Полный текст (878 стр.). Показаны 841–878 · переход к 846.
стр. 841
كَانَ ثَابتا فأزيل لِأَنَّهُ لَا يُقَال أزلت هَذَا الشَّيْء إِلَّا وَقد كَانَ ذَلِك الشَّيْء ثَابتا وَإِزَالَة الحكم بعد ثُبُوته هُوَ بداء وَلَيْسَ هُوَ نسخا قيل قد يُقَال فِي الشَّيْء إِنَّه أزيل إِذا كَانَ ثَابتا فازيل وَقد يُقَال قد أزيل الشَّيْء بِكَذَا إِذا كَانَ فلولا ذَلِك المزيل لثبت ذَلِك الشَّيْء سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء يتَوَهَّم ثُبُوته ويتوقع فانه لَا يمْتَنع اُحْدُ إِذا كَانَ يتَوَقَّع اسْتِمْرَار توجهه إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نهي عَن ذَلِك أَن يَقُول قد أزيل عَنَّا التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِنَّمَا يُرَاد إِزَالَة مَا يسْتَأْنف وَيصِح إِطْلَاق ذَلِك فِيهِ لما بَيناهُ وَقد دللنا فِي الْحَد على أَنا أردنَا هَذَا الْوَجْه بقولنَا مُفِيد لإِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بِنَصّ أَو فعل لِأَنَّهُ لَو كَانَ الحكم المزال قد كَانَ ثَبت ثمَّ أزيل لَكَانَ هُوَ حكم النَّص لَا مثله ودللنا على أَنه إِنَّمَا أزاله بِأَن دلّ على أَنه غير ثَابت وَبِأَنَّهُ منع من ثُبُوته بقولنَا على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا فَبَان بذلك أَنه مُفِيد لإِزَالَة الحكم على هَذَا الْوَجْه وَلنَا أَن نعتاض من قَوْلنَا مُفِيد لإِزَالَة مثل الحكم بقولنَا يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ أَو بِالْفِعْلِ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وكل وَاحِد من هذَيْن الْكَلَامَيْنِ يتَرَجَّح على الآخر من وَجه أما قَوْلنَا يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ أَو بِالْفِعْلِ غير ثَابت فانه يتَرَجَّح على الْعبارَة الثَّانِيَة لِأَن فِيهَا تَصْرِيح بالإزالة وَهِي معنى النّسخ فِي الأَصْل وَالْحَد الْمُفِيد من جِهَة الصَّرِيح لِمَعْنى الْمَحْدُود وَفَائِدَته أولى
وَاعْلَم أَن الْغَرَض بِهَذَا الْحَد هُوَ حصر مَا وَقع الِاصْطِلَاح على تَسْمِيَته طَرِيقا نَاسِخا وَهُوَ بتفسير الِاسْم أشبه مِنْهُ بِالْحَدِّ فقولنا قَول أَو فعل منقولين عَن رَسُول الله قد حصرنا بِهِ مَا نقل عَنهُ من قَول أَو فعل وتناولهما قبل أَن ينقلا وَبَعْدَمَا نقلا فأشرنا بِهَذَا القَوْل إِلَى كل مَا وَقع الِاصْطِلَاح بعد وَفَاته على أَنه طَرِيق نَاسخ وَلَك أَن تعتاض من ذَلِك فَنَقُول قَول أَو فعل مَعْلُوم ورودهما من النَّبِي ﷺ أَو مظنون وَلَيْسَ يلْزم على ذَلِك أَن يُقَال النّسخ يَقع بِالتّرْكِ ايضا وَذَلِكَ لِأَن الله أَو رَسُوله إِذا أوجبا صَلَاة متكررة فان نسخهَا
стр. 842
بعد أَن فعلهَا فَلَا بُد من أَن يفعل فعلا يدل بِهِ عَن الصَّلَاة إِمَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقت الصَّلَاة أَو بِفِعْلِهِ قبل الْوَقْت ويستديمه إِلَى دُخُول الْوَقْت وَخُرُوجه نَحْو أَن يستلقي وَإِذا فعل ذَلِك كَانَ النَّاسِخ هُوَ مَا فعله أَو مَا تجدّد فعله فِي الْوَقْت فالناسخ هُوَ الْفِعْل فِي الْحَالين وايضا فالترك يُسمى فعلا فانك تَقول بئس مَا فعل فلَان فَيُقَال لَك مَا فعل فَنَقُول لم يخرج من دَار غَيره بَعْدَمَا نَهَاهُ مَالِكهَا عَن الْكَوْن فِيهَا وَاسم الْفِعْل يَقع على التّرْك فِي الْعرف وَلَك أَن تزيد فِي الْحَد التّرْك فَتَقول قَول أَو فعل أَو ترك وَمَعْلُوم وُرُوده عَن النَّبِي ﷺ أَو مظنون يُفِيد أَن مثل الحكم الثَّابِت بِمثل هَذِه الامور غير ثَابت فِي الْمُسْتَقْبل على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ وَأما الْمَنْسُوخ فَهُوَ الحكم المزال إِذا اخْتصَّ بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَك أَن تَقول هُوَ الحكم الَّذِي تنَاول الطَّرِيق النَّاسِخ وَالطَّرِيق النَّاسِخ هُوَ الْمُخْتَص بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا أَو تَقول هُوَ الحكم الَّذِي اقْتضى الطَّرِيق النَّاسِخ أَنه غير ثَابت مَعَ أَنه مثل الحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا وَأما حد النّسخ فَهُوَ إِزَالَة مثل الحكم الْمُخْتَص بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا أَو تَقول هُوَ تَبْيِين كَون مثل الحكم الثَّابِت غير ثَابت إِذا اخْتصَّ الحكم وَمثله بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمن حد النّسخ بِأَنَّهُ إِزَالَة الحكم بعد استقراره فانه إِن أَرَادَ بذلك اسْتِقْرَار نفس الحكم فَذَلِك بداء وَإِن أَرَادَ اسْتِقْرَار جنس الحكم فَذَلِك يَقْتَضِي كَون إِزَالَة الْعِبَادَة بِالْعَجزِ أَو إِزَالَة حكم الْعقل بِحكم الشَّرْع نسخا ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على جَوَاز نسخ الشَّرَائِع ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يحمل جَوَاز بَيَان انْقِطَاع الْعِبَادَة بالنسخ على جَوَاز تَأْخِير بَيَان وَقت انقطاعهما بِالْمَوْتِ وَالْعجز لأَنا قد أشعرنا بِجَوَاز انقطاعها بِالْمَوْتِ وَالْعجز فِي كل وَقت الا ترى أَن الْإِنْسَان قبل التَّكْلِيف يجوز أَن يعجز وَيَمُوت
стр. 843
فِي كل وَقت ويمنعه الْمَوَانِع وَإِذا ورد عَلَيْهِ الْأَمر يفعل الْعِبَادَة على التّكْرَار لم يجوز دوَام حَيَاته وَقدرته بل يجوز ارتفاعها فِي كل وَقت للْعَادَة الَّتِي جرت فِي النَّاس وَإِذا اقْترن بذلك أَن يعْتَقد أَنه لَا يجوز أَن يعرف وَقت مَوته لِأَن ذَلِك إغراء بِالْمَعَاصِي تَأَكد تجويزه للْمَوْت وَالْعجز فِي كل وَقت وَإِذا اقْترن بذلك قَول الله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ يُؤَكد هَذَا التجويز فَبَان أَن الْمُكَلف قد أشعر إشعارا يجوز مَعَه أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ الْفِعْل فِي كل وَقت إِمَّا بِمَوْت أَو بِغَيْرِهِ فنظير ذَلِك أَن يُؤمر بِالْعبَادَة وَيُقَال لَهُ جوز وُرُود النّسخ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَقْبل أَو يُقَال لَهُ جوز فِي كل مَا يتعبدك بِهِ أَن يتَغَيَّر كَونه مصلحَة فِي وَقت من الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة
فان قيل فَيجب إِذا جرت الْعَادة بنسخ الْعِبَادَة الْمقيدَة بالتأييد أَو بالتكرار أَن يكون ذَلِك إشعارا بِجَوَاز النّسخ فَيجوز مَعَه أَن تنسخ الْعِبَادَة وَإِن لم يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد وُرُود الْأَمر بهَا قيل الْعَادة إِنَّمَا تجْرِي عَن أول الْأَمر فَأول مَا يرد بالعبادات مُقَيّدا بالتكرار يَنْبَغِي أَن لَا يحسن نسخهَا إِلَّا أَن يشْعر بذلك عِنْد الْأَمر لِأَنَّهُ مَا تقدم هَذَا الْأَمر عَادَة فِي نسخ عبَادَة من دون إِشْعَار وَكَذَلِكَ فِي أَمر آخر بِعبَادة أُخْرَى وَفِي أَمر آخر وَإِذا توالى التَّعَبُّد مَعَ الْإِشْعَار صَارَت الْعَادة جَارِيَة بتأخر بَيَان النّسخ إِذا تقدمه الْإِشْعَار فَلَا يجوز من دون إِشْعَار ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ ﷺ َ -
إِذا كَانَ قَول الْقَائِل مَا آخذ مِنْك ثوبا آتِيك بِمَا هُوَ خير مِنْهُ أَو قَالَ بِشَيْء هُوَ خير مِنْهُ لَا يَقْتَضِي أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب آخر بل يجوز أَن يَأْتِيهِ بِثَوْب آخر وَيجوز أَن يَأْتِيهِ بِغَيْر ثوب وَهُوَ خير من الثَّوْب الَّذِي أَخذه لِأَن
стр. 844
قَوْله مَا هَهُنَا بِمَعْنى شَيْء وَقَوْلنَا شَيْء يَقع على ثوب وعَلى غَيره فَكَذَلِك إِذا قَالَ أَتَيْتُك بِخَير مِنْهُ وَلَا يَقْتَضِي أَن يَأْتِيهِ بِثَوْب لَا محَالة لِأَن قَوْلنَا خير يَقع على كل خير ثوبا كَانَ أَو غير ثوب فَهُوَ عَام فيهمَا كَمَا أَن قَوْلنَا شَيْء وَقَوْلنَا مَا يعم الثَّوْب وَغَيره فَكَمَا لَا يقتض الْكَلَام الأول أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب لَا محَالة فَكَذَلِك فِي الْكَلَام الثَّانِي ﷺ َ - بَاب الزِّيَادَة على النَّص هَل هِيَ نسخ أم لَا ﷺ َ -
قد قُلْنَا فِي هَذَا الْبَاب أَن قَاضِي الْقُضَاة قَالَ لَو خير الله بَين شَيْئَيْنِ واجبين ثمَّ أثبت لَهما ثَالِثا لَكَانَ ذَلِك نسخا لقبح تَركهمَا جَمِيعًا وَقُلْنَا نَحن إِن هَذَا رَافع لحكم عَقْلِي فَلَا يجوز أَن يُسمى نسخا
وَلقَائِل أَن يَقُول قبح الْإِخْلَال بهما لَيْسَ بِحكم عَقْلِي وَإِنَّمَا علم بِالشَّرْعِ وَهُوَ إِيجَابه فعل الشَّيْئَيْنِ على الْبَدَل فَوَجَبَ أَن يكون إِيجَاب الثَّالِث نَاسِخا لقبح تَركهمَا وَالْجَوَاب أَن قبح تَركهمَا والإخلال بهما يتبع إِيجَاب الله الْفِعْلَيْنِ على الْبَدَل وَيتبع أَنه مَا كَانَ يجب فعل ثَالِث مَعَهُمَا أَلا ترى أَنا لَو لم نعلم إِلَّا وجوب الشَّيْئَيْنِ على الْبَدَل وَلم نعلم أَن الثَّالِث لَا يجب بل جَوَّزنَا وُجُوبه لم نعلم قبح تَركهمَا لتجويزنا وجوب ثَالِث إِذا تركناهما إِلَيْهِ لم يقبح منا تَركهمَا كَمَا أَنا لَو علمنَا أَن الثَّالِث لَا يجب وَلم نعلم وجوب الْفِعْلَيْنِ لم نعلم قبح تَركهمَا وَمَعْلُوم أَن إِيجَاب الْفِعْلَيْنِ على الْبَدَل يَقْتَضِي أَن للإخلال بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا تَأْثِيرا فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَلَا يتَعَرَّض للثَّالِث بايجاب وَلَا بِنَفْي إِيجَاب وَإِنَّمَا نعلم أَنه غير وَاجِب بَقَاء على حكم الْعقل فاذا كَانَ قبح تَركهمَا يتَفَرَّع على أَمر شَرْعِي وعَلى أَمر عَقْلِي لم يتَخَلَّص كَونه مَعْلُوما بِالشَّرْعِ فَلم يَصح القَوْل بِأَن رَفعه نسخ
стр. 845
- ﷺ َ - بَاب النُّقْصَان من الْعِبَادَة هَل هُوَ نسخ لغير مَا نقص مِنْهَا أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن الصَّلَاة لما كَانَت وَاجِبَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَانَت وَاجِبَة فِي كل مَكَان على الْبَدَل وَكَانَ يجب على الْمُصَلِّي أَن يتَوَجَّه فِي الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فالتوجه فِي الْمَكَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس هُوَ هَيْئَة من هيآت الصَّلَاة فِي الْمَكَان فنسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِنَّمَا يتَنَاوَل هَذِه الْهَيْئَة فَلم يكن نسخا للصَّلَاة فِي الْمَكَان كَمَا أَنا لَو أمرنَا بِصَوْم يَوْم عَاشُورَاء على صفة وَهِي أَن نَكُون فِي ذَلِك الْيَوْم متوجهين إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخ عَنَّا التَّوَجُّه فَقيل لَا تتوجهوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَإِن ذَلِك لَا يكون نسخا للصَّوْم فِي ذَلِك الْيَوْم على أَن النّسخ للتوجه ورد على وَجه فِيهِ تثبيت لجملة الصَّلَاة لِأَن الْمَرْوِيّ فِي ذَلِك هُوَ أَلا إِن الْقبْلَة قد حولت وَفِي ذَلِك تثبيت للصَّلَاة وَكَذَلِكَ مَا فِي القرأن من ذَلِك وَهُوَ قَوْله ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ وَهَذَا هُوَ النّسخ للتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي وجوب التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة وَلَا يَصح الْجمع بَين التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِلَى الْكَعْبَة مَعًا فوجوب أَحدهمَا فِي كل صَلَاة يُصليهَا يَنْفِي وجوب الآخر فَأَما صَوْم عَاشُورَاء فانه مَا وَجب إِلَّا فِي ذَلِك الْيَوْم فنظيره أَن لَا تجب الصَّلَاة إِلَّا فِي مَكَان مَخْصُوص فَلَو قيل لَا تصلوا فِي ذَلِك الْمَكَان لَكَانَ قد انْتَفَت جملَة الصَّلَاة لِأَنَّهَا لم تجب إِلَّا فِي ذَلِك الْمَكَان أَلا ترى أَنا نحتاج فِي وُجُوبهَا فِي مَكَان آخر إِلَى دَلِيل آخر وَكَذَلِكَ إِذا قيل لنا صُومُوا يَوْم عَاشُورَاء ثمَّ قيل لنا بعد حِين لَا تَصُومُوا فِي يَوْم عَاشُورَاء فان ذَلِك يَنْفِي جملَة الصَّوْم لِأَنَّهُ لم يجب فِي زمَان آخر وَإِنَّمَا وَجب فِي هَذَا الزَّمَان فَقَط فنفيه فِيهِ نفي لجملته
فان قيل كَون ذَلِك نسخا لجملة الصَّلَاة لَا يمْنَع مِمَّا نريده وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ يجوز صَوْم عَاشُورَاء بنية بعد الْفجْر جَازَ فِي الصَّوْم الْوَاجِب فِيمَا بعد وَهُوَ صَوْم شهر رَمَضَان أَن يجب بنية بعد الْفجْر لِأَنَّهُ قد ثَبت أَن الشَّرْع قد صحّح
стр. 846
الصَّوْم بنية بعد الْفجْر فاذا لم تغير الشَّرِيعَة ذَلِك وَجب أَن يبْقى على مَا كَانَ عَلَيْهِ قيل إِنَّمَا كَانَ يجب ذَلِك لَو ورد فِي ذَلِك لفظ عُمُوم نَحْو أَن يُقَال كل صَوْم شَرْعِي فانه يَصح بنية بعد الْفجْر وَقبل الزَّوَال فَأَما إِذا قيل هَذَا الصَّوْم الْوَاقِع فِي صَوْم عَاشُورَاء يَصح بنية بعد الْفجْر فانه لَا يجب مثله فِي صَوْم زمَان آخر لِأَن ذَلِك عبَادَة أُخْرَى وَلَا يجب أَن تتفق الْعِبَادَات فِي شَرَائِط صِحَّتهَا بل ذَلِك مَوْقُوف على دَلِيل زَائِد على مَا دلّ على أَن النِّيَّة بعد الْفجْر لَا تمنع من صِحَة صَوْم عَاشُورَاء
فان قَالُوا فَمَا يؤمنكم أَن يكون مَا دلّ على صِحَة صَوْم عَاشُورَاء بنية بعد الْفجْر هُوَ لفظ عُمُوم يَشْمَل كل صَوْم شَرْعِي فِي الْحَال وَفِيمَا يتعبد بِهِ فِيمَا بعد قيل إِذا كَانَ ذَلِك غير مَأْمُون وَكَذَلِكَ خِلَافه وَجب على من أثبت أَحدهمَا ليدل بِهِ على أَن النِّيَّة بعد الْفجْر يَصح بهَا صَوْم شهر رَمَضَان أَن يدل على مَا يبْنى ذَلِك عَلَيْهِ وَمَتى لم يبين ذَلِك لم يَصح دَلِيله وَيَكْفِي من قصد الطعْن عِلّة أَن يشكله فِيمَا بنى عَلَيْهِ دَلِيله ﷺ َ - بَاب فِي العمومين إِذا تَعَارضا ﷺ َ -
إِذا تعَارض العمومان من وَجه دون وَجه بِأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما فِيمَا الآخر خَاص فِيهِ فقد ذكرنَا فِي الْكتاب أَنه إِن علم تقدم أَحدهمَا على صَاحبه وَكَانَا معلومين أَو مظنونين أَو كَانَ الْمُتَقَدّم مِنْهُم مظنونا والمتأخر مَعْلُوما فانه يَجِيء على قَول من جعل الْعَام الْمُتَأَخر نَاسِخا للخاص الْمُتَقَدّم أَن يكون الْمُتَأَخر من هذَيْن العمومين نَاسِخا للمتقدم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عِنْدهم أَن الْعَام مُتَأَخّر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم فِيمَا لم يثبت كَونه أَعم من اللَّفْظ الْمُتَقَدّم أولى بِأَن يكون نَاسِخا وَهَذَا صَحِيح لِأَن هَذَا الْعُمُوم الْمُتَأَخر إِن كَانَ أَعم من الْمُتَقَدّم فقد أطْلقُوا القَوْل بِأَن الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم وَلم يبنوا الْعَام الْمُتَأَخر على الْخَاص الْمُتَقَدّم وَإِن كَانَ هَذَا الْعُمُوم الْمُتَأَخر هُوَ أخص من الْعَام الْمُتَقَدّم فَمن قَوْلهم إِنَّه يخرج ماتناوله من الْعُمُوم الْمُتَقَدّم على جِهَة النّسخ لَا على جِهَة التَّخْصِيص لِأَن بَيَان التَّخْصِيص لَا يتَأَخَّر عِنْدهم أَو عِنْد
стр. 847
أَكْثَرهم وَلَيْسَ هَهُنَا مَا يَقْتَضِي أَن يحكم بِأَنَّهُ قد كَانَ قَارن الْعَام مَا دلّ على تَخْصِيصه فَلذَلِك جعلُوا الْمُتَأَخر نَاسِخا للمتقدم
ثمَّ قُلْنَا وَإِن كَانَ الْمُتَقَدّم مَعْلُوما والمتأخر مظنونا لم يجز عِنْدهم أَن ينْسَخ الثَّانِي الأول وَوَجَب الرُّجُوع فيهمَا إِلَى التَّرْجِيح لِأَن المظنون لَا ينْسَخ الْمَعْلُوم وَإِذا لم يكن الثَّانِي مِنْهُمَا نَاسِخا وَأمكن اسْتِعْمَاله مَعَ التَّرْجِيح وَجب الرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح وَهَذَا صَحِيح وَذَلِكَ أَنه لَا يُمكن بِمُجَرَّد هَذَا التَّعَارُض النّسخ لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون بالشَّيْء الْمُتَأَخر والمتأخر من هذَيْن العمومين مظنون والمتقدم مِنْهَا مَعْلُوم والمظنون لَا ينْسَخ الْمَعْلُوم وَلَا يُمكن أَيْضا لمُجَرّد هَذَا التَّعَارُض أَن نخرج من أَحدهمَا مَا تنَاوله الآخر لأجل أَن الآخر أخص لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَخَلَّص كَون أَحدهمَا أخص من الآخر فقد بَان أَنه لَا يُمكن بِمُجَرَّد هَذَا التَّعَارُض لَا نسخ وَلَا تَخْصِيص فَوَجَبَ التَّرْجِيح فان رجحنا الْمَعْلُوم مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ مَعْلُوما وَلم يثبت فِي المظنون وَجه تَرْجِيح استعملنا الْمَعْلُوم وأخرجنا مَا تنَاوله من المظنون لَا لمُجَرّد التَّعَارُض وَأَن لمعلوم أخص بل لأجل التَّرْجِيح وَإِن رجحنا المظنون مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ مَعْلُوما وَلم يثبت فِي المظنون وَجه تَرْجِيح استعملنا الْمَعْلُوم وأخرجنا مَا تنَاوله من المظنون لَا لمُجَرّد التَّعَارُض وَأَن الْمَعْلُوم أخص بل لأجل التَّرْجِيح وَإِن رجحنا المظنون لِأَن حكمه حظر أَو إِيجَاب أخرجنَا مَا تنَاوله من الْمَعْلُوم لأجل التَّرْجِيح أَيْضا واستدللنا بذلك على أَنه قد كَانَ قَارب الْعُمُوم الْمُتَقَدّم مَا دلّ على تَخْصِيصه وَإِخْرَاج ذَلِك الْقدر مِنْهُ لِأَنَّهُ إِن لم يُمكن كَذَلِك كَانَ الثَّانِي نَاسِخا وَلَا يجوز نسخ الْمَعْلُوم بالمظنون
ثمَّ قُلْنَا فَأَما من يَقُول إِن الْعَام الْمُتَأَخر يبْنى على الْخَاص الْمُتَقَدّم وَأَن الْخَاص الْمُتَأَخر يخرج بعض مَا دخل تَحت الْعَام الْمُتَقَدّم فَالَّذِي يَجِيء على مذْهبه أَن لَا يفرق بَين أَن يَكُونَا معلومين أَو مظنونين أَو أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فِي اسْتِعْمَال التَّرْجِيح وَترك النّسخ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَخَلَّص كَون الْمُتَأَخر أخص من الْمُتَقَدّم فَيخرج من الْمُتَقَدّم مَا دخل تَحت الْمُتَأَخر وَهَذَا صَحِيح لأَنا اردنا أَنه لَا يثبت عِنْدهم بِمُجَرَّد هَذَا التَّعَارُض إِخْرَاج مَا تنَاوله أَحدهمَا من الآخر لَا على جِهَة النّسخ وَلَا على جِهَة التَّخْصِيص وَالْبناء اما النّسخ فَلِأَن عِنْدهم أَن الْعَام الْمُتَأَخر لَا ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم بل يبْنى على
стр. 848
الْخَاص الْمُتَقَدّم فَلَو كَانَ الْمُتَأَخر أَعم لم يجب فِيهِ النّسخ وَلَيْسَ يتَخَلَّص أَن أحد هذَيْن العمومين أخص من الآخر فَيُقَال إِن الْمُتَأَخر مِنْهَا أخص من الْمُتَقَدّم فَيخرج مَا تنَاوله من الْمُتَقَدّم إِمَّا بنسخ أَو بِأَن يدل على مُقَارنَة الْمُخَصّص لَهُ فَبَان أَن مُجَرّد هَذَا التَّعَارُض لَا يَقْتَضِي على قَوْلهم لَا نسخا وَلَا تَخْصِيصًا وَأَنه يجب الرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح فان رجحنا الْمَعْلُوم مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ مَعْلُوما أَو المظنون بِمَا يرجع إِلَى حكمه فَلَا بُد من أَن يخرج مَا تنَاوله من الآخر إِمَّا على جِهَة نسخ أَو تَخْصِيص وَلَيْسَ ينْقض ذَلِك قَوْلنَا إِنَّه يَجِيء على مَذْهَبهم أَن لَا ينسخوا وَلَا يخرجُوا من أَحدهمَا بعضه على جِهَة التَّخْصِيص لأَنا قُلْنَا لَا يجب ذَلِك لمُجَرّد التَّعَارُض قبل التَّرْجِيح وَلم نقل إِنَّهُم بعد التَّرْجِيح لَا يخرجُون من أحد العمومين بعض مَا تنَاوله بل قد دللنا بقوله إِنَّه يرجع إِلَى التراجيح على أَنه إِذا ترجح أَحدهمَا على الآخر فَحكم بِظَاهِرِهِ أَنه يخرج مَا تنَاوله من الْعُمُوم الآخر أَلا ترى أَنا إِذا رجحنا قَول النَّبِي ﷺ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا وَقُلْنَا لَا يُصليهَا عِنْد قيام الظهيرة فقد أخرجنَا الصَّلَاة الْمُقْتَضِيَة من مُطلق نَهْيه ﷺ عَن الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت وَلَكِن لم نَفْعل ذَلِك لمُطلق التَّعَارُض فقد بَان أَن مَا حكمنَا بِهِ إِنَّمَا حكمنَا بِهِ على مُطلق التَّعَارُض قبل التَّرْجِيح لِأَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوض على مُجَرّد التَّعَارُض ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على صِحَة القَوْل بِالْإِجْمَاع ﷺ َ -
قَول الله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ خرج مخرج الْمَدْح وتمييز هَذِه الْأمة من سَائِر الامم فَلَا يجوز أَن يُرَاد بذلك أَنهم يأمرون بِبَعْض الْمَعْرُوف وَينْهَوْنَ عَن بعض الْمُنكر لِأَن كل أمة قد نهم عَن بعض الْمُنكر وَأمرت بِبَعْض الْمَعْرُوف وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد أَكثر مَا ينهون عَنهُ مُنكر لِأَن الْخِيَار من الْأُمَم السالفة الْأَكْثَر مِمَّا نهوا عَنهُ مُنكر وَلِأَن قَوْلنَا الْمُنكر إِمَّا أَن يكون لاستغراق
стр. 849
الْمُنكر أَو للْجِنْس دون الِاسْتِغْرَاق وَلَيْسَ لَام الْجِنْس مَوْضُوعَة للْأَكْثَر وَلَا يجوز أَن يُرَاد بذلك الْوَصْف لَهُم بِأَنَّهُم فِيمَا مضى كَانُوا يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر لِأَن الْكَلَام مدح لَهُم فِي الْحَال فَلَا يجوز أَن يُفِيد تقدم كَونهم على خِصَال الْمَدْح وَلَا يُفِيد حصولهم الْآن على خِصَال الْمَدْح لِأَن الْإِنْسَان لَا يكون مُسْتَحقّا للمدح بِمَا فعله من قبل إِذا عدل عَنهُ إِلَى ضِدّه وخلافه حَتَّى يكون ناهيا عَن الْمُنكر ثمَّ يصير آمرا بالمنكرات فاذا ثَبت أَنهم ينهون عَن كل مُنكر فِي كل حَال إِلَّا مَا خرج بِدَلِيل فَلَو أَجمعُوا على خطأ لكانوا قد أَجمعُوا على مُنكر وَلَو أَجمعُوا عَلَيْهِ لكانوا غير ناهين عَنهُ
دَلِيل آخر قَول الله ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى﴾ يَقْتَضِي اتِّبَاع سبيلهم على مَا بَيناهُ فِي الْكتاب فان قيل الاية تَقْتَضِي اتِّبَاع سبيلهم فِي الِاسْتِدْلَال على الحكم الَّذِي قَالُوا بِهِ بِدَلِيل وَلَا يَأْخُذُوا بِهِ بِغَيْر دَلِيل قيل كَذَلِك نقُول لأَنا إِذا أَخذنَا بذلك القَوْل كُنَّا قد أخذناه بِدَلِيل وَهُوَ إِجْمَاعهم وَقد دلّ الدَّلِيل على صِحَّته فَلَيْسَ فِي قَوْلنَا إِنَّه يجب علينا الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم تَسْلِيم للخصم أَنا أَخذنَا بقَوْلهمْ بِلَا دَلِيل فَتكون الْآيَة حجَّة علينا
فان قيل يجب أَن يسْتَدلّ بِمَا استدلوا بِهِ يُعينهُ قيل لَا يجب ذَلِك لِأَن أهل كل عصر لَا يوجبون على الْمُكَلف الِاسْتِدْلَال على الحكم بِدَلِيل معِين إِذا أمكنه أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِدَلِيل آخر فَلم يكن وجوب الِاسْتِدْلَال بدليلهم الْمعِين سَبِيلا لَهُم فَلم يدْخل تَحت الظَّاهِر
إِن قيل قَول الله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يَقْتَضِي ظَاهره مُؤمنين مُعينين وَأَن نصير إِلَيْهِم لأَنهم قَالُوا على مَا قدرتموه فِي الْكتاب وَيَقْتَضِي ظَاهر الْآيَة ايضا أَن يَكُونُوا مُؤمنين على الْحَقِيقَة بِحَسب ظننا إِمَّا الْإِيمَان اللّغَوِيّ أَو الْعرفِيّ أَو الديني وَلَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بذلك فَلَيْسَ لكم أَن تتركوا هَذَا الظَّاهِر بِأولى من أَن نَتْرُك الظَّاهِر الأول ونقول المُرَاد بذلك مُؤمنين موصوفين كَأَنَّهُ قَالَ وَيتبع غير سَبِيل من حَقّهَا أَن تكون سَبِيل
стр. 850
الْمُؤمنِينَ قيل إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك تركْتُم الظَّاهِر من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنكُمْ تحملون الْكَلَام على التّكْرَار وَنحن نحمله على فَائِدَة محدودة وَذَلِكَ أَن سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْجُمْلَة قد دخل فِي ترك مشاقة الرَّسُول فزجره عَن مشاقة الرَّسُول هُوَ زجر عَن اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ لأَنا قد علمنَا أَن مشاقته لَيست سَبِيل الْمُؤمنِينَ
وَالْآخر انكم إِذا حملتم الاية على مُؤمنين موصوفين احتجتم إِلَى إِضْمَار حَتَّى يكون تَقْدِير الْكَلَام وَيتبع سَبِيلا من حَقّهَا أَن تكون غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ أَو من حق الْمُؤمنِينَ أَن لَا يسلكوها وَإِذا حملنَا نَحن الْإِيمَان على الْإِيمَان اللّغَوِيّ كُنَّا تاركين للظَّاهِر من وَجه وَاحِد وَقَول الْخصم إِنَّكُم لَا تحملون الْآيَة على مُؤمنين على الْحَقِيقَة بل على مُؤمنين بِحَسب ظنكم لَا يَصح لأَنا إِذا حملنَا ذَلِك على التَّصْدِيق فَنحْن نعلم أَنه لَا يجوز أَن يكون أهل كل عصر على كثرتهم يخبرون أَنهم يُؤمنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَام وَلَيْسَ فيهم من يصدق بذلك أصلا أَو لَيْسَ فيهم من يصدق بذلك إِلَّا الْوَاحِد والاثنان بل نعلم أَن الْكثير مِنْهُم كَذَلِك ونظن أَن الْكل كَذَلِك
دَلِيل آخر قَول الله ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَاقْتضى هَذَا الشَّرْط أَنهم إِن لم يتنازعوا لَا يجب الرَّد إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه وَلقَائِل أَن يَقُول إِن اراد الله بقوله ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء﴾ أهل عصر وَاحِد فَلَيْسَ يَخْلُو إِذا لم يتنازعوا إِمَّا أَن يَكُونُوا لم يردوا إِلَى الله وَالرَّسُول فَلَا يجب اتباعهم وَلَا يكون قَوْلهم صَحِيحا وَإِمَّا أَن يَكُونُوا ردوا إِلَى الله وَالرَّسُول فَلَا يَصح أَن يبيحهم ترك الرَّد إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه لِأَن ردهم الشَّيْء إِلَى الله وَرَسُوله هُوَ طلب حكمه فِي الْكتاب وَالسّنة فاذا طلبوه فيهمَا فوجدوه فيهمَا لم يَصح طلبه من بعد لِأَن طلب الْإِنْسَان لما هُوَ وَاجِد لَهُ محَال وَإِبَاحَة ترك الْمحَال عَبث وَإِن كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ أهل الْعَصْر الثَّانِي مَعَ أهل الْعَصْر الأول لم يَصح القَوْل بذلك لِأَن قَوْله فَإِن تنازعتم مُوَاجهَة لمن ترك الْقُرْآن وَهُوَ حَاضر فَعلمنَا أَن المُرَاد بذلك تنَازع
стр. 851
بَعضهم مَعَ بعض وَأَيْضًا فقد بخالف أهل الْعَصْر الثَّانِي بعد انْقِرَاض الأول فَلَا يكون أهل العصرين متنازعين لِأَن التَّنَازُع بَين اثْنَيْنِ هُوَ أَن يُنَازع كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر وَلَيْسَ يُمكن أَن يُنَازع أهل الْعَصْر الأول لأهل الْعَصْر الثَّانِي إِن نازعوا أهل الْعَصْر الأول وَجب عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم إِلَى طلب الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة وَالرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع عِنْد الْمُسْتَدلّ لَيْسَ هُوَ رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ لَو كَانَ ردا إِلَيْهِمَا بَطل قَوْلهم إِذا لم يتنازعوا لم يجب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلَا يجب عِنْد الْمُسْتَدلّ ايضا إِذا تنَازع أهل العصرين أَن يطْلب أهل الْعَصْر الأول الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة لأَنهم قد طلبُوا قَوْلهم من قبل فِي الْكتاب وَالسّنة فوجدوه وَطلب مَا هم واجدين لَهُ محَال فَعِنْدَ التَّنَازُع لَا يجب على قَوْلهم الطّلب فِي الْكتاب وَالسّنة لَا على أهل الْعَصْر الأول وَلَا على أهل الْعَصْر الثَّانِي على قَول الْمُسْتَدلّ فَأَما إِذا لم يُنَازع أهل الثَّانِي أهل الْعَصْر الأول فعلى مَوْضُوع الِاسْتِدْلَال مُبَاح أَن لَا يردوا بأجمعهم إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلَا يَصح هَذِه الْإِبَاحَة لجميعهم لِأَن بَعضهم وهم أهل الْعَصْر الأول قد رد ذَلِك القَوْل إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَإِبَاحَة ترك طلب مَا قد طلب وَوجد عَبث ﷺ َ - بَاب الْإِجْمَاع بعد الْخلاف ﷺ َ -
إِذا اخْتلفت الْأمة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فقد سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب بِشَرْط بَقَاء الْخلاف وَكَون الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد لأَنهم لَو سئلوا عَن عِلّة جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بِمَا ذكرنَا فاذا أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد زَالَ الشَّرْط وتناولتهم أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَلَا دَلِيل يدل على اشْتِرَاط هَذَا الْإِجْمَاع بِشَرْط فَلم يجز خِلَافه ﷺ َ - بَاب الطَّرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع ﷺ َ -
إِذا لم تكن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَقَالَ فِيهَا بعض أهل الْعلم قولا
стр. 852
وانتشر فِي أهل الْعَصْر وَكَانَ على أهل الْعلم فِيهَا تَكْلِيف فان سكوتهم على النكير يدل على أَنه صَوَاب وَأَن خِلَافه خطأ لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُنْكرا لكانوا قد تطابقوا على ترك إِنْكَار الْمُنكر مَعَ وجوب ذَلِك عَلَيْهِم هَذَا إِذا مر من الزَّمَان مَا يَنْقَضِي مَعَه زمَان المهلة لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِك يلْزمهُم أَن يعتقدوا فِي الْمَسْأَلَة حكما من الْأَحْكَام فيلزمهم إِظْهَار الْخلاف إِذا كَانُوا مخالفين فَأَما أول مَا ينتشر الْمَسْأَلَة فِي أهل الْعَصْر قبل اسْتِيفَاء النّظر فانه لَا يدل سكوتهم على رضاهم بذلك القَوْل الْمُنْتَشِر وَالْقسم الأول هُوَ الَّذِي اردناه فِي الْكتاب وَالتَّعْلِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْكتاب يدل عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي قَول الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر ﷺ َ -
إِذا لم ينتشر القَوْل فِي جَمِيع أهل الْعَصْر وَكَانَت الْبلوى بِتِلْكَ الْمَسْأَلَة عَامَّة فقد ذكرنَا فِي الْكتاب أَنه لَا بُد من أَن يكون لغير من قَالَ بالْقَوْل الَّذِي لم ينتشر قَول لِأَنَّهُ مُكَلّف للنَّظَر فِيهَا فاذا كَانَ لَهُ فِيهَا قَول وَجب أَن يكون مُوَافقا لهَذَا القَوْل لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَالفا لَهُ لنقلته النقلَة لعلمنا باهتمامهم بِالنَّقْلِ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يتم ذَلِك فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الْمُجْتَهدين لم يجْتَهد فِي الْحَادِثَة وَإِن لَزِمَهُم أَن يجتهدوا فِيهَا ليعلموا بهَا فِي أنفسهم ويكونوا قد أخطأوا فِي ذَلِك
فَإِن قُلْتُمْ لَو كَانَ كَذَلِك لأنكر عَلَيْهِم الْبَاقُونَ فاذا لم ينكروا عَلَيْهِم وَلَا هم أَنْكَرُوا على أنفسهم فقد تطابقوا على أَن لم ينكروا تَركهم الِاجْتِهَاد قيل لكم لم يلْزمهُم أَن ينكروا عَلَيْهِم ذَلِك لأَنهم لَا يعلمُونَ أَنهم قد تركُوا الِاجْتِهَاد فِي الْمَسْأَلَة بل يجوزون أَنهم إِنَّمَا سكتوا لأَنهم قد اجتهدوا فان قُلْتُمْ إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فقد تطابقوا على الْعُدُول عَن الصَّوَاب قيل لَا يَصح ذَلِك على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لِأَن القَوْل الَّذِي قَالَه من لم ينتشر قَوْله فَهُوَ صَوَاب فَمَا عدلوا بأجمعهم عَن الصَّوَاب وَإِنَّمَا يتم ذَلِك على قَول من قَالَ إِن الْحق وَاحِد بل يُقَال إِن الصَّوَاب هُوَ قَول وَاحِد فان لم يكن
стр. 853
ذَلِك القَوْل الَّذِي لم ينتشر هُوَ الصَّوَاب كَانُوا قد عدلوا بأجمعهم عَن الصَّوَاب ﷺ َ - بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده ﷺ َ -
قد حد الْخَبَر بِأَنَّهُ الَّذِي يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب وَاعْترض ذَلِك بِأَن قَول الْقَائِل مُحَمَّد ومسيلمة صادقان خبر وَلَيْسَ بِصدق وَلَا كذب واجاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَنا أردنَا بِدُخُول الصدْق وَالْكذب أَن الْإِنْسَان إِذا صدق الْمخبر أَو كذبه لم يحظر اللُّغَة ذَلِك وَهَذِه صُورَة هَذَا الْخَبَر وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه قد سلم أَن هَذَا الْخَبَر لَيْسَ بِصدق وَلَا كذب وَهَذَا يعْتَرض مَا يَقُوله من أَن كل خبر فانه لَا يَخْلُو من أَن يكون إِمَّا صَادِقا وَإِمَّا كَاذِبًا لِأَن هَذَا الْخَبَر قد خلا مِنْهُمَا وَإِذا حددنا الْخَبَر بِأَنَّهُ كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الْأُمُور إِلَى أَمر من الامور نفيا أَو إِثْبَاتًا لم يلْزم إِذا قُلْنَا زيد الظريف فِي الدَّار أَن يكون قَوْلنَا زيد الظريف من جملَة هَذَا الْكَلَام خَبرا لِأَن ذَلِك لَا يُفِيد أَنه ظريف كَمَا أَنا إِذا قُلْنَا الظريف فِي الدَّار لَا يُفِيد أَنا حكمنَا بِأَن من أَشَرنَا إِلَيْهِ بِهَذَا الْكَلَام هُوَ ظريف وَإِنَّمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ بقولنَا هُوَ ظريف ثمَّ أفدنا أَنه فِي الدَّار كَمَا نشِير بقولنَا زيد فِي الدَّار إِلَى أَنه فِي الدَّار وَلم نفد أَنه يُسمى زيدا وَلنَا أَن نحترس من ذَلِك ونقول الْخَبَر كَلَام تَامّ يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الْأُمُور إِلَى أَمر من الْأُمُور نفيا أَو إِثْبَاتًا ونعني بقولنَا كَلَام تَامّ أَنه لَا يَقْتَضِي بِوَقع كَلَام آخر بل تقع بِهِ الْفَائِدَة بِنَفسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قُلْنَا زيد الظريف لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِكَلَام تَامّ
فان قيل قَول الْقَائِل لَا ثَانِي لله هُوَ خبر وَلَيْسَ يُفِيد إِضَافَة أَمر إِلَى أَمر لِأَن الْوُجُود لَيْسَ بِصفة عنْدكُمْ وَلَا الثَّانِي ذاتا فتكونوا قد أضفتم نفي الصّفة إِلَى الذَّات الْجَواب إِنَّا نعني بقولنَا إِنَّه لَا ثَانِي للقديم هُوَ أَن مَا نعقله من ذَات لَهَا صفة الْقَدِيم لَيْسَ لَهَا وجود من خَارج عقلنا سوى الْقَدِيم فقد نَفينَا عَن عقلنا لما عَقَلْنَاهُ من ذَلِك أَن يتَعَلَّق بِذَات من خَارج لَيست بِذَات الْقَدِيم عز وَجل
стр. 854
- ﷺ َ - بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار ﷺ َ -
قد قُلْنَا فِيهِ إِنَّه لَو كَانَ كل مَا أَجمعُوا على مُقْتَضَاهُ من أَخْبَار الْآحَاد قد قَامَت الْحجَّة بِهِ لم يَصح الِاسْتِدْلَال باجماع الصَّحَابَة على الْعلم بأخبار الْآحَاد على جَوَاز الْعَمَل على خبر مظنون غير مَقْطُوع بِهِ إِن قيل يَصح الِاسْتِدْلَال على ذَلِك بأخبار آحَاد لم يجمع الصَّحَابَة على الْعَمَل بهَا لَكِن عمل بَعضهم بهَا وَلم يعْمل الْبَاقُونَ بهَا وَلم ينكروا على الْعَامِل بهَا قيل أَنْتُم استدللتم على الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد باجماعهم على الْعَمَل بِخَبَر عبد الرَّحْمَن فِي الْمَجُوس وَخبر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين وَالْخَبَر الْمَرْوِيّ فِي دِيَة الْأَصَابِع كل ذَلِك قد أَجمعُوا على الْعَمَل بِهِ وَلَعَلَّه لَا يُوجد خبر عمل بِهِ بَعضهم وَلم يُنكر من لم يعْمل بِهِ على الْعَامِل بِهِ إِلَّا خبر أَو خبران أَو ثَلَاثَة مِمَّا لم يبلغ كَثْرَة فَيكون قد علم فِي الْجُمْلَة أَن الصَّحَابَة لم يُنكر بَعْضهَا على بعض الْعَمَل بهَا ﷺ َ - بَاب فِي شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر ﷺ َ -
إِذا قَالَ قَائِل جوزوا أَن يخبر المتواترون بِالْكَذِبِ لِأَن السُّلْطَان حملهمْ على ذَلِك بالرهبة لم يجز إبِْطَال ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَ يجب أَن يظْهر رهبة السُّلْطَان لِأَن للسَّائِل أَن يَقُول حملهمْ على الْكَذِب وعَلى كتمان الرهبة وَإِنَّمَا كَانَ للسَّائِل أَن يَقُول ذَلِك لِأَن الْمُجيب لما تعاطى الْجَواب عَن السُّؤَال سلم صِحَة الشَّك فِي الِاجْتِمَاع على الْكَذِب للرهبة وَإنَّهُ إِنَّمَا يَزُول هَذَا الشَّك بِالْجَوَابِ فَلَزِمَهُ كَمَا سوغ الشَّك فِي ذَلِك قبل النّظر أَن يسوغ الشَّك فِي الْحمل على كتمان الرهبة قبل النّظر وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِنَّه لَا يُمكن أَن يضْبط السُّلْطَان الْكَثْرَة الْعَظِيمَة حَتَّى يرهبها فَلَا تَتَحَدَّث بِالْكَذِبِ عَن كل إِنْسَان وَفِي كل حَال بل كثير مِنْهُم لَا يتحدث بِهِ وَكثير مِنْهُم يظْهر خلاف الْكَذِب عِنْد خاصته وثقاته ثمَّ لَا يلبث الصدْق أَن يشيع
стр. 855
- ﷺ َ - بَاب التَّعَبُّد بالْخبر الْوَاحِد ﷺ َ -
إِن قيل لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الصَّحَابَة عمل على الْخَبَر الْوَاحِد وَلم يُنكر عَلَيْهِ غَيره لِأَن غَيره كَانَ نَاظرا متوقفا فِي وجوب الْعَمَل بِهِ فَلذَلِك لم يُنكره وَلَيْسَ فِي ذَلِك اتِّفَاق مِنْهُم على ترك الْوَاجِب لأَنهم وَإِن اتَّفقُوا على ترك إِنْكَار الْعَمَل بذلك مَعَ أَن الْعَمَل بِهِ مُنكر فِي نَفسه فانهم لم يتفقوا على ترك الْوَاجِب لِأَن هَؤُلَاءِ الناظرين لَا يجب عَلَيْهِم الْإِنْكَار لأَنهم ناظرون الْجَواب إِن الله إِذا كلف الْمُجْتَهدين أَن يعرفوا هَل تعبدهم بِالْعَمَلِ بأخبار الْآحَاد أم لَا فَلَا بُد من أَن يمْضِي عَلَيْهِم من الزَّمَان مَا يتمكنون فِيهِ من الْوُصُول إِلَى مَا كلفهم فاذا مضى هَذَا الزَّمَان وَلم ينكروا الْعَمَل بأخبار الْآحَاد فَلَو كَانَ الْعَمَل بهَا مُنْكرا لكانوا قد أَجمعُوا على ترك الْوَاجِب إِذْ الْإِنْكَار وَاجِب
دَلِيل وُرُود التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد هُوَ أَنه لَا يجوز أَن يكون مَا رُوِيَ من أَخْبَار الْآحَاد على كثرتها لم يقل النَّبِي ﷺ شَيْئا مِنْهَا بل يَنْبَغِي أَن يكون جَمِيعهَا أَو كثير مِنْهَا قد قَالَه النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ يجوز أَن يكون مَا قَالَه ﷺ من ذَلِك تعبدا لمن شافهه النَّبِي ﷺ دون من لم يشافهه لِأَن الْإِجْمَاع بِخِلَاف ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لبين النَّبِي ﷺ أَن التَّعَبُّد بذلك مَقْصُور على من شافهه دون من لم يشافهه وَلم بَين ذَلِك فِي هَذِه الْأَخْبَار مَعَ كثرتها وَمَعَ إشاعته لهَذَا الْبَيَان لما جَازَ أَن ينكتم ذَلِك وَلَا ينْقل فَثَبت أَن التَّعَبُّد بذلك يتَوَجَّه إِلَى من شافهه النَّبِي ﷺ وَمن لم يشافهه مِمَّن يَأْتِي بعده وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون النَّبِي ﷺ قد شافه بهَا من يكون نَقله متواترا وَإِمَّا أَن يكون شافه بذلك الْآحَاد وَالْأول يَقْتَضِي أَن ينْقل عَنهُ متواترا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يشيع النَّبِي ﷺ حكما عَاما فَلَا ينْقل متواترا فَثَبت أَن النَّبِي ﷺ شافه بِهَذِهِ الْأَخْبَار الْآحَاد فَلَو كَانَ الْعَمَل بهَا لَا يلْزمنَا إِلَّا بِنَقْل متواتر لَكَانَ النَّبِي ﷺ قد تعبدنا بِمَا لم يَجْعَل لنا طَرِيقا إِلَى أَن تعبدنا بِهِ فان قيل لَيْسَ يجب إِذا أشاع النَّبِي ﷺ الْخَبَر بِحَضْرَة من يكون نَقله
стр. 856
متواترا أَن ينقلوه متواترا لِأَن الْإِنْسَان قد يتَكَلَّم بأنواع كَثِيرَة من الْكَلَام بِحَضْرَة الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فَلَا تنقل جَمَاعَتهمْ عَنهُ كل مَا تكلم بِهِ بل قد يروي الْوَاحِد عَنهُ شَيْئا وَالْآخر عَنهُ شَيْئا آخر فَلم زعمتم أَنه يجب مَا ذكرْتُمْ قيل لَو لم ينقلوه متواترا مَعَ وجوب ذَلِك عَلَيْهِم لكانوا قد أَجمعُوا على ترك النكير مَعَ وجوب النكير عَلَيْهِم لِأَن النَّاقِل لم يُنكر على من لم ينْقل وَمن لم ينْقل فمعلوم أَنه لم يُنكر ترك النَّقْل وَلقَائِل أَن يَقُول جوزوا أَن يكون النَّبِي ﷺ قد شافه بالحكم من يحجّ نَقله وهم بعض الامة وَلَيْسَ خطأهم هُوَ خطأ جَمِيع الْأمة جَوَاب آخر عَن السُّؤَال وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ لَو كَانَ شافه بِهَذِهِ الْأَخْبَار من يتواتر الْخَبَر بنقله وَكَانَ من دينه الْعَمَل بالمتواتر من الْأَخْبَار دون الْآحَاد لَكَانَ قد أوجب عَلَيْهِم التَّوَاتُر وأعلمهم بذلك وَلَا يجوز فِي الْعَادة أَن يتدين الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة بِوُجُوب نقل كَلَام رجل ويكونوا على غَايَة الْحِرْص على نقل كَلَامه وأحواله وَيُوجب عَلَيْهِم ذَلِك وَلَا ينْقل الْجَمَاعَة كَلَامه الَّذِي شاع فيهم واعتقدوا وجوب نَقله عَلَيْهِم لِأَن مَا هم عَلَيْهِ من شدَّة الْحِرْص على نقل كَلَامه يمْنَع من ذَلِك وَيُفَارق ذَلِك سَماع الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة أَنْوَاع الْكَلَام من الْوَاحِد منا لِأَنَّهَا غير حريصة على نقل كَلَام الْوَاحِد منا فان كَانَ لَهَا فِي ذَلِك غَرَض وَاشْتَدَّ حرصها عَلَيْهِ وَجب أَن تنقله فَأَما كَلَام النَّبِي ﷺ وأحواله فقد علمنَا من حَال الصَّدْر الأول شدَّة الْحِرْص على نَقله حَتَّى نقلوا مِنْهُ مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم
فان قيل أَلَيْسَ قد رُوِيَ عَنهُ بالآحاد أَخْبَار كَثِيرَة فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل والوعيد والشفاعة وَغير ذَلِك مِمَّا يتَضَمَّن علما لَا عملا وَلَا يجوز أَن يكون ﷺ مَا قَالَ شَيْئا من ذَلِك لكثرته فَيجب أَن يكون قد قَالَه أَو بعضه فان كَانَ قد قَالَه عَن الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة وَلم تنقله متواترا فقد انْتقض قَوْلكُم إِن مَا يشيعه النَّبِي ﷺ يجب أَن ينْقل عَنهُ متواترا وَإِن لم يشعه كَانَ قد اقْتصر على الْوَاحِد فِيمَا لَا يكون خبر الْوَاحِد حجَّة فِيهِ قيل إِن مَا رُوِيَ عَنهُ من ذَلِك لَا يداني مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَأَيْضًا فَمَا
стр. 857
رُوِيَ عَنهُ من ذَلِك إِن كَانَ مُوَافقا لدَلِيل الْعقل فَلَيْسَ يمْتَنع أَن يشافه النَّبِي ﷺ بِهِ بعض النَّاس وَلَا يَجْعَل نقل ذَلِك الْبَعْض حجَّة على من يَنْقُلهُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِمَا كلفنا لِأَن الْعقل طريقنا إِلَى الْعلم بِمَا تضمنه الْخَبَر وَإِن كَانَ ظَاهر الْخَبَر بِخِلَاف مُقْتَضى الْعقل فمراد النَّبِي ﷺ بِهِ خلاف ظَاهره فاذا شافه بِهِ الْوَاحِد فقد تعبده أَن يناوله ويحمله على الْمجَاز حَتَّى يُوَافق دَلِيل الْعقل وَلَيْسَ يجب أَن يتعبد غَيره بذلك الْخَبَر إِلَّا أَن يرْوى لَهُ فَيلْزمهُ أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ إِن كَانَ قَالَه فمراده الْمجَاز الْمُوَافق لدَلِيل الْعقل وَأَنه لم يرد ظَاهره وَهَذَا لَيْسَ بموقوف على أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَه فَيلْزم أَن يَجْعَل لَهُ طَرِيق إِلَى الْعلم بَان النَّبِي ﷺ قَالَه تمت الزِّيَادَات بِحَمْد الله واهب العطيات
стр. 858
= كتاب الْقيَاس الشَّرْعِيّ لأبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَليّ بن الطّيب الْبَصْرِيّ ﵀ وَقد صنفه قبل كتاب الْمُعْتَمد كَمَا يظْهر من الإشارات العديدة إِلَيْهِ فِي كتاب الْمُعْتَمد من المخطوطة الوحيدة فِي لاله لي باستانبول=
стр. 859
بِسم الله البرحمن الرَّحِيم = كتاب الْقيَاس الشَّرْعِيّ =
اعْلَم أَن الْغَرَض بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة أَن نورد الْوُجُوه الَّتِي يتَكَلَّم بهَا فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ على قسْمَة ملخصة وَنَذْكُر مَا يَدُور بَين الْفُقَهَاء فِي مناظرة الْفِقْه دون مَا يخْتَص أصُول الْفِقْه نَحْو الدّلَالَة على الْمَنْع من تَخْصِيص الْعلَّة وَمَا أشبه ذَلِك وَنحن أَولا نجد الْقيَاس لنستخرج من حَده الْقِسْمَة الَّتِي يَتَرَتَّب الْكَلَام فِي الْقيَاس عَلَيْهَا
فصل فِي حد الْقيَاس
الْقيَاس هُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاجتماعهما فِي عِلّة الحكم وَهَذَا الْحَد لَا يَشْمَل أَنْوَاع الْقيَاس كلهَا وَإِنَّمَا يَشْمَل قِيَاس الطَّرْد فَقَط وَالْفُقَهَاء يسمون قِيَاس الْعَكْس قِيَاسا وَلَيْسَ هُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاجتماعهما فِي عِلّة الحكم وَإِنَّمَا هُوَ إِثْبَات يَقْتَضِي حكم الشَّيْء فِي غَيره فَيَنْبَغِي إِذا أردنَا أَن نحد الْقيَاس بِحَدّ يَشْمَل قِيَاس الْعَكْس وَقِيَاس الطَّرْد أَن نقُول الْقيَاس هُوَ إِثْبَات الحكم فِي الشَّيْء بِالرَّدِّ إِلَى غَيره لأجل عِلّة وَذَلِكَ أَن قِيَاس الْعَكْس هُوَ رد الْفَرْع إِلَى أصل لكنه رد إِلَيْهِ ليثبت فِي الْفَرْع نقيض حكمه وَلَا بُد من اعْتِبَار عِلّة فِي الأَصْل أَيْضا وَاعْتِبَار نقيضها فِي الْفَرْع مِثَال ذَلِك أَن نستدل على أَن الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف بِأَن نقُول لَو لم يكن من شَرطه لم يلْزم أَن يعتكلف بِالصَّوْمِ إِذا نذر أَن يعْتَكف بِالصَّوْمِ كَمَا أَن الصَّلَاة لما لم تكن من شَرط الِاعْتِكَاف لم تكن من شَرطه وَإِن نذر أَن يعْتَكف بِالصَّلَاةِ فَالْأَصْل هَهُنَا هُوَ الصَّلَاة وَحكمه أَنه لَيْسَ من شَرط الِاعْتِكَاف وَنحن نُرِيد أَن نثبت نقيض هَذَا الحكم فِي الصَّوْم وَالْعلَّة فِي الصَّلَاة هِيَ أَنه لَا يلْزمه بِالنذرِ
стр. 860
ونقيضها ثَابت فِي الصَّوْم
فاذا قد حددنا الْقيَاس فَيَنْبَغِي أَن نقسمهُ فَنَقُول الْقيَاس الشَّرْعِيّ ضَرْبَان قِيَاس طرد وَقِيَاس عكس أما قِيَاس الْعَكْس فَهُوَ إِثْبَات نقيض حكم الأَصْل فِي الْفَرْع بِاعْتِبَار عِلّة وَإِن شِئْت قلت لتباينهما فِي الْعلَّة وَأما قِيَاس الطَّرْد فَهُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاجتماعهما فِي عِلّة الحكم فقد ظهر من هَذَا الْحَد أَن قِيَاس الطَّرْد لَا يَخْلُو من أصل وَفرع وَعلة وَحكم فَالْحكم هُوَ المنقسم إِلَى الْوُجُوب وَالنَّدْب والمباح وَكَون الْفِعْل مَكْرُوها ومحظورا وَالْأَصْل مَا سبق الْعلم بِحكمِهِ وَإِن شِئْت قلت هُوَ الَّذِي يتَعَدَّى حكمه إِلَى غَيره وَالْفرع هُوَ الَّذِي يتَأَخَّر الْعلم بِحكمِهِ وَإِن شِئْت قلت هُوَ الَّذِي يتَعَدَّى إِلَيْهِ حكم غَيره والمتكلمون يذهبون فِي الأَصْل إِلَى أَنه دَلِيل الحكم نَحْو الْخَبَر الدَّال على إِثْبَات الرِّبَا فِي الْبر ويذهبون فِي الْفَرْع إِلَى أَنه الحكم الْمُسْتَفَاد بِالْقِيَاسِ نَحْو تَحْرِيم الارز وَعرف الْفُقَهَاء جَازَ على خلاف ذَلِك وَالْعلَّة هِيَ الَّتِي لأَجلهَا يثبت الحكم
وَلما كَانَ قِيَاس الطَّرْد لَا يشْتَمل إِلَّا على هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة الأَصْل وَالْفرع وَالْحكم وَالْعلَّة وَجب أَن يكون الْكَلَام فِي الْقيَاس لَا يتعداها وَأَن يكون إِمَّا كلَاما مُتَعَلقا بِالْأَصْلِ أَو الْفَرْع أَو بالحكم أَو بِالْعِلَّةِ ولتعلق الْفَرْع وَالْأَصْل وَالْحكم وَالْعلَّة بَعْضهَا بِبَعْض مَا يتَعَلَّق الْكَلَام فِي بَعْضهَا بالْكلَام فِي بعض وَإِذا أمعنا النّظر فِي ذَلِك علمنَا أَن الْكَلَام فِي الْقيَاس إِمَّا أَن يكون كلَاما فِي الْعلَّة أَو فِي الحكم وَالْكَلَام فِي الحكم إِمَّا أَن يكون كلَاما فِيهِ نَفسه أَو يكون كلَاما فِيهِ بِحَسب تعلقه بِالْأَصْلِ أَو بِحَسب تعلقه بالفرع أَو بِحَسب تعلقه بالفرع وَالْأَصْل جَمِيعًا وَالْكَلَام فِي الْعلَّة إِمَّا أَن يكون كلَاما فِي وجودهَا وَإِمَّا أَن يكون كلَاما فِي غير وجودهَا وَالْعلَّة يجب أَن تكون مَوْجُودَة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع فَيجب أَن تنظر فِي كلا الْأَمريْنِ أَعنِي أَنَّك تنظر فِي وجودهَا فِي الأَصْل وَفِي وجودهَا فِي الْفَرْع وَأما نظرك فِي الْعلَّة لَا من قبل
стр. 861
وجودهَا فضربان أَحدهمَا أَن تنظر فِي تصحيحها وَالثَّانِي أَن تنظر فِي إفسادها وَنحن نفصل ذَلِك فصولا إِن شَاءَ الله
فصل فِي الْكَلَام فِي الحكم
أعلم أَن الحكم لما وَجب أَن يكون مَوْجُودا فِي أصل الْقيَاس وفرعه جَازَ أَن يكون نظرك فِيهِ لَهُ تعلق بِالْأَصْلِ وَحده أَو بالفرع وَحده أَو بِالْأَصْلِ وَالْفرع مَعًا وَجَاز أَن يكون نظرك فِي الحكم يختصه وَلَا يتَعَلَّق بِالْأَصْلِ وَلَا بالفرع فَأول مَا يرد عَلَيْك الْقيَاس فَيَنْبَغِي أَن تعمد إِلَى أَصله فتنظر هَل الحكم مَوْجُود فِيهِ أم لَا فانه ريما قَاس على أصل اجْتمعت الْأمة على أَن حكم الْقيَاس مُنْتَفٍ عَنهُ وَرُبمَا كنت أَنْت تخَالفه فِي وجود الحكم فِي الأَصْل فتمنع القائس من الْقيَاس إِن كنت سَائِلًا أَو تنقل الْكَلَام إِلَى الأَصْل إِن كنت مسئولا وَإِذا وجدت الحكم فِي الأَصْل فَانْظُر هَل هُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع الأَصْل أم لَيْسَ بموجود فِي جَمِيعه فانه إِن كَانَ مَوْجُودا فِي بعضه وَكَانَ القائس قد ظهر فِي كَلَامه أَنه قصد أَن يرد الْفَرْع إِلَى جَمِيع الأَصْل أعلمته أَنه لم يَأْتِ بِمَا قصد إِلَى إِيرَاده وَكَانَ لَك أَن تَأْخُذهُ بذلك وَأَيْضًا فَانْظُر هَل الحكم ثَابت فِي الأَصْل بِقِيَاس على أصل آخر أم لَا فانه رُبمَا رد القائس فرعا إِلَى أصل بعلة من الْعِلَل وَيكون الحكم إِنَّمَا يثبت فِي ذَلِك الأَصْل بعلة أُخْرَى مِثَال ذَلِك أَن يرد من طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ يتَشَهَّد فِي صَلَاة الصُّبْح إِلَى من خرج وَقت الْمسْح على خفيه وَهُوَ جَالس فِي التَّشَهُّد الَّذِي بعلة أَنه خَارج من الصَّلَاة بِغَيْر فعله فَيجب أَن تبطل صلَاته وَيرد هَذَا الأَصْل إِلَى الْمُسَافِر إِذا نوى الْإِقَامَة وَهُوَ جَالس للتَّشَهُّد بعلة أَنه معني لَو طرى فِي أول الصَّلَاة لغير الْفَرْض فَوَجَبَ إِذا طرى فِي آخرهَا أَن يكون كطرئه فِي أَولهَا وَمَعْلُوم أَن عِلّة الْفَرْع الثَّانِي وَهِي الْخُرُوج من الصَّلَاة بِغَيْر فعله وَلَا يُوجد فِي الأَصْل الأول
وَاخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنع مِنْهُ قوم قَالُوا لِأَن الْفَرْع إِنَّمَا يرد إِلَى الأَصْل إِذا شَاركهُ فِي عِلّة حكمه قَالُوا وَعلة هَذَا الأَصْل هِيَ عِلّة أُخْرَى لَا
стр. 862
يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي وَقد أجَاز ذَلِك قوم وَقَالُوا الْعلَّة الَّتِي يثبت الحكم بهَا فِي الأَصْل هِيَ كالنص فِي أَنَّهَا طَرِيق الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يعلم بِالدَّلِيلِ أَن يكون لعِلَّة أُخْرَى تَأْثِير فِي ذَلِك الحكم فَترد بهَا بعض الْفُرُوع إِلَيْهِ فَهَذَا هُوَ نظرك فِي الحكم بِحَسب تعلقه بِالْأَصْلِ
وَأما إِذا نظرت فِيهِ بِحَسب تعلقه بالفرع فَقَط فَهُوَ أَن تنظر هَل الحكم يُمكن وجوده فِي الْفَرْع أم لَا فانه رُبمَا منع نَص أَو إِجْمَاع من وجوده فِي الْفَرْع فان لم يمْنَع نَص أَو إِجْمَاع من ذَلِك فَانْظُر هَل يُمكن أَن تثبت الحكم فِي الْفَرْع بِقِيَاس أم لَا فانه رُبمَا كَانَ الحكم كَفَّارَة أَو حدا أَو تَقْديرا أَو حكما مَخْصُوصًا من جملَة الْقيَاس وَهَذَا لَا يجوز إثْبَاته بِالْقِيَاسِ عِنْد بعض الْفُقَهَاء فان كنت مِمَّن يَأْبَى ذللك وَكنت سَائِلًا أمكنك إيقاف وَإِن كَانَ الحكم يُمكن وجوده فِي الْفَرْع بِقِيَاس فَانْظُر هَل هُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع الْفَرْع أَو فِي بعضه فان كَانَ مَوْجُودا فِي بعضه وَكَانَ القائس قد شَرط على نَفسه أَن يرد الْفَرْع كُله إِلَى الأَصْل ثمَّ لم يفعل كَانَ لَك أَن تَأْخُذهُ بِمَا شَرط على نَفسه وَمَا قَصده بِالْقِيَاسِ فَهَذَا هُوَ نظرك فِي الحكم بِحَسب تعلقه بالفرع
وَأما نظرك فِي الحكم بِحَسب تعلقه بِالْأَصْلِ وَالْفرع جَمِيعًا فَهُوَ أَن تنظر هَل يُمكن أَن يُسْتَفَاد حكم ذَلِك الْفَرْع من ذَلِك الأَصْل أم لَا فانه قد يكون مَوْضُوع الأَصْل على التَّغْلِيظ وموضوع الْفَرْع على التَّخْفِيف وَيكون الحكم تَخْفِيفًا وَهَذَا هُوَ اخْتِلَاف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع فلك أَن تمنع من هَذَا الْقيَاس وَتقول إِن اخْتِلَاف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع كالأمارة على أَن حكم أَحدهمَا مباين لحكم الآخر وللقائس أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون الأَصْل وَالْفرع متباينين فِي بعض الْأَحْكَام ومتفقين فِي بعض آخر فاذا دللت على صِحَة الْعلَّة وَجب أَن يشركا فِي الحكم الَّذِي تَقْتَضِيه تِلْكَ الْعلَّة
وَأما نظرك فِي الحكم من غير أَن يكون لَهُ تعلق بِالْأَصْلِ وَالْفرع فَهُوَ أَن تنظر هَل يمكنك أَن تَقول بالحكم الَّذِي علقه القائس على الْعلَّة فانه رُبمَا علق
стр. 863
القائس على علته حكما مُجملا يمكنك أَن تَقول بِهِ وَهَذَا هُوَ القَوْل بِمُوجب الْعلَّة وَإِذا أمكنك ذَلِك بَان أَن القائس لم يدل على مَوضِع الْخلاف مِثَال ذَلِك أَن يُعلل مُعَلل كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف بِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه معنى يقارنه قِيَاسا على الْوُقُوف بِعَرَفَة فان لَك أَن تلتزم هَذَا الحكم وَهُوَ إشراط معنى إِذا كَانَ القائس لم يفصل الْمَعْنى فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي حكم الْعلَّة لَا بِحَسب تعلقه بِغَيْرِهِ وَلَك أَن تَقول إِن القَوْل بِمُوجب الْعلَّة هُوَ الْكَلَام فِي الحكم بِحَسب تعلقه بالفرع
فصل فِي الْكَلَام فِي الْعلَّة
اعْلَم أَنا قد قُلْنَا إِن الْكَلَام فِي الْعلَّة إِمَّا أَن يكون كلَاما فِي وجودهَا أَو فِي غير وجودهَا وَإِن الْكَلَام فِي غير وجودهَا يَنْقَسِم إِلَى الْكَلَام فِي تصحيحها وَإِلَى الْكَلَام فِي إفسادها فاذا نظرت فِي وجودهَا فَانْظُر هَل هِيَ مَوْجُودَة فِي جَمِيع الأَصْل أَو فِي بعضه فانه قد يجوز أَن تكون الْعلَّة مَوْجُودَة فِي بعض الأَصْل وَيكون الْمُعَلل قد رام أَن يرد الْفَرْع إِلَى جَمِيع الأَصْل فاذا لم تكن الْعلَّة شائعة فِي جَمِيع الأَصْل بَطل مَا رامه فان رد الْفَرْع إِلَى الْمَوْضُوع الَّذِي وجدت فِيهِ الْعلَّة من الأَصْل نظرت فان جَازَ أَن يكون بعض الأَصْل مُعَللا دون بعض أجزت للقائس مَا فعله وَإِن لم تجز أَن يكون بعض الأَصْل مُعَللا دون بعض وَلم تجز مَعَ ذَلِك أَن يكون عِلّة جَمِيع الأَصْل إِلَّا عِلّة وَاحِدَة بَطل قِيَاسه وَمِثَال ذَلِك منع أَصْحَاب الشَّافِعِي من قِيَاس الجص على الْبر بعلة أَنه مَكِيل بقَوْلهمْ إِن عِلّة تَحْرِيم الْبر هِيَ عِلّة وَاحِدَة شائعة فِي جَمِيع الْبر والكيل لَيْسَ بشائع فِي جَمِيع الْبر لِأَن الْحبَّة والحبتين لَا يَتَأَتَّى فيهمَا الْكَيْل وأصحابنا يجيبون عَن ذَلِك بِأَن الْمحرم من الْبر لَيْسَ لَهُ عِلّة وَاحِدَة وَهِي الْكَيْل لِأَن الْمحرم لَيْسَ هُوَ إِلَّا مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل من الْبر لِأَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْبر بِالْبرِّ إِلَّا كَيْلا بكيل فَأجَاز بِالْكَيْلِ مَا منع مِنْهُ بِغَيْر كيل وَالَّذِي يجوز بَيْعه إِذا تساوى فِي الْكَيْل هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل فَيجب أَن يكون مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل هُوَ مَا
стр. 864
يحرم بَيْعه إِذا تفاضل فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل
فَأَما نظرك فِي وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع فَهُوَ أَن تنظر هَل الْعلَّة مَوْجُودَة فِي الْفَرْع عنْدك وَإِن كَانَت مَوْجُودَة فِيهِ فَهَل هِيَ مَوْجُودَة فِي جَمِيعه أَو فِي بعضه فانه رُبمَا وصف القائس الْفَرْع بِصفة لَا يجوز عِنْد خَصمه أَن يكون مَوْصُوفا بهَا وَقد يجمع الْمُسلمُونَ فِي ذَلِك الْفَرْع على أَنه لَا يجوز أَن يثبت حكمه إِلَّا بعلة وَاحِدَة فَيكون ذَلِك مُبْطلًا لتعليل من علله بعلة وَاحِدَة لَا تُوجد فِي جَمِيعه
فصل فِيمَا يدل على صِحَة الْعلَّة
يدل على صِحَّتهَا النَّص والاستنباط أما النَّص فإمَّا أَن يدل على صِحَّتهَا بصريحه وَإِمَّا أَن يدل على صِحَّتهَا بِضَرْب من التَّنْبِيه أما صَرِيح النَّص فَهُوَ أَن يَقُول الله أَو نبيه أَو الْأمة أَو القائسون من الْأمة إِن هَذَا محرم لعِلَّة كَذَا أَو لأجل كَذَا أَو لِأَنَّهُ كَذَا أَو لكيلا يكون كَذَا وَأما تَنْبِيه النَّص فنحو أَن يفرق النَّبِي ﷺ بَين شَيْئَيْنِ وَيذكر عِلّة أَحدهمَا فنعلم أَن عكس تِلْكَ الْعلَّة قَائِم فِي الشَّيْء الآخر وَأَنه عِلّة فِي نقيض حكم الشَّيْء الأول مِثَاله امْتنَاع النَّبِي ﷺ من الدُّخُول على قوم عِنْدهم كلب ودخوله على قوم عِنْدهم هر وَقَوله إِنَّهَا لَيست بِنَجس فَدلَّ ذَلِك على نَجَاسَة الْكَلْب وَأَنه هُوَ الْعلَّة فِي امْتنَاع دُخُوله على أربابه وَدلّ قَوْله فِي الهر إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات على أَن ذَلِك هُوَ عِلّة طَهَارَة الهر وَأَن كَون الْكَلْب لَيْسَ من الطوافين علينا مِمَّا يجوز أَن يُؤثر فِي نَجَاسَته وَمَا يجْرِي مجْرى التَّنْبِيه الْجَواب بالفا نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فان ذَلِك يدل على أَن سَبَب الْقطع وعلته هُوَ السّرقَة
فَأَما مَا يدل على صِحَة الْعلَّة من جِهَة الاستنباط فانه يكون من وُجُوه
стр. 865
مِنْهَا أَن يجمع القائسون على أَن الأَصْل مُعَلل بعلل محصورة لَا يجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا وتفسد جَمِيعهَا إِلَّا وَاحِدَة مِنْهَا فنعلم أَنَّهَا هِيَ الْعلَّة لِأَنَّهَا لَو لم تكن هِيَ الْعلَّة انْتقض القَوْل بِأَن الْعلَّة لَا تخرج عَن تِلْكَ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة
وَمِنْهَا أَن يكون الحكم يُوجد بوجودها فِي الأَصْل ويرتفع بارتفاعها إِلَّا أَن يخلفها على أُخْرَى وَقد شَرط فِي ذَلِك أَن لَا يكون هُنَاكَ وصف آخر لَهُ تَأْثِير فِي الأَصْل هُوَ مِنْهَا بِأَن يكون عِلّة وَالَّذِي يبين أَن هَذَا الْوَجْه يدل على صِحَة الْعلَّة أَن الحكم إِذا وجد بِوُجُود الْعلَّة فِي الأَصْل وارتفع بارتفاعها غلب على الظَّن أَنَّهَا مُؤثرَة فِيهَا وَلم يجز أَن يكون تجويزها تأثيرها فِيهِ وتجويز كَونهَا غير مُؤثرَة فِيهِ على سَوَاء لَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر لِأَن وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها يَقْتَضِي لَا محَالة أَن يكون الحكم بِتِلْكَ الْعلَّة أخص
وَمِنْهَا أَن يكون الْعلَّة لَهَا تاثير فِي قبيل ذَلِك الحكم وجنسه فيغلب على الظَّن أَن كَونهَا عِلّة فِيهِ أولى من غَيرهَا مِثَال ذَلِك كَون الْبلُوغ عِلّة فِي رفع الْحجر فِي النِّكَاح لِأَن للبلوغ تَأْثِيرا فِي رفع جنس الْحجر وقبيله فَكَانَ أولى من الثيوبة فِي رفع حجر النِّكَاح يبين مَا ذكرنَا أَن الْحجر إِنَّمَا يثبت لغَرَض قد علمناه وَهُوَ نُقْصَان الْعقل المخل بِمَعْرِِفَة مصَالح الْإِنْسَان فِي تصرفه الْمُقْتَضِي لقلَّة الْخِبْرَة بالامور فاذا كَانَ هَذَا هُوَ الْمُثبت للحجر وَكَانَ هَذَا الْمَعْنى منفيا بِالْبُلُوغِ ظهر أَن الْبلُوغ يجب أَن يكون عِلّة زَوَال ذَلِك إِلَّا أَن يثبت أَن النِّكَاح يخْتَص بِمَعْنى آخر يحصل بِهِ الْخِبْرَة نَحْو الثيوبة الَّتِي يذكرهَا الشَّافِعِي فَينْظر فِي ذَلِك فَكل حكم يثبت لغَرَض من الْأَغْرَاض فَإنَّا نعلم أَن زَوَال ذَلِك الْغَرَض إِلَى خِلَافه يَقْتَضِي زَوَال ذَلِك الحكم إِلَّا أَن يخلف ذَلِك الْغَرَض غَرَض آخر سِيمَا إِن شهِدت الاصول بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ من زَوَال الْحجر عَن المَال بِالْبُلُوغِ
وَقد اسْتدلَّ قوم على صِحَة الْعلَّة بِوُجُوه أخر
مِنْهَا قَوْلهم إِنَّهَا قد سلمت من وُجُوه الْفساد وَيُقَال على ذَلِك إِن عددتم
стр. 866
فِي وُجُوه الْفساد الَّتِي قد سلمت الْعلَّة مِنْهَا عدم الدّلَالَة على صِحَّتهَا فأقيموا الدّلَالَة على صِحَّتهَا لنسلم قَوْلكُم إِنَّهَا قد سلمت من عدم الدّلَالَة على صِحَّتهَا وَإِن لم تعدوا عدم الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة من وُجُوه الْفساد وقلتم إِن الْعلَّة إِذا سلمت من النَّقْض وَالْقلب وَالْعَكْس وَمَا جرى مجْراهَا فَهِيَ صَحِيحَة لم نسلم لكم أَن مَا سلم من هَذِه الْوُجُوه فَهِيَ عِلّة صَحِيحَة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن عجز الْخصم عَن إفسادها يدل على صِحَّتهَا وَهَذَا لَا يدل لِأَن الْخصم قد يعجز عَن إِفْسَاد الْفَاسِد لِأَن أَكثر مَا فِي عجز الْخصم عَن إفسادها كَونهَا سليمَة من وُجُوه الْفساد وَهَذَا هُوَ الرُّجُوع إِلَى الْوَجْه الأول وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فان قيل أَلَيْسَ عجز الْعَرَب عَن مُعَارضَة الْقُرْآن دَلِيلا على إعجازه فَهَلا عجز الْخصم عَن إِفْسَاد الْعلَّة ومعارضتها على صِحَّتهَا الْجَواب إِن الْقُرْآن إِنَّمَا كَانَ معجزا لنقضه لعادة الفصحاء ومباينته لما تقدرون علته فاذا عجزوا عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَبِمَا يقارنه علم أَنه مباين لما تقدرون علته فَثَبت أَنه نَاقض للْعَادَة وَأما الْعلَّة فَلَيْسَ وَجه صِحَّتهَا كَونهَا ناقضة للْعَادَة حَتَّى يدل عجز الْخصم عَن الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا على إعجازها وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ عجز النَّاس عَن معارضتها يدل على نقضهَا للْعَادَة وَلَيْسَ هَذَا من الْكَلَام فِي صِحَة الْعلَّة بسبيل
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها دَلِيل على صِحَّتهَا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها مَعْنَاهُ هُوَ أَن الْمُعَلل علق بهَا الحكم فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ وَهَذَا هُوَ فعله وَلَيْسَ يدل فعله على صِحَّتهَا وَلِأَنَّهُ قد كَانَ يَنْبَغِي أَن يدل الْمُعَلل على صِحَّتهَا فِي الأَصْل أَولا حتي يحسن مِنْهُ أَن يعلق الحكم بهَا فِي الْفُرُوع فقد علم أَن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها فرع على إِقَامَة الدّلَالَة على صِحَّتهَا فَلَا يجوز أَن يَجْعَل دَلِيلا على صِحَّتهَا يبين ذَلِك أَن محصول هَذَا الدَّلِيل هُوَ انا لما منعنَا الْمُعَلل من تَعْلِيق الحكم بِالْعِلَّةِ وذممناه على ذَلِك اعتذر من ذَلِك بِأَن قَالَ إِنِّي اعلق الحكم بهَا فِي مَوَاضِع أخر وَنحن إِذا منعناه من الأول وَخَالَفنَا فِيهِ فَأولى أَن نخالفه ونمنعه مِمَّا جعله عذرا لنَفسِهِ
стр. 867
فصل فِيمَا يخْتَص الْعلَّة من الْوُجُوه الْمفْسدَة لَهَا
اعْلَم أَن الْعلَّة قد يدل على فَسَادهَا قَول الْأمة وَقد يدل على فَسَادهَا الاستنباط مِثَال الأول أَن يقيس الْإِنْسَان قَلِيل الْبر فِي ثُبُوت الرِّبَا فِيهِ على قَلِيل الذَّهَب وَالْفِضَّة بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت الرِّبَا فِي كَثِيره وَذَلِكَ أَن القائسين أَجمعُوا على أَن الْمحرم من الْبر محرم لعِلَّة وَاحِدَة وَهِي إِمَّا كيل أَو غَيره وَلم يقل أحد إِن الْمحرم من الْبر لَهُ عِلَّتَانِ وَلَا قَالَ إِن الْبر فرع على غَيره فتعليل قَلِيل الْبر بِأَنَّهُ يثبت الرِّبَا فِي كَثِيره مجمع على فَسَاده
وَأما مَا يدل على فَسَادهَا من جِهَة الاستنباط فوجوه مِنْهَا أَن يكون تعليلا بِالِاسْمِ وَمِنْهَا اخْتِلَاف موضوعها مَعَ الحكم وَمِنْهَا عدم التَّأْثِير وَمِنْهَا الْقلب وَمِنْهَا النَّقْض وَمِنْهَا الْكسر وَمِنْهَا أَن تعَارض الْعلَّة بعلة فِي الأَصْل أَو تعَارض جملَة الْقيَاس بِقِيَاس أما التَّعْلِيل بِالِاسْمِ فضربان احدهما أَن يُعلل مُعَلل تَحْرِيم الْخمر لِأَن الْعَرَب تَسْمِيَة خمرًا وَهَذَا تَعْلِيل فَاسد لِأَنَّهُ يبعد أَن يكون لتسمية الْعَرَب إِيَّاه بذلك تَأْثِير فِي تَحْرِيمه وَالْآخر أَن يُعلل تَحْرِيمه بِجِنْسِهِ نَحْو أَن يُعلل تَحْرِيمه بِكَوْنِهِ خمرًا وَهَذَا غير فَاسد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون لكَونه خمرًا تَأْثِير فِي التَّحْرِيم وكما يجوز التَّعْلِيل بذلك كَذَلِك يجوز التَّعْلِيل بِصفة من الصِّفَات أَو بِحكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَيجْعَل الحكم الشَّرْعِيّ عِلّة فِي ثُبُوت حكم آخر شَرْعِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الاحكام أَمارَة فِي ثُبُوت بعض آخر بِأَن يكون بَينهم تعلق يَقْتَضِي ذَلِك وَأما اخْتِلَاف الْوَضع فنحو أَن يُعلل الْإِنْسَان حكما من الْأَحْكَام بِحكم آخر شَرْعِي وَيكون أحد الْحكمَيْنِ مُبينًا على التَّخْفِيف وَالْآخر مَبْنِيا على التَّغْلِيظ فَيجوز أَن يَجْعَل ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي أَن لَا يعْتَبر أَحدهمَا بالاخر وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون أَحدهمَا مُعْتَبرا بِالْآخرِ إِذا دلّ الدَّلِيل على ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا يمْتَنع أَن يُقَاس الْفَرْع على الأَصْل
стр. 868
وَإِن أَحدهمَا مَبْنِيا على التَّخْفِيف وَالْآخر على التَّغْلِيظ إِذا كَانَ الْجَامِع بَينهمَا عِلّة مدلولا على صِحَّتهَا فان قيل إِنَّه لَا يجوز أَن تدل الدّلَالَة على صِحَة عِلّة مثل هَذِه الْعِلَل انْتقل الْكَلَام مَعَ الْخصم إِلَى إِقَامَة الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة فاما عدم التَّأْثِير فَهُوَ أَن يذكر الْمُعَلل فِي جملَة أَوْصَاف الْعلَّة وَصفا لَو عدم من الأَصْل لم يعْدم الحكم عَنهُ فنعلم بذلك أَنه لَا يجوز أَن تكون الْعلَّة مَجْمُوع تِلْكَ الْأَوْصَاف بل يَنْبَغِي أَن نرفض مِنْهَا ذَلِك الْوَصْف لِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يَجْعَل فِي جملَة الْعلَّة مَا يضر فَقده فِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل وَجب إِثْبَات مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْأَوْصَاف الَّتِي لَا يضر فقدها فِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل فان كُنَّا مَتى رفضنا ذَلِك الْوَصْف عَن تِلْكَ الْعلَّة الَّتِي انتقضت بفرع من الْفُرُوع وَجب أَن يدل انتقاضها على فَسَادهَا وَلَا يجوز ضم الْوَصْف إِلَيْهَا لتسلم الْعلَّة من النَّقْض لِأَن الْعلَّة يجب أَن نعلم أَولا أَن حكم الأَصْل يعلق بهَا ثمَّ يجْرِي فِي الْفُرُوع فاذا لم يُؤثر وصف مِنْهَا فِي حكمه لم يجز أَن يكون من جملَة علته وَإِذا وَجب إِسْقَاطه من الْعلَّة وَكَانَ مَا عداهُ من الْأَوْصَاف منتقضا علم فَسَاد الْعلَّة وَأما قلب الْقيَاس فَهُوَ أَن يعلق بِالْعِلَّةِ نقيض الحكم الْمَذْكُور فِي الْقيَاس وَيرد الْفَرْع بِتِلْكَ الْعلَّة إِلَى الأَصْل الَّذِي يرد إِلَيْهِ فرع الْقيَاس مِثَاله أَن يُعلل مُعَلل كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فَيَقُول لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه اقتران معنى آخر إِلَيْهِ أَصله الْوُقُوف بِعَرَفَة وللخصم أَن يقلب الْقيَاس فَيَقُول لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَوَجَبَ أَن يكون لَا من شَرطه الصَّوْم قِيَاسا على الْوُقُوف بِعَرَفَة فاذا كَانَت الْعلَّة تتَعَلَّق بهَا الحكم ونقيضه لم يكن بِأَن يكون عِلّة فِي أحد الْحكمَيْنِ أولى من ان يكون عِلّة فِي الآخر وَالْقلب يكون على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون أحد الْحكمَيْنِ اللَّذين علقا بِالْعِلَّةِ مُجملا والاخر مفصلا مِثَاله مَا ذكرنَا من الْقيَاس فِي الِاعْتِكَاف وَذَلِكَ أَن من قَالَ فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه معنى آخر قد أجمل الحكم وَمن قَالَ فَوَجَبَ أَن لَا يكون الصَّوْم من شَرطه قد فصل وَالصَّحِيح أَن تكون مثل هَذِه الْعلَّة يدل على الحكم الْمفصل وَلَا يبطل إِذا أمكن أَن يعلق بهَا الحكم
стр. 869
الْمُجْمل لِأَن الْمُجْمل لَيْسَ يُنَافِي الْمفصل وَذَلِكَ لِأَن النِّيَّة هِيَ معنى مَا وَلَا يمْتَنع أَن لَا يكون الصّيام شرطا فِي الْعِبَادَة وَإِن كَانَ من شَرطهَا معنى هُوَ النِّيَّة وَإِنَّمَا يجب أَن تبطل الْعلَّة إِذا تعلق بهَا حكمان يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا لِأَنَّهُ لَا يكون ثُبُوت أَحدهمَا لأَجلهَا أولى من ثُبُوت الآخر وَلَيْسَ يُمكن أَن يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَة حكمان مفصلان يتناقضان لِأَن الْحكمَيْنِ مَتى تناقضا وَجب أَن يكون أَحدهمَا كذبا وَالْآخر صدقا وَمن حق الْقيَاس إِذا قلب أَن يكون الَّذِي يقلبه وَالَّذِي قلب عَلَيْهِ صَادِقين فِي الحكم وَالضَّرْب الآخر فِي الْقلب هُوَ قلب التَّسْوِيَة وَهُوَ أَن يَقُول القالب فَوَجَبَ أَن يَسْتَوِي كَذَا مَعَ كَذَا فاذا ثَبت وجوب استوائهما فِي الحكم وَكَانَ أَحدهمَا مَحْظُورًا وَجب أَن يكون الآخر مثله فان كَانَ الْقلب ينْتَقض أَو يلْحقهُ وَجه آخر من وُجُوه الْفساد لم تبطل الْعلَّة لِأَن الْعلَّة إِنَّمَا تبطل إِذا أمكن أَن يعلق بهَا حكمان نقيضان وَلَا يكون تعلق أَحدهمَا اولى من الآخر فاذا انتقضت الْعلَّة مَعَ اُحْدُ الْحكمَيْنِ كَانَ تَعْلِيق الحكم الآخر بهَا أولى وَأما النَّقْض فَهُوَ وجود الْعلَّة فِي مَوضِع قد عدم حكمهَا عَنهُ وَلِهَذَا مَتى علل الْمُعَلل للجملة ثمَّ نوقض بالتفضيل لم يكن ذَلِك نقضا لِأَن حكم الْعلَّة هُوَ الْجُمْلَة وَلم يعْدم هَذَا عَن الْموضع الَّذِي وجدت فِيهِ الْعلَّة وَإِنَّمَا عدم الحكم الْمفصل وَالْحكم الْمفصل لم يكن حكمهَا الَّذِي علق بهَا فَأَما إِن علل مُعَلل للتفصيل فنوقض بِالْجُمْلَةِ فانه يكون نقضا صَحِيحا لِأَن الْجُمْلَة يدْخل فِيهَا التَّفْصِيل أَلا ترى أَن من علل وجوب الْقيَاس فِي قتل الذِّمِّيّ عمدا بانه حر مُكَلّف فنوقض بالحربي لِأَنَّهُ حر مُكَلّف وَلَا يثبت بَيْننَا وَبَينه قصاص أصلا لَا عمدا وَلَا خطأ فقد نوقض بِنَفْي الْحكمَيْنِ فِي الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل دَاخل فِيهِ وَهُوَ وجوب الْقصاص فِي قتل الْعمد وَمِثَال النَّقْض بالتفصيل إِذا ورد على الْجُمْلَة أَن يُعلل مُعَلل قتل الْمُسلم بالذمي لِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم فَوَجَبَ أَن يثبت بَينهمَا قصاص فتناقض بِالْمُسلمِ إِذا قتل ذِمِّيا خطأ وَهَذَا لَيْسَ بِنَقْض صَحِيح لِأَن الْمُعَلل إِنَّمَا أثبت بَينهمَا قصاصا على بعض الْوُجُوه وَلَيْسَ ينْتَقض هَذَا إِلَّا بِأَن يُؤْخَذ حران مكلفان
стр. 870
محقونا الدَّم وَلَا يثبت بَينهمَا قصاص بِوَجْه وَقد يحترس من النَّقْض بِوُجُوه مِنْهَا الاحتراس بِالْأَصْلِ وَمِنْهَا الاحتراس بِشَرْط يذكر فِي حكم الْعلَّة وَمِنْهَا الاحتراس بِحَذْف الحكم والاقتصار على التَّشْبِيه بِالْأَصْلِ مِثَال الاحتراس بِالْأَصْلِ أَن يُعلل مُعَلل قتل الْمُسلم بالذمي بِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم كالمسلمين فاذا نوقض بقتل الْخَطَأ قَالَ إِنِّي إِنَّمَا رددت الْفَرْع إِلَى الْمُسلم وَأَنا أَقُول فِي الْفَرْع مثل مَا قلته فِي الأَصْل فَأَنا أوجب الْقصاص فِي الْعمد دون الْخَطَأ وَهَذَا الاحتراس لَا يَصح لِأَن النَّقْض هُوَ عدم الحكم عَن الْمَوْضُوع الَّذِي وجدت فِيهِ الْعلَّة الملفوظ بهَا لِأَن الْعلَّة الملفوظ بهَا هِيَ المؤثرة فِي الحكم لَا غَيره وَالْحكم هُوَ الْمَنْطُوق بِهِ لَا غير فاذا فعل ذَلِك تمّ النَّقْض وَقَول الْمُعَلل إِنِّي أوجب فِي الْفَرْع مثل مَا يجب فِي الأَصْل لَا يَصح لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتضى لَفظه أَن يُسَوِّي بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِيمَا صرح بِهِ من ثُبُوت الْقيَاس وَمَا عدا ذَلِك لم يدل عَلَيْهِ لَفْظَة وَإِنَّمَا أضمره والنقض إِنَّمَا يتَوَجَّه نَحْو الْمظهر دون الْمُضمر وَأما الاحتراس بِحَذْف الحكم فَهُوَ أَن يذكر الْمُعَلل الْعلَّة وَلَا يذكر الحكم وَلكنه يَقُول عقيب الْعلَّة فَأشبه الْفَرْع كَيْت وَكَيْت وَقد يفعل ذَلِك إِذا لم يُمكن التَّصْرِيح بالحكم وَهَذَا الْحَذف لَا يَصح لِأَنَّهُ قَوْله فَأشبه كَيْت وَكَيْت هُوَ حكم بَان الْفَرْع يشبه كَيْت وَكَيْت وَإِذا كَانَ ذَلِك حكما احْتَاجَ إِلَى أصل يرد إِلَيْهِ الْفَرْع وَأما الاحتراس بِشَرْط مَذْكُور فِي الحكم فمثاله إِن يَقُول الْمُعَلل لِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم فَوَجَبَ أَن يكون بَينهمَا قصاص إِذا قتل أَحدهمَا صَاحبه عمدا فاذا نوقض بقتل الْخَطَأ قَالَ قد احترست فِي الحكم بِقَوْلِي قَتله عمدا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الاحتراس فِي الحكم هُوَ إِقْرَار بانتقاض الْعلَّة وَذَلِكَ أَن الْمُعَلل قد حكم بِأَن الْعلَّة هِيَ كَونهمَا حُرَّيْنِ مكلفين محقوني الدَّم فَقَط وَأَنه لَا يدْخل فِي الْعلَّة غير ذَلِك فاذا قَالَ إِن هَذَا يُوجب الْقصاص فِي قتل الْعمد دون الْخَطَأ مَعَ وجود هَذِه الْأَوْصَاف فقد أقرّ بَان الْعلَّة تُوجد فِي موضِعين ويتبعها حكمهَا فِي أَحدهمَا دون الآخر فان قيل لإنه لَا يمْتَنع أَن تكون هَذِه
стр. 871
الْأَوْصَاف أَعنِي الْحُرِّيَّة والتكليف وحقن الدَّم إِنَّمَا تُؤثر فِي إِيجَاب الْقصاص فِي قتل الْعمد دون الْخَطَأ قيل إِن كَانَت هَذِه الْأَوْصَاف تُؤثر فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ دون الآخر لِمَعْنى اخْتصَّ يه أَحدهمَا أَعنِي قتل الْعمد فَيَنْبَغِي أَن يذكر ذَلِك فِي جملَة الْعلَّة إِذا كَانَ لَهُ تَأْثِير فِي إِيجَاب الْقصاص وَإِن كَانَت الْأَوْصَاف تُؤثر فِي الْحكمَيْنِ وَيَقْتَضِي أَحدهمَا فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ دون الآخر لَا لأمر افترق فِيهِ الموضعان فكأنكم قُلْتُمْ إِن الْعلَّة تَقْتَضِي الحكم فِي مَوضِع وَلَا تَقْتَضِيه فِي مَوضِع آخر وَإِن كَانَ وجودهَا فيهمَا على حد سَوَاء وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة النَّقْض ولمجيب أَن يُجيب عَن هَذَا فَيَقُول إِن الشَّرْط الْمَذْكُور فِي الحكم هُوَ مُتَأَخّر فِي اللَّفْظ ومتقدم فِي الْمَعْنى لِأَن قَوْلنَا إنَّهُمَا حران مكلفان فَوَجَبَ أَن يجب الْقصاص بَينهمَا على الْقَاتِل عمدا مَعْنَاهُ لِأَنَّهُمَا حران مكلفان محقونا الدَّم قتل أَحدهمَا صَاحبه عمدا وَذَلِكَ لأَنا قد علمنَا أَن قتل الْعمد مِمَّا لَهُ تَأْثِير فِي الْقصاص وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه وَإِن ذكر فِي الحكم فَهُوَ مَذْكُور على أَنه من جملَة الْعلَّة وَأما الْكسر فَهُوَ نقض الْعلَّة على مَعْنَاهَا دون لَفظهَا وَذَلِكَ بِأَن يرفض وَصفا من أَوْصَاف الْعلَّة ظنا مِنْهُ أَنه غير مُؤثر وَأَن الَّذِي يجوز أَن يتَعَلَّق بِهِ الحكم هُوَ مَا عدا ذَلِك الْوَصْف وتبدل من الْوَصْف الَّذِي رفضته وَصفا هُوَ أَعم مِنْهُ ثمَّ تنقض مَا عدا ذَلِك الْوَصْف وَمَتى رام الْمُعَلل أَن يُجيب عَن الْكسر وَجب عَلَيْهِ أَن يبين أَن للوصف الَّذِي رفضه خَصمه تَأْثِيرا فِي الحكم حَتَّى يجب إِضَافَته إِلَى غَيره من الْأَوْصَاف فَيمْتَنع فِي الْبَعْض مِثَال ذَلِك أَن يُعلل مُعَلل وجوب صَلَاة الْخَوْف بِأَنَّهَا صَلَاة يجب قَضَاؤُهَا كَصَلَاة الْأَمْن فيظن المعرض أَنه لَا تَأْثِير لكَون الْعِبَادَة صَلَاة فِي هَذَا الحكم وَأَن الَّذِي يظنّ أَنه مُؤثر فِي الْوُجُوب هُوَ وجوب الْقَضَاء ثمَّ ينْقض ذَلِك بِصَوْم الْحَائِض فِي شهر رَمَضَان أَنه لَيْسَ بِوَاجِب مَعَ أَن قَضَاؤُهُ وَاجِب وَمَتى رام الْمُعَلل أَن يُجيب عَن ذَلِك وَجب عَلَيْهِ أَن يبين أَن لكَون الْعِبَادَة صَلَاة تَأْثِيرا فِي كَون وجوب الْقَضَاء مؤثرا فِي وجوب الْعِبَادَة وَأَن الصَّلَاة تخَالف الصّيام فِي هَذَا الْبَاب وَقد سمي الْكسر عكسا وَهَذَا الْعَكْس هُوَ مُخَالف لعكس الْعلَّة الْمُقَابل للطرد لِأَن
стр. 872
ذَلِك الْعَكْس هُوَ عدم الحكم فِي كل الْمسَائِل مَعَ عدم الْعلَّة وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْط فِي صِحَة الْعلَّة لِأَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة دلَالَة وأمارة على الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُوجد الْمَدْلُول عَلَيْهِ فِي بعض الْمَوَاضِع مَعَ فقد بعض أدلته إِذا دلّ عَلَيْهِ دَلِيل آخر وَهَذَا الْعَكْس مفارق لعدم التَّأْثِير لِأَن عدم التَّأْثِير هُوَ أَن يكون الْعلَّة ذَات وصفين أَو أَكثر فيوجد الحكم فِي الأَصْل بِوُجُود وصف من الْأَوْصَاف وَإِن عدم الْوَصْف الآخر وبعدم الحكم إِذا عدم الْوَصْف الَّذِي قُلْنَا إِن الحكم يُوجد بِوُجُودِهِ وَإِن وجد الْوَصْف الآخر فَيعلم بذلك أَن الْوَصْف الَّذِي يُوجد الحكم مَعَ عَدمه ويعدم مَعَ وجوده لَيْسَ من الْعلَّة فَلَا يجوز أَن يضم إِلَيْهَا وَأما عكس الْعلَّة فَهُوَ أَن يعْدم الحكم فِي غير الأَصْل وَالْعلَّة منتفية وَأما الْمُعَارضَة بعلة فضربان أَحدهمَا أَن تقع الْمُعَارضَة فِي عِلّة الأَصْل بِأَن يُعلل الْمُعْتَرض الأَصْل بعلة أُخْرَى وَالثَّانِي أَن يُعَارض الْقيَاس بِقِيَاس آخر فان عَارض الْقيَاس بِقِيَاس آخر فَالْكَلَام عَلَيْهِ مَا تقدم وَإِن عَارض عِلّة الأَصْل وَلم يكن القائس مِمَّن يَقُول بالعلتين لم يكن لَهُ أَن يَقُول بهما وَإِن كَانَ من مذْهبه القَوْل بالعلتين لم يكن لَهُ أَن يَقُول بهما فِي هَذَا الْموضع إِلَّا بعد أَن يصحح علته لِأَن الْمعَارض لم يسلم عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نازعه فِيهَا وَقَالَ لَهُ لَيْسَ الْعلَّة فِي الأَصْل مَا ذكرت وَإِنَّمَا الْعلَّة مَا أذكرهُ أَنا وَلَيْسَ يُمكن القائس إِذا عورض فِي عِلّة الأَصْل إِلَّا وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يصحح علته وَيبين أَنَّهَا أولى من عِلّة خَصمه أَو يصحح علته وَيَقُول بهَا وبعلة خَصمه إِن كَانَت عِلّة خَصمه عِنْده صَحِيحَة أَو يفْسد عِلّة خَصمه بالوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَيخْتَص هَذَا الْموضع بِوَجْه آخر من وُجُوه الْفساد وَهُوَ أَن تكون الْعلَّة الَّتِي وَقعت الْمُعَارضَة بهَا غير متعدية وَهَذَا الْوَجْه يفْسد الْعلَّة على قَول بعض النَّاس وَأحد الْوُجُوه الَّتِي تقدم ذكرهَا مِمَّا يفْسد الْعلَّة النَّقْض فان نقض القائس الْعلَّة الَّتِي عورض بهَا فِي الأَصْل فقد أفسدها وَإِن نقض عكسها الْمَوْجُود فِي الْفَرْع جَازَ لَهُ ذَلِك إِن كَانَ المنازع لَهُ فِي عِلّة الأَصْل قد علل بعلة الأَصْل وَعلل الْفَرْع بعكسها وَإِن كَانَ إِنَّمَا علل الأَصْل بعلة وَلم يُعلل الْفَرْع أصلا وَإِنَّمَا ادعِي أَنه لَا عِلّة
стр. 873
للْأَصْل سوى مَا ذكره ليمنع من أَن يُقَاس ذَلِك الْفَرْع على ذَلِك الأَصْل لم يكن للقائس وَالْحَال هَذِه أَن ينْقض عكس علته مِثَال ذَلِك أَن يقيس قائس الْكَلْب على الهر فِي الطَّهَارَة فَيَقُول خَصمه الْمَعْنى فِي الأَصْل وَهُوَ الهر أَنَّهَا من الطوافين علينا والطوافات فَلهَذَا كَانَت طَاهِرَة وَهَذِه الْعلَّة لَيست فِي الْكَلْب فَلَا يَنْبَغِي أَن يُقَاس على الهر فَمَتَى قَالَ ذَلِك لم يكن للقائس أَن ينْقض علته إِلَّا تَعْلِيله الهر أَنَّهَا من الطوافين علينا فَقَط فَأَما إِن قَالَ الهر من الطوافين علينا فَكَانَت طَاهِرَة وَالْكَلب لَيْسَ من الطوافين علينا فَلهَذَا كَانَ نجسا جَازَ أَن ينْقض علته فِي الْكَلْب وَإِذا نقضهَا بَطل تَعْلِيله الهر بانها من الطوافين لِأَنَّهُ لما علل الأَصْل وَعكس علته فِي الْفَرْع أعلمنَا بذلك أَنه لَيْسَ يفرق بَينهمَا فِي النَّجَاسَة وَالطَّهَارَة إِلَّا من هَذِه الْجِهَة وَأَن طَهَارَة الْحَيَوَان مَوْقُوفَة على أَن يكون من الطوافين علينا فَقَط وَأَن مَا وجد هَذَا فِيهِ يكون طَاهِرا فَقَط فاذا رَأَيْنَاهُ شَيْئا طَاهِرا وَإِن لم يكن من الطوافين فقد بَطل قَوْله إِن طَهَارَة الْحَيَوَان مَوْقُوفَة على هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَن هَذَا لَيْسَ ينْقض لعِلَّة الأَصْل وَإِنَّمَا هُوَ إبِْطَال لقَوْله إِنَّه لَا عِلّة لطهارة الْحَيَوَان إِلَّا مَا ذَكرُوهُ فان ادعِي الْمُعَلل أَو أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْعلَّة فِي طَهَارَة السنور هِيَ المفرقة بَين مَا طهر من الْحَيَوَان وَبَين مَا لَا يطهر وَأَن طَهَارَة الْحَيَوَان مَوْقُوفَة عَلَيْهَا ثمَّ علمنَا أَن طَهَارَة الْحَيَوَان غير مَوْقُوفَة على مَا ذكره الْمُعَلل علمنَا أَن مَا ذكره الْمُعَلل لَيْسَ بعلة وَالْوَجْه الثَّالِث من الْكَلَام على الْعلَّة الَّتِي وَقعت الْمُعَارضَة بهَا هُوَ التَّرْجِيح وَنحن نفرد لذَلِك بَاب ولترجيح الْقيَاس على الْقيَاس فصلا
فصل فِي تَرْجِيح عِلّة الأَصْل على عِلّة أُخْرَى وَفِي تَرْجِيح قِيَاس على قِيَاس
اعْلَم أَنه إِذا وَقعت الْمُعَارضَة فِي عِلّة الأَصْل واستوى العلتان فَلَا بُد من تَرْجِيح أَحدهمَا على الْأُخْرَى وَذَلِكَ يكون بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا يرجع إِلَى قُوَّة طَرِيق صِحَة الْعلَّة وَالثَّانِي إِلَى تعدِي الْعلَّة أما قُوَّة طَرِيق صِحَة الْعلَّة فبأن تكون إِحْدَى العلتين مجمع عَلَيْهَا دون الْأُخْرَى أَو تكون إِحْدَاهمَا مَنْصُوصا
стр. 874
عَلَيْهَا والاخرى مَعْلُومَة بِمَفْهُوم النَّص أَو إِحْدَاهمَا طريقها مَفْهُوم النَّص وَطَرِيق الاخرى الاستنباط أما التَّرْجِيح بِالتَّعَدِّي فبأن تكون إِحْدَاهمَا متعدية دون الاخرى أَو بِأَن تكون إِحْدَاهمَا أَكثر فروعا من الاخرى هَذَا على قَول الْأَكْثَر لَا يفْسد الْعلَّة إِذا لم تكن متعدية وَأما إِذا عورض الْقيَاس بِقِيَاس فانه يتَّجه علته من الْكَلَام فِي إفساده وَتَصْحِيح علته مَا قد سلف فاذا اسْتَويَا رجح أَحدهمَا على الآخر
وترجيح الْقيَاس يكون بِمَا يرجع إِلَى أَصله أَو إِلَى حكمه أَو إِلَى علته أما التَّرْجِيح بِمَا يرجع إِلَى الْعلَّة فقد سلف القَوْل فِيهِ إِلَّا أَن التَّرْجِيح بِالتَّعَدِّي لَا يُمكن هَهُنَا لِأَن هَذِه الْعلَّة متعدية إِذْ كَانَ قد جمع بهَا بَين أصل وَفرع وَأما التَّرْجِيح بِمَا يرجع إِلَى الأَصْل فبأن يكون طَرِيق ثُبُوت الحكم فِي أَحدهمَا أقوى من طَرِيق ثُبُوته فِي الآخر بِأَن يكون طَرِيق تَعْلِيل أحد الْأَصْلَيْنِ أقوى من طَرِيق تَعْلِيل الآخر فاذا كَانَ حكم الأَصْل مِنْهُ يُسْتَفَاد حكم الْفَرْع وَكَانَ فِي أَحدهمَا أقوى وَجب أَن يكون أحد القياسين أقوى وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ طَرِيق صِحَة عِلّة أَحدهمَا أقوى وَأما التَّرْجِيح بِمَا يرجع إِلَى الحكم فبأن يكون أحد الْحكمَيْنِ أحوط نَحْو أَن يكون احدهما وجوبا وَالْآخر ندبا أَو بِأَن يكون أَحدهمَا حظرا وَالْآخر مُبَاحا فَيكون الْحَظْر أولى لِأَنَّهُ أحوط أَو بِأَن يكون أحد الْحكمَيْنِ قد ندبنا إِلَى إِسْقَاطه بِالشُّبْهَةِ كالحدود وَقد ذهب إِلَى التَّرْجِيح بذلك بعض النَّاس دون بعض
وَقد ترجح الْعلَّة بِأَن يعضدها ظَاهر لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَنَّهَا أولى من عِلّة لم يعضدها ظَاهر
قد أَتَيْنَا على الْكَلَام فِي تَصْحِيح الْعلَّة وَفِي إفسادها وترجيحها وإفسادها لَا يخرج عَن الْأَقْسَام الَّتِي ذَكرنَاهَا وَذَلِكَ لِأَن الطعْن على الْعلَّة نَفسهَا إِمَّا أَن يكون بِوَجْه مُنْفَصِل عَنْهَا أَو بِوَجْه يرجع إِلَيْهَا أما الْوَجْه الْمُنْفَصِل عَنْهَا فَهُوَ مُعَارضَة الْعلَّة بعلة وَأما الْمُتَّصِل بهَا فضربان أَحدهمَا أَن يكون لَهُ تعلق
стр. 875
بغَيْرهَا وَالثَّانِي أَن لَا يكون لَهُ تعلق بغَيْرهَا وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ تعلق بغَيْرهَا هُوَ التَّعْلِيل بِالِاسْمِ وَأما مَا يكون لَهُ تعلق بغَيْرهَا فضربان احدهما أَن يكون ذَلِك الْغَيْر هُوَ مَكَان وجودهَا وَهَذَا بِأَن لَا يكون لَهُ فرع يتَعَدَّى غليه وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك الْغَيْر هُوَ حكمهَا
فصل فِي تَرْجِيح الْقيَاس على الْقيَاس
أَحدهمَا أَن يكون الْوَجْه الطاعن عَلَيْهَا الْمُتَعَلّق بحكمها يرجع إِلَى جملَة الْعلَّة وَالثَّانِي يرجع إِلَى جُزْء من أَجْزَائِهَا أما الرَّاجِع إِلَى جُزْء من أَجْزَائِهَا فَهُوَ أَن يكون وصف من أوصافها لَا يُؤثر فِي الحكم وَأما الرَّاجِع إِلَى جُمْلَتهَا فَهُوَ مَا يعلق بدلالتها على الحكم وَهَذَا بِأَن تكون الْعلَّة لَا تلِيق بِأَن تدل على الحكم وَهَذَا هُوَ اخْتِلَاف الْوَضع أَو بِأَن لَا يشافه الحكم فِي الدّلَالَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُمكن مَعَه القَوْل بِمُوجب الْعلَّة وَأما بِأَن تكون الْعلَّة تدل على الحكم وعَلى نقيضه فَيكون الْقلب وَأما إِن تدل علته فِي مَوضِع وَلَا تدل عَلَيْهِ فِي مَوضِع آخر وَقد وجدت فِيهِ وَهَذَا هُوَ النَّقْض وَأما الْكسر فَلَيْسَ هُوَ بقسم آخر لِأَن الْكسر هُوَ مؤلف من عدم وتأثر وَنقض على مَا تقدم بَيَانه
ضميمة فِي الْقلب
وَاعْلَم أنني نظرت فِي هَذَا الْكتاب بعد سِنِين مُنْذُ ألفته فَأَرَدْت أَن أضم إِلَيْهِ كلَاما فِي الْقلب أَكثر مِمَّا ذكرته فِي الْكتاب أَولا
اعْلَم أَن قلب الْقيَاس هُوَ أَن يعلق القالب للْقِيَاس على الْعلَّة نقيض الحكم الْمَذْكُور فِي الْقيَاس وَيرد الْفَرْع إِلَى ذَلِك الأَصْل بِعَيْنِه فَلَا يكون أحد الْحكمَيْنِ بِأَن يعلق بِالْعِلَّةِ أولى من أَن يعلق بِهِ الآخر وَلَا يَصح أَن يعلقا جَمِيعًا بهَا لتنافيهما وَلقَائِل أَن يَقُول إِن وجود الْقلب لَا يَصح لِأَن القالب إِمَّا أَن يعلق على الْعلَّة مثل الحكم الَّذِي علقه القائس أَو خِلَافه أَو نقيضه فان
стр. 876
علق عَلَيْهَا مثل الحكم فَلَيْسَ ذَلِك بقلب بل هُوَ تَكْرِير الْقيَاس مِثَال ذَلِك أَن يَقُول القائس الِاعْتِكَاف لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ اصله الْوُقُوف بِعَرَفَة فيقلبه القالب فَيَقُول فَوَجَبَ أَن يكون من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ وَلَا يكون ذَلِك قلبا وَلكنه كرر الْقيَاس وَإِن علق على الْعلَّة حكما مُخَالفا لحكم الْقيَاس لم يكن ايضا قالبا وَلم يُمكن أَن يُقَال لَيْسَ بِأَن تعلق بهَا هَذَا الحكم أولى من الآخر لِأَن الْحكمَيْنِ الْمُخْتَلِفين غير الضدين يَصح اجْتِمَاعهمَا مِثَال ذَلِك أَن يَقُول الْقَائِل فِي الِاعْتِكَاف إِنَّه لبث فِي كَانَ مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى آخر إِلَيْهِ اصله الْوُقُوف بِعَرَفَة فَيَقُول القالب لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَجَاز أَن يكون طَاعَة وَعبادَة أَصله الْوُقُوف بِعَرَفَة فَلَا يكون قد قلب الْقيَاس لِأَنَّهُ يَصح اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ أَعنِي أَن يكون اللّّبْث طَاعَة وَأَن يكون من شَرطه اقتران معنى آخر إِلَيْهِ إِذْ هَذَانِ الحكمان لَا يتنافيان فَلم يجز أَن يكون الْقلب بِذكر حكم مُخَالف لحكم الْقيَاس غير مضاد لَهُ وَلَا متناقض وَإِن كَانَ الحكم فِي الْقلب نقيض حكم الْقيَاس لم يَصح ايضا لِأَن من شَرط الْقلب أَن يرد الْفَرْع إِلَى أصل الْقيَاس وَيكون القائس والقالب قد صدقا فِي إِثْبَات حكميهما فِي الأَصْل والنقيضان لَا يجوز أَن يجتمعا فِي شَيْء وَاحِد على حد وَاحِد مِثَال ذَلِك أَن يَقُول قَائِل فِي الِاعْتِكَاف إِنَّه لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ فَيَقُول القالب فَلم يكن من شَرطه اقتران معنى لِأَن هذَيْن الْقَوْلَيْنِ لَا يصدقان فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة وَهُوَ الأَصْل لِأَنَّهُمَا نقيضان الا ترى أَنه لَا يجوز أَن يكون من شَرط الْوُقُوف اقتران معنى إِلَيْهِ وَلَيْسَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ أصلا فَلم يَصح الْقلب بِذكر نقيض حكم الْقيَاس فَبَان أَنه لَا وجوب للقلب وَالْجَوَاب أَنه قد يجوز أَن يعلق القالب على الْعلَّة حكما غير حكم الْقيَاس مِمَّا يجوز أَن يجْتَمع مَعَه فِي الأَصْل وَلَا يجوز أَن يجْتَمع فِي الْفَرْع لأجل إِجْمَاع من الامة أَو من القائس والقالب فيتنافى الحكمان فِي الْفَرْع بِوَاسِطَة الْإِجْمَاع مِثَال ذَلِك أَن يَقُول قَائِل فِي الِاعْتِكَاف لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان
стр. 877
مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ اصله الْوُقُوف ونفرض أَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَيْسَ من شَرط الِاعْتِكَاف النِّيَّة وَأَنه لَو ثَبت أَن من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ لم يكن إِلَّا الصَّوْم فثبوت هَذَا الْقيَاس مَعَ هَذَا الْإِجْمَاع يَقْتَضِي كَون الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف فاذا قَالَ القالب لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَلم يكن من شَرطه الصَّوْم اقتضي نفي كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف وَالْقِيَاس الأول فِي الْإِجْمَاع اقْتضى كَون الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فيتنافى الحكمان فِي الْفَرْع لأجل هَذَا الْإِجْمَاع وَلم يتناف الحكمان بأنفسهما فِي الأَصْل أَعنِي أَن يكون من شَرطه اقتران معنى إِلَيْهِ وَأَن لَا يكون الصَّوْم من شَرطه وَلم نفرض أَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَو كَانَ من شَرط الْوُقُوف اقتران معنى إِلَيْهِ لما كَانَ إِلَّا الصَّوْم فصح أَن للقلب وجودا
وَقد يكون الحكم فِي الْفَرْع ذَا جِهَتَيْنِ لَا تتنافيان فِي الأَصْل بل توجدان فِيهِ وتتنافيان فِي الْفَرْع لأجل إِجْمَاع من الامة أَو من الْخصم مِثَال ذَلِك أَن يَقُول قَائِل الرَّأْس عُضْو من أَعْضَاء الطَّهَارَة فَلم يتَقَدَّر الْغَرَض فِيهِ بِأَقَلّ مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم أَصله الْوَجْه فيقلب الْخصم ذَلِك فَيَقُول فَوَجَبَ أَن لَا يتَقَدَّر فِيهِ بِالربعِ أَصله الْوَجْه وَهَذَانِ الحكمان لَا يتنافيان فِي الْوَجْه ويتنافيان فِي الْفَرْع على قَول الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّهُمَا قد اتفقَا على أَنه إِذا لم يتَقَدَّر الْفَرْض فِي الرَّأْس بِالربعِ فَالْوَاجِب تَعْلِيقه بِأول مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْمسْح لبُطْلَان وجوب مسح جَمِيعه عِنْد الْخَصْمَيْنِ فَمَتَى ثَبت ان الْفَرْض لَا يتَعَلَّق بِأول الِاسْم صَحَّ قَول الْحَنَفِيّ لِاتِّفَاق مِنْهُ وَمن الشَّافِعِي وَمَتى ثَبت أَن الْفَرْض لَا يتَقَدَّر بِالربعِ ثَبت أَنه يتَعَلَّق بِأول مَا يَقع الِاسْم عَلَيْهِ لأجل اتِّفَاقهمَا على ذَلِك فتنافى الحكمان فِي الْفَرْع فَلم يكن بِأَن يعلق أَحدهمَا بِالْعِلَّةِ أولى من أَن يعلق بهَا الآخر وَهَذَا الحكمان هما منفصلان وَإِن لم يتنافيا بأنفسهما
وَيدخل فِي الْقلب قلب التَّسْوِيَة مِثَاله أَن يَقُول قَائِل فِي طَلَاق الْمُكْره لِأَنَّهُ مُكَلّف مَالك للطَّلَاق فَوَقع طَلَاقه أَصله الْمُخْتَار فَيَقُول القالب فَوَجَبَ
стр. 878
أَن يَسْتَوِي حكم إِيقَاعه للطَّلَاق وَحكم إِقْرَاره بِهِ كالمختار وَهَذَا الحكمان لَا يتنافيان فِي الأَصْل لِأَن طَلَاق الْمُخْتَار يَقع وَمَعَ ذَلِك فَحكم إِيقَاعه للطَّلَاق كَحكم إِقْرَاره بِهِ فِي اللُّزُوم والثبوت ويتنافى هَذَانِ الحكمان فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ إِذا كَانَ طَلَاق الْمُكْره كاقراره بِالطَّلَاق وَكَانَ إِقْرَاره بِالطَّلَاق لَا يثبت حكمه وَجب أَن يكون طَلَاقه لَا يثبت حكمه وَذَلِكَ منَاف لِلْقَوْلِ بِأَن طَلَاقه يثبت حكمه فَهَذَا وَجه من وُجُوه الْقلب صَحِيح لِأَن الْحكمَيْنِ قد تنافيا فِي الْفَرْع لأجل الْإِجْمَاع فَلم يكن بِأَن يعلق أَحدهمَا بِالْعِلَّةِ أولى من الآخر فَبَان أَن للقلب وجودا من وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهمَا أَن يكون أحد الْحكمَيْنِ مُجملا من غير ذكر تَسْوِيَة وَالْآخر مفصلا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الِاعْتِكَاف وَالْآخر أَن يكون الحكمان مفصلين غير متنافيين بِأَن يكون الحكم فِي الْفَرْع ذَا جِهَتَيْنِ فيقصد كل وَاحِد من القائس والقالب إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَلَا تتنافيان فِي الأَصْل وتتنافيان فِي الْفَرْع لأجل الْإِجْمَاع وَالْآخر أَن يكون أحد الْحكمَيْنِ مفصلا وَالْآخر مُجملا وإجماله من جِهَة التَّسْوِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ آخرا
تمّ وَالْحَمْد لله على ذَلِك