← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

[٣٤٤] وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله أَن الصَّلَاة يتَحَقَّق [٤٠ / ب] وُجُوبهَا فِي مفتتح الْوَقْت / وَلَا يتخصص بِالْوَقْتِ الأول بل تتساوى جملَة الْأَوْقَات المصروفة فِي حكم الْوُجُوب كَمَا تتساوى جملَة الْأَوْقَات فِي امْتِثَال الْأَمر الْمُطلق فالأوقات المضروبة للصَّلَاة على التَّعْيِين كأوقات الْإِمْكَان فِي الْعُمر فِيمَا ورد الْأَمر بِهِ مُطلقًا من غير تأقيت بِهِ نَحْو الْحَج وَمثله. [٣٤٥] ثمَّ اعْلَم أَنا إِذا فسحنا لَهُ فِي تَأْخِير الصَّلَاة من أول وَقتهَا فَلَا يجوز ذَلِك التّرْك إِلَّا لبدل عَنهُ وَهُوَ الْعَزْم على فعله فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات

стр. 247

بِشَرْط بَقَاء الصِّفَات المشترطة فِي التَّكْلِيف على مَا أومأنا إِلَيْهِ فِي أثْنَاء مسئلة الْفَوْر. [٣٤٦] وَهَا نَحن نبطل مَا حكينا من الْمذَاهب خلاف مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄ حَتَّى إِذا بطلت تعين مَذْهَبهمَا للصِّحَّة. فَأَما أَبُو حنيفَة فَيُقَال لَهُ أَلَسْت وافقتنا أَن من أَقَامَ الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا ليتأدى الْفَرْض بذلك فَلَا تَخْلُو بعد تَسْلِيم هَذَا الأَصْل إِمَّا أَن تَقول أَن مَا أَدَّاهَا فِي أول الْوَقْت وَقع نفلا قَائِما مقَام الْفَرْض أَو لَا تَقول ذَلِك فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك أدّى ذَلِك إِلَى خرق إِجْمَاع الْأمة، وَذَلِكَ أَن قَائِلا لَو قَالَ لكم إِذا أَقَامَ الْمُكَلف الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا فَهَل تحكمون بِوُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي آخر الْوَقْت، أَو لَا تحكمون بِوُجُوبِهَا أصلا بعد مَا فرطت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، فَإِن لم تحكموا بِوُجُوبِهَا فِي آخر الْوَقْت لزمكم أَن تَقولُوا دخل وَقت الظّهْر على مُكَلّف مقتدر على إِقَامَة الصَّلَاة بشرائطها مَعَ الِاخْتِيَار وارتفاع الْأَعْذَار وَلم تجب عَلَيْهِ الظّهْر، وَهَذَا مراغمة مَا عَلَيْهِ الْأمة، وَيلْزم من قوده أَن تَقولُوا: من عمر مائَة أَقَامَ الصَّلَاة فِي جَمِيع عمره فِي أَوَائِل الْأَوْقَات فقد انْقَضى عمره وَمَا أوجب الله عَلَيْهِ صَلَاة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ، وَإِن هم قَالُوا: تجب الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت مَعَ جَوَاز تَقْدِيم الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، فيلزمهم من ذَلِك شَيْئَانِ: أَحدهمَا خرق الْإِجْمَاع، وَالثَّانِي إبِْطَال مَا عَلَيْهِ معولهم فِي المسئلة، فَأَما خرق

стр. 248

الْإِجْمَاع فَإِنَّمَا يلْزمهُم لِأَن الْأمة مجمعة على أَن من أَقَامَ الظّهْر فِي أول الْوَقْت فَلَا يتَعَلَّق بِهِ إِلْزَام الظّهْر فِي آخر الْوَقْت. وَأما إبطالهم مَا عولوا عَلَيْهِ فَذَلِك أَنهم قَالُوا: حَقِيقَة جَوَاز التَّأْخِير، فَهَذَا لَو قَالُوا: إِن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت وَقعت نفلا. [٣٤٧] ثمَّ أعقب الْفُقَهَاء مَا قدمْنَاهُ بشيئين: أَحدهمَا أَنهم قَالُوا لَو كَانَت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت نفلا لجَاز للْمُصَلِّي أَن يَنْوِي النَّفْل وَقد وافقتمونا على أَنه لَو نوى ذَلِك لم يَقع موقع الْفَرْض. وأوضحوا ذَلِك بِأَن [٤١ / أ] قَالُوا التَّنَفُّل قبل / الزَّوَال سَائِغ كَمَا أَنه جَائِز بعده فَلَو كَانَت الصَّلَاة نفلا لما اخْتصّت بِمَا بعد الزَّوَال. وَالَّذِي نرتضيه الِاكْتِفَاء بِمَا قدمْنَاهُ. [٣٤٨] وَإِن قَالُوا: الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت مَوْقُوفَة فَإِن انْقَضى الْوَقْت والمكلف على شَرَائِط الصِّحَّة والالتزام بَان لنا وُجُوبهَا، وَإِن اخترم قبل آخر الْوَقْت بَان لنا وُقُوعهَا موقع النَّفْل وَهَذَا مَا تميل [إِلَيْهِ] الدهماء من فُقَهَاء أَصْحَاب أبي حنيفَة، ثمَّ تمثلوا فِي ذَلِك بأمثلة فِي الشَّرِيعَة نصير فِيهَا إِلَى الْوَقْف أَولا ثمَّ نسند إِلَيْهَا حكما آخر، فَنَقُول فِي الرَّد على هَؤُلَاءِ: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنا نقُول: إِذا انْقَضى عَلَيْهِ الْوَقْت ألستم

стр. 249

زعمتم أَنه يتَبَيَّن أَن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت وَقعت فرضا أول مَا وَقعت، فَنَقُول: أَنْتُم فَلَا تخلون إِذا إِمَّا أَن تزعموا أَنه بَان لنا وُجُوبهَا فِي أول الْوَقْت حَتَّى لَو قدر تَأْخِيره عَن أول الْوَقْت نسبناه إِلَى الْعِصْيَان، أَو لَا تَقولُونَ ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ تبين لنا أَنه كَانَ لَا يجوز لَهُ التَّأْخِير، فَهَذَا خرق الْإِجْمَاع، وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَقْرِيره لوضوحه وَإِن قُلْتُمْ لم يبن لنا تضيق الْوَقْت، فقد أثبتم وَاجِبا يجوز تَأْخِيره، وَهَذَا أوضح من فلق الصُّبْح. وَالْوَجْه الثَّانِي: فِي الرَّد عَلَيْهِم أَن نقُول: من أَقَامَ الظّهْر فِي أول وقته ثمَّ اخترم فِي أَوسط الْوَقْت فقد أَجمعت الْأمة على أَنه قد أَقَامَ الظّهْر ثمَّ أَجمعُوا أَن الْمُكَلف مَعَ سَلامَة الْأَحْوَال وارتفاع الْأَعْذَار لَو بدر مِنْهُ مَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ ظهرا أَولا مَعَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ [لَا] يكون نفلا، فَلَا يزالون يتورطون فِيمَا يلْزمهُم خرق الْإِجْمَاع. واجتز بِمَا قدمْنَاهُ قبل ذَلِك. [٣٤٩] وَإِن قَالُوا: إِن الصَّلَاة المقامة فِي أول وَقتهَا وَقعت نفلا ثمَّ انقلبت فرضا لَا على وَجه التبين والإسناد. فَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَا مضى من الْأَفْعَال وانقضى من الْعِبَادَات على كمالها فيستحيل قلب صفتهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَضَت وَانْقَضَت منعوتة بالتطوع فَلَو وصفناها ابْتِدَاء بِالْوُجُوب كَانَ محالا، لِأَن الْوَصْف بِالْوُجُوب إِنَّمَا يتَحَقَّق إِمَّا فِي مَوْجُود حَال حُدُوثه، وَإِمَّا فِيمَا سيوجد. فَأَما مَا انْقَضى وجوده على خلاف نعت الْوُجُوب فيستحيل ابْتِدَاء وصف الْوُجُوب لَهُ وَهَذَا كَمَا أَن فعلا لَو وَقع فِي غير موقع

стр. 250

الطَّاعَات وانقضى فيستحيل وَصفه بعد انقضائه ابْتِدَاء وإنشاء إِلَّا أَن يتَبَيَّن بِكَوْنِهِ طَاعَة، اللَّهُمَّ وَإِن سبق لنا مُقَارنَة سمة الطَّاعَة لوجودها وَهَذَا بَين لَا ريب فِيهِ. وَالْوَجْه الآخر للإبطال أَن نقُول: ألستم عولتم فِيمَا إِلَيْهِ ذهبتم على أَن من حكم الْوَاجِب أَن يَعْصِي الْمُكَلف بِتَرْكِهِ، فَنَقُول لكم بِمَا دخل آخر [٤١ / ب] الْوَقْت فقد تحقق مِنْهُ التّرْك / وَلم ينتسب إِلَى الْمعْصِيَة وَالَّذِي بدر مِنْهُ فِي أول الْوَقْت غير مَا يجب عَلَيْهِ فِي آخر الْوَقْت فقد أثبتم وجوبا مَعَ انْتِفَاء الْعِصْيَان عِنْد تَحْقِيق تَركه، فاتضح بطلَان مَا قَالُوهُ من كل الْوُجُوه، وَلم يبْق إِلَّا الْقطع بِأَن الصَّلَاة تجب وَلَا يتخصص وُجُوبهَا بآخر الْوَقْت. فَهَذَا أوجه الرَّد على أَصْحَاب أبي حنيفَة. [٣٥٠] فَأَما من زعم من أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت، وَلَو أخرت عَنهُ لكَانَتْ قَضَاء فَهَذَا مَذْهَب لَا طائل وَرَاءه، فَأَنا نقُول: إِذا زعمتم أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت. فَهَل تَقولُونَ: إِن الْمُكَلف يَعْصِي بتأخيرها؟ فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك، خرقتم الْإِجْمَاع المنعقد قبل حُدُوث هَذَا الْمَذْهَب، وَقطع الْكَلَام عَنْكُم، وَإِن قُلْتُمْ: إِنَّه لَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، فَنَقُول لكم: فَلَو أَقَامَهَا فِي الْوَقْت الثَّانِي هَل تَبرأ ذمَّته؟ فَإِن قَالُوا: تَبرأ ذمَّته، قيل لَهُم: فَلَا خلاف بَيْننَا فِي الْمَعْنى، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَسْمِيَة الصَّلَاة أَدَاء أَو قَضَاء، فَمن أَيْن عَرَفْتُمْ الْفَصْل بَين الْوَقْتَيْنِ؟ وَإِضَافَة الصَّلَاة إِلَى الْوَقْت الأول كإضافتها إِلَى الْوَقْت الثَّانِي، فاضمحل هَذَا الْمَذْهَب وَرجع محصوله إِلَى التسميات، وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِنَّمَا يُطلق الْقَضَاء على مَا يسْتَدرك وُجُوبه بِالْأَمر بِالْأَدَاءِ كَمَا

стр. 251

سنقرره إِن شَاءَ الله وَهَؤُلَاء وافقونا أَن إِقَامَة الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت يدْرك وُجُوبهَا بِالْأَمر الْمُطلق فِي الصَّلَاة المؤقتة بجملة الْأَوْقَات. [٣٥١] فَإِذا بطلت هَذِه الْمذَاهب تعين مَا ارْتَضَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄. [٣٥٢] فَإِن قَالُوا: لَيْسَ من وصف الْوَاجِب أَن يَعْصِي الْمُكَلف بِتَرْكِهِ ويتحقق التّرْك فِي أول الْوَقْت من غير انتساب إِلَى الْمعْصِيَة فَلَو جَازَ إِثْبَات وصف الْوُجُوب على هَذَا الْوَجْه جَازَ وصف النَّوَافِل بِالْوُجُوب. وَبِمَا قدمْنَاهُ من الْأَدِلَّة ننفصل عَن ذَلِك، ثمَّ نقُول اعلموا أَن الْوَاجِب عندنَا فِي أول الْوَقْت أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا فعل الصَّلَاة أَو الْعَزْم على إِقَامَتهَا فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات فَأَيّهمَا فعل فقد أدّى مَا كلف فَإِن تَركهمَا عصى، ويتنزل الْمُكَلف فِي أول الْوَقْت منزلَة من تلْزمهُ كَفَّارَة الْيَمين وتخيره بَين ثلث خلال وَقد يضيق عَلَيْهِ وَقت التَّكْفِير. وَقد يتضيق فِي بعض الْمَوَاضِع فَلَو قَالَ قَائِل أَن شَيْئا من أَقسَام الْكَفَّارَة لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ لَو تَركه لم يعْص بِهِ، كَانَ محالا، بل الْوَاجِب أَحدهمَا، على مَا نقرره بعد ذَلِك فِي بَاب مُفْرد إِن شَاءَ الله ، فَلَو ترك كليهمَا عصى حِينَئِذٍ مَعَ ثُبُوت التَّضْيِيق. ثمَّ طرد ذَلِك فِي سَائِر الْأَوْقَات حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى آخر الْوَقْت فَنَقُول: لَا يتَصَوَّر مِنْهُ الْعَزْم على الْأَدَاء فِي الِاسْتِقْبَال، فَتعين فعل الصَّلَاة فَهَذَا وَجه التَّحْقِيق وكشف الغطاء وَمن أحَاط / [٤٢ / أ] علما بِهِ لم يبْق عَلَيْهِ لبس إِن شَاءَ الله .

стр. 252

(٧٩) فصل [٣٥٣] فَإِن قيل: هَل تجوزون تأقيت الْعِبَادَة بِوَقْت لَا يَسعهَا مَعَ الْمصير إِلَى إِحَالَة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق؟ . قُلْنَا: لَا يجوز ذَلِك على هَذَا الأَصْل فَإِنَّهُ من المحالات. [٣٥٤] فَإِن قيل: أَلَيْسَ قَالَ الْفُقَهَاء إِن من أدْرك من أَصْحَاب الضرورات قدر رَكْعَة من آخر صَلَاة الْعَصْر فَيلْزمهُ الْعَصْر فِي وَقت لَا يَسعهَا وَكَذَلِكَ قُلْتُمْ من نذر أَن يَصُوم يَوْم يقدم زيد فَلَو قدم لَيْلًا لم يلْزم بِالنذرِ شَيْئا

стр. 253

وَلَو قدم نَهَارا

стр. 254

ألزمتم الصَّوْم، وَإِن كَانَ بَقِيَّة الْيَوْم بعد مقدمه لَا يسع صوما مَشْرُوعا. قيل: إِذا أطلق الْفُقَهَاء عبارَة الْوُجُوب فِي هَذَا الْمنَازل فَلَا يعنون بهَا وجوب الْأَدَاء مَعَ تضييق الْوَقْت وَلَكِن يعنون بذلك وجوب الْقَضَاء فَإِذا قَالُوا من أدْرك من الْعَصْر وَجب عَلَيْهِ الْعَصْر، أَرَادوا بذلك أَو يُوقع المسئلة الَّتِي صورتموها فَلَا يعنون بذلك وجوب صَوْم ذَلِك الْيَوْم وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ وجوب الْقَضَاء وَهُوَ مُصَرح بِهِ كَلَامهم فَإِنَّهُم يفصحون بِالْقضَاءِ ويفصلون الْمذَاهب فِي وجوب الِامْتِثَال فِي يَوْم الْمُقدم فَتبين المرام على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ.

стр. 255

(٨٠) القَوْل فِي وُرُود الْإِيجَاب الْمُتَعَلّق بأَشْيَاء على جِهَة التَّخْيِير [٣٥٥] فَإِن قَالَ قَائِل: هَل تجوزون وُرُود الْإِيجَاب والإلزام مُتَعَلقا بِشَيْء من أَشْيَاء على جِهَة التَّخْيِير وَانْتِفَاء التَّعْيِين. قُلْنَا: نجوز ذَلِك وَلَا نَحْفَظ عَن أحد من أَصْحَاب الْمذَاهب منع تَجْوِيز ذَلِك على الْجُمْلَة، وَلَكنَّا ندل عَلَيْهِ بأوضح شَيْء فَنَقُول: إِذا وَجب على الحانث فِي يَمِينه الْكَفَّارَة، وَورد الشَّرْع بتخييره بَين ثَلَاث خلال، أَحدهَا الْعتْق وَالثَّانيَِة الْإِطْعَام وَالثَّالِثَة الْكسْوَة فَهَذَا مِمَّا يجوز، وَلَا يستبعد عقلا وَذَلِكَ أَن كل وَاحِد مِنْهَا يَقع التَّخْيِير فِيهِ مِمَّا يَصح اكتسابه، وَقد قدمنَا فِيمَا سبق أَن كل مَا يَصح اكتسابه يَصح تعلق التَّكْلِيف بِهِ فَإِذا كَانَ كل وَاحِد على النَّعْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَلَيْسَ فِي تَفْوِيض إِيثَار وَاحِد إِلَى الْمُكَلف تنَاقض وتناف، فَتبين جَوَاز ذَلِك عقلا. [٣٥٦] وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة فِي تمهيد جَوَاز ذَلِك لَهُ إِلَى أَن مُقْتَضى

стр. 256

قواعدهم فِي [بِنَاء] التَّكْلِيف على الْمصَالح وَزَعَمُوا أَنه لَا يستبعد فِي مجاري الْمصَالح أَن يَسْتَوِي شَيْئَانِ فِي الْأَدَاء إِلَى مصلحَة عبد ثمَّ إِذا تماثلا خير الْمُكَلف بَينهمَا وأوضحوا ذَلِك عِنْد أنفسهم بمثال فِي الشَّاهِد وَقَالُوا إِذا [٤٢ / ب] طلب الْأَب مصلحَة ابْنه فِي أمره وَعلم / أَنه لَو ألطف لَهُ القَوْل صلح فِيمَا يرومه مِنْهُ، وَلَو حباه بِدِينَار صلح أَيْضا، فَيتَخَيَّر فِي طلب صَلَاحه بِأَحَدِهِمَا. [٣٥٧] وَنحن معاشر أهل الْحق نستغني عَن هذيانهم فِي الصّلاح والأصلح، ونبني جَوَاز التَّكْلِيف على مَا يجوز اكتسابه إِذا احتلنا القَوْل بتكليف مَا لَا يُطَاق. [٣٥٨] ثمَّ اعْلَم أَن التَّخْيِير قد يتَعَلَّق بمتضادين يَسْتَحِيل الْجمع بَينهمَا عقلا، وَقد يتَعَلَّق بمختلفين يجوز بَينهمَا عقلا وسمعا، وَقد يتَعَلَّق بمختلفين يجوز الْجمع بَينهمَا عقلا وَقد منع الشَّرْع بَينهمَا، وَقد يتَعَلَّق التَّخْيِير فِي الْإِلْزَام بشيئين ويتخصص أَحدهمَا لَو آثره الْمُكَلف بِزِيَادَة ندب وإيضاح ذَلِك بالأمثلة: أما التَّخْيِير بَين المتضادين فَهُوَ نَحْو وُرُود الْأَمر بِالْقيامِ وَالْقعُود، وَأما التَّخْيِير بَين مُخْتَلفين منع الشَّرْع الْجمع بَينهمَا وَإِن سَاغَ تَقْدِير ذَلِك عقلا، فَهُوَ نَحْو تَخْيِير الْوَلِيّ بَين الْأَكفاء فِي تَزْوِيج وليته، فَيثبت التَّخْيِير بَين آحادهم، وَلَا يجوز الْجمع بَين اثْنَيْنِ فِي حكم التَّزْوِيج، وَكَذَلِكَ إِذا انطوى

стр. 257

الْعَصْر على أشخاص يصلح كل وَاحِد مِنْهُم للْإِمَامَة فَيجب نصب أحدهم، والتخيير فِي ذَلِك إِلَى أهل الْحل وَالْعقد عِنْد التَّسَاوِي فِي الصِّفَات وَلَو أَرَادوا الْجمع بَين إمامين لم يجز لَهُم ذَلِك وأمثلته تكْثر، وَأما تَخْصِيص إِحْدَى الخيرتين بِزِيَادَة تحريض فَهُوَ نَحْو الْإِعْتَاق مَعَ الْإِطْعَام فِي أغلب الْأَوْقَات فَإِن الْعتْق يخصص بِزِيَادَة تحريض. [٣٥٩] فَإِن قيل: يتَصَوَّر التَّخْيِير بَين مثلين قبل ان يتساويا فِي كل الْأَوْصَاف، وَلم يتخصص أَحدهمَا عَن الثَّانِي بِوَصْف وَوقت وَتعذر الميز بَينهمَا، فَلَا يجوز تثبيت التَّخْيِير مَعَ تعذر الْعلم بالميز فَإِن من شَرط ثُبُوت أَحْكَام التَّكْلِيف إِمْكَان الْعلم بمواقعها. وإيضاح ذَلِك بالمثال أَن قَائِلا لَو قَالَ: يتَخَيَّر الْمُكَلف بَين أَن يُصَلِّي أَربع رَكْعَات وَبَين أَن يُصَلِّي أَربع رَكْعَات مَعَ تساويهما فِي كل النعوت كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يدْرك فِي حكم التَّكْلِيف وَإِن كَانَ المتماثلان [متغايرين] كَمَا أَن الْمُخْتَلِفين [متغايران] . [٣٦٠] ثمَّ اعْلَم أَن مُعظم الْعِبَادَات فِي الشَّرْع على التَّخْيِير وَمَا من عبَادَة إِلَّا ويدخلها التَّخْيِير إِلَّا مَا يشذ ويندر. فَإِن قيل: فَمَا وَجه التَّخْيِير فِي كَفَّارَة الْقَتْل فِي حق المقتدر على الْإِعْتَاق.

стр. 258

قُلْنَا: إِذا كَانَت لَهُ رِقَاب تخير فِي أَيهمْ شَاءَ وَإِذا لم تكن تخير فِي ابتياع أَي عبد شَاءَ إِذا كَانَ مستجمعا لشرائط الْأَجْزَاء. [٣٦١] فَإِن قيل: إِذا تعين رد الْوَدِيعَة فَمَا معنى التَّخْيِير فِيهَا مَعَ الْإِمْكَان. قيل: [يردهَا] بِيَمِينِهِ أَو يسَاره وهما فعلان متغايران، وَكَذَلِكَ يتَوَضَّأ مَعَ تعْيين الْوضُوء بِأَيّ مَاء شَاءَ، وَيُصلي مَعَ ضيق الْوَقْت فِي أَي مَكَان شَاءَ مَعَ أَي لبوس سَاتِر أَرَادَ، فَمَا من عبَادَة وَطَاعَة إِلَّا ويتجمع فِيهَا ضروب من الْخيرَة. [٤٣ / أ] [٣٦٢] فَإِذا احطت علما بذلك / فَاعْلَم أَن الشَّرْع إِذا تعلق باقتضاء إِيجَاب فِي أَشْيَاء على التَّخْيِير مَعَ تساويها فِي الصِّفَات فَمَا صَار إِلَيْهِ المتكلمون وَمن يعول على مذْهبه من الْفُقَهَاء أَن الْوَاجِب مِمَّا وَقع فِيهِ التَّخْيِير وَاحِد لَا بِعَيْنِه، وَلَا تُوصَف كلهَا بِالْوُجُوب وَلَيْسَ الْمَعْنى بقولنَا إِن الْوَاجِب وَاحِد لَا بِعَيْنِه إِنَّه مُتَعَيّن فِي علم الله ملتبس علينا وَلَكِن مَا من وَاحِد مِنْهَا قد

стр. 259

يُبدل سَائِر إِلَّا تعلّقت بِهِ بَرَاءَة الذِّمَّة. [٣٦٣] وَذهب الجبائي وَابْنه فِي فِئَة من أتباعهما وشرذمة من

стр. 260

الْفُقَهَاء أَن الْكل مِنْهَا وَاجِب وَلَا يتخصص بِالْوُجُوب مِنْهَا وَاحِد، حَتَّى قَالُوا من حنث فِي يَمِينه وَجب عَلَيْهِ الْإِعْتَاق وَالْكِسْوَة وَالْإِطْعَام وَلَا نقُول: إِن الْوَاجِب وَاحِد فِي ذَلِك، وَالدَّلِيل فِي الرَّد عَلَيْهِم أَن نقُول: قد تتَعَلَّق الْخيرَة بأَشْيَاء يحرم الْجمع بَينهَا وَذَا نَحْو مَا تمثلنا بِهِ فِي الْإِمَامَة وَالتَّزْوِيج من

стр. 261

الإكفاء إِلَى غَيرهمَا من الْأَمْثِلَة. فَنَقُول لخصومنا لَا تخلون إِمَّا أَن تحكموا بِأَن الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِد لَا بِعَيْنِه فقد سلمتم المسئلة فَإِن معولكم فِي وصف كلهَا بِالْوُجُوب على تساويها فِي النعوت والإفضاء إِلَى الصّلاح لَو قدرت أفرادا فزعمتم أَنه إِذا وَجب وصف وَاحِد بِالْوُجُوب وَجب وصف مثله بِمثل وَصفه لَا ستحالة أَن يثبت للشَّيْء وصف وَلَا يثبت مثل لمثله، وَإِن زعمتم أَن كلهَا وَاجِب فيلزمكم من ذَلِك الْمصير إِلَى وجوب كلهَا مَعَ تَحْرِيم الْجمع بَينهمَا، وَهَذَا إفصاح بالمحال، وتطرق إِلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَهَذَا مَا لَا محيص لَهُم عَنهُ. [٣٦٤] وَمِمَّا يعول عَلَيْهِ فِي المسئلة أَن نقُول: إِذا خير الْمُكَلف بَين أَشْيَاء فَمن تَركهَا كلهَا مفرطا بِتَرْكِهَا لَزِمته كَفَّارَة، فَلَا تلْزمهُ الْمعْصِيَة إِلَّا

стр. 262

بترك وَاحِد وفَاقا، وَلَا نجْعَل الحانث التارك للإعتاق وَالْإِطْعَام وَالْكِسْوَة عَاصِيا بترك كل وَاحِدَة من هَذِه الْخلال، حَتَّى يتنزل منزلَة من ترك الْإِعْتَاق وَالصِّيَام وَالْإِطْعَام عَن ثَلَاث كَفَّارَات، وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ، فَتبين بذلك أَن الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِد. [٣٦٥] وَأَرْدَفَ الْفُقَهَاء ذَلِك بِأَن قَالُوا إِذا عَم الْوُجُوب عَمت الْمعْصِيَة عِنْد ترك وَهُوَ نَحْو فرض الْكِفَايَة يتَعَلَّق بالمكلفين فَلَو غفل حرج الكافة. وَكَذَلِكَ من ضمن ألفا عَن الْمَدْيُون عَلَيْهِ ثمَّ تمنع مَعَ الْمَضْمُون عَنهُ عَن الْأَدَاء فيعصي كل وَاحِد مِنْهُمَا بترك أَدَاء الْألف الْمُلْتَزم، وَإِن كَانَ مقصد المطالب مِنْهُمَا ألفا، فَلَمَّا عَمهمَا الْوُجُوب عمتهما الْمعْصِيَة بِالتّرْكِ، وَلما اتّحدت الْمعْصِيَة فِي صُورَة التَّنَازُع دلّ على اتِّحَاد الْوُجُوب. [٣٦٦] وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ أَصْحَابنَا أَن قَالُوا: لَو أقدم على الْخِصَال الثَّلَاث فِي الْكَفَّارَة مَعًا وَيتَصَوَّر ذَلِك بِأَن ينصب فِي تأديتها وكلاء فتتفق [٤٣ / ب] أفعالهم / فِي وَقت وَاحِد فقد قَالُوا اجْمَعْ: إِنَّهَا إِذا وَقعت فَالْوَاجِب مِنْهَا

стр. 263

وَاحِد. [٣٦٧] وَقد انْفَصل أَبُو هَاشم من ذَلِك فَقَالَ هَذَا سُؤال محَال على قَضِيَّة أصلنَا، فَإِن مَا اتّصف بالوجود لَا يُوصف بِالْوُجُوب فَإِن الْوُجُوب من أَحْكَام التَّكْلِيف، وَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بالشَّيْء مَعَ حُدُوثه، وَإِنَّمَا يتَحَقَّق التَّكْلِيف قبل الْحُدُوث، كَمَا يتَحَقَّق الاقتدار قبل الْحُدُوث، فَيُقَال لَهُ هَذَا لَا ينجيك عَمَّا أُرِيد بك، وَذَلِكَ أَنَّك وَإِن كنت لَا تصفها بِالْوُجُوب عِنْد الْوُجُود فَنَقُول فِي كل مَا وَجب قبل حُدُوثه إِذا حدث: إِنَّه كَانَ وَاجِبا، وَإِذا وجدت الْخِصَال الثَّلَاث فِي الْكَفَّارَة فَلَا يمكنك أَن تَقول: كلهَا كَانَت وَاجِبَة حَتَّى يُثَاب الْمُكَلف

стр. 264

على كل وَاحِد الإثابة على الْوَاجِبَات، وَهَذَا بَين من هَذَا الْوَجْه. [٣٦٨] وَمِمَّا يُقَوي التَّمَسُّك بِهِ أَن من لزمَه إِعْتَاق رَقَبَة فَهُوَ مُخَيّر بَين الرّقاب المحدثة فِي الْعَالم، ثمَّ لَا يُقَال: إِنَّه يجب عَلَيْهِ إِعْتَاق رِقَاب الْعَالم وَكَذَلِكَ من لزمَه التَّصَدُّق بدرهم فَهُوَ مُخَيّر فِي أَعْيَان الدَّرَاهِم، ثمَّ لَا يُقَال: إِنَّه يجب عَلَيْهِ التَّصَدُّق بِدَرَاهِم الدُّنْيَا. وَهَذَا قبيل لَا يرتكبونه وَلَا يفصلون بَينه وَبَين الْمُتَنَازع فِيهِ بفصل سديد. [٣٦٩] شُبْهَة الْمُخَالفين: فَإِن قَالُوا: لَو كَانَ الْوَاجِب مِنْهَا وَاحِدًا بِغَيْر عينه لَأَدَّى ذَلِك إِلَى أَن يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِمَا لَا يتَعَيَّن للمكلف وَلَا يتَمَيَّز وَذَلِكَ محَال.

стр. 265

قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل من أوجه: أَحدهَا: أَن من لزمَه إِعْتَاق رَقَبَة فَلَا يُطلق بِوُجُوب إِعْتَاق الرّقاب عَلَيْهِ ثمَّ يلْزم فِي ذَلِك من اللّبْس مَا ألزمتموه. ثمَّ نقُول ألستم تَقولُونَ: إِنَّه يَعْصِي بترك وَاحِد لَو ترك كلهَا مَعَ تساويها فِي كل الصِّفَات وَلَا يتَعَيَّن مَا يَعْصِي بِتَرْكِهِ. فقولنا فِي الْإِقْدَام كقولكم فِي التّرْك، وأفرض عَلَيْهِم الْكَلَام فِي خِصَال مُتَسَاوِيَة فِي الْمصَالح وكل الصِّفَات فَإِنَّهَا إِذا اخْتلف فَرُبمَا يَزْعمُونَ أَنه إِذا تَركهَا عصى بترك أدونها ثمَّ نقُول إِنَّمَا يَسْتَحِيل التَّكْلِيف لَو طلب من الْمُكَلف خصْلَة من خِصَال وَلم يُفَوض إِلَى خيرته وَلم يعين لَهُ، فَأَما إِذا فوض إِلَى اخْتِيَاره فَلَا اسْتِحَالَة فِيهِ وَهَذَا بَين لكل ذِي تَأمل. [٣٧٠] وَالَّذِي عول عَلَيْهِ أَبُو هَاشم أَن قَالَ: إِنَّمَا يثبت وجوب الشَّيْء لكَونه على صفة تَقْتَضِي لَهُ نعت الْوُجُوب، وَإِذا تعلق التَّخْيِير بأَشْيَاء فَكل وَاحِد مِنْهَا على الصّفة الَّتِي تَقْتَضِي لَهُ نعت الْوُجُوب، فَلَو نَفينَا سمة الْوُجُوب عَن كل وَاحِدَة مِنْهَا مَعَ كَونهَا على الصّفة الَّتِي تَقْتَضِي لَهَا نعت الْوُجُوب لزم نفي الْوُجُوب عَن سائرها. فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بِنَاء مِنْكُم على فَاسد أصلكم فِي صرف

стр. 266

[٤٤ / أ] الْأَحْكَام إِلَى صِفَات الْأَنْفس / والذوات فَإِنَّكُم زعمتم أَن الْقَبِيح فِي نَفسه على سمة تَقْتَضِي لَهُ سمة الْقبْح، وَالْحسن فِي نَفسه على صفة تَقْتَضِي لَهُ وصف الْحسن، فطردتم ذَلِك فِي مُعظم أَحْكَام التَّكْلِيف. وَأما نَحن فننكر ذَلِك ونصير إِلَى أَن الْأَحْكَام لَا ترجع إِلَى صِفَات الْأَنْفس وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّحْقِيق آئلة إِلَى قضايا كَلَام الرب وَقد أفردنا بَابا فِي ذَلِك فِي صدر الْكتاب فَإِذا بَطل مَا ادعوهُ من صرف الْوَاجِب إِلَى صفة الْوَاجِب اضمحل مَا بنوا عَلَيْهِ من وجوب التَّمَاثُل فَإِن التَّمَاثُل إِنَّمَا يرجع إِلَى صفة الْأَجْنَاس. ثمَّ نقُول لَهُم هَذَا الَّذِي ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم برقاب الْعَالم فِي حق من لَزِمته رَقَبَة فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَة فِي الصِّفَات الَّتِي أومأتم إِلَيْهَا مَعَ اسْتِحَالَة القَوْل بِوُجُوب إِعْتَاق جَمِيعهَا وَالَّذِي يهدم هَذَا الأَصْل مَا عولنا عَلَيْهِ فِي أدلتنا حَيْثُ قُلْنَا قد يتَعَلَّق بأَشْيَاء يحرم جَمِيعهَا على مَا سبق إيضاحه. فَنَقُول للمعتصم بِهَذِهِ الشُّبْهَة مَا ذكرته من تَسَاوِي الصِّفَات مَوْجُود فِي هَذَا الْقسم، أفتقول بِوُجُوب الْكل؟ فَإِن لم يقل بِهِ فقد نقض شبهته وَإِن قَالَ بِوُجُوب الْكل قيل: فَكيف يَسْتَقِيم القَوْل بِوُجُوب الْكل مَعَ الْمصير إِلَى تَحْرِيم الْإِتْيَان بِالْكُلِّ فَهَذَا مَا يَنْفِي [موارد] الريب. [٣٧١] وَمن شبه الْقَوْم أَن قَالُوا: إِذا زعمتم أَن الحانث المتخير بَين

стр. 267

الْخلال الثَّلَاث لَا يجب عَلَيْهِ جَمِيعهَا، وَإِنَّمَا يجب وَاحِدَة مِنْهَا لَا بِعَينهَا، فَذَلِك الَّذِي سيقع مِنْهُ مَعْلُوم لله فَهَلا قُلْتُمْ: إِن الْوَاجِب على الحانث مَا علم الله وُقُوعه مِنْهُ، فَإِن مَا علم وُقُوعه يَقع لَا محَالة، قَالُوا: فَإِذا ثَبت ذَلِك يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْوَاجِب مُتَعَيّنا فِي علم الله ملتبسا على الْمُكَلف، وَهَذَا إفصاح مِنْك بتكليف مَا لَا يُطَاق. قيل لَهُم: هَذَا تلبيس مِنْكُم، وَأول مَا يلزمكم عَلَيْهِ إِعْتَاق الرَّقَبَة مَعَ التَّخْيِير فِي كل الرّقاب وَالْعلم بِأَن الله تَعَالَى عين الرَّقَبَة الَّتِي سيعتقها فيلزمكم من ذَلِك مَا ألزمتموه، ثمَّ نقُول تعلق علم الله بخلة من الْخلال لَا يُوجب تعينه فِي حكم التَّكْلِيف، فَإِن الْعلم يتَعَلَّق بالمعلوم على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا يَقْتَضِي للمعلوم وَصفا وَلَو كَانَ تعلق الْعلم بالمعلوم يَقْتَضِي مُنَافَاة التَّخْيِير وَجب أَن يتَضَمَّن إِخْرَاج مَا عدا الْمَعْلُوم عَن قبيل المقدورات من حَيْثُ إِن الْمَعْلُوم يَقع كَمَا قلتموه فلئن لم يلْزم ذَلِك فِي حكم [الْقُدْرَة] لم يلْزم فِيمَا رمتموه. وَهَذِه المسئلة وَهِي خلاف الْمَعْلُوم مِمَّا يعظم خطرها فِي الديانَات. وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غَنِي، ثمَّ نقُول لَو طلب من العَبْد فعل لَا بِعَيْنِه وَهُوَ مُتَعَيّن وَلَا يتَمَكَّن العَبْد من العثور على الْعلم بِهِ فَذَلِك من الْمحَال الَّذِي لَا يرد التَّكْلِيف بِهِ، فَأَما إِذا كَانَ الْوَاقِع هُوَ / الْمَعْلُوم وَهُوَ يَقع لَا محَالة فَأنى يلْتَحق ذَلِك [٤٤ / ب] بِمَا لَا يدْخل فِي طوقه وَكَانَ تعلق الْعلم تَابع لفعله الَّذِي يختاره وَفعله لَا يتبع تعلق الْعلم.

стр. 268

(٨١) فصل [٣٧٢] فَإِن قيل: قد ذكرْتُمْ مذهبكم فِي الْوُجُوب فخبرونا عَن حَقِيقَة أصلكم فِي الْإِرَادَة، فَإِذا حنث الْمُكَلف وَلَزِمَه إِحْدَى ثَلَاث خِصَال فَمَا مُرَاد الله مِنْهَا. قيل لَهُم: الْإِرَادَة لَا تطابق مواقع الشَّرْع وجوبا على مَذَاهِب أهل الْحق فَإِن كل حَادث مُرَاد لله مَحْظُورًا كَانَ أَو وَاجِبا فَالْجَوَاب السديد إِذا أَن كل مَا علم الله وُقُوعه من العَبْد فَهُوَ مُرَاد، وكل مَا أَرَادَ وَجب إِيقَاعه. [٣٧٣] وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم فسحوا القَوْل فِي ذَلِك فَقَالُوا: إِذا تعلق التَّخْيِير بخلال يسْتَحبّ جمعهَا فَكلهَا مُرَادة لله وَإِن كَانَت بِحَيْثُ يحرم جمعهَا فَوَاحِدَة مُرَادة وَجَمعهَا مَكْرُوه لله. وَقد تكون وَاحِدَة مُرَادة وَالْبَاقِي لَا مُرَادة وَلَا مَكْرُوه. وإيضاح ذَلِك بالأمثلة أَن الحانث لما يُخَيّر بَين الْإِعْتَاق وَالْإِطْعَام وَالْكِسْوَة فَلَو أَتَى بجميعها كَانَ مثابا عَلَيْهَا فَكلهَا مُرَادة لله فَإِن إِرَادَة الله تَعَالَى تتَعَلَّق بِكُل خير وَإِن تعلق التَّخْيِير بأَشْيَاء يحرم جمعهَا كالتزوج من الْأَكفاء وَنصب الْأَئِمَّة فِي زمن وَاحِد مَعَ التَّخْيِير فِي الْآحَاد، فالواحد مِمَّا هُوَ قبيله مُرَاد، وَالْجمع مَكْرُوه لله تَعَالَى، وَإِن تعلق التَّخْيِير بأَشْيَاء تتَعَلَّق بالمعصية بترك وَاحِدَة مِنْهَا وَجَمعهَا مُبَاح غير مَحْظُور وَلَا مثاب

стр. 269

عَلَيْهِ فالواحد مُرَاد وَالْجمع غير مُرَاد وَلَا مَكْرُوه وَهَذَا وصف الْمُبَاح عِنْدهم لَا تتَعَلَّق بِهِ إِرَادَة الله وَلَا كراهيته. [٣٧٤] وأصولنا بمعزل عَن هَذَا فَإنَّا نقُول الْإِرَادَة تتَعَلَّق بِكُل الكائنات مَعَ تبَاين أوصافها. (٨٢) فصل [٣٧٥] اعْلَم، أَن التَّخْيِير إِنَّمَا يتَعَلَّق بشيئين متباينين متميزين أَو بأَشْيَاء على هَذَا الْوَصْف. وَإِنَّمَا يثبت التَّخْيِير بشرائط مِنْهَا أَن تكون الأِشياء الَّتِي يتَعَلَّق بهَا التَّخْيِير بِحَيْثُ تتَمَيَّز، ويتمكن للمكلف من الْعلم بتميزها، فَلَو لم يكن كَذَلِك لما صَحَّ التَّخْيِير فِيهَا وَمن الشَّرَائِط اتِّحَاد وَقت الْأَفْعَال وَمعنى ذَلِك أَن يَأْتِي كل وَاحِد بَدَلا عَن أغيارها. فَلَو [ذكرهَا وَلَو] ذكر للمكلف فعلان مؤقتان بوقتين فَلَا يكون ذَلِك تخييرا، فَإِنَّهُ فِي وَقت الأول لَا يتَمَكَّن من الْفِعْل الثَّانِي مَعَ تَقْدِير اتِّحَاد الْوَقْت وَمن شَرَائِط التَّخْيِير أَن تتساوى صِفَات الْأَشْيَاء الَّتِي خير فِيهَا حكم التَّخْيِير. وَبَيَان ذَلِك أَن التَّخْيِير إِن كَانَ فِي إِيجَاب فيتصف كل مَا يقدم عَلَيْهِ بَدَلا عَن أغياره بسمة

стр. 270

النّدب.

стр. 271

[٣٧٦] فَإِن قيل: أَلَيْسَ التَّخْيِير ثَبت فِي كَفَّارَة الْحِنْث بَين الْإِعْتَاق وَالْإِطْعَام وَالْكِسْوَة ثمَّ لم تتساو فِي جملَة / الصِّفَات فِي أَن الْعتْق أَولا [٤٥ / أ] و [الْإِطْعَام] عَلَيْهِ أُخْرَى. قُلْنَا: هَذَا سُؤال من لم يفهم مَا قدمْنَاهُ، فَإنَّا قُلْنَا قد يَنْبَغِي أَن تتساوى الْخلال فِيمَا وَقع التَّخْيِير فِيهِ، والتخيير فِي الْخِصَال الثَّلَاث إِنَّمَا هُوَ فِي قَضِيَّة الْإِيجَاب إِذا وَجب عَلَيْهِ أحد الثَّلَاثَة فَلَا جرم تتساوى كلهَا

стр. 272

فِيمَا أومأنا إِلَيْهِ وَأما النّدب فَلَا ينطوي عَلَيْهِ هَذَا التَّخْيِير. [٣٧٧] ثمَّ لَا تظن الْمَعْنى بتساويها اتصاف كلهَا بِالْوُجُوب على مَا صَار إِلَيْهِ فِئَة من الْمُعْتَزلَة، وَلَكِن المُرَاد بِهِ [أَنه] مَا من وَاحِد يقدم الْإِقْدَام عَلَيْهِ أَولا إِلَّا يَقع وَاجِبا فَهَذَا مَا عنيناه بالتساوي وَرُبمَا يؤول كَلَام الْمُعْتَزلَة إِلَى قريب من ذَلِك فيرتفع الْخلاف وَإِلَيْهِ أَشَارَ عبد الْجَبَّار فِي شرح الْعمد. (٨٣) القَوْل فِي أَن الْأَمر هَل يَقْتَضِي إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ؟ [٣٧٨] اعْلَم، وفقك الله أَن هَذَا الْبَاب مِمَّا عده الأصوليون أصلا من الْأُصُول وتسببوا إِلَى إِقَامَة الْمَقْصُود فِيهِ بالأدلة وَرُبمَا يوثرون فِيهِ ضربا من الْخلاف وَمن أحَاط علما بِهِ أغناه تَصْوِير من المسئلة على التَّحْقِيق عَن

стр. 273

.. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 274

نصب الْأَدِلَّة واستحال عِنْده تعذر الْخلاف فِيهِ على معرض يثبت أَو يبطل بالأدلة، فَإِن ورد الْأَمر مقتضيا فعلا متصفا بأوصاف أَو مَنْسُوبا بشرائط فَإِذا أقدم الْمَأْمُور على الْمَأْمُور بِهِ، ووفاه جملَة أَوْصَافه وشرائطه من غير إخلال بِشَيْء مِنْهَا فقد وَقع البادر مِنْهُ مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى إيضاحه بالأدلة، إِذْ لَيْسَ الْمَعْنى بالإجزاء إِلَّا مَا قدمْنَاهُ. [٣٧٩] فَإِن قيل: أفتجوزون أَن يرد الْأَمر بِمثل مَا أقدم عَلَيْهِ الْمَأْمُور ثَانِيًا؟ [قُلْنَا: يجوز ذَلِك ووضوح تَجْوِيز ذَلِك يُغني عَن تثبيته بالأدلة. [٣٨٠] فَإِن قيل: افتجوزون وُرُود الْأَمر بِقَضَاء مَا فرغ الْمَأْمُور مِنْهُ؟ قُلْنَا: إِن عنيتم بِالْقضَاءِ وجوب مثله بِأَمْر جَدِيد فَلَا نستنكر وَإِن عنيتم بذلك أَن يكون الثَّانِي تلافيا لما أخل بِهِ أَولا وَمَا أخل بِهِ، فَهَذَا محَال، فَإنَّا فَرضنَا هَذَا الْقَبِيل من الْكَلَام فِيهِ إِذا امتثل الْأَمر أَولا من غير اختلال آئل إِلَى

стр. 275

اقتداره وَمن غير اختلال متقدر خَارج عَن مُوجب التَّكْلِيف فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَأنى يتَصَوَّر الْقَضَاء على معنى تلافي الاختلال وَلَا اختلال. [٣٨١] فَإِن قيل: فَالْأَمْر الْوَارِد هَل يجوز أَن يَقْتَضِي الْفِعْل مرَّتَيْنِ. قُلْنَا: سبق الْكَلَام فِي مسئلة التّكْرَار، وَورد الْأَمر بِفعل مَوْصُوف بِوَصْف فِي معرض الْإِلْزَام وتضمن إِيجَاب إِيقَاعه على جملَة الصِّفَات الْمَذْكُورَة فَإِذا أخل الْمُكَلف بِشَيْء مِنْهَا فَلَا يكون ممتثلا لِلْأَمْرِ وَالْأَمر لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مُقَيّدا بِوَقْت وَإِمَّا أَن يكون مُطلقًا، فَإِن كَانَ مُطلقًا غير مُتَعَلق بِوَقْت على التَّخْصِيص فَإِذا لم يمتثله الْمَأْمُور على وَجه فَلَا يكون ممتثلا، وَنَفس الْأَمر يَقْتَضِي مِنْهُ الأمتثال، فَإِن كَانَ الْأَمر بِالْفِعْلِ الْمَوْصُوف بالأوصاف / مؤقتا بِوَقْت ثمَّ خرج وقته، فَإِذا أقدم عَلَيْهِ على خلاف [٤٥ / ب] الْأَوْصَاف المضبوطة فَلَا نجعله ممتثلا وَلَكِن لَا يثبت الْقَضَاء إِلَّا بِأَمْر جَدِيد على مَا سَنذكرُهُ. فِي بَاب مُفْرد إِن شَاءَ الله . [٣٨٢] فَإِن قيل: فَإِذا لم يقتدر الْمُكَلف على مَاء وَلَا تُرَاب

стр. 276

وأوجبتم عَلَيْهِ إِقَامَة الصَّلَاة على حسب استطاعة حَاله فبماذا أوجبتم الْقَضَاء؟ . قُلْنَا: إِذا فرضتم الْكَلَام فِي فرض مُؤَقّت فَالْأَمْر بِهِ مؤقتا لَا يَقْتَضِي إِعَادَته بعد انْقِضَاء الْوَقْت. وَإِن الْكَلَام فِي فرضتم مُطلق فَلَا يتَحَقَّق الْقَضَاء فِيهِ وَلَكنَّا نقُول إِذا لم يقدر على مَا أَمر بِهِ فَلم يمتثل والامتثال عَلَيْهِ بَاقٍ، فَلَيْسَ هُوَ إِذا من إِلْزَام الْقَضَاء فِي شَيْء. [٣٨٣] فَإِن قيل: فَمن أفسد حجه أَلَيْسَ يجب عَلَيْهِ الْمُضِيّ فِي فَاسد الْحَج ثمَّ يلْزمه الْقَضَاء. قُلْنَا: نعم وَلَكِن إِنَّمَا ألزمناه حجَّة صَحِيحَة لِأَن الْأَمر اتَّصل بِهِ مقتضيا حجا متعريا عَمَّا يُفْسِدهُ فَإِذا أفسد الْحَج بَقِي عَلَيْهِ أصل الِامْتِثَال.

стр. 277

[٣٨٤] فَإِن قيل: إِنَّمَا نفرض الْكَلَام عَلَيْكُم فِيمَن بَرِئت ذمَّته عَن حجَّة الْإِسْلَام وَشرع فِي حجَّة التَّطَوُّع ثمَّ أفسدها فإتمامها وَاجِب وقضاؤها حتم. قُلْنَا: إِنَّمَا وَجب قَضَاؤُهَا بِأَمْر جَدِيد وَإِلَّا فَالْأَمْر بإتمامها لَا يتَضَمَّن بِنَفسِهِ الْأَمر بإعادته، وَوجه التَّحْقِيق فِي ذَلِك أَن مَا ورد الْأَمر بِهِ هُوَ الْإِتْمَام بعد الْفساد، وَلَا يتَصَوَّر أَن يُؤمر بالإتمام على هَذَا الْوَجْه تلافيا لما أَمر بِهِ أَولا، وَالَّذِي يُؤمر بِهِ إِنَّمَا هُوَ مَا لم يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر بالإتمام، فَإِن الْإِتْمَام لما أَمر بِهِ وامتثله الْمَأْمُور فقد وَقع موقع الْإِجْزَاء إتماما بعد إِفْسَاد، فَلَا جرم لَا يتلافى على هَذَا الْوَجْه الَّذِي وَقع وَالَّذِي قصد الْقَضَاء لَهُ مَا وَقع مِنْهُ حَتَّى يُوصف بِأَنَّهُ مجزئ أَو غير مجزئ، وَهَذِه جملَة مقنعة فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [٣٨٥] فَإِن قيل: فقد تختل الْعِبَادَة بِمَا لَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ وَذَلِكَ مثل أَن ينسى الْمصلى ركنا من صلَاته فَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ فِي حَالَة كَونه نَاسِيا ثمَّ لَا يوجبون الْقَضَاء.

стр. 278

قُلْنَا قدمنَا فِي ذَلِك صَدرا مغنيا عَن الْكَلَام. ومحصوله أَنه مهما لم يَأْتِ بِمَا أَمر على مَا أَمر لَا يعد ممتثلا، فَيبقى عَلَيْهِ الْأَمر بالامتثال، وَمَا فرضتم الْكَلَام فِيهِ من النَّاسِي فَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ على مَا قَالُوهُ، وَلَكِن إِذا انجلى النسْيَان، توجه عَلَيْهِ الْأَمر بالائتمار والامتثال، وَهَذَا كَمَا لَو نسى الِامْتِثَال أصلا بُرْهَة من الزَّمَان فَإِذا تذكره تعلق أصل الْأَمر بِهِ فِي الِامْتِثَال. (٨٤) فصل [٣٨٦] اعْلَم، أَن مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْفُقَهَاء، وَأطْلقهُ المنتمون إِلَى أصُول الْفِقْه أَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي جَوَازه وَقد أنكر القَاضِي ﵁ ذَلِك على مَا أَطْلقُوهُ، وَقَالَ / الْأَمر إِذا اقْتضى إِيجَاب الشَّيْء فَمَا الْمَعْنى [٤٦ / أ] بِالْجَوَازِ بعد ثُبُوت الْإِيجَاب فَإِن فسرتم الْجَوَاز / بِنَفس الْوُجُوب فَهُوَ

стр. 279

الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يؤول الْكَلَام إِلَى تناقش فِي الْعبارَة، فَإنَّا لَا نستحسن تَسْمِيَة الْوُجُوب جَوَازًا وَلَا تَسْمِيَة الْوَاجِب جَائِزا وَإِن أَنْتُم عنيتم بِالْجَوَازِ شَيْئا آخر سوى الْوُجُوب فَهُوَ محَال فَإِن أَحْكَام الشَّرْع مضبوطة منحصرة فِي أَقسَام مِنْهَا الْوُجُوب، وَمِنْهَا الْحَظْر، وَمِنْهَا النّدب، وَمِنْهَا الْكَرَاهِيَة وَمِنْهَا الْإِبَاحَة، فَهَذِهِ أَحْكَام الْأَفْعَال لَا متزيد عَلَيْهَا، فالجواز الَّذِي ذكرتموه إِذا لم تصرفوه إِلَى الْوُجُوب واستحال صرفه إِلَى الْحَظْر " تحقق الْوُجُوب " وَكَذَلِكَ لم تصرفوه إِلَى النّدب فَلَا يتبقى إِلَّا الصّرْف إِلَى الْإِبَاحَة، ويؤول محصول القَوْل إِلَى أَن الْوُجُوب مُبَاح وَذَلِكَ من أمحل الْمحَال فَإِن الْمُبَاح مَا جَازَ تَركه وَالْوَاجِب مَا لَا يجوز تَركه فكأنكم تَقولُونَ مَا لَا يجوز تَركه يجوز تَركه. [٣٨٧] فَإِن قَالُوا: أردنَا بِالْجَوَازِ أَن الْمُقدم عَلَيْهِ لَا يسْتَوْجب بالإقدام دَمًا، قُلْنَا فَهَذَا نفي وَلَيْسَ بِحكم، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْمُقدم على الْفِعْل قبل وُرُود الشرايع لَا يسْتَحق الذَّم مَعَ مصيرنا إِلَى نفي الْأَحْكَام قبل وُرُود الشرايع. [٣٨٨] فَإِن قيل: إِذا ثَبت الْوُجُوب بِأَمْر ثمَّ نسخ الْوُجُوب فَهَل يبْقى الْجَوَاز؟ .

стр. 280

قُلْنَا: لما. فَإِن الْأَمر إِذا اقْتضى وجوبا ثمَّ نسخ لم يبْق من مُقْتَضَاهُ شَيْء وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك أَن نقُول لَو سَاغَ الْمصير إِلَى أَن الْأَمر الْمُقْتَضى للْإِيجَاب إِذا ثَبت ثمَّ نسخ الْإِيجَاب بَقِي الْجَوَاز ثمَّ لزم أَن يُقَال يبْقى النّدب بعد أَن تقاصر وصف الْوُجُوب، وَهَذَا أولى من الْجَوَاز، فَإِن حَقِيقَة الِاقْتِضَاء يتَقَدَّر فِي النّدب تقدرها فِي الْوَاجِب وَإِنَّمَا يتَمَيَّز الْوَاجِب على النّدب بِاسْتِحْقَاق اللوم على تَركه وَإِلَّا فالإقتضاء مُتَحَقق فيهمَا، فَهَلا قُلْتُمْ: إِن الْوُجُوب إِذا نسخ بَقِي الِاقْتِضَاء مُجَردا عَن اسْتِحْقَاق اللوم عِنْد تَقْدِير التّرْك والاقتضاء الْمُجَرّد هُوَ النّدب، فالندب إِذا أولى بِالْبَقَاءِ من الْجَوَاز لَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء.

стр. 281

[٣٨٩] فَإِن قيل: فاحسبوا أَن مَا ذكرتموه يعكس على خصمكم مُرَاده فَمَا انفصالكم عَن سُؤال النّدب فَإِنَّهُ محيل جدا، فَهَلا قُلْتُمْ أَن نسخ الْوُجُوب يرجع إِلَى مُجَرّد رفع اللوم فَيبقى الِاقْتِضَاء [والإيجاب] زايد على الِاقْتِضَاء وَلَكنَّا نقُول الِاقْتِضَاء على وَجه الْإِلْزَام إِيجَاب، والاقتضاء الَّذِي لَا يجْزم وَلَا يحتم ندب وَدُعَاء على معرض التحريض. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك اتفاقنا على انصراف الِاقْتِضَاء على النّدب والإيجاب، فَلَو سَاغَ الْمصير إِلَى أَن الْإِيجَاب اقْتِضَاء وَوصف يزِيد عَلَيْهِ، سَاغَ الْمصير إِلَى أَن النّدب اقْتِضَاء مَعَ التفسيح فِي التّرْك والاقتضاء لَا يُنبئ عَنهُ، فيؤدى ذَلِك إِلَى إِخْرَاج الِاقْتِضَاء الْمُطلق عَن حيّز النّدب والإيجاب مَعًا وَهَذَا محَال، وَالَّذِي يكْشف الغطاء أَن نقُول: أَن الْأَمر الْقَائِم بِالنَّفسِ يَقْتَضِي معنى لَا محَالة، وَقد ذكرنَا فِي حد الْأَمر أَنه اقْتِضَاء الطَّاعَة فَلَو كَانَ الِاقْتِضَاء بِمُجَرَّدِهِ / لَا يكون ندبا وَقد ثَبت أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي [٤٦ / ب] كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر فَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام فيفضي ذَلِك إِلَى إبِْطَال مُوجب الْأَمر وَمُقْتَضَاهُ، فَخرج من ذَلِك أَن الإيحاب اقْتِضَاء على وَجه الْإِلْزَام، وَالنَّدْب اقْتِضَاء على وَجه التحريض، وَهَذَا مَا لَا يُحِيط بِهِ علما إِلَّا فطن. [٣٩٠] وَمن عَجِيب الْمذَاهب مَا صَار إِلَيْهِ بعض الْفُقَهَاء المنتمين

стр. 282

إِلَى الْأُصُول فَقَالَ الْأَمر الْمُوجب يَقْتَضِي جَوَازًا وَادّعى فِي ذَلِك إِجْمَاعًا ثمَّ قَالَ: لَو نسخ الْوُجُوب لم يبْق الْجَوَاز مَعَ مصيره إِلَى أَن الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب وَالْجَوَاز أَولا، ثمَّ تشبث بِكَلَام رَكِيك بزدريه أعين ذَوي التَّحْقِيق وَذَلِكَ أَنه قَالَ الْجَوَاز تَابع للْوُجُوب وَالْوُجُوب متبوع فَإِذا نسخ الْمَتْبُوع زَالَ التَّابِع وَنقل هَذَا الْمَذْهَب يُغْنِيك عَن الِاشْتِغَال بإفساده فَتدبر واستغن بِاللَّه يُغْنِيك. (٨٥) القَوْل إِن الْكفَّار هَل يخاطبون بِفُرُوع الشَّرَائِع ؟ [٣٩١] اعْلَم، وفقك الله أَن مَا صَار إِلَيْهِ سلف الْأمة وَخَلفهَا من

стр. 283

الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء أَن الْكفَّار مخاطبون مأمورون بِمَعْرِِفَة الله عز اسْمه وتصديق رسله وَالْإِيمَان بجملة قَوَاعِد العقائد وَذَهَبت شرذمة من نوابتة المبتدعين إِلَى أَن الْعلم بِاللَّه عز اسْمه وبالعقائد يَقع اضطرارا وَمَا يَقع اضطرارا لَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ وَذهب بعض أهل الْأَهْوَاء إِلَى أَن المعارف كسبية وَلَكِن لَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بهَا وَإِنَّمَا صَارُوا إِلَى ذَلِك بشبه تستقصى فِي

стр. 284

الديانَات إِن شَاءَ الله ، وَزعم الجاحظ أَن الْعلم يَقع من طباع نامية لم يتقدمه نظر واستدلال ثمَّ قد يتم النّظر فَلَا يعقب الْعلم لانْقِطَاع نَمَاء الطباع، وَالْكَلَام على هَؤُلَاءِ الْفرق لَا يَلِيق بِهَذَا الْفَنّ. [٣٩٢] فَإِذا عرفت كَونهم مخاطبين بِأَصْل الْإِيمَان فقد اخْتلف الْعلمَاء بعد ذَلِك فِي أَنهم مخاطبون بالعبادات نَحْو الْحَج وَالزَّكَاة وَالصَّلَاة وَهل يتَعَلَّق التَّكْلِيف بهم فِي اجْتِنَاب الْمَحْظُورَات والكف عَن الْمُحرمَات فَذهب بَعضهم إِلَى أَنهم غير مخاطبين بِشَيْء مِنْهُ وَإِنَّمَا يتَعَلَّق الْخطاب بهم فِي أصل الدّين وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنهم مخاطبون بالمفترضات وتجنب الْمَحْظُورَات، معاقبون على المخالفات فِي أَحْكَام الشَّرَائِع.

стр. 285

[٣٩٣] وَاعْلَم قبل الْخَوْض فِي أَدِلَّة المسئلة أَن الَّذين صَارُوا إِلَى أَنهم مخاطبون لَا يدعونَ ثُبُوت ذَلِك عقلا ووجوبا وحتما، بل يجوزون فِي حكم الْعقل خُرُوجهمْ عَن التَّكْلِيف فِي أَحْكَام الشَّرَائِع كَيفَ وَقد خرج أنَاس من المخاطبين الْمُسلمين عَن قَضِيَّة جمل من الْأَحْكَام فِي الْحَلَال وَالْحرَام، كالحائض الْخَارِجَة عَن الْتِزَام الصَّلَاة وَأَدَاء الصَّوْم وَنَحْوهَا وَلَكِن
следующие страницы →