Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الْحَمد لله حق حَمده وَصلى الله على مُحَمَّد خير خلقه وعَلى اصحابه واهل بَيته
لما رَأَيْت حَاجَة من يتفقه ماسة الى معرفَة مَا يعْتَرض بِهِ من الادلة وَمَا يُجَاب بِهِ عَن الاعتراضات وَوجدت مَا عملت من الملخص فِي الجدل مَبْسُوطا صنفت هَذِه الْمُقدمَة لتَكون مَعُونَة للمبتدئين وَتَذْكِرَة للمنتهيين مجزية فِي الجدل كَافِيَة لاهل النّظر وقدمت على ذَلِك بَابا فِي بَيَان الادلة ليَكُون مَا بعده من الاعتراضات والاجوبة على ترتيبه
وَمَا توفيقي الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل واياه أسأَل أَن ينفع بِهِ فِي الدُّنْيَا والاخرة انه قريب مُجيب ﷺ َ - بَاب بَيَان وُجُوه ادلة الشَّرْع ﷺ َ -
وادلة الشَّرْع ثَلَاثَة اصل ومعقول اصل واستصحاب حَال
فالاصل ثَلَاثَة الْكتاب وَالسّنة والاجماع واضاف اليه الشَّافِعِي
стр. 2
رَحمَه الله فِي الْقَدِيم قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة فَجعله اربعة
فاما الْكتاب فدلالته ثَلَاثَة النَّص وَالظَّاهِر والعموم
فالنص هُوَ اللَّفْظ الَّذِي لَا يحْتَمل الا معنى وَاحِد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَمَا اشبه ذَلِك مِمَّا لَا يحْتَمل الا معنى وَاحِدًا
وَحكمه ان يُصَار اليه وَلَا يتْرك الا بِنَصّ يُعَارضهُ
وَالظَّاهِر كل لفظ احْتمل امرين وَهُوَ فِي احدهما اظهر
وَهُوَ ضَرْبَان ظَاهر بِوَضْع اللُّغَة كالامر يحْتَمل الايجاب وَيحْتَمل النوب إِلَّا انه فِي الايجاب اظهر وكالنهي يحْتَمل التَّحْرِيم وَيحْتَمل الْكَرَاهَة والتنزيه الا انه فِي التَّحْرِيم اظهر وكسائر الالفاظ المحتملة لمعنيين وَهُوَ فِي احدهما اظهر
стр. 3
وَحكمه ان يحمل على اظهر الْمَعْنيين وَلَا يحمل على غَيره الا بِدَلِيل
وَظَاهر بِوَضْع الشَّرْع كالاسماء المنقولة من اللُّغَة الى الشَّرْع كَالصَّلَاةِ فِي اللُّغَة اسْم للدُّعَاء وَفِي الشَّرْع اسْم لهَذِهِ الافعال الْمَعْرُوفَة وَالْحج فِي اللُّغَة اسْم للقصد وَفِي الشَّرْع اسْم لهَذِهِ الافعال الْمَعْرُوفَة وَغير ذَلِك من الاسماء المنقولة من اللُّغَة الى الشَّرْع
وَحكمه ان يحمل على مَا نقل اليه فِي الشَّرْع وَلَا يحمل على غَيره الا بِدَلِيل
وَمن اصحابنا من قَالَ لَيْسَ فِي الاسماء شَيْء مَنْقُول بل الصَّلَاة هِيَ الدُّعَاء وَالْحج هُوَ الْقَصْد وانما هَذِه الافعال زيادات اضيفت اليهاوليست مِنْهَا كَمَا اضيفت الطَّهَارَة الى الصَّلَاة وَلَيْسَت مِنْهَا فعلى هَذَا تحمل هَذِه الالفاظ على موضوعها فِي اللُّغَة وَلَا تحمل على غَيره الا بِدَلِيل
والعموم كل لفظ عَم شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدا على وَجه وَاحِد لَا مزية لاحدهما على الاخر
والفاظه اربعة اسماء الجموع كالمسلمين وَالْمُشْرِكين والابرار والفجار
стр. 4
وَالِاسْم الْمُفْرد اذا عرف بالالف وَاللَّام كَالرّجلِ وَالْمَرْأَة وَالْمُسلم والمشرك
وَمن اصحابنا من قَالَ لَيْسَ هَذَا من الفاظ الْعُمُوم
والاول اصح
والاسماء المبهمة ك من فِيمَن يعقل وَمَا فِي مَا لَا يعقل وَأي فِي الْجَمِيع وَحَيْثُ وَأَيْنَ فِي الْمَكَان وَمَتى فِي الزَّمَان
وَالنَّفْي فِي النكرات كَقَوْلِه ﵇
لَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَمَا رَأَيْت رجلا وَمَا اشبهه
فَحكم هَذِه الالفاظ ان تحمل على الْعُمُوم وَلَا يخص مِنْهُ شَيْء الا بِدَلِيل
واما السّنة فدلالتها ثَلَاثَة قَول وَفعل واقرار
فَالْقَوْل على ضَرْبَيْنِ مُبْتَدأ وخارج على سَبَب
فالمبتدأ يَنْقَسِم الى مَا يَنْقَسِم اليه الْكتاب من النَّص وَالظَّاهِر والعموم
стр. 5
فالنص كَقَوْلِه ﵇ فِي اربعين شَاة شَاة وَمَا أشبهه // أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزَّكَاة
فَحكمه ان يُصَار اليه وَلَا يتْرك الا بِنَصّ يُعَارضهُ
وَالظَّاهِر كَقَوْلِه ﵇ حتيه ثمَّ اقرصيه ثمَّ اغسليه بِالْمَاءِ فَيحمل // أخرجه أَبُو داودد فِي كتاب الطَّهَارَة على الْوُجُوب وَلَا يصرف الى الِاسْتِحْبَاب الا بِدَلِيل
والعموم كَقَوْلِه ﵇ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ فَيحمل على الْعُمُوم // أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْجِهَاد فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء وَلَا يخص الا بِدَلِيل
وَالْخَارِج على سَبَب ضَرْبَان مُسْتَقل دون السَّبَب كَمَا رُوِيَ انه قيل لَهُ ﵇ انك تتوضأ من بِئْر بضَاعَة وانما يطْرَح فِيهَا دم المحايض وَلُحُوم الْكلاب وَمَا يُنجي النَّاس فَقَالَ ﵇ المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء
فَحكمه حكم القَوْل والمبتدأ
стр. 6
وَمن اصحابنا من قَالَ يقصر على السَّبَب الَّذِي ورد فِيهِ وَلَيْسَ بِشَيْء // أخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره
وَضرب لَا يسْتَقلّ دون السَّبَب كَمَا رُوِيَ ان اعرابيا قَالَ لَهُ جامعت فِي شهر رَمَضَان بِالنَّهَارِ فَقَالَ اعْتِقْ رَقَبَة فَيصير قَول الرَّسُول مَعَ السَّبَب كالجملة // أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره الْوَاحِدَة كَأَنَّهُ قَالَ ﵇ اذا جامعت فاعتق
واما الْفِعْل فضربان
احدهما مَا فعله على غير وَجه الْقرْبَة فَهُوَ كالمشي والاكل وَغَيرهمَا فَيدل على الْجَوَاز
وَالثَّانِي مَا فعله على وَجه الْقرْبَة فَهُوَ على ثَلَاثَة اضراب
احدها ان يكون امتثالا لامر فَتعْتَبر بذلك الامر ان كَانَ وَاجِبا فَهُوَ وَاجِب وان كَانَ ندبا فَهُوَ ندب
وَالثَّانِي ان يكون بَيَانا لمجمل فَتعْتَبر بالمبين ان كَانَ وَاجِبا فَهُوَ وَاجِب وان كَانَ ندبا فَهُوَ ندب
стр. 7
وَالثَّالِث ان يكون مُبْتَدأ فَفِيهِ ثَلَاثَة اوجه
احدهما انه يَقْتَضِي الْوُجُوب وَلَا يصرف الى غَيره الا بِدَلِيل
وَالثَّانِي انه يَقْتَضِي النّدب وَلَا يصرف الى غَيره الا بِدَلِيل
وَالثَّالِث انه على الْوَقْف فَلَا يحمل على وَاحِد مِنْهُمَا الا بِدَلِيل
واما الاقرار فضربان
احدهما ان يسمع قولا فَيقر عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ انه سمع رجلا يَقُول الرجل يجد مَعَ امْرَأَته رجلا ان قتل قَتَلْتُمُوهُ وان تكلم جلدتموه وان سكت سكت على غيظ ام كَيفَ يصنع // أخرجه البُخَارِيّ فِي اللّعان
فَحكمه حكم قَوْله ﵇ وَقد بَيناهُ
وَالثَّانِي ان يرى رجلا يفعل فعلا فيقره عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ انه رأى
стр. 8
أَي الرَّاوِي قيس بن فَهد يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر بعد الصُّبْح // أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره
فَحكمه حكم فعله وَقد بَيناهُ
واما الاجماع فَهُوَ اتِّفَاق عُلَمَاء الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة فَذَلِك ضَرْبَان
احدهما مَا ثَبت بقول جَمِيعهم كاجماعهم على جَوَاز البيع وَالشَّرِكَة وَالْمُضَاربَة وَغير ذَلِك من الاحكام
فَحكمه ان يُصَار اليه وَيعْمل بِهِ وَلَا يجوز تَركه بِحَال
وَالثَّانِي مَا ثَبت بقول بَعضهم اَوْ فعله وسكوت البَاقِينَ مَعَ انتشار ذَلِك فيهم
стр. 9
فَذَلِك حجَّة وَهل يُسمى اجماعا فِيهِ وَجْهَان
وَقَالَ ابو عَليّ بن ابي هُرَيْرَة ان كَانَ ذَلِك حكما من امام اَوْ قَاض لم يكن حجَّة وان كَانَ فتيا من فَقِيه فَهُوَ حجَّة
والاول اصح
واما قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة اذا لم ينتشر فَفِيهِ قَولَانِ
قَالَ فِي الْجَدِيد لَيْسَ بِحجَّة فعلى هَذَا لَا يحْتَج بِهِ وَلَكِن يرجح بِهِ
وَقَالَ بعض اصحابنا يحْتَج بِهِ مَعَ قِيَاس ضَعِيف وَلَيْسَ بِشَيْء
وَقَالَ فِي الْقَدِيم هُوَ حجَّة فعلى هَذَا يحْتَج بِهِ وَيقدم على الْقيَاس وَهل يخص بِهِ الْعُمُوم فِيهِ وَجْهَان
стр. 10
واما ادلة الْمَعْقُول فَثَلَاثَة فحوى الْخطاب وَدَلِيل الْخطاب وَمعنى الْخطاب
فاما فحوى الْخطاب فَهُوَ ان ينص على الاعلى وينبه على الادنى اَوْ ينص على الادنى فينبه على الاعلى وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن أهل الْكتاب من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار لَا يؤده إِلَيْك﴾ وَنَهْيه عَن التَّضْحِيَة بالعوراء وَنبهَ بِهِ على العمياء // أخرجه مَالك وَغَيره
فَحكم هَذَا حكم النَّص
واما دَلِيل الْخطاب فَهُوَ ان يعلق الحكم على اُحْدُ وصفي الشَّيْء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ﴾ وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 11
فِي سَائِمَة الْغنم زَكَاة فَدلَّ على ان غير الْحَامِل لَا نَفَقَة لَهَا وَغير السَّائِمَة لَا زَكَاة فِيهَا
وَقَالَ ابو الْعَبَّاس بن سُرَيج لَا يدل على حكم مَا عدا الْمَذْكُور
وَالْمذهب الاول
فاما معنى الْخطاب فَهُوَ الْقيَاس وَهُوَ حمل فرع على اصل بعلة جَامِعَة بَينهمَا واجراء حكم الاصل على الْفَرْع
وَهُوَ ضَرْبَان
احدهما قِيَاس الْعلَّة وَهُوَ ان يحمل الْفَرْع على الاصل بِالْمَعْنَى
стр. 12
الَّذِي يتَعَلَّق الحكم بِهِ فِي الشَّرْع وَذَلِكَ مثل قِيَاس النَّبِيذ على الْخمر بعلة انه شراب فِيهِ شدَّة مطربة وَقِيَاس الارز على الْبر بعلة انه مطعوم جنس
وَالثَّانِي قِيَاس الدّلَالَة وَهُوَ ثَلَاثَة اضْرِب
احدها ان يسْتَدلّ بخصيصة من خَصَائِص الشَّيْء عَلَيْهِ
كَقَوْلِنَا فِي سُجُود التِّلَاوَة انه لَا يجب لانه سُجُود يجوز فعله على الرَّاحِلَة فِي غير عذر فاشبه سُجُود النَّفْل وان جَوَاز فعله على الرَّاحِلَة من خَصَائِص النَّوَافِل فيستدل بِهِ على انه نفل
وَالثَّانِي ان يسْتَدلّ بالنظير على النظير
كَقَوْلِنَا فِي الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي ان من وَجب الْعشْر فِي زرعه وَجب ربع الْعشْر فِي مَاله كَالْبَالِغِ
стр. 13
وكقولنا فِي ظِهَار الذِّمِّيّ من صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره كَالْمُسلمِ وان الْعشْر نَظِير ربع الْعشْر وَالظِّهَار نَظِير الطَّلَاق فَيدل احدهما على الاخر
وَالثَّالِث ان يسْتَدلّ بِضَرْب من الشّبَه مثل ان يَقُول فِي ايجاب التَّرْتِيب فِي الْوضُوء انه عبَادَة يُبْطِلهَا النّوم فَوَجَبَ فِيهَا التَّرْتِيب كَالصَّلَاةِ فَفِيهِ وَجْهَان
من اصحابنا من قَالَ انه دَلِيل
وَمِنْهُم من قَالَ لَيْسَ بِدَلِيل وانما يرجح بِهِ غَيره وَهُوَ الاصح
стр. 14
فصل فِي اسْتِصْحَاب الْحَال
واما اسْتِصْحَاب الْحَال فضربان
اسْتِصْحَاب حَال الْعقل فِي بَرَاءَة الذِّمَّة كَقَوْلِنَا فِي اسقاط دِيَة الْمُسلم اذا قتل فِي دَار الْحَرْب اَوْ فِي اسقاط مَا زَاد على ثلث الدِّيَة فِي قتل الْيَهُودِيّ ان الاصل بَرَاءَة الذِّمَّة وفراغ الساحة وَطَرِيق اشتغالها بِالشَّرْعِ وَلم نجد فِي الشَّرْع مَا يدل على الِاشْتِغَال فِي قتل الْمُسلم فِي دَار الْحَرْب وَلَا على الِاشْتِغَال فِيمَا زَاد على الثُّلُث فِي قتل الْيَهُود فَبَقيَ على الاصل
فَهَذَا دَلِيل يفزع اليه الْمُجْتَهد عِنْد عدم الادلة
وَالثَّانِي اسْتِصْحَاب حَال الاجماع وَذَلِكَ مثل ان يَقُول فِي الْمُتَيَمم اذا رأى المَاء فِي صلَاته انه يمْضِي فِي صلَاته انْعَقَدت بالاجماع فَلَا يَزُول عَن ذَلِك الا بِدَلِيل
فَهَذَا فِيهِ وَجْهَان
من اصحابنا من قَالَ هُوَ دَلِيل
وَمِنْهُم من قَالَ لَيْسَ بِدَلِيل وَهُوَ الاصح
стр. 15
- ﷺ َ - بَاب وُجُوه الْكَلَام على الِاسْتِدْلَال بِالْكتاب ﷺ َ -
وَذَلِكَ من ثَمَانِيَة اوجه
احدهما ان يسْتَدلّ مِنْهُ بطرِيق من الاصول لَا يَقُول بِهِ وَذَلِكَ مثل ان يسْتَدلّ الْحَنَفِيّ فِي اسقاط الْمُتْعَة للمدخول بهَا بقوله تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن﴾ فَشرط فِي ايجاب الْمُتْعَة ان لَا يكون قد مَسهَا
فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا اسْتِدْلَال بِدَلِيل الْخطاب وانت لَا تَقول بِهِ
فَالْجَوَاب ان يَقُول ان هَذَا بِلَفْظ الشَّرْط لانه قَالَ ﴿إِن طلّقْتُم النِّسَاء﴾ وان من امهات حُرُوف الشَّرْط وانا اقول بِدَلِيل الْخطاب اذا كَانَ بِلَفْظ الشَّرْط
اَوْ يَقُول ان هَذَا من مسَائِل الاصول وانا مِمَّن يَقُول بِهِ
وَالثَّانِي ان لَا يَقُول بِهِ فِي الْموضع الَّذِي تنَاوله
كاستدلال الْحَنَفِيّ فِي شَهَادَة اهل الذِّمَّة بقوله تَعَالَى ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ أَي من اهل ملتكم
стр. 16
فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا كَانَ فِي قصَّة بَين الْمُسلمين وَالْكفَّار وعندك لَا تقبل شَهَادَة اهل الذِّمَّة على الْمُسلمين
وتكلف بَعضهم الْجَواب عَنهُ فَقَالَ انه لما قبل شَهَادَتهم على الْمُسلمين دلّ على ان شَهَادَتهم على الْكفَّار اولى بِالْقبُولِ ثمَّ دلّ الدَّلِيل على ان شَهَادَتهم لَا تقبل على الْمُسلمين فَبَقيَ فِي حق الْكفَّار على مَا اقْتَضَاهُ
فَقَالَ الامام ﵀ هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لانه تعلق بفحوى الْخطاب وَقد ذكر ان الْخطاب قد ارْتَفع فَكيف يبْقى حكم فحواه
والاعتراض الثَّانِي ان يَقُول بموجبها وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ
احدهما ان يحْتَج من الْآيَة بِأحد الوضعين فَيَقُول السَّائِل بِمُوجبِه بَان يحملهُ على الْوَضع الاخر
كاستدلال الْحَنَفِيّ فِي تَحْرِيم الْمُصَاهَرَة بِالزِّنَا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾ وَالْمرَاد لَا تطؤوا مَا وطىء آباؤكم
стр. 17
فَيَقُول الشَّافِعِي النِّكَاح فِي الشَّرْع هُوَ العقد فَيكون مَعْنَاهُ لَا تتزوجوا من تزوج بهَا آباؤكم
وَالْجَوَاب ان تسلك طَريقَة من يَقُول ان الاسماء غير منقولة وان الْخطاب بلغَة الْعَرَب وَالنِّكَاح فِي عرف اللُّغَة هُوَ الْوَطْء
وَالضَّرْب الثَّانِي ان يَقُول بِمُوجبِه فِي الْموضع الَّذِي احْتج بِهِ وَذَلِكَ مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي الْعَفو عَن الْقصاص الى الدِّيَة من غير رضى الْجَانِي بقوله ﴿فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء فاتباع بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَالْعَفو هُوَ الصفح وَالتّرْك
فَيَقُول الْحَنَفِيّ بل الْعَفو هَا هُنَا هُوَ الْبَذْل وَمَعْنَاهُ اذا بذل الْجَانِي للْوَلِيّ الدِّيَة اتبع الْمَعْرُوف
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن
احدهما ان يبين ان الْعَفو فِي الصفح وَالتّرْك اظهر فِي اللُّغَة
وَالثَّانِي ان يبين بِالدَّلِيلِ من سِيَاق الاية اَوْ غَيره على ان المُرَاد بِهِ الصفح
والاعتراض الثَّالِث ان يدعى اجمال الاية اما فِي الشَّرْع واما فِي اللُّغَة
فاما فِي الشَّرْع فَمثل ان يسْتَدلّ الْحَنَفِيّ فِي نِيَّة صَوْم رَمَضَان بقوله تَعَالَى ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ وَهَذَا قد صَامَ
стр. 18
فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا مُجمل لَان المُرَاد صَوْم شَرْعِي وَنحن لَا نسلم ان هَذَا صَوْم شَرْعِي
وَالْجَوَاب عَنهُ ان يبين ان الْخطاب بلغَة الْعَرَب ويسلك طَريقَة من يَقُول لَيْسَ فِي الاسماء شَيْء مَنْقُول وَالصَّوْم فِي اللُّغَة هُوَ الامساك فَوَجَبَ ان يجزىء كل امساك الا مَا خصّه الدَّلِيل
واما فِي اللُّغَة فَهُوَ مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي ان الاحرام بِالْحَجِّ لَا يَصح فِي غير اشهره بقوله تَعَالَى ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾
فَيَقُول الْمُخَالف هَذَا مُجمل لَان الْحَج لَيْسَ باشهر فَلَا بُد فِي معرفَة المُرَاد مِنْهُ من اضمار وَيجوز ان يكون مَعْنَاهُ وَقت احرام الْحَج اشهر مَعْلُومَات وَيجوز ان يكون مَعْنَاهُ وَقت افعال الْحَج اشهر مَعْلُومَات فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ
وَالْجَوَاب ان يبين بِالدَّلِيلِ ان المُرَاد بِهِ وَقت احرام الْحَج لَان الافعال لَا تفْتَقر الى اشهر ولانه قَالَ ﴿فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث﴾ وَالْفَرْض هُوَ الاحرام
والاعتراض الرَّابِع الْمُشَاركَة فِي الدَّلِيل
كاستدلال الشَّافِعِي فِي النِّكَاح بِغَيْر ولي بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ﴾
стр. 19
فَلَو لم يكن تَزْوِيجهَا اليه لما صَحَّ العضل
فَيَقُول الْحَنَفِيّ هَذَا حجَّة لنا لانه قَالَ ﴿أَن ينكحن﴾ فاضاف النِّكَاح اليهن فَدلَّ على ان لَهُنَّ ان يعقدن
وَالْجَوَاب ان يسْقط دَلِيل السَّائِل ليسلم لَهُ مَا تعلق بِهِ
والاعتراض الْخَامِس اخْتِلَاف الْقِرَاءَة
وَذَلِكَ مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي ايجاب الْوضُوء من اللَّمْس بقوله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾
فَيَقُول الْمُخَالف قد قرىء ﴿أَو لامستم﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي الْجِمَاع
وَالْجَوَاب ان يَقُول القراءتان كالايتين فيستعملهما
والاعتراض السَّادِس النّسخ وَهُوَ من ثَلَاثَة اوجه
احدها ان يفصل النّسخ صَرِيحًا كاستدلال الشَّافِعِي فِي ايجاب الْفِدْيَة على الْحَامِل بقوله تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة﴾
стр. 20
فَيَقُول الْحَنَفِيّ قد قَالَ سَلمَة بن الاكوع انها مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾
وَالْجَوَاب ان يبين انها نسخت الا فِي الْحَامِل والمرضع
وَالثَّانِي ان يدعى نسخهَا بِآيَة مُتَأَخِّرَة مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي الْمَنّ وَالْفِدَاء بقوله تَعَالَى ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾
فَيَقُول الْحَنَفِيّ قد نسخ بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ لانها مُتَأَخِّرَة
وَالْجَوَاب ان يجمع بَين الايتين فيستعمل كل وَاحِدَة فِي مَوضِع واذا امكن الْجمع لم يجز دَعْوَى النّسخ
وَالثَّالِث ان يدعى نسخهَا بِأَن ذَلِك شرع من قبلنَا كاستدلال الشَّافِعِي فِي وجوب الْقصاص فِي الطّرف بَين الرجل وَالْمَرْأَة بقوله تَعَالَى ﴿والجروح قصاص﴾
стр. 21
// أخرجه البُخَارِيّ فِي الريات وَغَيره
فَيَقُول الْحَنَفِيّ هَذَا اخبار عَن شرع من قبلنَا وَقد نسخ ذَلِك بشرعنا
فَالْجَوَاب ان شرع من قبلنَا شرع لنا اَوْ يدل على ان ذَلِك شرع لنا ايضا لَان النَّبِي ﷺ قَالَ فِي امْرَأَة قلعت سنّ امْرَأَة كتاب الله الْقصاص واراد بِهِ هَذِه الاية
والاعتراض السَّابِع التَّأْوِيل وَذَلِكَ ضَرْبَان
تَأْوِيل الظَّاهِر كاستدلال الشَّافِعِي فِي ايجاب الابتاء بقوله تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ فيحمله الْحَنَفِيّ على الِاسْتِحْبَاب بِدَلِيل
وَالثَّانِي تَخْصِيص الْعُمُوم كاستدلال الشَّافِعِي فِي قتل شُيُوخ الْمُشْركين بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ فيخصصها الْحَنَفِيّ فِي الشُّيُوخ بِدَلِيل
стр. 22
وَالْجَوَاب ان يتَكَلَّم على الدَّلِيل الَّذِي تَأَول بِهِ اَوْ خص بِهِ ليسلم لَهُ الظَّاهِر والعموم
والاعتراض الثَّامِن الْمُعَارضَة وَهُوَ ضَرْبَان مُعَارضَة بالنطق ومعارضة بِالْعِلَّةِ
فالمعارضة بالنطق مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي تَحْرِيم شعر الْميتَة بقوله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾
فيعارضه الْحَنَفِيّ بقوله تَعَالَى ﴿وَمن أصوافها وأوبارها وَأَشْعَارهَا أثاثا ومتاعا إِلَى حِين﴾
الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن
احدهما ان يتَكَلَّم على الْمُعَارضَة بِمَا يعْتَرض بِهِ
اَوْ يسْتَدلّ بِهِ ابْتِدَاء ويرجح دَلِيله على الْمُعَارضَة وان كَانَت الْمُعَارضَة بعلة تكلم عَلَيْهَا بِمَا تكلم على الْعِلَل ليسلم دَلِيله
стр. 23
- ﷺ َ - بَاب الْكَلَام على الِاسْتِدْلَال بِالسنةِ ﷺ َ -
وَذَلِكَ من ثَلَاثَة اوجه
احدها الرَّد
وَالثَّانِي الْكَلَام على الاسناد
وَالثَّالِث الْكَلَام على الْمَتْن
فاما الرَّد فَمن وُجُوه
احدها رد الرافضة وَذَلِكَ ردهم اخبارنا فِي الْمسْح عل الْخُفَّيْنِ وايجاب غسل الرجلَيْن قَالُوا هَذِه اخبار احاد وَنحن لَا نقُول بِهِ
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة اوجه
احدها ان يَقُول اخبار الاحاد اصل من اصول الدّين فان لم يسلمُوا نقلنا الْكَلَام اليه
وَالثَّانِي ان يُقَال ان هَذَا تَوَاتر من طَرِيق الْمَعْنى فان الْجَمِيع مُتَّفق على الدّلَالَة على الْمسْح على الْخُف وايجاب غسل الرجلَيْن وان كَانَ فِي كل
стр. 24
قصَّة مِنْهَا خبر الْوَاحِد فَوَقع الْعلم بهَا كالاخبار عَن شجاعة عَليّ وسخاء حَاتِم
وَالثَّالِث ان يناقضوا فِيمَا خالفونا فِيهِ فانهم اثبتوها باخبار الاحاد
وَالثَّانِي رد اصحاب ابي حنيفَة فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى كردهم خبرنَا فِي مس الذّكر قَالُوا مَا يعم بِهِ الْبلوى لَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد
وَالْجَوَاب ان عندنَا يقبل فان لم يسلمُوا دللنا عَلَيْهِ ولانهم عمِلُوا بِهِ فِي الْمَنْع من بيع دور مَكَّة وايجاب الْوتر
стр. 25
وَالْمَشْي خلف الْجِنَازَة
وَالثَّالِث رد اصحاب مَالك فِيمَا خَالف الْقيَاس كردهم خبرنَا فِي طَهَارَة جُلُود الْميتَة فانه مُخَالف للْقِيَاس فَلَا يقبل
وَالْجَوَاب ان خبر الْوَاحِد عندنَا مقدم على الْقيَاس فان لم يسلمُوا دللنا عَلَيْهِ اَوْ تناقضوا بِمَا قبلوا فِيهِ خبر الْوَاحِد وقدموه على الْقيَاس
وَالرَّابِع رد اصحاب ابي حنيفَة فِيمَا خَالف قِيَاس الاصول كردهم خبرنَا فِي الْمُصراة والقرعة
стр. 26
وَغَيرهمَا
فَالْجَوَاب ان قِيَاس الاصول هُوَ الْقيَاس على مَا ثَبت بالاصول وَقد بَينا الْجَواب عَنهُ ولانهم ناقضوا فعملوا بِخَبَر الْوَاحِد فِي نَبِيذ التَّمْر وقهقهة الْمُصَلِّي واكل النَّاسِي فِي الصَّوْم
وَالْخَامِس رد اصحاب ابي حنيفَة فِيمَا يُوجب زِيَادَة فِي نَص الْقُرْآن وان ذَلِك نسخ كخبرنا فِي ايجاب التَّغْرِيب فَقَالُوا هَذَا يُوجب زِيَادَة فِي نَص الْقُرْآن وَذَلِكَ نسخ وَلَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد
стр. 27
وَالْجَوَاب ان ذَلِك لَيْسَ بنسخ عندنَا لَان النّسخ هُوَ الرّفْع والازالة وَنحن لم نرفع مَا فِي الاية ولانهم ناقضوا فزادوا النَّبِيذ فِي اية التَّيَمُّم بِخَبَر الْوَاحِد
واما الاسناد فَالْكَلَام فييه من وَجْهَيْن
احدهما الْمُطَالبَة باثباته فَهَذَا يكون فِي الاخبار الَّتِي لم توقف فِي السّنَن وَلم تسمع الا من الْمُخَالفين كاستدلال الْحَنَفِيّ فِي صَدَقَة الْبَقر بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ
فِي اربعين مُسِنَّة وَفِيمَا زَاد فبحسابه
وَالْجَوَاب ان يبين اسناده أَو يحيله الى كتاب مُعْتَمد
وَالثَّانِي الْقدح فِي الاسناد وَهُوَ من ثَلَاثَة اوجه
احدها ان يذكر فِي الرَّاوِي سَببا يُوجب الرَّد مثل ان يَقُول انه كَذَّاب اَوْ مُبْتَدع اَوْ مُغفل
فَالْجَوَاب ان يبين للْحَدِيث طَرِيقا اخر
وَالثَّانِي ان يذكر انه مَجْهُول
فَالْجَوَاب ان يبين للْحَدِيث طَرِيقا اخر اَوْ يزِيل جهالته بِرِوَايَة
стр. 28
الثِّقَات عَنهُ اَوْ ثَنَاء اصحاب الحَدِيث عَلَيْهِ
وَالثَّالِث ان يذكر انه مُرْسل
فَالْجَوَاب ان يبين انه مُسْند اَوْ يَقُول الْمُرْسل كالمسند ان كَانَ مِمَّن يعْتَقد قبُول الْمَرَاسِيل
واضاف اصحاب ابي حنيفَة الى هَذَا وُجُوهًا اخر
مِنْهَا ان يَقُول السّلف ردُّوهُ كَمَا قَالُوا فِي حَدِيث الْقسَامَة ان عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ وَالله مَا كَانَ الحَدِيث كَمَا حدث سهل // أخرجه البُخَارِيّ
فَالْجَوَاب انه اذا كَانَ الرَّاوِي ثِقَة لم يرد حَدِيثه بانكار غَيره لَان الْمُنكر يَنْفِي والراوي يثبت والاثبات مقدم على النَّفْي لَان مَعَ الْمُثبت زِيَادَة علم
وَمِنْهَا ان يَقُول الرَّاوِي انكر الحَدِيث كَمَا قَالُوا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 29
ايما امْرَأَة نكحت بِغَيْر اذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل رَاوِيه الزُّهْرِيّ وَقد قَالَ لَا اعرفه
فَالْجَوَاب ان انكار الرَّاوِي لَا يقْدَح فِي الحَدِيث لجَوَاز ان يكون نَسيَه
وَمِنْهَا ان يَقُول رَاوِيه لم يعْمل بِهِ كَمَا قَالُوا فِي حَدِيث الْغسْل من ولوغ الْكَلْب سبعا ان رَاوِيه ابو هُرَيْرَة وَقد افتى بِثَلَاث مَرَّات // كَمَا أخرجه الطَّحَاوِيّ
стр. 30
فَالْجَوَاب ان الرَّاوِي يجوز ان يكون قد نسي فِي حَال الْفتيا اَوْ أَخطَأ فِي تَأْوِيله فَلَا يتْرك سنة ثَابِتَة بِتَرْكِهِ
وَمِنْهَا ان يَقُول هَذِه الزِّيَادَة لم تنقل نقل الاصل كَمَا قَالُوا فِي قَوْله ﵇ فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بنضح اَوْ غرب نصف الْعشْر اذا بلغ خَمْسَة اوسق
فَقَالُوا هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة فَلم يذكرُوا الا وسْقا فَدلَّ على انه لَا اصل لَهَا
وَالْجَوَاب انه يجوز ان يكون قد ذكر هَذِه الزِّيَادَة فِي وَقت لم يحضر الْجَمَاعَة اَوْ كَانَ هُوَ اقْربْ اليه سمع الزِّيَادَة وَلم يسمعوا فَلم يجز رد خبر الثِّقَة
واما الْمَتْن فَهُوَ ثَلَاثَة قَول وَفعل واقرار
فاما القَوْل فضربان مُبْتَدأ وخارج على السَّبَب
стр. 31
فالمبتدأ كالكتاب يتَوَجَّه عَلَيْهِ مَا يتَوَجَّه على الْكتاب وَقد بَيناهُ الا اني أُعِيد القَوْل فِي السّنة لانه اوضح امثلة وَرُبمَا اتّفق فِيهِ زِيَادَة لم تذكر فِي الْكتاب
والاعتراض على الْمَتْن من ثَمَانِيَة اوجه
احدها ان يسْتَدلّ بِمَا لَا يَقُول بِهِ وَذَلِكَ من ثَلَاثَة اوجه
فَمِنْهَا ان يسْتَدلّ بِحَدِيث وَهُوَ مِمَّن لَا يقبل مثل ذَلِك الحَدِيث كاستدلالهم بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا يعم بِهِ البلوة اَوْ فِيمَا يُخَالِفهُ الْقيَاس وَمَا اشبه ذَلِك مِمَّا لَا يقل فِيهِ بِخَبَر الْوَاحِد
وَالْجَوَاب ان يَقُول ان كنت انا لَا اقول بِهِ الا انك تَقول بِهِ وَهُوَ حجَّة عنْدك فلزمك الْعَمَل بِهِ
وَالثَّانِي ان يسْتَدلّ فِيهِ بطرِيق لَا يَقُول بِهِ مثل ان يسْتَدلّ بِدَلِيل الْخطاب وَهُوَ لَا يَقُول بِهِ كاستدلاله فِي ابطال خِيَار الْمجْلس بِمَا رُوِيَ ان النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يقبض فَدلَّ على انه // أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَمُسلم غَيرهم
стр. 32
اذا قبض جَازَ بَيْعه وان كَانَ فِي الْمجْلس
فَيُقَال لَهُ هَذَا اسْتِدْلَال بِدَلِيل الْخطاب وانت لَا تَقول بِهِ
وَالْجَوَاب ان يَقُول هَذِه طَريقَة لبَعض اصحابنا وانا مِمَّن اقول بِهِ اَوْ ان يَقُول ان هَذَا بِلَفْظ الْغَايَة وانا اقول بِهِ فِيمَا علق الحكم فِيهِ على الْغَايَة
وَالثَّالِث ان لَا يَقُول بِهِ فِي الْموضع الَّذِي ورد فِيهِ كاستدلالهم على ان الْحر يقتل بِالْعَبدِ بقوله ﷺ من قتل عَبده قَتَلْنَاهُ // أخرجه سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَغَيرهم
فَيُقَال مَا تنَاوله الْخَبَر لَا نقُول بِهِ فَإِنَّهُ لَا خلاف انه لَا يقتل بِعَبْدِهِ
وَقد تكلّف بَعضهم الْجَواب عَنهُ بِأَنَّهُ لما وَجب الْقَتْل على الْحر بقتل عَبده دلّ على انه يقتل بِعَبْد غَيره اولا ثمَّ دلّ الدَّلِيل على انه لَا يقتل بِعَبْدِهِ فَبَقيَ قَتله بِعَبْد غَيره على مَا اقْتَضَاهُ
والاعتراض الثَّانِي ان يَقُول بِمُوجبِه وَذَلِكَ على وَجْهَيْن
احدهما ان يحْتَج الْمُسْتَدلّ باحد الوضعين فَيَقُول السَّائِل بِمُوجبِه
стр. 33
بِالْحملِ على الْوَضع الآخر مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي نِكَاح الْمحرم بقوله ﷺ لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح // اخرجه الإِمَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَغَيره
فَيَقُول الْحَنَفِيّ النِّكَاح فِي اللُّغَة هُوَ الْوَطْء فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يطَأ الْمحرم
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن
احدهما ان يَقُول النِّكَاح فِي عرف الشَّرْع هُوَ العقد وَفِي عرف اللُّغَة هُوَ وَطْء وَاللَّفْظ اذا كَانَ لَهُ عرفان عرف فِي اللُّغَة وَعرف فِي الشَّرْع حمل على عرف الشَّرْع وَلَا يحمل على عرف اللُّغَة الا بِدَلِيل
وَالثَّانِي ان يبين بِالدَّلِيلِ من سِيَاق الْخَبَر اَوْ غَيره ان المُرَاد بِهِ العقد
وَالضَّرْب الثَّانِي ان يَقُول بِمُوجبِه فِي الْموضع الَّذِي احْتج بِهِ كاستدلال أَصْحَابنَا فِي خِيَار الْمجْلس بقوله ﵇ الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا // أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْبيُوع وَمُسلم فِي كتاب الْبيُوع وَغَيرهم
فَيَقُول الْمُخَالف الْمُتَبَايعَانِ هما المتشاغلان بِالْبيعِ قبل الْفَرَاغ وهما بِالْخِيَارِ عِنْدِي
стр. 34
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن
احدهما ان يبين ان اللَّفْظ فِي اللُّغَة حَقِيقَة فِيمَا ادَّعَاهُ
وَالثَّانِي ان يبين بِالدَّلِيلِ من سِيَاق الْخَبَر اَوْ غَيره ان المُرَاد بِهِ مَا قَالَه
والاعتراض الثَّالِث ان يَدعِي الاجمال اما فِي الشَّرْع اَوْ فِي اللُّغَة
فاما فِي الشَّرْع فَهُوَ مثل ان يحْتَج الْحَنَفِيّ فِي جَوَاز الصَّلَاة بِغَيْر اعْتِدَال بقوله صلوا خمسكم وَهَذَا قد صلي // أخرجه أَحْمد فِي الْمسند
فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا مُجمل لَان المُرَاد بِالصَّلَاةِ هُوَ الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة وَذَلِكَ لَا يعلم من لَفظه بل يفْتَقر فِي مَعْرفَته الى غَيره فَلم يحْتَج بِهِ الا بِدَلِيل على ان ذَلِك صَلَاة
وَالْجَوَاب ان يسْلك طَريقَة من يَقُول ان الْخطاب بلغت الْعَرَب وَالصَّلَاة فِي اللُّغَة هِيَ الدُّعَاء فَوَجَبَ انه اذا فعل مَا يُسمى صَلَاة فِي اللُّغَة يكون ممتثلا
واما الْمُجْمل فِي اللُّغَة فَمثل ان يسْتَدلّ الْحَنَفِيّ فِي تضمين الرَّهْن بقوله
стр. 35
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّهْن بِمَا فِيهِ
فَيَقُول لَهُ الشَّافِعِي هَذَا مُجمل لِأَنَّهُ يفْتَقر الى تَقْدِير مضمن فَيحْتَمل ان يكون مَعْنَاهُ الرَّهْن مَضْمُون بِمَا فِيهِ وَيحْتَمل ان يكون مَعْنَاهُ مَحْبُوس بِمَا فِيهِ فَوَجَبَ ان يتَوَقَّف فِيهِ
وَالْجَوَاب ان يدل على ان المُرَاد بِهِ مَا ذَكرُوهُ اما من جِهَة الْوَضع اَوْ من جِهَة الدَّلِيل
والاعتراض الرَّابِع الْمُشَاركَة فِي الدَّلِيل وَذَلِكَ مثل ان يسْتَدلّ الْحَنَفِيّ فِي مَسْأَلَة الساجة بقوله ﷺ لَا ضَرَر وَلَا ضرار فِي نقض // أخرجه الإِمَام أَحْمد وَغَيره دَار الْغَاصِب ورد الساجة اضرار فَوَجَبَ ان لَا يجوز
فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا حجَّة لنا لَان فِيهِ اسقاط حق الْمَالِك من عين مَاله والإحالة على ذمَّة الْغَاصِب اضرارا بِهِ فَوَجَبَ ان لَا يجوز ذَلِك
وَالْجَوَاب ان يبين الْمُسْتَدلّ انه لَا اضرار على الْمَالِك فَإِنَّهُ يدْفع اليه
стр. 36
الْقيمَة فيزول عَنهُ الضَّرَر
والاعتراض الْخَامِس باخْتلَاف الرِّوَايَة
مثل ان يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي جَوَاز الْعَفو عَن الْقصاص من غير رضَا الْجَانِي بقوله ﷺ فَمن قتل بعد ذَلِك فاهله بَين خيرتين ان // أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَالْبُخَارِيّ فِي الدِّيات وَغَيرهم احبوا قتلوا وان احبوا اخذوا الْعقل
فَيَقُول الْمُخَالف قد رُوِيَ ان احبوا فادوا والمناداة مفاعلة وَلَا يكون // أخرجه النَّسَائِيّ ذَلِك بِالتَّرَاضِي وَالْخَبَر خبر وَاحِد فَيجب التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يعلم اصل الحَدِيث
الْجَواب انه قد رُوِيَ الْجَمِيع وَالظَّاهِر مِنْهُمَا الصِّحَّة فِيهِ فَيصير كالخبرين فَيجمع بَينهمَا فَنَقُول يجوز بِالتَّرَاضِي وَبِغير التَّرَاضِي وهم لَا يَقُولُونَ بِمَا روينَاهُ
الِاعْتِرَاض السَّادِس النّسخ وَذَلِكَ من وُجُوه
احدها ان ينْقل نُسْخَة صَرِيحًا
стр. 37
وَالثَّانِي ان ينْقل مَا يُنَافِيهِ مُتَأَخِّرًا فيدعي نسخه بِهِ
وَالثَّالِث ان ينْقل عَن الصَّحَابَة الْعَمَل بِخِلَافِهِ ليدل على نسخه
وَالرَّابِع ان يَدعِي نسخه بِأَنَّهُ شرع من قبلنَا وانه نسخه شرعنا
فَأَما النّسخ بالتصريح فَهُوَ ان يسْتَدلّ اصحابنا فِي طَهَارَة جُلُود الْميتَة بالدباغ بقوله ﷺ ايما اهاب دبغ فقد طهر // أخرجه الإِمَام أَحْمد وَغَيره
فَيَقُول الْحَنَفِيّ هَذَا مَنْسُوخ بقوله ﵇ كنت رخصت لكم فِي جُلُود الْميتَة فاذا اتاكم كتابي هَذَا فَلَا تنتفعوا من الْميتَة باهاب وَلَا عصب // أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره فَهَذَا صَرِيح فِي نسخ كل خبر ورد فِي طَهَارَة الْجلد بالدباغ
وَالْجَوَاب ان يبين ان هَذَا لم يتَنَاوَل خبرنَا وانما ورد هَذَا فِي جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ لَان الاهاب اسْم للجلد قبل الدّباغ فاما بعد الدّباغ فَلَا يُسمى اهابا وانما يُسمى جلدا واديما وافيقا
واما النّسخ بِنَقْل الْمُتَأَخر مثل ان يسْتَدلّ الظَّاهِرِيّ فِي جلد الثّيّب مَعَ
стр. 38
الرَّجْم بقوله ﷺ خُذُوا عني خُذُوا عني قد جعل الله // أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَغَيره هن سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم
فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا مَنْسُوخ بِمَا رُوِيَ ان النَّبِي ﵇ رجم ماعزا وَلم يجلده وَهَذَا مُتَأَخّر عَن خبركم لَان خبركم ورد فِي اول مَا شرع الْجلد وَالرَّجم
وَالْجَوَاب ان يتَكَلَّم على النَّاسِخ بِمَا يسْقطهُ ليبقى لَهُ الحَدِيث
واما النّسخ بِعَمَل الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ فَمثل اسْتِدْلَال الْحَنَفِيّ فِي اسْتِئْنَاف الْفَرِيضَة بقوله ﵇ فاذا زَادَت الابل على عشْرين وَمِائَة استؤنفت الْفَرِيضَة فِي كل خمس شِيَاه فَيَقُول الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث // أخرجه الطَّحَاوِيّ فِي شرح الْآثَار وَغَيره
стр. 39
مَنْسُوخ لَان ابا بكر وَعمر ﵄ لم يعملا بِهِ وَلم لم يعلمَا نسخه لعملا بِهِ
وَالْجَوَاب ان يتَكَلَّم على عمل الصَّحَابَة بِمَا يسْقطهُ ليبقى لَهُ الْخَبَر
واما النّسخ لانه شرع من قبلنَا فَمثل اسْتِدْلَال الشَّافِعِي ﵀ فِي رجم الذِّمِّيّ بَان النَّبِي ﷺ رجم يهوديين زَنَيَا
فَيَقُول الْمُخَالف انما رجمهما بِحكم التَّوْرَاة فَإِنَّهُ امْر بإحضارهما ثمَّ عمل بذلك وشرعنا قد نسخ ذَلِك
وَالْجَوَاب ان شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم نعلم نسخه وَلِأَن النَّبِي
стр. 40
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عمل بِهِ فَدلَّ على انه شرع لنا
وَألْحق اصحاب ابي حنيفَة بذلك وَجها اخر وَهُوَ النّسخ بِزَوَال الْعلَّة وَذَلِكَ مثل ان يسْتَدلّ اصحابنا فِي تَخْلِيل الْخمر بَان النَّبِي ﷺ نهى ابا طَلْحَة عَن تخليلها // أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره
فَقَالُوا هَذَا كَانَ اول مَا حرم الْخمر والفوا شربهَا ينْهَى عَن تخليلها تَغْلِيظًا وتشديدا وَقد زَالَ هَذَا الْمَعْنى فَزَالَ الحكم
وَالْجَوَاب ان يبين ان ذَلِك لم يكن لهَذِهِ الْعلَّة بل كَانَ ذَلِك بَيَانا لحكم الْخَبَر كايجاب الْحَد وَتَحْرِيم الشّرْب وَالْمَنْع من البيع وَغير ذَلِك
وعَلى ان لَو سلمنَا انه حرم لهَذِهِ الْعلَّة الا انه حرمهَا بقول مُطلق يَقْتَضِي تَحْرِيمه فِي الازمان كلهَا وَلَا يجوز نسخه بِزَوَال الْعلَّة كَمَا انه شرع الرمل والاضطباع فِي الْحَج لاظهار الْجلد للْكفَّار وَقد زَالَ هَذَا الْمَعْنى وَالْحكم بَاقٍ
والاعتراض السَّابِع التَّأْوِيل وَذَلِكَ ضَرْبَان
следующие страницы →