← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

كَمَا إِذا رَأينَا أمارت الْغَيْم الممطر فِي بعض الغيوم نَحْو كَونه فِي الشتَاء وَكَونه كثيفا أغبر قَطعنَا على أَنه أولى بِأَن يكون ممطرا من غيم لَيْسَ هَذِه سَبيله وظننا أَن الْمَطَر يحصل عَنهُ وَلَيْسَ يبعد أَن يكون ظننا بِأَنَّهُ ممطر هُوَ علم بِأَنَّهُ أولى أَن يكون ممطرا وَكَذَلِكَ ظننا أَن الْوَصْف عِلّة الحكم فِي الأَصْل هُوَ علم بِأَنَّهُ أولى أَن يكون عِلّة الأَصْل وَلِهَذَا صَحَّ أَن تدل عَلَيْهِ دلَالَة قَاطِعَة فان قيل فَمَا مِثَال ذَلِك فِي الْعِلَل ووجوه التَّرْجِيح الَّتِي تقطعون بهَا على أَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة قيل مِثَال ذَلِك أَن يعلم أَن أحد الوصفين يثبت الحكم بِثُبُوتِهِ فِي الأَصْل وينتفي بانتفائه فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك الآخر أَو أَن أَحدهمَا لَهُ تَأْثِير فِي الْأُصُول دون الآخر نَحْو كَون الْبلُوغ مؤثرا فِي رفع الْحجر عَن المَال وَيعلم أَن أحد الوصفين مستنبط من أصل مجمع على حكمه وَالْآخر مستنبط من أصل غير مجمع على حكمه وَالْآخر مستنبط من أصل غير مجمع على حكمه أَو أَن أَحدهمَا طَريقَة تَنْبِيه النَّص وَالْآخر مستنبط كل هَذِه الْأَشْيَاء مَعْلُوم أَنَّهَا وُجُوه مقوية وَمَعْلُوم ثُبُوتهَا فِي إِحْدَى العلتين فصح أَن يكون طَرِيقا إِلَى الْقطع بِأَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة وَقد يظنّ حُصُول بعض وُجُوه التَّرْجِيح فِي الأمارة فَيعلم أَنَّهَا أولى من غَيرهَا نَحْو أَن نظن أَن بعض المخبرين أدين واشد تحرجا بِأَن يخبرنا غَيره بذلك فنظن أَنه أَحَق بِأَن يكون صَادِقا مِمَّن لَا نظن أَنه دين ونظن أَن بعض الغيوم على صفة تَقْتَضِي الْمَطَر كالغبرة والكثافة بِخَبَر رجل ظَاهره الصدْق فنعلم أَنه أولى بِأَن يكون ممطرا من غيم لَا نظن فِيهِ هَذِه الصّفة وَهَذِه الصِّفَات المظنونة لَا بُد من أَن تكون طرقها مَعْلُومَة أَو تستند إِلَى طرق مَعْلُومَة وَإِلَّا أدّى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ أَلا ترى أَن الطَّرِيق إِلَى حُصُول صفة الْغَيْم إِذا كَانَ الْخَبَر فَالْخَبَر مَعْلُوم لنا بالادراك فان قيل فاذا علمْتُم أَن الْوَصْف أولى بِأَن يكون عِلّة الحكم فِي الأَصْل من غَيره من الْأَوْصَاف فقد علمْتُم أَنه عِلّة لحكم الأَصْل قيل لَا يجب ذَلِك كَمَا لَا يجب ذَلِك إِذا علمنَا أَن هَذَا الْغَيْم الكثيف الأغبر أولى بالمطر من غيم رَقِيق غير أغبر أَن نقطع على أَنه ممطر بل قد يجوز أَن يكون ذَلِك هُوَ الممطر وَهَذَا غير ممطر فَلَو قَطعنَا على أَن الْغَيْم الكثيف هُوَ الممطر لنقض

стр. 807

ذَلِك قَوْلنَا إِنَّا نعلم أَن الأولى أَن يكون ممطرا وكما أَن الرجل المتين الدّين الشَّديد التحرج أولى بِالصّدقِ فِيمَا يخبر بِهِ رجل هُوَ دونه فِي الدّين والتحرج وَلَا يجب من ذَلِك أَن يكون الَّذِي هُوَ أَشد تحرجا أصدق لَا محَالة بل قد يتَّفق أَن يكذب فِي بعض أخباره وَيصدق الَّذِي هُوَ دونه فِي التحرج وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جَمِيع الأمارات فان قيل أفتقطعون على أَن تِلْكَ الْعلَّة هِيَ عِلّة الحكم فِي الْفَرْع قيل نعم لِأَن معنى قَوْلنَا إِنَّهَا عِلّة حكم الْفَرْع هُوَ أَن عِنْد علمنَا بوجودها فِي الْفَرْع يجب علينا أَن نحرم الْفَرْع إِن كَانَت عِلّة التَّحْرِيم أَو نبيحه إِن كَانَت عِلّة الْإِبَاحَة وَلَيْسَ يلْزم على هَذَا أَن نعلم أَنَّهَا عِلّة حكم الأَصْل لِأَن عِنْد علمنَا بوجودها فِي الأَصْل لَيْسَ يصير الأَصْل محرما علينا وَلَا مُبَاحا لنا بل تَحْرِيمه وإباحته يسبقان الْعلم بوجودها فِي الأَصْل وَلَا يتبعان علمنَا بوجودها فِيهِ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون علمنَا بِكَوْنِهَا عِلّة حكم الْفَرْع يسْتَند إِلَى ظننا أَنَّهَا عِلّة حكم الأَصْل لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يقف الْعلم على شَرط مظنون كَمَا يقف علمنَا بِوُجُوب التَّحَرُّز من مضرَّة مخصومة على الظَّن لنزولها بِنَا وَيلْزم الْمُسْتَدلّ بِهَذِهِ الشُّبْهَة مثل الَّذِي ألزمنا لِأَنَّهُ يَقُول إِن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فَكل فرقة مِنْهَا مُصِيبَة من حَيْثُ نظرت فِي أَمارَة صَحِيحَة وَلَو نظرت فِي غير أَمارَة لم تكن مُصِيبَة وَلَا كَانَ لظنها حكم وَلم يدل الله قبل اجتهادها على صِحَة كل وَاحِدَة من الأمارتين وَفَسَاد مَا عداهما بل لَيْسَ على ذَلِك إِلَّا أَمَارَات فقد اقروا بِصِحَّة علتين وَفَسَاد مَا عداهما وَلم تدل دلَالَة قَاطِعَة على أَن كل وَاحِدَة مِنْهَا عِلّة وَأَن مَا عداهما لَيْسَ بعلة فان جَازَ ذَلِك مَعَ أَنه مَعَ فقد الدّلَالَة لَا يَثِق الْمُكَلف بالوصول إِلَى الْعلَّة الصَّحِيحَة دون الْفَاسِدَة فَلم لَا يجوز ذَلِك فِي الأمارة الْوَاحِدَة فان قَالُوا قد دلنا الله تَعَالَى على صِحَة الأمارتين وعَلى صِحَة الحكم بِمَا دلنا بِهِ على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب قيل الدَّلِيل يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم الْعلم بالمدلول عَلَيْهِ والمجتهدون إِنَّمَا يعلمُونَ صِحَة كل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بعد أَن يَقُول بَعضهم بِأحد الْقَوْلَيْنِ وَيَقُول الْبَعْض الآخر بالْقَوْل الآخر وعَلى أَنه يلْزم أَن يعلمُوا صِحَة العلتين بعد اسْتِقْرَار الْخلاف

стр. 808

وَفِي ذَلِك كَونهمَا دَلِيلين وخروجهما من كَونهمَا أمارتين فان قَالُوا مَا عدا الأمارتين لَو قَالَ بِهِ قَائِل لَكَانَ حَقًا أَيْضا وَلَيْسَ يجب نصب دلَالَة على فَسَاده قيل كَلَامه فِيهِ وَلَيْسَ بِحَق أَلَيْسَ لم ينصب الله دلَالَة على إِبْطَاله ليفصل بَينه وَبَين مَا هُوَ أَمارَة وايضا فقولكم إِن مَا عدا الأمارتين لَو قَالَ بِهِ قَائِل لَكَانَ حَقًا يَقْتَضِي أَن يقف كَونه حَقًا على قَول الْمُجْتَهد وَمَعْلُوم أَن قَول الْمُجْتَهد يتبع صِحَة الْعِلَل والأمارات وَهِي كالطرق إِلَى كَون أقاويلهم حَقًا ولأجلها حكمُوا بِمَا حكمُوا بِهِ وَقَوْلهمْ كَانَ على الصَّوَاب دلَالَة قَاطِعَة من الْقَوْلَيْنِ لنقض الحكم بِمَا عداهُ فَلم يسوغ الْفَتْوَى وَالْحكم بِهِ بل كَانَ الإِمَام لَا يولي من يُخَالِفهُ فِي الحكم ولمنع الْعَاميّ من استفتاء من يُخَالِفهُ ولفسق قَائِله لَا يَصح لأَنا قد بَينا أَنه لَيْسَ يجب أَن يكون هُنَاكَ دلَالَة قَاطِعَة إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا وَلَو لزم أَن تكون على نفس الحكم دلَالَة قَاطِعَة تتناوله لما لزم مَا ذَكرُوهُ وَأَيْضًا أَلا ترى أَن كثيرا من الْمسَائِل يسْتَدلّ عَلَيْهَا بِالْقُرْآنِ نَحْو التَّرْتِيب فِي الْوضُوء وَنفي وُجُوبه لِأَن كل فريق يسْتَدلّ بِالْآيَةِ ففريق يَقُول إِن الْفَاء للتعقيب وفريق يَقُول إِن الْوَاو لَا توجب التَّرْتِيب وَذَلِكَ طَريقَة الْعلم وَلم يفسق قَائِله وَقد سَاغَ الْفَتْوَى بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على أَنه لَيْسَ كل خطأ دلّ الدَّلِيل عَلَيْهِ فَهُوَ فسق بل قد يكون فسقا وَقد لَا يكون فسقا وَلَا يمْتَنع أَن يكون القَوْل خطأ من الْمُجْتَهد صَوَابا من الْمُقَلّد بِأَن يكون مصْلحَته الْأَخْذ عَن الْمُجْتَهد مخطئا كَانَ أَو مصيبا أَلا ترى أَن الْمُجْتَهد لَو لم يستقص الِاجْتِهَاد وَأَفْتَاهُ بِأول خاطر أَو استقصى الِاجْتِهَاد وَأَفْتَاهُ بِخِلَاف مَا أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهِ لَكَانَ الْمُجْتَهد مخطئا والمقلد مصيبا وَلم يجب على الله أَن يظْهر خِيَانَة الْمُجْتَهد حَتَّى لَا يَقع الْمُقَلّد فِي الْمفْسدَة بل قُلْنَا بأجمعنا إِن ذَلِك مفْسدَة من الْمُفْتِي وَأخذ الْعَاميّ بِمَا أفتاه غير مفْسدَة لَهُ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا إِذا لم يمْتَنع أَن يكون القَوْل خطأ من الْمُفْتِي وَالْعَمَل بِهِ غير خطأ من المستفتي لم يجب أَن يمْنَع الْمُفْتِي من الْفَتْوَى لِأَنَّهُ لَو وَجب أَن يمْنَع

стр. 809

مِنْهُ لم يخل إِمَّا أَن يجب ذَلِك لِأَن قبُول المستفتي لَهُ مفْسدَة أَو لِأَن فَتْوَى الْمُفْتِي لَهُ خطأ وَالْأول بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن قبُول المستفتي لَهُ غير مُمْتَنع أَن يكون مصلحَة مِنْهُ وَالثَّانِي لَا يُوجب أَن يمْنَع من الْفَتْوَى إِلَّا بالمناظرة والإيضاح وَأهل الِاجْتِهَاد يناظر بَعضهم بَعْضًا على أَن أحد الْمُجْتَهدين لَو منع الْعَاميّ من أَن يستفتي خَصمه لَكَانَ خَصمه يمْنَع الْعَاميّ أَن يستفتي غَيره وَلَا يكون الْعَاميّ بِأَن يقبل من أَحدهمَا أولى من الآخر فَيمْتَنع عَلَيْهِ أَن يستفتي أحدا فان قيل أجمع الْمُسلمُونَ على أَن المخطىء لَا يُمكن من الدُّعَاء إِلَى خطابه قيل لَيْسَ فِي هَذَا إِجْمَاع لِأَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد من الْأَقَاوِيل لَا يمْنَع مُخَالفَة من الْفَتْوَى فان قيل فَمَاذَا تعلمُونَ أَن الْعَاميّ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يمْتَنع من تَقْلِيد كل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ قيل نعم ذَلِك بِالْإِجْمَاع لِأَن الصَّحَابَة وَأهل الْأَعْصَار لَا يمْنَعُونَ الْعَامَّة من ذَلِك وَأما تَوْلِيَة الإِمَام مخالفيه فَلَيْسَ فِيهَا إِبَاحَة لَهُ الحكم بالْخَطَأ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ولاه ليحكم بِالْحَقِّ لِأَن الطَّرِيق إِلَى الْحق مُمكن وَلَيْسَ الظَّاهِر من مُخَالفَة أَن يحكم بِمَا يُخَالِفهُ لِأَنَّهُ يجب على الْحَاكِم والمفتي أَن يجدد الِاجْتِهَاد فِي كل وَقت إِذا لم يذكر طَريقَة الِاجْتِهَاد فَكيف يظنّ بِمن يجدد الِاجْتِهَاد عِنْد حكمه وفتواه أَن لَا يظفر بِالْحَقِّ مَعَ إِمْكَان طَريقَة وَلَا يجب إِذا حكم الْحَاكِم بِخِلَاف رَأْي الإِمَام أَن ينْقضه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الْتِزَام الْخُصُوم لذَلِك الحكم لَيْسَ بخطأ كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْتِزَام الْعَاميّ لفتوى الْمُفْتِي وَأَن يكون نَقصه بعد إمضائه مفْسدَة وَلَا يجب نقضه كَمَا لَا يجب إِذا علم الله أَن الْحَاكِم حكم بِغَيْر اجْتِهَاد أَو حكم بِخِلَاف اجْتِهَاده أَن يطلعنا الله على ذَلِك حَتَّى ننقضه أَو يبْعَث الله لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون إمضاؤه وإمضاء الْفَتْوَى بِهِ للعامي مصلحَة وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا والداخل فِي زرع غَيره يقبح مِنْهُ الدُّخُول فِيهِ وَيحسن مِنْهُ التَّصَرُّف فِيهِ بِالْخرُوجِ مِنْهُ فَلَا يمْتَنع أَن يكون القَوْل خطأ من الْمُجْتَهد وَنقض الحكم بِهِ خطأ وَإِذا لم يمْتَنع أَن يكون الْتِزَام الْخُصُوم للْحكم مصلحَة لَهُم وَإِن كَانَ القَوْل بِهِ خطأ لم يجب على الإِمَام أَن يمْنَع الْحَاكِم من ذَلِك

стр. 810

الحكم لِأَنَّهُ مفْسدَة للخصوم لأَنا قد بَينا أَن لَا يمْتَنع أَن لَا يكون مفْسدَة لَهُم وَإِنَّمَا يمْنَع من ذَلِك الحكم لما يرجع إِلَى الْحَاكِم وَذَلِكَ يكون بالمناظرة والتبين فان قيل وَمن أَيْن قُلْتُمْ أَن القَوْل خطأ من الْمُجْتَهد وَالْعَمَل بِهِ غير خطأ من الْخُصُوم والمستفتي قيل يكفينا أَن نعلم أَنه لَا يجب إِذا كَانَ خطأ من الْمُجْتَهد أَن يكون خطأ من الْخُصُوم والمستفتي وَأَن كَونه خطأ من هَؤُلَاءِ يحْتَاج إِلَى دلَالَة فَلَا نبينه خطأ مِنْهُم إِلَّا لدلَالَة وعَلى الْمُسْتَدلّ أَن يبين أَنه خطأ من هَؤُلَاءِ حَتَّى يتم دلَالَته وَإِلَّا فَالَّذِي مَعَه هُوَ أَن الصَّحَابَة سوغت الْفَتْوَى وَالْحكم وَلم يمْنَع بَعْضهَا الْعَاميّ قبُول فَتْوَى الْبَعْض الآخر وَيحْتَمل أَن تكون فعلت ذَلِك لِأَنَّهَا اعتقدت أَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَيحْتَمل أَن تكون فعلت ذَلِك لِأَن كَون القَوْل خطأ من قَائِله لَا يَقْتَضِي أَن يكون الْعَمَل بِهِ خطأ مِمَّن قَلّدهُ فِيهِ فقد سقط أَن يكون للخصم فِيهِ دلَالَة على أَنهم اعتقدوا أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فان قَالُوا فَلَو كَانُوا اعتقدوا مَا ذكرْتُمْ لكانوا قد اعتقدوه عَن دلَالَة فَأَي دلَالَة دلّت على أَن القَوْل خطأ من قَائِله دون من قلد فِيهِ قيل لَيْسَ يجب مطالبتهم بِالدّلَالَةِ وعَلى أَن ذَلِك لَازم للسَّائِل لِأَنَّهُ يُقَال لَهُم وإي دلَالَة دلتهم على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب على أَنا نَحن قد بَينا أَنه يحْتَاج فِي كَون الْعَمَل بالْقَوْل خطأ من جِهَة الْمُقَلّد إِلَى دلَالَة وَأَنه مَتى لم يجد دلَالَة على ذَلِك وَجب نَفْيه كَمَا أَنا إِذا لم نجد دلَالَة على قَضَاء الْعِبَادَة الْفَاسِدَة وَجب نفي وُجُوبه وَيُمكن أَن يسْتَدلّ فِي الْمَسْأَلَة فَيُقَال لَو كَانَ الْمُجْتَهد فِي الْفُرُوع مخطئا لَأَدَّى إِلَى أَقسَام كلهَا فَاسِدَة وَذَلِكَ أَنه مَا كَانَ يَخْلُو إِمَّا أَن يقطعوا فِي الْجُمْلَة على أَن المخطىء من الْمُجْتَهدين مغْفُور لَهُ تَقْصِيره فِي النّظر وَإِمَّا أَن لَا يقطعوا على ذَلِك فان لم يقطعوا على ذَلِك فإجماع الْمُجْتَهدين الْقَائِلين بِأَن على الْفُرُوع أَمَارَات يمْنَع من ذَلِك لأَنهم مجمعون على أَن المخطىء من الْمُجْتَهدين مغْفُور لَهُ وَلِأَن الصَّحَابَة مَا كَانَ يُنكر بَعضهم على بعض أقاويلهم فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد

стр. 811

إِنْكَار من يجوز أَنه من اهل النَّار وَإِن كَانَ غفرانه فِي الْجُمْلَة مَقْطُوعًا لم يخل إِمَّا أَن يكون الْمُجْتَهد إِذا أَخطَأ يجوز كَونه مخطئا ومخلا بِنَظَر يلْزمه فعله أَو لَا يجوز ذَلِك فان لم يجوز ذَلِك لم يَصح تَكْلِيفه النّظر الَّذِي فرط فِيهِ لِأَنَّهُ قَاطع على أَنه مَا فرط فِي النّظر فَهُوَ كالعالم وَلِأَنَّهُ فِي حكم الذاهل والذاهل والساهي لَا يُكَلف فِي حَال سَهْوه وذهوله وَلَا يسْتَحق عقَابا فَيُقَال أَنه قد غفر لَهُ وَإِن كَانَ يجوز كَونه مخطئا ومخلا النّظر فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعلم أَنه فِي تِلْكَ الْحَال مغْفُور إخلاله بِمَا أخل بِهِ من النّظر أَو لَا يعلم ذَلِك ومحال أَن يعلم ذَلِك لِأَن الْمُجْتَهد لَا يُمَيّز الْمرتبَة الَّتِي إِذا انْتهى إِلَيْهَا غفر لَهُ إخلاله بِمَا بعْدهَا من النّظر من الْمرتبَة الَّتِي إِذا انْتهى إِلَيْهَا لم يغْفر لَهُ إخلاله بِمَا بعْدهَا من النّظر وَذَلِكَ أَنه يعلم أَنه إِن اقْتصر على أول النّظر لم يغْفر لَهُ مَا بعده وَلَيْسَ مرتبَة أولى بذلك من مرتبَة وَلَا يُمكن الاشارة إِلَى مَا يتَمَيَّز بِهِ بعض الْمَرَاتِب من بعض مَعَ كَونه مجوزا فِي جَمِيعهَا كَونه مخلا بِنَظَر يلْزمه فعله وَبعد فَلَو علم الْمُجْتَهد أَنه مغْفُور لَهُ إخلاله بِالنّظرِ لَكَانَ ذَلِك إغراء لَهُ بالمعصية لِأَنَّهُ قد أعلم أَنه لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي تَركه النّظر الزَّائِد مَعَ كَونه شاقا عَلَيْهِ فاذا كَانَ تَعْرِيف الصَّغَائِر عِنْد شيوخكم إغراء بهَا فَكَذَلِك تَعْرِيف هَذَا الْمُجْتَهد أَنه مغْفُور لَهُ وَإِن كَانَ الْمُجْتَهد المخطىء إِنَّمَا يعلم فِي الْجُمْلَة ان المخطىء من الْمُجْتَهدين مغْفُور لَهُ إِذا انْتهى إِلَى مرتبَة مَا من مَرَاتِب النّظر وأخل بِمَا بعْدهَا وَلم يتَعَيَّن لَهُ تِلْكَ الْمرتبَة وَجوز أَن يكون حِين أخل بِالنّظرِ الزَّائِد مَا انْتهى إِلَى الْمرتبَة الَّتِي يغْفر لَهُ إخلاله بِمَا بعْدهَا من النّظر لزم أَن يجوزوا كَون الْمُجْتَهدين المخطئين مَا انْتَهوا إِلَى هَذِه الْمرتبَة وَفِي ذَلِك تَجْوِيز كَونهم غير مغْفُور لَهُم وَأَنَّهُمْ من اهل الْعقَاب وَإِجْمَاع الْمُجْتَهدين بِخِلَاف ذَلِك لأَنهم يقضون بِأَن الْخَطَأ فِي الْمسَائِل الْوَاقِعَة من لدن الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا مغْفُور عِنْد من قَالَ إِن فِيهَا أقاويل خطأ مَعَ معرفَة كل فريق مَا انْتهى إِلَيْهِ مُخَالفَة من الْمرتبَة فِي النّظر وكل مُجْتَهد يعلم من نَفسه أَنه إِن كَانَ مخطئا فَهَذِهِ حَاله وَكَذَلِكَ قَوْلكُم فِيمَا يحدث من

стр. 812

مسَائِل الِاجْتِهَاد فقد بَان أَن القَوْل بخطأ الْمُجْتَهدين يُؤَدِّي إِلَى أَقسَام كلهَا فَاسِدَة وَفِي القَوْل باصابتهم أَجْمَعِينَ خلاص من هَذِه الْوُجُوه أجمع ﷺ َ - بَاب القَوْل فِي الْأَشْبَه ﷺ َ - اعْلَم أَن مِمَّن قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب لما كلف من قَالَ إِن فِي كل مَسْأَلَة أشبه مَطْلُوبا لَو نَص الله سُبْحَانَهُ على حكم الْمَسْأَلَة لنَصّ عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُم أتريدون بالأشبه الحكم بأقوى الأمارات أَو تُرِيدُونَ حكما معينا يجوز أَن يكون غير الحكم بالأقوى من الأمارات فان قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم أتقولون إِن ذَلِك الحكم هُوَ مصلحَة الْمُجْتَهد وَمَا عداهُ مفسدته أَو تَقولُونَ لَيْسَ هُوَ مصْلحَته أَو تَقولُونَ هُوَ وَغَيره مصْلحَته على الْبَدَل فان قَالُوا لَيْسَ هُوَ مصْلحَته قيل لَهُم فَمَا وَجه طلبه لما لَيْسَ هُوَ مصْلحَته وَأَيْضًا فاذا لم يكن مصْلحَته فَكيف قُلْتُمْ لَو نَص الله تَعَالَى على الحكم فِي هَذِه الْحَال لنَصّ عَلَيْهِ أَيجوزُ أَن ينص على مَا لَيْسَ بمصلحة وَأَيْضًا إِذا لم يكن ذَلِك مصلحَة فَمَا مصْلحَته فان قَالُوا هُوَ الحكم بأشبه الأمارات صَارُوا إِلَى أَن الْحق هُوَ وَإِن أَرَادوا الْإِشَارَة إِلَى حكم آخر لم يُمكنهُم فان قَالُوا هُوَ مصْلحَته قيل لَهُم أكلفه الله الْوُصُول إِلَيْهِ أَو لم يكلفه ذَلِك فان قَالُوا مَا كلفه الْوُصُول إِلَيْهِ قيل لَهُم فَإِذن قد أَبَاحَهُ الْعُدُول عَن مصْلحَته إِلَى الْمفْسدَة وَذَلِكَ لَا يجوز فِي حكمته وَإِن قَالُوا قد كلفه الله إِصَابَته قيل لَهُم فَمن لم يصبهُ إِذن فقد أَخطَأ مَا كلف فَكيف تَقولُونَ إِنَّه مُصِيب مَا كلف وَيجب إِذا كلفه الله الْوُصُول إِلَى ذَلِك أَن يَجْعَل لَهُ إِلَيْهِ طَرِيقا إِمَّا دلَالَة وَإِمَّا أَمارَة وَقد قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ على اعيان الْفُرُوع أَدِلَّة لِأَنَّهَا تستند إِلَى ظنون فَبَقيَ أَن يكون طَرِيق ذَلِك هُوَ الأمارة والأمارة ضَرْبَان قَوِيَّة وضعيفة وَلَيْسَ يجوز أَن الطَّرِيق إِلَى ذَلِك هُوَ الأمارة الأضعف لِأَن الْمُكَلف لَا يجوز لَهُ إِذا عرضت لَهُ أمارتان إِحْدَاهمَا أقوى من الْأُخْرَى أَن يعدل عَن الأفوى إِلَى الأضعف فَثَبت

стр. 813

أَنه كلف الْمُجْتَهد الحكم بأقوى الأمارات وَجعل الله لنا طَرِيقا إِلَى أَن الأمارة أقوى الأمارات بِمَا نَصبه من وُجُوه التَّرْجِيح وَلَا بُد من استناد ذَلِك إِلَى علم على مَا بَينا من قبل فان قَالُوا مصلحَة الْمُجْتَهد فِي كل مَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد هُوَ ذَلِك الحكم وَغَيره على الْبَدَل قيل لَهُم فاذن الحكم الْمَطْلُوب فِي كل مَسْأَلَة هُوَ التَّخْيِير وَيجب أَن يكون هُوَ المتعبد بِهِ وَأحد لم يقل بذلك وَيجب أَن يكون على الْحكمَيْنِ أمارتان مُخْتَلِفَتَانِ وَأحد لم يقل بذلك فِي كل الْمسَائِل فان قَالُوا نُرِيد بالأشبه الحكم بأشبه الأمارات وأقواها فقد قَالُوا بِالْحَقِّ ثمَّ يُقَال لَهُم فَهَل كلف الله سُبْحَانَهُ كل مُجْتَهد إِصَابَة ذَلِك الْأَشْبَه أم لم يكلفه ذَلِك فان قَالُوا لم يكلفه قيل لَهُم فَلَا وَجه لطلبه لما لم يكلفه الله إِصَابَته وَإِن قَالُوا قد كلفه الله ذَلِك قيل لَهُم فَمن لم يصل إِلَيْهِ فقد أَخطَأ مَا كلف فَكيف قُلْتُمْ كل مُجْتَهد مُصِيب لما كلف فان قَالُوا كل أَمَارَات الْمُجْتَهدين تتساوى فِي الْقُوَّة قيل فَالْحكم فِيهَا إِذن هُوَ التَّخْيِير فَمن قَالَ لَيْسَ الحكم هُوَ التَّخْيِير فقد أَخطَأ وَأَيْضًا فالأمة مجمعة على انه لَيْسَ كل الأمارات مُتَسَاوِيَة فِي الْقُوَّة وَذَلِكَ أَن مِنْهُم من يمْنَع من تَسَاوِي الأمارات وَمِنْهُم من يُجِيز ذَلِك وَيَقُول إِن الْيَسِير مِنْهَا مُتَسَاوِيَة وباقيها غير مُتَسَاوِيَة ويدعى أَن الأمارات الَّتِي صَار إِلَيْهَا أقوى من أَمَارَات خَصمه وخصمه يَقُول بل اماراتي أقوى من أَمَارَات من خالفني وَلم يقل أحد من الْمُجْتَهدين أَن كل الْمسَائِل فأماراتها متكافئة وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر قَالُوا فَتبين أَن فِي الْمسَائِل حكما يجوز أَن يُصِيبهُ ويخطئه فَالْجَوَاب إِن من الْحَوَادِث مَا هَذِه سَبيله وَهُوَ الحكم بأشبه الأمارات وأقواها فان احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَشْبَه فَصَحِيح وَإِن احْتَجُّوا بِغَيْرِهِ

стр. 814

قيل لَهُم مَا تنكرون أَن يكون مَا يجوز أَن يُصِيبهُ الْمُجْتَهد ويخطئه هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ وَيُقَال لَهُم إِن كَانَ الْأَشْبَه حكما معينا عِنْد الله سوى الحكم بأشبه الأمارات فَذَلِك لم يُكَلف الْإِنْسَان إِصَابَته عنْدكُمْ فَكيف يكون مخطئا بالعدول عَنهُ وَلم ينقص ثَوَابه إِذا لم يظفر بِمَا لم يُكَلف الظفر بِهِ وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْمُجْتَهد طَالب والطالب لَا بُد لَهُ من مَطْلُوب وَالْجَوَاب أَن مَطْلُوبه هُوَ الحكم بأقوى الأمارات فَلَا يجوز أَن يطْلب الْأَشْبَه الَّذِي لم يَجْعَل لَهُ إِلَيْهِ طَرِيق وسبيل على قَوْلكُم وَمِنْهَا قَوْلهم لَو نَص الله تَعَالَى على الحكم فِي الْمَسْأَلَة لنَصّ على حكم معِين وَذَلِكَ دَلِيل على ان ذَلِك الحكم هُوَ الصَّوَاب عِنْد الله تَعَالَى وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم لَو نَص الله تَعَالَى على الحكم لنَصّ على حكم أشبه الأمارات فَيجب أَن يكون هُوَ الْأَشْبَه فان قَالُوا لَو كَانَت مصلحتنا حكما معينا لَيْسَ هُوَ حكم أشبه الأمارات ثمَّ أَرَادَ النَّص فِي الْمَسْأَلَة أَلَيْسَ ينص عَلَيْهِ قيل بلَى فان قَالُوا فَيجب أَن يكون الحكم الْمَطْلُوب الْآن هُوَ ذَلِك الحكم قيل لَهُم لَو كَانَت مصلحتنا حكما آخر لكلفناه الله وَنَصّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إِذا لم ينص عَلَيْهِ وَلم يكلفنا إِيَّاه أَن لَا يكون هُوَ مصلحتنا وَإِذا لم يكن الْآن مصلحتنا لم يجب أَن نطلبه وَأَيْضًا كَيفَ تَقولُونَ إِنَّه الْآن مصلحتنا وَأَنْتُم تَقولُونَ مَا كلفنا إِصَابَته وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة مَطْلُوبَة الْقبْلَة بِعَينهَا وَكَذَلِكَ الطَّالِب لعَبْدِهِ الْآبِق مَطْلُوبَة العَبْد بِعَيْنِه فَكَذَلِك يجب أَن يكون مَطْلُوب الْمُجْتَهد فِي الْحَوَادِث حكما معينا عِنْد الله وَالْجَوَاب أَن لَيْسَ مَطْلُوب الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة الْقبْلَة بِعَينهَا وَلَا الْجِهَة الَّتِي الْقبْلَة فِيهَا قطعا وَكَيف يطْلب الْقطع على ذَلِك من يعلم أَنه لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْقطع وَإِنَّمَا مَطْلُوبه الأول أَن يظنّ جِهَة الْقبْلَة بأقوى الأمارات وأشبهها وَيتبع هَذَا الْمَطْلُوب مَطْلُوب آخر وَهُوَ الْعلم بِوُجُوب الصَّلَاة إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَيتبع ذَلِك فعل الصَّلَاة إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَكَذَلِكَ

стр. 815

نقُول فِي الْحَوَادِث إِن مَطْلُوب الْمُجْتَهد أَن يظنّ عِلّة الأَصْل بأقوى الأمارات وَيتبع ذَلِك أَن يعلم وجوب إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ وَيتبع هَذَا الْعلم أَن يعْمل بذلك فان قَالُوا أَلَيْسَ الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة يعلم أَن الْقبْلَة عين من الْأَعْيَان يجوز أَن تكون فِي الْجِهَة الَّتِي يظنّ باقوى الأمارات أَن الْقبْلَة فِيهَا وَيجوز أَن لَا يكون فِيهَا فَقولُوا إِن حكم الْمَسْأَلَة هُوَ حكم معِين عِنْد الله يجوز أَن يكون هُوَ حكم أقوى الأمارات وَيجوز أَن يكون غَيره قيل لَهُم وَلم إِذا جَازَ أَن تكون الْقبْلَة فِي غير الْجِهَة الَّتِي يطْلبهَا الْمُجْتَهد فِيهَا جَازَ أَن يكون حكم الْمَسْأَلَة غير حكم أشبه الأمارات وَيُقَال لَهُم الْفرق بَينهمَا أَن الْقبْلَة نَفسهَا لَيْسَ هِيَ مَطْلُوب الْمُجْتَهد الَّذِي كلف الصَّلَاة إِلَيْهِ بِعَيْنِه فَلم يمْتَنع أَن تكون فِي غير الْجِهَة الَّتِي يطْلبهَا فِيهَا بل مَطْلُوبَة الَّذِي كلف هُوَ الصَّلَاة إِلَى الْجِهَة الَّتِي يظنّ الْقبْلَة فِيهَا لَا إِلَى الْقبْلَة بِنَفسِهَا ولسنا نمْنَع أَن يكون مَا لم يُكَلف الْمَرْء إِصَابَته غير مَوْجُود بِحَيْثُ نظنه وَأما حكم الْحَادِثَة الَّذِي هُوَ مصلحَة الْمُكَلف فقد كلف الْوُصُول إِلَيْهِ فَلَا بُد أَن يكون ذَلِك الحكم إِمَّا مُقْتَضى دلَالَة أَو مُقْتَضى امارة قَوِيَّة أَو ضَعِيفَة فاذا لم يكن دلَالَة وَلَا أَمارَة ضَعِيفَة مَعَ تمكن الْمُجْتَهد من القوية فَلَا بُد من كَونه مُقْتَضى أَمارَة قَوِيَّة وَالْقَوْل بعد ذَلِك بانه يجوز أَن لَا يكون ذَلِك الحكم مُقْتَضى الأمارة القوية مناقضة ظَاهِرَة فان قَالُوا ذَلِك الحكم أَيْضا مَا كلف الْمَرْء إِصَابَته كَمَا لم يُكَلف إِصَابَة الْقبْلَة قيل قد أفسد ذَلِك فِيمَا تقدم ﷺ َ - بَاب الْفرق بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد ﷺ َ - اعْلَم أَن قَاضِي الْقُضَاة ذكر فِي الْعمد أَن مَا عَلَيْهِ دلَالَة قَاطِعَة فَلَيْسَ هُوَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَالْحق فِي وَاحِد مِنْهُ لَا يحل خِلَافه سَوَاء كَانَت تِلْكَ الدّلَالَة خُفْيَة اَوْ جلية وَلم يفصل بَين الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ وَبَين الْإِجْمَاع بعد

стр. 816

الْخلاف وَالْإِجْمَاع الصَّادِر عَن اجْتِهَاد وَحكي عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه نقض حكم الْحَاكِم فِي بيع امهات الْأَوْلَاد لوُقُوع الْإِجْمَاع على ذَلِك وَإِن كَانَ بعد الْخلاف وَعَن أبي حنيفَة أَنه لَا ينْقض بِهِ حكم الْحَاكِم وَحكي عَن أبي الْحسن أَن أَبَا حنيفَة لم يخرج هَذَا الْإِجْمَاع من كَونه حجَّة وَلكنه لَا ينْقض بِهِ حكم الْحَاكِم وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْعُمُوم إِذا خص بعضه أَن مَا دخل تَحت الْعُمُوم بعد التَّخْصِيص لَا يسوغ خِلَافه وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دلَالَة قَاطِعَة بل عَلَيْهِ أَمارَة فَقَط كَخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَالْوَاجِب على الْمُجْتَهد أَن يعْمل بِمَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَكل مُجْتَهد فِيهِ مُصِيب وَيحل خلاف بعض الْمُجْتَهدين لبَعض وَسَوَاء كَانَ خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس مخصصين لعُمُوم الْكتاب أَو لم يَكُونَا مخصصين لَهُ وَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء يعدون من مسَائِل الِاجْتِهَاد مَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِالْكتاب كالنية فِي الْوضُوء وَالتَّرْتِيب وَأَن الْوَاو للتَّرْتِيب أَو للْجمع وَأَن الْفَاء للتعقيب وَهَذِه أَدِلَّة مَعْلُومَة وَلَيْسَ فيهم من يسلم أَن ظَاهر الْآيَة مَعَ مُخَالفَة وَأَنه عدل عَن ذَلِك لخَبر وَاحِد أَو قِيَاس فَيكون طَرِيق الْمَسْأَلَة الأمارات فَقَط بل كل مِنْهُم يَقُول إِن الْآيَة تفِيد مَا أقوله اللَّهُمَّ إِلَّا ان يُقَال إِن كَون الْوَاو للْجَمِيع أَن للتَّرْتِيب وَأَن الْفَاء للتعقيب فِي اللُّغَة طَريقَة الأمارات دون الْأَدِلَّة وَهَذَا بعيد وَإِذا ثَبت ذَلِك لم يكن الْفرق بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد مَا ذكره وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن مسَائِل الِاجْتِهَاد الَّتِي لَا لوم على المخطىء فِيهَا هِيَ مَا اخْتلف فِيهِ أهل الِاجْتِهَاد من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلَا يدْخل فِي ذَلِك مَا لَيْسَ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلَا مَا اتّفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَلَا مَا خَالف فِيهِ من لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون الْخَطَأ فِي الْفُرُوع الَّتِي عَلَيْهَا أَمَارَات إِن كَانَ لَهُ ثَوَاب أَو يتفضل الله بغفرانه وَهَذَا الْفَصْل يَصح على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فَأَما من قَالَ كل

стр. 817

مُجْتَهد مُصِيب فأنما يفصل بَين مسَائِل الِاجْتِهَاد وَبَين غَيرهَا فِي إِصَابَة الْمُجْتَهدين وَلَيْسَ يجوز ان يُصِيبُوا عِنْده كلهم إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة دلَالَة لِأَن خلاف الدّلَالَة خطأ وَيجوز لمن قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد أَن يَقُول خلاف الدّلَالَة خطأ وَأَنه مغْفُور وَإِذ قد ذكرنَا أَحْكَام الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع فلنذكر أَحْكَام الْمُجْتَهدين فِي الاصول وَعند الْفَرَاغ مِنْهُ يَقع الْفَرَاغ من الْكتاب إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْمُجْتَهدين فِي الْأُصُول لَا يجوز أَن يَكُونُوا على تباينهم مصيبين ﷺ َ - اعْلَم أَن المعتقدين للشَّيْء باعتقادات متنافية لَا يجوز كَونهم بأجمعهم مصيبين كالمعتقدين أَن الله سُبْحَانَهُ يرى فِي بعض الْحَالَات والمعتقدين أَنه لَا يرى بِحَال وَقَالَ عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري إِن الْمُجْتَهدين فِي الاصول من أهل الْقبْلَة كالموحدة والمشبهة وَأهل الْعدْل والقدرية مصيبون وَيَنْبَغِي أَن نبين معنى قَوْلنَا صَوَاب ثمَّ نبين أَنه لَا يُمكن اجْتِمَاع الاعتقادات المتنافية فِيهِ فَنَقُول إِن كَانَ الْفِعْل الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ صوب خَارِجا عَن الاعتقادات والظنون وَالْأَخْبَار وَكَانَ من أَفعَال الْجَوَارِح وَغَيرهَا كالارادات والكراهات فَالْمُرَاد بذلك أَن فاعلة قد أصَاب بِهِ مَا كلف مَأْخُوذ من إِصَابَة الرَّامِي بسهمه الْغَرَض وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة المُرَاد بذلك أَنه أصَاب بِهِ فَاعله الْحسن وَإِن كَانَ الْفِعْل من حيّز الاعتقالات فقد يُوصف بِأَنَّهُ صَوَاب وَيُرَاد بِهِ هَذَا الْمَعْنى وَيُرَاد بِهِ أَيْضا أَنه أُصِيب بِهِ الْحق وَأَنَّهَا تعلّقت بالمعتقد والمخبر عَنهُ على مَا هما بِهِ وَإِن كَانَ الْفِعْل ظنا فقد يُوصف بِأَنَّهُ صَوَاب وَيُرَاد بِهِ الْوَجْه الأول وَقد يُرَاد بِهِ أَن مظنونه على مَا ظَنّه أَي أَن الْأَقْرَب فِي مظنونه أَنه يكون على مَا تنَاوله

стр. 818

الظَّن سَوَاء وجد مظنونه أَو لم يُوجد وَقد يُقَال أَيْضا أَخطَأ ظن فلَان إِذا ظن وجود الشَّيْء فَلم يُوجد وَيُقَال أصَاب ظَنّه إِذا وجد مظنونه على حد مَا ظَنّه فالظن يُوصف بِأَنَّهُ صَوَاب على أحد هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة فاذا ثَبت ذَلِك لم يجز كَون اعْتِقَاد الرُّؤْيَة واعتقاد نَفيهَا صوابين على كل هَذِه الْوُجُوه لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ الْمُخَالف بكونهما صوابين أَنَّهُمَا يتناولان الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ فَذَلِك يَقْتَضِي أَن يكون البارىء سُبْحَانَهُ يرى فِي الْحَالَات وَلَا يرى فِي شَيْء من الْحَالَات وَذَلِكَ يتنافى وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل اعتقادين ضدين لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يكونَانِ ضدين إِذا تعلقا باثبات وَنفي يَسْتَحِيل اجْتِمَاعهمَا وَكَذَلِكَ الخبران عَن نفي وَإِثْبَات يَسْتَحِيل اجْتِمَاعهمَا لَا يجوز كَونهمَا متناولين للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع الْإِثْبَات وَالنَّفْي المتنافيين وَكَذَلِكَ الْخَبَر بِأَن الْعَالم قديم وَالْخَبَر بِأَنَّهُ مُحدث وغن أَرَادَ أَن هذَيْن الاعتقادين صوابان على معنى أَنَّهُمَا حسنان أَو قد اصيب بهما التَّكْلِيف لم يجز لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أَحدهمَا متناولا للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ فَهُوَ جهل وَالْجهل قَبِيح لَا يتَنَاوَلهُ التَّكْلِيف وَالْخَبَر المتناول للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ كذب وقبيح لَا يتَنَاوَلهُ التَّكْلِيف واما الظَّن الصَّادِر عَن أَمارَة مُجْتَهد فَهُوَ أبدا صَوَاب لِأَنَّهُ متناول لما الْأَغْلَب كَونه فَهُوَ كَذَلِك كَانَ مظنونه أَو لم يكن وَأما أَنه صَوَاب بِمَعْنى أَن فَاعله قد أصَاب مَا كلف فانه إِن كَانَ مَا قد كلف فعله فَهُوَ صَوَاب على هَذَا الْمَعْنى وَإِن لم يُكَلف فعله فَلَيْسَ بصواب على هَذَا الْمَعْنى فان قَالَ الْمُخَالف إِن الله تَعَالَى كلف أهل الْقبْلَة الظَّن لكَونه يرى أَو لَا يرى واماراتهم هَذِه الْآيَات المتشابهة فالظانون لِكِلَا الْأَمريْنِ مصيبون لما كلفوه من الظَّن قيل إِن الْمَرْء إِنَّمَا كلف الظَّن إِذا تعذر عَلَيْهِ الْعلم وَالْعلم هَا هُنَا غير مُتَعَذر وَأَيْضًا فالمخالفون فِي الرُّؤْيَة وَفِي الْجَبْر وَفِي الْعدْل يَدعِي كل فريق مِنْهُم أَنه عَالم غير ظان فَالْقَوْل بِأَنَّهُم كلفوا الظَّن خَارج عَن الْإِجْمَاع

стр. 819

وَيلْزم السَّائِل تَكْلِيف الْيَهُود وَالنَّصَارَى والملحدة الظَّن وأماراتهم الشّبَه الَّتِي يتعلقون بهَا ويكونوا مصيبين فِي ظن النَّفْي وَالْإِثْبَات وَهَذَا محَال

стр. 820

زيادات الْمُعْتَمد لأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ أَيْضا عَن النُّسْخَة الوحيدة فِي مكتبة لاله لي بإستانبول

стр. 821

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل إِن قيل إِذا قُلْتُمْ إِن الْأَحْكَام الْمَعْلُومَة بِنَصّ الشَّرِيعَة أَو بالاستنباط أَحْكَام شَرْعِيَّة وقلتم أَيْضا إِن الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة إِذا لم تنقلها الشَّرْعِيَّة هِيَ شَرْعِيَّة ايضا فقد قُلْتُمْ إِن الْأَحْكَام كلهَا شَرْعِيَّة وَإِذا قُلْتُمْ ذَلِك فَكيف تَقولُونَ إِن الْأَحْكَام مِنْهَا عقلية وَمِنْهَا شَرْعِيَّة الْجَواب إِن وصف الحكم بِأَنَّهُ شَرْعِي يكون على وَجْهَيْن أَحدهمَا يُرَاد بِهِ أَنه حصل بِنَصّ الشَّرِيعَة أَو بِأَفْعَال حَاصِلَة فِيهَا أَو باستنباط من ذَلِك فَقَط وَالْآخر أَنه حصل بذلك أَو بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله عَن مُقْتَضى الْعقل فاذا قُلْنَا الْأَحْكَام مِنْهَا عقلية وَمِنْهَا شَرْعِيَّة فَإنَّا نُرِيد الْوَجْه الأول أَي أَن مِنْهَا عَقْلِي وَإِمَّا مركوز فِي الْعقل أَو حَاصِل بِدَلِيل عَقْلِي وَمِنْهَا مَا حصل بِنَصّ الشَّرِيعَة أَو بِفعل أَو باستنباط وكل وَاحِد من هذَيْن الْقسمَيْنِ مُقَابل للْآخر وَإِذا قُلْنَا إِن أصُول الْفِقْه هِيَ طرق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَإنَّا نُرِيد الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهَا طرق إِلَى الْأَحْكَام الْحَاصِلَة بِنَصّ الشَّرِيعَة أَو بِأَفْعَال أَو باستنباط مِنْهَا أَو بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله عَن مُقْتَضى الْعقل فَلذَلِك يَجْعَل الْحَظْر وَالْإِبَاحَة إِذا لم ينقلنا عَنْهُمَا الشَّرِيعَة من أَبْوَاب أصُول الْفِقْه وطرقه وَلَوْلَا أَن ذَلِك مَوْصُوف بِأَنَّهُ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا جَازَ أَن يَجْعَل الطَّرِيق إِلَيْهِ من طرق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَالَّذِي يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَن أحدا من الْفُقَهَاء لَا يمْنَع من ان نصف أَحْكَام الْفُرُوع الَّتِي يسْتَدلّ عَلَيْهَا بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل بِأَنَّهَا من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَقد يُوصف أَيْضا بِأَنَّهَا عقلية على معنى أَنَّهَا ثَابِتَة بِالْعقلِ فَبَان أَن وصف الحكم بِأَنَّهُ شَرْعِي جَازَ على الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرناهما

стр. 822

فصل إِن قيل إِذا قُلْتُمْ إِن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة هِيَ الْمَعْلُومَة بأدلة شَرْعِيَّة من خطاب أَو فعل أَو استنباط أَو الْمَعْلُومَة بإمساك الشَّرِيعَة عَن نقلهَا عَن حكم الأَصْل فَيجب أَن يكون وجوب الْمعرفَة شَرْعِيًّا وَطَرِيقَة إمْسَاك الشَّرِيعَة عَن نقل وُجُوبهَا الثَّابِت بِالْعقلِ قيل لَا يلْزم ذَلِك لأَنا إِذا قُلْنَا الحكم الشَّرْعِيّ هُوَ الْمَعْلُوم بإمساك الشَّرِيعَة عَن نقل حكم الْعقل لم يلْزم عَلَيْهِ وجوب الْمعرفَة لِأَنَّهُ غير مَعْلُوم وُجُوبهَا بالشريعة بل لَا يَصح أَن يعلم ذَلِك بِالشَّرْعِ لِأَن صِحَة الشَّرْع مَبْنِيَّة على الْمعرفَة فاذا لم يَصح أَن نَعْرِف وُجُوبهَا بِدَلِيل مُبْتَدأ شَرْعِي فأحرى أَن لَا نَعْرِف ذَلِك بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله وَأَيْضًا فانا لم نذْكر ذَلِك على أَنه حد للْحكم الشَّرْعِيّ وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ لنبين أَنا أَشَرنَا بقولنَا حكم شَرْعِي إِلَى ذَلِك وَمَتى أردنَا أَن نحد ذَلِك قُلْنَا الحكم الشَّرْعِيّ هُوَ مَا رَجَعَ أهل الشَّرِيعَة فِي الْعلم بِهِ إِلَى الشَّرِيعَة إِمَّا بِأَن يستدلوا عَلَيْهِ بأدلة شَرْعِيَّة مُبتَدأَة أَو بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله فَكل مَا سلك الْفُقَهَاء فِيهِ هَذَا المسلك فَهُوَ حكم شَرْعِي وَمَا لم يسلكوا فِيهِ هَذَا المسلك لَا يُسمى حكما شَرْعِيًّا وَإِن صَحَّ أَن يسْتَدلّ بإمساك الشَّرِيعَة عَن نَقله وَأما وجوب الْمعرفَة فَغير لَازم لما قُلْنَاهُ أَولا فصل إِن قيل إِذا حددتم الظَّن بِأَنَّهُ تَغْلِيب بِالْقَلْبِ لأحد مجوزين ظاهري التجويز والتجويز هُوَ الشَّك وَالشَّكّ هُوَ خلو الْحَيّ من اعْتِقَاد النقيضين وَالظَّن لَهما مَعَ خطورة بالبال فَيجب أَن يكون الظَّان شاكا والشاك غير ظان فالظان إِذا غير ظان فان أجبتم عَن ذَلِك فقلتم نُرِيد بالتجويز هَهُنَا اعْتِقَاد إِمْكَان كل وَاحِد من النقيضين قيل لكم فَمَا قَوْلكُم فِيمَن غلب على ظَنّه أَن أحد النقيضين مُمكن يجوز أَن يغلب على ظَنّه أَن الله لَا يَسْتَحِيل أَن يرى أَلَيْسَ

стр. 823

هَذَا ظان وَلَيْسَ هُوَ مُعْتَقدًا صِحَة رُؤْيَته وَلَا أَنَّهَا غير صَحِيحَة الْجَواب إِن قَوْلنَا فلَان شَاك فِي النقيضين أَو مجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا قد يُرَاد بِهِ أَنه غير مُعْتَقد وَلَا لوَاحِد مِنْهُمَا وَلَا ظان وَقد يُرَاد بذلك أَنه غير قَاطع على وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا فِي حكم الْقَاطِع كالجاهل فعلى هَذَا نصف الظَّان بِأَنَّهُ شَاك وَبِأَنَّهُ مجوز لما ظَنّه وَلغيره بِمَعْنى أَنه مجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا غير قَاطع فصح أَن نقُول إِنَّه قد غلب بِقَلْبِه أحد المجوزين إِذْ هُوَ مجوز لكل وَاحِد مِنْهُمَا غير قَاطع وَلَا فِي حكم الْقَاطِع وَلَا فرق بَين أَن نقُول تَغْلِيب بِالْقَلْبِ لأحد المجوزين ظاهري التجويز وَبَين أَن نقُول تَغْلِيب الْحَيّ بِالْقَلْبِ لأحد أَمريْن غير قَاطع على وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا فِي حكم الْقَاطِع ﷺ َ - بَاب إِثْبَات الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَحدهمَا ﷺ َ - الأولى أَن نقسم الْحَقِيقَة إِلَى اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية ثمَّ نحد كل وَاحِدَة مِنْهَا وَهُوَ أولى من أَن نحد الْكل بِحَدّ عَام لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اضطرابا فِي الْحَد فَنَقُول الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة هِيَ مَا أفيد بِهِ مَا وضع لَهُ فِي أصل اللُّغَة والحقيقة الْعُرْفِيَّة مَا أفيد بِهِ مَا وضع لَهُ فِي أصل الْعرف والحقيقة الشَّرْعِيَّة هِيَ مَا أفيد بِهِ مَا وضع لَهُ فِي أصل الشَّرْع وَاعْلَم أَنه إِذا حد الْمجَاز بِأَنَّهُ مَا أفيد بِهِ معنى مصطلحا عَلَيْهِ غير الْمَعْنى المصطلح عَلَيْهِ فِي الأَصْل بَطل إِذا وضع أهل اللُّغَة إسما لشَيْء ثمَّ تواضعوا على أَن يَجْعَلُوهُ إسما لشَيْء آخر وَلم ينقلوه عَن الأول لِأَنَّهُ قد أفيد بِهِ غير مَا وضع لَهُ فِي الأَصْل وَهُوَ مَعَ ذَلِك حَقِيقَة فِيهِ من جِهَة اللُّغَة كَمَا أَنه حَقِيقَة فِي الأول وَإِنَّمَا ينْفَصل من الْمجَاز بِالسَّبقِ إِلَى الأفهام فَيَنْبَغِي أَن نحد الْحَقِيقَة بذلك وَمَتى حددناها بذلك على الْإِطْلَاق لم يَصح أَيْضا لأجل الْحَقِيقَة الْمُشْتَركَة لِأَنَّهُ إِذا أفيد بِاللَّفْظِ أحد حقيقتيه لم يسْبق إِلَى الْفَهم دون

стр. 824

الْحَقِيقَة الْأُخْرَى فَيَنْبَغِي أَن نقسم الْحَقِيقَة إِلَى المفردة والمشتركة فالمفردة هِيَ مَا أفيد بهَا مَا هُوَ الأسبق إِلَى فهم العارفين بالاصطلاح عِنْد سماعهَا وَلَا يبطل ذَلِك باللفظة إِذا علم أَنه مَا عني بِهِ الْحَقِيقَة وَكَانَ لَهَا وَجْهَان فِي الْمجَاز أَحدهمَا أسبق إِلَى الْفَهم من الآخر وأشبه بِالْحَقِيقَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ وَجه الْمجَاز الأسبق لَيْسَ يسْبق إِلَى الْفَهم عِنْد سَماع اللَّفْظَة إِلَّا بعد أَن يخرج الْحَقِيقَة من ان تكون مُرَادة فَلذَلِك لم يكن اللَّفْظ حَقِيقَة فِيهِ وَأما الْحَقِيقَة الْمُشْتَركَة فَهِيَ مَا أفيد بهَا معنى يُسَاوِيه غَيره فِي السَّبق إِلَى الْفَهم عِنْد سَماع أهل الِاصْطِلَاح لَهَا وَقد دخل فِي ذَلِك الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية وَلَا يَنْبَغِي أَن نحد الْحَقِيقَة الْمُشْتَركَة بِأَنَّهَا مَا سبق إِلَى الْفَهم مَعْنَاهَا أَو مَا يقوم مقَامه لِأَن للسَّائِل أَن يَقُول يقوم مقَامهَا فِي مَاذَا فان قُلْنَا فِي كَونهَا حَقِيقَة كُنَّا قد فسرنا اللَّفْظَة بِنَفسِهَا وَأما الْمجَاز فَهُوَ مَا أفيد بِهِ معنى مصطلحا عَلَيْهِ والأسبق إِلَى الْفَهم فِي تِلْكَ الْمُوَاضَعَة غَيره فصل إِن قيل إِذا كَانَت الْحَقِيقَة المفردة هِيَ مَا أفيد بهَا معنى لَا يسْبق إِلَى الْفَهم غَيره لم يدْخل فِيهِ الْأَمر لِأَنَّهُ لم يوضع ليُفِيد غَيره عنْدكُمْ كَمَا يَقُوله أصحابكم بل هُوَ نَفسه الطّلب قيل بل يدْخل فِيهِ الْأَمر لِأَن صيغته جعلهَا أهل اللُّغَة طلبا ووضعوها لَهُ لَا على أَن يكون إسما لَهُ بل على أَن يكون نَفسهَا طلبا وَإِنَّمَا يكون الصِّيغَة قد أفيد بهَا الطّلب إِذا قارنها من النَّفس مَا يطابقها وَهُوَ الارادة وَمَا يجْرِي مجْراهَا كَمَا يكون اللَّفْظَة مفادا بهَا مَا وضعت لَهُ إِذا قارنها من الْمُتَكَلّم بهَا إِرَادَة مَا وضعت لَهُ وَمَا يجْرِي مجْراهَا نَحْو الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فقد أمكن ذَلِك فِي الْأَمر كَمَا أمكن فِي الْخَبَر

стр. 825

فصل إِن قيل إِذا قُلْتُمْ إِن مُوَافقَة الْأَمر هِيَ فعل مأموره ومخالفته هِيَ الْإِخْلَال بمأموره لزمكم إِذا كَانَت مُوَافقَة الْأَمر بالنوافل هِيَ فعل مأمورة أَن تكون مُخَالفَته هِيَ الْإِخْلَال بمامورة فَيكون التارك للنافلة مُخَالفا لأمر الله بهَا فَيكون دَاخِلا تَحت الْوَعيد فِي قَوْله ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ فَالْجَوَاب إِن الْأَمر بالنوافل هُوَ فِي تَقْدِير قَول الْقَائِل لغيره الأولى أَن تفعل وَلَك أَن لَا تفعل وَهَذَا يتَضَمَّن مَعْنيين فموافقته هِيَ شَيْئَانِ لَا شَيْء وَاحِد فاذا لَيْسَ مُوَافَقَته هِيَ أَن تفعل فَقَط بل مُوَافَقَته هِيَ أَن تفعل وَيجوز أَن تفعل فَيَنْبَغِي أَن يكون مُخَالفَته هِيَ أَن لَا تفعل مَعَ أَنه لَا يجوز أَن تفعل أَو أَن تفعل مَعَ أَنه لَا يجوز أَن لَا تفعل وَأما قَول الْقَائِل افْعَل إِذا لم تدل دلَالَة على جَوَاز ترك الْفِعْل فَلَيْسَ فِي ظَاهره إِلَّا أَن تفعل وَإِذا كَانَ ظَاهره استدعاء الْفِعْل فَقَط وَلَا يتَضَمَّن لَفظه شَيْئا آخر فموافقته هُوَ أَن تفعل لَا غير فَكَانَت مُخَالفَته نقيض أَن تفعل وَهُوَ الْإِخْلَال بِالْفِعْلِ فصل لَيْسَ يمْتَنع أَن يُقَال إِن المخل بالكفارات الثَّلَاث إِذا اسْتحق الْعقَاب على الْإِخْلَال بأجمعها فانه لَا يكون ذَلِك الْعقَاب هُوَ عِقَاب وَاحِد مِنْهَا بل عِقَاب يعلم الله قدره لَا ينْسب إِلَى وَاحِد مِنْهَا وَلَا يمْتَنع أَن يُقَال هُوَ عِقَاب أقلهَا عقَابا بِأَن يكون بَعْضهَا أَكثر مشقة فَيسْتَحق على الْإِخْلَال بِهِ عقَابا لَو انْفَرد وُجُوبه على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمُعْتَمد فصل إِذا نَاب أحد الْفِعْلَيْنِ منا الآخر فِي الْمصلحَة لم يجز أَن يُوجب الْحَكِيم

стр. 826

أَحدهمَا بِعَيْنِه لِأَنَّهُ يكون قد فصل بَينهمَا فِي الْوُجُوب مَعَ اشتراكهما فِي وَجهه وَلَا أَن يوجبهما على الْجمع لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجمع وَجه وجوب لَا يحصل بِأَحَدِهِمَا وَلَا أَن لَا يُوجب وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمَا لِأَن فِي ذَلِك تَفْوِيت الْمصلحَة فَلم يبْق إِلَّا أَن يُوجِبهَا على الْبَدَل فصل فِي الْفَوْر إِذا اسْتدلَّ أَصْحَاب الْفَوْر بِالْقِسْمَةِ فَقَالُوا إِن جَازَ تَأْخِير الْمَأْمُور بِهِ عَن الزَّمَان الثَّانِي لم يخل إِمَّا أَن يجوز تَأْخِيره إِلَى غَايَة أَو لَا إِلَى غَايَة وَجَوَاز ذَلِك لَا إِلَى غَايَة بِلَا بدل يلحفه بالنوافل وَجَوَاز ذَلِك إِلَى بدل لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا دَلِيل على إِثْبَات بدل وَنفي الْبَدَل يَقْتَضِي وجوب الْفَوْر وَتَعْيِين الْوُجُوب بِالثَّانِي قيل لَهُم وَلَا دَلِيل على تعْيين الْوُجُوب بِالثَّانِي وَنفي ذَلِك يَقْتَضِي إِثْبَات بدل على مَا قد ذكر فِي ذَلِك فان قَالُوا تعْيين الْوُجُوب بِالثَّانِي لَازم لنفي الْبَدَل قيل لَهُم وَإِثْبَات الْبَدَل لَازم لنفي تعْيين الْوُجُوب بِالثَّانِي فلستم بِأَن تنفوا الْبَدَل لفقد الدَّلِيل عَلَيْهِ وتعينوا الْوُجُوب بِالثَّانِي تبعا لذَلِك بِأولى من أَن ننفي تعْيين الْوُجُوب بِالثَّانِي لفقد الدَّلِيل على ذَلِك وَنثْبت الْبَدَل تبعا لذَلِك فان قَالُوا تعْيين الْوُجُوب بِالثَّانِي وَاجِب لِأَن صِيغَة الْأَمر تَقْتَضِيه كَمَا يَقْتَضِي الإيقاعات الْحُكَّام فِي الثَّانِي قيل لَهُم هَذَا عدُول عَن دَلِيل الْقِسْمَة إِلَى دَلِيل آخر وَأَنْتُم فِي دَلِيل الْقِسْمَة إِنَّمَا عنيتم الْوُجُوب بِالثَّانِي بعد إبِْطَال الْبَدَل واقتصرتم فِي إبِْطَال الْبَدَل على انه لَا دَلِيل عَلَيْهِ فعارضناكم بِمَا ذَكرْنَاهُ فان قَالُوا إِنَّمَا نَفينَا الْبَدَل لِأَنَّهُ لَا ذكر لَهُ فِي لفظ الْأَمر قيل لَهُم وَلَا ذكر لتعيين الْوَقْت فِي لفظ الْأَمر فلستم بِنَفْي أَحدهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لفظ الْأَمر ذكر لَهُ بِأولى من أَن ننفي مَا أبيتموه من تعْيين الْوُجُوب بِالثَّانِي لِأَنَّهُ لَا ذكر لَهُ فِي لفظ الْأَمر لنثبت مَا نفيتموه من الْبَدَل

стр. 827

فصل فِي الْفَوْر ايضا إِن قيل هلا جَازَ أَن يقوم الْعَزْم مقَام المعزوم عَلَيْهِ فِي إِسْقَاط الْفَرْض فِي وَقت دون وَقت كَمَا قَامَ الْمسْح على الْخُفَّيْنِ مقَام غسل الرجلَيْن فِي الْمصلحَة وَفِي اسْتِبَاحَة الصَّلَاة يَوْمًا وَلَيْلَة دون مَا زَاد على ذَلِك للمقيم قيل إِن مسح الْخُفَّيْنِ عبَادَة مُبتَدأَة وَلَيْسَ بَدَلا من غسل الرجلَيْن كَمَا يكون أحد الواجبين بَدَلا من الْوَاجِب الآخر لِأَن اللابس للخفين لَا يلْزمه غسل الرجلَيْن فِي تِلْكَ الْحَال وَإِنَّمَا يلْزم ذَلِك إِذا تَغَيَّرت الْحَال بقلع الْخُف وَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك فَمَا يُنكر السَّائِل أَن يكون الْمسْح على الْخُفَّيْنِ عبَادَة مُبتَدأَة يستباح بهَا الصَّلَاة وَمن الْمصلحَة أَن يستباح بهَا يَوْمًا وَلَيْلَة فَقَط فَلم يقل إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا قد قَامَ مقَام الآخر فِي الْوُجُوب وَوجه الْمصلحَة وَمَعَ ذَلِك لم يجز الْمسْح على الْخُفَّيْنِ مجْرى غسل الرجلَيْن فِي اسْتِبَاحَة الصَّلَاة بِهِ اسْتِبَاحَة غير مقدرَة فصل فِي النَّهْي إِذا أمكن الْمنْهِي أَن لَا يفعل المنهى عَنهُ من غير أَن يفعل ضدا من أضداده لم يكن النَّهْي إِيجَابا لشَيْء من أضداد المنهى عَنهُ نَحْو أَن ينْهَى المستلقي على ظَهره عَن الْقيام فانه يُمكنهُ أَن لَا يفعل الْقيام وَلَا يفعل ضدا من أضداده فصل فِي النَّهْي عَن الْبَدَل إِذا أمكن الْمُكَلف الانفكاك من فعلين وَتوجه النَّهْي إِلَيْهِمَا وَكَانَ نهيا عَن الْبَدَل فَذَلِك بِأَن يُقَال لَهُ لَا تفعل هَذَا بَدَلا من ذَلِك وَلَا ذَاك بَدَلا من هَذَا أَي لَا تكون فَاعِلا لأَحَدهمَا تَارِكًا للْآخر وَقد قُلْنَا فِي الْمُعْتَمد إِن هَذَا هُوَ إِيجَاب للْجمع بَينهمَا فَيحسن ذَلِك إِذا أمكن الْجمع وَلم يكن الْإِنْسَان ملْجأ إِلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِنَّه قد يَقْتَضِي ذَلِك وَيَقْتَضِي أَن لَا يفعل وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمَا لِأَنَّهُ إِذا تَركهمَا فَمَا فعل أَحدهمَا وَترك الآخر كَمَا لَو فعلهمَا جَمِيعًا

стр. 828

فصل فِي دلَالَة النَّهْي على الْفساد قَالُوا النَّهْي نقيض الْأَمر وَالْأَمر يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِعْ فَيجب أَن يدل النَّهْي على نفي إِجْزَاء المنهى عَنهُ وَنفي إِجْزَاء الْفِعْل هُوَ فَسَاده أجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الْأَمر لَا يدل على الْإِجْزَاء لِأَنَّهُ يُفَسر الْإِجْزَاء بِنَفْي وجوب الْقَضَاء وَقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وَنحن نفسر الْإِجْزَاء بِغَيْر ذَلِك ونقول إِن الْأَمر يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ على التَّفْسِير الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقد أجبنا فِي الْمُعْتَمد عَن الدّلَالَة فَقُلْنَا إِذا كَانَ النَّهْي هُوَ نقيض الْأَمر فَيجب أَن لَا يدل على مَا يدل عَلَيْهِ الْأَمر من الْإِجْزَاء والمخالف لَا يَقُول إِن النَّهْي يدل على إِجْزَاء المنهى عَنهُ وَإِن قَالَ إِن المجزىء عَنهُ قد يكون مجزئا ولمعترض أَن يعْتَرض ذَلِك فَيَقُول لَيْسَ يَكْفِي أَن لَا يدل نقيض الشَّيْء على مَا يدل عَلَيْهِ الشَّيْء بل يجب أَن يدل على نقيض مَا دلّ عَلَيْهِ الشَّيْء أَلا ترى أَن قَوْلنَا زيد لَيْسَ بأبيض لما كَانَ نقيض قَوْلنَا زيد أَبيض دلّ على نقيض مَا يدل عَلَيْهِ قَوْلنَا زيد ابيض فقد دلّ على نفي مَدْلُول قَوْلنَا زيد أَبيض وَالْجَوَاب عَن الدّلَالَة أَن الْأَمر هُوَ استدعاء إِلَى الْفِعْل وَيَقْتَضِي أَن يفعل لَا محَالة فاذا كَانَ النَّهْي نقيضه فَيجب أَن يكون استدعاء إِلَى الْإِخْلَال بِالْفِعْلِ وَيَقْتَضِي أَن لَا يفعل لَا محَالة فقد قُلْنَا إِن مَدْلُول أَحدهمَا هُوَ نقيض مَدْلُول آخر وَأما إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ فانه يعلم بِنَظَر آخر على مَا ذكر فان قيل فاذا تبع مَدْلُول الْأَمر الْإِجْزَاء فَيجب أَن يتبع مَدْلُول نقيض الْأَمر نقيض مَا يتبع مَدْلُول الْأَمر وَهُوَ نفي الْإِجْزَاء وَهَذَا هُوَ الْفساد قيل لَا يجب ذَلِك لِأَن التَّابِع لاقْتِضَاء الْأَمر لإيقاع الْفِعْل لَا محَالة وَهُوَ إجزاؤه وَهُوَ سُقُوط التَّعَبُّد بِهِ وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ تَابع لاقْتِضَاء النَّهْي للإخلال بِالْفِعْلِ لَا نقيضه وَذَلِكَ لِأَن النَّهْي إِمَّا أَن يكون نهيا عَن مُجَرّد الْفِعْل أَو يكون نهيا عَن إِيقَاع عبَادَة على وَجه فَالْأول هُوَ أَن يُقَال للمكلف لَا تدخل الدَّار فَمَتَى لم يدخلهَا فقد أَجزَأَهُ ذَلِك فِي سُقُوط التَّعَبُّد بالإخلال بذلك فِي ذَلِك الْوَقْت

стр. 829

وَفعل الدُّخُول يكون فَاسِدا وَلَا معنى لفساده إِلَّا أَنه قَبِيح محرم وَأما الثَّانِي فَهُوَ أَن يُقَال للمكلف لَا تصل عُريَانا فاذا لم يصل عُريَانا أَجزَأَهُ فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت كَمَا قيل لَهُ صل على طَهَارَة فصلى على طَهَارَة فانه يُجزئهُ مَا فعله فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد بِهِ فقد تبع مَدْلُول كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا تبع مَدْلُول الآخر قيل أَلَيْسَ إِذا قيل للمكلف صل بِطَهَارَة مَعَ أَن الْأَمر على الْوُجُوب فانه يتبع مَدْلُول هَذَا الْأَمر أَنه إِذا خَالف فصلى على غير طَهَارَة كَانَ مَا فعله فَاسِدا غير مجزىء فَيجب إِذا قيل لَهُ لَا تصل عُريَانا فَخَالف وَصلى عُريَانا أَن يكون ذَلِك فَاسِدا غير مجزىء قيل فقد أوجبتم أَن يتبع مَدْلُول النَّهْي مَا يتبع مَدْلُول الآخر وَهُوَ الْفساد وَنفي الْإِجْزَاء وَأَنْتُم أوجبتم أَن يكون التَّابِع لأَحَدهمَا نقيض مَا تبع الآخر وَلم توجبوا أَن يكون أحد التَّابِعين هُوَ التَّابِع للْآخر فَمَا ذكرتموه الْآن غير دَاخل فِي العقد الَّذِي ذكرتموه بل هُوَ ضِدّه فَإِن تركُوا مَا قَالُوهُ وَقَالُوا إِذا كَانَ النَّهْي نقيض الْأَمر فَيجب أَن يكون مَا يتبع مَدْلُول أَحدهمَا هُوَ مَا يتبع مَدْلُول الآخر قيل لَهُم هَذِه دَعْوَى مِنْكُم تخالفون فِيهَا وَنحن وَإِن لم نوجب أَن يكون التَّابِع لأَحَدهمَا هُوَ نقيض مَا يتبع الاخر فَإنَّا لَا نوجب أَن يكون مثله بل ذَلِك مَوْقُوف على الدّلَالَة وَلَيْسَ يجوز أَن يكون كَون النَّهْي وَالْأَمر نقيضين يَقْتَضِي تَسَاوِي مَا يتبع مدلولهما فصل فِي الْعُمُوم إِن قيل مَا تنكرون أَن يكون قَبيلَة من الْعَرَب وضعُوا للاستغراق وَحده لفظ كل أَو غَيره ثمَّ وَضعته قَبيلَة أُخْرَى للْبَعْض فَلم تتْرك الْعَرَب أَن تضع للاستغراق لفظا يَخُصُّهُ وَمَعَ ذَلِك فالإشراك حَاصِل قيل لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ حَقِيقَة قَوْلنَا كل عِنْد تِلْكَ الْقَبِيلَة للْبَعْض لَا غير وَأَن يسْبق إِلَى إفهامنا عِنْد سَماع قَوْلنَا كل الْبَعْض وَمَعْلُوم أَن ذَلِك لَا يحصل فِي قَبيلَة من الْقَبَائِل كَمَا لَا يسْبق إِلَى فهم أحد عِنْد سَماع اسْم الْأسد الرجل الشجاع إِذا

стр. 830

تجرد اللَّفْظ وَأَيْضًا فَكيف اتّفق فِي أَلْفَاظ الْعُمُوم كلهَا على كثرتها أَن يحصل فِي كل وَاحِد مِنْهَا الْإِشْرَاك وَلَا يخلص وَاحِد مِنْهَا للاستغراق ويضعون لكل معنى اسْما يَخُصُّهُ وَلَا يضعون إسما للاستغراق إِلَّا ويضعونه لنقيض الِاسْتِغْرَاق وَأَيْضًا فَكَانَ يجب فِي الْقَبِيلَة الَّتِي وضعت قَوْلهَا كل للْبَعْض أَن يضعوا للاستغراق لفظا آخر ليعبروا بِهِ عَن الِاسْتِغْرَاق فان قَالُوا قد وضعُوا لَهُ لَفْظَة جَمِيع وَوَضَعته الْقَبِيلَة الْأُخْرَى للْبَعْض قيل كَيفَ اتّفق فِي جَمِيع أَلْفَاظ الْعُمُوم أَن بَعضهم وَضعهَا للْعُمُوم وَبَعضهَا للخصوص وَلم يخلص للاستغراق وَاحِد مِنْهَا وايضا فَمَا ذَكرْنَاهُ من شدَّة الْحَاجة إِلَى وضع اسْم للاستغراق يَقْتَضِي إِذا وَقع الِاشْتِرَاك فِي أَلْفَاظ الْعُمُوم لأجل وضع قبيلتين أَن يضعوا للاستغراق لفظا آخر يَخُصُّهُ لشدَّة حَاجتهم إِلَى ذَلِك فصل فِي الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء قد قيل لَو رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي إِلَى الِاسْتِثْنَاء الأول وَإِلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَكَانَ إِيجَابا وسلبا وَاعْترض ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ذَلِك إِذا تعلق بكلامين وَإِنَّمَا يمْتَنع إِذا تعلق بِكَلَام وَاحِد وَالْجَوَاب إِنَّه لَو رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي إِلَيْهِمَا لَكَانَ إِيجَابا وسلبا من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ الْقَائِل لزيد عِنْدِي عشرَة دَرَاهِم إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا دِرْهَم وَرجع قَوْله إِلَّا دِرْهَم إِلَى الْعشْرَة وَهِي إِيجَاب لنفى مِنْهَا درهما آخر وَرجع مَعَ ذَلِك إِلَى الدرهمين وَهِي نفي لَكَانَ قد أوجب الدِّرْهَم كَأَنَّهُ قَالَ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا دِرْهَم من الدرهمين فانه عَليّ فَيكون قد أثبت الدِّرْهَم فِي الْعشْرَة وَقد نَفَاهُ حِين رَجَعَ إِلَى الْعشْرَة فَيكون قد نفى عَن الْعشْرَة درهما سوى الدرهمين واثبته فِيهَا مَعًا فقد بَان أَنه يلْزم أَن يكون الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي نفيا وإثباتا من الْعشْرَة فَهُوَ إِذا نفي وَإِثْبَات من كَلَام وَاحِد

стр. 831

الْأَفْعَال من بَاب قسْمَة الْأَفْعَال قد حد الْقَبِيح بِأَنَّهُ فعل على صفة لَهَا تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم فان قيل الصَّغِيرَة قبيحة وَلَيْسَت على صفة لَهَا تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم قيل بل لَهَا صفة لَهَا تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم أَلا ترى أَنه لَو لم يكن فاعلها يسْتَحق من الْمَدْح أَكثر من ذمها لأثرت الصّفة فِي اسْتِحْقَاق الذَّم فان قيل أَلَيْسَ مَعَ اسْتِحْقَاقه لمدح أَكثر من ذمها لَا يُؤثر فِي اسْتِحْقَاق الذَّم فقد انْتقض الْحَد قيل قَوْلنَا لَهَا تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم لَا يَقْتَضِي أَن يُؤثر فِي ذَلِك فِي كل حَال وعَلى كل وَجه وسيما فِي عرف الْفُقَهَاء والمتكلمين فِي أصُول الْفِقْه لأَنهم يتعارضون من قَوْلهم لكذا تَأْثِير فِي كَذَا أَنه يُؤثر فِيهِ وَإِن كَانَ يُؤثر فِي بعض الْحَالَات وَإِذا قُلْنَا لليسار تَأْثِير فِي إِزَالَة الْهم لم ينْتَقض ذَلِك فِي عرف كل النَّاس بِأَن يُؤْخَذ الْيَسَار فِي بعض الْحَالَات وَلَا يَزُول الْهم لما كَانَ فِي بعض الْحَالَات مؤثرا فِي إِزَالَة الْهم فَمَا ذَكرْنَاهُ جَار فِي عرف الْفُقَهَاء وَغَيرهم وَإِذا أردنَا حسم هَذَا السُّؤَال قُلْنَا فِي الْحَد الْقَبِيح فعل على صفة لكَونه عَلَيْهَا تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم على بعض الْوُجُوه أَو مَا لم يمْنَع من ذمه مَانع أَو قُلْنَا فعل لَهُ تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم على بعض الْوُجُوه أَو مَا لم يمْنَع من ذمه مَانع وَلَا نذْكر الصّفة وَإِذا قيدنَا الْحَد بذلك قُلْنَا فِي حد الْحسن إِنَّه فعل لَا تَأْثِير لَهُ فِي اسْتِحْقَاق فَاعله الذَّم على وَجه من الْوُجُوه أَو من غير مَانع وَكَذَلِكَ نُرِيد فِي حد الْوَاجِب إِذا حددناه بِاسْتِحْقَاق الذَّم على الْإِخْلَال بِهِ فَنَقُول هُوَ الْفِعْل الَّذِي للإخلال بِهِ تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم على بعض الْوُجُوه أَو مَا لم يمْنَع من ذمه مَانع فصل الأولى فِي قسْمَة الْأَسْبَاب ان يُقَال الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان احدهما يعلم ثُبُوته وَكَونه سَببا بِالشَّرْعِ وَذَلِكَ كفساد الصَّلَاة فانا بِالشَّرْعِ نعلم ثُبُوته ونعلم

стр. 832

بِالشَّرْعِ كَونه سَببا لوُجُوب الْقَضَاء وَالْآخر يعلم ثُبُوته لَا بِالشَّرْعِ وَيعلم بِالشَّرْعِ كَونه سَببا وَذَلِكَ حؤول الْحول فانا نعلم بِغَيْر الشَّرْع وجوده ونعلم بِالشَّرْعِ كَونه سَببا لوُجُوب إِخْرَاج الزَّكَاة وغذا ذكرنَا الْقِسْمَة كَذَلِك كُنَّا قد جعلنَا الْعلم فِي مُقَابلَة الْعلم وَهَذَا مرادنا فِي الْكتاب ﷺ َ - من بَاب التأسي ﷺ َ - اتِّبَاع النَّبِي ﷺ فِي فعله يُسْتَفَاد من مُطلق الْمُشَاركَة فِي صُورَة الْفِعْل على الْوَجْه الَّذِي فعله وان التبع لَهُ فعله لِأَنَّهُ فعله فان قيدت الْمُتَابَعَة بِصُورَة الْفِعْل فَقيل اتبع زيد عمرا فِي صُورَة الْفِعْل لم يفد إِلَّا الْمُشَاركَة فِي الصُّورَة ﷺ َ - بَاب فِي أَن السّمع لَا يَقْتَضِي على الْإِطْلَاق وجوب مثل فعل النَّبِي ﷺ ﷺ َ - اعْلَم أَنا ذكرنَا فِي الْبَاب فَقُلْنَا أما من قَالَ بِأَن أَفعاله أَدِلَّة بِاعْتِبَار الْوَجْه فانه إِن علم الطَّرِيقَة الَّتِي اتبعها النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْفِعْل عقلية كَانَت أَو سمعية فَهُوَ يرجع إِلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَال وَإِن لم يعرف الطَّرِيقَة فضربان أَحدهمَا يكون فعله بَيَانا لمجمل وَالْآخر لَا يكون بَيَانا لمجمل فان كَانَ بَيَانا لمجمل فَذَلِك الْمُجْمل هُوَ دَال على الْوُجُوب أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة ولمعترض أَن يعْتَرض هَذِه الْقِسْمَة فَيَقُول إِذا علم الْمُكَلف أَن فعل النَّبِي بَيَان لمجمل وَاسْتدلَّ بالمجمل على الْوُجُوب فقد عرف الطَّرِيقَة الَّتِي رَجَعَ إِلَيْهَا النَّبِي ﷺ فِي الْوُجُوب فَهُوَ دَاخل فِي الْقسم الأول وَالْجَوَاب أَنا لم نقل فان علم الْمُكَلف أَن فعل النَّبِي بَيَان لمجمل وَإِنَّمَا قُلْنَا فان كَانَ فعله بَيَانا لمجمل وَقد يكون فعله بَيَانا لمجمل وَلَا يكون الْعلم بذلك قد تقدم للمكلف فَيحْتَاج أَن ينظر ويتأمل ليعرف الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل عَلَيْهِ وَمن جملَة مَا يتأمله أَن ينظر هَل فِي الشَّرْع مُجمل هَذَا بَيَانه ليعرف

стр. 833

بالمجمل الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل عَلَيْهِ فاذا عرف ذَلِك اكْتفي بالمجمل فِي الِاسْتِدْلَال على الْوُجُوب فِي الْجُمْلَة وَعلم أَن النَّبِي ﷺ أوقع الْفِعْل عَلَيْهِ وَإِذا أردنَا حسم هَذَا السُّؤَال فَالْأولى أَن نقُول فِي الْقِسْمَة إِمَّا أَن يعلم الْمُكَلف قبل أَن فعل النَّبِي ﷺ الْفِعْل أَو مَعَه أَو بعده الطَّرِيقَة الَّتِي صَار إِلَيْهَا فِي الْعلم بالحكم عقلية كَانَت أَو سمعية مجملة كَانَت أَو مفصلة فَرجع إِلَيْهَا فِي الْعلم بالحكم وَإِمَّا أَن لَا يعلم الْمُكَلف ذَلِك فَيجب أَن يسْتَدلّ بِوَجْه آخر على الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل عَلَيْهِ فان علم أَنه أوقعه على الْوُجُوب دلّ ذَلِك على وجوب مثله عَلَيْهِ وَإِن علم أَنه أوقعه على النّدب دلّ على أَنه مَنْدُوب إِلَى مثله وَإِن علم أَنه أوقعه مستبيحا لَهُ دلّ على أَنه مُبَاح مِنْهُ اسْتدلَّ على أَن فعل النَّبِي ﷺ على الْوُجُوب بقول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالُوا وَقَوله ﴿يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ تهديدا واجيب عَن ذَلِك بِأَن قَوْله ﴿لكم﴾ لَيْسَ من أَلْفَاظ الْوُجُوب وَلَو أَرَادَ الْوُجُوب لقَالَ ﴿عَلَيْكُم﴾ واعترضنا ذَلِك بانه لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك على نفي الْوُجُوب لِأَن معنى قَول الْقَائِل لنا أَن نَفْعل كَذَا هُوَ أَنه لَا حظر علينا فِي فعله وَالْوَاجِب لَا حظر علينا فِي فعله فان قيل إِن الْمُجيب لم يسْتَدلّ بِالْآيَةِ على نفي وجوب أَفعَال النَّبِي ﷺ بقوله إِن لَفْظَة لكم لَيْسَ من أَلْفَاظ الْوُجُوب وَإِنَّمَا دفع الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ على وجوب أَفعاله فَقَالَ لَفْظَة لكم لَيست من أَلْفَاظ الْوُجُوب فَلَا يجوز أَن يُقَال لَهُ إِن الْوَاجِب لنا فعله لِأَنَّهُ لم يقل إِن

стр. 834

الْوَاجِب لَا يكون لنا فعله وَإِنَّمَا قَالَ إِن لَفْظَة لكم لَا يخْتَص الْوُجُوب بل يسْتَعْمل فِي الْوَاجِب وَفِي غَيره فَلَيْسَ فِي ذكرهَا إِثْبَات للْوُجُوب قيل بل إِنَّمَا أورد الْمُجيب هَذَا الْكَلَام على جِهَة الِاسْتِدْلَال مِنْهُ على نفي الْوُجُوب لَا على أَن يدْفع اسْتِدْلَال خَصمه لِأَن خَصمه لم يسْتَدلّ على وجوب أَفعَال النَّبِي ﷺ بقول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ فَيُقَال لَهُ لَفْظَة لكك لَا يخْتَص الْوُجُوب وَإِنَّمَا اسْتدلَّ بقوله ﴿لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالَ وَهَذَا تهديد فَمَا أوردهُ الْمُجيب إِن لم يكن ابْتِدَاء اسْتِدْلَال مِنْهُ بِالْآيَةِ من حَيْثُ أَنه لَا يُقَال لكم فِيمَا هُوَ وَاجِب فَلَيْسَ هُوَ يدْفع لاستدلال الْمُسْتَدلّ بِالْآيَةِ وَيَنْبَغِي أَن يَقُول لمن تكلم على الْآيَة بقوله إِن لَفْظَة لكم لَيْسَ من أَلْفَاظ الْوُجُوب إِن أوردت ذَلِك دفعا لاستدلال الْمُسْتَدلّ بِالْآيَةِ فالمستدل بِالْآيَةِ لم يقل إِن قَول الله ﴿لكم﴾ من أَلْفَاظ الْوُجُوب وَإِن أوردت ذَلِك اسْتِدْلَالا مِنْك على أَن أَفعَال النَّبِي ﷺ لَيست على الْوُجُوب لم يَصح ذَلِك لما بَيناهُ فِي الْكتاب ﷺ َ - بَاب فِيمَا تدل عَلَيْهِ أَفعَال النَّبِي ﷺ وتروكه الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ ﷺ َ - قد قُلْنَا أما أَفعاله الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ فَهِيَ الْحُدُود وَالْقَضَاء على الْغَيْر ثمَّ قُلْنَا وقضاؤه على الْغَيْر وَإِن كَانَ من قبيل الْأَقْوَال فانه يَقْتَضِي لُزُوم مَا قضي بِهِ وَلقَائِل أَن يَقُول لم أدخلتم الْقَضَاء فِي جملَة الْأَفْعَال مَعَ أَنه قَول وَأَنْتُم إِنَّمَا تتكلمون فِي أَبْوَاب الْأَفْعَال فِي الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ أَفعَال الْجَوَارِح وَالْجَوَاب إِنَّمَا تكلمنا فِي الْقَضَاء هَهُنَا لِأَنَّهُ كأفعال الْجَوَارِح بِالْغَيْر وَلم يجز ذكره فِيمَا قبل فذكرناه هَهُنَا لمشابهته للأفعال الْمُتَعَلّقَة بِالْغَيْر

стр. 835

وَإِذا أردنَا حسم هَذَا الِاعْتِرَاض قُلْنَا فِي الْقِسْمَة إِن مَا يسند إِلَى النَّبِي ﷺ مِمَّا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ أَفعَال وتروك وَالْأَفْعَال ضَرْبَان أَفعَال هِيَ أَقْوَال وأفعال لَيست أقوالا وَالْأَفْعَال المتعدية إِلَى الْغَيْر مِنْهَا قَضَاء على غير وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِقَضَاء على غير وَالْأَفْعَال الَّتِي لَيست أقوالا هِيَ الْحُدُود والتعزيز وَإِنَّمَا قسمنا الْأَفْعَال إِلَى أَقْوَال وَإِلَى غير أَقْوَال لِأَن الْفِعْل إِذا أطلق أَو جعل فِي مُقَابلَة التّرْك أَفَادَ كل مَا يَفْعَله الْفَاعِل من قَول وَغير قَول وَإِذا جعل فِي مُقَابلَة الْفِعْل قَول لم يدْخل القَوْل تَحت الْفِعْل

стр. 836

الْكَلَام فِي النَّاسِخ والمنسوخ ﷺ َ - بَاب فِي حَقِيقَة النَّاسِخ ﷺ َ - قد حد أَصْحَابنَا الطَّرِيق النَّاسِخ بِأَنَّهُ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ وَقُلْنَا يلْزم على هَذَا أَن يكون الْعَجز المزيل لمثل الحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا على الْمُكَلف نَاسِخا لِأَنَّهُ قد دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ فان قيل إِن الدَّال على أَن مثل الحكم غير ثَابت هُوَ دَلِيل الْعقل الدَّال على أَنه لَا تَكْلِيف مَعَ الْعَجز وَهَذَا الدَّلِيل مُتَقَدم على الدَّلِيل الدَّال على وجوب الْعِبَادَة غير متراخ عَنهُ قُلْنَا هَذَا يُوجب أَن لَا يُوصف فعل النَّبِي ﷺ بضد مَا أمرنَا بِهِ بِأَنَّهُ دَلِيل مَا نسخ عَنَّا الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون نَاسِخا عَنَّا لأجل مَا تقدم من الدَّلِيل على أَنا إِذا علمنَا الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ فعله عَلَيْهِ كَانَ حكمنَا فِيهِ حكمه من وجوب أَو نفل أَو إِبَاحَة وَقد قَالَ أَصْحَابنَا بِأَن فعله يكون دَلِيلا نَاسِخا عَنَّا الْعِبَادَة وَإِن كَانَ دَلِيل اتباعنا أَيَّاهُ فِيهِ مُتَقَدما فَكَذَلِك يلْزم أَن يُقَال فِي الْعَجز الطاريء على الْمُكَلف وعَلى أَن الدَّلِيل الْعقلِيّ الدَّال على أَن الْعِبَادَة ترْتَفع بِالْعَجزِ وَهُوَ كالدليل الْعقلِيّ الدَّال على وجوب الْمصير إِلَى قَول النَّبِي ﷺ فَكَمَا لم يمْنَع أَن يكون قَول النَّبِي ﷺ هُوَ النَّاسِخ إِذا ورد بِرَفْع الْعِبَادَة فَكَذَلِك لَا يمْتَنع أَن يكون الْعَجز هُوَ النَّاسِخ وَإِن كُنَّا علمنَا بِالْعقلِ أَن الْعَجز ترْتَفع مَعَه الْعِبَادَة

стр. 837

فان قيل قَول الله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقَوله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ يجْرِي مجْرى أَن يَأْمُرنَا بِعبَادة عبَادَة ويشرطها بالاستطاعة وَلَو فعل ذَلِك لم يكن وجود الْعَجز نسخا لِأَنَّهُ قد علق الْعِبَادَة بِشَرْط مَعْلُوم مفصل وَالْخطاب الْمُقَيد بِهَذَا الشَّرْط غير مُتَأَخّر فَلم يكن نسخا كتعليق الْعِبَادَة بغاية مفصلة مثل قَوْله ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ انه لَا يكون وجود اللَّيْل نَاسِخا وَلَا قَوْله ﴿إِلَى اللَّيْل﴾ نَاسِخا للصَّوْم فِي اللَّيْل قيل أَلَيْسَ لَو لم يقل الله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَلَا قَالَ ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ لَكَانَ وجود الْعَجز دَالا على أَن مثل حكم الْعِبَادَة غير ثَابت فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا يكون ذَلِك نَاسِخا لِأَن النّسخ لَا يثبت بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَالْعجز قد يطْرَأ على الْمُكَلّفين بعد موت النَّبِي ﷺ فقد وجد الْحَد فِي هَذَا الْموضع والمحدود لَيْسَ بحاصل وَلَا شُبْهَة فِي أَن الْعَجز وَالْمَوْت قد طرءا على بعض الْمُكَلّفين قبل نزُول هَاتين الْآيَتَيْنِ فَزَالَ مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وَلم يكن ذَلِك نَاسِخا وَقد قُلْنَا فِي الْكتاب إِنَّه يلْزم على الْحَد الْمَذْكُور أَن تكون الْأمة إِذا اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وسوغت للعامي الْأَخْذ بايهما شَاءَ وأجازت للمجتهد أَن يَقُول بِأَيِّهِمَا شَاءَ إِذا أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهِ أَو قَالَت إِن أَخذ بالْخَطَأ مِنْهُمَا لم يكن ملوما على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد ثمَّ اجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ فَلم يسع للعامي الْأَخْذ بِمَا كَانَ يسوغ لَهُ الْأَخْذ بِهِ وَهُوَ القَوْل الآخر وَلَا كَانَ للمجتهد أَن يصير إِلَيْهِ ان يكون إِجْمَاعهم نَاسِخا لِأَنَّهُ دَال على أَن مثل الثَّابِت بنصهم غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ إِن قيل أهل الِاجْتِهَاد من الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فانها لم تنص على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا للعامي وللمجتهد قيل كَيفَ لم تنص على ذَلِك

стр. 838

وَقد صرحت بِهِ فِي كتبهَا واستدلت عَلَيْهِ فان قيل لَيْسَ مَعكُمْ أَن كل وَاحِد من أهل الِاجْتِهَاد قد قَالَ بذلك نصا وَأَنه لم ينص عَلَيْهِ بَعضهم وَلم يُنكره الْبَاقُونَ قيل قد صَار الحكم ثَابتا بِالنَّصِّ من بَعضهم مَعَ علم البَاقِينَ وَذَلِكَ لَا يمْنَع من كَونه ثَابتا بِالنَّصِّ وَإِن كَانَ ثَابتا مَعَ غَيره ثمَّ يُقَال للسَّائِل الْيَسْ لَو نَص كل وَاحِد من الْأمة على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ ثمَّ أَجمعُوا على أَحدهمَا فَحرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر لم يكن ذَاك نسخا لِأَن النّسخ لَا يكون بعد انْقِطَاع الْوَحْي فَبَطل أَن يقْتَصر فِي الْحَد على مَا ذكر لِأَنَّهُ لَو اقْتصر عَلَيْهِ لوَجَبَ لَو وجد أَن يكون الْمَحْدُود قد وجد كَمَا أَن من حد الْجَهْل بِأَنَّهُ اعْتِقَاد الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ وفرضنا أَنه لَا وجود للْجَهْل فانه يلْزمه لَو وجد مَا هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ أَن يكون قد وجد الْجَهْل وَلَو قَالَ لَا يكون الْجَهْل مَوْجُودا وَإِن وجد الِاعْتِقَاد للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ لزمَه أَن لَا يكون هَذَا حد للْجَهْل فَكَذَلِك إِذا قَالَ الدَّلِيل النَّاسِخ هُوَ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ فانه وَإِن لم تنص الامة على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ يلْزمه لَو نصت على ذَلِك ثمَّ أَجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ فَحرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر أَن يكون إجماعها نَاسِخا فان لم يكن نَاسِخا فقد فسد الْحَد فان قيل أَنْتُم اعترضتم الْحَد باعتراض غير مُقَدّر وَمَا تذكرونه الْآن هُوَ مُقَدّر فَهُوَ غير مَا ذكرتموه فِي الْكتاب قيل إِنَّمَا اعترضنا باخْتلَاف الامة على قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة وتسويغهم بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَلم نقل إِن ذَلِك مُحَقّق أَو مُقَدّر فَإِن قيل المجتهدون من الامة وَإِن قَالُوا يجوز للعامي الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ فان قَوْلهم لَا يُسمى نصا فِي الْعرف بل قَوْلنَا نَص فِي عرف الْفُقَهَاء يَقع على نَص الله وَنَصّ رَسُوله فقولنا فِي الْحَد إِن الدَّلِيل النَّاسِخ هُوَ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا يتَنَاوَل نَص الامة لِأَنَّهُ لَا

стр. 839

يُسمى نصا فِي الْعرف قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْفُقَهَاء يَقُولُونَ قد نصت الْأمة على كَذَا وَكَذَا كَمَا يَقُولُونَ نَص النَّبِي ﷺ على كَذَا وَكَذَا وَإِن كَانُوا لَا يَتَعَارَفُونَ من إِطْلَاق اسْم النَّص على نَص الْأمة فَأولى أَن لَا يتعارفوا من إِطْلَاقه نَص مُوسَى وَعِيسَى فَيجب أَن لَا يتَنَاوَل الْحَد الْمَذْكُور مَا دلّ على نسخ الشَّرَائِع لِأَن الْأمة إِذا أطلقت اسْم النَّص لَا تَعْنِي بِهِ نَص غير النَّبِي من الْأَنْبِيَاء وَمَعْلُوم ان قَول النَّبِي ﷺ إِذا رفع عبَادَة لبَعض الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين يكون نسخا وَلَا يلْزمنَا مثل ذَلِك على مَا حددنا النَّاسِخ بقولنَا إِنَّه قَول صادر عَن الله أَو عَن رَسُوله لأَنا لم نقصر النَّص على كَلَام نَبينَا ﷺ دون كَلَام غَيره فان قَالُوا الامة إِنَّمَا سوغت للعامي أَن يقبل مِمَّن يفتيه بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ فاذا أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ لم يجد الْعَاميّ من يفتيه بالْقَوْل الآخر فَيُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ قيل لَهُم قد يجد من يفتيه بِأَن يصير بعض الْمُجْتَهدين إِلَى القَوْل الآخر بعد إِجْمَاعهم وَمن حد الدَّلِيل النَّاسِخ بِمَا ذَكرْنَاهُ يحرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر وَلَا يُجِيز التَّقْلِيد فِيهِ وَأَيْضًا فانه يحرم على الْمُجْتَهد بعد الْإِجْمَاع على أحد الْقَوْلَيْنِ أَن يصير إِلَى القَوْل الآخر وَيكون مأثوما بَعْدَمَا كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد سوغوا لَهُ ذَلِك أَو قَالُوا لَا تكون مأثوما فقد حصل معنى النّسخ فِي الْمُجْتَهد وَأَيْضًا فَلَو أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ إِلَّا مُجْتَهد وَاحِد وَأفْتى الْعَاميّ بقوله ثمَّ وَافق من عداهُ على قَوْلهم قبل أَن يعْمل الْعَاميّ بذلك ثمَّ عرف مُوَافَقَته لَهُم فانه لَا يجوز لَهُ الْعَمَل على ذَلِك بعد مَا جَازَ لَهُ الْعَمَل عَلَيْهِ فقد صَار اتِّفَاقهم دَالا على أَن مثل الحكم الثَّابِت بنصهم غير ثَابت فان قيل الامة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فانما سوغت للعامي وللمجتهد الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يتَّفق على أَحدهمَا وَهَذَا شَرط مفصل فوجوده لَا يكون نَاسِخا وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾

стр. 840

لِأَن السَّبِيل هَهُنَا مُجمل غير مفصل فَمَا ورد بتفصيله يكون نَاسِخا لإمساك فِي الْبيُوت وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ وخذوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا قيل يَنْبَغِي أَن يَقع الِانْفِصَال بِمَا هُوَ مَذْكُور فِي الْحَد وَهَذَا الَّذِي ذكرتموه من تَفْصِيل الشَّرْط لَيْسَ بمذكور فِي حد الدَّلِيل النَّاسِخ على أَن مَا ذكرتموه من الْحَد يَقْتَضِي أَن الْأمة لَو اخْتلفت فسوغت للعامي الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَلم يشرط مَا ذكرتموه فِي الْحَال فَلَمَّا اجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ حرمت الْأَخْذ بِالْآخرِ أَن يكون نَاسِخا على أَنه لَيْسَ مَعكُمْ أَن الْأمة لما اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ سوغت الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على هَذَا الشَّرْط وَكَيف يمكنكم ادِّعَاء ذَلِك والمخالف يَقُول إِن الْأمة مَا منعت من الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَإِن اتّفقت على أَحدهمَا وَكَيف يمكنكم على أصولكم أَن تَقولُوا إِن الْأمة قد قَالَت ذَلِك حِين اخْتلفت وَأَنْتُم تجوزون أَن يَأْمر الله بتكرار الْعِبَادَة وَهُوَ يُرِيد نسخهَا فَلَا يبين ذَلِك فِي الْحَال لَا مُجملا وَلَا مفصلا ويبينه عِنْد وَقت النّسخ فَمَا تنكرون ان تكون الْأمة لم تبين تَحْرِيم الْأَخْذ بالْقَوْل الَّذِي أَجمعت على خِلَافه إِلَّا حِين أَجمعت على خِلَافه فَلم تكن إباحتها الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطَة فان قَالُوا نَحن وَإِن جَوَّزنَا ذَلِك فانا نجوز أَن تكون شَرْطِيَّة عِنْد اختلافها قيل إِذا جوزتم كلا الْأَمريْنِ فجوزوا كَون اتِّفَاقهمَا نَاسِخا لجَوَاز الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر لأنكم لَا تأمنون أَن يَكُونُوا مَا شرطُوا إِبَاحَة الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ عِنْد اخْتلَافهمْ بِالشّرطِ الَّذِي ذكرتموه وَقد حددنا نَحن الطَّرِيق النَّاسِخ بِأَنَّهُ قَول صادر عَن الله أَو قَول أَو فعل أَو ترك منقولين عَن رَسُوله يُفِيد إِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بِنَصّ من الله أَو بِنَصّ أَو فعل منقولين عَن رَسُوله مَعَ تراخيه عَنهُ على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وَلقَائِل أَن يَقُول قَوْلكُم يُفِيد إِزَالَة مثل الحكم يَقْتَضِي أَن مثل الحكم

стр. 841

كَانَ ثَابتا فأزيل لِأَنَّهُ لَا يُقَال أزلت هَذَا الشَّيْء إِلَّا وَقد كَانَ ذَلِك الشَّيْء ثَابتا وَإِزَالَة الحكم بعد ثُبُوته هُوَ بداء وَلَيْسَ هُوَ نسخا قيل قد يُقَال فِي الشَّيْء إِنَّه أزيل إِذا كَانَ ثَابتا فازيل وَقد يُقَال قد أزيل الشَّيْء بِكَذَا إِذا كَانَ فلولا ذَلِك المزيل لثبت ذَلِك الشَّيْء سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء يتَوَهَّم ثُبُوته ويتوقع فانه لَا يمْتَنع اُحْدُ إِذا كَانَ يتَوَقَّع اسْتِمْرَار توجهه إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نهي عَن ذَلِك أَن يَقُول قد أزيل عَنَّا التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِنَّمَا يُرَاد إِزَالَة مَا يسْتَأْنف وَيصِح إِطْلَاق ذَلِك فِيهِ لما بَيناهُ وَقد دللنا فِي الْحَد على أَنا أردنَا هَذَا الْوَجْه بقولنَا مُفِيد لإِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بِنَصّ أَو فعل لِأَنَّهُ لَو كَانَ الحكم المزال قد كَانَ ثَبت ثمَّ أزيل لَكَانَ هُوَ حكم النَّص لَا مثله ودللنا على أَنه إِنَّمَا أزاله بِأَن دلّ على أَنه غير ثَابت وَبِأَنَّهُ منع من ثُبُوته بقولنَا على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا فَبَان بذلك أَنه مُفِيد لإِزَالَة الحكم على هَذَا الْوَجْه وَلنَا أَن نعتاض من قَوْلنَا مُفِيد لإِزَالَة مثل الحكم بقولنَا يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ أَو بِالْفِعْلِ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وكل وَاحِد من هذَيْن الْكَلَامَيْنِ يتَرَجَّح على الآخر من وَجه أما قَوْلنَا يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ أَو بِالْفِعْلِ غير ثَابت فانه يتَرَجَّح على الْعبارَة الثَّانِيَة لِأَن فِيهَا تَصْرِيح بالإزالة وَهِي معنى النّسخ فِي الأَصْل وَالْحَد الْمُفِيد من جِهَة الصَّرِيح لِمَعْنى الْمَحْدُود وَفَائِدَته أولى وَاعْلَم أَن الْغَرَض بِهَذَا الْحَد هُوَ حصر مَا وَقع الِاصْطِلَاح على تَسْمِيَته طَرِيقا نَاسِخا وَهُوَ بتفسير الِاسْم أشبه مِنْهُ بِالْحَدِّ فقولنا قَول أَو فعل منقولين عَن رَسُول الله قد حصرنا بِهِ مَا نقل عَنهُ من قَول أَو فعل وتناولهما قبل أَن ينقلا وَبَعْدَمَا نقلا فأشرنا بِهَذَا القَوْل إِلَى كل مَا وَقع الِاصْطِلَاح بعد وَفَاته على أَنه طَرِيق نَاسخ وَلَك أَن تعتاض من ذَلِك فَنَقُول قَول أَو فعل مَعْلُوم ورودهما من النَّبِي ﷺ أَو مظنون وَلَيْسَ يلْزم على ذَلِك أَن يُقَال النّسخ يَقع بِالتّرْكِ ايضا وَذَلِكَ لِأَن الله أَو رَسُوله إِذا أوجبا صَلَاة متكررة فان نسخهَا

стр. 842

بعد أَن فعلهَا فَلَا بُد من أَن يفعل فعلا يدل بِهِ عَن الصَّلَاة إِمَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقت الصَّلَاة أَو بِفِعْلِهِ قبل الْوَقْت ويستديمه إِلَى دُخُول الْوَقْت وَخُرُوجه نَحْو أَن يستلقي وَإِذا فعل ذَلِك كَانَ النَّاسِخ هُوَ مَا فعله أَو مَا تجدّد فعله فِي الْوَقْت فالناسخ هُوَ الْفِعْل فِي الْحَالين وايضا فالترك يُسمى فعلا فانك تَقول بئس مَا فعل فلَان فَيُقَال لَك مَا فعل فَنَقُول لم يخرج من دَار غَيره بَعْدَمَا نَهَاهُ مَالِكهَا عَن الْكَوْن فِيهَا وَاسم الْفِعْل يَقع على التّرْك فِي الْعرف وَلَك أَن تزيد فِي الْحَد التّرْك فَتَقول قَول أَو فعل أَو ترك وَمَعْلُوم وُرُوده عَن النَّبِي ﷺ أَو مظنون يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِمثل هَذِه الامور غير ثَابت فِي الْمُسْتَقْبل على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ وَأما الْمَنْسُوخ فَهُوَ الحكم المزال إِذا اخْتصَّ بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَك أَن تَقول هُوَ الحكم الَّذِي تنَاول الطَّرِيق النَّاسِخ وَالطَّرِيق النَّاسِخ هُوَ الْمُخْتَص بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا أَو تَقول هُوَ الحكم الَّذِي اقْتضى الطَّرِيق النَّاسِخ أَنه غير ثَابت مَعَ أَنه مثل الحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا وَأما حد النّسخ فَهُوَ إِزَالَة مثل الحكم الْمُخْتَص بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا أَو تَقول هُوَ تَبْيِين كَون مثل الحكم الثَّابِت غير ثَابت إِذا اخْتصَّ الحكم وَمثله بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمن حد النّسخ بِأَنَّهُ إِزَالَة الحكم بعد استقراره فانه إِن أَرَادَ بذلك اسْتِقْرَار نفس الحكم فَذَلِك بداء وَإِن أَرَادَ اسْتِقْرَار جنس الحكم فَذَلِك يَقْتَضِي كَون إِزَالَة الْعِبَادَة بِالْعَجزِ أَو إِزَالَة حكم الْعقل بِحكم الشَّرْع نسخا ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على جَوَاز نسخ الشَّرَائِع ﷺ َ - اعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يحمل جَوَاز بَيَان انْقِطَاع الْعِبَادَة بالنسخ على جَوَاز تَأْخِير بَيَان وَقت انقطاعهما بِالْمَوْتِ وَالْعجز لأَنا قد أشعرنا بِجَوَاز انقطاعها بِالْمَوْتِ وَالْعجز فِي كل وَقت الا ترى أَن الْإِنْسَان قبل التَّكْلِيف يجوز أَن يعجز وَيَمُوت

стр. 843

فِي كل وَقت ويمنعه الْمَوَانِع وَإِذا ورد عَلَيْهِ الْأَمر يفعل الْعِبَادَة على التّكْرَار لم يجوز دوَام حَيَاته وَقدرته بل يجوز ارتفاعها فِي كل وَقت للْعَادَة الَّتِي جرت فِي النَّاس وَإِذا اقْترن بذلك أَن يعْتَقد أَنه لَا يجوز أَن يعرف وَقت مَوته لِأَن ذَلِك إغراء بِالْمَعَاصِي تَأَكد تجويزه للْمَوْت وَالْعجز فِي كل وَقت وَإِذا اقْترن بذلك قَول الله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ يُؤَكد هَذَا التجويز فَبَان أَن الْمُكَلف قد أشعر إشعارا يجوز مَعَه أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ الْفِعْل فِي كل وَقت إِمَّا بِمَوْت أَو بِغَيْرِهِ فنظير ذَلِك أَن يُؤمر بِالْعبَادَة وَيُقَال لَهُ جوز وُرُود النّسخ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَقْبل أَو يُقَال لَهُ جوز فِي كل مَا يتعبدك بِهِ أَن يتَغَيَّر كَونه مصلحَة فِي وَقت من الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة فان قيل فَيجب إِذا جرت الْعَادة بنسخ الْعِبَادَة الْمقيدَة بالتأييد أَو بالتكرار أَن يكون ذَلِك إشعارا بِجَوَاز النّسخ فَيجوز مَعَه أَن تنسخ الْعِبَادَة وَإِن لم يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد وُرُود الْأَمر بهَا قيل الْعَادة إِنَّمَا تجْرِي عَن أول الْأَمر فَأول مَا يرد بالعبادات مُقَيّدا بالتكرار يَنْبَغِي أَن لَا يحسن نسخهَا إِلَّا أَن يشْعر بذلك عِنْد الْأَمر لِأَنَّهُ مَا تقدم هَذَا الْأَمر عَادَة فِي نسخ عبَادَة من دون إِشْعَار وَكَذَلِكَ فِي أَمر آخر بِعبَادة أُخْرَى وَفِي أَمر آخر وَإِذا توالى التَّعَبُّد مَعَ الْإِشْعَار صَارَت الْعَادة جَارِيَة بتأخر بَيَان النّسخ إِذا تقدمه الْإِشْعَار فَلَا يجوز من دون إِشْعَار ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ ﷺ َ - إِذا كَانَ قَول الْقَائِل مَا آخذ مِنْك ثوبا آتِيك بِمَا هُوَ خير مِنْهُ أَو قَالَ بِشَيْء هُوَ خير مِنْهُ لَا يَقْتَضِي أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب آخر بل يجوز أَن يَأْتِيهِ بِثَوْب آخر وَيجوز أَن يَأْتِيهِ بِغَيْر ثوب وَهُوَ خير من الثَّوْب الَّذِي أَخذه لِأَن

стр. 844

قَوْله مَا هَهُنَا بِمَعْنى شَيْء وَقَوْلنَا شَيْء يَقع على ثوب وعَلى غَيره فَكَذَلِك إِذا قَالَ أَتَيْتُك بِخَير مِنْهُ وَلَا يَقْتَضِي أَن يَأْتِيهِ بِثَوْب لَا محَالة لِأَن قَوْلنَا خير يَقع على كل خير ثوبا كَانَ أَو غير ثوب فَهُوَ عَام فيهمَا كَمَا أَن قَوْلنَا شَيْء وَقَوْلنَا مَا يعم الثَّوْب وَغَيره فَكَمَا لَا يقتض الْكَلَام الأول أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب لَا محَالة فَكَذَلِك فِي الْكَلَام الثَّانِي ﷺ َ - بَاب الزِّيَادَة على النَّص هَل هِيَ نسخ أم لَا ﷺ َ - قد قُلْنَا فِي هَذَا الْبَاب أَن قَاضِي الْقُضَاة قَالَ لَو خير الله بَين شَيْئَيْنِ واجبين ثمَّ أثبت لَهما ثَالِثا لَكَانَ ذَلِك نسخا لقبح تَركهمَا جَمِيعًا وَقُلْنَا نَحن إِن هَذَا رَافع لحكم عَقْلِي فَلَا يجوز أَن يُسمى نسخا وَلقَائِل أَن يَقُول قبح الْإِخْلَال بهما لَيْسَ بِحكم عَقْلِي وَإِنَّمَا علم بِالشَّرْعِ وَهُوَ إِيجَابه فعل الشَّيْئَيْنِ على الْبَدَل فَوَجَبَ أَن يكون إِيجَاب الثَّالِث نَاسِخا لقبح تَركهمَا وَالْجَوَاب أَن قبح تَركهمَا والإخلال بهما يتبع إِيجَاب الله الْفِعْلَيْنِ على الْبَدَل وَيتبع أَنه مَا كَانَ يجب فعل ثَالِث مَعَهُمَا أَلا ترى أَنا لَو لم نعلم إِلَّا وجوب الشَّيْئَيْنِ على الْبَدَل وَلم نعلم أَن الثَّالِث لَا يجب بل جَوَّزنَا وُجُوبه لم نعلم قبح تَركهمَا لتجويزنا وجوب ثَالِث إِذا تركناهما إِلَيْهِ لم يقبح منا تَركهمَا كَمَا أَنا لَو علمنَا أَن الثَّالِث لَا يجب وَلم نعلم وجوب الْفِعْلَيْنِ لم نعلم قبح تَركهمَا وَمَعْلُوم أَن إِيجَاب الْفِعْلَيْنِ على الْبَدَل يَقْتَضِي أَن للإخلال بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا تَأْثِيرا فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَلَا يتَعَرَّض للثَّالِث بايجاب وَلَا بِنَفْي إِيجَاب وَإِنَّمَا نعلم أَنه غير وَاجِب بَقَاء على حكم الْعقل فاذا كَانَ قبح تَركهمَا يتَفَرَّع على أَمر شَرْعِي وعَلى أَمر عَقْلِي لم يتَخَلَّص كَونه مَعْلُوما بِالشَّرْعِ فَلم يَصح القَوْل بِأَن رَفعه نسخ

стр. 845

- ﷺ َ - بَاب النُّقْصَان من الْعِبَادَة هَل هُوَ نسخ لغير مَا نقص مِنْهَا أم لَا ﷺ َ - اعْلَم أَن الصَّلَاة لما كَانَت وَاجِبَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَانَت وَاجِبَة فِي كل مَكَان على الْبَدَل وَكَانَ يجب على الْمُصَلِّي أَن يتَوَجَّه فِي الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فالتوجه فِي الْمَكَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس هُوَ هَيْئَة من هيآت الصَّلَاة فِي الْمَكَان فنسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِنَّمَا يتَنَاوَل هَذِه الْهَيْئَة فَلم يكن نسخا للصَّلَاة فِي الْمَكَان كَمَا أَنا لَو أمرنَا بِصَوْم يَوْم عَاشُورَاء على صفة وَهِي أَن نَكُون فِي ذَلِك الْيَوْم متوجهين إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخ عَنَّا التَّوَجُّه فَقيل لَا تتوجهوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَإِن ذَلِك لَا يكون نسخا للصَّوْم فِي ذَلِك الْيَوْم على أَن النّسخ للتوجه ورد على وَجه فِيهِ تثبيت لجملة الصَّلَاة لِأَن الْمَرْوِيّ فِي ذَلِك هُوَ أَلا إِن الْقبْلَة قد حولت وَفِي ذَلِك تثبيت للصَّلَاة وَكَذَلِكَ مَا فِي القرأن من ذَلِك وَهُوَ قَوْله ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ وَهَذَا هُوَ النّسخ للتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي وجوب التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة وَلَا يَصح الْجمع بَين التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِلَى الْكَعْبَة مَعًا فوجوب أَحدهمَا فِي كل صَلَاة يُصليهَا يَنْفِي وجوب الآخر فَأَما صَوْم عَاشُورَاء فانه مَا وَجب إِلَّا فِي ذَلِك الْيَوْم فنظيره أَن لَا تجب الصَّلَاة إِلَّا فِي مَكَان مَخْصُوص فَلَو قيل لَا تصلوا فِي ذَلِك الْمَكَان لَكَانَ قد انْتَفَت جملَة الصَّلَاة لِأَنَّهَا لم تجب إِلَّا فِي ذَلِك الْمَكَان أَلا ترى أَنا نحتاج فِي وُجُوبهَا فِي مَكَان آخر إِلَى دَلِيل آخر وَكَذَلِكَ إِذا قيل لنا صُومُوا يَوْم عَاشُورَاء ثمَّ قيل لنا بعد حِين لَا تَصُومُوا فِي يَوْم عَاشُورَاء فان ذَلِك يَنْفِي جملَة الصَّوْم لِأَنَّهُ لم يجب فِي زمَان آخر وَإِنَّمَا وَجب فِي هَذَا الزَّمَان فَقَط فنفيه فِيهِ نفي لجملته فان قيل كَون ذَلِك نسخا لجملة الصَّلَاة لَا يمْنَع مِمَّا نريده وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ يجوز صَوْم عَاشُورَاء بنية بعد الْفجْر جَازَ فِي الصَّوْم الْوَاجِب فِيمَا بعد وَهُوَ صَوْم شهر رَمَضَان أَن يجب بنية بعد الْفجْر لِأَنَّهُ قد ثَبت أَن الشَّرْع قد صحّح
следующие страницы →