Полный текст (878 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَدَلِيلنَا أَنه لَو وَجب التّكْرَار لم يخل إِمَّا أَن يكون الْمُفِيد لوُجُوبه هُوَ الْأَمر أَو الشَّرْط وَالصّفة وَقد بَان فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم أَن الْأَمر لَا يُفِيد ذَلِك وَلَو أَفَادَهُ الشَّرْط لم يخل إِمَّا أَن يفِيدهُ لفظا أَو معنى وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ فِي قَوْلنَا إِن وَإِذا لفظ التّكْرَار وَلَو أَفَادَهُ من جِهَة الْمَعْنى لَكَانَ إِنَّمَا يفِيدهُ من حَيْثُ كَانَ الشَّرْط عِلّة وَهَذَا بَاطِل لِأَن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر فَلَا يمْتَنع أَن يتَكَرَّر الشَّرْط وَلَا يتَكَرَّر الْمُؤثر فَلَا يتَكَرَّر الحكم وَإِذا ثَبت أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَالشّرط لَا يَقْتَضِي تكرارها لم يستفد من مجموعهما إِلَّا تَخْصِيص تِلْكَ الْمرة بِالشّرطِ
وَيُمكن أَن نبتدىء الدّلَالَة فَنَقُول إِن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يتَكَرَّر الشَّرْط وَلَا يتَكَرَّر الْمُؤثر فَلَا يتَكَرَّر الحكم فان قيل فَإِذا جوزتم أَن يكون مَا ذكر بِلَفْظ الشَّرْط مؤثرا فِي الحكم فجوزوا التّكْرَار وقفُوا فِيهِ وَلَا تقطعوا على نَفْيه قيل إِن لفظ الشَّرْط لَا يدل على أَن مَا دخل عَلَيْهِ عِلّة فَلَو كَانَ عِلّة لدل الله عَلَيْهَا فاذا لم يدل عَلَيْهَا قَطعنَا على أَنه لَيْسَ بعلة
دَلِيل آخر الْخَبَر الْمُعَلق بِالشّرطِ لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْمخبر عَنهُ بتكرار الشَّرْط فَكَذَلِك الْأَمر الْمُعَلق بِشَرْط وَقد بَينا الْجمع بَينهمَا فِي الْبَاب الأول وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ زيد سيدخل الدَّار إِن دَخلهَا عَمْرو وَقد دَخلهَا عَمْرو فَدَخلَهَا زيد يعد صَادِقا وَإِن تكَرر دُخُول عَمْرو وَلم يتَكَرَّر دُخُول زيد
دَلِيل آخر الْمَعْقُول فِي الشَّاهِد من تعلق الْأَمر بِالشّرطِ فعل مرّة وَإِن تكَرر الشَّرْط أَلا ترى أَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لعَبْدِهِ اشْتَرِ لَحْمًا إِن دخلت السُّوق لم يعقل مِنْهُ التّكْرَار وَإِن تكَرر مِنْهُ الدُّخُول وَلذَلِك قَالَ الْفُقَهَاء إِن الرجل إِذا طلق امْرَأَته بقوله إِن دخلت الدَّار أَو أَمر وَكيله أَن يطلقهَا إِن دخلت الدَّار لم يتَكَرَّر الطَّلَاق بتكرار الدُّخُول
احْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
стр. 107
مِنْهَا أَنه وجد فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ أوَامِر مُتَعَلقَة بِشُرُوط وصفات وتكرر مأمورها بِتَكَرُّر الصِّفَات نَحْو قَول الله ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا عقل التّكْرَار بِدَلِيل لَا بِهَذِهِ الْآيَات وَأَيْضًا فَإِنَّمَا علم تكْرَار الْحَد بتكرار الزِّنَى لِأَن الزِّنَى وَالسَّرِقَة عِلَّتَانِ فِي الْحَد وَالْعلَّة يتبعهَا حكمهمَا كلما حصلت وَأَيْضًا فمعلوم باضطرار من الدّين تكَرر الْحَد بتكرار ذَلِك
وَمِنْهَا تشبيههم الشَّرْط بِالْعِلَّةِ فِي وجوب تكْرَار الحكم بتكرارها ويقوون ذَلِك بِأَن الشَّرْط آكِد من الْعلَّة لِأَن الشَّرْط يَنْتَفِي الحكم بانتفائه وَلَا يَنْتَفِي مَعْلُول الْعلَّة بانتفائها وَالْجَوَاب أَن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف تَأْثِير الْمُؤثر وَلَيْسَ يلْزم أَن يتَكَرَّر مَعَه الْمُؤثر حَتَّى يتَكَرَّر الْمَشْرُوط بتكراره فَأَما إِذا قَالَ الله سُبْحَانَهُ هَذَا وَاجِب لعِلَّة كَذَا أَو لأجل كَذَا فَإِن الظَّاهِر أَن ذَلِك هُوَ الْمُؤثر فِي الْوُجُوب لَا غير وَلَا يجوز أَن يشرط فِيهِ شرطا إِلَّا بِدلَالَة فَإِذا لم تدل دلَالَة على اشْتِرَاطه لم يشرطه فَوَجَبَ تكْرَار الحكم بتكرار الْعلَّة لِأَنَّهَا تحصل بَيَانا على الْحَد الَّذِي حصل اولا وَإِنَّمَا جَازَ وجود الحكم مَعَ فقدها لِأَنَّهُ يجوز أَن يخلفها عِلّة أُخْرَى وَالشّرط أَيْضا يجوز أَن يخلفه شَرط آخر فاستويا فِي هَذِه الْجِهَة وَقد فصل قَاضِي الْقُضَاة بَين الشَّرْط وَالْعلَّة بِأَن الْعلَّة دلَالَة على الحكم وَالدَّلِيل يتبعهُ الحكم مَتى وجد وَأما الشَّرْط فقد يجوز وجود مثله وَلَيْسَ بِشَرْط أَلا ترى أَن من طلق امْرَأَته بِشَرْط دُخُول الدَّار لم تكن دَخَلتهَا الثَّانِيَة شرطا فِي الطَّلَاق
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ لَا اخْتِصَاص لَهُ بِالشّرطِ الأول من دون أَمْثَاله من الشُّرُوط فَلَزِمَ الْفِعْل عِنْدهَا كلهَا لفقد الِاخْتِصَاص وَفِي ذَلِك تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ وَالْجَوَاب أَن من قَالَ بالفور يَجْعَل الْأَمر بِالشّرطِ الأول من
стр. 108
الِاخْتِصَاص مَا لَيْسَ لَهُ بِغَيْرِهِ فَلَا يلْزمه الْكَلَام وَأما من لم يقل بالفور فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن يرتب الْجَواب على مذْهبه هَكَذَا لَيْسَ يَخْلُو الشَّرْط إِمَّا أَن لَا يغلب على الظَّن تجدّد أَمْثَاله والمأمور مُتَمَكن أَو يغلب على الظَّن تجدده والمأمور مُتَمَكن فَالْأول نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل لغيره أعْط زيدا درهما إِذا دخل الدَّار وَلَا يغلب على الظَّن إِذا دخل الدَّار أَنه يدخلهَا مرّة ثَانِيَة فَمَتَى كَانَ كَذَلِك لزمَه دفع الدِّرْهَم إِلَيْهِ عِنْد الدخلة الأولى لِأَنَّهَا متحققة حُصُولهَا وَيجوز أَن لَا تحصل الدخلة الْأُخْرَى وَمِثَال الثَّانِي أَن يَقُول لَهُ أعْط زيدا درهما إِذا طلعت الشَّمْس وَمَعْلُوم أَنه إِذا كَانَ الْمَأْمُور سالما فان الظَّن يقوم بسلامته مَعَ طُلُوع الشَّمْس فِي غَد وَفِي بعد غَد وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ مَأْمُورا بِالْعَطِيَّةِ عِنْد طُلُوع الشَّمْس فِي غَد وَفِي بعد غَد وَفِي كل يَوْم يغلب على الظَّن تمكنه فِيهِ من الْعَطِيَّة على الْبَدَل وَيكون فقد الِاخْتِصَاص قد اقْتضى تعلق الْمَأْمُور بِهِ بِالشُّرُوطِ كلهَا على الْبَدَل وَيُمكن أَيْضا أَن يُقَال إِن الْعَطِيَّة تجب بِالشّرطِ الأول فَقَط لِأَن قَوْلنَا أعْط زيدا درهما إِذا طلعت الشَّمْس المُرَاد بِهِ تَعْلِيق الْعَطِيَّة بِطُلُوع يَزُول مَعَه غُرُوبهَا وَمَعْلُوم أَن غُرُوبهَا عِنْد هَذَا الْكَلَام لَيْسَ هُوَ غُرُوبهَا من اللَّيْلَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فطلوعها الَّذِي يَزُول مَعَه غُرُوبهَا عَنَّا فِي هَذِه اللَّيْلَة هُوَ طُلُوعهَا من الْغَد فَقَط وَهَذَا هُوَ الَّذِي يفقده النَّاس فَوَجَبَ انصراف ذَلِك إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جمع الشُّرُوط المتجددة وعَلى هَذَا يَسْتَوِي الْجَواب على قَول أَصْحَاب الْفَوْر والتراخي
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يقتض الْأَمر تَعْلِيق الْوُجُوب بِجَمِيعِ الشُّرُوط لاقتضى تَعْلِيقه بأولها وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن تكون الْعِبَادَة إِذا فعلت مَعَ الشَّرْط الثَّانِي دون الأول قَضَاء لَا أَدَاء وَذَلِكَ يحوجها إِلَى دَلِيل آخر وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْأَمر يُفِيد تَعْلِيق الْمَأْمُور بِهِ على الشُّرُوط كلهَا على الْبَدَل لَا يلْزمهُم ذَلِك وَأما الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِالشّرطِ الأول سَيَجِيءُ القَوْل فِيهِ إِن شَاءَ الله وَأما قَاضِي الْقُضَاة فانه الْتزم حَاجَة الْعِبَادَة إِلَى دَلِيل ناتيء فِي إيقاعها عِنْد الشَّرْط الثَّانِي إِذا لم يفعل فِي الأول وَامْتنع من تَسْمِيَتهَا قَضَاء وَذكر فِي الشَّرْح أَن
стр. 109
الْأَمر يتَعَلَّق بِأول الشَّرْط على قَول أَصْحَاب الْفَوْر وَيتَعَلَّق بجميعها على قَول أَصْحَاب التَّرَاخِي
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو لم يفد الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ تكْرَار الْمَأْمُور إِذا تكَرر الشَّرْط لما أَفَادَ النَّهْي الْمُعَلق بِالشّرطِ التّكْرَار يُقَال لَهُم وَلم زعمتم ذَلِك فَإِن قَالُوا لِأَن النَّهْي كالنقيض للامر فَاقْتضى نقيض مَا اقْتَضَاهُ نقيض الْأَمر فِي الْحَال الَّذِي اقْتَضَاهُ قيل لَيْسَ يجب ذَلِك لِأَن كَونه كالنقيض لَهُ يَقْتَضِي أَن يَنْفِي مَا أثْبته الْأَمر فِي جَمِيع الْأَحْوَال كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي النَّهْي الْمُطلق ثمَّ يُقَال لَهُم أما الْقَائِلُونَ بالفور فقد قُلْنَا إِنَّهُم يجهلون الْأَمر الْمُعَلق بِشَرْط يُفِيد إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ مَعَ الشَّرْط الأول وَيُمكن أَن يَجِيء ذَلِك أَيْضا على قَول أَصْحَاب التَّرَاخِي على مَا ذَكرْنَاهُ فالنهي يَقْتَضِي الْمَنْع من إِيقَاعه مَعَ الشَّرْط الأول على التَّأْبِيد سَوَاء تجدّد شَرط ناتيء أَو لم يَتَجَدَّد مِثَال ذَلِك أَن يَقُول الْقَائِل لَا تعط زيدا درهما إِن دخل الدَّار أَو إِن دخل الدَّار فَلَا تعطه درهما فَإِنَّهُ يُفِيد نفي الْعَطِيَّة عِنْد أول دخلة إِلَى الْأَبَد لِأَن من نهي غَيره عَن أَن يُعْطي زيدا درهما إِن دخل الدَّار فَلَيْسَ غَرَضه الْمَنْع من أَن يعقب الْعَطِيَّة الدُّخُول فَقَط بل غَرَضه اسْتِدَامَة نفي الْعَطِيَّة إِلَّا أَن يتداوله فِي ذَلِك فَأَما من قَالَ بالتراخي فَإِن الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ يتَعَلَّق بِجَمِيعِ الشُّرُوط على الْبَدَل على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فان الْأَمر على قَوْلهم فِي تَقْدِير أَن يَقُول الْقَائِل اعط زيدا درهما إِذا طلعت الشَّمْس أما الْيَوْم أَو غَدا أَو بعد غَد فَيجب أَن يُفِيد النَّهْي الْمَنْع من الْعَطِيَّة عِنْد هَذِه الشُّرُوط كلهَا لِأَنَّهُ لما كَانَ نقيض الْأَمر وَجب أَن يمْنَع من الْعَطِيَّة عِنْد جَمِيعهَا لِأَنَّهُ لَو لَو يمْنَع من الْعَطِيَّة عِنْد الشَّرْط الأول وَمنع مِنْهَا عِنْد الشَّرْط الثَّانِي مَا كَانَ مَانِعا من فَائِدَة الْأَمر لِأَن الْمَأْمُور قد يجوز أَن يمتثل الْأَمر بِفعل الْعَطِيَّة عِنْد الشَّرْط الأول وَفِي ذَلِك اجْتِمَاع فَائِدَة الْأَمر وَالنَّهْي مَعَ كَونهمَا كالنقيضين وَهَذَا محَال
وَحكي قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه أجَاب عَن شبهتهم فِي النَّهْي
стр. 110
بِأَن الْعَادة تَقْتَضِي فِي النَّهْي الْمُقَيد بِالشّرطِ أَنه يُفِيد شرطا وَاحِدًا وَإِذا كَانَ مُطلقًا اقْتضى التّكْرَار فَسَوَاء بَين النَّهْي الْمُقَيد بِالشّرطِ وَبَين الْأَمر قَالَ لِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ لَا تخرج من بَغْدَاد إِذا جَاءَ زيد أَفَادَ مرّة وَاحِدَة وَإِذا قَالَ لَا تخرج من بَغْدَاد وَأطلق القَوْل أَفَادَ الْمَنْع من الْخُرُوج على التَّأْبِيد فَإِن قَالُوا فَإِذا كَانَ مُطلق النَّهْي يُفِيد التَّأْبِيد فَيجب أَن يكون تَقْيِيده بِالشّرطِ يُفِيد قصر الْمنْهِي عَنهُ عَلَيْهِ كَمَا قلتموه فِي الْأَمر الْمُقَيد بِالشّرطِ أَنه يُفِيد قصر مُقْتَضى الْأَمر من الْمرة عَلَيْهِ وَأجَاب بِأَن الْمُطلق من النَّهْي أَفَادَ التّكْرَار فِي الْعرف لَا فِي اللُّغَة فَلَا يمْتَنع أَن يبْقى الْمُقَيد بِالشّرطِ على مُقْتَضى اللُّغَة ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر هَل يَقْتَضِي تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ أم لَا ﷺ َ -
ذهب الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِلَى أَنه لَا يَقْتَضِي وجوب تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ فِي أقرب الْأَوْقَات وجوزا تَأْخِير الْمَأْمُور بِهِ عَن أول اوقات الْإِمْكَان وَإِلَى ذَلِك ذهب أَصْحَاب الشَّافِعِي وَذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَنه يَقْتَضِي تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ وَيحرم تَأْخِيره عَن أول أَوْقَات الْإِمْكَان
وَحجَّة الْأَوَّلين هِيَ أَن الْأَمر لَو اقْتضى التَّعْجِيل لَكَانَ إِمَّا أَن يَقْتَضِيهِ بِلَفْظَة أَو بفائدته وَمَعْنَاهُ وَلَيْسَ يَقْتَضِيهِ لَا بِلَفْظَة وَلَا بفائدته فَلم يَقْتَضِي الْفَوْر
أما الدّلَالَة على أَنه لَا يَقْتَضِيهِ بِلَفْظِهِ فَهِيَ أَن قَول الْقَائِل افْعَل لَيْسَ فِيهِ ذكر وَقت مُتَقَدم وَلَا مُتَأَخّر وَإِنَّمَا يُفِيد إِيقَاع الْفِعْل فَقَط وَالْفِعْل إِذا وجد فِي الْوَقْت الأول أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث كَانَ موقعا وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَون الْمَأْمُور ممتثلا للامر وَلَيْسَ يجوز أَن يكون ممتثلا للامر بِفعل مَا يمْنَع الْآمِر مِنْهُ فَجرى مجْرى أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره افْعَل فِي أَي وَقت شِئْت فِي أَنه لَا يُوجب إِيقَاع الْفِعْل فِي وَقت مُتَقَدم وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره ادْفَعْ درهما إِلَى رجل جَازَ لذَلِك الْغَيْر أَن يدْفع أَي دِرْهَم شَاءَ إِلَى أَي رجل شَاءَ لما لم
стр. 111
يخْتَص الْأَمر بِرَجُل دون رجل وَلَا بدرهم دون دِرْهَم وَكَذَلِكَ يجب أَن لَا يلْزم إِيقَاعه فِي وَقت معِين لِأَنَّهُ لَا يخْتَص بِوَقْت دون وَقت وَأَيْضًا فَإِن قَول الْقَائِل لغيره افْعَل هُوَ طلب للْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبل كَمَا ان قَوْله زيد سيفعل إِخْبَار عَن إِيقَاع الْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبل فَكَمَا لَا يمْتَنع هَذَا الْخَبَر من وجود الدُّخُول بعد مُدَّة من الْخَبَر فَكَذَلِك الْأَمر
وَأما الدّلَالَة على أَنه لَا يَقْتَضِيهِ بفائدة فَهِيَ أَنه لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه يَقْتَضِيهِ بفائدته إِلَّا أَن يُقَال إِن الْأَمر يُفِيد الْوُجُوب وَلَا يتم الْوُجُوب مَعَ جَوَاز التَّأْخِير وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْفِعْل قد يجب وَإِن كَانَ الْمُكَلف مُخَيّرا بَين إِيقَاعه فِي أول الْأَوْقَات وَفِيمَا بعده مَا لم يغلب على ظَنّه فَوَاته إِن لم يَفْعَله فَمَتَى غلب على ظَنّه ذَلِك لم يجز لَهُ الْإِخْلَال وَبِذَلِك يُفَارق النَّوَافِل
دَلِيل آخر السَّيِّد أذا أَمر عَبده بِشَيْء وَلم يعلم حَاجته إِلَيْهِ فِي الْحَال وَلم يعلم إِلَّا الْأَمر فَقَط فانه لَا يفهم مِنْهُ التَّعْجِيل وَهَذِه الْحجَّة لَا يُسَلِّمهَا الْخصم لِأَنَّهُ يَقُول مَتى لم يعلم العَبْد من قصد السَّيِّد أَنه يبيحه التَّأْخِير فانه يعقل من الْأَمر التَّعْجِيل وَيسْتَحق العَبْد الذَّم إِذا لم يعجل الْمَأْمُور بِهِ
وَاسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بالفور بأَشْيَاء مِنْهَا مَا يدل على اقْتِضَاء لفظ الْأَمر لذَلِك وَمِنْهَا مَا يدل على أَن الْوُجُوب الْمُسْتَفَاد من لفظ الْأَمر يَقْتَضِي ذَلِك وَمِنْهَا أَدِلَّة سمعية
أما مَا يدل على أَن لفظ الْأَمر يَقْتَضِي ذَلِك فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده أَن يسْقِيه المَاء فهم مِنْهُ تَعْجِيل سقيه المَاء وَاسْتحْسن الْعُقَلَاء ذمه على تَأْخِير ذَلِك من غير عذر فَعلمنَا أَن الْأَمر يُفِيد ذَلِك والمخالف يَقُول إِنَّمَا عقل بِقَرِينَة وَهُوَ علم العَبْد بِأَن السَّيِّد لَا يَسْتَدْعِي مَاء ليشْرب إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَال هَذَا هُوَ الْأَغْلَب وَلَو لم يعلم إِلَّا نفس الْأَمر لم يفهم ذَلِك كَمَا أَن أَصْحَاب التَّرَاخِي إِذا رجعُوا إِلَى الشَّاهِد فِي أَن
стр. 112
الْأَمر لَا يُفِيد وجوب التَّعْجِيل لم يسلم لَهُم خصمهم مَا يذكرُونَهُ من الشَّاهِد وكل مِنْهُم يَدعِي أَن مَا يَقُوله خَصمه إِنَّمَا يفهم بِقَرِينَة لَا بِمُجَرَّد الْأَمر فان قَالَ أَصْحَاب الْفَوْر إِن السَّيِّد يُعلل ذمه لعَبْدِهِ بِأَن يَقُول أَمرته بِشَيْء فَأَخَّرَهُ فَلَو لم يفد الْأَمر التَّعْجِيل لم يَجْعَل ذَلِك عِلّة قيل لَهُم وَقد يتَعَذَّر الْبعد أَيْضا فَيَقُول أَمرتنِي بِأَن أفعل فَفعلت وَلم تَأْمُرنِي بالتعجيل وَلَا علمت أَن عَلَيْهِ فِي التَّأْخِير مضرَّة
وَأما الْوَجْه الآخر فَقَوْلهم إِن الْوَقْت وَإِن لم يكن مَذْكُورا فِي لفظ الْأَمر فان الْفِعْل لما كَانَ إِنَّمَا يَقع فِي وَقت وَجب أَن يُفِيد إِيقَاعه فِي أقرب الْأَوْقَات إِلَيْهِ كَمَا أَن الفاظ الْعتاق وَالطَّلَاق وَالْبيع تفِيد وُقُوع أَحْكَامهَا فِي أقرب الْأَوْقَات إِلَيْهَا وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ الْعلَّة فِي البيع والإيقاعات مَا ذَكرُوهُ بل الْعلَّة فِي ذَلِك أَن قَول الْقَائِل بِعْت وَقَول المُشْتَرِي اشْتريت إِخْبَار عَن الْحَال برضاهما بانتقال ملك كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه إِلَى الآخر فَجرى مجْرى قَول الْقَائِل تحركت فِي أَنه إِخْبَار عَن الْحَال فَوَجَبَ أَن يحكم فِي ثَانِي الْقبُول بانتقال الْملك لِأَن علمنَا برضاهما لَا يتكامل إِلَّا عِنْد انْقِطَاع الْقبُول وَيُمكن ان يُقَال إِن الْملك ينْتَقل عِنْد آخر جُزْء من أَجزَاء الْقبُول غير أَنا لَا نضبطه فاذا صَحَّ ذَلِك صَار محصول كَلَامهم انه لما كَانَ الْخَبَر عَن الْحَال يَقْتَضِي الْمَأْمُور بِهِ فِي الثَّانِي فِي أَنه جمع بَين شَيْئَيْنِ لَا يشتبهان وَلَيْسوا بذلك أولى مِمَّن حمل الْأَمر على الْخَبَر عَن الْمُسْتَقْبل وَهُوَ أولى لِأَن الْأَمر هُوَ استدعاء الْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبل وَمَعْلُوم أَن الْخَبَر عَن الْمُسْتَقْبل لَا يخْتَص بِالثَّانِي فَكَذَلِك الْأَمر فَأَما قَول الْقَائِل لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَقَوله لعَبْدِهِ أَنْت حر فَهُوَ جَار مجْرى قَوْله للْمَرْأَة أَنْت بَيْضَاء أَو طَوِيلَة فِي أَنه خبر عَن الْحَال وَمَعَ أَنَّهُمَا خبران عَن الْحَال فأحكامهما تثبت بِالشَّرْعِ فالواحب اتِّبَاع الشَّرْع فِي كَيْفيَّة ثبوتهما وَقد أثبتهما الشَّرْع من غير تراخ وَلَيْسَ إِذا جَاءَ الشَّرْع بذلك وَجب أَن يكون مَوْضُوع الْأَمر فِي اللُّغَة الْفَوْر وَلَيْسَ يَصح الْجَواب بِأَن يُقَال إِن حمل الْأَمر على الْإِطْلَاق قِيَاس وَلَو صَحَّ لَكَانَ الدَّال على وجوب التَّعْجِيل غير
стр. 113
الْأَمر لِأَن الْمُسْتَدلّ بِهَذِهِ الدّلَالَة إِنَّمَا يبين بهَا أَن لفظ الْأَمر مَوْضُوع للتعجيل كَمَا أَن الإ يقاع مَوْضُوع لإِفَادَة ذَلِك كَمَا بَين اصحاب التَّرَاخِي قَوْلهم بِقِيَاس الْأَمر على الْخَبَر عَن الْمُسْتَقْبل وَلَا يَصح أَن يفرق أَيْضا بَين الْأَمر والإيقاعات بِأَن يُقَال إِن الْأَمر هُوَ طلب للْفِعْل وَالْفِعْل إِنَّمَا يَقع فِي وَقت فَوَجَبَ أَن يطْلب وقته مَا هُوَ وَأما الطَّلَاق وَالْعتاق فانهما يفيدان أحكاما لَا أفعالا وَذَلِكَ لِأَن الْأَمر كاطلاق فِي إِفَادَة الألحكام لِأَن الْأَمر يُفِيد وجوب الْفِعْل فصح أَن ينظر فِي وَقت الْوُجُوب مَا هُوَ وَالطَّلَاق يُفِيد تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع فصح أَن ينظر فِي وقته هَذَا التَّحْرِيم مَا هُوَ وَكَذَلِكَ الْعتاق وَقد قيل أَيْضا لَو لم تفد الإيقاعات أَحْكَامهَا فِي الثَّانِي لَكَانَ وجودهَا كعدمها وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَمر إِذا جعل على التَّرَاخِي وَلقَائِل أَن يَقُول وَالْأَمر لَو لم يفد الْفَوْر لَكَانَ وجوده كَعَدَمِهِ فان قُلْتُمْ إِن وجوده ينْفَصل من عَدمه وَإِن أَفَادَ التَّرَاخِي لِأَنَّهُ يُفِيد وجوب إِيقَاع الْفِعْل وَيكون إِيقَاعه وإيقاع بدله وَهُوَ الْعَزْم مَوْقُوفا على اخْتِيَاره قيل لكم فَكَذَلِك يُفِيد نقل الْملك فِي وَقت مَا وَيكون نَقله فِي الثَّانِي أَو الْعَزْم على نَقله وَتَسْلِيم البيع فِي الثَّانِي مَوْقُوفا على اخْتِيَاره فان قُلْتُمْ فبماذا ينقلانه إِن كَانَ لفظ البيع نَقله فِي الْحَال قيل لكم ينقلانه بِالتَّسْلِيمِ أَو بِأَن يَقُول كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه قد انْتقل ملكي إِلَيْك فِي هَذِه السَّاعَة فَإِن قُلْتُمْ أَجمعت الْأمة على بطلَان ذَلِك فِي البيع قيل لكم ثُبُوت هَذَا الْإِجْمَاع يَقْتَضِي صِحَة الأَصْل الَّذِي قسنا عَلَيْهِ وَذَلِكَ يُؤَكد صِحَة الْقيَاس وَقد قيل أَيْضا إِن الْأَمر دلَالَة على وجوب إِيقَاع الْفِعْل وَلَيْسَ يجب تَعْجِيل مَدْلُول الدّلَالَة وَلَيْسَ كَذَلِك الطَّلَاق وَالْعتاق لِأَنَّهُمَا سببان لأحكامهما وَالسَّبَب إِذا تكاملت شَرَائِطه وَجب حُصُول سَببه فِي الْحَال وَالْجَوَاب أَنَّهُمَا سَوَاء لِأَن الدّلَالَة قد تدل على حُصُول مدلولها فِي الْحَال وَقد تدل على حُصُوله فِي الْمُسْتَقْبل وَالسَّبَب قد يكون سَببا للْحكم فِي الْحَال وَقد يكون سَببا لثُبُوت الحكم فِي الْمُسْتَقْبل أَلا ترى أَن البيع الْمُؤَجل يكون سَببا لانتقال الْملك فِي الثّمن فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن قُلْتُمْ إِنَّمَا كَانَ البيع الْمُؤَجل كَذَلِك لِأَنَّهُ قد ذكر فِيهِ التَّأْجِيل وَلَيْسَ كَذَلِك البيع
стр. 114
الْمُطلق قيل لَهُم فَقولُوا إِن الْأَمر الْمُقَيد بِوَقْت مُؤَجل يُفِيد التَّرَاخِي وَالْمُطلق يُفِيد الْحَال وعَلى أَن البيع أَيْضا دلَالَة على الرِّضَا وَالرِّضَا هُوَ السَّبَب فِي انْتِقَال الْملك فَقولُوا إِن الرِّضَا لَا يجب أَن يتعقب عقد البيع وَأَيْضًا فان تَكَامل شَرَائِط وجوب الْحَج سَبَب لوُجُوبه وَهُوَ عنْدكُمْ على التَّرَاخِي فان قُلْتُمْ الْوُجُوب حَاصِل وَإِن لم يتضيق قيل لكم فقد بَطل قَوْلكُم إِن الْمُسَبّب لَا يتراخى عَن السَّبَب وَقد قيل ايضا إِن الْبَدَل يجب أَن يكون بازاء الْمُبدل فاذا وَجب انْتِقَال الْملك فِي الْبَدَل وَجب انْتِقَال الْملك فِي الْمُبدل وَلقَائِل أَن يَقُول وَمن أَيْن لكم أَن الْملك قد انْتقل فِي الْمُبدل حَتَّى تبنوا عَلَيْهِ انْتِقَال الْبَدَل وَقد قيل إِن البيع والإيقاعات تَقْتَضِي أَحْكَامهَا على وَجه التَّأْبِيد فَجرى مجْرى النَّهْي فِي اقْتِضَاء الْمَنْع من الْفِعْل على التَّأْبِيد وَأما الْأَمر فانه يَقْتَضِي فعلا وَاحِدًا وَالْجَوَاب أَن كَون الحكم مِمَّا إِذا وَقع دَامَ لَا يمْنَع من أَن نَنْظُر فِي ابْتِدَاء وُقُوعه هَل هُوَ معجل أَو مُتَأَخّر أَلا ترى أَن البيع الْمُؤَجل يَقْتَضِي نقل الْملك فِي الثّمن فِي الْمُسْتَقْبل وَإِذا انْتقل فِيهِ دَامَ وَلَا يَقْتَضِي البيع انْتِقَال الْملك فِيهِ إِلَى حد وَغَايَة وَكَون الْفِعْل الْمُسْتَفَاد بِالْأَمر وَاحِدًا لَا يمْنَع من أَن نَنْظُر فِي وَقت لُزُومه وَأَن يكون وَقت لُزُومه هُوَ أول الْأَوْقَات
واما استدلالهم على الْفَوْر بفائدة الْأَمر فَمن وُجُوه
وَمِنْهَا أَن الْأَمر قد اقْتضى وجوب الْفِعْل فِي أول أَوْقَات الْإِمْكَان بِدلَالَة أَنه لَو أوقعه الْمُكَلف فِيهِ لأسقط الْفَرْض بذلك على نَفسه فجواز تَأْخِيره عَنهُ نقض لوُجُوبه فِيهِ وَإِيجَاب لُحُوقه بالنافلة فِيهِ وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم مَا معنى قَوْلكُم إِن الْأَمر اقْتضى وجوب الْفِعْل فِي أول أَوْقَات الْإِمْكَان فان قَالُوا مَعْنَاهُ أَنه ألزم فعله فِيهِ وَمنع من تَأْخِيره عَنهُ قيل وَهل نوزعتم إِلَّا فِي ذَلِك وَإِن قَالُوا مَعْنَاهُ أَن الْمُكَلف لَو فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت كَانَ قد اسقط الْفَرْض عَن نَفسه قيل وَلم إِذا كَانَ كَذَلِك لَا يجوز تَأْخِير الْفِعْل عَنهُ فان قَالُوا لَو جَازَ تَأْخِيره عَنهُ نقض القَوْل بِسُقُوط الْفَرْض بِالْفِعْلِ فِي ذَلِك الْوَقْت
стр. 115
قيل لَهُم وَلم زعمتم ذَلِك وَمَا انكرتم أَن الْفَرْض إِنَّمَا سقط بايقاع الْفِعْل فِي الأول لِأَن الْأَمر اقْتضى إِيقَاع الْفِعْل فَقَط وَهَذَا حَاصِل إِذا فعله فِي الأول وَإِذا فعله فِي الثَّانِي فَالْأَمْر اقْتضى إِسْقَاط الْفَرْض بِالْفِعْلِ فِي الثَّانِي وَالثَّالِث من حَيْثُ اقْتضى إِسْقَاطه بإيقاع الْفِعْل فِي الأول وَيبْطل بالكفارات الثَّلَاث لِأَنَّهُ إِذا فعل كل وَاحِدَة مِنْهَا سقط الْفَرْض وَمَعَ هَذَا يجوز تَأْخِيرهَا عَنهُ وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن جَوَاز تَأْخِير الْفِعْل عَن ألأول لَا ينْقض وجوب الْفِعْل وَلَا يلْحقهُ بالنافلة لِأَنَّهُ ينْفَصل عَن النَّافِلَة بِأَن النَّافِلَة يجوز الْإِخْلَال بهَا اصلا وَلَيْسَ كَذَلِك الْفَرْض لِأَنَّهُ لَا يجوز الْإِخْلَال بِهِ أصلا وَهَذَا غير صَحِيح لِأَن الْمُسْتَدلّ ألزم على جَوَاز التَّأْخِير عَن الأول بِأَن يلْحق بِمَا هُوَ فعل فِي ذَلِك الْوَقْت وَلم يلْزم أَن يلْحق بالنوافل على الْإِطْلَاق فيفصل بَينه وَبَين النَّافِلَة الْمُطلقَة وَأجَاب شُيُوخنَا فَقَالُوا إِن الْوَاجِب إِذا أخر إِلَى بدل لَام ينتقص وُجُوبه وَلم يلْحق بالنوافل وَالْفِعْل إِنَّمَا يجوز تَأْخِيره عَن ثَانِي الْأَمر إِلَى بدل هُوَ الْعَزْم على أَدَائِهِ وَاسْتَدَلُّوا على كَون الْعَزْم بَدَلا بِأَن الْأَمر اقْتضى إِيجَاب الْفِعْل وَلم يعين الْوَقْت فاذا وَجب الْفِعْل فِي الثَّانِي وَجَاز مَعَ ذَلِك تَأْخِيره عَنهُ لم يُمكن ذَلِك إِلَّا مَعَ الْبَدَل وَقد أَجمعُوا على أَن الْمَأْمُور يلْزمه إِذا لم يفعل الْمَأْمُور بِهِ فِي الثَّانِي أَن يعزم على ادائه فِيمَا بعد فقد دلّ الدَّلِيل على وجوب الْعَزْم وَلم يدل الدَّلِيل على وجوب غَيره فأثبتناه دون غَيره وسنتكلم على هَذَا الْجَواب فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأمة قد أَجمعت على أَن الْفَرْض يسْقط عَن الْمَأْمُور بايقاع الْفِعْل فِي ثَانِي حَال الْأَمر وَلم تجمع على إِسْقَاطه إِذا فعله بعده فَلم يجز تَأْخِيره وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم وَلم إِذا لم تجمع على ذَلِك لم يجز التَّأْخِير وَمَا أنكرتم أَنه لَيْسَ كل مَا لم تجمع الْأمة عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يمْنَع على وجوب صِحَّته دَلِيل غير الْإِجْمَاع كَمَا أَن تَحْرِيم التَّأْخِير لم تجمع الْأمة عَلَيْهِ وَلم يمْنَع من ذَلِك صِحَة القَوْل بِهِ
стр. 116
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْمُكَلف إِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي الثَّانِي سقط عَنهُ الْفَرْض وَفعل مَا وَجب عَلَيْهِ فَعلمنَا أَن الْأَمر قد تنَاول ذَلِك وَهَذَا يمْنَع من الْإِخْلَال بِهِ لِأَنَّهُ بالإخلال بِهِ يفوت إِذْ كَانَ مَا يَقع فِيمَا بعد لَيْسَ هُوَ ذَلِك الْمَأْمُور بِهِ بِعَيْنِه وَإِنَّمَا هُوَ مثله لِأَن أَفعَال الْعباد تحتص بالأوقات فَمَا يَصح أَن يوجدوه فِي وَقت لَا يَصح إيجاده فِي غَيره فَلم يجز أَن يفوت الْمُكَلف مَا علم أَن التَّكْلِيف قد تنَاوله وَالْجَوَاب أَن الْآمِر إِنَّمَا أوجب مَا لَهُ صُورَة مَخْصُوصَة من الْأَفْعَال وَلم يُوجب فعلا معينا لِأَن الْمُكَلف لَا يُمَيّز ذَلِك فاذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَ مَا يَفْعَله فِي الْوَقْت الأول وَفِيمَا بعده قد اخْتصَّ بِتِلْكَ الصُّورَة كَانَ فَاعل كل وَاحِد مِنْهُمَا ممتثلا للامر وأيصا فان الْمُخَالف يَقُول لَو تنَاول الْأَمر الْأَفْعَال المختصة بالأوقات لم يمْتَنع أَن يتَنَاوَل أَعْيَان مَا يخْتَص بِكُل وَقت فَيجوز ترك مَا اخْتصَّ بِالْوَقْتِ الأول إِلَى مَا يخْتَص بِالثَّانِي وَالثَّالِث لِأَن كل وَاحِد من ذَلِك بدل من صاحيه وَالْكَلَام فِي أَن أَفعَال الْمُكَلف تخْتَص بالأوقات لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأَمر قد اقْتضى الْوُجُوب فَحَمله على وجوب الْفِعْل فِي ثَانِي الْأَوْقَات أحوط وَالْجَوَاب أَن النافين للفور يقطعون على نفي وُجُوبه فهم آمنون من الْمضرَّة إِن أخروا الْفِعْل غير خَائِفين من ذَلِك وَيَقُولُونَ طَرِيق الِاحْتِيَاط أَن نَنْظُر هَل يَقْتَضِي الْفَوْر أم لَا فان علمنَا أَنه يَقْتَضِيهِ حملناه عَلَيْهِ وَإِن لم يقتضه لم نحمله عَلَيْهِ وَالِاحْتِيَاط ثَابت فِي كلا الْقسمَيْنِ وَلَيْسَ الِاحْتِيَاط أَن نعتقد وجوب التَّعْجِيل وَنحن لَا نَأْمَن أَن لَا يكون وَاجِبا فنكون قد فعلنَا اعتقادا لَا نَأْمَن كَونه جهلا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأَمر يتَنَاوَل الْفِعْل فَيَقْتَضِي وُجُوبه وَلَا يتَنَاوَل اعْتِقَاد وجوب الْمَأْمُور بِهِ فاذا وَجب تَعْجِيل اعْتِقَاد وجوب الْمَأْمُور بِهِ مَعَ أَن الْأَمر مَا تنَاوله فبأن يقْضِي وجوب تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ أولى وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم لم زعمتم أَنه إِن وَجب تَعْجِيل اعْتِقَاد وجوب الْمَأْمُور بِهِ وَجب تَعْجِيل الْمَأْمُور بِهِ وَمَا
стр. 117
أنكرتم أَن تَعْجِيل الِاعْتِقَاد يجب لدَلِيل يَخُصُّهُ لَا لِلْأَمْرِ وَإِنَّمَا كَانَ يلْزم مَا ذكرتموه لَو وَجب ذَلِك لأجل الْأَمر فان قَالُوا الِاعْتِقَاد تَابع للمعتقد فاذا تعجل الِاعْتِقَاد تعجل المعتقد قيل لَهُم أتعنون أَن وجوب تَعْجِيل الِاعْتِقَاد تَابع لوُجُوب تَعْجِيل المعتقد فان قَالُوا نعم قيل لَهُم لَا نسلم ذَلِك وَإِن قَالُوا نعني أَن وجوب الِاعْتِقَاد تَابع لوُجُوب المعتقد قيل لَهُم وَلم إِذا كَانَ كَذَلِك وَجب إِذا الزم تَعْجِيل الِاعْتِقَاد أَن يلْزم تَعْجِيل المعتقد ثمَّ يُقَال لَهُم إِن الْمُكَلف إِذا سمع الْأَمر بِالْفِعْلِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون قد سبق لَهُ الْعلم بِأَن الْأَمر على الْوُجُوب وَأَن خطاب الْحَكِيم يجب حمله على مَوْضِعه أَو لم يسْبق لَهُ ذَلِك فَإِن كَانَ قد سبق لَهُ ذَلِك فَهُوَ يعلم وجوب الْمَأْمُور بِهِ فِي ثَانِي سَمَاعه الْأَمر الَّذِي يُعلمهُ صادرا من حَكِيم وَلَا يُمكنهُ أَن لَا يعلم ذَلِك فَلَا يَصح أَن يجب وَالْحَال هَذِه وَإِن لم يعلم أَن الْأَمر على الْوُجُوب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون قد علم أَن أَلْفَاظ الْوُجُوب الْمُطلقَة لَا تفِيد الْفَوْر أَو لَا يعلم ذَلِك فان علم ذَلِك فان لم يثبت الْعَزْم بَدَلا يَقُول إِنَّه لَا يلْزمه أَن يعجل اعْتِقَاد الْمَأْمُور بِهِ وَلَا النّظر فِيهِ لِأَنَّهُ يَقُول إِن لم يكن الْأَمر على الْوُجُوب فَلَيْسَ يلْزَمنِي فِي الثَّانِي وَلَا فِيمَا بعده أَن أفعل شَيْئا فَلَا يلْزَمنِي اعْتِقَاد وجوب ذَلِك الشَّيْء وَإِن كَانَ الْأَمر على الْوُجُوب فَلَيْسَ يلْزَمنِي أَيْضا فعل الْوَاجِب فِي الثَّالِث وَلَا فِي الرَّابِع فَلم يلْزَمنِي اعْتِقَاد الْوُجُوب فِي الثَّانِي لِأَن فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي الثَّالِث غير مُتَعَيّن وُجُوبه وَإِنَّمَا يلْزَمنِي أَن انْظُر فِي الْأَمر هَل يُفِيد الْوُجُوب إِذا غلب على ظَنِّي أنني إِن لم أنظر فِي ذَلِك فَأعْلم الْوُجُوب وأفعل عقيبة فَاتَنِي الْفِعْل فيلزمني حِينَئِذٍ أَن أنظر لأنني لَا آمن كَون الْأَمر على الْوُجُوب فان قيل إِن من لَا يثبت الْعَزْم بَدَلا يُوجِبهُ وَيَقُول إِنَّه لَيْسَ بِبَدَل فَهَذَا لزمَه النّظر ليعلم وجوب الْمَأْمُور بِهِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْمَأْمُور بِهِ وَاجِبا لزمَه أَن يَفْعَله أَو يعزم على أَدَائِهِ قيل إِن كثيرا مِنْهُم لَا يَقُول بِوُجُوب الْعَزْم وَمن يَقُول مِنْهُم بِوُجُوبِهِ يَقُول إِنَّمَا يجب إِذا علم الْمُكَلف وجوب الْفِعْل وَقبل أَن يعلم ذَلِك لَا يلْزمه الْعَزْم وَأما من أثبت الْعَزْم بَدَلا فانه يَقُول يلْزم هَذَا الْمُكَلف فِي الثَّانِي أَن
стр. 118
ينظر فِي الْأَمر هَل يَقْتَضِي الْوُجُوب لِأَنَّهُ يلْزمه معجلا أَن يفعل إِمَّا المامور بِهِ أَو الْعَزْم على أَدَائِهِ وَإِنَّمَا يلْزمه الْعَزْم إِذا كَانَ المعزوم عَلَيْهِ وَاجِبا فَلَا يَأْمَن الْمُكَلف أَن يكون الْأَمر على الْوُجُوب وَإِن لم ينظر فِي ذَلِك معجلا فَاتَهُ أحد الواجبين وَأما إِن كَانَ لَا يعلم أَن أَلْفَاظ الْإِيجَاب الْمُطلقَة لَيست على الْفَوْر وَلم يعلم أَن الْأَمر على الْوُجُوب فان لَهُ أَن يقدم النّظر فِي أَن الْأَمر لَو كَانَ على الْوُجُوب لما اقْتضى الْفَوْر فاذا علم ذَلِك سقط عَنهُ تَقْدِيم النّظر فِي وجوب الْفِعْل إِلَّا على قَول من يثبت الْعَزْم بَدَلا على مَا بَينا
وَمِنْهَا أَن يُقَال لَو جَازَ تَأْخِير الْمَأْمُور بِهِ عَن الْوَقْت الثَّانِي أدّى إِلَى أَقسَام كلهَا بَاطِلَة وَمَا أدّى إِلَى الْبَاطِل بَاطِل وَبَيَان ذَلِك أَنه لَو جَازَ تاخيره عَن الثَّانِي لم يخل من أَن يجوز تَأْخِيره لَا إِلَى غَايَة أَو إِلَى غَايَة لَا يجوز أَن يُؤَخر عَنْهَا فَإِن جَازَ لَا إِلَى غَايَة لم يخل من أَن يجوز ذَلِك لَا إِلَى بدل أَو إِلَى بدل وَهَذَا الثَّانِي يَنْقَسِم إِلَى أَن يكون الْبَدَل هُوَ الْعَزْم على ادائه فِي الْمُسْتَقْبل أَو الْوَصِيَّة كَالْحَجِّ وَإِن جَازَ تَأْخِيره إِلَى غَايَة لم تخل تِلْكَ الْغَايَة إِمَّا أَن تكون مَوْصُوفَة أَو مُعينَة أما الْمعينَة فَيجوز أَن يُقَال لَهُ أَخّرهُ إِلَى الْوَقْت الْعَاشِر أَو الْيَوْم الْفُلَانِيّ وَلَا تؤخره عَنهُ وَأما الموصوفة فنحو أَن يُقَال إِذا غلب على ظَنّه أَنه إِن لم يشرع فِي أَدَاء الْمَأْمُور بِهِ فَاتَهُ وَهَذَا ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يغلب على ظَنّه ذَلِك بأمارة أَو لَا بأمارة والأمارة نَحْو الْمَرَض وعلو السن وكل هَذِه الْأَقْسَام بَاطِلَة
أما القَوْل بِجَوَاز تَأْخِير الْمَأْمُور بِهِ لَا إِلَى غَايَة من غير بدل فانه ينْقض وُجُوبه ويلحقه بالنوافل وَأما القَوْل بِأَنَّهُ يجوز تَأْخِيره إِلَى بدل هُوَ الْوَصِيَّة فَبَاطِل أَيْضا لِأَن ذَلِك لَيْسَ بعام فِي كل الْعِبَادَات لِأَنَّهُ لَيْسَ كل الْعِبَادَات تثبت بِالْوَصِيَّةِ وعَلى أَنه إِن جَازَ أَن يكون أَمر الله سُبْحَانَهُ لنا أَن نَفْعل الْعِبَادَة لَا يمْنَع من أَن نعزم على الْإِخْلَال بهَا ونوصي غَيرنَا بهَا لم يمْنَع أمرنَا للْوَصِيّ من أَن يُوصي بِمَا وصينا بِهِ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْوَصِيّ الثَّانِي وَالثَّالِث الى غير غَايَة
стр. 119
وَأما كَون الْعَزْم بَدَلا فقد أفسدنا بَدَلا لَا دَلِيل على كَونه بَدَلا وَلَيْسَ يجوز إِثْبَات بدل لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَإِذا لم يجز كَونه بَدَلا لم يجز تاخير الْعِبَادَة لِأَن تَأْخِيرهَا مَوْقُوف على إِثْبَات بدل لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول قد أَجمعت الْأمة على وجوب الْعَزْم لِأَن قيام الدّلَالَة على وجوب الشَّيْء لَا يَقْتَضِي كَونه بَدَلا من غَيره وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم لم زعمتم أَنه لَا دَلِيل يدل على كَون الْعَزْم بَدَلا فان قَالُوا لِأَنَّهُ لَا ذكر للعزم فِي الْأَمر قيل لَهُم وَلَا ذكر للْوَقْت الثَّانِي فِي الْأَمر ولستم بِأَن تنفوا كَون الْعَزْم بَدَلا لِأَنَّهُ غير مَذْكُور فِي الْأَمر وتتوصلون بذلك إِلَى تعْيين الْوَقْت الثَّانِي بِأولى من أَن ننفي تعْيين الْوُجُوب بِالْوَقْتِ الثَّانِي ونتوصل بذلك إِلَى اثبات بدل لِأَنَّهُ لَا يُمكن بعد ذَلِك إِلَّا إِثْبَات بدله وَقد أفسد كَون الْعَزْم بَدَلا فَقيل إِن الْعَزْم على أَدَاء الْعِبَادَة وَاجِب لَا على سَبِيل الْبَدَل عَنْهَا لِأَنَّهُ يجب على الْمُكَلف أَن يعزم على أَدَائِهَا قبل دُخُول وَقتهَا مَعَ علمنَا بِأَن الْوُجُوب لم يحصل قبل وَقتهَا وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يلْزم الْعَزْم على فعلهَا قبل أَن يجب وَإِنَّمَا يقبح كَرَاهَة فعلهَا فَأَما أَن يعزم الْإِنْسَان وَيُرِيد فعلهَا فَلَا يجب وَيُمكن أَن يعْتَرض هَذَا الْجَواب فَيُقَال لَهُ إِنَّه إِذا وَجَبت الْعِبَادَة وَجَاز تَأْخِيرهَا فَلَيْسَ يجب عَلَيْهِ إِلَّا مَا يجب عَلَيْهِ قبل دُخُول وَقتهَا فان كَانَ يجب عَلَيْهِ فِي أَحدهمَا الْعَزْم وَجب أَيْضا فِي الآخر وَإِن وَجب عَلَيْهِ أَلا يكره الْعِبَادَة وَجب عَلَيْهِ ذَلِك هَا هُنَا وَلَيْسَ يُمكن أَن يَدعِي أَن الْأمة فصلت بَين الْعَزْم على الْأَدَاء وَبَين نفي الْكَرَاهَة فأوجبت أَحدهمَا قبل الْوُجُوب وأوجبت الآخر بعد توجه الْوُجُوب وَيُمكن أَن يُجَاب عَن ذَلِك بِأَن نسلم أَن الْوَاجِب قبل دُخُول الْوَقْت وَتوجه الْوُجُوب مثل مَا يجب بعد توجه الْوُجُوب إِمَّا عزم أَو فقد كَرَاهَة ثمَّ يُقَال إِنَّه لَا يمْتَنع أَن لَا يكون ذَلِك بَدَلا قبل توجه الْوُجُوب وَيكون بَدَلا وَقَائِمًا مقَام الْمُبدل فِي الْمصلحَة كلهَا أَو بَعْضهَا بعد توجه الْوُجُوب لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الْفِعْل أَو الْإِخْلَال بِالْفِعْلِ فِي بعض الْأَوْقَات بَدَلا من شَيْء وَفِي وَقت آخر لَا يكون بَدَلا مِنْهُ فَلَا يجوز أَن يمْنَع من كَون الْعَزْم بعد دُخُول الْوَقْت بَدَلا من الْعِبَادَة لأجل أَنه يجب فعله قبل الْوَقْت وَلَا يكون بَدَلا
стр. 120
طَريقَة أُخْرَى فِي الْعَزْم لَو كَانَ الْعَزْم بَدَلا من الْعِبَادَة لم يخل إِمَّا أَن يجب فِي الْوَقْت الثَّانِي بَدَلا من الْعِبَادَة أَو يجوز تَأْخِيره وَتَأْخِير الْعِبَادَة عَن الثَّانِي فان جَازَ تأخيرهما كَانَ القَوْل فِي الْعَزْم كالقول فِي الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا وَلم يقف ذَلِك على غَايَة ولحقا جَمِيعًا بالنوافل وَإِن وَجب الْعَزْم فِي الثَّانِي إِن لم يفعل الْمَأْمُور بِهِ فِيهِ لم يجز ذَلِك لِأَن بدل الْعِبَادَة إِنَّمَا يجب على حد وُجُوبهَا ليَكُون فعله جَارِيا مجْرى فعلهَا وَمَعْلُوم أَن الْآمِر عِنْدهم إِنَّمَا أوجب أَن نَفْعل الْعِبَادَة فِي وَقت غير معِين وَلم يعين وُجُوبهَا فِي الثَّانِي فَيَنْبَغِي أَن يكون بدلهَا يجب فِي وَقت غير معِين وَفِي ذَلِك بطلَان تَعْيِينه بِالثَّانِي فان قَالُوا إِن الْأَمر قد اقْتضى وجوب الْفِعْل فِي الثَّانِي قيل لَهُم إِن أردتم بذلك أَنه عين وُجُوبهَا فِيهِ وَلم يرخص فِي تَأْخِيرهَا عَنهُ فَذَلِك هُوَ القَوْل بالفور وَذَلِكَ يمْنَع من تَأْخِيرهَا ويغني عَن الْبَدَل إِلَّا أَن يدل دلَالَة مُبتَدأَة عَلَيْهِ وَإِن أردتم أَن الْأَمر قد اقْتضى كَون الْفِعْل فِي الثَّانِي مرَادا وَمُسْقِطًا للْفَرض قيل لكم وَقد اقْتضى أَن يكون فِي فعله فِي الثَّانِي وَالثَّالِث كَذَلِك فقد صَار مُوجبا لَهُ فِي وَقت غير معِين فَيجب أَن يكون بدله الساد مسده هَذِه حَالَة وَيُقَال لَهُم إِذا كَانَ الْأَمر قد اقْتضى أَن فعل الْعِبَادَة فِي الثَّانِي كفعلها فِي الثَّالِث وَالرَّابِع فَلم منعتم الْمُكَلف من تَأْخِيرهَا عَن الثَّانِي إِلَّا بِبَدَل وَهُوَ يَقُول إِنِّي إِنَّمَا أؤخرها لِأَن الْمصلحَة تحصل لي فِي الثَّالِث كَمَا تحصل لي فِي الثَّانِي فَأن قَالُوا لِأَن الْأَمر اقْتضى الْوُجُوب فِي الثَّانِي وَالثَّالِث على وَجه لَا يمْنَع من التَّأْخِير وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا مَعَ الْبَدَل فَجرى مجْرى أَن يَقُول الْمُكَلف هَذَا الْفِعْل وَاجِب فِي الثَّانِي وَيجوز تَأْخِيره إِلَى الثَّالِث فِي أَنه لَا يجوز تَأْخِيره إِلَّا بِبَدَل إِلَّا انْتقض وُجُوبه فِيهِ قيل إِن كَانَ الْمُكَلف قد قَالَ إِنَّه وَاجِب فِي الثَّانِي لَا يجوز تَأْخِيره عَنهُ وَيجوز مَعَ ذَلِك تَأْخِيره الى الثَّالِث فَذَلِك متناقض وَإِن قَالَ إِنَّه وَاجِب فِي الثَّانِي وَالثَّالِث على معنى أَن الْفَرْض يسْقط بِالْفِعْلِ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا فَلَو صرح بذلك لما احتجنا إِلَى بدل فِي الثَّانِي
طَريقَة أُخْرَى لَو كَانَ الْعَزْم فِي الثَّانِي بَدَلا من أَدَاء الْعِبَادَة فِيهِ لم تخل
стр. 121
الْعِبَادَة من أَن يتضيق أَدَاؤُهَا فِي وَقت من الْأَوْقَات أَو لَا يتضيق فان لم يتضيق فَحكم الْعِبَادَة فِي كل الْأَوْقَات حكم الثَّانِي فَكَمَا جَازَ للمكلف تَأْخِيرهَا عَن الثَّانِي جَازَ لَهُ تَأْخِيرهَا عَن سَائِر الْأَوْقَات وَإِذا جَازَ لَهُ تَركهَا فِي جَمِيع الْأَوْقَات لم يجز أَن يجب عَلَيْهِ الْعَزْم على أَدَائِهَا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يجب على الْإِنْسَان أَن يعزم ويقصد أَن يفعل مَا يجوز لَهُ تَركه لِأَن فِي ضمن قَوْلنَا يجب عَلَيْك أَن تعزم على الْفِعْل فِي الثَّانِي إِيجَابا للْفِعْل فِي الثَّانِي فكون الْعَزْم بَدَلا من وَاجِب يَقْتَضِي وُجُوبه وَكَونه عزما على مَا يجوز تَركه يَقْتَضِي جَوَاز تَركه فان قَالُوا إِن الْمَأْمُور بِهِ يتضيق أَدَاؤُهُ فِي بعض الْأَوْقَات وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يغلب على ظن الْمُكَلف أَنه إِن لم يَفْعَله فِيهِ فَاتَهُ فعله قيل لَهُم فَكَأَن الْمُكَلف خير فِي فعله وَتَركه قبل هَذَا الْوَقْت وضيق وُجُوبه عَلَيْهِ فِيهِ فَجرى مجْرى أَن يَقُول الْمُكَلف صَرِيحًا للمكلف أَنْت مُخَيّر فِي فعل هَذِه الْعِبَادَة إِلَى أَن يغلب على ظَنك أَنَّهَا تفوت إِن لم تؤدها فَحِينَئِذٍ يتضيق وُجُوبهَا وَلَو قَالَ ذَلِك لما كَانَ للْمَنْع من تَأْخِيرهَا قبل هَذَا الْوَقْت لَا إِلَى بدل وَجه مَعَ أَن الْمُكَلف قد رخص فِي تَأْخِيرهَا وَلم يذكر بَدَلا لِأَن الْبَدَل إِنَّمَا يجب بعد أَن يكون الْمُبدل قد تضيق وُجُوبه فِي نَفسه فيستحيل أَن يجوز تَركه لَا إِلَى بدل فان قَالُوا لَو لم يثبت الْبَدَل انْتقض وُجُوبهَا فِيمَا قبل قيل إِنَّه لَا ينْتَقض الْوُجُوب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى أَن الفوض يسْقط بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الْفِعْل مصلحَة فِي هَذَا الْوَقْت وَفِيمَا قبله على سَوَاء فَيُخَير الله سُبْحَانَهُ بَينهمَا وَلَا وَجه لإِيجَاب الْبَدَل وَالْحَال هَذِه فان قَالُوا إِنَّمَا ألزمناه الْعَزْم وجعلناه بَدَلا لأننا لَا نَأْمَن أَن يَمُوت من غير أَن يغلب على ظَنّه أَنه يَمُوت فتفوته الْعِبَادَة فألزمناه مَا يقوم مقَامهَا فِي الْوَقْت الثَّانِي وَالثَّالِث قيل لَهُم إِن الْمُكَلف إِذا مَاتَ فِي زمَان التَّخْيِير وَقبل زمَان التَّضْيِيق وَلم يفعل الْفِعْل لم يكن عَلَيْهِ تبعة وَإِذا لم تكن عَلَيْهِ تبعة لم يلْزمه الْبَدَل
طَريقَة أُخْرَى فِي الْعَزْم لَو كَانَ الْعَزْم فِي الثَّانِي بَدَلا من فعل الْعِبَادَة فِيهِ لم يخل إِمَّا أَن يقوم مقَام فعلهَا فِي ثُبُوت الْمصلحَة فِيهِ أَو لَا يقوم مقَامهَا فِيهِ فان
стр. 122
لم يقم مقَامهَا فِيهِ لم يكن بَدَلا مِنْهَا وَلم يجز الْعُدُول عَنْهَا إِلَيْهِ إِذْ فِي ذَلِك تَفْوِيت بعض الْمصلحَة وَإِن قَامَ مقَامهَا فِيهِ فقد استوفيت الْمصلحَة بِفِعْلِهِ فَلَا وَجه لوُجُوب الْعِبَادَة بعد ذَلِك وَفِي ذَلِك سُقُوط الْفَرْض بالعزم فان قَالُوا إِنَّه يقوم مقَام الْعِبَادَة فِي ذَلِك الْوَقْت وَيبقى فعلهَا وَاجِبا فِي الْأَوْقَات الْأُخَر قيل إِن الْأَمر لم يفد وجوب الْعِبَادَة فِي الْأَوْقَات على الْجمع حَتَّى إِذا سقط الْفَرْض فِي الْوَقْت الثَّانِي بَقِي مَا بعده وَإِنَّمَا أوجب فعلا وَاحِدًا وَلِهَذَا لَو فعله فِي الثَّانِي لم يلْزمه فعله فِيمَا بعد ذَلِك الْأَمر فاذا فعل مَا يجْرِي مجْرى فعله الْعِبَادَة فِي الثَّانِي وَجب أَن يسْقط الْفَرْض الثَّابِت بذلك الْأَمر كَمَا يسْقط لَو فعل الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا وَإِنَّمَا يجوز أَن يثبت مثله فِي الثَّالِث وَالرَّابِع بِأَمْر آخر كَمَا يجوز ذَلِك لَو فعل نفس الْمَأْمُور بِهِ فان قَالُوا مَا تنكرون أَن تكون الْعِبَادَة لَو فعلت فِي الثَّانِي لكَانَتْ مصلحَة فِي الثَّالِث وَالرَّابِع وَسَائِر الْأَوْقَات إِلَى حَال الْمَوْت فاذا فعل بدلهَا وَهُوَ الْعَزْم سد مسدها فِي حُصُول الْمصلحَة فِي الثَّالِث وَتبقى الْمصلحَة فِي الْأَوْقَات الْأُخَر لَا تحصل إِلَّا بالمعزوم عَلَيْهِ أَو بعزم يحصل فِي كل وَقت فَيقوم مقَام المعزوم عَلَيْهِ فِي ثُبُوت الْمصلحَة فِي الْوَقْت الَّذِي يَلِيهِ قيل هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الْمُكَلف إِذا مَاتَ وَهُوَ موَالٍ للعزم فانه يكون قد استوفى مصلحَة الْحَج وَفِي ذَلِك سُقُوط فَرْضه وَفرض الْعَزْم لَو عَاشَ وَقد أَجمعت الْأمة فِي كل من مَاتَ وَلم يحجّ أَنه لَو بَقِي وَهُوَ صَحِيح مُوسر للزمه الْحَج فان قَالُوا إِن الْحَج هُوَ مصلحَة فِي أَفعَال تقع فِي كل الْأَوْقَات إِلَى أبعد عمر يجوز أَن يحيي فِيهِ الْمُكَلف فِي الْعَادة فاذا مَاتَ الْمُكَلف قبل ذَلِك وَلم يحجّ وَجب أَن يُقَال لَو عَاشَ لزمَه الْحَج لِأَنَّهُ لَو عَاشَ لَكَانَ الْحَج أَو الْعَزْم على أَدَائِهِ مصلحَة فِي أَفعَال تحصل فِي تِلْكَ الْأَوْقَات فاما مَا بعد أطول الْأَعْمَار بِزَمَان طَوِيل فَلَا يمكنكم أَن تدعوا فِيهِ إِجْمَاعًا قيل هَذَا يَقْتَضِي أَن الْإِنْسَان لَو حج عِنْد بُلُوغه فانه يكون ذَلِك مصلحَة فِي فعل يَقع مِنْهُ بعد مائَة سنة وَأكْثر وَهَذَا يبعد لِأَن اللطف إِذا ترَاخى صَار فِي حكم المنسي
فَأَما القَوْل بِأَن الْعِبَادَة تتضيق فِي وَقت معِين فَلم يقل بِهِ أحد وَلَا دَلِيل يدل
стр. 123
عَلَيْهِ وَلَيْسَ بعض الْأَوْقَات الْمعينَة بذلك أولى من وَقت فَالْقَوْل بِأَنَّهَا تتضيق عِنْد مَا يغلب على الظَّن أَنَّهَا تفوت إِن لم تفعل وَلَا يحصل ذَلِك الظَّن عَن أَمارَة لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا ينْفَصل من ظن السوداوي وَالْقَوْل بِأَنَّهَا تتضيق عِنْد ظن يحصل على أَمارَة كَمَرَض وعلو سنّ بَاطِل لِأَن كثيرا من النَّاس يَمُوت فَجْأَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنه مَا كَانَ يجب عَلَيْهِم أَن يَفْعَلُوا الْعِبَادَة لَا محَالة مَعَ أَن ظَاهر الْأَمر اقْتضى أَن يفعلوها لَا محَالة لِأَن صِيغَة افْعَل تَقْتَضِي أَن يفعل الْمَقُول لَهُ لَا محَالة وَالْجَوَاب أَن قَول الْقَائِل لغيره افْعَل وَإِن اقْتضى أَن يفعل لَا محَالة فانه يَقْتَضِي أَن يفعل لَا محَالة فِي غير وَقت معِين لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنه مَتى فعل فقد قضي عُهْدَة الْأَمر فَصَارَ مُفِيدا لِأَن يفعل لَا محَالة فِي غير وَقت معِين وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يخيره فِي الْأَوْقَات وَلَا يدْخل فِي كَونه وَاجِبا إِلَّا بِأَن يضيقه فِي بعض الْأَوْقَات وَلَا وَقت يُمكن ذَلِك فِيهِ إِلَّا إِذا خشِي الْفَوات إِن أَخّرهُ عَنهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن من لم يغلب على ظَنّه أَن الْفِعْل يفوتهُ إِن لم يَفْعَله فِي الْوَقْت الَّذِي قه انْتهى إِلَيْهِ لم يجب عَلَيْهِ أَن يفعل لَا محَالة ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي الامر إِذا كَانَ مؤقتا بِوَقْت مَحْدُود بِأول وَآخر ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْوَقْت الْمَضْرُوب للْفِعْل إِمَّا أَن يَتَّسِع للْفِعْل أَو لَا يَتَّسِع لَهُ فان لم يَتَّسِع لَهُ لم يجب أَن يُكَلف الْإِنْسَان إِيقَاع الْفِعْل فِيهِ لِأَنَّهُ تَكْلِيف لما يُطَاق وَيجوز أَن يكون وجود ذَلِك الْوَقْت على بعض الْوُجُوه سَببا لوُجُوب الْقَضَاء نَحْو أَن تطهر الْحَائِض أَو يبلغ الْغُلَام وَقد بَقِي من الصَّلَاة مِقْدَار رَكْعَة وَنَحْو أَن يحرم الْإِنْسَان بحجتين لِأَن ذَلِك سَببا لقَضَاء إِحْدَاهمَا عِنْد أَصْحَابنَا وَنَحْو أَن ينذر الْإِنْسَان أَن يَصُوم فِي يَوْم يقدم فِيهِ فلَان فَيقدم وَقد مضى من النَّهَار بعضه
وَأما إِن اتَّسع الْوَقْت للْفِعْل فَذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أَلا يزِيد الْوَقْت على
стр. 124
مِقْدَار الْفِعْل نَحْو صَوْم يَوْم وَلَا إِشْكَال فِي أَن جَمِيعه وَقت للْوُجُوب وَالْآخر أَن يزِيد الْوَقْت على مِقْدَار الْفِعْل كوقت صَلَاة الظّهْر
وَقد اخْتلف النَّاس فِي وَقت الْوُجُوب من ذَلِك فَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وشيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وأصحابهما إِن أول الْوَقْت ووسطه وَآخره وَمَا بَين ذَلِك من حالاته وَقت للْوُجُوب وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من لم يثبت للصَّلَاة فِي أول الْوَقْت ووسطه بَدَلا فِيهِ وَمِنْهُم من أثبت للصَّلَاة فِي كل وَقت من هذَيْن الْوَقْتَيْنِ بَدَلا وَاخْتلفُوا فَقَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِن بدل الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت ووسطه هُوَ الْعَزْم على أَدَائِهَا فِي الْمُسْتَقْبل وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا إِن لَهَا فِي أول الْوَقْت ووسطه بَدَلا يَفْعَله الله سُبْحَانَهُ وَقَالَ قوم إِن أول الْوَقْت هُوَ وَقت الْوُجُوب وَإِنَّمَا ضرب آخِره للْقَضَاء وَقَالَ أَكثر اصحابنا إِن آخر الْوَقْت هُوَ وَقت الْوُجُوب وَاخْتلفُوا فِي إِيقَاع الْفِعْل فِيمَا قبل ذَلِك فَقَالَ بَعضهم هُوَ نفل يسْقط بِهِ الْفَرْض وَحكي عَن الشَّيْخ ابي الْحسن أَن الْفِعْل يَقع فِي أول الْوَقْت مراعى فَإِن أدْرك الْمُصَلِّي آخر الْوَقْت وَلَيْسَ هُوَ على صفة الْمُكَلّفين كَانَ مَا فعله نفلا وَإِن أدْركهُ على صفة الْمُكَلّفين كَانَ مَا فعله وَاجِبا وَحكي عَنهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله أَنه قَالَ إِن أدْرك الْمُصَلِّي آخر الْوَقْت وَهُوَ على صفة الْمُكَلّفين كَانَ مَا فعله مسْقطًا المفرض وَهَذَا أشبه من الْحِكَايَة الأولى وَحكي أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن أبي الْحسن أَن الصَّلَاة يتَعَيَّن وُجُوبهَا بِأحد شَيْئَيْنِ إِمَّا بِأَن تفعل وَإِمَّا بِأَن يضيق وَقتهَا وَيُمكن أَن يُفَسر أَكثر هَذِه الْأَقَاوِيل تَفْسِيرا صَحِيحا لَا يَقع فِيهِ نزاع وَيُمكن أَن يُفَسر تَفْسِيرا يَقع فِيهِ النزاع على مَا نبينه عِنْد الْكَلَام فِيهَا وَيَنْبَغِي أَن نبين معنى قَوْلنَا إِن الصَّلَاة وَاجِبَة فِي أول الْوَقْت ووسطه وَآخره ثمَّ نبين جَوَاز كَونهَا وَاجِبا فِيهَا ثمَّ نبين وُرُود التَّعَبُّد بِهِ
أما معنى قَوْلنَا إِن الصَّلَاة وَاجِبَة فِي جَمِيع الْوَقْت فَهُوَ أَنه إِذا فعلهَا فِي أَوله كَانَت كَمَا لَو فعلهَا فِي وَسطه وَآخره فِي سُقُوط الْفَرْض وَحُصُول الْمصلحَة الْمُقْتَضِيَة للْوُجُوب
стр. 125
فَأَما جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بذلك فَهُوَ أَنه لَا يمْتَنع فِي الْعقل أَن تكون الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت ووسطه وَآخره تتساوى فِي كَونهَا لطفا دَاعيا إِلَى طَاعَة وَاجِبَة بعد خُرُوج الْوَقْت وداعيا إِلَى طَاعَة مَنْدُوب إِلَيْهَا قبل خُرُوج الْوَقْت وَلَا يمْتَنع أَن يكون دَاعيا إِلَى طَاعَة وَاجِبَة بعد خُرُوج الْوَقْت فَقَط وَلَا يكون فعلهَا بعد خُرُوج الْوَقْت مصلحَة فِيمَا كَانَت مصلحَة فِيهِ قبل خُرُوج الْوَقْت لَكِن إِذا فرط الْمُكَلف فِي فعلهَا لزمَه قَضَاؤُهَا لِأَن قضاءها يكون مصلحَة فِي دون مَا كَانَ الْأَدَاء مصلحَة فِيهِ فاذا كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يضيق الله سُبْحَانَهُ فعلهَا فِي أول الْوَقْت مَعَ أَن الْغَرَض بايجابها وَهُوَ الْمصلحَة يحصل بِفِعْلِهَا فِي آخر الْوَقْت وَلَا يجوز أَن لَا يضيق الله سُبْحَانَهُ فعلهَا فِي آخِره مَعَ أَن الْمصلحَة لَا تحصل إِذا أخرت عَنهُ وَلَا يمْتَنع أَيْضا أَن تكون الصَّلَاة فِي كل وَقت قبل آخر الْوَقْت مصلحَة فِي طَاعَة تَلِيهَا وَفِي طَاعَة بعد خُرُوج الْوَقْت فَإِن لم يَفْعَلهَا فِيهِ فعل الله سُبْحَانَهُ مَا يقوم مقَامهَا فِي الطَّاعَة الَّتِي تَلِيهَا وَبَقِي على الْمُكَلف فَرضهَا لما يَدْعُو إِلَيْهِ من الطَّاعَة بعد خُرُوج الْوَقْت وَلَا يمْتَنع أَيْضا أَن يكون الْعَزْم فِي كل وَقت على أَدَائِهَا فِي الثَّانِي أَو فِي غَيره من أَفعَال الْمُكَلف يقوم مقَامهَا فِي الْمصلحَة الَّتِي تَلِيهَا دون الْمصلحَة الَّتِي تَدْعُو إِلَيْهَا بعد خُرُوج الْوَقْت وَإِذا لم تمْتَنع كل هَذِه الْوُجُوه لم يمْتَنع وُرُود التَّعَبُّد عَلَيْهَا وَالَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت ووسطه مصلحَة فِي طَاعَة وَاجِبَة بعد خُرُوج الْوَقْت وَفِي طَاعَة مَنْدُوب إِلَيْهَا قبل خُرُوج الْوَقْت إِذا كَانَ الْمَعْلُوم من حَال الْمُكَلف انه لَا يدْرك مَا بعد الْوَقْت وَهُوَ حَيّ
فاما الْكَلَام فِي وُرُود التَّعَبُّد بذلك فَيَقَع فِي وُجُوه مِنْهَا الْكَلَام على من خص الْوُجُوب بِأول الْوَقْت وَمِنْهَا الْكَلَام على من خصّه بِآخِرهِ وَمِنْهَا الْكَلَام على من جعل الْفِعْل فِي أول الْوَقْت مرَاعِي وَمِنْهَا الْكَلَام على من عين الْوُجُوب بِأحد شَيْئَيْنِ ثمَّ يَقع الْكَلَام بعد ذَلِك فِي إِثْبَات الْبَدَل هَل هُوَ من فعل الله سُبْحَانَهُ أَو من فعلنَا
стр. 126
أما الْكَلَام على من خص الْوُجُوب بأوله فَهُوَ أَن يُقَال لَهُ أتزعم أَن تَأْخِير الصَّلَاة عَن أول الْوَقْت لَا يجوز كَمَا لَا يجوز تَأْخِيرهَا عَن آخِره وَيسْتَحق الذَّم على أَحدهمَا كَمَا يسْتَحق على الآخر فان قَالَ نعم دفع قَوْله الْإِجْمَاع وَإِن قَالَ لَا قيل لَهُ فقد نقضت قَوْلك باختصاص الْوُجُوب بِأول الْوَقْت وَيُقَال لَهُ لماذا ضرب الْوَقْت فان قَالَ ليَكُون مَا يفعل بعد أول الْوَقْت قَضَاء قيل لَهُ الْأمة مجمعة على أَنه لَيْسَ بِقَضَاء وَلَا يجوز أَن تُؤدِّي الصَّلَاة بعد أول الْوَقْت بنية الْقَضَاء وَأَيْضًا فَلَا فَائِدَة لضرب الْوَقْت فِي ذَلِك لِأَن مَا يفعل بعده يكو قَضَاء أَيْضا وايضا فالوجوب مُسْتَفَاد من الْأَمر وَهُوَ مُتَعَلق بِأول الْوَقْت وَآخره ووسطه فَيجب أَن يُفِيد الْوُجُوب فِي الْكل ويتضيق بِآخِرهِ لِأَنَّهُ جعل غَايَة وَقت الْوُجُوب
فَأَما من خص الْوُجُوب بِآخِرهِ فانا نفرض عَلَيْهِ مَا يعنيه بقولنَا إِن الْوُجُوب شَائِع فِي جَمِيع الْوَقْت فان أقرّ بِهِ وَإِلَّا دللنا عَلَيْهِ فَنَقُول إِنَّا نعني بذلك أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت كهي فِي وَسطه وَآخره فِي حُصُول الْمصلحَة بهَا الْمُقْتَضِيَة للْوُجُوب وَفِي سُقُوط الْفَرْض فان أجَاب إِلَى ذَلِك فقد وَافق فِي الْمَعْنى وَإِن منع عَن ذَلِك قيل لَهُ إِن لم تكن الصَّلَاة قَائِمَة مقَام فعلهَا فِي آخِره فِي حُصُول الْمصلحَة وَجب أحد أَمريْن إِمَّا أَن تكون الْمصلحَة بَاقِيَة فَيلْزم فعل الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت مَعَ أَنَّهَا مفعولة فِي أَوله وَإِمَّا أَن تكون الْمصلحَة قد فَاتَت فان كَانَت قد فَاتَت فقد صَارَت الصَّلَاة فِي اول الْوَقْت مفْسدَة وَفِي ذَلِك قبحها وَالْإِجْمَاع يمْنَع من قبحها وَيَقْتَضِي الْإِجْمَاع ايضا أَن فعل بعض الصَّلَوَات فِي أول وَقتهَا افضل يبين كَونهَا مفْسدَة أَنه إِذا كَانَ الْمُكَلف لَو صلى فِي آخر الْوَقْت حصلت لَهُ الْمصلحَة واللطف وَإِذا صلى فِي أَوله وَلم تحصل لَهُ تِلْكَ الْمصلحَة وَخرجت الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت من أَن تكون مصلحَة وحصلت الْمعْصِيَة الَّتِي كَانَت الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت لطفا فِي الْإِخْلَال بهَا فقد حصلت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت دَاعِيَة إِلَى هَذِه الْمعْصِيَة ومفوتا لما يَدْعُو إِلَى الطَّاعَة فان قيل أَلَيْسَ تَقْدِيم الزَّكَاة على الْحول يسْقط الْفَرْض وَلَيْسَ بمفسدة قيل إِنَّمَا
стр. 127
يسْقط الْفَرْض لِأَنَّهُ يقوم مقَامه فِي الْمصلحَة وَلِهَذَا لم يُطلق أحد من الْأمة القَوْل بانه صَدَقَة تطوع ونافلة مَعَ أَنَّهَا مسقطة للْفَرض فان قيل وَإِذا كَانَت قَائِمَة مقَام الزَّكَاة بعد الْحول فِي الْمصلحَة فَمَا معنى تَعْلِيق الْوُجُوب بحؤول الْحول قيل الْفَائِدَة فِي ذَلِك أَن يكون للْإِمَام إِلْزَام رب المَال الزَّكَاة بعد حؤول الْحول وَلَا يكون لَهُ إِلْزَامه اخراج الزَّكَاة قبله لِأَن الْوُجُوب موسع عَلَيْهِ وَيدل على شُمُول الْوُجُوب لأوقات الصَّلَوَات أَن الْوُجُوب مُسْتَفَاد من الْأَمر وَالْأَمر نتعلق بِأول الْوَقْت وَآخره وَمَا بَينهمَا فَشَمَلَ الْوُجُوب هَذِه الْأَوْقَات
وَقد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة نَافِلَة فِي أول الْوَقْت لصَحَّ إيقاعها بنية النَّفْل لمطابقتها لما عَلَيْهِ الصَّلَاة فِي نَفسهَا وَقد اعْترض ذَلِك بِأَنَّهُ يجوز إيقاعها بنية كَونهَا ظهرا نفلا وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن كَونهَا ظهرا نفلا يتناقض وَهَذَا إِنَّمَا يتناقض إِذا ثَبت أَن صَلَاة الظّهْر لَا تكون إِلَّا وَاجِبَة وَفِيه النزاع وَقد أُجِيب عَن الدَّلِيل فَقيل أَلَيْسَ تَقْدِيم الزَّكَاة يكون نفلا وَلَا يجوز إيقاعها بنية النَّفْل فان قُلْتُمْ يجوز إيقاعها بنية كَونهَا زَكَاة نفلا قيل يجوز إِيقَاع صَلَاة الظّهْر فِي أول الْوَقْت بنية كَونهَا ظهرا نفلا وَلَيْسَت الشناعة فِي ذَلِك إِلَّا كالشناعة فِي كَون الزَّكَاة نفلا وَيُمكن أَيْضا أَن يُجَاب عَن الدَّلِيل فَيُقَال إِن أردتم بنية النَّفْل أَن يَنْوِي أَن يفعل مَا يجوز تَركه فِي أول الْوَقْت لَا إِلَى بدل فِيهِ فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن أردتم أَن يَنْوِي أَن يفعل مَا يجوز تَركه وَترك أَمْثَاله فِي كل الْأَوْقَات مَعَ السَّلامَة فَلَيْسَ هَذَا قَوْلنَا فَلم يلْزمنَا حوار أَن ينويه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت يُرَاعِي فِيهَا أَذَان وَإِقَامَة وَعدد مَخْصُوص وَلَيْسَ هَذَا حَال النَّوَافِل وللمخالف أَن يَقُول إِن النَّوَافِل الَّتِي تسْقط الْفَرْض وَتفعل فِي الْوَقْت الْمَضْرُوب هَذِه سَبِيلهَا
وَمِنْهَا أَنه كَانَ يجب أَن يكون من لم يؤد الصَّلَاة إِلَّا فِي وَقتهَا الأول غير مؤد للْفَرض من الصَّلَوَات وَلَا قَائِما بِالْوَاجِبِ مِنْهَا وللمخالف أَن يَقُول إِن
стр. 128
إِطْلَاق ذَلِك يُوهم أَن الصَّلَاة وَجَبت عَلَيْهِ فَلم يقم بهَا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلِهَذَا لَا يُقَال فِيمَن يقدم زَكَاته فِي كل عَام إِنَّه لم يقم بِالْوَاجِبِ من الزَّكَاة لِأَن ذَلِك صفة ذمّ والذم لَا يلْحق من قدم الْوَاجِب قبل وَقت وُجُوبه إِذا أذن فِي ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن تَقْدِيم صَلَاة الْمغرب أفضل من تَأْخِيرهَا وَالنَّفْل لَا يكون أفضل من الْوَاجِب وللمخالف أَن يَقُول بل يجوز أَن يكون أفضل مِنْهُ إِذا كَانَ مُتَقَدما على الْوَاجِب وَمُسْقِطًا لَهُ وَلِهَذَا يُقَال إِن تَقْدِيم الزَّكَاة على الْحول مَعَ شدَّة حَاجَة الْفُقَرَاء أفضل من تَأْخِيرهَا إِلَى حؤول الْحول
وَاحْتج الْقَائِلُونَ إِن الصَّلَاة نَافِلَة فِي أول الْوَقْت بِأَن الْوَاجِب فِي الْوَقْت هُوَ مَا لَا يجوز تَأْخِيره عَن الْوَقْت إِلَّا إِلَى بدل فِيهِ وَالصَّلَاة فِي أول الْوَقْت يجوز تَأْخِيرهَا عَنهُ لَا إِلَى بدل فِيهِ لِأَنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلم تكن وَاجِبَة فِيهِ وَإِذا لم تكن وَاجِبَة فِيهِ وَكَانَت مَأْمُورا بهَا ثَبت كَونهَا نفلا فِيهِ وَقَالُوا وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِنَّهَا تفارق النَّافِلَة وَتدْخل فِي جملَة الْوَاجِبَات من حَيْثُ لم يجز تَركهَا أصلا لأَنا إِنَّمَا استدللنا على كَونهَا نَافِلَة فِي الأول من حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرهَا عَنهُ وَلم نستدل على أَن أَمْثَالهَا نَافِلَة فِي كل الْأَوْقَات وَالْجَوَاب أَن وَصفنَا للْفِعْل بِأَنَّهُ وَاجِب فِي الْوَقْت يسْتَعْمل على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه لَا يجوز الْإِخْلَال بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَّا إِلَى بدل فِيهِ وَهَذَا لَا نعينه فِي الصَّلَاة فِي الْوَقْت الأول وَالْآخر أَنه يقوم مقَام غَيره من الْوَاجِبَات المضيقة فِي وَجه الْوُجُوب وَهَذَا هُوَ الَّذِي نعنيه بقولنَا إِن الصَّلَاة وَاجِبَة فِي أول الْوَقْت وَقد بَينا أَنه لَا بُد للمخالف من أَن يَقُوله فَمَا يلْزمنَا عَلَيْهِ فَهُوَ لَازم لَهُ ايضا وَلَيْسَ يلْزمنَا على هَذَا القَوْل أَن لَا نجيز تَأْخِير الصَّلَاة عَن أول الْوَقْت لَا إِلَى بدل لِأَنَّهُ إِذا كَانَت الصَّلَاة فِي الْوَقْت الثَّانِي تسد مسد وُقُوعهَا فِي الْوَقْت الأول فِي الْفَرْض والمصلحة لم يجز أَن يلْزم فِي الْوَقْت بدلهَا هُوَ إِذا تَركهَا فِيهِ صَار إِلَى مَا يجْرِي مجْراهَا فاذا كَانَ كَذَلِك فَأَي فَائِدَة فِي إِلْزَام الْبَدَل
стр. 129
فَأَما القَوْل بِأَن الْفَرْض يتَعَيَّن بإيقاع الْفِعْل فان أُرِيد بذلك أَنه إِذا فعل الْفِعْل يجب أَن يفعل مرّة ثَانِيَة وجوبا معينا مضيقا فَبَاطِل لِأَن فعل الْمَفْعُول غير مُمكن فايجابه قَبِيح وَإِن أُرِيد أَنه يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ إِتْمَامه فَهَذِهِ حَالَة النَّوَافِل عِنْد أَصْحَابنَا وَقد تكلمنا على من قَالَ إِن الْفِعْل نَافِلَة فِي أول الْوَقْت وَإِن أُرِيد أَنه إِذا فعل الْفِعْل علمنَا أَنه قد تعين سُقُوط الْفَرْض بِهِ وَأَنه لَا فرض بعده فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَى آخِره فَذَلِك صَحِيح وَقد كُنَّا نحكم قبل الْفِعْل أَيْضا بِأَنَّهُ إِن وجد فَهَذِهِ سَبيله
فَأَما القَوْل بِأَن الْمُكَلف إِذا صلى فِي أول الْوَقْت وَأدْركَ آخِره على صفة الْمُكَلّفين كَانَ مَا يَفْعَله وَاجِبا فان أُرِيد بِهِ أَنه يبين لنا أَنه قد كَانَ ألزم الْفِعْل فِي الأول وَمنع من تَأْخِيره عَنهُ فَذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَنه حظر عَلَيْهِ فِي الأول التاخير وَلم يعرف فِي ذَلِك الْوَقْت أَنه قد منع من التَّأْخِير وَذَلِكَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَإِن أُرِيد بِهِ أَنه يبين لنا أَن ذَلِك الْفِعْل قد أسقط عَن الْمُكَلف أَن يفعل فِي آخر الْوَقْت مثله وَأَنه قَائِم مقَام الْفِعْل فِي آخر الْوَقْت فِي الْمصلحَة الَّتِي تحصل بعده فَصَحِيح وَإِن أَرَادَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن بقوله إِن الْمُكَلف إِذا لم يدْرك آخر الْوَقْت على صفة الْمُكَلّفين كَانَ مَا فعله فِي أول الْوَقْت نَافِلَة أَنه يبين لنا فِي آخر الْوَقْت أَنه مَا كَانَ قد ألزم الْمُكَلف الْفِعْل فِي أَوله فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ يجب أَن يعرف ذَلِك قبل أول الْوَقْت وَإِن أَرَادَ أَنه يبين لنا أَن مَا فعله لم يكن لطفا فِي وَاجِب وَأَنه لطف فِي نَافِلَة فَصَحِيح وَهُوَ الَّذِي ينصره لِأَنَّهُ لَو كَانَ لطفا فِي وَاجِب يوقعه قبل حَال مَوته لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ قد ضيق عَلَيْهِ الْوُجُوب فِي أول الْوَقْت وَالدّلَالَة على أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت مصلحَة فِي طَاعَة نَافِلَة قبل خُرُوج الْوَقْت إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يَمُوت قبل خُرُوج الْوَقْت فَهِيَ أَنَّهَا لَو لم تكن كَذَلِك لما حسن تكليفها لمن الْمَعْلُوم أَنه يَمُوت قبل خُرُوج الْوَقْت لِأَن وَجه وُجُوبهَا غير حَاصِل فِيهِ وَهُوَ كَونهَا دَاعِيَة إِلَى طَاعَة وَاجِبَة بعد الْوَقْت إِذْ الْمُكَلف لَيْسَ يدْرك هَذَا الْوَقْت حَيا وَفِي إِجْمَاع الْأمة على أَن من مَاتَ قبل
стр. 130
خُرُوج الْوَقْت لَا يكون مَا فعله من الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت مُبَاحا بل طَاعَة مَأْمُور بهَا دَلِيل على مَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهَا لَا تكون طَاعَة إِلَّا وَهِي مصلحَة فِي طَاعَة قبل مَوته وَلَيْسَ يجوز أَن تكون تِلْكَ الطَّاعَة واجبه لِأَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لضيق الله سُبْحَانَهُ وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَثَبت أَنَّهَا مصلحَة فِي طَاعَة مَنْدُوب إِلَيْهَا فان قَالُوا فَيجب أَن تكون صَلَاة هَذَا الْمُكَلف نَافِلَة قيل إِن أردتم بِكَوْنِهَا نَافِلَة مَا ذكرْتُمْ وَأَنه لَو لم يَفْعَلهَا حَتَّى مَاتَ لم يسْتَحق الذَّم فَصَحِيح وَهُوَ الَّذِي نصرناه وَإِن أردتم أَنه لَو بَقِي الْمُصَلِّي إِلَى بعد الْوَقْت لم تكن صلَاته لطفا فِي وَاجِب فَلَا
فَأَما القَوْل بِأَن الْعَزْم بدل من الصَّلَاة فِي الْوَقْت الأول فانه إِن جعل هَذَا الْقَائِل الْعَزْم جَارِيا مجْرى الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت من كل وَجه لزم أَن يكون مَا فعله مسْقطًا لفرض الصَّلَاة كَمَا أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت مسقطة للْفَرض إِذْ قد سد الْعَزْم مسد فعل الصَّلَاة وَإِن أُرِيد أَن الْعَزْم يقوم مقَام فعلهَا من وَجه دون وَجه نَحْو أَن تكون الصَّلَاة مصلحَة فِي طَاعَة تَلِيهَا وَفِي طَاعَة بعد خُرُوج الْوَقْت فَيقوم الْعَزْم مقَام فعلهَا فِي أول الْوَقْت فِي حُصُول الْمصلحَة الَّتِي تَلِيهَا وَتبقى الْمصلحَة الْأُخْرَى بِكَوْن الصَّلَاة فِي الْوَقْت الثَّانِي مصلحَة فِيهَا ومصلحة فِي الْوَقْت الثَّالِث هَكَذَا فِي كل الْأَوْقَات إِلَى أَن يتضيق الْوَقْت فَلَا يكون الْعَزْم قَائِما مقَام الصَّلَاة فِي الْمصلحَة الَّتِي تكون بعد الْوَقْت وَالَّذِي يُبطلهُ هُوَ أَنهم إِذا توصلوا إِلَى إِثْبَات الْبَدَل فَيجب أَن يثبتوه على حد ثُبُوت الْمُبدل وَمَعْلُوم أَن ظَاهر الْأَمر اقْتضى إِيجَاب الْفِعْل فِي الْأَوْقَات من زَوَال الشَّمْس إِلَى آخر الْوَقْت على الْبَدَل فَكَانَ الْوَاجِب أَن يفعل الْمُكَلف الصَّلَاة فِي وَقت من هَذِه الْأَوْقَات أَي وَقت شَاءَ هَكَذَا ظَاهر الْأَمر فَيجب أَن يكون بدل ذَلِك يلْزم فعله فِي وَقت غير معِين من هَذِه الْأَوْقَات وَلَا يتَعَيَّن فِي الأول كَمَا لم يتَعَيَّن الْمُبدل وَيجب إِذا فعل الْبَدَل فِي وَقت من هَذِه الْأَوْقَات أَن يسْقط الْفَرْض كالمبدل وَأَيْضًا فَلَو لزم الْمُكَلف ان يفعل الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت أَو الْعَزْم لَكَانَ قد أَخذ عَلَيْهِ أَن يتحفظ من السَّهْو وَأَن يجب علينا أَن نوقظه من نَومه فِي
стр. 131
هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ قد أَخذ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْت فعل يمْنَع مِنْهُ النّوم كَمَا يلْزم أَن نوقظه عَن نَومه فِي آخر الْوَقْت وَأَيْضًا فان الْأَمر اقْتضى إِيجَاب الصَّلَاة علينا فِي الْأَوْقَات كلهَا على الْبَدَل وَلَا دَلِيل يدل على إِثْبَات بدل للصَّلَاة لأَنا قد بَينا حسن تكليفها من غير بدل وَلَا يجوز إِثْبَات مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ وبأكثر هَذِه الْوَجْه يبطل قَول من قَالَ إِن بدل الصَّلَاة هُوَ فعل يَفْعَله الله سُبْحَانَهُ يقوم مقَام الصَّلَاة كَونهَا مصلحَة فِي طَاعَة تخْتَص بِالْوَقْتِ الثَّانِي على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْعَزْم وتختص ذَلِك بِوَجْه آخر وَهُوَ أَنه كَانَ يجب أَن لَا يحسن تَكْلِيف الصَّلَاة من يعلم الله أَنه يخترم فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ يقوم فعل الله سُبْحَانَهُ مقَام فعله فِي الْمصلحَة الْحَاصِلَة قبل خُرُوج الْوَقْت فَلَو كلفه الله تَعَالَى الصَّلَاة لَكَانَ إِنَّمَا كلفه لمُجَرّد الثَّوَاب فَقَط
وَقد اسْتدلَّ أَصْحَاب الْعَزْم على إِثْبَات الْبَدَل فَقَالُوا الصَّلَاة وَاجِبَة فِي أول الْوَقْت فَلَا يجوز كَونهَا وَاجِبَة فِيهِ مَعَ جَوَاز تَأْخِيرهَا عَنهُ إِلَّا إِلَى بدل وَلَا بدل إِلَّا الْعَزْم وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم أتعنون بِوُجُوبِهَا فِي الأول أَنه مَحْظُور تَأْخِيرهَا عَنهُ فان قَالُوا نعم قيل لَهُم من سلم لكم ذَلِك أَو لَيْسَ الْأَمر دلّ على إيقاعها فِي الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث على الْبَدَل فَكيف حظر تَأْخِيرهَا حَتَّى يطْلب لجوازه فعل بدل وعَلى أَن حظر تَأْخِيرهَا مَعَ إِبَاحَة تَأْخِيرهَا متناقض وَلم يَصح ثُبُوته حَتَّى يتبعهُ إِثْبَات بدل فان قَالُوا نعني بِوُجُوبِهَا فِي الأول أَنَّهَا على صفة الْمصلحَة الْحَاصِلَة بِالصَّلَاةِ فِي آخر الْوَقْت قيل لَهُم وَلم إِذا كَانَ كَذَلِك لَا يجوز تَأْخِيرهَا إِلَّا إِلَى بدل مَعَ أَنه يؤخرها إِلَى مَا يساويها فِي وَجه الْوُجُوب ثمَّ يُقَال لَهُم وَلم زعمتم أَنه لَا بدل إِلَّا الْعَزْم فان قَالُوا لإِجْمَاع الْأمة على وُجُوبه على من أخر الصَّلَاة عَن الأول قيل إِجْمَاع الْأمة على ذَلِك كإجماعها على وُجُوبه قبل دُخُول الْوَقْت وَلَيْسَ يظْهر أَن الْأمة فصلت بَين الْأَمريْنِ فأوجبت بعد دُخُول الْوَقْت فعل الْعَزْم وَلم توجبه قبل الْوَقْت وَإِنَّمَا حضرت قبل الْوَقْت كَرَاهَة فعل الصَّلَاة وَقد تقدم ذَلِك فِي الْبَاب الأول فَمَا يؤمنهم أَن يكون الْبَدَل هُوَ الْإِخْلَال بِالْكَرَاهَةِ وَيكون ذَلِك سَادًّا فِي هَذَا الْوَقْت مسد الصَّلَاة فِي
стр. 132
الْمصلحَة وَيُمكن أَن يستدلوا على إِثْبَات بدل فيقولوا إِن الصَّلَاة لطف فِي وَاجِب بعد خُرُوج الْوَقْت ولطف فِي وَاجِب قبل خُرُوج الْوَقْت أما كَونهَا لطفا بعد خُرُوج الْوَقْت فالدلالة عَلَيْهِ أَنه قد أتيح لَهُ تَأْخِيرهَا إِلَى آخر الْوَقْت فَلَو لم يكن إِلَّا لطفا فِي طَاعَة فِي الْوَقْت لما أتيح تَأْخِيرهَا عَن وَقت تِلْكَ الطَّاعَة فَأَما الدّلَالَة على أَنَّهَا لطف فِي وَاجِب فِي الْوَقْت ايضا فَهِيَ أَنَّهَا لَو لم تكن لطفا إِلَّا فِي وَاجِب بعد الْوَقْت لما حسن تكليفها من الْمَعْلُوم أَنه يَمُوت قبل خُرُوج الْوَقْت وَإِذا كَانَت لطفا فِي وَاجِب قبل خُرُوج الْوَقْت لم يجز تَأْخِيرهَا عَن ذَلِك الْوَقْت إِلَّا إِلَى بدل وَلَا بدل إِلَّا الْعَزْم لِأَن الْأمة أَجمعت على وُجُوبه دون وجوب غَيره وَالْجَوَاب أَنه يَكْفِي فِي حسن تَكْلِيف الصَّلَاة من الْمَعْلُوم أَنه يكون قبل خُرُوج الْوَقْت أَن يكون فِيهَا لطفا فِي طَاعَة مَنْدُوب إِلَيْهَا بِفعل عقيب فعل الصَّلَاة أَو أَن يكون كل جُزْء من الصَّلَاة لطفا فِي مَنْدُوب وَإِذا جَازَ ذَلِك لم يجب أَن يكون لَهَا بدل من حَيْثُ هِيَ لطف فِي ندب فان قيل فَلم كَانَ قَوْلكُم أولى من قَوْلنَا مَعَ جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد عَلَيْهِمَا جَمِيعًا قيل أَنْتُم الَّذِي يلزمكم التَّرْجِيح لأنكم المستدلون وَأَيْضًا فان قَوْلنَا أولى من قَوْلكُم لِأَن التَّعَبُّد بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْت كُله ورد مُطلقًا من غير بدل وَإِنَّمَا يثبت الْبَدَل للضَّرُورَة فاذا بَينا إِمْكَان قَوْلنَا وَحسن وُرُود التَّعَبُّد بِهِ لم يكن إِلَى الْبَدَل ضَرُورَة فان قيل فَيجب على مَا قُلْتُمْ أَن يكون تَقْدِيم الصَّلَاة فِي أول أَوْقَاتهَا أولى لِأَنَّهَا تكون مصلحَة فِي مَنْدُوب إِلَيْهِ وَفِي وَاجِب وَالصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت لَا تكون مصلحَة إِلَّا فِي وَاجِب فَقَط وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الصَّلَاة الَّتِي يسْتَحبّ تَأْخِيرهَا إِذا فعلت فِي أول الْوَقْت كَانَت لطفا فِي مَنْدُوب إِلَيْهِ يَليهَا وَفِي طَاعَة وَاجِبَة بعد خُرُوج الْوَقْت وَإِذا فعلت فِي آخر الْوَقْت كَانَت لطفا فِي طَاعَة وَاجِبَة وَفِي طاعات مَنْدُوب إِلَيْهَا بعد خُرُوج الْوَقْت ايضا أَكثر مِمَّا تكون الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت لطفا فِيهِ من الطَّاعَات الْمَنْدُوب إِلَيْهَا فَلذَلِك كَانَ تَأْخِير الصَّلَاة أفضل
стр. 133
- ﷺ َ - بَاب فِي الامر الْمُؤَقت هَل يَقْتَضِي الْفِعْل فِيمَا بعد الْوَقْت إِذا عصى الْمُكَلف فِي الْوَقْت أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يَقْتَضِي الْفِعْل فِيمَا بعد الْوَقْت أطَاع الْمُكَلف فِي الْوَقْت أم عصى فِيهِ وَيحْتَاج فعله فِيمَا بعد الْوَقْت إِلَى دلَالَة أُخْرَى لِأَن قَول الْقَائِل لغيره افْعَل هَذَا الْفِعْل فِي يَوْم الْجُمُعَة لَا يتَنَاوَل مَا عدا الْجُمُعَة وَمَا لم يتَنَاوَلهُ الْأَمر لَا يدل فِيهِ على إِثْبَات وَلَا نفي وَلِهَذَا لم يدل الْأَمر على استدعاء الْفِعْل قبل الْوَقْت وَلَو كَانَ الْأَمر مُقَيّدا بِصفة لم يدل على وجوب مَا لم يخْتَص بهَا لما لم يتَنَاوَل مَا عدا تِلْكَ الصّفة وَلذَلِك لَو قَالَ الْإِنْسَان لغيره اضْرِب من كَانَ فِي الدَّار لم يتَنَاوَل من لم يكن فِيهَا وَلَو أمرنَا الله سُبْحَانَهُ أَن نتصدق بأيماننا ثمَّ تعذر ذَلِك علينا لما علمنَا بذلك الْأَمر وجوب الصَّدَقَة باليسرى لَكِن علمنَا أَن الصَّدَقَة باليمنى الْغَرَض مِنْهَا إِيصَال النَّفْع إِلَى الْفَقِير فَقَط فانا نعلم وجوب الصَّدَقَة باليسرى لهَذَا الِاعْتِبَار وَالْوَقْت وَإِن لم يكن فِي مقدورنا وَلَا هُوَ وَجه يُوقع الْفِعْل عَلَيْهِ فانه لَا يمْتَنع أَن يكون الْفِعْل فِيهِ مصلحَة دون غَيره وَلِهَذَا كَانَت الصَّلَوَات وَاجِبَة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة وَكَانَ الصَّوْم وَاجِبا فِي شهر مَخْصُوص وَدفع الضَّرَر عَن النَّفس وَاجِب فِي الْوَقْت الَّذِي يخْتَص فِيهِ الضَّرَر دون غَيره وَإِذا صَحَّ مَا ذَكرْنَاهُ لم يجز وُرُود النّسخ على الْأَمر الْمُفِيد للْفِعْل الْوَاحِد الْمُؤَقت وَإِنَّمَا يرد على الْأَمر الْمُفِيد ظَاهره أفعالا كَثِيرَة فيدلنا النّسخ على أَنه مَا أُرِيد بعض تِلْكَ المرات فان قيل فاذادل الدَّلِيل على أَن من عصى فِي الْوَقْت يلْزمه مثله أَكَانَ يكون ذَلِك قَضَاء قيل نعم إِذا اخْتصَّ بِشُرُوط الْقَضَاء وَهِي أَشْيَاء
مِنْهَا أَن يكون مثل الْمقْضِي وَلِهَذَا لم تكن الصَّلَاة قَضَاء للصَّوْم
وَمِنْهَا أَن يكون الْمقْضِي متعبد بِهِ فِي وَقت مَخْصُوص إِمَّا على الْوُجُوب أَو
стр. 134
على النّدب وَلِهَذَا لَو لم نتعبد بِالْفِعْلِ ثمَّ أمرنَا بِمثلِهِ لم يكن قَضَاء
وَمِنْهَا أَن يكون سَبَب الْقَضَاء غير سَبَب الْمقْضِي وَلِهَذَا لَو لم يقْض الْإِنْسَان يَوْمًا فَاتَ من شهر رَمَضَان ثمَّ قَضَاهُ بعد ذَلِك لم يكن ذَلِك قَضَاء للْقَضَاء لِأَن سببهما غير مُخْتَلف
وَمِنْهَا أَن يرد التَّعَبُّد بِالْقضَاءِ لِأَنَّهُ لَو لم يتعبد بِهِ لم يُسهم إِذا فعل قَضَاء وَالله أعلم ﷺ َ - بَاب فِي الامر الْمُطلق إِذا لم يفعل الْمُكَلف مأموره فِي أول أَوْقَات الْإِمْكَان هَل يَقْتَضِي فعله فِيمَا بعد أم يحْتَاج إِلَى دَلِيل ﷺ َ -
أما الْقَائِلُونَ بِنَفْي الْفَوْر فانهم يَقُولُونَ إِن الْأَمر يَقْتَضِي الْفِعْل فِيمَا بعد وَلَا يحْتَاج الْمُكَلف إِلَى دَلِيل وَأما الْقَائِلُونَ بالفور فيختلفون فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه يَقْتَضِي الْفِعْل فِيمَا بعد وَمِنْهُم من قَالَ لَا يَقْتَضِيهِ بل يحْتَاج الْمُكَلف إِلَى دَلِيل وَهُوَ مَذْهَب أبي عبد الله وَحَكَاهُ عَن الشَّيْخ أبي الْحسن وَلم يفصل الْمُؤَقت من غَيره وَيَقُول قَاضِي الْقُضَاة بذلك لَو ثَبت القَوْل بالفور
وَاحْتج الْأَولونَ بِأَن قَالُوا قَول الْقَائِل لغيره افْعَل مَعْنَاهُ افْعَل فِي الثَّانِي فان عصيت فَفِي الثَّالِث فان عصيت فَفِي الرَّابِع هَكَذَا ابدا فان قَالَ قَائِل وَلم زَعَمُوا أَن الْأَمر يتنزل هَذِه الْمنزلَة قيل لِأَن ظَاهر قَوْله افْعَل لَا يتخصص بِالْوَقْتِ الثَّانِي دون الثَّالِث وَالرَّابِع وَإِنَّمَا قَالُوا إِنَّه يجب فعله فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ لَو مل يجب فِيهِ انْتقض الْوُجُوب الْمُسْتَفَاد بِالْأَمر فَاجْتمع فِي الْأَمر شَيْئَانِ أَحدهمَا الْوُجُوب الْمُقْتَضِي للفور وَالثَّانِي نفي تَخْصِيص الْأَمر بالأوقات الْمُقْتَضِي لشياع الْفِعْل فِي الْأَوْقَات فَوَجَبَ الْفَوْر مَعَ نفي تَخْصِيص الْأَمر بالأوقات وشياع الْفِعْل فِيهَا وَلَا يُمكن ذَلِك إِلَّا إِذا عصى الْمُكَلف فِي الْوَقْت
стр. 135
الأول فصح أَن مُطلق الْأَمر من حَيْثُ اجْتمع فِيهِ مَا يدل على مَا ذَكرْنَاهُ يجْرِي مجْرى قَول الْقَائِل افْعَل فِي الأول فان عصيت فافعل فِي الثَّانِي فان قَالُوا الْأَمر وَإِن لم يخْتَص بِوَقْت معِين فان الْوُجُوب الْمُسْتَفَاد من الْأَمر لما دلّ على الْفَوْر جعل الْأَمر مُخْتَصًّا بِالْوَقْتِ الأول قيل لَهُم إِنَّمَا جعله مُخْتَصًّا بِالْأولِ مَا لم تقع الْمعْصِيَة فاذا وَقع بَقِي مُطلق الْأَمر فان قَالُوا قد ثَبت أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي وجوب الْفِعْل فِي الثَّانِي فَجرى مجْرى أَن يكون الْأَمر مُقَيّدا بِالثَّانِي قيل الْفرق بَينهمَا أَنه إِذا كَانَ مُقَيّدا بِالثَّانِي لم يكن غير مُخْتَصّ بالأوقات بل يكون مُخْتَصًّا بِالْوَقْتِ الثَّانِي فَلَا يتنزل منزلَة قَول الْقَائِل افْعَل فِي الثَّانِي فان عصيت فافعل فِي الثَّالِث لِأَنَّهُ يتَنَاوَل فعلا وَاحِدًا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا كَانَ الْأَمر مُطلقًا
وَاحْتج أَبُو عبد الله فَقَالَ قد ثَبت أَن مُطلق الْأَمر يُفِيد إِيقَاع الْفِعْل فِي الثَّانِي فَلم يتَنَاوَل إِيقَاعه فِي الثَّالِث لِأَنَّهُ يتَنَاوَل فعلا وَاحِدًا وَالْفِعْل الْمُخْتَص بِالثَّانِي غير الْمُخْتَص بالثالث لِأَن أَفعَال الْعباد لَا يجوز عَلَيْهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالْجَوَاب أَنه إِن ثَبت أَن أَفعَال الْعباد هَذِه سَبِيلهَا فان الْأَمر لم يتَنَاوَل تِلْكَ الْأَعْيَان وَإِنَّمَا يتَنَاوَل مَا لَهُ صُورَة يميزها الْمُكَلف فاذا أمرنَا الله سُبْحَانَهُ بِالْحَجِّ فانما أمرنَا بِأَفْعَال لَهَا صفة مَخْصُوصَة سَوَاء كَانَت وَاقعَة فِي هَذَا الْوَقْت أَو فِي هَذَا الْوَقْت واذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَ الْأَمر لَا يتخصص بالأوقات علمنَا أَنه يتَنَاوَل مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الصُّورَة من الْأَفْعَال المختصة بِتِلْكَ الْأَوْقَات فاذا بَان أَن الْوُجُوب يُفِيد التَّعْجِيل بَان أَنه قد اخْتصَّ بِالْأَمر مَا يَقْتَضِي التَّعْجِيل وَمَا يَقْتَضِي التَّأْخِير وَلَا يُمكن الْجمع بَينهمَا إِلَّا على شَرط الْمعْصِيَة ﷺ َ - بَاب فِي الْآمِر هَل يدْخل تَحت الْأَمر ام لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يتَضَمَّن مسَائِل
مِنْهَا أَن يُقَال هَل يُمكن أَن يامر الْإِنْسَان نَفسه فِي الْمَعْنى أم لَا وَلَيْسَ فِي
стр. 136
إِمْكَان ذَلِك شُبْهَة لِأَنَّهُ يُمكن الْإِنْسَان أَن يَقُول لنَفسِهِ افْعَل وَيُرِيد مِنْهَا الْفِعْل
وَمِنْهَا أَن يُقَال هَل يكون هَذَا القَوْل مُسَمّى بِأَنَّهُ أَمر على الْحَقِيقَة أم لَا وَالْجَوَاب أَنه لَا يكون أمرا على الْحَقِيقَة لِأَن من شَرط كَونه أمرا الرُّتْبَة وَمَا يجْرِي مجْراهَا وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بَين ذاتي لتَكون إِحْدَاهمَا مستعلية ومرتبة على الْأُخْرَى
وَمِنْهَا أَن يُقَال هَل يحسن أَن يَأْمر الْإِنْسَان نَفسه أم لَا وَالْجَوَاب أَنه لَا يحسن ذَلِك لِأَن الْفَائِدَة بِالْأَمر أَن يكون دَلِيلا على حَال الْمَأْمُور بِهِ أَو يُؤَكد الدّلَالَة أَو يدل على إِرَادَة فَاعله الْفِعْل وَيكون مِمَّن يتَقرَّب إِلَيْهِ بالمصير إِلَى إِرَادَته فيدعو علم الْمَأْمُور بإرادته إِلَى أَن يُوقع مرادها وَهَذِه الْأُمُور منتفية فِي أَمر الْإِنْسَان نَفسه لِأَن الانسان يعلم إِرَادَته وَكَون الْمَأْمُور بِهِ طَاعَة قبل أمره من غير أَن يُرَاد علما من جِهَة الْآمِر إِذْ كَانَ إِنَّمَا يَأْمر لتقدم علمه بِمَا لَهُ فِي الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ من الْغَرَض
وَمِنْهَا أَن يُقَال هَل إِذا خَاطب الْإِنْسَان غَيره بِالْأَمر يكون دَاخِلا فِي جملَة المأمورين وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن دخلت فِي مسَائِل الْعُمُوم فَذكرهَا هَا هُنَا يجوز لتعلقها بِهَذِهِ الْمسَائِل وَالْجَوَاب أَنه إِن كَانَ الْمُخَاطب نالا لِلْأَمْرِ من غَيره نظر فِي خطابه فان كَانَ يتَنَاوَلهُ دخل فيهم والا لم يدْخل فيهم مِثَال الأول أَن يَقُول الْإِنْسَان لجَماعَة إِن فلَانا يَأْمُرنَا بِكَذَا وَكَذَا وَمِثَال الثَّانِي أَن يَقُول إِن فلَانا يَأْمُركُمْ بِكَذَا وَكَذَا وَإِن نقل كَلَامهم غَيره وَلم يذكر عَن نَفسه شَيْئا نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فان هَذَا يتَنَاوَل الْكل لِأَن الْخطاب من الله سُبْحَانَهُ يرد إِلَى كل
стр. 137
مُكَلّف وَإِلَّا من اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيل وَإِن كَانَ الْمُخَاطب بِالْأَمر هُوَ الْآمِر فانه لَا يدْخل تَحت الْأَمر لما بَيناهُ أَنه لَا فَائِدَة فِيهِ وَذَلِكَ نَحْو أَن يَقُول افعلوا كَذَا وَكَذَا فان قيل فَهَل يدْخل الْمخبر تَحت الْخَبَر قيل إِن أردْت أَنه يدْخل فِي أَن يكون مخبرا لنَفسِهِ فَلَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي أَن يخبر نَفسه إِذْ لَيْسَ يخفى عَلَيْهِ حَال الْمخبر عَنهُ فيستدل عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ وَإِن أردْت أَنه يدْخل فِي أَنه يكون مخبرا عَن نَفسه فَذَلِك جائزلأن الْإِنْسَان لَهُ غَرَض فِي أَن يخبر عَن حَال نَفسه كَمَا أَن لَهُ غَرضا فِي أَن يخبر عَن غَيره ﷺ َ - بَاب فِي كَيْفيَّة إِيجَاب الامر لفروض الكفايات ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ إِذا تنَاول جمَاعَة على الْجمع فَذَلِك من فروض الْأَعْيَان وَالْكَلَام فِي ذَلِك من بَاب الْعُمُوم وَقد يكون فعل بَعضهم شرطا فِي فعل بعض كَصَلَاة الْجُمُعَة وَقد لَا يكون فعل بَعضهم شرطا فِي فعل بعض وَإِذا تنَاول جَمَاعَتهمْ لَا على الْجمع فَذَلِك من فروض الكفايات نَحْو أَن يكون الْغَرَض بِتِلْكَ الْعِبَادَة يحصل بِفعل الْبَعْض كالجهاد الَّذِي الْغَرَض بِهِ حراسة الْمُسلمين وإذلال الْعَدو وقهره فَمَتَى حصل ذَلِك بِالْبَعْضِ لم يلْزم البَاقِينَ وَالْفَرْض فِي ذَلِك مَوْقُوف على غَالب الظَّن فان غلب على ظن الْجَمَاعَة أَن غَيرهَا يقوم بذلك سقط عَنْهَا وحد الْوَاجِب لَا يحصل فِي فعلهَا وَإِن غلب على ظَنّهَا أَن غَيرهَا لَا يقوم بِهِ وَجب عَلَيْهَا وحد الْوَاجِب حَاصِل فِي فعلهَا وَإِن غلب على ظن كل طَائِفَة أَن غَيرهَا لَا يقوم بِهِ وَجب على كل وَاحِدَة مِنْهَا الْقيام بِهِ وَكَانَ حد الْوَاجِب قَائِما فِي فعل كل وَاحِدَة مِنْهَا وَإِن غلب على ظن كل طَائِفَة أَن غَيرهَا يقوم بِهِ سقط الْفَرْض عَن كل وَاحِدَة مِنْهَا وَإِن أدّى إِلَى أَن لَا يقوم بِهِ أحد وَلم يكن حد الْوَاجِب حَاصِلا فِي فعل كل وَاحِدَة مِنْهَا فَبَان بِمَا ذكرنَا أَن مَا تقدم من حد الْوَاجِب لَيْسَ ينتقص بِشَيْء من هَذِه الْأَقْسَام
стр. 138
- ﷺ َ - بَاب فِي الامر الْوَارِد بالشَّيْء على شَرط زَوَال الْمَنْع ﷺ َ -
ذهب شُيُوخنَا ﵏ إِلَى أَن الله لم يعن بِالْأَمر من يعلم أَنه يمْنَع من الْفِعْل وَقَالَ قوم إِذا أَمر الله قوما بِالْفِعْلِ وَعلم أَن فيهم من يمْنَع مِنْهُ فانه قد عناه بِالْأَمر بِشَرْط زَوَال الْمَنْع وَلم يَخْتَلِفُوا فِي جَوَاز أَمر الْوَاحِد منا غَيره بِالْفِعْلِ بِشَرْط قدرته على الْفِعْل وَانْتِفَاء الْمَنْع مِنْهُ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة لم يَخْتَلِفُوا فِي أَنه لَا يجوز أَن يفرد الله سُبْحَانَهُ الْمُكَلف الْوَاحِد بِالْأَمر بِالْفِعْلِ وَهُوَ يعلم أَنه يمْنَع مِنْهُ قَالَ وَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَنه لَا يجوز أَن يَأْمر من يعلم أَنه يَمُوت أَو يعجز أَو لَا يكون الْمَأْمُور بِهِ مصلحَة بِشَرْط أَن يبْقى وَيقدر وَيكون الْفِعْل مصلحَة
دليلنا هُوَ أَن معنى قَوْلنَا إِن الله سُبْحَانَهُ قد أَمر بِالْفِعْلِ بِشَرْط زَوَال الْمَنْع هُوَ أَنه قَالَ لنا افعلوه وأراده منا أَو كَانَ لنا فِيهِ غَرَض مَعَ فقد الْمَنْع وَلم يردهُ مَعَ وجوده لِأَنَّهُ لَو أَرَادَهُ فِي الْحَالين لَكَانَ قد كلف إِيقَاع الْفِعْل مَعَ وجود الْمَنْع وَلما كَانَ قد أَرَادَهُ بِشَرْط زَوَال الْمَنْع فاذا علم الله سُبْحَانَهُ أَن الْمَنْع يحصل لَا محَالة فقد علم الْحَالة الَّتِي لَا غَرَض لَهُ فِي إِيقَاع الْفِعْل فِيهَا فَلم يجز أَن يُريدهُ فِيهَا يبين ذَلِك أَن الْوَاحِد منا لَو أَرَادَ دُخُول زيد الدَّار إِن دَخلهَا عَمْرو وَلم يرد دَخَلُوهُ فِيهَا إِن لم يدخلهَا عَمْرو ثمَّ علم بِخَبَر نَبِي أَن عمرا لَا يدخلهَا فان هَذَا الْعلم يصرفهُ عَن إِرَادَة دُخُول زيد إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يُرِيد دُخُوله إِلَيْهَا لَو دَخلهَا عَمْرو وَهَذِه إِرَادَة مقدرَة غير حَاصِلَة وَأَيْضًا فَلَو أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ الْفِعْل بِشَرْط زَوَال الْمَنْع لَكَانَ قد اراد من الْمُكَلف إِيقَاعه إِن لم يحصل الْمَنْع وَالْمَفْهُوم من هَذِه اللَّفْظَة الشَّك أَلا ترى أَن من علم بِالْمُشَاهَدَةِ أَن الشَّمْس قد طلعت لَا يَقُول إِن كَانَت الشَّمْس قد طلعت دخلت الدَّار وَإِنَّمَا يحسن أَن يَقُول ذَلِك إِذا كَانَ شاكا فِي طُلُوعهَا والبارىء
стр. 139
سُبْحَانَهُ عَالم بِأَن الْمَنْع سيوجد فَلم يجز أَن يُرِيد الْفِعْل إِن لم يحصل الْمَنْع وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يمْنَع من تَكْلِيف الله سُبْحَانَهُ من يعلم أَنه يتَعَذَّر عَلَيْهِ الْفِعْل بِجَمِيعِ ضروب التَّعَذُّر
وَحجَّة الْمُخَالف أَشْيَاء
مِنْهَا أَن يَقُول قد أجمعنا على أَن الله قد كلف الْمَعْدُوم وَالْعَاجِز بِشَرْط أَن يقدر فِي حَال الْحَاجة إِلَى الْقُدْرَة وَالْجَوَاب أَنا نقُول إِن الله سُبْحَانَهُ كلف بِشَرْط أَن يقدر وَمعنى ذَلِك أَن حكمنَا بِأَن الله تَعَالَى قد كلف الْفِعْل مَشْرُوط بِأَن يكون مِمَّن يقدر فِي وَقت الْحَاجة فَالشَّرْط دَاخل على حكمنَا لَا على تَكْلِيف الله سُبْحَانَهُ وَيُشبه أَن يكون الْمُخَالف هَذَا يَعْنِي بقوله إِن الله سُبْحَانَهُ يُكَلف بِشَرْط زَوَال الْمَنْع فان عني ذَلِك فَلَا حَاجَة فِيهِ وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن الَّذِي ذَكرُوهُ لَيْسَ يشبه مَوضِع الْخلاف وَذَلِكَ أَن كلامنا فِي أَن يَأْمر الله تَعَالَى بِشَرْط يعلم أَنه لَا يُوجد فأوردوا أَن يَأْمر الله تَعَالَى بِشَرْط يعلم وجوده على أَنا نقُول إِن الله يَأْمر الْمَعْدُوم بِشَرْط أَن يُوجد ونعني بِهِ أَن الْأَمر الَّذِي صدر من الله تَعَالَى أَمر لَهُ عِنْد وجوده أَو إِذا وجد هَذَا لَيْسَ بمحال فَيبْطل مَا قَالُوا
وَمِنْهَا أَن يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ قد كلف الْكَافِر بِالصَّلَاةِ بِشَرْط أَن يُؤمن مَعَ أَنه علم بِأَنَّهُ لَا يُؤمن وَلِهَذَا يُعَاقِبهُ على ترك الصَّلَاة كَمَا يُعَاقِبهُ على الْكفْر وَالْجَوَاب أَنا نقُول كلف الْإِيمَان وَالصَّلَاة جَمِيعًا وَلم يكلفه فعل الصَّلَاة مضامة للكفر فَلم يدْخل الشَّرْط فِي التَّكْلِيف وَإِنَّمَا دخل الشَّرْط فِي فعله لِأَنَّهُ قيل لَهُ افعلهما فاذا لم يفعلهما فقد أخل بمصلحتين فَاسْتحقَّ الْعقَاب على الْإِخْلَال بهَا
وَمِنْهَا قياسهم تَكْلِيف الله سُبْحَانَهُ الْفِعْل بِشَرْط زَوَال الْمَنْع على تَكْلِيف الْوَاحِد منا غَيره بِشَرْط زَوَال الْمَنْع وَهُوَ قِيَاس بِغَيْر عِلّة وَالْفرق بَينهمَا أَن
стр. 140
الْوَاحِد منا غير عَالم بِأَن للمكلف حَالَة منع لَا غَرَض لَهُ فِي إِيقَاع الْفِعْل فِيهَا والباريء عَالم بذلك يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَنه يجوز أَن يُكَلف الْوَاحِد منا غَيره بِشَرْط أَن يبْقى وَأَن يكون الْفِعْل مصلحَة وَلَا يجوز ذَلِك من الله سُبْحَانَهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو رفع منع التَّكْلِيف لَكَانَ من منع غَيره من الصَّلَاة فقد أحسن إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قد أسقط عَنهُ كلفة من غير توجه ذمّ إِلَيْهِ الْجَواب يُقَال لَهُم أَلَيْسَ عنْدكُمْ أَنه لَا يلْزمه الْفِعْل مُضَافا للْمَنْع وَأَنه يسْقط الْفِعْل عَنهُ من غير لوم فالسؤال يلزمكم كَمَا يلْزمنَا وعَلى أَنه لَا يكون محسنا إِلَيْهِ بِالْمَنْعِ مِمَّا يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب الجزيل
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو أسقط الْمَنْع التَّكْلِيف على كل حَال لما علم الْوَاحِد منا أَنه مُكَلّف للصَّلَاة قبل تَشَاغُله بهَا وَذَلِكَ يسْقط عَنهُ وجوب أَخذ الأهبة لَهَا الْجَواب يُقَال لَهُم هَذَا يلزمكم أَيْضا لِأَن عنْدكُمْ أَن مَعَ الْمَنْع لَا تلْزم الصَّلَاة وَلَا أريدت من الْمُكَلف فِي تِلْكَ الْحَال وَإِنَّمَا أريدت مِنْهُ بِشَرْط زَوَال الْمَنْع وَهُوَ لَا يعلم أَن الْمَنْع يَزُول فاذا لَا يعلم الْوُجُوب فان لزمنا سُقُوط أَخذ الأهبة فقد لزمكم وَقد قَالَ أَصْحَابنَا إِنَّمَا يجب أَخذ الأهبة للصَّلَاة لثُبُوت أَمارَة بَقَائِهِ سالما إِلَى وَقتهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ لهَذِهِ الأمارة التَّحَرُّز من ترك مَا لَا يَأْمَن وُجُوبه ﷺ َ - بَاب فِي الامر الْمُقَيد بِشَرْط هَل يعلم أَن الحكم فِيمَا عدا الشَّرْط بِخِلَاف الشَّرْط أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن حكم الْأَمر وَغَيره إِذا علق بِشَرْط فَإِن الشَّرْط يدل على أَن الحكم لَا يثبت فِيمَا عداهُ على كل حَال وَلَا يمْنَع الشَّرْط من قيام الدّلَالَة على شَرط آخر يقوم مقَامه وَمَتى فَقدنَا دلَالَة تدل على شَرط ثَان قضينا بِأَنَّهُ لَا شَرط إِلَّا
стр. 141
الأول فنعلم أَنه إِذا انْتَفَى الشَّرْط انْتَفَى الحكم على كل حَال وَإِن دلّ دَلِيل على شَرط آخر علمنَا انْتِفَاء الحكم إِذا انْتَفَى الشرطان وَإِن علمنَا ثُبُوت الحكم مَعَ انْتِفَاء الشَّرْط على كل حَال علمنَا أَن ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط وَأَنه قد يجوز بِهِ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ لَا يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَأَنه يجوز أَن يقوم شَرط آخر مقَام ذَلِك الشَّرْط وَحَكَاهُ عَن أبي عبد الله وَحكى عَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَنه يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَمنع لذَلِك من الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَن الله سُبْحَانَهُ شَرط فِي الحكم الشَّاهِد الثَّانِي لِأَنَّهُ قصر الحكم على الشَّاهِدين فَلَو لم يكن الثَّانِي شرطا لم يكن لذكره معنى قَالَ وَإِذا كَانَ شرطا لم يجز الحكم مَعَ فَقده
وَالدَّلِيل على أَن الشَّرْط يمْنَع من ثُبُوت الحكم مَعَ عَدمه على كل حَال أَن قَول الْقَائِل لغيره ادخل الدَّار إِن دَخلهَا عَمْرو مَعْنَاهُ أَن الشَّرْط فِي دخولك هُوَ دُخُول عَمْرو لِأَن لَفْظَة إِن مَوْضُوعَة للشّرط وَلَو قَالَ لَهُ شَرط دخولك الدَّار دُخُول عَمْرو علمنَا أَنه لم يُوجب عَلَيْهِ دُخُول الدَّار مَعَ فقد دُخُول عَمْرو على كل حَال فَكَذَلِك فِي مسالتنا يبين مَا قُلْنَاهُ أَن الشَّرْط هُوَ الَّذِي يقف عَلَيْهِ الحكم وعَلى مَا يقوم مقَامه فَلَو ثَبت الحكم مَعَ عَدمه على كل حَال لَكَانَ كل شَيْء شرطا فِي كل شَيْء حَتَّى يكون دُخُول زيد الدَّار شرطا فِي كَون السَّمَاء فَوق الإرض وَإِن وجد ذَلِك مَعَ عدم الدُّخُول وَيدل على أَن الْمَعْقُول من الشَّرْط مَا ذَكرْنَاهُ مَا روى أَن يعلى بن منية سَأَلَ عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ مَا بالنا نقصر وَقد أمنا فَقَالَ عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ٦ فَلَو لم يعقل من الشَّرْط نفى الحكم عَمَّا عداهُ لم يكن لتعجبهما معنى وَأجَاب عَن ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ لَا يمْتَنع أَن يَكُونَا إِنَّمَا تَعَجبا من ذَلِك لِأَنَّهَا عقلا من الْآيَات الْوَارِدَة فِي وجوب الصَّلَاة وجوب الْإِتْمَام وَأَن حَال
стр. 142
الْخَوْف مُسْتَثْنَاة من ذَلِك وَالْبَاقِي ثَابت على أَصله فِي الْإِتْمَام فَلذَلِك تَعَجبا من ثُبُوت الْقصر مَعَ الْأَمْن وَلقَائِل أَن يَقُول الْآيَات لَا تنطق بالإتمام وَلَا كَانَ الأَصْل فِي الصَّلَاة الْإِتْمَام فنتم مَا ذكر بل الْمَرْوِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت كَانَت صَلَاة السّفر والحضر رَكْعَتَيْنِ فأقرت صَلَاة السّفر وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن لتعجب عمر ويعلى بن منية سَبَب إِلَّا الشَّرْط وَبَطل القَوْل بِأَن الأَصْل كَانَ الْإِتْمَام فان قيل لَو منع الشَّرْط من ثُبُوت الحكم مَعَ عَدمه لما ثَبت الْقصر مَعَ عدم الْخَوْف قيل إِن ظَاهر الشَّرْط يمْنَع من ذَلِك وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تدل دلَالَة على خلاف الظَّاهِر كَمَا تدل دلَالَة على خلاف ظَاهر الْعُمُوم وَلَا يمْتَنع أَن يكون الشَّرْط قد ورد ليؤكد حَال الْمَشْرُوط وَلِأَن السَّبَب فِي نزُول إِبَاحَة الْقصر هُوَ حَال الْخَوْف فَشرط لِأَن الْحَال اقتضته
فان قيل لَيْسَ يمْتَنع أَن تكون الْفَائِدَة فِي وُرُود الشَّرْط تَأْكِيد حَال الْمَشْرُوط بِأَن يكون الحكم لَو ورد مُطلقًا لظن الْمُكَلف أَن الْمَشْرُوط لم يرد فيشرط لإِزَالَة هَذَا الظَّن لَا لِأَن الحكم لَا يثبت مَعَ فَقده نَحْو أَن يَقُول الله تَعَالَى ضحوا بِالشَّاة إِن كَانَت عوراء لِأَنَّهُ لَو قَالَ ضحوا بِالشَّاة لجَاز أَن يتَوَهَّم متوهم أَنه لم يرد العوراء قيل إِنَّا لم نقل إِن الشَّرْط يمْنَع من ثُبُوت الحكم مَعَ فَقده لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا ذَلِك فَيبْطل قَوْلنَا بإيراد فَائِدَة سواهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك من جِهَة أَن لَفْظَة إِن وضعت مَوضِع قَوْلنَا الشَّرْط فِي هَذَا الحكم كَذَا وَكَذَا وَهَذَا اللَّفْظ يُفِيد مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن معنى الشَّرْط الحكم أَن يقف عَلَيْهِ على مَا يقوم مقَامه وعَلى أَن الْعَادة جرت أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره ضح بِالشَّاة وَإِن كَانَت عوراء وَلَا يَقُول إِن كَانَت عوراء وَإِذا قَالَ وَإِن كَانَت عوراء فهم من ذَلِك عطفها على الصَّحِيحَة كَأَنَّهُ أضمر جَوَاز الْأُضْحِية بالصحيحة ثمَّ عطف عَلَيْهَا العوراء
إِن قيل لَو منع الشَّرْط من ثُبُوت الحكم مَعَ فَقده لَكَانَ قَول الله
стр. 143
سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ يدل على أَنه حظر الْإِكْرَاه على الْبغاء إِذا لم يردن التحصن قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرط إِرَادَة التحصن لِأَن الْإِكْرَاه على الْبغاء لَا يحصل إِلَّا وَهن مريدات للتحصن فَلهَذَا شَرط لَا لِأَن الحكم لَا يثبت إِلَّا مَعَ إِرَادَة التحصن وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الشَّرْط لَا يمْنَع من قيام دلَالَة على ثُبُوت شَرط آخر لِأَن قَول الْقَائِل لغيره أعْط زيدا درهما إِن دخل الدَّار لَيْسَ يتَعَرَّض لشرط آخر بِنَفْي وَلَا إِثْبَات أَلا ترى أَنه لَيْسَ فِيهِ ذكر لَهُ فَلم يمْنَع مِنْهُ وَلم يُوجِبهُ إِن قيل قَوْله إِن دخل الدَّار مَعْنَاهُ الشَّرْط فِي عطيتك دُخُوله الدَّار وَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَمَال الشَّرْط هُوَ دُخُول الدَّار لِأَن لَام الْجِنْس تَقْتَضِي الشُّمُول قيل بل قَوْله إِن دخل الدَّار يُفِيد أَن دُخُوله الدَّار شَرط وَذَلِكَ لَا يمْنَع من ثُبُوت شَرط آخر وَلَيْسَ لَهُ أَن يقدر ذَلِك بِزِيَادَة ألف وَلَام لِأَن ذَلِك زِيَادَة لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِن قيل ألستم قد قُلْتُمْ إِن قَوْله أعْط زيدا درهما إِن دخل الدَّار يمْنَع من الْعَطِيَّة مَعَ فقد الدُّخُول أفليس إِذا حصل شَرط آخر فقد أعطَاهُ مَعَ عدم الدُّخُول فَهَلا قُلْتُمْ إِن ظَاهر الشَّرْط يمْنَع من ثُبُوت شَرط آخر وَأَنه لَا يجوز إثْبَاته إِلَّا لدَلِيل يدل عَلَيْهِ خلاف ظَاهر الشَّرْط الأول قيل إِنَّا نقُول إِن قَوْله أعْطه إِن دخل الدَّار يُفِيد أَن الْعَطِيَّة مَعَ فقد هَذَا الدُّخُول على كل حَال غير مُبَاحَة بل لَا بُد من حَالَة من الْحَالَات تكون فِيهَا الْعَطِيَّة غير مُبَاحَة إِذا فقد الدُّخُول وَلَيْسَ يدْخل تَحت ذَلِك إِذا قَامَ شَرط آخر مقَام هَذَا الشَّرْط لِأَنَّهُ إِذا قَامَ مقَامه شَرط لم تجز الْعَطِيَّة إِلَّا مَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فَلَا تكون الْعَطِيَّة مُبَاحَة مَعَ فقد الشَّرْط الأول على كل حَال وَقُلْنَا إِن الشَّرْط لَا يمْنَع ظَاهِرَة من ثُبُوت شَرط آخر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر لنفي شَرط آخر وَلَا إثْبَاته فَلَا تنَاقض بَينهمَا
وَأما الدّلَالَة على أَنه إِذا لم تدل دلَالَة على شَرط ثَان لم نثبته فَهِيَ أَنه لَو كَانَ
стр. 144
للْحكم شَرط آخر لدل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فاذا لم يدل عَلَيْهِ علمنَا نَفْيه كَمَا نقُول فِي صَلَاة سادسة
وَأما قَول الشَّيْخ ابي الْحسن إِن الشَّاهِد الثَّانِي شَرط فِي الحكم فان أَرَادَ بِهِ أَنه ذكر بِلَفْظ الشَّرْط فمعلوم أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة لفظ شَرط وَإِن أَرَادَ أَن الحكم لَا يجوز مَعَ فَقده على كل حَال فَذَلِك صَحِيح وَإِن اراد أَنه لَا يجوز فِي حَال وَيجوز فِي حَال فَهَكَذَا يَقُول من يذهب إِلَى الشَّاهِد وَالْيَمِين فانه لَا يجوز الحكم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد وَيجوز الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين كَمَا يجوز بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ وَإِن منع من الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ زِيَادَة على النَّص وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ فَلم يجز نسخ الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد فَذَلِك كَلَام فِي الزِّيَادَة على النَّص وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر إِذا قيد بغاية وحد ﷺ َ -
اعْلَم أَن الحكم إِذا علق بغاية وحد منع ظاهرهما من ثُبُوت الحكم بعدهمَا لِأَن قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ يجْرِي مجْرى أَن يَقُول صُومُوا صوما غَايَته ونهايته وَآخره وطرفه اللَّيْل لِأَن إِلَى مَوْضُوع للغاية وَالْحَد وَلَو قَالَ ذَلِك لمنع من وجوب الصَّوْم بعد مَجِيء اللَّيْل لِأَنَّهُ لَو وَجب أَن يَصُوم بعد ذَلِك خرج اللَّيْل من أَن يكون آخرا للصَّوْم وَدخل فِي أَن يكون وسطا للصَّوْم وَلَا يمْتَنع مَعَ ذَلِك أَن تدل دلَالَة على خلاف ظَاهر الْغَايَة فتوجب علينا صِيَام قِطْعَة من اللَّيْل وتدل على أَنه إِنَّمَا سمي أول النَّهَار طرفا للصَّوْم مجَازًا من حَيْثُ كَانَ قَرِيبا من آخِره فَأَما قَاضِي الْقُضَاة فانه قَالَ إِن الْغَايَة تدل على أَن مَا بعْدهَا بِخِلَافِهَا قَالَ لِأَن الْفَائِدَة فِي ضرب الْغَايَة زَوَال الحكم بعْدهَا وَهَذَا دَعْوَى لَا فرق بَينه وَبَين قَول الْقَائِل الْفَائِدَة فِي
стр. 145
ذكر الصّفة انْتِفَاء الحكم مَعَ انتفائها فَأَما نَحن فقد بَينا أَن لَفْظَة الْغَايَة تفِيد مَا ذَكرْنَاهُ لَا الْفَائِدَة ﷺ َ - بَاب فِي الامر إِذا قيد بِعَدَد كَيفَ القَوْل فِيهِ ﷺ َ -
اعْلَم أَن من النَّاس من قَالَ إِن الحكم إِذا علق بِعَدَد دلّ على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَمِنْهُم من قَالَ لَا يدل على ذَلِك كتعليق الْحَد بالثمانين وَنحن نقُول إِنَّه يَنْبَغِي أَن ينظر هَل يدل تَعْلِيق الحكم بِالْعدَدِ على حكم مَا زَاد عَلَيْهِ أم لَا وَهل يدل على حكم مَا نقص مِنْهُ أم لَا فَنَقُول إِنَّه لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا زَاد على الْعدَد لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون فِي تَعْلِيقه بذلك الْعدَد فَائِدَة سوى نَفْيه عَن الزِّيَادَة على مَا سَنذكرُهُ فِي دَلِيل الْخطاب
وَقد يدل على ثُبُوت الحكم فِي الزِّيَادَة من جِهَة الأولى فان قَول النَّبِي ﷺ إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا نعلم مِنْهُ أَن مَا زَاد عَلَيْهَا أولى بِأَن لَا يحمل الْخبث لِأَن الْقلَّتَيْنِ موجودتان فِي الثَّلَاث وَزِيَادَة وَلَو حظر الله علينا جلد الزَّانِي مائَة لَكَانَ حظر مَا زَاد على الْمِائَة أولى لِأَن الْمِائَة مَوْجُودَة فِي الْمِائَتَيْنِ وَزِيَادَة فَأَما إِذا أباحنا جلد الزَّانِي مائَة أَو أوجبه علينا فانه لَا يدل على حكم مَا زَاد على ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ ذكر للزِّيَادَة وَلَا يَقْتَضِيهِ من جِهَة الأولى والفائدة
فَأَما تَعْلِيق الحكم بِالْعدَدِ هَل يدل على حكم مَا نقص مِنْهُ فانه ينظر فِيهِ فان كَانَ الحكم إِيجَابا فانه يدل على وجوب مَا نقص عَنهُ لِأَنَّهُ دَاخل تَحْتَهُ وَيمْنَع من الِاقْتِصَار على مَا دونه لِأَن الْأَمر قد أوجب استكمال الْعدَد نَحْو أَن يُوجب الله سُبْحَانَهُ علينا جلد الزَّانِي مائَة فنعلم وجوب جلد خمسين وحظر
следующие страницы →