Полный текст (1 418 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(٧٥) القَوْل فِي الْأَمر إِذا تكَرر هَل يَقْتَضِي تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ ؟
[٢٩١] اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب، لَا يُفِيد على مَذْهَب الصائرين إِلَى تضمن التّكْرَار فِي مُقْتَضى الْأَمر الْمُفْرد الْمُجَرّد. فَأَما الَّذِي قَالُوا: إِن الْمُطلق من الْأَمر الْمُفْرد لَا يتَضَمَّن / تكْرَار الِامْتِثَال فَلَو تكَرر الْأَمر فَمَا حكمه على [٣٤ / أ] مَذَاهِب هَؤُلَاءِ؟ .
التَّفْصِيل فِيهِ أَن يُقَال: إِن لم يَتَقَرَّر امْتِثَال معقب لِلْأَمْرِ الأول ثمَّ تلاه الْأَمر ثَانِيًا مِمَّا يُخَالف جنس الْمَأْمُور بِهِ الأول فيتضمن ذَلِك اقْتِضَاء مُجَردا بيد أَنا نستبشع فِي هَذَا الْقَبِيل إِطْلَاق القَوْل بتكرار الْأَمر، فَإِن لفظ تكْرَار الْأَمر إِنَّمَا يُطلق عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس الْمَأْمُور بِهِ.
فَأَما إِذا اخْتلف الْمَأْمُور بِهِ فالأوامر متعاقبة أَو مترادفة فَأَما أَن ينعَت بالتكرر فَفِيهِ بعد.
[٢٩٢] وَأما إِذا ورد الْأَمر ثَانِيًا بِمثل مَا ورد بِهِ الْأَمر الأول فَهَل يتَضَمَّن ذَلِك اقْتِضَاء مُجَردا أم يَقْتَضِي تَأْكِيدًا ام يتَوَقَّف فِيهِ، فَمَا صارإليه الْأَكْثَرُونَ أَنه يحمل على اقْتِضَاء مُجَرّد حملا على التّكْرَار عِنْد تكَرر الْأَمر فِي مورده وَذهب أَصْحَاب الْوَقْف إِلَى أَنه مُتَرَدّد بَين اقْتِضَاء التَّأْكِيد لِلْأَمْرِ
стр. 212
الأول، وَبَين تثبيت حكم على التَّجْرِيد فَيتَوَقَّف فِيهِ على مَا يتَبَيَّن بالقرائن.
[٢٩٣] وَقد ردد القَاضِي ﵁ جَوَابه فِي هَذِه المسئلة، وَهَا نَحن نؤمى إِلَى جوابيه ونستخير الله فِي ارتضاء أصَحهمَا إِن شَاءَ الله . فَالَّذِي صدر بِهِ الْبَاب أَن قَالَ: إِن اقْترن بمورد الْأَمر ثَانِيًا مَا ينفى حمله على التكرارفلا نحمله عَلَيْهِ. والموانع من حمله على التّكْرَار تَنْحَصِر فِي أَرْبَعَة أَقسَام:
أَحدهَا: أَن يكون التّكْرَار مُمْتَنعا عقلا وَذَلِكَ نَحْو الْأَمر بِالْقَتْلِ إِذا سبق ثمَّ ورد ثَانِيًا فنعلم أَن الْقَتْل لَا يثنى فَلَا يَتَعَدَّد، وَالثَّانِي: أَن يمْتَنع التّكْرَار شرعا وَذَلِكَ نَحْو الْأَمر بِالْعِتْقِ فِي عبد معِين مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر إِلَى غير ذَلِك من أمثلته فِي الشَّرْع، وَالثَّالِث: أَن يكون الْأَمر متضمنا اسْتِيعَاب جنس الْمَأْمُور بِهِ فَيعلم أَن الْأَمر الثَّانِي لَا يَقْتَضِي
стр. 213
تحديدا فَإِن الأول استغرق جملَة مَا قدر فِي الْجِنْس الْمُسَمّى، وَالرَّابِع: قرينَة حَال تقترن بِتَكَرُّر الْأَوَامِر تنبئ عَن التَّأْكِيد، وَذَلِكَ نَحْو قَول السَّيِّد لعَبْدِهِ وَقد أجهده الْعَطش: / ((اسْقِنِي)) ، فَلَيْسَ يقْصد بذلك إِلَّا تحريضه على الابتدار إِلَى السَّقْي. وَيلْحق بِهَذَا الْقَبِيل عهد سبق بَين الْآمِر والمأمور وَذَلِكَ بِأَن يَقُول: ((إِذا كررت عَلَيْك الْأَمر فِي الْفِعْل فَاعْلَم أَنِّي أُرِيد بتكرار الْأَمر الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة)) . فَهَذِهِ قَرَائِن التَّأْكِيد وَمَا يذكر من الْفُنُون المتنوعة يداني مَا قدمْنَاهُ، وَلَا يخرج مِنْهُ.
[٢٩٤] وَقَالَ القَاضِي فِي أحد جوابيه: إِن اقترنت الْأَوَامِر المتكررة بِقَرِينَة من الْقَرَائِن الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي اقْتِضَاء التَّأْكِيد فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَيْهِ، وَإِن تعرت عَنْهَا حمل كل أَمر على اقْتِضَاء امْتِثَال مُجَرّد فيتعدد الِامْتِثَال بِتَعَدُّد الْأَوَامِر الْمُطلقَة، وَأَوْمَأَ فِي تضاعيف كَلَامه إِلَى مَا هُوَ الْأَصَح عندنَا على الأَصْل الَّذِي مهدناه فِي الْوَقْف، وَذَلِكَ أَن لَا تحمل الْأَوَامِر المتكررة على اقْتِضَاء مُجَرّد الِامْتِثَال بل يتَوَقَّف فِيهَا وَيثبت الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة / ويتوقف [٣٤ / ب] فِيمَا عَداهَا، فَيجوز التّكْرَار فِي الِامْتِثَال وَيجوز قصد التَّأْكِيد.
[٢٩٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا فرقتم بَين أَن تتصل الْأَوَامِر وتتعاقب من غير تخَلّل زمن ممتد بَين كل أَمريْن وَبَين أَن يَتَخَلَّل بَينهمَا أزمان ممتدة؟ .
стр. 214
قيل: إِن كَانَ الْكَلَام فِي الْأَوَامِر البادرة منا فَمَا ذكرتموه مُحْتَمل فَيجوز قطع القَوْل عِنْد تخَلّل الْأَزْمَان بتجديد الِامْتِثَال وَيجوز الْمصير إِلَى الْوَقْف كَمَا قدمْنَاهُ.
[٢٩٦] فَإِن قَالَ الْقَائِل: أَلسنا فِي أَلْفَاظ الطَّلَاق نفصل بَين الْأَلْفَاظ المتعاقبة وَبَين الْأَلْفَاظ الَّتِي تتخللها مُدَّة؟ .
قُلْنَا: لَا مُعْتَبر بآحاد الْأَلْفَاظ فِي الشَّرَائِع لما قدمْنَاهُ غير مرّة، فَهَذَا فِيمَا يَبْدُو منا من الْأَوَامِر.
[٢٩٧] فَأَما مَا يتَّصل بِنَا من أوَامِر الله تَعَالَى فَلَا فرق بَين متعاقبها فِي الِاتِّصَال بِنَا وَبَين أَن يَتَخَلَّل فِي الِاتِّصَال بِنَا زمن، فَإِن جملَة مَا يتَّصل بِنَا كَلَام وَاحِد لَا يَتَّصِف بالتبعيض وَلذَلِك سَاغَ تَأَخّر الِاتِّصَال فِي الْمُخَصّص عَن
стр. 215
اللَّفْظ الَّذِي يَقْتَضِي عُمُوما، إِن قُلْنَا بِالْعُمُومِ، وَإِن كُنَّا لَا نجوز تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء فِي كلامنا عَن الْمُسْتَثْنى.
[٢٩٨] وَقد اسْتدلَّ القَاضِي فِيمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ أَولا بِأَن قَالَ: كل أَمر من الْأَوَامِر الْمُتَّصِلَة بِنَا لَو قدر مُجَردا اقْتضى امتثالا، فَتقدم الْأَوَامِر عَلَيْهِ وتأخرها عَنهُ لَا يُوجب تَغْيِيره عَن مُقْتَضَاهُ إِذا ارْتَفَعت الْقَرَائِن الَّتِي نوعناها.
[٢٩٩] وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن يقدر فِي كل أَمر مُقْتَضَاهُ وَلَا ينظر إِلَى مَا سواهُ فَيحصل من مضمونها امتثالات مُتعَدِّدَة وطاعات متجددة.
[٣٠٠] ثمَّ وَجه على نَفسه سؤالا، وانفصل عَنهُ، وَقَالَ: ألستم قُلْتُمْ بِالْوَقْفِ فِي الصِّيغَة الْمُطلقَة وَهِي قَول الْقَائِل: ((افْعَل)) ، وصرتم فِي تثبيت ذَلِك إِلَى انقسام الْمَوَارِد وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِي الْأَوَامِر المتكررة فَإِن مواردها فِي التَّأْكِيد والتكرار تَنْقَسِم، وَلَئِن سَاغَ أَن يُقَال: إِنَّمَا يحمل على التَّأْكِيد لقَرِينَة، سَاغَ أَن يُقَال إِنَّمَا يحمل على التّكْرَار لقَرِينَة، فَالَّذِي دلّ عنْدكُمْ على الْوَقْف فِي كل مَا تتوقفون فِيهِ يدل عَلَيْهِ فِي التّكْرَار والتأكيد، ثمَّ تفصى عَن ذَلِك وَقَالَ: الصِّيغَة الَّتِي ذكرتموها فِي نَفسهَا مُحْتَملَة فتوقف فِي مَعْنَاهُ. وَهَذِه المسئلة مَفْرُوضَة فِيهِ إِذا كَانَ كل أَمر من الْأَوَامِر وَصِيغَة من الصِّيَغ مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فِي إثارة ندب أَو إِيجَاب فَلَا احْتِمَال فِي كل أَمر، والأوامر السَّابِقَة لَهُ والمتأخرة عَنهُ لَا توجب تغير مُقْتَضَاهُ، فانفصلا من هَذَا الْوَجْه، فَهَذَا نِهَايَة كَلَامه وقصاراه.
стр. 216
[٣٠١] وَهَذَا مِمَّا فِيهِ نظر، وَذَلِكَ أَنا نقُول: مَا علينا إِلَّا أَن نحمل كل أَمر على الِاقْتِضَاء لنكون قد وفرنا على كل أَمر مُقْتَضَاهُ وَلَكِن إِذا ورد الْأَمر الثَّانِي فَيجوز تَقْدِير تعلقه بالمأمور الأول وَيجوز تَقْدِير تعلقه بمأمور مثله [٣٥ / أ] وَلَا يستبعد تعلق أَمريْن بمأمور وَاحِد فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن / الْأَمر الثَّانِي يَقْتَضِي امتثالا وَيبقى اللّبْس المفضي إِلَى الْوَقْف فِي أَنه هَل اقْتضى الِامْتِثَال الأول أَو اقْتضى مثلا لَهُ سواهُ، وَإِلَّا وضح الْوَقْف إِذا فافهمه.
[٣٠٢] وَإِن قيل: إِذا ثَبت كَون الْمَأْمُور الأول مَأْمُورا ثمَّ حملنَا الْأَمر الثَّانِي على مَا حملنَا عَلَيْهِ الأول فكأننا نلغيه.
قُلْنَا: حاشى أَن نقُول ذَلِك، فَإِن الإلغاء هُوَ أَن يقدر الْأَمر غير مُتَعَلق بمأمور مَعَ استقلاله وَقد قَدرنَا لَهُ مَأْمُورا فَمن أَيْن أَنه غير الأول؟
فَإِن قيل: لَو حمل مَا حمل عَلَيْهِ الأول لم يتَضَمَّن إثارة فَائِدَة إِذْ الِامْتِثَال قد تقرر بِالْأولِ فَمن هَذَا الْوَجْه يلْزم إِلْغَاء الثَّانِي.
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: لَو صَحَّ ذَلِك لزم اسْتِحَالَة وُرُود الْأَمر على التكرر فِيمَا يَسْتَحِيل تكرره كَالْقَتْلِ وَنَحْوه لما صرتم إِلَيْهِ من ادِّعَاء الإلغاء. فَإِن قَالُوا يُفِيد الْأَمر الثَّانِي فِيمَا صورتموه التَّأْكِيد.
قيل لَهُم: اكتفوا بِمثل ذَلِك فِي الْمُتَنَازع فِيهِ وَهُوَ الْجَواب الثَّانِي، فَهَذِهِ جملَة مقنعة فِي اخْتِيَار الْوَقْف إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 217
(٧٦) القَوْل فِي الْأَمر هَل يَقْتَضِي الْفَوْر أم لَا يَقْتَضِي
[٣٠٣] اعْلَم، وفقك الله أَن من قَالَ: إِن الْأَمر يَقْتَضِي التّكْرَار واستغراق الْأَوْقَات فَلَا يُفِيد فرض الْخلاف مَعَه فِي الْفَوْر والتراخي فَإِن من حكم استغراق الْأَوْقَات اندراج الْوَقْت المتعقب لِلْأَمْرِ تَحت قَضيته فِي الْإِيجَاب وَالنَّدْب.
[٣٠٤] فَأَما من زعم أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة فقد اخْتلفُوا فِي الْفَوْر والتراخي فَذَهَبت طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَن الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال على الِاتِّصَال والفور والمبادرة بِلَا فسحة، وَلَا تَأْخِير، إِن لم يصد عَن الِامْتِثَال مَانع،
стр. 218
وَإِلَيْهِ مَال مُعظم أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀. وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى
стр. 219
إِن الْأَمر لَا يَقْتَضِي الِامْتِثَال فَوْرًا وَلَكِن يَقْتَضِي فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي أَي وَقت يقدر إِمَّا معجلا وَإِمَّا مُؤَخرا.
[٣٠٥] ونرى الْمُحَقِّقين من الْأُصُولِيِّينَ يتسامحون فِي عبارَة لَا نرتضيها وَهِي أَن نفاة الْفَوْر يعبرون عَن أصلهم فَيَقُول: الْأَمر يَقْتَضِي التَّرَاخِي وَكَثِيرًا مَا يُطلقهُ القَاضِي ﵁ فِي مصنفاته وَوجه الدخل فِيهَا أَن ظَاهر قَول الْقَائِل: الْأَمر على التَّرَاخِي، يُنبئ عَن اقْتِضَاء الْأَمر تَأْخِيرا فِي الِامْتِثَال وَهَذَا مَا لم يصر إِلَيْهِ صائر وَالْأَحْسَن فِي الْعبارَة أَن نقُول: الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال من غير تخصص بِوَقْت.
[٣٠٦] وَذَهَبت طَائِفَة من الواقفة إِلَى التَّوَقُّف فِي هَذَا الْبَاب فِي الْفَوْر
стр. 220
والتراخي.
[٣٠٧] وَالْقَاضِي ﵁ قطع القَوْل بِإِبْطَال الْمصير إِلَى الوقفة فِي هَذَا الْبَاب، وأوضحه بِمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ الْأَصَح إِذْ الْمصير إِلَى الْوَقْف فِي هَذَا الْبَاب يعود إِلَى خرق الْإِجْمَاع أَو يلْزم ضربا من التَّنَاقُض.
[٣٥ / ب] [٣٠٨] ثمَّ افْتَرَقت الواقفية فَمنهمْ / من صَار إِلَى أَنا نعلم أَنه لَو امتثل الْمَأْمُور الْأَمر فِي أول زمَان يعقبه فَيكون ممتثلا وَإِنَّمَا الْوَقْف فِي جَوَاز التَّأْخِير فِيهِ وَذَهَبت الغلاة من الوافقية إِلَى أَنا لَا نقطع القَوْل بِكَوْنِهِ ممتثلا لَو قدر مقدما على الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ فِي أول الزَّمَان فَهَذِهِ جملَة من الْمذَاهب.
стр. 221
[٣٠٩] وَالَّذِي يَصح مِنْهَا إبِْطَال الْفَوْر وَالْوَقْف وَهَا نَحن نرد على الفئتين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٣١٠] فَأَما الدَّلِيل على بطلَان القَوْل بِالْوَقْفِ فَهُوَ أَن نقُول: معاشر الواقفية! هَل تعلمُونَ أَن الْمَأْمُور لَو امتثل الْأَمر فِي أول الزَّمَان تَبرأ ذمَّته أم لَا تعلمُونَ ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ: نعلم ذَلِك، فقد نقضتم أصل الْوَقْف فَإِن الَّذِي تعولون عَلَيْهِ فِي الْمصير إِلَى الْوَقْف تَجْوِيز إِضَافَة الْأَمر إِلَى كل وَقت فَإِذا عينتم الْوَقْت الأول لِلْخُرُوجِ من قَضِيَّة الْأَمر مَعَ تَجْوِيز إِضَافَة الْأَمر إِلَى كل وَقت من الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة فقد صرحتم بِإِبْطَال الْوَقْف، وَإِن أَنْتُم قُلْتُمْ أَنا لَا نعلم ذَلِك فيلزمكم مِنْهُ مَا لَا قبل لكم بِهِ، وَذَلِكَ أَن الْأمة اجْتمعت على أَن الْأَمر إِذا ورد من صَاحب الشَّرْع مقتضيا للْإِيجَاب إِمَّا بِإِطْلَاقِهِ على مَذْهَب قوم أَو مَعَ قرائنه على مَذْهَب آخَرين فَمن ابتدر إِلَى الِامْتِثَال متسارعا مَعَ اعْتِقَاد عدم التّكْرَار فيعد ممتثلا لِلْأَمْرِ، والجاحد لذَلِك ينْسب إِلَى خرق الاجماع.
[٣١١] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك فِي إِطْلَاق الْعرف أَن من أطلق أمرا فابتدر الْمُخَاطب بِهِ إِلَى الِامْتِثَال فَإِنَّهُ يعد ممتثلا فِي أصل اللُّغَة ووضعها واستعمالها وَعرفهَا. ومنكر ذَلِك كمنكر مَا اتّفق عَلَيْهِ أَرْبَاب اللُّغَات.
[٣١٢] وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن نقُول: لَو سبق الْحَظْر فِي شَيْء ثمَّ ثَبت إِيجَابه من غير تعرض للأوقات فَإِذا توقفتم فِي الْوَقْت الأول لزمكم أَن تَقولُوا: لَا يجوز الْإِقْدَام على الِامْتِثَال استصحابا للحظر السَّابِق ثمَّ إِذا أفصحتم بذلك فِي الْوَقْت الأول لزمكم مثله فِي سَائِر الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة وَمِثَال ذَلِك اسْتِدَامَة الْحَظْر فِي جملَة الْأَوْقَات، فَإِن قَالُوا: إِذا كَانَ الْأَمر على مَا صورتموه فيتقيد بِالْوَقْتِ الْمعِين معجلا أَو مُؤَخرا.
стр. 222
قيل لَهُم: أفتجوزون [التَّقْيِيد] على مَا ذكرتموه وتجوزون نفي [التَّقْيِيد] أَو توجبون [التَّقْيِيد] وَلَا توجبون انتفاءه فِي الْأَمر الَّذِي فرض الْكَلَام عَلَيْكُم فِيهِ؟ . فَإِن زعمتم أَن تقيده لَا يجب، فبمَا ألزمناكم أَو لَا لَازِما لكم، وَلَا تَجِدُونَ عَنهُ محيصا، وَإِن قُلْتُمْ أَن تَقْيِيده وَاجِبا فَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن، أَحدهمَا أَن مصيركم إِلَى الْوَقْف قادكم إِلَى القَوْل بِنَفْي الْوَقْف فِي الصُّورَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَإِن التَّقْيِيد لَو قدر واستقل الْخطاب فَيَنْتَفِي [٣٦ / أ] مَعَ ذَلِك القَوْل بِالْوَقْفِ. وَأَيْضًا فَإِن الْأَمر إِن قيد بالامتثال / فِيهِ بِوَقْت متراخ فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن توجبوا تَقْيِيد الْأَمر بِالْوَقْفِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي أول مورد الْأَمر، أَو لَا توجبون التَّقْيِيد إِلَّا مَعَ الْوَقْت الْمعِين للامتثال، وَإِن أَنْتُم زعمتم أَنه يجب اقتران الْأَمر فِي مورده بالتقييد وَوقت الِامْتِثَال متراخ فَهَذَا مصير إِلَى
стр. 223
وجوب الْبَيَان قبل الْحَاجة وأصل الْوَقْف مَعَ هَذَا الأَصْل يتباعد [أَي] تبَاعد على مَا سنذكر فِي بَاب الْبَيَان وتفصيل الْمذَاهب إِن شَاءَ الله . وَإِن زعمتم أَن التَّقْيِيد يقارن الْوَقْت الْمعِين للامتثال.
فَقبل وُرُود التَّقْيِيد يتَعَيَّن الْكَفّ لما قدمْنَاهُ من تَصْوِير تقدم الْحَظْر ثمَّ إِذا تعين الْكَفّ فَهَذَا إبِْطَال للْوَقْف ومصير إِلَى حكم معِين وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
[٣١٣] وَمن أوضح مَا يتَمَسَّك بِهِ فِي إبِْطَال القَوْل بِالْوَقْفِ وَهُوَ صدر أدلتنا فِي إبِْطَال القَوْل بالفور وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا وَلم يتَضَمَّن تَسْرِيح لَفظه وَلَا تضمنه من حَيْثُ مُقْتَضى اللَّفْظ التَّعَرُّض للأوقات وَإِنَّمَا أنبأ عَن امْتِثَال الْفِعْل.
وَمَعْلُوم أَن الْأَوْقَات يُرَاد بهَا قبيل من أَفعَال الله على مَا خَاضَ فِيهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي علم الديانَات، فَإِذا ثَبت أَنَّهَا من أَفعَال الله تَعَالَى وَثَبت أَن الْأَمر لَا يُنبئ عَنْهَا صَرِيحًا وَلَا ضمنا على مَا سنوضحه فِي الرَّد على الْقَائِلين بالفور بعد تمهيد ذَلِك: [توقف] مُقَارنَة الْفِعْل وقتا من الْأَوْقَات [كتوقف] مُقَارنَة الْفِعْل سَائِر أَفعَال الله تَعَالَى. فَلَو سَاغَ التَّوَقُّف فِي الْأَوْقَات سَاغَ التَّوَقُّف فِي سَائِر الْأَفْعَال حَتَّى يُقَال: إِذا ورد الْأَمر بِفعل
стр. 224
فَيتَوَقَّف الْمَرْء فِي الِامْتِثَال حَتَّى يرد الْبَيَان بَيَان السَّمَاء فِي وَقت الِامْتِثَال متغيمة أَو مصحية والنجوم آفلة أم طالعة والأراضي مُجْدِبَة أَو مخصبة إِلَى غير ذَلِك من تبدل الصِّفَات المعنوية على سَائِر الْجَوَاهِر من أَفعَال الله فَإِن ركبُوا التَّوَقُّف فِي ذَلِك باهتوا وَقطع الْكَلَام عَنْهُم وَإِن لم يتوقفوا لم يَجدوا عَنْهَا محيصا.
[٣١٤] وَقد طرد بعض الْأُصُولِيِّينَ عَلَيْهِم مَا ذَكرْنَاهُ فِي معرض يبْقى مَعَه ضرب من اللّبْس وَهُوَ أَنه قَالَ فِي تَحْقِيق الْمَقْصُود بالمثال: وَلَو قَدرنَا وُرُود الْأَمر بالمكث حَتَّى يُقَال امْكُث صَائِما أَو مُفطرا قَائِما أم قَاعِدا إِلَى غير ذَلِك من صِفَاته وَهَذَا لعمري سديد، وَلَكِن لَا يلْزم من ركُوبه مَا يلْزم من
стр. 225
ركُوب مَا قدمْنَاهُ فِي أَفعَال الله تَعَالَى الْخَارِجَة عَن مقدراتنا، والأوقات مِنْهَا، فاجتزى بِمَا قدمْنَاهُ فَإِنَّهُ يحسم الْبَاب.
[٣١٥] ثمَّ اعتضد بعض الْأُصُولِيِّينَ بِقصَّة بني إِسْرَائِيل فِي الْبَقَرَة الَّتِي أمروا بذبحها وادعو على الواقفية أَنهم لَو اجتزوا بِمَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْبَقَرَة أَولا لكانوا / ممتثلين وَلَكِن رُبمَا تمنع الواقفية ذَلِك فَالْأَحْسَن أَن يُقَال لَهُم: [٣٦ / ب] فَمَا لَهُم لم يستفصلوا عَن كَيْفيَّة الذّبْح وَعَن قد الْبَقَرَة وَحدهَا وَسَائِر نعوتها، فَإِن مَا ذَكرُوهُ أقل مَا تَرَكُوهُ من صفاتها، فَبَطل الْمصير إِلَى الْوَقْف، وبقى الْكَلَام بَين الصائرين إِلَى الْفَوْر، والمبطلين الْمصير إِلَى الْفَوْر.
[٣١٦] وَالدَّلِيل على بطلَان القَوْل بالفور أَن نقُول: إِذا ورد الْأَمر مقتضيا للْفِعْل فَلَيْسَ يُنبئ عَن الْوَقْت وَذَلِكَ أَن إنباء اللَّفْظ عَن الشَّيْء يَنْقَسِم إِلَى صَرِيح وَضمن وَلَا استرابة فِي تعري اللَّفْظ الْمُطلق عَن ذكر الْأَوْقَات صَرِيحًا فَإِذا بَطل ذَلِك لم يبْق للخصوم إِلَّا ادِّعَاء الضمن فَيُقَال: إِنَّمَا يَجْعَل اللَّفْظ متضمنا لشَيْء إِذا أنبأ صَرِيحه عَمَّا لَا يتم الْمُصَرّح بِهِ إِلَّا بِهِ، وَالْأَمر الْمُطلق لَيْسَ يُنبئ عَن تعْيين وَقت لَا يتم الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا
стр. 226
بِهِ فَإِذا بَطل الْوَجْهَانِ ثَبت أَن الْأَمر لَيْسَ يُنبئ عَن وَقت معِين وَجُمْلَة الْأَوْقَات مُتَسَاوِيَة فِي مضمونه وَقد بَطل الْمصير إِلَى الْوَقْت فَلَا يبْقى إِلَّا الْمصير إِلَى الِامْتِثَال فِي وَقت كَانَ معجلا أَو مُؤَخرا وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الرجل لَو قَالَ لمخاطبه اضْرِب شخصا وَاسم الشَّخْص لَا يتَعَيَّن فِي حق وَاحِد فَأَي شخص ضرب كَانَ متمثلا، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ اضْرِب أَو أوجبت عَلَيْك ضربا وَلم يتَعَرَّض للمضروب تَصْرِيحًا وَلَا ضمنا فَأَي مَضْرُوب ضرب كَانَ ممتثلا لِأَن اللَّفْظ عَار عَن التَّخْصِيص وَالتَّعْيِين وكل من يَتَّصِف بِكَوْنِهِ مَضْرُوبا يتساوي فِي حكم الْأَمر فاستحال تعين وَاحِد من مُقْتَضى الْأَمر فَكَذَلِك الْأَوْقَات فِي امْتِثَال الْأَمر الْمُطلق.
[٣١٧] وَاعْلَم، وفقك الله أَن هَذِه الدّلَالَة لَا معترض عَلَيْهَا بيد أَنَّهَا لَا تصفو لَك إِلَّا بعد أَن تتقصى شبه الصائرين إِلَى الْفَوْر، وتتفصى عَنْهَا، فَإِنَّهُم رُبمَا يعترضون بِشَيْء من شبههم على هَذِه الدّلَالَة.
[٣١٨] وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ أَيْضا فِي إبِْطَال القَوْل بالفور أَن نقُول: قَضِيَّة اللُّغَات لَا تثبت إِلَّا نقلا، والمصير إِلَى الْفَوْر مِمَّا لم ينْقل عَن أهل اللُّغَات نصا، وَلم يدل عَلَيْهِ شَيْء من كَلَامهم إِلَّا ويقابله مَا يُنَافِيهِ وَهَذَا يقرب مِمَّا قدمْنَاهُ فِي مسئلة الْوَقْف فِي الصِّيغَة الْمُطلقَة، فَإذْ تعذر الْفَوْر لم يبْق إِلَّا الِامْتِثَال الْمُجَرّد.
стр. 227
[٣١٩] فَإِن قيل: فَكَمَا لم ينْقل عَنْهُم الْفَوْر فَكَذَا لم ينْقل عَنْهُم التَّرَاخِي.
فَقيل لَهُم: وَنحن لَا نحمل الْأَمر على التَّرَاخِي على التَّعْيِين بيد أَنا نقُول: الْمَفْهُوم من اللَّفْظ الِامْتِثَال الْمُجَرّد فِي أَي وَقت كَانَ، وَهَذَا وَاضح لَا ريب فِيهِ.
[٣٢٠] وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ أَن نقُول إِذا بدر الْأَمر الْمُطلق حسن من الْمَأْمُور الاستفصال فِي التَّأْخِير والاستعجال وَهَذَا من / أوضح الْبَرَاهِين على [٣٧ / أ] بطلَان تعين الْفَوْر فِي مُقْتَضى اللَّفْظ وَقد أوضحنا هَذِه الدّلَالَة فِي غير مسئلة.
[٣٢١] وَمن أقوى مَا يسْتَدلّ بِهِ مَا أومأنا إِلَيْهِ فِي الرَّد على الواقفية، وَنحن نزيده إيضاحا فِي إبِْطَال الْفَوْر، فَنَقُول: لَيْسَ الْمَعْنى بِوُقُوع الْفِعْل فِي الْوَقْت إِلَّا كَون الْوَقْت ظرفا للْفِعْل فَإِن الْأَوْقَات من أَفعَال الله وَهِي تؤول فِي محصول القَوْل إِلَى حركات الْفلك فَلَا تعلق لَهَا بالأفعال فَلَا تعلق للأفعال بهَا، فَكَمَا لَا يتَضَمَّن مُطلق الْأَمر لتعريه عَن التَّعَرُّض لسَائِر أَفعَال الله تَصْرِيحًا وضمنا أَن يكون الْفِعْل مُقَارنًا لشَيْء مِنْهَا تعيينا، فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن لَا تَقْتَضِي مقارنته بِشَيْء من الْأَوْقَات تعيينا.
[٣٢٢] وَتمسك بعض أَصْحَابنَا بِمَا قدمْنَاهُ فِي مسئلة التّكْرَار عَن الْبر
стр. 228
والحنث فَقَالُوا: إِذا قَالَ الْقَائِل: وَالله لأصلين لم يتخصص بره بِالْوَقْتِ المتعقب ليمينه فَكَذَلِك الِامْتِثَال. واعتضدوا أَيْضا بالألفاظ المنبئة عَن الْأَفْعَال فِي الِاسْتِقْبَال نَحْو قَوْلك، سيقوم زيد أَو يقوم زيد، فَإِن هَذَا لَا يُنبئ عَن وَقت معِين وَالْأولَى الِاحْتِرَاز بِمَا قدمْنَاهُ فَإِن الْمصير إِلَى مثل ذَلِك يلْزم تثبيت اللُّغَات بِالْقِيَاسِ.
[٣٢٣] شبه الْقَائِلين بالفور: من عمدهم فِي إِثْبَات الْفَوْر أَن قَالُوا: إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا وجوزتم تَأْخِير الِامْتِثَال وَلم توجبوا المسارعة والابتدار إِلَى الِامْتِثَال فِي أول وَقت الْإِمْكَان، وزعمتم أَن الْأَوْقَات مُتَسَاوِيَة فَإِذا اخترم الْمُكَلف لم يخل إِمَّا أَن تَقولُوا: لَا يعْصى بِالتّرْكِ مَعَ سبق الْإِمْكَان مِنْهُ، وَإِمَّا أَن تَقولُوا يعْصى بِالتّرْكِ، فَإِن قُلْتُمْ إِنَّه لَا يعْصى بِالتّرْكِ فقد صرحتم بِنَفْي الْوُجُوب وألحقتم الْوَاجِب فِي هَذِه الصُّورَة بالنفل، فَإِن زعمتم أَنه يعْصى فَلَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أول وَقت الْإِمْكَان [أَو لَا] فَإِن
стр. 229
قُلْتُمْ يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أول وَقت الْإِمْكَان فَهَذَا التَّصْرِيح مِنْكُم بالفور وَإِن قُلْتُمْ يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أَوسط الْوَقْت فَهَذَا محَال فَإِنَّكُم جوزتم لَهُ التَّأْخِير عَنْهَا وفسحتم ذَلِك [لَهُ] أَولا، فيستحيل مِنْكُم ان تعصوه آخرا، وَإِن زعمتم أَن آخر وَقت الْإِمْكَان يتَعَيَّن للامتثال فقد أبطلتم كل مَا عَلَيْهِ عولتم فَإِن معولكم على تَسَاوِي الْأَوْقَات وَعدم إنباء اللَّفْظ عَن تعْيين شَيْء مِنْهَا وَالْوَقْت الآخر كَالَّذي تقدمه من الْأَوْقَات، قَالُوا فَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام لم يبْق إِلَّا الْمصير إِلَى الْفَوْر.
[٣٢٤] وَهَذَا من أعظم شبه الْقَوْم، وَقد زل فِي الِانْفِصَال عَنْهَا مُعظم الصائرين إِلَى التَّرَاخِي، فطريقنا ان نقرر عَلَيْهِم من قَوْلهم فِي تقسيمهم مَا يقارن الصِّحَّة، ونعترض على مَوضِع الْبطلَان مِنْهُ. فَأَما مَا ذَكرُوهُ فِي تضاعيف كَلَامهم من بطلَان القَوْل بِأَنَّهُ يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أَوسط الْوَقْت فَهُوَ على مَا ذَكرُوهُ وَكَذَلِكَ لَا نحكم / عَلَيْهِ بالمعصية بِالتَّأْخِيرِ عَن أول الْوَقْت [٣٧ / ب] وَلَا نقُول أَيْضا أَن آخر وَقت الْإِمْكَان يتَعَيَّن للامتثال عَن التَّضْيِيق حَتَّى نعصيه فِي التّرْك فَلَا يبْقى مِمَّا قسموه إِلَّا قَوْلهم إِنَّه إِذا لم يعْص الْتحق الْمَأْمُور بِهِ بالنوافل فَيُقَال لَيْسَ الْأَمر على مَا ذكرتموه وَذَلِكَ أَن النَّفْل لَا يكون نفلا لجَوَاز تَركه إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْمُبَاح نفلا وَلَا يكون النَّفْل نفلا لكَون فعله خيرا من تَركه مَعَ جَوَاز تَركه فَإِن الْفَرْض الَّذِي وسع وقته كَالصَّلَاةِ المخصصة
стр. 230
بِوَقْت مضبوط الأول وَالْآخر يجوز تَأْخِيرهَا عَن أول الْوَقْت، والابتدار إِلَيْهَا خير فِي أول الْوَقْت وَيجوز تَركهَا فِيهِ، ثمَّ لَا يتَضَمَّن ذَلِك نفي الْوُجُوب عَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت لما سنقرره إِن شَاءَ الله بعد ذَلِك.
[٣٢٥] فَإِن قيل: فَبِمَ ينْفَصل النَّفْل عَن الْفَرْض إِذا، قيل لَهُم ينْفَصل النَّفْل عَن الْفَرْض بأَشْيَاء نذكرها فِي موَاضعهَا وَلَكِن نذْكر هُنَا مَا يَقع بِهِ الِاسْتِقْلَال فَنَقُول النَّفْل يجوز تَركه أبدا إِلَى غير بدل، وَالْفَرْض لَا يجوز تَركه إِلَّا إِلَى بدل إِن كَانَ مُطلقًا غير مضيق.
[٣٢٦] فَإِن قيل: إِذا أخر الْحَج مثلا أَو الْكَفَّارَة حَتَّى اخترمته الْمنية فَمَا بدل الْكَفَّارَة المتروكة؟ قيل لَهُم: الْأَوْقَات لعصي، فَكَذَلِك لَو تَركهَا
стр. 231
وَترك الْعَزْم على الِامْتِثَال فنعصيه، فقد افترق النَّفْل وَالْفَرْض فِي ذَلِك فَإِن تَارِك النَّفْل لَا يعْصى مَعَ ترك الْعَزْم وتارك الْفَرْض الْمُطلق يعْصى مَعَ ترك الْعَزْم.
[٣٢٧] وَكَذَلِكَ يُفَارق الْفَرْض النَّفْل فِي أَن تَارِك الْفَرْض [لَا] يعْصى بِتَرْكِهِ إِذا أَتَى بِبَدَل عَنهُ وَهُوَ الْعَزْم أَو أَتَى بِمثلِهِ فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات، فانتفاء الْمعْصِيَة عَنهُ مَشْرُوط بِبَدَلِهِ وَانْتِفَاء الْمعْصِيَة عَن تَارِك النَّفْل غير مَشْرُوط بِشَيْء من ذَلِك.
[٣٢٨] فَإِن قيل: فَمَا معولكم فِي ذَلِك كل مَا قدمتموه على الاعتضاد بِمُطلق اللَّفْظ مَعَ الْمصير إِلَى أَنه لَا يُنبئ عَن الْوَقْت صَرِيحًا وَلَا ضمنا ثمَّ أثبتم الْعَزْم وَلَا يُنبئ اللَّفْظ عَنهُ فلئن جَازَ تثبيت الْعَزْم مَعَ أَن اللَّفْظ الْمُطلق لَا يُنبئ عَنهُ جَازَ تعين الْوَقْت الأول مَعَ أَن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَنهُ وَهَذَا أصعب سُؤال للْقَوْم.
وَالْجَوَاب عَنهُ أَن نقُول: اعلموا أَن وجوب الْعَزْم لَا يتلَقَّى من مُطلق الْأَمر وَلَكِن ثَبت ذَلِك بِدلَالَة أُخْرَى فَإِذا ثَبت ذَلِك وتهيأ رتبنا عَلَيْهِ مَا يعضده وَقد أوضحنا بِمَا سبق من الْأَدِلَّة تَسَاوِي الْأَوْقَات وَفِي ثُبُوت تساويها فِي مُقْتَضى اللَّفْظ منع تعْيين وَاحِد مِنْهَا وَلَيْسَ من شَرط تَسَاوِي الْأَوْقَات منع وَاجِب آخر سوى مَا انطوى عَلَيْهِ الْأَمر بِدلَالَة أُخْرَى تدل عَلَيْهِ، فمحصول القَوْل فِي ذَلِك إِذا يؤول إِلَى أَن تعْيين الْوَقْت يَنْفِي تَسَاوِي الْأَوْقَات وَفِي ثُبُوت
стр. 232
[٣٨ / أ] تساويها فِي مُقْتَضى اللَّفْظ منع تعين / وَاحِد مِنْهَا وَلَيْسَ من شَرط تَسَاوِي الْأَوْقَات منع وَاجِب آخر سوى مَا انطوى عَلَيْهِ الْأَمر بِدلَالَة أُخْرَى تدل عَلَيْهِ، فمحصول القَوْل فِي ذَلِك إِذا يؤول إِلَى أَن تعْيين الْوَقْت يَنْفِي تَسَاوِي الْأَوْقَات وَمُطلق الْأَمر يتَضَمَّن تساويها فَفِي التَّعْيِين إبِْطَال قَضِيَّة الْأَمر وَلَيْسَ فِي إِيجَاب الْعَزْم مَا يبطل قَضِيَّة الْأَمر صَرِيحًا وَلَا ضمنا وَهَذَا بَين، فَتَأَمّله.
[٣٢٩] فَإِن قيل: ففصلوا مذهبكم فِي الْعَزْم وَانْتِفَاء الْمعْصِيَة وثبوتها.
قُلْنَا سنفرد فِي ذَلِك فصلا بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ثمَّ نقُول: كل مَا ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم بِمَا إِذا قَالَ الْقَائِل الْمُخَاطب للمخاطب: ألزمتك وأوجبت عَلَيْك ضربا أَو ضرب شخص فالأشخاص تتساوى فِي حكم الضَّرْب الْمَأْمُور بِهِ فَمَا من شخص يتلقاه إِلَّا وَله أَن يتعداه. ثمَّ نقُول فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟ مَتى يعْصى مَعَ تَسَاوِي الْأَشْخَاص؟ فقولنا فِي تَسَاوِي الْأَوْقَات كقولكم فِي تَسَاوِي أَوْصَاف المضروبين.
[٣٣٠] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم وتداني مَا قدمْنَاهُ وَهِي أَنهم قَالُوا إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا لم يخل من ثَلَاثَة أَحْوَال: أما أَن يَقْتَضِي تكْرَار الِامْتِثَال أَو يَقْتَضِي الِامْتِثَال على الِاتِّحَاد من غير بدل أَو يَقْتَضِي اتِّحَاد الِامْتِثَال مَعَ تَقْدِير بدل. فَإِن اقْتضى التّكْرَار واستيعاب الْأَوْقَات فَمن ضَرُورَة ذَلِك الذّهاب إِلَى الْفَوْر. وَإِن اقْتضى فعلا وَلم يتَضَمَّن بَدَلا ثمَّ تَسَاوَت الْأَوْقَات فِيهِ وَجَاز تَأْخِيرهَا فَفِي نفي ذَلِك تَصْرِيح بإلحاقها بالنوافل وَإِن اقْتضى فعلا وبدلا كَانَ [محالا] فَإِن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَن الْبَدَل.
стр. 233
قُلْنَا: أما التّكْرَار فَلَا نصير إِلَيْهِ وَلَا نَذْهَب أَيْضا إِلَى أَن [الْبَدَل] يثبت بِمُقْتَضى اللَّفْظ وَلَكِن يثبت بِاللَّفْظِ الِامْتِثَال الْمُجَرّد ثمَّ يثبت بِدلَالَة أُخْرَى الْعَزْم الَّذِي قدرناه بَدَلا وَفِيمَا قدمْنَاهُ غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٣٣١] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم وَهِي أَنهم قَالُوا الْأَمر الْمُطلق يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة واعتقاد الْوُجُوب والعزم، ثمَّ الْعَزْم واعتقاد الْوُجُوب يثبتان على الْفَوْر وَلَا فسحة فِي تأخيرهما عَن أول وَقت الْإِمْكَان فَكَذَلِك الِامْتِثَال وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ بَاطِل من أوجه: أَحدهَا: أَن مِمَّا عولوا عَلَيْهِ الْعَزْم وَهُوَ لَا يَتَقَرَّر على مُقْتَضى أصلهم وَذَلِكَ أَن الْعَزْم إِنَّمَا يتَحَقَّق مُتَعَلقا بِشَيْء فِي الثَّانِي بِشَيْء، فَإِن ادعوا الِامْتِثَال متعقبا لمورد الْأَمر لم يتَصَوَّر الْعَزْم عَلَيْهِ مُقَارنًا لوُجُوده. وَأما الِاعْتِقَاد فَلَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ من أوجه: أَحدهَا أَنه على التّكْرَار وَلَا يتخصص بالكرة الْوَاحِدَة والامتثال يتخصص بالكرة الْوَاحِدَة فَلَمَّا تكَرر الِاعْتِقَاد استغرق جملَة أَوْقَات الْإِمْكَان. وَالْوَجْه الآخر فِي الِانْفِصَال أَن تَقول نَحن لَا نوجب اعْتِقَاد الْوُجُوب من قَضِيَّة الْأَمر، فَإِن الْأَمر لَا يُنبئ إِلَّا عَن الِامْتِثَال وَإِنَّمَا ثبتنا وجوب / اعْتِقَاد الْوُجُوب بِدلَالَة أُخْرَى [٣٨ / ب] وَإِنَّمَا خلافنا مَعكُمْ فِي مُوجب اللَّفْظ، فَلَا يَصح أَن يثبت لموجب اللَّفْظ مَا لَا يتلَقَّى مِنْهُ وَهَذَا وَاضح فِي بطلَان مَا قَالُوهُ. ثمَّ نقُول: لَو ورد الْأَمر
стр. 234
الْمُقْتَضِي للْإِيجَاب مُقَيّدا [بتجويز] تراخي الِامْتِثَال عَن مورد الْأَمر فاعتقاد الْوُجُوب عِنْد دُخُول وَقت الِامْتِثَال يتعقب الْأَمر وَإِن كَانَ الِامْتِثَال لَا يتعقبه، فَبَان افتراقهما. ثمَّ وَجه التَّحْقِيق فِي الِاعْتِقَاد أَن نقُول: مَا أطلقتموه من اعْتِقَاد الْوُجُوب لَا يزِيد على الْعلم بِالْوُجُوب وَإِذا أَمر الله عباده بِشَيْء، فَمن شَرط توجه الْأَمر عَلَيْهِم علمهمْ بِالْأَمر ومورده أَو تمكنهم من الْعلم بِهِ، إِذْ لَا يتَحَقَّق الْإِقْدَام على الِامْتِثَال إِلَّا مَعَ الْعلم بِمَا كلف، وَإِنَّا قد قُلْنَا: إِن مَا يضاد الْعلم يُنَافِي تحقق التَّكْلِيف فَإِذا ثَبت ذَلِك فَمَا دَامَ ذَاكِرًا لِلْأَمْرِ مستجمعا لشرائط الْخطاب فَلَا يتَصَوَّر خلوه عَن الْعلم بِالْأَمر الْمُوجب وَلَو ذهل عَنهُ فِي غفلاته فَلَا نؤثمه، فَتبين من ذَلِك أَن مَا تمسكوا بِهِ من الِاعْتِقَاد وَهُوَ نفس الْعلم بورود الْأَمر على صفته. وَإِذا احطت علما بذلك سَقَطت عصمتهم.
[٣٣٢] وحقق القَاضِي ذَلِك بِأَن قَالَ إِذا توجه الْأَمر على الْمُكَلف فمقتضاه وَإِن لم يكن أَخْبَار الْإِخْبَار عَن وجوب الْفِعْل على الْمُكَلف وَقد [ثَبت] بِأَصْل الْإِيمَان إدامة تَصْدِيق الرب تَعَالَى. فَمن هَذَا الْوَجْه يَدُوم عَلَيْهِ اعْتِقَاد الْوُجُوب.
[٣٣٣] وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ فِي المسئلة النَّهْي، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن هَذَا الْكَفّ
стр. 235
عَن الْمنْهِي عَنهُ على الْفَوْر وكل مَا قدمْنَاهُ من طَرِيق الِانْفِصَال فِي مسئلة التّكْرَار يعود فِي المسئلة غير أَنِّي نقلت عَن القَاضِي ﵁ فِي المسئلة الأولى إِجْرَاء النَّهْي مجْرى الْأَمر من أَنه لَا يَقْتَضِي التّكْرَار وَلم أر لَهُ فِي مسئلة الْفَوْر نصا وَالْأولَى إجراؤه على الْمَعْهُود من قَول الْأَصْحَاب وَهُوَ أَنه يتَضَمَّن الْكَفّ على الْفَوْر.
[٣٣٤] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَن قَالُوا: إِذا زعمتم أَن الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة فَهُوَ على التَّقْدِير فعل وَاحِد ثمَّ الْفِعْل الْمُقدر فِي أول الزَّمَان عَن الْفِعْل الْمُقدر فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات فَيبْطل الْمصير إِلَى جَوَاز التَّرَاخِي القَوْل باتحاد الْفِعْل فِي الِامْتِثَال، ويؤول محصول الْكَلَام إِلَى أَن كل فعل من الْأَفْعَال المتقدرة الْوَاقِعَة فِي الْأَوْقَات المتعاقبة مَأْمُور بِهِ وَهَذَا يتناقض لِاتِّحَاد الِامْتِثَال، قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه زلل وَذَلِكَ أَنا لَا نقُول: أَن الِامْتِثَال فعل معِين وَلَكِن إِن حصل الِامْتِثَال فِي أول وَقت الْإِمْكَان فَذَلِك ... الأخرا فالفعل المتماثل لَهُ تَقْدِير فِي أول الْوَقْت الثَّانِي يقوم مقَامه فَكَانَ الْمَأْمُور وَاحِدًا من الْأَفْعَال المتماثلة المتغايرة المتقارنة للأوقات لَا بِعَيْنِه وَلَا يستبعد تثبيت الْإِيجَاب على هَذَا السَّبِيل، وَهَذَا / كَمَا نقُول فِي كَفَّارَة [٣٩ / أ]
стр. 236
الْيَمين على مَا سنعقد فِيهَا بَابا إِن شَاءَ الله . ثمَّ مَا ذَكرُوهُ يبطل عَلَيْهِم بِمَا لَو قَالَ: اضْرِب شخصا فَإِن كل ضرب يقدر صادرا مِنْهُ فِي مَضْرُوب فَهُوَ غيرالضرب الَّذِي يقدر فِي مَضْرُوب آخر. وَقَوْلنَا فِي الْأَوْقَات كَقَوْلِهِم فِي المضروبين.
[٣٣٥] فَإِن قيل: فَإِذا ورد الْأَمر مُطلقًا مُجَردا فَلَيْسَ فِي ظَاهره وفحواه التَّخْيِير بَين أَشْيَاء، فَإِذا زعمتهم أَن الْمَأْمُور أحد الْأَفْعَال وَهُوَ مُخَيّر فِيهَا فقد تلقيتم التَّخْيِير من مُطلق الْأَمر. فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه ينعكس عَلَيْكُم فِي التَّعْيِين وَذَلِكَ أَن الْأَمر الْمُطلق لَيْسَ فِي ظَاهره تعرض لفور فَإِذا حملتموه عَلَيْهِ فقد تعديتم مُوجب اللَّفْظ، ثمَّ نقُول لَهُم: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْأَمر يُنبئ عَن التَّخْيِير الَّذِي استبعدتموه وَذَلِكَ أَنه إِذا ثَبت أَن الْأَمر الْمُطلق لَا يتَضَمَّن تَخْصِيص الِامْتِثَال بِوَقْت فَكَانَ تَقْدِيره: امتثلوا الْأَمر فِي أَي وَقت شِئْتُم، ثمَّ لَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا فِي أَفعَال مُتَغَايِرَة كَمَا صورتموه فَتبين بذلك إنباء الْأَمر عَمَّا استنكرتموه - فَهَذِهِ عمدهم يتَوَصَّل بهَا إِلَى أغيارها.
(٧٧) فصل
[٣٣٦] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قُلْتُمْ أَن الْأَمر بِالْحَجِّ مثلا على التَّرَاخِي وزعمتم أَن الْأَمر بالكفارات الَّتِي تجب عَن أَسبَاب لَا تعدِي فِيهَا على التَّرَاخِي فَمَا تَفْصِيل مذهبكم فِي تَركهَا المعقب سمة الْعِصْيَان.
قيل لَهُم: هَذِه مسئلة خَاضَ فِيهَا الْفُقَهَاء، وَنحن نومئ إِلَى مذاهبهم ثمَّ نوثر الصَّحِيح مِنْهَا فَمن الْفُقَهَاء من صَار إِلَى أَن من تمكن من الْحَج بُرْهَة من
стр. 237
دهره ثمَّ اخترمته الْمنية وَلم يحجّ فَتبين لَهُ أَنه مَاتَ عَاصِيا، وتتسلط الْمعْصِيَة على أول وَقت الْإِمْكَان إِلَى الاخترام، وَمِنْهُم من قَالَ نعصيه ونخصص ذَلِك بآخر سني الْإِمْكَان وَكَذَلِكَ نخصص الْمعْصِيَة فِي الْكَفَّارَات
стр. 238
بآخر وَقت الْإِمْكَان من ملتزمها. وَصَارَ مُعظم الْفُقَهَاء إِلَى أَن من أخر الصَّلَاة من أول وَقتهَا إِلَى وسط الْوَقْت ثمَّ اخترم فَلَا نعصيه أصلا بِخِلَاف مَا علق وُجُوبه بمدى الْعُمر وَقد صَار بعض من لَا يؤبه لَهُ من المنتمين إِلَى الْفُقَهَاء إِلَى أَنه ينتسب إِلَى الْمعْصِيَة فِي هَذِه المسئلة أَيْضا وَهَذَا بعيد جدا فَإِن من زعم أَن من دخل عَلَيْهِ أول وَقت الصَّلَاة وانقضى عَلَيْهِ مِنْهُ مَا يسع قدر الْفَرْض ثمَّ اخترم فَيَمُوت عَاصِيا فقد اقْترب من خرق الْإِجْمَاع. وَأما الَّذِي يرتضيه
стр. 239
الْمُحَقِّقُونَ من الْأُصُولِيِّينَ فَهُوَ أَنا إِذا سوغنا لَهُ التَّأْخِير فِي الْوَاجِبَات الَّتِي قدمناها فأخرها وَهُوَ عازم على الْإِقْدَام عَلَيْهَا فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات فَلَا نعصيه أصلا، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنا إِذا جَوَّزنَا لَهُ التَّأْخِير فَأخر وَترك مَا يسوغ لَهُ تَركه لبدله وَهُوَ الْعَزْم فالمصير إِلَى التعصية بِسَبَب تَأْخِير مجوزا شرعا محَال.
[٣٣٧] فَإِن قَالَ قَائِل: فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنه إِنَّمَا جوز لَهُ التَّأْخِير بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة واستشهدوا على ذَلِك بالتعزير فَإِن الزَّوْج لَهُ أَن يُعَزّر زَوجته / فَلَو أدّى إِلَى تلفهَا تبين لنا وجوب الضَّمَان على الزَّوْج وَإِن [٣٩ / ب] كُنَّا قد جَوَّزنَا لَهُ الْإِقْدَام على التَّعْزِير أَولا.
стр. 240
وَاعْلَم أَن هَذَا لَا تَحْقِيق وَرَاءه وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِذا زعمتم معاشر الْفُقَهَاء أَن تَأْخِير الْكَفَّارَات سَائِغ فَلَا تخلون أما أَن تزعموا أَن الانتساب إِلَى المعصيبة مُعَلّق على مَا يُحِيط الْمُكَلف بِهِ علما، أَو تزعموا أَنه مُعَلّق على مَا لَا يُحِيط علمه بِهِ، وَلَا يتَوَصَّل إِلَى مَعْرفَته، فَإِن زعمتم أَن الانتساب إِلَى الْمعْصِيَة مُعَلّق على مَا لَا يتَحَقَّق من الْمُكَلف علمه، فَهَذَا محَال، فَإِن من شَرط ثُبُوت قضايا التَّكْلِيف تمكن الْمُكَلف من الْعلم بالمندوبات والواجبات، وَهَذَا بَاطِل أطبق عَلَيْهِ الكافة، وَفِي تَجْوِيز التَّكْلِيف مَعَ اسْتِحَالَة الْوُصُول إِلَى الْعلم بحقيقته مصير إِلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق على مَا قدرناه فِي غير مَوضِع وَإِن زعمتم أَن الْمعْصِيَة تستند إِلَى مَا يُعلمهُ الْمُكَلف فَهَذَا يُنَاقض الأَصْل الَّذِي أسستموه، وَذَلِكَ أَنكُمْ زعمتم أَن مُدَّة الْعُمر وَقت لِلْحَجِّ وَأَدَاء الْكَفَّارَات فَلَو تعذر من ملتزمها الْإِقْدَام عَلَيْهَا على مَوته فَلَا ينْسب إِلَى الْمعْصِيَة. وانقراض الْعُمر وانتهاؤه مِمَّا لَا يسْتَدرك، وَهَذَا وَاضح فِي بطلَان مَا قَالُوهُ، ونستدل على جَمَاهِير الْفُقَهَاء بالاخترام فِي أَوسط وَقت الصَّلَاة [المؤقتة] وَلَا يَسْتَقِيم فِي ذَلِك فصل سديد وَلَا يرتكبه إِلَّا متجاهل.
[٣٣٨] فَإِن قيل: فَمَا الميز بَين النَّوَافِل والواجبات؟ ، قُلْنَا: قد سبق القَوْل فِيهِ فِي أثْنَاء مسئلة الْفَوْر وسنزيده إيضاحا إِن شَاءَ الله فِي بَاب ثُبُوت وَاجِب من جمل لَا بِعَيْنِه.
[٣٣٩] فَإِن قيل: فَهَل للْوَاجِب على التَّرَاخِي وَقت تحكمون فِيهِ بِوُجُوبِهِ تضيقا؟
стр. 241
قيل: قد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى أَن من ألمت بِهِ الآلام، وحس من نَفسه بِالْمَوْتِ، وَغلب ذَلِك على ظَنّه، فَتعين عَلَيْهِ الابتدار إِلَى الْحَج وَالْكَفَّارَة مَعَ الاقتدار عِنْد الْغَلَبَة على الظَّن خشيَة الْفَوات وَهَذَا لَو صَار إِلَيْهِ صائر لم يبعد، وَهَذَا كَمَا أَنا نقُول الضَّرْب المبرح الَّذِي يغلب على الْقلب إفضاؤه إِلَى مَا يُجَاوز حد التَّأْدِيب محرم على الزَّوْج عِنْد حُصُول غَلَبَة الظَّن، ومعظم الْأَحْكَام فِي المجتهدات منوطة بغلبات الظنون.
[٣٤٠] فَإِن قيل: فَمَا وَجه انفصالكم عَمَّا ألزمتم فِي التَّعْزِير؟ وَرُبمَا يعتضدون بِمَا يداني ذَلِك وَيَقُولُونَ إِنَّمَا يُبَاح للْمُسلمِ الرَّمْي إِلَى صف الْكَفَرَة فِي المعترك بِشَرْط أَن لَا يُصِيب مُسلما وَإِن كَانَ قد يبدر ذَلِك مِنْهُ.
قُلْنَا: هَذَا زلل عَظِيم مِنْكُم فِي أَحْكَام التَّكْلِيف، فَأَما الَّذِي قدمتموه من قَضِيَّة التَّعْزِير فأعلموا أننا لَا نجوز لَهُ تعزيرا يعري فِي مَعْلُوم الله عَن استعقاب تلف، فَإنَّا لَو خصصنا الْجَوَاز بذلك / أفْضى ذَلِك بِنَا إِلَى تَعْلِيق [٤٠ / أ] الْأَحْكَام على مَا لَا يتَعَلَّق الْعلم بِهِ أصلا، وَلَا يتَقَدَّر تمكن الْعلم بِهِ، وَقد أوضحنا مُنَافَاة ذَلِك لقضايا التَّكْلِيف وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيل أَن نقُول إِنَّمَا نجوز
стр. 242
للْمُسلمِ الرَّمْي إِلَى الْكَفَرَة بِشَرْط أَلا يُصِيب مُسلما فَإِن الْعلم بذلك مِمَّا لَا يدْخل تَحت الْإِمْكَان فِي مجاري الْعَادَات وَلَكِن القَوْل فِي المسئلتين أَنه جوز لَهُ الْإِقْدَام على مَا الْأَغْلَب أَنه لَا يعقب تعزيزه مَا يُؤَدِّي إِلَى تعدِي المجوز وَهَذَا يطرد فِي المسئلتين والمرجع إِلَى أغلب الْعَادَات فيهمَا.
[٣٤١] فَإِن قيل: فَلَو تعقب التَّعْزِير الَّذِي لَا يغلب إفضاء مثله إِلَى التّلف أَو أصَاب السهْم وَاحِدًا من المستأسرين أَلَيْسَ الضَّمَان يتَعَلَّق بِهِ؟
قيل لَهُم: فِي الضَّمَان تَفْصِيل للفقهاء فَإِن قُلْنَا بِهِ فَلَيْسَ فِيهِ مُنَافَاة لما قدمْنَاهُ. وَكم من مُبَاح يتَعَلَّق بِهِ لُزُوم شَيْء، وأمثلة ذَلِك لَا تحصى من موارد الشَّرِيعَة، فَتَأمل ذَلِك.
стр. 243
(٧٨) فصل
[٣٤٢] إِذا خصصت الْعِبَادَة المفترضة بأوقات فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون مستغرقة لَهَا وَإِمَّا أَن لَا تكون مستغرقة لَهَا، فَإِن كَانَت مستغرقة للأوقات المضروبة فَلَا يتَقَدَّر فِيهَا تصور تراخ وفسحة تَأْخِير، وَذَلِكَ كَالصَّوْمِ علق بِمَا بَين مطلع الْفجْر إِلَى وجوب الشَّمْس. وَإِن كَانَت الْعِبَادَة غير مستغرقة للأوقات المضروبة لَهَا كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَة المؤقتة. فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نعتها بِالْوُجُوب فِي أول الْوَقْت وأوسطه وَآخره.
فَذهب أَبُو حنيفَة ﵀ إِلَى أَن الصَّلَاة إِنَّمَا تجب بآخر الْوَقْت فَإِذا بقى من الْوَقْت الْقدر الَّذِي يسع فعل الصَّلَاة من غير زِيَادَة فَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق وجوب الصَّلَاة ثمَّ صَار إِلَى أَن الصَّلَاة لَو أُقِيمَت فِي أول وَقتهَا تأدى الْفَرْض بهَا وَاخْتلفت عِبَارَات أَصْحَابه فَذهب بعض متعسفيهم إِلَى أَن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت نَافِلَة قَائِمَة مقَام الْفَرْض وَذهب بَعضهم إِلَى أَن
стр. 244
الْوُجُوب فِيهَا مرقوب فَإِن انْقَضى الْوَقْت والمكلف مستجمع لشرائط الِالْتِزَام تبين بِالْآخرِ أَن الْمقَام أَولا وَقع فرضا إِسْنَادًا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن آخر الْوَقْت إِذا دخل ثَبت آنِفا من غير إِسْنَاد انقلاب تِلْكَ الصَّلَاة فرضا فِي هذيان طَوِيل لَهُم، وَذهب بعض المنتمين إِلَى الْفُقَهَاء إِلَى أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت فَإِن أخرت كَانَت قَضَاء وَهَذَا الْقَائِل مَعَ مصيره إِلَى ذَلِك
стр. 245
يُوَافق الكافة فِي جَوَاز التَّأْخِير.
[٣٤٣] وَقد نقل عَن مَالك ﵁ قريب من ذَلِك فِي الْحَج وَجُمْلَة الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالعمر وَيَأْتِي مثل ذَلِك فِي الصَّلَاة.
стр. 246
[٣٤٤] وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله أَن الصَّلَاة يتَحَقَّق [٤٠ / ب] وُجُوبهَا فِي مفتتح الْوَقْت / وَلَا يتخصص بِالْوَقْتِ الأول بل تتساوى جملَة الْأَوْقَات المصروفة فِي حكم الْوُجُوب كَمَا تتساوى جملَة الْأَوْقَات فِي امْتِثَال الْأَمر الْمُطلق فالأوقات المضروبة للصَّلَاة على التَّعْيِين كأوقات الْإِمْكَان فِي الْعُمر فِيمَا ورد الْأَمر بِهِ مُطلقًا من غير تأقيت بِهِ نَحْو الْحَج وَمثله.
[٣٤٥] ثمَّ اعْلَم أَنا إِذا فسحنا لَهُ فِي تَأْخِير الصَّلَاة من أول وَقتهَا فَلَا يجوز ذَلِك التّرْك إِلَّا لبدل عَنهُ وَهُوَ الْعَزْم على فعله فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات
стр. 247
بِشَرْط بَقَاء الصِّفَات المشترطة فِي التَّكْلِيف على مَا أومأنا إِلَيْهِ فِي أثْنَاء مسئلة الْفَوْر.
[٣٤٦] وَهَا نَحن نبطل مَا حكينا من الْمذَاهب خلاف مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄ حَتَّى إِذا بطلت تعين مَذْهَبهمَا للصِّحَّة.
فَأَما أَبُو حنيفَة فَيُقَال لَهُ أَلَسْت وافقتنا أَن من أَقَامَ الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا ليتأدى الْفَرْض بذلك فَلَا تَخْلُو بعد تَسْلِيم هَذَا الأَصْل إِمَّا أَن تَقول أَن مَا أَدَّاهَا فِي أول الْوَقْت وَقع نفلا قَائِما مقَام الْفَرْض أَو لَا تَقول ذَلِك فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك أدّى ذَلِك إِلَى خرق إِجْمَاع الْأمة، وَذَلِكَ أَن قَائِلا لَو قَالَ لكم إِذا أَقَامَ الْمُكَلف الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا فَهَل تحكمون بِوُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي آخر الْوَقْت، أَو لَا تحكمون بِوُجُوبِهَا أصلا بعد مَا فرطت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، فَإِن لم تحكموا بِوُجُوبِهَا فِي آخر الْوَقْت لزمكم أَن تَقولُوا دخل وَقت الظّهْر على مُكَلّف مقتدر على إِقَامَة الصَّلَاة بشرائطها مَعَ الِاخْتِيَار وارتفاع الْأَعْذَار وَلم تجب عَلَيْهِ الظّهْر، وَهَذَا مراغمة مَا عَلَيْهِ الْأمة، وَيلْزم من قوده أَن تَقولُوا: من عمر مائَة أَقَامَ الصَّلَاة فِي جَمِيع عمره فِي أَوَائِل الْأَوْقَات فقد انْقَضى عمره وَمَا أوجب الله عَلَيْهِ صَلَاة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ، وَإِن هم قَالُوا: تجب الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت مَعَ جَوَاز تَقْدِيم الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، فيلزمهم من ذَلِك شَيْئَانِ: أَحدهمَا خرق الْإِجْمَاع، وَالثَّانِي إبِْطَال مَا عَلَيْهِ معولهم فِي المسئلة، فَأَما خرق
стр. 248
الْإِجْمَاع فَإِنَّمَا يلْزمهُم لِأَن الْأمة مجمعة على أَن من أَقَامَ الظّهْر فِي أول الْوَقْت فَلَا يتَعَلَّق بِهِ إِلْزَام الظّهْر فِي آخر الْوَقْت. وَأما إبطالهم مَا عولوا عَلَيْهِ فَذَلِك أَنهم قَالُوا: حَقِيقَة جَوَاز التَّأْخِير، فَهَذَا لَو قَالُوا: إِن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت وَقعت نفلا.
[٣٤٧] ثمَّ أعقب الْفُقَهَاء مَا قدمْنَاهُ بشيئين: أَحدهمَا أَنهم قَالُوا لَو كَانَت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت نفلا لجَاز للْمُصَلِّي أَن يَنْوِي النَّفْل وَقد وافقتمونا على أَنه لَو نوى ذَلِك لم يَقع موقع الْفَرْض. وأوضحوا ذَلِك بِأَن [٤١ / أ] قَالُوا التَّنَفُّل قبل / الزَّوَال سَائِغ كَمَا أَنه جَائِز بعده فَلَو كَانَت الصَّلَاة نفلا لما اخْتصّت بِمَا بعد الزَّوَال. وَالَّذِي نرتضيه الِاكْتِفَاء بِمَا قدمْنَاهُ.
[٣٤٨] وَإِن قَالُوا: الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت مَوْقُوفَة فَإِن انْقَضى الْوَقْت والمكلف على شَرَائِط الصِّحَّة والالتزام بَان لنا وُجُوبهَا، وَإِن اخترم قبل آخر الْوَقْت بَان لنا وُقُوعهَا موقع النَّفْل وَهَذَا مَا تميل [إِلَيْهِ] الدهماء من فُقَهَاء أَصْحَاب أبي حنيفَة، ثمَّ تمثلوا فِي ذَلِك بأمثلة فِي الشَّرِيعَة نصير فِيهَا إِلَى الْوَقْف أَولا ثمَّ نسند إِلَيْهَا حكما آخر، فَنَقُول فِي الرَّد على هَؤُلَاءِ: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنا نقُول: إِذا انْقَضى عَلَيْهِ الْوَقْت ألستم
стр. 249
زعمتم أَنه يتَبَيَّن أَن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت وَقعت فرضا أول مَا وَقعت، فَنَقُول: أَنْتُم فَلَا تخلون إِذا إِمَّا أَن تزعموا أَنه بَان لنا وُجُوبهَا فِي أول الْوَقْت حَتَّى لَو قدر تَأْخِيره عَن أول الْوَقْت نسبناه إِلَى الْعِصْيَان، أَو لَا تَقولُونَ ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ تبين لنا أَنه كَانَ لَا يجوز لَهُ التَّأْخِير، فَهَذَا خرق الْإِجْمَاع، وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَقْرِيره لوضوحه وَإِن قُلْتُمْ لم يبن لنا تضيق الْوَقْت، فقد أثبتم وَاجِبا يجوز تَأْخِيره، وَهَذَا أوضح من فلق الصُّبْح.
وَالْوَجْه الثَّانِي: فِي الرَّد عَلَيْهِم أَن نقُول: من أَقَامَ الظّهْر فِي أول وقته ثمَّ اخترم فِي أَوسط الْوَقْت فقد أَجمعت الْأمة على أَنه قد أَقَامَ الظّهْر ثمَّ أَجمعُوا أَن الْمُكَلف مَعَ سَلامَة الْأَحْوَال وارتفاع الْأَعْذَار لَو بدر مِنْهُ مَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ ظهرا أَولا مَعَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ [لَا] يكون نفلا، فَلَا يزالون يتورطون فِيمَا يلْزمهُم خرق الْإِجْمَاع. واجتز بِمَا قدمْنَاهُ قبل ذَلِك.
[٣٤٩] وَإِن قَالُوا: إِن الصَّلَاة المقامة فِي أول وَقتهَا وَقعت نفلا ثمَّ انقلبت فرضا لَا على وَجه التبين والإسناد. فَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَا مضى من الْأَفْعَال وانقضى من الْعِبَادَات على كمالها فيستحيل قلب صفتهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَضَت وَانْقَضَت منعوتة بالتطوع فَلَو وصفناها ابْتِدَاء بِالْوُجُوب كَانَ محالا، لِأَن الْوَصْف بِالْوُجُوب إِنَّمَا يتَحَقَّق إِمَّا فِي مَوْجُود حَال حُدُوثه، وَإِمَّا فِيمَا سيوجد. فَأَما مَا انْقَضى وجوده على خلاف نعت الْوُجُوب فيستحيل ابْتِدَاء وصف الْوُجُوب لَهُ وَهَذَا كَمَا أَن فعلا لَو وَقع فِي غير موقع
стр. 250
الطَّاعَات وانقضى فيستحيل وَصفه بعد انقضائه ابْتِدَاء وإنشاء إِلَّا أَن يتَبَيَّن بِكَوْنِهِ طَاعَة، اللَّهُمَّ وَإِن سبق لنا مُقَارنَة سمة الطَّاعَة لوجودها وَهَذَا بَين لَا ريب فِيهِ.
وَالْوَجْه الآخر للإبطال أَن نقُول: ألستم عولتم فِيمَا إِلَيْهِ ذهبتم على أَن من حكم الْوَاجِب أَن يَعْصِي الْمُكَلف بِتَرْكِهِ، فَنَقُول لكم بِمَا دخل آخر [٤١ / ب] الْوَقْت فقد تحقق مِنْهُ التّرْك / وَلم ينتسب إِلَى الْمعْصِيَة وَالَّذِي بدر مِنْهُ فِي أول الْوَقْت غير مَا يجب عَلَيْهِ فِي آخر الْوَقْت فقد أثبتم وجوبا مَعَ انْتِفَاء الْعِصْيَان عِنْد تَحْقِيق تَركه، فاتضح بطلَان مَا قَالُوهُ من كل الْوُجُوه، وَلم يبْق إِلَّا الْقطع بِأَن الصَّلَاة تجب وَلَا يتخصص وُجُوبهَا بآخر الْوَقْت. فَهَذَا أوجه الرَّد على أَصْحَاب أبي حنيفَة.
[٣٥٠] فَأَما من زعم من أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت، وَلَو أخرت عَنهُ لكَانَتْ قَضَاء فَهَذَا مَذْهَب لَا طائل وَرَاءه، فَأَنا نقُول: إِذا زعمتم أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت. فَهَل تَقولُونَ: إِن الْمُكَلف يَعْصِي بتأخيرها؟ فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك، خرقتم الْإِجْمَاع المنعقد قبل حُدُوث هَذَا الْمَذْهَب، وَقطع الْكَلَام عَنْكُم، وَإِن قُلْتُمْ: إِنَّه لَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، فَنَقُول لكم: فَلَو أَقَامَهَا فِي الْوَقْت الثَّانِي هَل تَبرأ ذمَّته؟ فَإِن قَالُوا: تَبرأ ذمَّته، قيل لَهُم: فَلَا خلاف بَيْننَا فِي الْمَعْنى، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَسْمِيَة الصَّلَاة أَدَاء أَو قَضَاء، فَمن أَيْن عَرَفْتُمْ الْفَصْل بَين الْوَقْتَيْنِ؟ وَإِضَافَة الصَّلَاة إِلَى الْوَقْت الأول كإضافتها إِلَى الْوَقْت الثَّانِي، فاضمحل هَذَا الْمَذْهَب وَرجع محصوله إِلَى التسميات، وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِنَّمَا يُطلق الْقَضَاء على مَا يسْتَدرك وُجُوبه بِالْأَمر بِالْأَدَاءِ كَمَا
следующие страницы →