Полный текст (1 418 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قلت: هُوَ اسْم لمضي الْوَقْت الْمَحْدُود للْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ. والفائت هُوَ الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ إِذا انْقَضى وقته [و] لم يتَقَدَّر أَدَاؤُهُ. فَأَما مَا لم يعلق بِوَقْت مَحْدُود فَلَا يُطلق اسْم الْفَوات فِيهِ، وَمَا وَجب على الْفَوْر وَلم يتَعَلَّق الأمرعلى ذكر وَقت وَلَكِن تقرر بالقرائن وجوب الابتدار إِلَى الِامْتِثَال فِي أول وَقت الْإِمْكَان فَإِذا أخرالمكلف مقصرا فَيتَحَقَّق اسْم الْفَوات هَكَذَا قَالَ القَاضِي ﵁ فَإِنَّهُ إِذا ثَبت الْفَوْر استحقاقا فَمن ضَرُورَته وجوب إِيقَاع الْفِعْل فِي أول زمن من الْإِمْكَان فَهُوَ إِذا مَأْمُور بإيقاعه فِيهِ.
[٤٣٢] وَهَذَا الَّذِي ذكره مُسْتَمر على مَنْهَج الْأُصُول وَإِن كَانَ مُخَالف إطلاقات الْفُقَهَاء فَإِنَّهُم إِذا قَالُوا يجب تَعْجِيل أَدَاء الزَّكَاة عِنْد الْإِمْكَان فَإِذا مضى من الْوَقْت مَا لَو ابتدر فِيهِ لأَدَاء الزَّكَاة أمكنه فَلَا يَقُول الْفُقَهَاء إِن أَدَاء الزَّكَاة قد فَاتَهُ فَإِذا قدم عَلَيْهِ فِي الْوَقْت الثَّانِي لَا يسمونه قَاضِيا وَذَلِكَ يرجع إِلَى الْعبارَات.
стр. 317
[٤٣٣] وَالتَّحْقِيق مَا قَالَه القَاضِي ﵁ ويتبين لَك ذَلِك بِشَيْء وَهُوَ أَنه إِذا ثَبت ان الْأَمر لَا يَقْتَضِي التّكْرَار بمطلقه وَلَا الْفَوْر ثمَّ اقْترن بِهِ مَا يَقْتَضِي الْفِعْل فِي أول زمن الْإِمْكَان فَلَو انْقَضى أول الزَّمن فَلَا يثبت الْوُجُوب فِي الزَّمَان الثَّانِي إِلَّا بِأَمْر مُجَدد كَمَا لَا يثبت وجوب الْقَضَاء فِي كل مَا اتَّفقُوا على تَسْمِيَته قَضَاء إِلَّا بِأَمْر مُجَدد على مَا سنذكر إِن شَاءَ الله .
[٤٣٤] فَإِن قيل: قد ذكرْتُمْ الْفَوات والفائت فَمَا الْقَضَاء؟
قُلْنَا: هُوَ فعل مَا فَاتَ وقته / الْمَحْدُود لَهُ وَإِنَّمَا يتَحَقَّق الْقَضَاء إِذا [٥٢ / أ] انْقَضى وَقت الْأَدَاء على من كَانَ مُلْتَزما لَهُ فِيهِ وَرُبمَا يُطلق الْفُقَهَاء اسْم الْقَضَاء تجوزا فِي حق من لم يكن من أهل الِالْتِزَام فِي وَقت الْأَدَاء، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم: على الْحَائِض قَضَاء الصّيام، وَإِن عرفنَا قطعا أَن أداءه لم يجب عَلَيْهَا فِي زمن محيضها وَلَكنهُمْ أطْلقُوا ذَلِك توسعا وَغلب ذَلِك على الْأَلْسِنَة.
стр. 318
[٤٣٥] فَإِن قيل: فَمَا الْإِعَادَة؟
قيل: هِيَ فعل مثل مَا بَطل وَفَسَد من الْمَأْمُور بِهِ مَعَ انْتِفَاء الْفساد عَنهُ فَيخرج من ذَلِك أَن من فَاتَتْهُ صَلَاة، حسن مِنْهُ أَن يَقُول: عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَلَا يحسن أَن نقُول عَلَيْهِ إِعَادَتهَا فَإِن الْإِعَادَة مَبْنِيَّة على الْعود إِلَى الشَّيْء فَإِذا لم يتَحَقَّق التَّلَبُّس بِهِ لم يحسن فِيهَا إِطْلَاق الْإِعَادَة، وَلَكِن لَو تلبس بِالصَّلَاةِ ثمَّ أفسدها حسن إِطْلَاق الْإِعَادَة هَا هُنَا، فَهَذَا مَا يحسن إِطْلَاقه، وَقد نرى الْفُقَهَاء يتسامحون فِي ذَلِك فَيَقُولُونَ الْإِعَادَة، ويعنون بهَا الْقَضَاء، ومقصدنا التَّنْبِيه على الْحَقَائِق ثمَّ لَا حرج عَلَيْك لَو توسعت.
(٩١) فصل
[٤٣٦] ذهب بعض من لَا معرفَة لَهُ بالحقائق إِلَى أَن الصّيام يجب على الْحَائِض فِي زمن الْحيض وَلكنهَا لَا تتمكن مِنْهُ فتقضيه عِنْد ارْتِفَاع الْمَانِع وَهَذَا محَال فَإِن الْأمة أَجمعت على أَن الْوَاجِب هُوَ الصّيام الصَّحِيح ثمَّ اتَّفقُوا
стр. 319
على أَنه لَا يَصح من الْحَائِض الصّيام كَيفَ وَقد أَجمعُوا على أَنَّهَا لَو أَمْسَكت عَن المفطرات ناوية صَومهَا عَصَتْ الله، وَكَيف يجب عَلَيْهَا صَوْم صَحِيح وَلَا يتَصَوَّر مِنْهَا التَّوَصُّل إِلَى الصَّوْم الصَّحِيح.
[٤٣٧] فَإِن قيل الْأَمر بِالصَّلَاةِ مُتَوَجّه على الْمُحدث وَلَا يَصح مِنْهُ مَعَ حُدُوثه وَكَذَلِكَ الْأَمر بالشرائع مُتَوَجّه على الْكفَّار مَعَ اسْتِحَالَة وُقُوعهَا على الصِّحَّة مَعَ بَقَاء الْكفْر، قيل لَهُم: يتَصَوَّر من الْمُحدث التَّسَبُّب إِلَى رفع الْحَدث وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْكَافِر وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك فِي الْحيض فافترق الْأَمْرَانِ وتباين البابان.
[٤٣٨] فَإِن قيل أَلَيْسَ يجب عَلَيْهَا الْقَضَاء؟ .
قيل لَهُم: وجوب الْقَضَاء لَا يتلَقَّى عندنَا من وجوب الْأَدَاء فَإنَّا نقُول وَإِن ثَبت وجوب الْأَدَاء ثمَّ فَاتَ لم يجب الْقَضَاء إِلَّا بِأَمْر مُجَدد.
[٤٣٩] فَإِن قيل: أَلَيْسَ اسْم الْقَضَاء إِنَّمَا يتَنَاوَل بعد تَحْقِيق فَوَات وَاجِب؟ .
قُلْنَا هَذَا تمسك بالعبارات الدائرة فِي بعض الْفُقَهَاء وَلَيْسَت عبارَة شَرْعِيَّة فَيصح التَّمَسُّك بهَا، ثمَّ نقُول اسْم الْقَضَاء يَنْقَسِم فقد ينْطَلق بعد فَوَات وَاجِب وَقد ينْطَلق بعد فَوَات وجوب إِذا كَانَ فِي حق مُكَلّف على الْجُمْلَة، وتجوزنا بقولنَا فِي ((حق مُكَلّف)) عَن الصَّبِي يبلغ فينتدب لامتثال / الْأَوَامِر وجوبا، فَإِن مَا يبدر مِنْهُ لَا يُسمى قَضَاء لِأَن مَا فَاتَ وُجُوبه [٥٢ / ب]
стр. 320
كَانَ فِي زمَان سُقُوط التَّكْلِيف فَتبين بذلك أَن مَا عولوا عَلَيْهِ رُجُوع إِلَى مَحْض الْعبارَات.
[٤٤٠] فَإِن قيل: أَلَيْسَ يجب عَلَيْهَا أَن تنوي قَضَاء الصَّوْم فَهَذَا رَاجع إِلَى الحكم دون الْعبارَة.
قُلْنَا: الْمَقْصُود من النيات التَّمْيِيز فِي الْعِبَادَات، فَأمرت أَن تميز بَين الصَّوْم الْموقع فِي غير رَمَضَان وَبَين الصَّوْم الْموقع فِي رَمَضَان، فَلَو تأتى بهَا التميز بِغَيْر لفظ الْقَضَاء وَالْأَدَاء صَحَّ صَومهَا، وَفِي الْفُقَهَاء من لم يَجْعَل للفظ الْقَضَاء وَالْأَدَاء حكما.
[٤٤١] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي الْمُسَافِر فِي حكم الصّيام؟
قُلْنَا: حكمه فِي الصّيام حكم الْمُكَلف فِي الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت فَإِن أَقَامَهَا فِيهِ كَانَ مُؤديا فرضا، وَإِن أَخّرهَا عَازِمًا على فعلهَا فِي الِاسْتِقْبَال جَازَ لَهُ تَأْخِيرهَا فَقَامَ الْعَزْم مقَام مَا ترك فِي أول الْوَقْت فَكَذَلِك القَوْل فِي الْمُسَافِر إِن أَقَامَ الصّيام فِي سَفَره فقد أدّى فرضا، وَإِن أَخّرهُ إِلَى الْإِقَامَة سَاغَ تَأْخِيره، بِشَرْط الْعَزْم على إِقَامَتهَا.
[٤٤٢] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي الْمَرِيض؟
قُلْنَا: إِن كَانَ يتَصَوَّر مِنْهُ الصّيام فَحكمه حكم الْمُسَافِر وَإِن كَانَ لَا يتَصَوَّر مِنْهُ لزوَال عقل أَو غَيره فَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ كَمَا لَا يتَعَلَّق
стр. 321
بالحائض وَقد صَار بعض الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنه إِذا كَانَ فِي مَرضه بِحَيْثُ يجهده الصَّوْم وَإِن تصور مِنْهُ على ضرّ ومقاشاة كلفة فَلَا يجب عَلَيْهِ الصَّوْم، لَا مضيقا وَلَا موسعا، بِخِلَاف الْمُسَافِر وَرُبمَا يمِيل القَاضِي إِلَى ذَلِك فِي بعض كتبه وي فصل بَين الْمَرِيض وَالْمُسَافر فَإِن الْمَرِيض خفف عَنهُ لما يَنَالهُ من الْمَشَقَّة فَلم يصفه بِكَوْنِهِ مُخَاطبا بِالصَّوْمِ وَأما الْمُسَافِر فَلَا مشقة عَلَيْهِ فِي الصّيام، والرخصة فِي حَقه تفسيح فِي التَّأْخِير، وَلَيْسَ تحط الْوُجُوب وَالصَّحِيح غير ذَلِك فَكل من يَصح مِنْهُ الصَّوْم الْمَفْرُوض فَيكون من أهل الْتِزَامه إِمَّا على التَّضْيِيق وَإِمَّا على التَّوَسُّع، وَمَا أَوْمَأ إِلَيْهِ من الْفَصْل لَا يكَاد يَتَّضِح.
(٩٢) فصل
[٤٤٣] ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن الْأَمر إِذا تعلق بِالْفِعْلِ الْمُؤَقت بِوَقْت مَحْصُور فَإِذا انْقَضى ذَلِك الْوَقْت وَلم يتَّفق امْتِثَال الْأَمر فِيهِ فبنفس الْأَمر السَّابِق يعلم وجوب اقْتِضَاء الْفِعْل الْفَائِت بعد انْقِضَاء الْوَقْت وَمَا صَار إِلَيْهِ
стр. 322
الْمُحَقِّقُونَ أَن نفس الْأَمر بِالْأَدَاءِ فِي الْوَقْت المحصور لَا يتَضَمَّن الْأَمر بِالْقضَاءِ وَإِنَّمَا ثَبت وجوب الْقَضَاء بِأَمْر مُجَدد وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْأَمر إِذا تعلق [٥٣ / أ] بِفعل مُخَصص بِوَقْت فقد انطوى عَلَيْهِ دون غَيره فَلَيْسَ فِي / الْأَمر تَصْرِيح بإيقاع مثله بعد وقته وَلَيْسَ يتضمنه لَا محَالة، فَإِذا لم يُنبئ عَنهُ صَرِيحًا وَلَا ضمنا [لم يستفد] مِنْهُ، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْأَمر إِذا تعلق بِفعل يتخصص بشخص لم يستفد مِنْهُ تَخْصِيصه بشخص آخر، وَكَذَلِكَ إِذا اقْتضى تَخْصِيصه بمَكَان يُمكن لم يستفد مِنْهُ إِيقَاعه فِي غَيره نَحْو الْأَمر بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة فِي وَقت مَخْصُوص إِذا تعذر امتثاله فِي الْمَكَان الْمَخْصُوص بِهِ لم نستفد من
стр. 323
الْأَمر إِيقَاع الْوُقُوف فِي غَيره وَلَيْسَ يُنبئ عَنهُ تضمنا لَا محَالة، فَوَجَبَ تَخْصِيصه بمورده.
[٤٤٤] فَإِن من تمسك من يخالفنا بِوُجُوب الْقَضَاء فِي بعض موارد الشَّرْع.
قيل لَهُ: ثَبت أَن قَضَاء مَا استشهدت بِهِ مُسْتَفَاد من الْأَمر بِأَدَائِهِ. ثمَّ نقُول إِن لزم قَضَاء عبادات سقط قَضَاء بَعْضهَا كَالْجُمُعَةِ وَرمي الْجمار عِنْد بعض الْعلمَاء والعبادات فِي حق الْكفَّار. وَالصَّلَاة المتروكة فِي أول الْوَقْت إِذا عرض فِي أثْنَاء الْوَقْت حيض أَو جُنُون إِلَى غَيرهَا.
(٩٣) القَوْل فِي أَن خطاب المواجهين مَقْصُور عَلَيْهِم إِلَّا أَن يقوم دَلِيل على دُخُول من بعدهمْ فيهم
[٤٤٥] اعْلَم أَن الْخطاب الْوَارِد فِي عصر رَسُول الله [ ﷺ ] مُتَوَجّه على أهل زَمَانه مُخْتَصّ بالمكلفين الْمَوْجُودين يَوْمئِذٍ، وَلَا يدْخل من بعدهمْ فِي قَضِيَّة الْخطاب المتوجه عَلَيْهِم إِلَّا بِدلَالَة يقطع بهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى:
стр. 324
﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ و ﴿يَا أولي الْأَبْصَار﴾ ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ وَجُمْلَة أوَامِر الْقُرْآن يجْرِي على هَذَا الْمنْهَج، فَلَو خلينا وظواهرها لخصصناها بالذين عاصروا رَسُول الله [ ﷺ ] فَإِن الصِّفَات الَّتِي يُقيد بهَا الْخطاب يَسْتَحِيل تحققها إِلَّا فِي متصف بالوجود، وَلَكِن أجمع الْمُسلمُونَ قاطبة على أَن من سبق من الْخطاب فِي عصر رَسُول الله [ ﷺ ] مُتَوَجّه على أهل عصره كَافَّة فَمن بعدهمْ مندرجون تَحت قَضيته، إِذا لم نقل ذَلِك أدّى ذَلِك [إِلَى قصر] الشَّرْع على الَّذين انقرضوا، فلدلالة الْإِجْمَاع عدينا الْخطاب من السّلف إِلَى الْخلف.
[٤٤٦] فَإِن قَالَ قَائِل: فَلَو خَاطب رَسُول الله [ ﷺ ] وَاحِدًا من أهل عصره، وسمى [رجلا] باسمه فَهَلا يتَعَدَّى الحكم مِنْهُ إِلَى غَيره؟
قُلْنَا: ظَاهر الصِّيغَة يَقْتَضِي تَخْصِيص الْخطاب [بِهِ] فَإِن قَامَت دلَالَة
стр. 325
على تعديته إِلَى غَيره عدي.
[٤٤٧] فَإِن قيل: فَهَل تجرون ذَلِك مجْرى تَعديَة خطاب أهل الْعَصْر الأول إِلَى أهل الْعَصْر الثَّانِي؟
قُلْنَا: قد ثَبت إِجْمَاع فِي المسئلة الأولى ... بِهِ وَلم نقصر الشَّرْع على أهل الْعَصْر الأول إِلَى أهل الْعَصْر الثَّانِي، وَلم يثبت فِي المسئلة / [٥٣ / ب] الثَّانِيَة إِجْمَاع، فقد يُخَاطب رَسُول الله [ ﷺ ] وَاحِدًا وَيُرِيد تَعْمِيم الكافة، وَقد يرد التَّخْصِيص عَن قَضِيَّة ظَاهر اللَّفْظ فَلَمَّا انقسمت أَلْفَاظه فِي ذَلِك لزم التَّمَسُّك بِظَاهِر التَّخْصِيص إِلَى أَن تقوم دلَالَة.
[٤٤٨] وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن خطاب الْوَاحِد خطاب للكافة.
стр. 326
تمسكا بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ .
فَهَذَا يدل على تَعْمِيم كل مَا أرسل فِيهِ.
قيل: لَا بل يدل هَذَا على كَونه رَسُولا فِي حق الكافة، وَأما أَن يدل على استوائهم فِي كل الْأَحْكَام فَلَا، وَأَنِّي يَسْتَقِيم فِي الْأَحْكَام فِي موارد الشَّرِيعَة، فَمن مُخْتَصّ وَمن عَام.
[٤٤٩] وَرُبمَا يتَمَسَّك هَذَا الْقَائِل بِمَا رُوِيَ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: ((خطابي للْوَاحِد خطابي للكافة)) .
قيل: هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يسوغ التَّمَسُّك بِهِ فِي إِثْبَات الْحجَج،
стр. 327
فَإِن حجج الشَّرْع لَا تثبت إِلَّا بأدلة قَاطِعَة إِذْ لَو أَرَادَ مزية تثبيت كَون خبر الْوَاحِد مُوجبا للْعَمَل بِمَا لَا يُوجب الْقطع لم يتَقَبَّل مِنْهُ مَعَ أَن هَذَا عرضة للتأويل فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بقوله: ((خطابي للْوَاحِد خطابي للْجَمِيع)) أَن أَمْرِي كَمَا يلْزم الْوَاحِد يلْزم الكافة، لَو خاطبت الكافة بِصِيغَة تَعْمِيم وَإِن اسْتدلَّ بِأَن قَالَ: لَو كَانَ يُرِيد تَخْصِيص مُخَاطبَة لنَصّ عَلَيْهِ كَمَا أَنه [ ﷺ ] لما خص بعض أَصْحَابه [بالتضحية] بِمَا دون الْجذع قَالَ: ((تُجزئ عَنْك وَلَا تُجزئ عَن أحد بعْدك)) وَقَالَ لمن تزوج على مَا حفظه من الْقُرْآن:
стр. 328
((هَذَا لَك) إِلَى غير ذَلِك، وَهَذَا من ضَعِيف الِاسْتِدْلَال، فَإِن التَّنْصِيص على التَّخْصِيص لَا يُوجب الْعُمُوم عِنْد الْإِطْلَاق، كَمَا أَن عدم التَّنْصِيص على التَّعْمِيم فِي الصِّيَغ الْعَامَّة لَا يَنْفِي عمومها عِنْد الْقَائِلين بِالْعُمُومِ، وَإِن كَانَ قد يرد بعد الْأَلْفَاظ مؤكدا فِي اقْتِضَاء التَّعْمِيم.
[٤٥٠] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنا لَو جعلنَا التَّقْيِيد مثل ذَلِك علما للتخصيص لزم إبِْطَال التَّأْكِيد فِي مُقْتَضى الْكَلَام، فَإِن اللَّفْظَة قد ترد على
стр. 329
معنى هِيَ مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا فِي إثارته، ثمَّ قد يُؤَكد فِي تَحْقِيق مَعْنَاهَا بضروب من الْقُيُود، وَلَا يدل تَأْكِيد الْقَرَائِن على عدم إِثْبَاتهَا فِي مَعْنَاهَا عِنْد الْإِطْلَاق والتجرد عَن الْقَرَائِن.
(٩٤) القَوْل فِي أَنه هَل يَصح علم الْمُكَلف بِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْفِعْلِ
[٤٥١] اعْلَم - وفقك الله - أَن خلف الْأمة وسلفها أَجمعُوا على أَن الْأَمر إِذا اتَّصل بالمكلف وَلَا مَانع يمنعهُ من الِامْتِثَال فَيعلم أَنه مَأْمُور بِالْأَمر الْوَارِد مَنْهِيّ بِالنَّهْي الْمُتَّصِل بِهِ، وَلكنه يعْتَقد كَونه مَأْمُورا فِي الثَّانِي / من [٥٤ / أ] الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة بِشَرْط أَن يبْقى، وَتبقى لَهُ صِفَات التَّكْلِيف فيستيقن فِي الْحَالة توجه الْأَمر عَلَيْهِ، وَلَو قيل مَا حالك إِذا اشتغلت بالامتثال فِي
стр. 330
الِاسْتِقْبَال أيدوم عَلَيْك الْوُجُوب فطريق جَوَابه أَن تَقول: إِن بقيت دَامَ عَليّ الْوُجُوب وَإِن اخترمت انْقَطع عني الْوُجُوب.
[٤٥٢] وَقَالَت الْقَدَرِيَّة: لَا يَصح علمه بتوجه الْأَمر عَلَيْهِ إِلَّا بعد الْإِقْدَام عَلَيْهِ على الِامْتِثَال، أَو بعد مُضِيّ وَقت يَسعهُ مَعَ تَركه لَهُ.
وَحَقِيقَة أصلهم فِي ذَلِك أَن الْأَمر لَا يتَضَمَّن إِيجَاب الِامْتِثَال مقترنا بِهِ بل يتَعَيَّن بآخر الِامْتِثَال عَن اتِّصَال الْأَمر وَلَو بِزَمَان.
ثمَّ من أصلهم أَن مَا تحقق حُدُوثه عَن الِامْتِثَال فَلَا يكون الْمُكَلف فِي حَال حُدُوثه مَأْمُورا بِهِ على مَا سنعقد فِي ذَلِك فصلا إِن شَاءَ الله .
وَإِنَّمَا يتَحَقَّق الْوُجُوب فِيمَا سيفعله فِي الثَّانِي، وَلمن يتَحَقَّق استيقانه لبَقَائه على صفة التَّكْلِيف فِي الثَّانِي، فاستحال عِنْدهم اعْتِقَاد الْوُجُوب مَعَ الْأَمر، واستحال اعْتِقَاده مَعَ حُدُوث الِامْتِثَال، واستحال استيقانه فِي الِاسْتِقْبَال مَعَ انطواء الْغَيْب عَنَّا.
فَقَالُوا لهَذِهِ الْأُصُول الَّتِي أومأنا إِلَيْهَا: لَا يَصح من الْمُكَلف أَن يعلم كَون نَفسه مَأْمُورا قطعا.
[٤٥٣] وَأما نَحن فَإنَّا نزعم أَن الْمُكَلف يعلم كَون نَفسه مَأْمُورا، ونقطع بِهِ فِي مَحل الْقطع، ويؤول توقفه فِي اسْتِدَامَة الْوُجُوب إِلَى توقع
стр. 331
الاخترام والبقاء، فالدليل على مَا صرنا إِلَيْهِ إِجْمَاع الْمُسلمين قاطبة فَإِن أهل الْإِسْلَام أَجمعُوا على توجه النَّهْي عَن الْمُحرمَات على الْمُكَلّفين وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على توجه الْأَمر وَالنَّهْي على أحد من المخاطبين، وَفِي هَذَا أعظم الْفِرْيَة.
[٤٥٤] فَإِن قيل: فَإِذا انْقَضى الْوَقْت تبين توجه الْأَمر؟
قيل: حدتم عَن مَوضِع الْإِلْزَام وَذَلِكَ أَن الْوَقْت إِذا انْقَضى فَبعد انقضائه لَا يتَحَقَّق إِثْبَات الْأَمر بإيقاع فعل مثله مذهبكم يقودكم أَنه حَيْثُ تصور مِنْهُ الِامْتِثَال لَا يعلم توجه الْأَمر مقتضيا لامتثال وَحَيْثُ يعلم لَا يتَصَوَّر الِامْتِثَال وَلما عظم خطر هَذَا الْكَلَام صَار بَعضهم يُدَلس متقيا خرق الْإِجْمَاع ويوافق أهل الْحق وَإِلَيْهِ مَال عبد الْجَبَّار، وَلَكِن لَا يَسْتَقِيم ذَلِك على مُقْتَضى أصولهم.
стр. 332
[٤٥٥] وَمن أوضح مَا يسْتَدلّ بِهِ أَن نقُول: إِذا زعمتم أَن الْإِيجَاب لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِيمَا يُوقع فِي الثَّانِي، فَإِن الْإِيقَاع فِي الْمَاضِي لَا يتَصَوَّر وجوب الِامْتِثَال مَعَ الْأَمر لَا يتَقَدَّر اقترانا بِأول حَالَة، وَبَقَاء صفة الْمُكَلف فِي الثَّانِي مَشْكُوك فِيهِ، فَإِذا كَانَ هَذَا أصلكم فَهَلا قُلْتُمْ أَنه لَا يجب الْإِقْدَام على [٥٤ / ب] الِامْتِثَال / فَإِن شَرط ثُبُوت التَّكْلِيف فِي الِالْتِزَام علم الْمُكَلف بِهِ، فَإِذا لم يتَحَقَّق علمه بِهِ كَيفَ يتَحَقَّق اللُّزُوم، وَهل هَذَا إِلَّا عين التَّنَاقُض؟ .
[٤٥٦] فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا يعرف وجوب الْإِقْدَام على الِامْتِثَال لأصل، وَهُوَ أَن الْمُكَلف إِذا جوز أَن يبْقى فِي الثَّانِي، وَجوز أَن يخترم وَعلم أَنه لَو بَقِي وَلم يُوقع فِي الْوَقْت الثَّانِي امتثالا كَانَ مَعْلُوما، فَإِذا تصدى لَهُ طَرِيقَانِ يتَوَصَّل بِأَحَدِهِمَا إِلَى الْأَمر من اسْتِحْقَاق الْعقَاب، فالعقل يلْزمه إيثاره واختياره.
قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه تشبيث مِنْكُم بأطراف مسئلة الْعقل، وَكَونه مُوجبا، وسنشبع القَوْل فِي الرَّد عَلَيْكُم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ نقُول: فاحسبونا وافقناكم على مَا قُلْتُمْ فَلَا مخلص فِيهِ، فَإِن مَا أومأتم إِلَيْهِ ضرب من الْإِيجَاب وَشرط [الْبَقَاء] على صفة التَّكْلِيف فَإِن
стр. 333
هَذَا الحكم لَا يخْتَلف بِإِسْنَاد الْإِيجَاب إِلَى عقل وَسمع وكما يشْتَرط بَقَاؤُهُ فِي تَحْقِيق الْوُجُوب الْعقلِيّ، وَمَا ذكرتموه ضرب من الْوُجُوب فَكَمَا لزمكم فِي الأَصْل عِنْد التشكك فِي الْإِيجَاب إِلَّا بعزم فيلزمكم فِي عين مَا قلتموه مثله، وَهَذَا مَا لَا محيص عَنهُ.
[٤٥٧] وَتمسك القَاضِي ﵁ بنكتة أُخْرَى فَقَالَ: أجمع الْفُقَهَاء على من تلبس بِالصَّلَاةِ وَهُوَ مستريب فِي وُجُوبهَا فَلَا تَنْعَقِد، وَإِنَّمَا تَنْعَقِد صلَاته إِذا نوى وُجُوبهَا جزما أَو نوى مَا يقوم مقَام نِيَّة الْوُجُوب وَلَا معنى لجزم النِّيَّة على أصلهم مَعَ مَا قدمْنَاهُ من مَذْهَبهم، وَهَذَا وَإِن أمكن تَقْرِيره فالاعتماد على مَا قدمْنَاهُ.
[٤٥٨] فَإِن قَالُوا: ألستم وافقتمونا على اسْتِحَالَة القَوْل بِوُجُوب الِامْتِثَال مَعَ الْمَوَانِع عَنهُ؟ فَإِذا كَانَت الْمَوَانِع غير مَأْمُونَة وَلم يعلم انتفاؤها مَقْطُوعًا بِهِ فِي الْمِثَال وَجب أَن لَا يكون الْوُجُوب مَقْطُوعًا بِهِ أَيْضا.
وَهَذَا لعمري شُبْهَة مخيلة فَأول مَا يتَمَسَّك بِهِ فِي الْجَواب أَن نقُول: توجه الْأَمر على الْمُكَلف يتَحَقَّق فِي الْحَال وَلَيْسَ فِي ثُبُوت الْأَمر وجوده مُتَعَلقا بالمأمور شرطا، وَإِنَّمَا الشَّرْط فِي دوَام الْوُجُوب على الْمَأْمُور فَلم يرجح الشَّرْط إِذا إِلَى تعلق الْأَمر، وَإِنَّمَا رجح إِلَى بَقَاء الْوُجُوب على الْمَأْمُور.
стр. 334
[٤٥٩] وسر مَذْهَبنَا فِي ذَلِك أَنا نجوز ثُبُوت الْأَمر بالشَّيْء مَعَ أَنه فِي مَعْلُوم الله سينسخ قبل مُضِيّ وَقت يسع الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله فِي أَبْوَاب النّسخ، فَإِذا جَوَّزنَا ثُبُوت وجوب شَيْء ثمَّ جَوَّزنَا نسخه قبل مُضِيّ وَقت الْإِمْكَان، تبين بذلك أَنا لَا نشترط فِي تَحْقِيق الْوُجُوب تقرر الْإِمْكَان بل نشترط على منع تَكْلِيف الْمحَال كَونه من قبيل الممكنات.
[٤٦٠] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الحكم إِذا نسخ قبل فعله وَوَقته فلسنا نقُول أَن الحكم لَا يثبت أصلا، وَلَكِن نقُول: ثَبت وارتفع فأقصى مَا يلزمونا فِي المسئلة الْوُجُوب من عدم الْإِمْكَان فِي الْمَآل، وَهَذَا مِمَّا نقُول [٥٥ / أ] بِهِ فِي أَحْكَام النّسخ، فَافْهَم ذَلِك من أَصله، وَأحل تثبيته / بِالدَّلِيلِ على النّسخ.
[٤٦١] ثمَّ نقُول: إِذا علم الله تَعَالَى أَن الْمُخَاطب سَيبقى إِلَى وَقت امْتِثَال الْفِعْل فَيَقُولُونَ إِنَّه مَأْمُور فِي علمه، ويعلمه مَأْمُورا، وَإِن لم يطلقوا ذَلِك فِي حق العَبْد نَفسه، وتصوير ذَلِك أَن الرب تَعَالَى إِذا أَمر الْمُحدث
стр. 335
بِالصَّلَاةِ على شَرط التَّطْهِير، وَعلم أَنه يتَمَكَّن مِنْهُ وَمن الصَّلَاة فَهُوَ مَأْمُور بِالصَّلَاةِ عِنْد الله وفَاقا وَإِن كَانَ يُوجد فِي ثَانِي الْحَال، فَلَو كَانَ التَّمَكُّن شَرط كَونه مَأْمُورا، للزمكم أَن تَقولُوا: لَا يكون مَأْمُورا بِالصَّلَاةِ قبل التَّطْهِير، فَلم قُلْتُمْ إِنَّه مَأْمُور بهَا، وَإِن كَانَ شَرط صِحَّتهَا يُوجد فِي الثَّانِي، فَبِمَ تنكرون على من يقطع بِكَوْنِهِ مَأْمُورا فِي الْحَال وَإِن كَانَ الشَّرْط فِي الْمِثَال مغيبا عَنهُ.
ثمَّ نقُول لَهُم الْوَاحِد منا إِذا أَمر عَبده بِأَمْر مَعَ علمه بِأَنَّهُ يخترم قبل اتمامه أَو قبل الشُّرُوع فِيهِ بِأَن علمه بذلك نَبِي، أَو ثَبت لَهُ علم ضَرُورِيّ فَيحسن مِنْهُ أَمر ليبتلي بذلك طَاعَته، وَهَذَا [مَا لَا يُنكره] أَرْبَاب الْأَلْبَاب فِي الْعَادَات حَتَّى لَو أَتَى الْمَأْمُور وَالصُّورَة هَذِه عد عَاصِيا، وَلَو أبرم الْعَزْم على الِامْتِثَال عد مُطيعًا، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده فلولا أَن حَقِيقَة كَونه مَأْمُورا مَعَ عدم الْإِمْكَان فِي الْمِثَال، وَإِلَّا لما انتسب الْمَأْمُور إِلَى الْمعْصِيَة.
[٤٦٢] فَإِن قيل: كَأَنَّهُ بأَمْره طلب مِنْهُ الْعَزْم على الْفِعْل [دون] الْفِعْل وَهَذَا مُتَصَوّر مِنْهُ.
قيل لَهُم: فتكليف الْعَزْم على الْأَمر مَعَ عدم الْإِمْكَان فِيهِ محَال، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَو قدر الْمَأْمُور عَالما بِعَدَمِ الْإِمْكَان لم يتَصَوَّر تَكْلِيفه الْعَزْم فَدلَّ أَن الْأَمر تعلق بِهِ فِي نفس الْفِعْل، ثمَّ يُقَال لَهُم فَكل مَا تبدوه فِي الصُّورَة الَّتِي فرضت عَلَيْكُم شَاهدا يلزمكم مثله فِي أَمر الله تَعَالَى حَتَّى تَقولُوا: إِن أمره يُوجب الْعَزْم إِذا علم عدم الْإِمْكَان فيلزمكم من ذَلِك تَجْوِيز التَّكْلِيف بالعزم على الشَّيْء مَعَ عدم الْإِمْكَان فِي المعزوم عَلَيْهِ، وَهَذَا محَال
стр. 336
عنْدكُمْ، كَمَا يَسْتَحِيل التَّكْلِيف بالعزم على المحالات.
(٩٥) القَوْل فِي جَوَاز كَون الْأَمر مَشْرُوطًا بِبَقَاء الْمَأْمُور على صِفَات التَّكْلِيف
[٤٦٣] اعْلَم - وفقك الله - أَن الْأَمر إِذا صدر من الْوَاحِد منا مَعَ انطواء الْغَيْب عَنهُ فَيصح تَقْيِيد أمره المتوجه على مخاطبه بِشَرْط بَقَائِهِ على صِفَات المخاطبين. فَأَما أَمر الله تَعَالَى فَيصح على أصُول الْحق أَن ترد الصِّيغَة عَنهُ مُقَيّدَة بِبَقَاء الْمَأْمُور مَعَ علمه بِمَا يكون وتقدسه عَن الريب فِي الْغَيْب، وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة ذَلِك غَايَة الْإِنْكَار وَقَالُوا: يَسْتَحِيل أَن يرد الْأَمر من الله تَعَالَى مُقَيّدا بِشَرْط بَقَاء الْمُكَلف على صِفَات التَّكْلِيف، وَأَنه عَالم بِمَا يكون وَإِنَّمَا يَصح الشَّرْط منا لترددنا وتقابل الجائزات فِي حقوقنا حَتَّى
стр. 337
قَالُوا لَو علم الْوَاحِد منا بِوَحْي أَو إِعْلَام نَبِي بِمَا يكون من حَال مخاطبه فَلَا يحسن مِنْهُ أَيْضا تَقْيِيد خطابه بِبَقَاء الْمُخَاطب على صِفَات الْمُخَاطب.
وَالدَّلِيل / على تَجْوِيز الْخطاب بِبَقَاء صِفَات الْإِنْكَار وَإِن صدر الْخطاب [٥٥ / ب] من عَالم بِمَا يكون: أَن نقُول: إِذا ورد الْأَمر من الله تَعَالَى فَلَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا يمْتَنع تَقْيِيده بِعِلْمِهِ بِمَا يكون فِي الْمَآل وَإِمَّا أَن تَقولُوا يمْتَنع تَقْيِيده للْعلم بِأَن الِامْتِثَال يتَقَيَّد بالإمكان لَا محَالة، فَلَا فَائِدَة فِي ذكره، فَإِن زعمتم أَن الْمَانِع من التَّقْيِيد الْعلم بِاشْتِرَاط الْإِمْكَان قطعا فَوَجَبَ أَن تَقولُوا: لَا يحسن منا تَقْيِيد أَمر بِانْتِفَاء من التَّقْيِيد كَون الرب تَعَالَى عَالما بِمَا يكون فَيلْزم من ذَلِك مَا لَا محيص عَنهُ وَهُوَ أَن لَا يُفِيد وعده ووعيده لعلمه بِمَا يكون كَمَا يفِيدهُ أمره وَلَو تتبعت وعد الْقُرْآن ووعيده ألفيت معظمه مُقَيّدا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو اطَّلَعت عَلَيْهِم لَوَلَّيْت مِنْهُم فِرَارًا﴾ فَمَا وَجه الترديد فِي ذَلِك مَعَ علم الرب تَعَالَى بِأَنَّهُ يطلع وَلَا يطلع إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَلَا يحصر من موارد الْقُرْآن وَالسّنَن فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
[٤٦٤] ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه المسئلة تبتني على الَّتِي تقدّمت وَهِي أَنا قُلْنَا يقطع الْمُكَلف بِالْتِزَام مَا كلف مَعَ التَّرَدُّد فِي حكم الْعَاقِبَة، فترتب على ذَلِك مقصدنا ونقول: إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا فَهَل تَقولُونَ إِنَّه يتَعَلَّق بالمكلف قطعا فِي الْحَال أم تستريبون فِيهِ، فَإِن استربتم فقد سبق وَجه الرَّد عَلَيْكُم، وَإِن قطعْتُمْ مَعَ انطواء حكم الْعَاقِبَة عَن الْمُكَلف فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون مُكَلّفا مَعَ ذُهُوله عَمَّا يكون، وَالْأَمر مُتَوَجّه عَلَيْهِ قطعا، فَإِذا تصور ذَلِك الِاعْتِقَاد فِي الْأَمر الْمُطلق فَمَا الْمَانِع من تَقْيِيده بِمَا يعْتَقد فِيهِ عِنْد انطلاقه.
стр. 338
[٤٦٥] فَإِن قيل: فالامتثال لَا يَقع إِلَّا مَعَ الْإِمْكَان، فَلَا فَائِدَة فِي تَقْيِيد الْخطاب بِهِ، وَهَذَا كَمَا أَن الْفِعْل لَا يَقع إِلَّا عرضا، فَلَا جرم لَا فَائِدَة فِي أَن يَقُول الْآمِر افْعَل إِن فعلك عرضا.
قيل لَهُم: هَذَا الاستشهاد مِنْكُم بَاطِل، وَذَلِكَ أَنا لَا نجوز أَن يثبت الْوُجُوب ثمَّ لَا يَدُوم وَإِذا لم يتَحَقَّق الْإِمْكَان فلسنا نسلم لكم توقف أصل الْوُجُوب على الْإِمْكَان، ثمَّ نقُول لَو صَحَّ مَا قلتموه وَجب أَن لَا تجوزوا من الْوَاحِد منا يُقيد أمره بدوام وصف الْإِمْكَان جَريا على مَا مهدتموه.
[٤٦٦] فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا حسن منا ذَلِك لجهلنا بِمَا يكون.
قُلْنَا: وَإِن جهلنا مَا يكون فَلَا نجهل أَن يكون الِامْتِثَال لَا يَقع إِلَّا مَعَ الْإِمْكَان، فَلَا فَائِدَة فِي ذكره على مُوجب قَوْلكُم ثمَّ نقُول: إِذا ورد القَوْل فِي بَقَاء صِفَات التَّكْلِيف والإمكان فَيمكن أَن يقْصد بذلك ابتلاء الْمُكَلف وامتحانه فِي توطين النَّفس على الِامْتِثَال، والعزم عَلَيْهِ، أَو الاضراب عَنهُ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا سَبيله حسن تردد القَوْل فِيهِ وَأما كَون الْفِعْل عرضا فَلَيْسَ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض فِي امتحان الْمُكَلف بِالطَّاعَةِ والعصيان، فافترق البابان. وَالله الْمُوفق للصَّوَاب.
стр. 339
تمّ الْجُزْء الأول بحول الله وعونه وَالصَّلَاة على نبيه الْكَرِيم،
يتلوه فِي التَّرْتِيب:
(٩٦) القَوْل فِي أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ هَل يتَعَلَّق بِهِ حَال حُدُوثه /
[٥٦ / أ]
[٤٦٧] اعْلَم - وفقك الله - أَن الْفِعْل مَأْمُور بِهِ فِي حَال حُدُوثه ثمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَابنَا: الْأَمر قبل حُدُوث الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ أَمر إِيجَاب وإلزام وَلكنه يتَضَمَّن الِاقْتِضَاء وَالتَّرْغِيب وَالدّلَالَة على امْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ وَإِذا تحقق الِامْتِثَال فَالْأَمْر يتَعَلَّق بِهِ وَلَكِن لَا يَقْتَضِي ترغيبا مَعَ تحقق الْمَقْصُود، وَلَا يَقْتَضِي دلَالَة بل يَقْتَضِي كَونه طَاعَة بِالْأَمر الْمُتَعَلّق ويتبين أَمر ذَلِك فِي أثْنَاء الْبَاب.
وَذهب بعض من ينتمي إِلَى أهل الْحق [إِلَى] أَن الْأَمر إِنَّمَا يَقْتَضِي
стр. 340
الْإِيجَاب على التَّحْقِيق إِذا [قَارن] حُدُوث الْفِعْل، وَإِذا تقدم عَلَيْهِ فَهُوَ أَمر إنذار وإعلام بِحَقِيقَة الْوُجُوب عِنْد الْوُقُوع، وَهَذَا بَاطِل، وَالَّذِي نختاره تحقق الْوُجُوب قبل الْحُدُوث [و] فِي حَال الْحُدُوث، وَإِنَّمَا [يفْتَرق] الحالتان فِيمَا قدمْنَاهُ من التَّرْغِيب والاقتضاء وَالدّلَالَة، فَإِن ذَلِك يتَحَقَّق قبل الْفِعْل وَلَا يتَحَقَّق مَعَه.
[٤٦٨] وَزَعَمت الْقَدَرِيَّة بأسرها أَن [الْفِعْل] فِي حَال حُدُوثه يَسْتَحِيل أَن يكون مَأْمُورا بِهِ وَلَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر إِلَّا قبل وجوده ثمَّ طردوا مَذْهَبهم فِي جملَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَلم يصفوا كَائِنا بحظر وَلَا وجوب وَلَا ندب، وَإِنَّمَا أثبتوا هَذِه الْأَحْكَام قبل تحقق الْحُدُوث ثمَّ افْتَرَقُوا فِيمَا
стр. 341
بَين أظهرهم، فَقَالَ بَعضهم: لَا يَصح تقدم الْأَمر على الْمَأْمُور بِهِ بِأَكْثَرَ من وَقت وَاحِد، وَصَارَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم إِلَى جَوَاز تقدمه عَلَيْهِ بأوقات، ثمَّ الَّذين صَارُوا إِلَى هَذَا الْمَذْهَب اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يشْتَرط بَقَاء الْمُكَلف فِي الْأَوْقَات الْمُتَقَدّمَة على حُدُوث الْمَأْمُور بِهِ على أَوْصَاف التَّكْلِيف؟ فَمنهمْ من شَرط كَونه مستجمعا لشرائط التَّكْلِيف فِي كل الْأَوْقَات الْمُتَقَدّمَة، وَزعم بَعضهم: أَنا لَا نشترط ذَلِك وَإِنَّمَا نشترط اجْتِمَاع الْأَوْصَاف عِنْد حُدُوث الْفِعْل ونشترط فِي الْأَوْقَات الْمُتَقَدّمَة عَلَيْهِ كَون الْمُخَاطب مِمَّن يفهم الْخطاب. ثمَّ افْتَرَقُوا بعد ذَلِك فِي أصل آخر، وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: هَل يجوز أَن يتَقَدَّم الْأَمر على الْمَأْمُور بِهِ بأوقات من غير أَن يكون فِيهِ لطف ومصلحة زَائِدَة على التَّبْلِيغ من الْمبلغ وَالْقَبُول من الْمُخَاطب فَمنهمْ من شَرط أَن يكون فِي ذَلِك لطف يُعلمهُ الله وَمِنْهُم من لم يشْتَرط ذَلِك.
[٤٦٩] وَالْكَلَام فِي الرَّد عَلَيْهِم فِي تفاصيل مَذْهَبهم يتَعَلَّق بالصلاح والأصلح، وَأَحْكَام اللطف وَهُوَ مِمَّا يستقصي فِي الديانَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فَالَّذِي تخصصت هَذِه المسئلة بِهِ طَرِيقَانِ: أَحدهمَا: أَن نقُول هَل تسلمون لنا أَن الْحَادِث فِي حَال حُدُوثه مَقْدُور، أم لَا تسلمون ذَلِك؟ فَإِن سلمتم وَجب تَجْوِيز كَونه مَأْمُورا فَإِن مَا كَانَ مَقْدُورًا وتجمعت فِيهِ الْأَوْصَاف المضبوطة فِي
стр. 342
كَون الْمَأْمُور مَأْمُورا جَازَ أَن يكون مَأْمُورا بِهِ وَإِن منعُوا ذَلِك وَهُوَ أصلهم دللنا عَلَيْهِ بِمَا سَنذكرُهُ بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَهَذِهِ طَرِيقه إِلَيْنَا، وَإِن أَحْبَبْت أَفْرَاد المسئلة بِكَلَام من غَيرنَا، قلت: هَل تسلمون لنا أَن الصَّلَاة مَأْمُورا بهَا فَإِنَّمَا يتَحَقَّق اسْم الصَّلَاة إِذا وجدت فَإِن الْعَدَم لَا يُسمى صَلَاة، [٥٦ / ب] وأعقبه بِمَا يحققه وَقَالَ: الْمَأْمُور لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون عدما / أَو وجودا فَهُوَ مَا نقُول، فَإِن كَانَ عدما كَانَ محالا، فَإِن الْعَدَم هُوَ الانتفاء والفقد، ويستحيل أَن يكون الانتفاء مَأْمُورا بِهِ.
فَإِن قيل: الْمَأْمُور بِهِ: أَن يفعل الْمُكَلف.
قُلْنَا: فقولكم أَن يفعل عبارَة عَن وجود أَو عدم، وَيعود عَلَيْكُم مَا قدمْنَاهُ من التَّفْصِيل وَهَذَا مِمَّا لَا محيص للخصم عَنهُ.
[٤٧٠] وَمِمَّا يعول عَلَيْهِ وَهُوَ يداني مَا قدمْنَاهُ أَن نقُول إِذا تحقق الْحُدُوث فالحادث الْوَاقِع على مُقْتَضى الْأَمر لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون طَاعَة وَإِمَّا أَن يكون لَا يَتَّصِف بذلك، وَإِن اتّصف بِكَوْنِهِ طَاعَة فيستحيل أَن يكون
стр. 343
طَاعَة وَهُوَ غير مَأْمُور بِهِ وَإِن لم يصفوه بِكَوْن طَاعَة فِي وجوده فَلَا يَتَّصِف الْعَدَم بِكَوْنِهِ طَاعَة، وَلَيْسَ بَين الْوُجُود والعدم رُتْبَة، وَلم يسموا الْوُجُود بِالطَّاعَةِ، واستحال تَسْمِيَة الْعَدَم بهَا فَيلْزم من ذَلِك عدم تصور الطَّاعَة.
[٤٧١] وَاعْلَم ان كل شُبْهَة للْقَوْم فِي تقدم الِاسْتِطَاعَة على الْفِعْل تطرد فِي هَذِه المسئلة مَعَ الْجَواب عَنْهَا، ولعلها ستأتي فِي بَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَا يخصصون هَذِه المسئلة بِهِ من كَلَامهم أَن قَالُوا فَائِدَة الْأَمر اقْتِضَاء الْفِعْل والحث عَلَيْهِ فَإِذا وجد الْفِعْل فَلَا فَائِدَة فِي الْحَث عَلَيْهِ وَقد تحقق وجوده.
قُلْنَا: مَا قدمْنَاهُ فِي شرح مَذْهَبنَا فِي صدر الْبَاب انْفِصَال عَمَّا أوردتموه، فَإِن الْأَمر يُفِيد التَّرْغِيب تَارَة، ويفيد اللُّزُوم، وَكَون الْمَأْمُور طَاعَة أُخْرَى فالترغيب لَا يتَحَقَّق إِلَّا مُتَقَدما كَمَا قُلْتُمْ واقتضاء الْوُجُوب وسمة الطَّاعَة لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْوُجُود.
стр. 344
(٩٧) فصل
[٤٧٢] اعْلَم أَن الْأَمر يتَقَدَّم على وجود الْمَأْمُور بِهِ بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ فَإِنَّهُ وَاجِب الْقدَم، وَأما الْأَمر الصَّادِر منا فَهُوَ مِمَّا يَسْتَحِيل بَقَاؤُهُ فَإِذا تقدم أمرنَا على الْمَأْمُور بِهِ ثمَّ يعقبه الْمَأْمُور بِهِ فِي الْحَالة الثَّانِيَة، فَالْأَمْر الأول لَا يبْقى إِلَى الْحَالة الثَّانِيَة، فَإِن تحقق أَمر مُقَارن لَهُ فَهُوَ أَمر آخر متماثل للْأولِ، وَلَا يتَصَوَّر إِعَادَة الْأَمر الأول فِي الْحَالة الثَّانِيَة، فَإِنَّهَا حَالَة عَدمه، وَإِنَّمَا يتَصَوَّر الْإِعَادَة عِنْد تَقْدِير ثَلَاثَة أَحْوَال يُوجد الشَّيْء فِي الْحَالة الأولى، ويعدم فِي الْحَالة الثَّانِيَة، ويعاد فِي الثَّالِثَة، وَإِن تقدم أمرنَا بِالْفِعْلِ وَعدم، ثمَّ تحقق الْمَأْمُور بِهِ وَلم يقارنه أَمر آخر مُجَدد فَالْأَمْر الَّذِي سبق هَل يُقَال إِنَّه كَانَ أمرا فِي وجوده وَهُوَ مُتَعَلق بالمأمور فِي حُدُوثه؟ هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ أَصْحَابنَا فَذهب بَعضهم إِلَى أَن ذَلِك الْأَمر بِعَيْنِه وَإِن عدم مُتَعَلق لهَذَا بالمأمور بِهِ إِذا حدث، وَهَذَا الْقَائِل يَقُول: إِذا جَازَ تعلق الْأَمر بالمعدوم جَازَ تعلق الْأَمر بِهِ وَمَا عدم بالحادث.
وَهَذَا بَاطِل لَا تَحْقِيق وَرَاءه فيستحيل كَون الْفِعْل مَأْمُورا بِهِ مَعَ انْتِفَاء الْأَمر، وَالْأَمر مَعْدُوم فِي الْحَالة الثَّانِيَة فَإِن أردنَا أَن [نتصور] كَون الْفِعْل مَأْمُورا على التَّحْقِيق فِي حَال حُدُوثه فلابد أَن يتَصَوَّر أَمر مُقَارن لَهُ وَلَيْسَ [٥٧ / أ] ذَلِك كالأمر الْمُتَعَلّق بالمعدوم، فَإِنَّهُ أَمر على / شَرط الْوُجُود ويستحيل أَن يُقَال: إِن الْأَمر الَّذِي عدم أَمر بعد عَدمه على شَرط وجوده، فتفهم ذَلِك، وافصل بَين الْبَابَيْنِ، وسنشبع القَوْل فِي أَمر الْمَعْدُوم إِن شَاءَ الله.
стр. 345
(٩٨) فصل
[٤٧٣] إِذا ورد الْأَمر واتصل بالمكلف فيستحيل صُدُور الِامْتِثَال مِنْهُ مَعَ الْأَمر من غير ترقب وفَاقا ثمَّ إِذا اتَّصل بِهِ الْأَمر فَلَا يتَعَذَّر مِنْهُ أَن يعقبه اتِّصَال الْأَمر بالامتثال فَلَا بُد إِذا من ثَلَاثَة أَحْوَال، وَاحِدَة يَقع فِيهَا اتِّصَال الْأَمر، وَوَاحِدَة يقْصد الْمَأْمُور فِيهَا إنْشَاء الِامْتِثَال، والإيقاع، وَيفهم فِيهَا قَضِيَّة الْأَمر وَمن فكر عرف أَن الْأَمر على هَذَا الْوَجْه، ثمَّ نقُول لَهُم: أَلَيْسَ الْأَمر عنْدكُمْ هَذِه الْأَصْوَات الْمَخْصُوصَة بِالصِّفَاتِ الَّتِي تذكرونها؟ والأصوات الَّتِي تكون أمرا لَا يَقع إِلَّا فِي الْحَالين فَصَاعِدا فَمَا من لَفْظَة وضعت لِلْأَمْرِ على زعمكم إِلَّا وَهِي تنطوي على حُرُوف وأقلها حرفان.
فَهَذَا لَو كَانَ الْأَمر مُوَاجهَة، فَأَما إِذا كَانَ أَمر الله فآل أَن يتلقفه الرُّسُل ويفهمه ثمَّ يبلغهُ، وَيفهم مِنْهُ بمرحلة من الْأَوْقَات، فَبَطل الْمصير إِلَى أَن الْأَمر يتَقَدَّم على المأمورعلى وَقت وَاحِد.
وَأما تفاصيلهم فِي التَّقْدِيم بالأوقات فيليق بمحض الْكَلَام فِي الصّلاح والأصلح فَلَا وَجه للخصوم فِيهِ.
стр. 346
(٩٩) القَوْل فِي أَن الْمَعْدُوم مَأْمُور
[٤٧٤] اعْلَم - وفقك الله - أَن أَرْبَاب الْأُصُول اخْتلفُوا فِي صَار فَمَا صَار إِلَيْهِ أهل الْحق وَمن تَابعهمْ من الْفُقَهَاء أَن أَمر الْمَعْدُوم على شَرط الْوُجُود واستجماع شَرَائِط التَّكْلِيف جَائِز غير مُسْتَحِيل.
[٤٧٥] ثمَّ الَّذِي سلكوا هَذِه الطَّرِيقَة افْتَرَقُوا فَذهب بعض الْفُقَهَاء إِلَى أَن الْأَمر قبل وجود الْمَأْمُور أَمر إنذار وإعلام وَلَيْسَ بِأَمْر إِيجَاب على التَّحْقِيق.
стр. 347
وَذهب الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنه أَمر إِيجَاب على شَرَائِط الْوُجُود، وَإِبْطَال قَول من قَالَ إِنَّه إِعْلَام، وَقَالُوا: مَا تحاشيتموه من الْإِيجَاب يلزمكم مثله فِي الْإِعْلَام فَإِنَّهُ كَمَا يستبعد إِلْزَام الْمَعْدُوم شَيْئا فَكَذَلِك يستبعد إِعْلَامه، وَذهب بعض إِلَى منع أَمر الْمَعْدُوم.
[٤٧٦] وعَلى قَضِيَّة هَذَا الِاخْتِلَاف اخْتلف الصائرون إِلَى قدم كَلَام الرب تَعَالَى وَأَن كَلَامه - عزت قدرته - هَل يَتَّصِف فِي أزله بِكَوْنِهِ أمرا نهيا. أم يتَوَقَّف ثُبُوت هَذَا الْوَصْف على وجود الْمُكَلّفين، وتوفر شَرَائِط التَّكْلِيف عَلَيْهِم؟ فَمن جوز أَمر الْمَعْدُوم صَار إِلَى أَن كَلَام الرب تَعَالَى لم يزل أمرا، وَمن أنكر ذَلِك جعل كَونه أمرا من الصِّفَات الآئلة إِلَى الْفِعْل، وَهَذَا كَمَا أَن الرب لم يَتَّصِف فِي أزله بِكَوْن خَالِقًا، فَلَمَّا خلق وصف بِكَوْنِهِ ((خَالِقًا)) .
وَالَّذِي نرتضيه جَوَاز أَمر الْمَعْدُوم على التَّحْقِيق بِشَرْط الْوُجُود
стр. 348
وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة قاطبة ذَلِك.
[٤٧٧] وَمن أوضح مَا نستدل بِهِ أَن نقُول: اتّفق الْمُسلمُونَ على أَنا فِي عصرنا مأمورون بِأَمْر الرَّسُول [ ﷺ ] ، وَقد اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِهِ وَلم نعاصره، وَلم يتَعَلَّق بِنَا خطابه وجاها وَكَذَلِكَ نقُول: أَمر الرب حَادث [٥٧ / ب] عنْدكُمْ معاشر الْقَدَرِيَّة، ثمَّ نَحن مأمورون بِالْأَمر المتوجه / على أهل عصر رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَإِن كَانَ من وصف الْأَمر عنْدكُمْ أَنه لَا يبْقى زمانين فَإِنَّهُ من قبيل الْكَلَام، وَالْكَلَام منصرف إِلَى الْأَصْوَات وَهِي مِمَّا لَا تبقى عِنْدهم وفَاقا، فَإِن قَالُوا: تبقى مُعظم الْأَعْرَاض؟
стр. 349
[٤٧٨] فَإِن قيل: أَمر الرب يَتَجَدَّد علينا فِي عصرنا؟
قيل لَهُم: إِذا انْقَضى زمَان الْوَحْي واستأثر الله نَبِي الْأمة فقد أجمع الْمُسلمُونَ قاطبة على اسْتِحَالَة ثُبُوت أَمر مُجَدد من الله تَعَالَى من غير تَبْلِيغ مبلغ ورسالة مُرْسل، فَمن أَيْن قُلْتُمْ أَن الْأَمر يَتَجَدَّد، وَلَو تجدّد فَمن أَيْن نعلم ذَلِك؟ فَإِن قَالُوا: تتجدد أوَامِر الله تَعَالَى مَعَ قِرَاءَة الْقُرَّاء، فِي خبط طَوِيل لَهُم فِي خلق الْكَلَام، وَلَا وَجه للخصوم فِيهِ، وَلَكِن نقُول لَو صمت الْقُرَّاء عَن أَمرهم وشغر الزَّمَان عَن قِرَاءَة قَارِئ أفتنقطع الْأَوَامِر عَنَّا؟
فَإِن قَالُوا بانقطاعها، امتثلوا عَن الدّين، فَإِن بَقَاء الشَّرَائِع لَا تتَوَقَّف على قِرَاءَة الْقُرَّاء.
[٤٧٩] وَالَّذِي نختاره لَك فرض الْكَلَام فِي أَمر الله فَإنَّا قدمنَا فِي الْبَاب السالف أَن الْأَمر بعد مَا عدم مُسْتَحِيل تعلقه بمأمور فَإِذا فرضت الْكَلَام فِي أَمر الله فَهُوَ مِمَّا لَا يعْدم عنْدك.
[٤٨٠] وَمِمَّا نستدل بِهِ أَن نقُول يَصح منا تَوْجِيه الْأَمر على الحاجز بِشَرْط أَن يقدر وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ فَافْهَم، وَإِن أَنْكَرُوا تَقْيِيد أَمر الله بِمَا يكون فِي الْمَآل لم ينكروا ذَلِك فِي أوامرنا عجز الْمَأْمُور يُنَافِي الِامْتِثَال كَمَا أَن عَدمه يُنَافِيهِ، ثمَّ لم يستبعد تعلق الْأَمر بِهِ على شَرط الاقتدار فَكَذَلِك تَقول فِي الْمَعْدُوم.
[٤٨١] فَإِن فصلوا بَينهمَا بِأَن الْعَاجِز عقل الْأَمر وفهمه فَلَا يتَحَقَّق ذَلِك
стр. 350
فِي الْمَعْدُوم.
قيل: فَمَا ينفعكم ذَلِك وَمُجَرَّد عقله لَا يُوجب توجه الِامْتِثَال عَلَيْهِ فِي على التَّضْيِيق، فَإِذا امْتنع الِامْتِثَال فوجود الْعقل وَعَدَمه بِمَثَابَة وَاحِدَة فكأننا نغير عدم تصور الِامْتِثَال بتحقق الْعَدَم، لعدم تصور لتحَقّق الْعَجز.
[٤٨٢] وَمن أول مَا نستدل بِهِ أَن نقُول الْأَمر بالمعدوم جَائِز على تَقْدِير الإيجاد، وَكَذَلِكَ أَمر الْمَعْدُوم على تَقْدِير الْوُجُود.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنا لَو قَدرنَا الْمَأْمُور بِهِ منتفيا لَا يتَصَوَّر وجوده لم يَصح الْأَمر بِهِ، وَإِنَّمَا يَصح الْأَمر بِمَا يقدر وجوده فَكَذَلِك الْمَأْمُور.
[٤٨٣] فَإِن قيل: الْفَاصِل بَينهمَا أَن الْمَأْمُور بِهِ لَا يجوز أَن يكون مَوْجُودا بِخِلَاف الْمَأْمُور.
قيل لَهُم: قد سبق الْكَلَام عَلَيْكُم فِي ذَلِك، وَبينا أَن الْحَادِث فِي حَال حُدُوثه مَأْمُور بِهِ على التَّحْقِيق فَلَا ينفعكم استرواحكم إِلَى أصلكم ثمَّ كل مَا تستعبدوه من مصدرنا إِلَى كَون الْمَعْدُوم مَأْمُورا منعكس عَلَيْكُم فِي الْمَأْمُور بِهِ.
[٤٨٤] وَتمسك بعض الْأَصْحَاب فِي المسئلة بِالْوَصِيَّةِ، وَالْوَقْف
стр. 351
فَإِنَّهُمَا يتناولان من سيوجد إِذا وجد، وَلَا نرى لَك التَّمَسُّك بذلك فَإِن من ضَرُورَة الِاعْتِصَام بِهِ فرض الْكَلَام فِي أَمر سبق وَتقدم، ثمَّ يُوجد من يُوجد، وَقد قدمنَا لَك أَن الْأَمر بعد مَا عدم يَسْتَحِيل تعلقه بالمأمور. وللخصوم أَن يَقُولُوا إِنَّمَا ثَبت الْوَصِيَّة وَالْوَقْف بِأَمْر الله تَعَالَى، وَكَانَ سبق أَمر الْمُوصي / [٥٨ / أ] والواقف أَنه فِي تجدّد أَمر الله على اعتوار الْبُطُون، فَالْأولى الاجتزاء، بِمَا قدمْنَاهُ من فرض الْكَلَام فِي أَمر الله، وَمن الِاعْتِصَام بالمأمور بِهِ.
[٤٨٥] شُبْهَة الْمُخَالفين: فَإِن قَالُوا من تكلم بِالْأَمر، وَلَا مَأْمُور وَلَا مُخَاطب وَلَا مستمع إِلَى كَلَامه عد هاذيا، سَفِيها خَارِجا من قَضِيَّة الْحِكْمَة.
وَهَذِه شُبْهَة الْقَوْم فِي نفي قدم الْكَلَام واستقصاء الْجَواب عَنْهَا فِي الديانَات غير أَنا نقُول: مَا ذكرتموه من الْقبْح وَالْحسن والهذيان والسفه والانتظام والاتساق كلهَا من نعوت المحدثات، وَالْقَدِيم يتقدس عَنهُ، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن من تتبع الْعلم بالمنكرات وتكلف اكْتِسَاب الْمعرفَة بالقاذورات وَأحب أَن يُحِيط علما بقطر الْبحار وأوراق الْأَشْجَار عد سَفِيها، وعد ذَلِك قبيحا مِنْهُ، والرب تَعَالَى يعلم ذَلِك كُله إِمَّا بِعلم قديم عندنَا أَو لنَفسِهِ عنْدكُمْ، وَلَا ينتسب إِلَى السَّفه فَإِن هَذَا الْوَصْف ثَبت قَدِيما لَازِما، وَإِنَّمَا يتَحَقَّق الْحسن والقبح فِيمَا يُوقع على وَجه، يقدر وُقُوعه على وَجه آخر، ويستقصي الْكَلَام فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الديانَات.
стр. 352
[٤٨٦] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: أَجمعت الْأمة على أَن الْمَجْنُون غير مُخَاطب، وَلَا مَأْمُور. وَبِه نطقت سنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَهُوَ أولى بتوجه الْأَمر إِلَيْهِ من الْمَعْدُوم فَإِذا امْتنع ذَلِك فِي الَّذِي لَا يعقل فَلِأَن يمْتَنع فِي الْمَعْدُوم أولى.
قيل لَهُم: هَذَا تلبيس مِنْكُم فَإنَّا على الْوَجْه الَّذِي لَا نجوز تَوْجِيه الْأَمر على الْمَجْنُون لَا نجوز توجه الْأَمر للمعدوم إِذا تحقق تَوْجِيه الْأَمر عَلَيْهِ وَلَكنَّا نقُول: الْمَعْدُوم مَأْمُور على شَرط الْوُجُود فَكَذَلِك الْمَجْنُون مَأْمُور على الْعقل.
[٤٨٧] فَإِن قَالُوا: الْمَعْدُوم هُوَ المنتفي فقولكم إِنَّه مَأْمُور يؤول عِنْد التَّحْصِيل إِلَى أَن الْمَأْمُور مُنْتَفٍ، قَالُوا: وَهَذَا أوضح على أصلكم فَإِن الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء عنْدكُمْ فكأنكم قُلْتُمْ الْمَأْمُور لَيْسَ بِشَيْء وَلَا فرق بَين ذَوي التَّحْقِيق بَين قَول الْقَائِل: لَا مَأْمُور أصلا، وَبَين قَوْله: لَا شَيْء أصلا هُوَ مَأْمُور، ويعد ذَلِك من متناقض الْكَلَام.
قيل لَهُم: كل مَا ذكرتموه ينعكس عَلَيْكُم فِي الْمَأْمُور بِهِ فَإنَّا نقُول لَيْسَ الْمَقْصُود من الْأَمر التَّسَبُّب إِلَى انْتِفَاء الشَّيْء فَإِنَّمَا الْمَقْصد مِنْهُ التَّرْغِيب والحث وَالدُّعَاء إِلَى الِامْتِثَال، ويستحيل الدُّعَاء إِلَى الانتفاء وَالْمَوْجُود عنْدكُمْ لَيْسَ بمأمور فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا.
[٤٨٨] ثمَّ نقُول لَا خلاف أَن الْمَعْدُوم مَقْدُور وَلَيْسَ المُرَاد بِكَوْنِهِ
стр. 353
مَقْدُورًا أَن عَدمه بِالْقُدْرَةِ، وَلَكِن المعني بِهِ أَن الْقُدْرَة تُؤثر فِي قلب الْعَدَم وجودا وَكَانَت قدرَة عَلَيْهِ قبل الْوُجُود وَإِذا وجد بِالْقُدْرَةِ لم تَتَغَيَّر الْقُدْرَة فَكَذَلِك الْأَمر أَمر بالمعدوم على شَرط الْوُجُود وَالشّرط فِي الْمَأْمُور فَإِذا وجد إِلَى الله بعد الْحُدُوث دون الْأَمر وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
(١٠٠) فصل
[٤٨٩] ذهب بعض من لَا تَحْقِيق لَهُ إِلَى أَن الْأَمر إِنَّمَا يتَعَلَّق بالمعدوم بِشَرْط أَن يتَعَلَّق بموجود وَاحِد فَصَاعِدا ثمَّ يتبعهُ المعدومون / على [٥٨ / ب] شَرط الْوُجُود وَهَذَا سَاقِط، وَذَلِكَ أَن وجود الْمُخَاطب الْمَوْجُود يَسْتَحِيل أَن يُؤثر فِي عدم الْمَعْدُوم، ووجوده الْمُخْتَص بِهِ فِي حق من سيوجد وَلم يُوجد بعد وَعَدَمه بِمَثَابَة وَاحِدَة، وَلَو جَازَ الْمصير إِلَى ذَلِك جَازَ أَن يُقَال: إِذا تعلق الْخطاب بموجود تجمعت لَهُ شَرَائِط التَّكْلِيف، وكل من يسْتَوْجب الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمعدومون يتبعونه فِي اسْتِحْقَاق الثَّوَاب مَعَ الْعَدَم قبل تَقْدِير الْوُجُود وَهَذَا محَال.
стр. 354
[٤٩٠] فَإِن قيل: يَسْتَحِيل اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب مَعَ الْعَدَم.
قُلْنَا: فَهَلا تبع الْمَوْجُود الْمُخَاطب كل مَعْدُوم.
فَإِن قَالُوا: لِأَن وجوده لَا يثبت لَهُم حكما وَهَذَا القَوْل يلزمكم فِي أصل المسئلة.
стр. 355
بَاب
يشْتَمل على أصُول مُتَفَرِّقَة
شذت عَنَّا فِي أَحْكَام الْأَوَامِر
(١٠١) فصل
[٤٩١] فَإِن قيل: إِذا أوجب الله تَعَالَى على رَسُوله [ ﷺ ] فعلا لَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بِغَيْرِهِ فَهَل يكون ذَلِك إِيجَابا مِنْهُ على الْغَيْر، نَحْو أَن يُوجب على نبيه [ ﷺ ] أَخذ الزَّكَاة فَهَل تضمن هَذَا الْأَمر إِيجَاب إِعْطَاء الزَّكَاة على أَرْبَاب الْأَمْوَال؟ .
قيل: قد ثَبت بِاتِّفَاق الْأمة وإجماعهم أَن كل أَمر اتَّصل بالرسول [ ﷺ ] على وَجه الْإِيجَاب فِي فعل مُتَعَلق بِالْغَيْر فَيجب على الْغَيْر [الابتدار] لتحقيق الِامْتِثَال فِيهِ، فَإِذا وَجب على الرَّسُول [ ﷺ ] أَخذ الزَّكَاة لوَجَبَ على أَرْبَاب الْأَمْوَال بذل الزَّكَاة.
[٤٩٢] فَإِن قيل: هَذَا الَّذِي ذكرتموه من مُوجب الْأَمر؟
قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِك من مُوجب الْأَمر فَإنَّا لَو رددنا إِلَى مُجَرّد مُقْتَضى الْأَمر
следующие страницы →