لغيره ادخل الدَّار مَعْنَاهُ كن دَاخِلا لِأَن من دخل الدَّار يُوصف بِأَنَّهُ دَاخل وبدخلة وَاحِدَة يُوصف بانه دَاخل فَكَانَ ممتثلا للامر وَكَانَ الْأَمر عَنهُ سَاقِطا كَمَا أَن قَوْله اضْرِب رجلا يسْقط عَنهُ إِذا ضرب رجلا وَاحِدًا لِأَنَّهُ بذلك يُوصف بِأَنَّهُ ضَارب لرجل فَإِن قيل وَهُوَ بالدخلة الثَّانِيَة يُوصف بِأَنَّهُ دَاخل أَيْضا فَهَلا دخلت تَحت الْأَمر أَو توقفتم فِي دُخُولهَا فِيهِ قيل بالدخلة الأولى يكون دَاخِلا على الْكَمَال لِأَنَّهُ يكون دَاخِلا على الْإِطْلَاق فكمل بهَا فَائِدَة الْأَمر وَإِنَّمَا الدخلة الثَّانِيَة تكْرَار لفائدة الْأَمر بعد استكمالها وَإِن وَقع عَلَيْهِ اسْم دُخُول فَلم يدْخل تَحت الْأَمر إِلَّا بِلَفْظ
стр. 99
تكْرَار أَو عُمُوم كَمَا أَنه إِذا قَالَ لَهُ اضْرِب رجلا فَضرب فَإِنَّهُ بِضَرْب وَاحِد يكون مستكملا لفائدة الْأَمر وَإِنَّمَا ضرب رجل آخر تكْرَار لفائدة الْأَمر بعد استكماله فَلم يلْزم بِالْأَمر الْمُطلق وَإِنَّمَا يلْزم بِلَفْظ عُمُوم وَلَا لفظ للْعُمُوم هَا هُنَا
فان قيل مَا أنكرتم أَن يكون قَوْله اضْرِب مَعْنَاهُ افْعَل الضَّرْب وَلَو قَالَ ذَلِك لوَجَبَ أَن يفعل جنس الضَّرْب لِأَن لَام الْجِنْس تَقْتَضِي استغراق الْجِنْس قيل إِنَّمَا أَنْكَرْنَا ذَلِك لِأَن قَوْله اضْرِب تصريف من ضرب لَا من الضَّرْب لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر الْألف وَاللَّام يبين ذَلِك أَنه لَو كَانَ قَوْله اضْرِب مَعْنَاهُ افْعَل الضَّرْب لَكَانَ قَوْله زيد ضرب مَعْنَاهُ افْعَل الضَّرْب فَكَانَ يجب أَن يفهم مِنْهُ تكْرَار الضَّرْب واستغراق الْجِنْس وَمَعْلُوم أَن الْمَفْهُوم من ذَلِك ضرب مرّة وَلَا نعلم بِهِ مَاذَا عَلَيْهَا فَيجب أَن نعلم بِالْأَمر وجوب الْمرة وَلَا نعلم بِهِ وجوب مَا زَاد عَلَيْهَا فَإِن قيل فَيجب أَن يشكوا فِيمَا زَاد عَلَيْهَا قيل لَا يجب ذَلِك لِأَن الْأَمر إِن لم يفده كفى فِي نَفْيه أَن لَا يدل دَلِيل آخر عَلَيْهِ وَلَو دلّ دَلِيل آخر عَلَيْهِ لَكنا إِنَّمَا استفدناه بِغَيْر الْأَمر
احْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا وجود أوَامِر فِي الْقُرْآن على التّكْرَار وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يدل على أَنه عقل التّكْرَار من ظَاهرهَا كَمَا لم يدل وجود الفاظ عَامَّة فِي الْقُرْآن لم يرد بهَا الْعُمُوم على أَنَّهَا مَا وضعت لَهُ على أَن فِي الْقُرْآن إِيجَاب الْحَج وَلَيْسَ وُجُوبه متكررا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يفد الْأَمر التّكْرَار لما اشْتبهَ على سراقَة ذَلِك مَعَ أَنه عَرَبِيّ حِين قَالَ للنَّبِي ﵇ أحجتنا هَذِه لِعَامِنَا أَو لِلْأَبَد وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ فِي الْخَبَر دَلِيل على أَن سَبَب سُؤَاله اشْتِبَاه ذَلِك عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْإِيجَاب يُفِيد التّكْرَار لما اشْتبهَ على سراقَة فَكَانَ لَا يسْأَل عَن ذَلِك وَلَيْسَ
стр. 100
يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا سَأَلَ لِأَن الْأَمر فِي اقتضائه الْمرة والتكرار مشتبه بل لِأَنَّهُ ظن أَن الْحَج مقيس على الصَّلَوَات وَالصِّيَام وَالزَّكَاة فَأَرَادَ إِزَالَة هَذَا الِاشْتِبَاه وَقَول النَّبِي ﷺ لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ دَلِيل على أَن وجوب التّكْرَار لم يستفد من الْإِيجَاب بل من قَوْله ﷺ وَجَوَابه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأَمر لَا اخْتِصَاص لَهُ بِزَمَان دون زمَان فَاقْتضى إِيقَاع الْفِعْل فِي جَمِيعه وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بالفور يجْعَلُونَ الْأَمر بأقرب الْأَوْقَات إِلَيْهِ أخص فَمنهمْ من يَقُول إِذا لم يفعل الْمُكَلف فِي أقرب الْأَوْقَات إِلَيْهِ لم يلْزمه الْفِعْل إِلَّا بِدَلِيل آخر وَمِنْهُم من يَقُول يلْزمه الْفِعْل بِالْأَمر لَا لِأَن الْأَمر نعقله بالأوقات على سَوَاء بل لِأَنَّهُ يجْرِي مجْرى قَول الْقَائِل افْعَل فِي الْوَقْت الأول فان لم تفعل فَفِي الثَّانِي فان لم تفعل فَفِي الثَّالِث وَالْأَمر عِنْدهم يتَعَلَّق بالأوقات على سَوَاء بل لِأَنَّهُ يجرى مجْرى قَول الْقَائِل افْعَل فِي الْوَقْت الأول فَأن لم تفعل فَفِي الثَّانِي فَأن لم تفعل فَفِي الثَّالِث وَالْأَمر عِنْدهم يتَعَلَّق بالأوقات كلهَا على هَذَا التَّرْتِيب وَأما النافون للفور فانهم يَقُولُونَ لَا اخْتِصَاص للامر بالأوقات وَإِذا لم يكن لَهُ بهَا اخْتِصَاص صَحَّ إِيجَاب الْفِعْل فِي جَمِيعهَا على الْبَدَل وعَلى الْجمع لِأَن الِاخْتِصَاص زائل فِي الْحَالين فَلم يكن فقد الِاخْتِصَاص طَرِيقا إِلَى أَحدهمَا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يفد الْأَمر التّكْرَار لما صَحَّ وُرُود النّسخ عَلَيْهِ وَلَا الِاسْتِثْنَاء لِأَن وُرُود النّسخ على الْمرة الْوَاحِدَة يدل على البداء وورود الِاسْتِثْنَاء عَلَيْهَا يكون نقضا وَالْجَوَاب أَن النّسخ لَا يجوز وُرُوده عَلَيْهِ إِلَّا أَن يدل الدَّلِيل على أَن المُرَاد بِالْأَمر التّكْرَار فيبين النّسخ أَن بعض المرات لم يرد وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاء لَا يجوز وُرُوده على الْأَمر على قَول من قَالَ بالفور وَأما من لم يقل بالفور فانه يجوز أَن يرفع الِاسْتِثْنَاء الْفِعْل فِي بعض الْأَوْقَات الَّتِي الْمَأْمُور مُخَيّر بَين إِيقَاع الْمرة فِيهَا وَقد قَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله ﵀ إِن وُرُود النّسخ وَالِاسْتِثْنَاء على الْأَمر يدلان على أَنه قد أُرِيد بِهِ التّكْرَار
стр. 101
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يفد الْأَمر إِلَّا مرّة وَاحِدَة لم يكن لقَوْل الْقَائِل لغيره افْعَل مرّة معنى إِذْ ذَلِك مَعْقُول من الْأَمر من غير تَقْيِيد وَالْجَوَاب أَن الْمُقْتَضى لذَلِك هُوَ الْمُقْتَضى لحسن التَّأْكِيد فِي الْكَلَام وَهُوَ مَا يُفِيد من قُوَّة الْعلم أَو الظَّن وَأَيْضًا لَو اقْتضى التّكْرَار لم يحسن أَن يَقُول افْعَل متكررا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو أَفَادَ الْأَمر فعل مرّة لما حسن اسْتِفْهَام الْآمِر فَيُقَال لَهُ اردت بِأَمْرك فعل مرّة أَو أَكثر لِأَن الْأَمر قد دلّ على الْمرة بِالْأَمر وَالْجَوَاب أَنه يحسن ذَلِك طلبا لتأكيد الْعلم أَو الظَّن أَو لِأَن الْمَأْمُور عَارضه شُبْهَة جوز لأَجلهَا التّكْرَار وسنشبع الْكَلَام فِي ذَلِك عِنْد الْكَلَام فِي الْعُمُوم إِن شَاءَ الله
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو أَفَادَ الْأَمر مرّة فَلم يفعل الْمُكَلف الْفِعْل فِي الأول لاحتاج فِي فعله فِي الثَّانِي إِلَى دَلِيل وَالْجَوَاب أَن ذَلِك إِنَّمَا يلْزم من قَالَ إِن الْأَمر يَقْتَضِي فعل مرّة وَاحِدَة على الْفَوْر وَهَذَا كَلَام على الْقَائِلين بالفور وَسَيَجِيءُ فِي مَوْضِعه وَمن لم يقل بالفور لَا يلْزمه ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الِاحْتِيَاط يَقْتَضِي تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَر على الْمُكَلف فِيهِ وَلَا نَأْمَن الضَّرَر فِي ترك التّكْرَار لتجويزه أَن يكون الْأَمر على التّكْرَار وَالْجَوَاب أَن الْمُتَكَلّم إِذا علم أَن الْأَمر لَيْسَ على التّكْرَار أَمن الضَّرَر لفقد التّكْرَار وَمَتى أهمل النّظر فِي ذَلِك لم يَأْمَن الضَّرَر فِي اعْتِقَاد وجوب التّكْرَار وإيقاع التّكْرَار بنية الْوُجُوب
وَمِنْهَا أَن الْأَمر ضد النَّهْي وكالنقيض لَهُ فَلَو كَانَ الْأَمر يُفِيد إِيقَاع الْفِعْل مرّة وَاحِدَة لَكَانَ النَّهْي يُفِيد الْإِخْلَال بِالْفِعْلِ مرّة وَاحِدَة وَلما كَانَ النَّهْي يُفِيد الِانْتِهَاء عَن الْفِعْل ابدا كَانَ الْأَمر يُفِيد إِيقَاع الْفِعْل ابدا وَالْجَوَاب أَن النَّهْي كالنقيض للامر على مَا ذَكرُوهُ لِأَن قَول الْقَائِل لغيره كن فَاعِلا مَوْجُود فِي قَوْله لَا تكن فَاعِلا وَإِنَّمَا زَاد عَلَيْهِ لَفْظَة النَّفْي وَهُوَ لَا وَزَاد عَلَيْهِ
стр. 102
التَّاء فَجرى مجْرى قَوْله زيد فِي الدَّار وَلَيْسَ زيد فِي الدَّار وَكَون النَّهْي كالنقيض للامر يُوجب أَن يُفِيد فِي الْفِعْل نقيض فَائِدَة الْأَمر فِي الْفِعْل فاذا كَانَ قَوْلنَا افْعَل يَقْتَضِي أَن نَفْعل فِي زمَان مَا أَي زمَان كَانَ فنفي هَذَا ونقيضه هُوَ أَن لَا نَفْعل فِي شَيْء من الْأَزْمَان لِأَنَّهُ إِن لم يفعل الْيَوْم وَفعل غَدا كَانَ ممتثلا للامر وَلَا يجوز أَن يكون ممتثلا للامر وَالنَّهْي مَعًا مَعَ أَنَّهُمَا نقيضان فصح أَن كَون الْأَمر مُفِيدا لمرة غير مُعينَة يَقْتَضِي أَن يكون نقيضه يرفع الْمرة فِي كل الْأَزْمَان أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل فِي الدَّار رجل يَقْتَضِي أَن فِيهَا رجل غير معِين فاذا قَالَ لَيْسَ فِي الدَّار رجل كَانَ نقيضا لَهُ وَلَا يكون نقيضا لَهُ إِلَّا بِأَن يرفع كل الرِّجَال لِأَنَّهُ إِن رفع بعض الرِّجَال دون بعض كَانَ مُقْتَضى قَوْله فِي الدَّار رجل أَلا ترى أَنه يصدق الْقَائِل فِي الدَّار رجل إِذا كَانَ فِيهَا هَذَا الرجل فَكَذَلِك النَّهْي مَعَ الْأَمر وَأما كَون النَّهْي مُفِيدا لإخلال بِالْفِعْلِ أبدا فَهُوَ حجتنا فِي اقْتِضَاء الْأَمر للْفِعْل مرّة وَاحِدَة لِأَن النَّهْي إِذا أَفَادَ الِانْتِهَاء على الْعُمُوم فنقيضه من الْإِثْبَات يَقْتَضِي مرّة وَاحِدَة غير مُعينَة كَمَا إِن قَوْلنَا لَيْسَ فِي الدَّار رجل لما أَفَادَ نفي كل الرِّجَال كَانَ قَوْلنَا فِي الدَّار رجل يُفِيد إِثْبَات رجل غير معِين لِأَنَّهُ بذلك يكون مناقضا للنَّفْي فَكَذَلِك إِذا كَانَ قَوْلنَا لَا تدخل الدَّار يُفِيد لَا تدْخلهَا أبدا فنقيض ذَلِك أَن يدخلهَا وَلَو مرّة وَاحِدَة لِأَنَّهُ بذلك يخرج من كَونه غير دَاخل إِلَيْهَا أبدا وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَ الْأَمر يَقْتَضِي النَّهْي اقْتضى الْفِعْل مرّة وَاحِدَة
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة الْعَادة فرقت بَينهمَا لِأَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لعَبْدِهِ ادخل الدَّار عقل من ذَلِك مرّة وَاحِدَة وَإِذا قَالَ لَهُ لَا تدخل الدَّار عقل مِنْهُ التَّأْبِيد وَهَذَا فرق لَيْسَ فِيهِ ذكر الْعلَّة المفرقة بَينهمَا وَقَالَ أَيْضا إِن الْأَمر بِالضَّرْبِ يُفِيد أَن يكون الْمَأْمُور ضَارِبًا بالمرة الْوَاحِدَة يتم ذَلِك وَالنَّهْي عَن الضَّرْب يُفِيد أَن لَا يكون ضَارِبًا وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا مَعَ التأييد
стр. 103
وَلقَائِل أَن يَقُول ثبتوا أَن الْمرة الْوَاحِدَة تتمّ فَائِدَة الْأَمر وَلَا تتمّ فَائِدَة النَّهْي حَتَّى يَصح مَا ذكرْتُمْ وعَلى أَن هَذَا الْكَلَام هُوَ ابْتِدَاء دلَالَة وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان أَن مَا ذَكرُوهُ من أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْأَمر وَلَا يَقْتَضِي تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ وَفرق بَينهمَا أَيْضا بِأَن النَّهْي يَقْتَضِي قبح الْمنْهِي عَنهُ والقبيح يجب الِانْتِهَاء عَنهُ أبدا وَالْأَمر يَقْتَضِي الْمَأْمُور بِهِ والحس يجوز تَركه وَأجَاب عَن ذَلِك بِأَن الْقَبِيح فِي وَقت لَا يجب كَونه قبيحا فِي غَيره فَإِن كَانَ ظَاهر النَّهْي لَا يَقْتَضِي الِانْتِهَاء أبدا وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الِانْتِهَاء فِي وَقت مَا فَإنَّا لَا نعلم قبحه فِي كل وَقت وَلَو كَانَ مَا قبح فِي وَقت قبح فِي كل الْأَوْقَات لزم أَن يكون النَّهْي على التَّأْبِيد بِهَذِهِ الدّلَالَة لَا بِظَاهِرِهِ وَأَيْضًا فان الْأَمر إِذا اقْترن بِهِ الْوَعيد كَانَ على الْوُجُوب فان كَانَ الْقَبِيح يلْزم الِامْتِنَاع مِنْهُ أبدا فَالْوَاجِب لَا يجوز الْإِخْلَال بِهِ أبدا
وَقد فرق بَينهمَا بِأَن الْأَمر يَقْتَضِي الْإِقْدَام على الْفِعْل وتكرار الْإِقْدَام عَلَيْهِ أبدا لَا يُمكن لِأَنَّهُ يقطع عَن الْأَغْرَاض وَالنَّهْي يَقْتَضِي الْكَفّ عَن الْفِعْل والكف أبدا عَنهُ مُمكن وَهَذَا لَيْسَ بفرق من جِهَة الْمُوَاضَعَة وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يضعوا لما لَا يُمكن لَفظه أَلا ترى أَن قَوْلهم افْعَل أبدا وَلَا تخل بِهِ وَلَا تتشاغل بغَيْرهَا أَمر يكر بِهِ مَوْضُوع للتأبيد الَّذِي لَا يُمكن وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون الْأَمر يُفِيد من التّكْرَار مَا يُمكن
وَقد فصل بَينهمَا بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي مُخَالفَة النَّهْي فعل مرّة وَاحِدَة وَلَا يَكْفِي فِي امتثاله إِلَّا الْكَفّ أبدا وَيَكْفِي فِي امْتِثَال الْأَمر فعل مرّة وَلِهَذَا يُوصف الْمَأْمُور بِأَنَّهُ ممتثل الْأَمر إِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ مرّة وَاحِدَة وَالْجَوَاب أَنه إِن أمكن أَن يبين ذَلِك قبل الْعلم بِأَن الْأَمر لَيْسَ على التّكْرَار وَالنَّهْي على التّكْرَار فَالْكَلَام صَحِيح وَيجب بَيَان ذَلِك ليَصِح الْفرق وَإِلَّا فللسائل أَن يُنَازع فِي وصف الْمُكَلف بِأَنَّهُ ممتثل لِلْأَمْرِ إِذا فعل مرّة وَاحِدَة
وَفرق بَينهمَا بِأَن الْمَأْمُور لَا يُقَال لَهُ ائتمر بالمرة الثَّانِيَة وَيُقَال للمنهي وَقد انْتهى بالانتهاء عَن الْفِعْل مرّة وثانية فَعلمنَا أَن الْأَمر لَيْسَ على
стр. 104
التّكْرَار وَأَن النَّهْي يفِيدهُ وللمخالف أَن يَقُول إِنِّي أصف الْمَأْمُور بالائتمار كلما كرر الْفِعْل كَمَا قلتموه فِي النَّهْي
وَفرق بَينهمَا بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَانْتَهوا وَإِذا أَمرتكُم بِشَيْء فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم قَالُوا وَذَلِكَ يدل على أَن الْأَمر لَيْسَ على التّكْرَار وَالْجَوَاب أَن هَذَا يدل على ان الْأَمر خلاف النَّهْي فِي شَرط الِاسْتِطَاعَة وَلَيْسَ بِدَلِيل على ان ظَاهر أَحدهمَا التّكْرَار دون الآخر بل لَو قيل إِنَّه يدل على أَن ظاهرهما التّكْرَار وَأَن التّكْرَار يسْقط عَن الْمَأْمُور لفقد الِاسْتِطَاعَة وَلَا يسْقط عَن الْمنْهِي لَكَانَ أولى وَالصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ عني بالاستطاعة الْمَشَقَّة دون الْقُدْرَة لِأَن الْقُدْرَة شَرط فِي امْتِثَال الْأَمر وَالنَّهْي وَإِنَّمَا خص الْأَمر بِاشْتِرَاط هَذِه الِاسْتِطَاعَة لِأَن الْأَفْعَال يظْهر فِيهَا من الْمَشَقَّة مَا لَا يظْهر فِي كثير من التروك ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْأَمر الْمُعَلق بِصفة أَو بِشَرْط هَل يَقْتَضِي تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ بتكرار كل وَاحِد مِنْهُمَا أم لَا ﷺ َ -
أعلم أَنه يَنْبَغِي أَن نذْكر أَولا الشَّرْط وَالصّفة وأحكامهما ثمَّ نذْكر مَا فَائِدَة الْأَمر الْمُعَلق بهما فَنَقُول إِنَّا قد نصف الشَّيْء بِأَنَّهُ شَرط ونعني أَن عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر سَوَاء ورد بِلَفْظ الشَّرْط أَو لم يرد بِلَفْظ الشَّرْط وَذَلِكَ نَحْو الْإِحْصَان الَّذِي يقف عَلَيْهِ تَأْثِير الزِّنَا فِي وجوب الرَّجْم وَقد نعني أَنه وَارِد بِلَفْظ الشَّرْط سَوَاء كَانَ شرطا فِي الْحَقِيقَة أَو عِلّة مُؤثرَة فَالْأول نَحْو أَن يَقُول سُبْحَانَهُ ارجموا الزَّانِي إِن كَانَ مُحصنا وَالثَّانِي أَن يَقُول ارجموا زيدا إِن كَانَ زَانيا وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الشَّرْط هُوَ الْمَعْقُول الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الْمَشْرُوط وَإِذا لم يكن يتَعَلَّق بِهِ الْمَشْرُوط وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن تكون الْعلَّة شرطا وَأَيْضًا إِن من لَا يعرف الشَّرْط لَا يعرف الْمَشْرُوط
стр. 105
فَأَما الصّفة الَّتِي يتَعَلَّق الحكم بهَا فَهِيَ فِي هَذَا الْموضع مَا علق بِهِ الحكم من غير أَن يتَنَاوَلهُ لفظ تَعْلِيل وَلَا لفظ شَرط نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ وَنَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الشَّرْط يجب اخْتِصَاصه بِأُمُور ثَلَاثَة
أَحدهَا أَن يكون متميزا من غَيره وَهَذَا لَا بُد مِنْهُ ليتَمَكَّن الْمُكَلف من إِيقَاع الْفِعْل عِنْده
وَالثَّانِي أَن يكون مُسْتَقْبلا لِأَن الْعِبَادَة الْمُعَلقَة بِالشّرطِ مُسْتَقْبلَة فان قيل أَلَيْسَ قد يَقُول الْإِنْسَان لغيره ادخل الدَّار إِن كَانَ زيد قد دَخلهَا بالْأَمْس قيل إِذا قَالَ ذَلِك كَانَ شَرط دُخُوله علمه بعد الْأَمر بِأَن زيدا قد كَانَ دَخلهَا
وأحدها أَن يكون الشَّرْط مُمكنا وَهَذَا لَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ إِن لم يكن مُمكنا وكلف الْمَأْمُور الْفِعْل الْمَشْرُوط على كل حَال كَانَ قد كلف مَا لَا يطيقه وَبَطل فَائِدَة الشَّرْط وَإِن كلف عِنْد الشَّرْط وَلم يُكَلف عِنْد فَقده كَانَ قد علق الْمَأْمُور بِهِ على شَرط يعلم الْآمِر أَنه لَا يحصل وَهَذَا عَبث
وَأما الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة فَنَقُول قد اخْتلف النَّاس فِيهَا فَكل من جعل الْأَمر الْمُطلق مُفِيدا للتكرار قَالَ إِن الْأَمر الْمُقَيد بِصفة أَو شَرط يفِيدهُ أَيْضا إِذا تكَرر الشَّرْط وَالصّفة وَمن نفي اقْتِضَاء مُطلق الْأَمر لذَلِك اخْتلفُوا فَمنهمْ من جعله مُفِيدا للتكرار إِذا تكَرر الشَّرْط وَالصّفة وَعند أَكثر الْفُقَهَاء أَنه لَا يُفِيد ذَلِك وَعِنْدنَا ان الشَّرْط الَّذِي يقف عَلَيْهِ تَأْثِير الْمُؤثر لَا يجب بتكراره تكْرَار الْمَشْرُوط فَأَما مَا جَاءَ على لفظ الشَّرْط فانه لَا يتَكَرَّر الْمَأْمُور بِهِ بتكراره أَيْضا إِلَّا أَن يكون عِلّة وَكَذَلِكَ الْمُعَلق بِصفة
стр. 106
وَدَلِيلنَا أَنه لَو وَجب التّكْرَار لم يخل إِمَّا أَن يكون الْمُفِيد لوُجُوبه هُوَ الْأَمر أَو الشَّرْط وَالصّفة وَقد بَان فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم أَن الْأَمر لَا يُفِيد ذَلِك وَلَو أَفَادَهُ الشَّرْط لم يخل إِمَّا أَن يفِيدهُ لفظا أَو معنى وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ فِي قَوْلنَا إِن وَإِذا لفظ التّكْرَار وَلَو أَفَادَهُ من جِهَة الْمَعْنى لَكَانَ إِنَّمَا يفِيدهُ من حَيْثُ كَانَ الشَّرْط عِلّة وَهَذَا بَاطِل لِأَن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر فَلَا يمْتَنع أَن يتَكَرَّر الشَّرْط وَلَا يتَكَرَّر الْمُؤثر فَلَا يتَكَرَّر الحكم وَإِذا ثَبت أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَالشّرط لَا يَقْتَضِي تكرارها لم يستفد من مجموعهما إِلَّا تَخْصِيص تِلْكَ الْمرة بِالشّرطِ
وَيُمكن أَن نبتدىء الدّلَالَة فَنَقُول إِن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يتَكَرَّر الشَّرْط وَلَا يتَكَرَّر الْمُؤثر فَلَا يتَكَرَّر الحكم فان قيل فَإِذا جوزتم أَن يكون مَا ذكر بِلَفْظ الشَّرْط مؤثرا فِي الحكم فجوزوا التّكْرَار وقفُوا فِيهِ وَلَا تقطعوا على نَفْيه قيل إِن لفظ الشَّرْط لَا يدل على أَن مَا دخل عَلَيْهِ عِلّة فَلَو كَانَ عِلّة لدل الله عَلَيْهَا فاذا لم يدل عَلَيْهَا قَطعنَا على أَنه لَيْسَ بعلة
دَلِيل آخر الْخَبَر الْمُعَلق بِالشّرطِ لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْمخبر عَنهُ بتكرار الشَّرْط فَكَذَلِك الْأَمر الْمُعَلق بِشَرْط وَقد بَينا الْجمع بَينهمَا فِي الْبَاب الأول وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ زيد سيدخل الدَّار إِن دَخلهَا عَمْرو وَقد دَخلهَا عَمْرو فَدَخلَهَا زيد يعد صَادِقا وَإِن تكَرر دُخُول عَمْرو وَلم يتَكَرَّر دُخُول زيد
دَلِيل آخر الْمَعْقُول فِي الشَّاهِد من تعلق الْأَمر بِالشّرطِ فعل مرّة وَإِن تكَرر الشَّرْط أَلا ترى أَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لعَبْدِهِ اشْتَرِ لَحْمًا إِن دخلت السُّوق لم يعقل مِنْهُ التّكْرَار وَإِن تكَرر مِنْهُ الدُّخُول وَلذَلِك قَالَ الْفُقَهَاء إِن الرجل إِذا طلق امْرَأَته بقوله إِن دخلت الدَّار أَو أَمر وَكيله أَن يطلقهَا إِن دخلت الدَّار لم يتَكَرَّر الطَّلَاق بتكرار الدُّخُول
احْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
стр. 107
مِنْهَا أَنه وجد فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ أوَامِر مُتَعَلقَة بِشُرُوط وصفات وتكرر مأمورها بِتَكَرُّر الصِّفَات نَحْو قَول الله ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا عقل التّكْرَار بِدَلِيل لَا بِهَذِهِ الْآيَات وَأَيْضًا فَإِنَّمَا علم تكْرَار الْحَد بتكرار الزِّنَى لِأَن الزِّنَى وَالسَّرِقَة عِلَّتَانِ فِي الْحَد وَالْعلَّة يتبعهَا حكمهمَا كلما حصلت وَأَيْضًا فمعلوم باضطرار من الدّين تكَرر الْحَد بتكرار ذَلِك
وَمِنْهَا تشبيههم الشَّرْط بِالْعِلَّةِ فِي وجوب تكْرَار الحكم بتكرارها ويقوون ذَلِك بِأَن الشَّرْط آكِد من الْعلَّة لِأَن الشَّرْط يَنْتَفِي الحكم بانتفائه وَلَا يَنْتَفِي مَعْلُول الْعلَّة بانتفائها وَالْجَوَاب أَن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر وَلَيْسَ يلْزم أَن يتَكَرَّر مَعَه الْمُؤثر حَتَّى يتَكَرَّر الْمَشْرُوط بتكراره فَأَما إِذا قَالَ الله سُبْحَانَهُ هَذَا وَاجِب لعِلَّة كَذَا أَو لأجل كَذَا فَإِن الظَّاهِر أَن ذَلِك هُوَ الْمُؤثر فِي الْوُجُوب لَا غير وَلَا يجوز أَن يشرط فِيهِ شرطا إِلَّا بِدلَالَة فَإِذا لم تدل دلَالَة على اشْتِرَاطه لم يشرطه فَوَجَبَ تكْرَار الحكم بتكرار الْعلَّة لِأَنَّهَا تحصل بَيَانا على الْحَد الَّذِي حصل اولا وَإِنَّمَا جَازَ وجود الحكم مَعَ فقدها لِأَنَّهُ يجوز أَن يخلفها عِلّة أُخْرَى وَالشّرط أَيْضا يجوز أَن يخلفه شَرط آخر فاستويا فِي هَذِه الْجِهَة وَقد فصل قَاضِي الْقُضَاة بَين الشَّرْط وَالْعلَّة بِأَن الْعلَّة دلَالَة على الحكم وَالدَّلِيل يتبعهُ الحكم مَتى وجد وَأما الشَّرْط فقد يجوز وجود مثله وَلَيْسَ بِشَرْط أَلا ترى أَن من طلق امْرَأَته بِشَرْط دُخُول الدَّار لم تكن دَخَلتهَا الثَّانِيَة شرطا فِي الطَّلَاق
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ لَا اخْتِصَاص لَهُ بِالشّرطِ الأول من دون أَمْثَاله من الشُّرُوط فَلَزِمَ الْفِعْل عِنْدهَا كلهَا لفقد الِاخْتِصَاص وَفِي ذَلِك تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ وَالْجَوَاب أَن من قَالَ بالفور يَجْعَل الْأَمر بِالشّرطِ الأول من
стр. 108
الِاخْتِصَاص مَا لَيْسَ لَهُ بِغَيْرِهِ فَلَا يلْزمه الْكَلَام وَأما من لم يقل بالفور فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن يرتب الْجَواب على مذْهبه هَكَذَا لَيْسَ يَخْلُو الشَّرْط إِمَّا أَن لَا يغلب على الظَّن تجدّد أَمْثَاله والمأمور مُتَمَكن أَو يغلب على الظَّن تجدده والمأمور مُتَمَكن فَالْأول نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل لغيره أعْط زيدا درهما إِذا دخل الدَّار وَلَا يغلب على الظَّن إِذا دخل الدَّار أَنه يدخلهَا مرّة ثَانِيَة فَمَتَى كَانَ كَذَلِك لزمَه دفع الدِّرْهَم إِلَيْهِ عِنْد الدخلة الأولى لِأَنَّهَا متحققة حُصُولهَا وَيجوز أَن لَا تحصل الدخلة الْأُخْرَى وَمِثَال الثَّانِي أَن يَقُول لَهُ أعْط زيدا درهما إِذا طلعت الشَّمْس وَمَعْلُوم أَنه إِذا كَانَ الْمَأْمُور سالما فان الظَّن يقوم بسلامته مَعَ طُلُوع الشَّمْس فِي غَد وَفِي بعد غَد وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ مَأْمُورا بِالْعَطِيَّةِ عِنْد طُلُوع الشَّمْس فِي غَد وَفِي بعد غَد وَفِي كل يَوْم يغلب على الظَّن تمكنه فِيهِ من الْعَطِيَّة على الْبَدَل وَيكون فقد الِاخْتِصَاص قد اقْتضى تعلق الْمَأْمُور بِهِ بِالشُّرُوطِ كلهَا على الْبَدَل وَيُمكن أَيْضا أَن يُقَال إِن الْعَطِيَّة تجب بِالشّرطِ الأول فَقَط لِأَن قَوْلنَا أعْط زيدا درهما إِذا طلعت الشَّمْس المُرَاد بِهِ تَعْلِيق الْعَطِيَّة بِطُلُوع يَزُول مَعَه غُرُوبهَا وَمَعْلُوم أَن غُرُوبهَا عِنْد هَذَا الْكَلَام لَيْسَ هُوَ غُرُوبهَا من اللَّيْلَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فطلوعها الَّذِي يَزُول مَعَه غُرُوبهَا عَنَّا فِي هَذِه اللَّيْلَة هُوَ طُلُوعهَا من الْغَد فَقَط وَهَذَا هُوَ الَّذِي يفقده النَّاس فَوَجَبَ انصراف ذَلِك إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جمع الشُّرُوط المتجددة وعَلى هَذَا يَسْتَوِي الْجَواب على قَول أَصْحَاب الْفَوْر والتراخي
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يقتض الْأَمر تَعْلِيق الْوُجُوب بِجَمِيعِ الشُّرُوط لاقتضى تَعْلِيقه بأولها وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن تكون الْعِبَادَة إِذا فعلت مَعَ الشَّرْط الثَّانِي دون الأول قَضَاء لَا أَدَاء وَذَلِكَ يحوجها إِلَى دَلِيل آخر وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْأَمر يُفِيد تَعْلِيق الْمَأْمُور بِهِ على الشُّرُوط كلهَا على الْبَدَل لَا يلْزمهُم ذَلِك وَأما الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِالشّرطِ الأول سَيَجِيءُ القَوْل فِيهِ إِن شَاءَ الله وَأما قَاضِي الْقُضَاة فانه الْتزم حَاجَة الْعِبَادَة إِلَى دَلِيل ناتيء فِي إيقاعها عِنْد الشَّرْط الثَّانِي إِذا لم يفعل فِي الأول وَامْتنع من تَسْمِيَتهَا قَضَاء وَذكر فِي الشَّرْح أَن
стр. 109
الْأَمر يتَعَلَّق بِأول الشَّرْط على قَول أَصْحَاب الْفَوْر وَيتَعَلَّق بجميعها على قَول أَصْحَاب التَّرَاخِي
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يفد الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ تكْرَار الْمَأْمُور إِذا تكَرر الشَّرْط لما أَفَادَ النَّهْي الْمُعَلق بِالشّرطِ التّكْرَار يُقَال لَهُم وَلم زعمتم ذَلِك فَإِن قَالُوا لِأَن النَّهْي كالنقيض للامر فَاقْتضى نقيض مَا اقْتَضَاهُ نقيض الْأَمر فِي الْحَال الَّذِي اقْتَضَاهُ قيل لَيْسَ يجب ذَلِك لِأَن كَونه كالنقيض لَهُ يَقْتَضِي أَن يَنْفِي مَا أثْبته الْأَمر فِي جَمِيع الْأَحْوَال كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي النَّهْي الْمُطلق ثمَّ يُقَال لَهُم أما الْقَائِلُونَ بالفور فقد قُلْنَا إِنَّهُم يجهلون الْأَمر الْمُعَلق بِشَرْط يُفِيد إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ مَعَ الشَّرْط الأول وَيُمكن أَن يَجِيء ذَلِك أَيْضا على قَول أَصْحَاب التَّرَاخِي على مَا ذَكرْنَاهُ فالنهي يَقْتَضِي الْمَنْع من إِيقَاعه مَعَ الشَّرْط الأول على التَّأْبِيد سَوَاء تجدّد شَرط ناتيء أَو لم يَتَجَدَّد مِثَال ذَلِك أَن يَقُول الْقَائِل لَا تعط زيدا درهما إِن دخل الدَّار أَو إِن دخل الدَّار فَلَا تعطه درهما فَإِنَّهُ يُفِيد نفي الْعَطِيَّة عِنْد أول دخلة إِلَى الْأَبَد لِأَن من نهي غَيره عَن أَن يُعْطي زيدا درهما إِن دخل الدَّار فَلَيْسَ غَرَضه الْمَنْع من أَن يعقب الْعَطِيَّة الدُّخُول فَقَط بل غَرَضه اسْتِدَامَة نفي الْعَطِيَّة إِلَّا أَن يتداوله فِي ذَلِك فَأَما من قَالَ بالتراخي فَإِن الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ يتَعَلَّق بِجَمِيعِ الشُّرُوط على الْبَدَل على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فان الْأَمر على قَوْلهم فِي تَقْدِير أَن يَقُول الْقَائِل اعط زيدا درهما إِذا طلعت الشَّمْس أما الْيَوْم أَو غَدا أَو بعد غَد فَيجب أَن يُفِيد النَّهْي الْمَنْع من الْعَطِيَّة عِنْد هَذِه الشُّرُوط كلهَا لِأَنَّهُ لما كَانَ نقيض الْأَمر وَجب أَن يمْنَع من الْعَطِيَّة عِنْد جَمِيعهَا لِأَنَّهُ لَو لَو يمْنَع من الْعَطِيَّة عِنْد الشَّرْط الأول وَمنع مِنْهَا عِنْد الشَّرْط الثَّانِي مَا كَانَ مَانِعا من فَائِدَة الْأَمر لِأَن الْمَأْمُور قد يجوز أَن يمتثل الْأَمر بِفعل الْعَطِيَّة عِنْد الشَّرْط الأول وَفِي ذَلِك اجْتِمَاع فَائِدَة الْأَمر وَالنَّهْي مَعَ كَونهمَا كالنقيضين وَهَذَا محَال
وَحكي قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه أجَاب عَن شبهتهم فِي النَّهْي
стр. 110
بِأَن الْعَادة تَقْتَضِي فِي النَّهْي الْمُقَيد بِالشّرطِ أَنه يُفِيد شرطا وَاحِدًا وَإِذا كَانَ مُطلقًا اقْتضى التّكْرَار فَسَوَاء بَين النَّهْي الْمُقَيد بِالشّرطِ وَبَين الْأَمر قَالَ لِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ لَا تخرج من بَغْدَاد إِذا جَاءَ زيد أَفَادَ مرّة وَاحِدَة وَإِذا قَالَ لَا تخرج من بَغْدَاد وَأطلق القَوْل أَفَادَ الْمَنْع من الْخُرُوج على التَّأْبِيد فَإِن قَالُوا فَإِذا كَانَ مُطلق النَّهْي يُفِيد التَّأْبِيد فَيجب أَن يكون تَقْيِيده بِالشّرطِ يُفِيد قصر الْمنْهِي عَنهُ عَلَيْهِ كَمَا قلتموه فِي الْأَمر الْمُقَيد بِالشّرطِ أَنه يُفِيد قصر مُقْتَضى الْأَمر من الْمرة عَلَيْهِ وَأجَاب بِأَن الْمُطلق من النَّهْي أَفَادَ التّكْرَار فِي الْعرف لَا فِي اللُّغَة فَلَا يمْتَنع أَن يبْقى الْمُقَيد بِالشّرطِ على مُقْتَضى اللُّغَة ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر هَل يَقْتَضِي تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ أم لَا ﷺ َ -
ذهب الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِلَى أَنه لَا يَقْتَضِي وجوب تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ فِي أقرب الْأَوْقَات وجوزا تَأْخِير الْمَأْمُور بِهِ عَن أول اوقات الْإِمْكَان وَإِلَى ذَلِك ذهب أَصْحَاب الشَّافِعِي وَذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَنه يَقْتَضِي تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ وَيحرم تَأْخِيره عَن أول أَوْقَات الْإِمْكَان
وَحجَّة الْأَوَّلين هِيَ أَن الْأَمر لَو اقْتضى التَّعْجِيل لَكَانَ إِمَّا أَن يَقْتَضِيهِ بِلَفْظَة أَو بفائدته وَمَعْنَاهُ وَلَيْسَ يَقْتَضِيهِ لَا بِلَفْظَة وَلَا بفائدته فَلم يَقْتَضِي الْفَوْر
أما الدّلَالَة على أَنه لَا يَقْتَضِيهِ بِلَفْظِهِ فَهِيَ أَن قَول الْقَائِل افْعَل لَيْسَ فِيهِ ذكر وَقت مُتَقَدم وَلَا مُتَأَخّر وَإِنَّمَا يُفِيد إِيقَاع الْفِعْل فَقَط وَالْفِعْل إِذا وجد فِي الْوَقْت الأول أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث كَانَ موقعا وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَون الْمَأْمُور ممتثلا للامر وَلَيْسَ يجوز أَن يكون ممتثلا للامر بِفعل مَا يمْنَع الْآمِر مِنْهُ فَجرى مجْرى أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره افْعَل فِي أَي وَقت شِئْت فِي أَنه لَا يُوجب إِيقَاع الْفِعْل فِي وَقت مُتَقَدم وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره ادْفَعْ درهما إِلَى رجل جَازَ لذَلِك الْغَيْر أَن يدْفع أَي دِرْهَم شَاءَ إِلَى أَي رجل شَاءَ لما لم
следующие страницы →