Полный текст (1 418 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فَإِنَّهُمَا يتناولان من سيوجد إِذا وجد، وَلَا نرى لَك التَّمَسُّك بذلك فَإِن من ضَرُورَة الِاعْتِصَام بِهِ فرض الْكَلَام فِي أَمر سبق وَتقدم، ثمَّ يُوجد من يُوجد، وَقد قدمنَا لَك أَن الْأَمر بعد مَا عدم يَسْتَحِيل تعلقه بالمأمور. وللخصوم أَن يَقُولُوا إِنَّمَا ثَبت الْوَصِيَّة وَالْوَقْف بِأَمْر الله تَعَالَى، وَكَانَ سبق أَمر الْمُوصي / [٥٨ / أ] والواقف أَنه فِي تجدّد أَمر الله على اعتوار الْبُطُون، فَالْأولى الاجتزاء، بِمَا قدمْنَاهُ من فرض الْكَلَام فِي أَمر الله، وَمن الِاعْتِصَام بالمأمور بِهِ.
[٤٨٥] شُبْهَة الْمُخَالفين: فَإِن قَالُوا من تكلم بِالْأَمر، وَلَا مَأْمُور وَلَا مُخَاطب وَلَا مستمع إِلَى كَلَامه عد هاذيا، سَفِيها خَارِجا من قَضِيَّة الْحِكْمَة.
وَهَذِه شُبْهَة الْقَوْم فِي نفي قدم الْكَلَام واستقصاء الْجَواب عَنْهَا فِي الديانَات غير أَنا نقُول: مَا ذكرتموه من الْقبْح وَالْحسن والهذيان والسفه والانتظام والاتساق كلهَا من نعوت المحدثات، وَالْقَدِيم يتقدس عَنهُ، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن من تتبع الْعلم بالمنكرات وتكلف اكْتِسَاب الْمعرفَة بالقاذورات وَأحب أَن يُحِيط علما بقطر الْبحار وأوراق الْأَشْجَار عد سَفِيها، وعد ذَلِك قبيحا مِنْهُ، والرب تَعَالَى يعلم ذَلِك كُله إِمَّا بِعلم قديم عندنَا أَو لنَفسِهِ عنْدكُمْ، وَلَا ينتسب إِلَى السَّفه فَإِن هَذَا الْوَصْف ثَبت قَدِيما لَازِما، وَإِنَّمَا يتَحَقَّق الْحسن والقبح فِيمَا يُوقع على وَجه، يقدر وُقُوعه على وَجه آخر، ويستقصي الْكَلَام فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الديانَات.
стр. 352
[٤٨٦] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: أَجمعت الْأمة على أَن الْمَجْنُون غير مُخَاطب، وَلَا مَأْمُور. وَبِه نطقت سنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَهُوَ أولى بتوجه الْأَمر إِلَيْهِ من الْمَعْدُوم فَإِذا امْتنع ذَلِك فِي الَّذِي لَا يعقل فَلِأَن يمْتَنع فِي الْمَعْدُوم أولى.
قيل لَهُم: هَذَا تلبيس مِنْكُم فَإنَّا على الْوَجْه الَّذِي لَا نجوز تَوْجِيه الْأَمر على الْمَجْنُون لَا نجوز توجه الْأَمر للمعدوم إِذا تحقق تَوْجِيه الْأَمر عَلَيْهِ وَلَكنَّا نقُول: الْمَعْدُوم مَأْمُور على شَرط الْوُجُود فَكَذَلِك الْمَجْنُون مَأْمُور على الْعقل.
[٤٨٧] فَإِن قَالُوا: الْمَعْدُوم هُوَ المنتفي فقولكم إِنَّه مَأْمُور يؤول عِنْد التَّحْصِيل إِلَى أَن الْمَأْمُور مُنْتَفٍ، قَالُوا: وَهَذَا أوضح على أصلكم فَإِن الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء عنْدكُمْ فكأنكم قُلْتُمْ الْمَأْمُور لَيْسَ بِشَيْء وَلَا فرق بَين ذَوي التَّحْقِيق بَين قَول الْقَائِل: لَا مَأْمُور أصلا، وَبَين قَوْله: لَا شَيْء أصلا هُوَ مَأْمُور، ويعد ذَلِك من متناقض الْكَلَام.
قيل لَهُم: كل مَا ذكرتموه ينعكس عَلَيْكُم فِي الْمَأْمُور بِهِ فَإنَّا نقُول لَيْسَ الْمَقْصُود من الْأَمر التَّسَبُّب إِلَى انْتِفَاء الشَّيْء فَإِنَّمَا الْمَقْصد مِنْهُ التَّرْغِيب والحث وَالدُّعَاء إِلَى الِامْتِثَال، ويستحيل الدُّعَاء إِلَى الانتفاء وَالْمَوْجُود عنْدكُمْ لَيْسَ بمأمور فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا.
[٤٨٨] ثمَّ نقُول لَا خلاف أَن الْمَعْدُوم مَقْدُور وَلَيْسَ المُرَاد بِكَوْنِهِ
стр. 353
مَقْدُورًا أَن عَدمه بِالْقُدْرَةِ، وَلَكِن المعني بِهِ أَن الْقُدْرَة تُؤثر فِي قلب الْعَدَم وجودا وَكَانَت قدرَة عَلَيْهِ قبل الْوُجُود وَإِذا وجد بِالْقُدْرَةِ لم تَتَغَيَّر الْقُدْرَة فَكَذَلِك الْأَمر أَمر بالمعدوم على شَرط الْوُجُود وَالشّرط فِي الْمَأْمُور فَإِذا وجد إِلَى الله بعد الْحُدُوث دون الْأَمر وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
(١٠٠) فصل
[٤٨٩] ذهب بعض من لَا تَحْقِيق لَهُ إِلَى أَن الْأَمر إِنَّمَا يتَعَلَّق بالمعدوم بِشَرْط أَن يتَعَلَّق بموجود وَاحِد فَصَاعِدا ثمَّ يتبعهُ المعدومون / على [٥٨ / ب] شَرط الْوُجُود وَهَذَا سَاقِط، وَذَلِكَ أَن وجود الْمُخَاطب الْمَوْجُود يَسْتَحِيل أَن يُؤثر فِي عدم الْمَعْدُوم، ووجوده الْمُخْتَص بِهِ فِي حق من سيوجد وَلم يُوجد بعد وَعَدَمه بِمَثَابَة وَاحِدَة، وَلَو جَازَ الْمصير إِلَى ذَلِك جَازَ أَن يُقَال: إِذا تعلق الْخطاب بموجود تجمعت لَهُ شَرَائِط التَّكْلِيف، وكل من يسْتَوْجب الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمعدومون يتبعونه فِي اسْتِحْقَاق الثَّوَاب مَعَ الْعَدَم قبل تَقْدِير الْوُجُود وَهَذَا محَال.
стр. 354
[٤٩٠] فَإِن قيل: يَسْتَحِيل اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب مَعَ الْعَدَم.
قُلْنَا: فَهَلا تبع الْمَوْجُود الْمُخَاطب كل مَعْدُوم.
فَإِن قَالُوا: لِأَن وجوده لَا يثبت لَهُم حكما وَهَذَا القَوْل يلزمكم فِي أصل المسئلة.
стр. 355
بَاب
يشْتَمل على أصُول مُتَفَرِّقَة
شذت عَنَّا فِي أَحْكَام الْأَوَامِر
(١٠١) فصل
[٤٩١] فَإِن قيل: إِذا أوجب الله تَعَالَى على رَسُوله [ ﷺ ] فعلا لَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بِغَيْرِهِ فَهَل يكون ذَلِك إِيجَابا مِنْهُ على الْغَيْر، نَحْو أَن يُوجب على نبيه [ ﷺ ] أَخذ الزَّكَاة فَهَل تضمن هَذَا الْأَمر إِيجَاب إِعْطَاء الزَّكَاة على أَرْبَاب الْأَمْوَال؟ .
قيل: قد ثَبت بِاتِّفَاق الْأمة وإجماعهم أَن كل أَمر اتَّصل بالرسول [ ﷺ ] على وَجه الْإِيجَاب فِي فعل مُتَعَلق بِالْغَيْر فَيجب على الْغَيْر [الابتدار] لتحقيق الِامْتِثَال فِيهِ، فَإِذا وَجب على الرَّسُول [ ﷺ ] أَخذ الزَّكَاة لوَجَبَ على أَرْبَاب الْأَمْوَال بذل الزَّكَاة.
[٤٩٢] فَإِن قيل: هَذَا الَّذِي ذكرتموه من مُوجب الْأَمر؟
قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِك من مُوجب الْأَمر فَإنَّا لَو رددنا إِلَى مُجَرّد مُقْتَضى الْأَمر
стр. 356
لم يكن فِي إِيجَاب الْأَخْذ على الرَّسُول [ ﷺ ] إِيجَاب الْإِعْطَاء على أَرْبَاب الْأَمْوَال.
[٤٩٣] وَقد ذهب شرذمة من الْفُقَهَاء إِلَى أَنا بِمُقْتَضى الْأَمر نَعْرِف وجوب الْإِعْطَاء على أَرْبَاب الْأَمْوَال وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام فَإِن الْأَمر بِالْأَخْذِ يجوز تَقْدِير ثُبُوته مَعَ نهي الْمُعْطِي عَن الْإِعْطَاء، وَلَا يلْزم من ذَلِك تنَافِي وتناقض، وَلذَلِك أَمْثِلَة فِي الشَّرِيعَة، مِنْهَا: أَن الزَّوْج إِذا بدر مِنْهُ مَا يعْتَقد أَنه لَا يبت النِّكَاح فَلهُ الْإِقْدَام على الوطئ، وَإِذا كَانَت الْمَرْأَة تعتقد ابتتات النِّكَاح فلهَا الْمَنْع، وَالشُّهُود إِذا تحملوا الشَّهَادَة فَعَلَيْهِم أَدَاؤُهَا، فَإِذا اعْتقد القَاضِي رد شَهَادَتهم فَعَلَيهِ مُخَالفَة شَهَادَتهم، وَإِذا اعْتقد أَبُو الطِّفْل ثُبُوت حق لطفله فِي مَال طِفْل آخر فَعَلَيهِ الطّلب، وعَلى أبي الطِّفْل الآخر الْمَنْع، وَلَيْسَ ذَلِك من المتناقضات.
[٤٩٤] فَإِن قيل: فَبِمَ عَرَفْتُمْ وجوب امْتِثَال الْأَمر فِي الصُّورَة الَّتِي قدمتموها؟ .
قيل: لِأَنَّهُ [ ﷺ ] إِذا أَمر بِالْأَخْذِ على الْإِيجَاب فيطلب بِمَا أَمر بِأَخْذِهِ فَأمره متحتم وَقد أَجمعت الْأمة على وجوب الْإِعْطَاء عِنْد وجوب الْأَخْذ عَلَيْهِ [٥٩ / أ] السَّلَام فتبينا بذلك الْإِجْمَاع وَغَيره، وَلم نتبينه بِنَفس / الْأَمر المتوجه بِالْأَخْذِ عَلَيْهِ [ ﷺ ] .
стр. 357
(١٠٢) فصل
[٤٩٥] فَإِن قيل: نرى الْفُقَهَاء يفصلون القَوْل فِي الْفُرُوض ويزعمون أَن مِنْهَا مَا هُوَ من فروض الْأَعْيَان، وَمِنْهَا: مَا هُوَ من فروض الكفايات فالتوجه على الْأَعْيَان كدفن الْمَوْتَى وتجهيزهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَغَيرهمَا فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟ .
قَالَ القَاضِي ﵁: كلما نعت بِالْفَرْضِ من هَذَا الْقَبِيل فَيجب على عين كل وَاحِد وَمن صَار إِلَى أَن هَذَا الْقَبِيل من الْفَرَائِض لَا يتَعَلَّق بالأعيان فقد تَأَول وَتوسع فِي اللَّفْظ فَإِنَّهُ لَا معنى لكَون الشَّيْء مفترضا على
стр. 358
عين إِلَّا أَن يُخَاطب بِهِ على سَبِيل الْإِيجَاب، وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِيمَا سموهُ فروض الكفايات وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَو تعطل فرض مِنْهُ حرج
стр. 359
المخاطبون.
[٤٩٦] فَإِن قيل: فَإِذا قَامَ بِهِ جمَاعَة فلماذا سقط الْفَرْض؟ .
قُلْنَا: لَا معترض على الرب فِيمَا يلْزم وَيسْقط، فَإِذا قَامَ طَائِفَة بِالْفَرْضِ سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ وَكَانَ قبل قيام من قَامَ بِهِ مُتَعَيّنا على أعيانهم وَكم من فرض سلم الْفُقَهَاء كَونه مُتَعَلقا بِالْعينِ فَيحدث سَبَب يتَضَمَّن سُقُوطه ونظائر ذَلِك لَا تَنْحَصِر فِي الشَّرِيعَة.
(١٠٣) فصل
[٤٩٧] فَإِن قيل: الْأَمر الْمُطلق هَل يتَعَلَّق بالمكروه؟ .
[قيل: مَا ثَبت بعد وُرُود الْأَمر كَونه مَكْرُوها فَلَا يتَعَلَّق الْأَمر الْمُطلق بِهِ.
стр. 360
وَزعم بعض المنتمين إِلَى أبي حنيفَة أَن الْأَمر يتَعَلَّق بالمكروه.
فأفرض الْكَلَام عَلَيْهِم فِي صُورَة مَخْصُوصَة، فَقَالَ: إِذا ورد الْأَمر بِالطّوافِ مُطلقًا، وَطواف الْمُحدث مَعَ وُرُود الْأَمر مُطلقًا مَنْهِيّ عَنهُ وَهُوَ محرم عِنْدهم، أَو مَكْرُوه عِنْد بعض متعسفيهم ويزعمون أَن مُطلق الْأَمر يتَنَاوَل طواف الْمُحدث وَنحن ننكر ذَلِك أَشد الْإِنْكَار، وَوجه الْإِيضَاح فِيهِ أَن نقُول: الْأَمر يتَضَمَّن الِاقْتِضَاء وَالدُّعَاء إِلَى الِامْتِثَال والحث عَلَيْهِ،
стр. 361
والكراهية تَقْتَضِي النَّهْي عَن الْمَكْرُوه، وَكَيف يتَحَقَّق كَون مَا نهى عَنهُ مَأْمُورا بِهِ.
[٤٩٨] فَإِن قَالُوا: لَيْسَ الطّواف بمنهي عَنهُ، وَإِنَّمَا النَّهْي عَن ترك الطَّهَارَة.
قيل لَهُم: وَإِنَّمَا نهى عَن ترك الطَّهَارَة لأجل الطّواف، وَلَوْلَا الطّواف مَا نهى عَن ترك الطَّهَارَة فَهُوَ إِذا مُتَعَلق بِالطّوافِ.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الطّواف للمحدث مَكْرُوه وفَاقا أَو محرم عِنْد الْأَكْثَرين مِنْكُم. وَالَّذِي يكْشف الغطاء ويحقق الْمَقْصد أَن نقُول صَلَاة الْمُحدث بَاطِلَة مَنْهِيّ عَنْهَا وفَاقا فَهَلا قُلْتُمْ أَن النَّهْي إِنَّمَا يتَعَلَّق بترك الطهار دون الصَّلَاة وَكَذَلِكَ السُّجُود لله تَعَالَى عبَادَة وَالسُّجُود للأصنام والأوثان كفر محرم فَهَلا قُلْتُمْ أَن نفس السُّجُود لَيْسَ بِمحرم، وَإِنَّمَا الْمحرم قصد عبَادَة الصَّنَم بِهِ؟ وَهَذَا لَا محيص لَهُم عَنهُ.
ثمَّ نقُول: قد بَينا فِيمَا تقدم من الْأَبْوَاب أَن إِيجَاب الشَّيْء لَا يتَضَمَّن ثُبُوت جَوَازه فَكيف ينطوي على مَكْرُوه. وَهَذَا بَين إِن شَاءَ الله .
стр. 362
[٤٩٩] فَإِن قيل: أَلَيْسَ الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة تندرج الْأَمر بِالصَّلَاةِ وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة؟ .
قُلْنَا: سنشبع القَوْل فِيهِ فِي بَاب مُفْرد إِن شَاءَ الله .
(١٠٤) فصل
[٥٩ / ب] [٥٠٠] فَإِن قيل: إِذا كَانَ السُّجُود لله مَأْمُورا / بِهِ، وَالسُّجُود لغيره مَنْهِيّ عَنهُ فَهَل تطلقون القَوْل بِأَن الشَّيْء الْوَاحِد مَأْمُور بِهِ على وَجه، مَنْهِيّ عَنهُ على وَجه؟ .
قيل: اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَذهب الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء إِلَى جَوَاز ذَلِك
стр. 363
وبينوه بِالسُّجُود أَمر بإحداثه فَلَو قَدرنَا النَّهْي عَنهُ لَكَانَ نهيا عَن إحداثه، وحدوث السُّجُود لَا يخْتَلف بِأَن يكون الْمَقْصُود بِهِ عبَادَة لله تَعَالَى أَو عبَادَة الصَّنَم فيستحيل أَن يكون الشَّيْء مَأْمُورا بِهِ وَهُوَ بِعَيْنِه مَنْهِيّ عَنهُ، فيؤول النَّهْي إِلَى قصد عبَادَة غير الله دون نفس السُّجُود، وَهَذَا بَاطِل فَإِن الْأمة أَجمعت على أَن السُّجُود لغير الله تَعَالَى محرم، وَلَو قَالَ قَائِل: السُّجُود مُبَاح وَالْقَصْد محرم، كَانَ خرقا للْإِجْمَاع.
[٥٠١] فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي ترتضونه من ذَلِك؟ .
قُلْنَا: السُّجُود الَّذِي يَقع مَأْمُورا بِهِ لَا يتَصَوَّر أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ، فَإِن السُّجُود الْوَاقِع عبَادَة لله لَا يتَصَوَّر أَن يَقع عبَادَة لغيره بعد مَا وَقع عبَادَة لَهُ وَالسُّجُود الْمنْهِي عَنهُ لَا يكون مَأْمُورا بِهِ، فَإِن الَّذِي وَقع على قصد عبَادَة الْغَيْر لَا يَقع عبَادَة لله فهما إِذا غيران يتَعَلَّق الْأَمر بِأَحَدِهِمَا وَالنَّهْي بِالثَّانِي وَهَذَا الْمَذْهَب مُطَابق لما عَلَيْهِ الْأمة وموافق للتحقيق.
[٥٠٢] فَإِن قيل: فالسجودان مثلان، وَمن حكم المثلين أَن لَا يثبت لأَحَدهمَا وصف، إِلَّا وَيجوز ثُبُوته لمماثله.
قيل: الْأَحْكَام الآئلة إِلَى الْأَنْفس والذوات تَسَاوِي فِيهَا المماثلات،
стр. 364
وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا ترجع على أصُول أهل الْحق إِلَى الذوات والأنفس وَلكنهَا ترجع إِلَى نفس الْأَمر على مَا عَقدنَا فِيهِ بَابا، فَنحْن نجوز تَحْرِيم الشَّيْء وَإِيجَاب مثله وتحسين الشَّيْء وتقبيح مثله، وَإِنَّمَا يصعب موقع السُّؤَال على الْمُعْتَزلَة لما صرفُوا الْأَحْكَام إِلَى الذوات.
(١٠٥) فصل
[٥٠٣] فَإِن قيل: نرى الْفُقَهَاء يطلقون فِيمَا يتفاوضون بِهِ لفظ الآكد فِي السنتين فَيَقُولُونَ: هما مؤكدتان، وإحداهما آكِد من الْأُخْرَى فَهَل تطلقون مثل ذَلِك فِي الواجبين حَتَّى تَقولُوا أَحدهمَا أوجب من الآخر؟ .
قيل: هَذَا مِمَّا نطلقه وَلَا نتحاشى مِنْهُ.
[٥٠٤] فَإِن قَالُوا: فَمَا معنى قَوْلكُم أَحدهمَا أوجب؟ .
قيل: الْوُجُوب رَاجع إِلَى وعد اللوم على التّرْك وَالثنَاء على الِامْتِثَال فَكل مَا كَانَ اللوم الْمَوْعُود على تَركه أَكثر كَانَ أوجب، فَنَقُول: على هَذِه الْقَضِيَّة: الْإِيمَان بِاللَّه أوجب من الطَّهَارَة، وَالْمعْنَى بِهِ أَن الْمَوْعُود على تَركه من اللوم والإقدام عَلَيْهِ من الثَّوَاب وَحسن الثَّنَاء أَكثر وَهَذَا هُوَ المعني بِذكر الآكد فِي السنتين، وَلَا يَسْتَقِيم ذَلِك على مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم يصرفون الْوُجُوب إِلَى صفة الذَّات، فَلَا يسْتَمر لَهُم مَا ذَكرْنَاهُ.
стр. 365
[٥٠٥] فَإِن قيل: فَقولُوا على طرد ذَلِك فِي الصدقين كَانَ أَحدهمَا أصدق من الثَّانِي وَفِي الْكَذِب مثل ذَلِك.
قُلْنَا: هَذَا مِمَّا لَا يَقُولُونَ فَإِن كَون الْخَبَر صدقا يرجع إِلَى ذَاته فَإِذا تعلق خبران بمخبران على مَا هما عَلَيْهِ تَحْقِيقا فيستحيل أَن يكون أَحدهمَا أصدق من الآخر وَأما الْوُجُوب فَلَا يرجع إِلَى ذَات الْوَاجِب، وَإِنَّمَا يرجع إِلَى الْمَوْعُود عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا يتَفَاوَت.
[٥٠٦] فَإِن قيل: أَلَيْسَ / يحسن فِي الْإِطْلَاق أَن يُقَال فلَان أصدق من [٦٠ / أ] فلَان؟ .
قُلْنَا: قد يُطلق ذَلِك وَلَكِن المُرَاد بِهِ أَن مَا يبدر مِنْهُ من الصدْق أَكثر مِمَّا يبدر من صَاحبه وَقد يُطلق لفظ الأصدق بَين اثْنَيْنِ، وَالْمرَاد بِهِ نعت أَحدهمَا بِالصّدقِ ونعت الثَّانِي بِالْكَذِبِ، كَمَا يُقَال: النَّبِي [ ﷺ ] أصدق من مُسَيْلمَة وَالْمَالِك أَحَق من الظَّالِم إِلَى غير ذَلِك، فَأَما أَن تصور صدقان صادرين من صَادِقين وَأَحَدهمَا أصدق فِي صلَاته من صَاحبه فَلَا معنى لَهُ فَاعْلَم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 366
(١٠٦) بَاب النواهي
[٥٠٧] اعْلَم - وفقك الله - أَن أَكثر مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَحْكَام الْأَوَامِر يتَحَقَّق فِي النواهي على ضد الْأَوَامِر فَإِذا قُلْنَا حَقِيقَة الْأَمر اقْتِضَاء الطَّاعَة بِفعل الْمَأْمُور بِهِ فحقيقة النَّهْي اقْتِضَاء الطَّاعَة بترك الْمنْهِي عَنهُ وَالنَّهْي معنى فِي النَّفس لَا يرجع إِلَى الْعبارَات كالأمر، وكل مَا قدمْنَاهُ فِي الْأَوَامِر يعود فِي النواهي، ويفرد فِي النواهي مَا تتخصص بِهِ من الْأَوَامِر.
(١٠٧) القَوْل فِي النَّهْي عَن شيئيين أَو أَشْيَاء على وَجه التَّخْيِير
[٥٠٨] قد قدمنَا صِحَة وُرُود الْأَمر بِشَيْء من أَشْيَاء على التَّخْيِير، وَذكرنَا شَرَائِط ذَلِك فِي بَاب مُفْرد فَكَمَا يجوز وُرُود الْأَمر على التَّخْيِير فَكَذَلِك
стр. 367
يجوز وُرُود النَّهْي على التَّخْيِير فِي شَيْء من أَشْيَاء.
وَأنكر مُعظم الْمُعْتَزلَة ذَلِك وَقَالُوا يَسْتَحِيل وُرُوده على التَّخْيِير ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم فَمنهمْ من يمْنَع ذَلِك فِي مُقْتَضى اللُّغَة وَاللَّفْظ، وَمِنْهُم من يمنعهُ من غير جِهَة اللُّغَات.
[٥٠٩] فَأَما الَّذِي منعُوهُ لفظا فقد تمسكوا فِي ذَلِك بِأَلْفَاظ واستشهدوا بهَا. مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا﴾ قَالُوا مَعْنَاهُ وَلَا تُطِع آثِما وكفورا وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الْقَائِل: لَا تُطِع زيدا أَو عمرا فَلَا يفهم من مُطلق ذَلِك النَّهْي عَن الطَّاعَة فِي حق أَحدهمَا، وَلَكِن الْمَفْهُوم النَّهْي عَن طاعتهما جَمِيعًا.
[٥١٠] وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا يستيحل ذَلِك من قَضِيَّة الْعقل فَإِن النَّهْي إِذا تعلق بالشَّيْء اقْتضى قبحه فَإِذا تعلق بِأحد الشَّيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِه حَتَّى يقدر الْقبْح فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا على حياده وإيراده، فيتصف إِذا كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا
стр. 368
يَتَّصِف بِهِ الثَّانِي وَإِن لزم تقبيح أَحدهمَا لزم تقبيحهما.
[٥١١] فَنَقُول لَهُم: لَا يَسْتَحِيل وُرُود النَّهْي على التَّخْيِير فِي المعرض الَّذِي يجوز وُرُود الْأَمر على التَّخْيِير وكل من يجوز ذَلِك فِي الْأَمر يجوزه فِي النَّهْي، وَأما الَّذين أنكروه لفظا فساقط لَا طائل وَرَاءه، فَإنَّا لم نخالفهم فِي لفظ بِعَيْنِه نفرض الْكَلَام فِيهِ وَإِنَّمَا خالفناهم فِي تصور وُرُود النَّهْي على معرض التَّخْيِير فلئن استبعدوا ذَلِك فِي الْأَلْفَاظ الَّتِي اسْتشْهدُوا بهَا نتصور عَلَيْهِم من الصراح مَا لَا يَجدونَ إِلَى جَحده سَبِيلا، ونقول: لَو قَالَ الْمُكَلف للمخاطب حرمت عَلَيْك أحد هذَيْن الشَّيْئَيْنِ فَكف عَن أَيهمَا شِئْت، فَهَذَا مُصَرح بِهِ فِي إنباء التَّخْيِير فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟
[٦٠ / ب] وَأما استرواحكم إِلَى / ظَاهر الْكتاب فَلَا يَسْتَقِيم وَذَلِكَ أننا لَا ننكر وُرُود بعض الْأَلْفَاظ تجوزا وتوسطا وحرف ((أَو)) يَقْتَضِي التَّخْيِير وَقد يرد، وَالْمرَاد بِهِ الْعَطف دون التَّخْيِير، وَلِهَذَا نَظَائِر فِي الْأَوَامِر على مَذْهَب الْمُفَسّرين مِنْهَا آيَة القطاع وَغَيرهَا.
стр. 369
[٥١٢] وَأما من أنكر ذَلِك عقلا مستروحا إِلَى أَنه إِذا أقبح أَحدهمَا قبح الثَّانِي، فَيُقَال: لَو سلم لكم أَن الْقَبِيح يقبح بِصفة ترجع إِلَى نَفسه، وَقد أوضحنا إبِْطَال ذَلِك فِي غير مَوضِع، وَبينا أَن الْقَبِيح وَالْحسن يرجعان إِلَى الْأَمر وَالنَّهْي، دون صِفَات الذوات، وَقد يحسن الشَّيْء ويقبح مثله.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن من مكث فِي دَار غَيره بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ قَبِيح مِنْهُ وَلَو مكث فِيهَا بِإِذْنِهِ فَهُوَ غير قَبِيح، والمكث فِي الْحَالين لَا يخْتَلف فِي نَفسه وذاته وصدور الْإِذْن من الْمَالِك لَا يتَضَمَّن لغير صفة الْمكْث، والكون فِي الدَّار فِي وجوده، فَتبين بذلك أَن الْقبْح وَالْحسن يرجعان إِلَى أَمر صَاحب الشَّرِيعَة دون ذَوَات الْأَشْيَاء.
(١٠٨) فصل
[٥١٣] إِذا ورد النَّهْي مُتَعَلقا بِأحد المتضادين على التَّخْيِير سَاغَ لَك
стр. 370
كَمَا يسوغ بِأَحَدِهِمَا وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول: لَا تقم أَو لَا تقعد وَمَعْنَاهُ لَا تجمع بَينهمَا على التَّعَاقُب، وَامْتنع إِمَّا عَن هَذَا وَإِمَّا عَن ذَلِك.
[٥١٤] فَإِن قيل: هَل يتَصَوَّر وُرُود النَّهْي مُتَعَلقا بجملة المتضادات الَّتِي لَا يَخْلُو الْمُخَاطب عَنْهَا مثل أَن يَقُول: لَا تنطق وَلَا تسكت وَلَا تتحرك وَلَا تسكن؟ .
قُلْنَا: إِن أجزنا تَكْلِيف الْمحَال أجزنا ذَلِك وَإِن منعنَا ذَلِك منعنَا هَذِه وجوابنا على منع تَكْلِيف الْمحَال أَن نقُول: فَإنَّا وَإِن جَوَّزنَا ذَلِك عقلا فلسنا نقُول إِن الشَّرْع ورد بِهِ، وَإِنَّمَا كلامنا فِي وَقت كَمَال الدّين وَعدم توقع وُرُود شرح مُجَرّد.
[٥١٥] فَإِن قيل: فَإِذا أجبتم على ذَلِك فَمَا قَوْلكُم فِيمَن دخل دَار غَيره مغتصبا مُتَعَدِّيا أَلَيْسَ هُوَ مَمْنُوع من الْكَوْن فِي الدَّار وَإِن أخرج؟ فَمَا دَامَ فِي الدَّار فَهُوَ كَائِن فِيهَا والكون فِيهَا محرم.
وَكَذَلِكَ من تخطى زرع غَيره فاقتحمه فَلَا يجوز الْبَقَاء فِيهِ وَلَا يجوز التَّسَبُّب إِلَى إِتْلَافه وَكَانَ لَا يَتَأَتَّى خُرُوجه إِلَّا بِقطع الزَّرْع وَإِتْلَاف طَائِفَة مِنْهُ.
стр. 371
وَكَذَلِكَ إِذا ألم الرجل بِامْرَأَة زَانيا فإدخاله فرجه فِي فرجهَا وَإِذا أخرج وَآل إِلَى إتْمَام الِانْفِصَال هُوَ مستديم لصورة الزِّنَا فقد ثَبت فِي هَذِه الصُّورَة تَحْرِيم المتضادات جملَة من اسْتِحَالَة التعري عَنْهَا.
وَاعْلَم - وفقك الله - أَن هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء، فحكي عَن أبي الشمر من الْأُصُولِيِّينَ أَن كل ذَلِك محرم عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي ورط نَفسه فِيهِ، وَإِن لم يجز وُرُود التَّكْلِيف بذلك ابْتِدَاء من غير تَفْرِيط يصدر مِنْهُ فَإِذا فرط انسدت عَلَيْهِ المسالك فَلَا مخلص لَهُ من المآثم وَذهب بعض
стр. 372
الْعلمَاء إِلَى أَن من تخطى زرع غَيره فَهُوَ مَأْمُور بِالْخرُوجِ مِنْهُ، مَنْهِيّ عَن إفساده، وَكَذَلِكَ من تمكن من صدر إِنْسَان ظَالِما وَلَو قَامَ مِنْهُ تضرر لقِيَامه [٦١ / أ] وَلَو استدام / قعوده تضرر بقعوده فَهُوَ مَأْمُور بمزايلته مَنْهِيّ عَن الْإِضْرَار بِهِ.
[٥١٦] وَأما الَّذِي نختاره أَنه إِذا دخل أَرضًا مَغْصُوبَة فَهُوَ مَأْمُور بِالْخرُوجِ مِنْهَا وَلَيْسَ بمنهي عَنهُ، والأكوان الَّتِي تصدر مِنْهُ فِي خُرُوجه من حركاته وسكناته لَيْسَ يعيصي بهَا وَهَكَذَا القَوْل فِي كف الزَّانِي عَن الزِّنَا،
стр. 373
وَأما الْمُخَالفين على صدر غَيره فَعَلَيهِ مزايلته، وَلَا يَعْصِي بمزايلته على أرْفق الْوُجُوه بِشَرْط أَن يبْذل فِيهِ كنه المجهود فَيرد عَلَيْهِ أبي الشمر وَغَيره حَتَّى إِذا بَطل مَا عدا اختيارنا ثَبت مَا اخترناه فَيُقَال لأبي الشمر هَذَا الَّذِي صرت إِلَيْهِ إفصاح مِنْك بتكليف الْمحَال وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان إِذا كَانَ لَا يعرى عَن الأكوان المتضادة فَلَا يتَصَوَّر النَّهْي عَن جَمِيعهَا من غير أَن يتَصَوَّر الْخُلُو عَنْهَا، وَلَا فرق بَين تَجْوِيز ذَلِك وَبَين تَجْوِيز وُرُود الْأَمر بِالْجمعِ بَين الْقيام وَالْقعُود.
وَأما الَّذِي استروح إِلَيْهِ من أَنه تسبب إِلَى ذَلِك فَبَاطِل من القَوْل، فَإِن تَكْلِيف الْمحَال على الأَصْل الَّذِي نَصره محَال، وَمَا كَانَ مستحيلا لم يتَصَوَّر ثُبُوته فرض الْمَرْء فِيهِ أَو لم يفرط، سِيمَا على مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة، وَهَذَا الرجل من أتباعهم تَكْلِيف فَإِن الْمحَال قَبِيح لعَينه وَمَا قبح لعَينه لم يحسن لسَبَب فعل يصدر عَن الْغَيْر.
[٥١٧] وَأما من قَالَ: إِنَّه مَأْمُور بِالْخرُوجِ مَنْهِيّ عَن الْإِتْلَاف فَهَذَا تنَاقض من القَوْل، فَإِن الْخُرُوج إِذا كَانَ لَا يتَصَوَّر إِلَّا مَعَ إِتْلَاف وإضرار
стр. 374
فكأنهم يَقُولُونَ: هُوَ مَأْمُور بِخُرُوج لَا إِضْرَار مَعَه وَلَا يتَصَوَّر خُرُوج لَا إِضْرَار مَعَه، وكل ذَلِك يسبب إِلَى تَجْوِيز تَكْلِيف الْمحَال.
ثمَّ نقُول لهَؤُلَاء: أَرَأَيْتُم لَو لم يكن فِي خُرُوجه ضَرَر، وَلَكِن كَونه فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة ظلم، وَخُرُوجه إِلَى إتْمَام انْفِصَاله كَون فِيهَا، كَمَا أَن مكثه كَون فِيهَا، فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة؟
ثمَّ الَّذِي نعول عَلَيْهِ أَن نقُول من دخل دَار غَيره فَهُوَ مَأْمُور بِالْخرُوجِ مِنْهَا بِاتِّفَاق الْأمة، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده وَلَو لم يكن مَأْمُورا بذلك يصور أَن يدعى إِلَى الْخُرُوج ثمَّ كَانَ مَأْمُورا بِهِ لَا يتَصَوَّر أَن يكون مَنْهِيّا فَمن حَيْثُ ثَبت كَونه مَأْمُورا اسْتَحَالَ كَونه مَنْهِيّا.
[٥١٨] فَإِن قيل: كَيفَ يتَحَقَّق أَن يكون مَأْمُورا بالتلف فِي ملك غَيره؟
قُلْنَا: كل تلف قصد بِهِ الْخُرُوج عَن ملك الْغَيْر فَهُوَ مَأْمُور بِهِ وَإِنَّمَا النَّهْي يتَعَلَّق بتصرفه فِي ملك الْغَيْر لَا على قصد التنصل وَالْخُرُوج والكف عَمَّا حرم عَلَيْهِ.
[٥١٩] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي رجل حواليه طَائِفَة من الأجناد لَو وطئهم ليخرج من مَكَانَهُ لانتسب إِلَى وَاحِد وَلَو صَبر على مَكَانَهُ مَاتَ جوعا وعطشا، فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة؟
قُلْنَا: أما الَّذِي تطلبه أَيهَا السَّائِل فَلَا نجيبك إِلَيْهِ فَإنَّا لَا نقُول يحرم عَلَيْهِ الْمقَام وَالْخُرُوج جَمِيعًا، فَإِن هَذَا محَال، وَلَكنَّا نفرض المسئلة على أَرْبَاب
стр. 375
الْفِقْه فَإِن قَالُوا يجب عَلَيْهِ الْخُرُوج إيثارا لروح نَفسه احتنا بِهِ، وَإِن قَالُوا يجب عَلَيْهِ الْمكْث، وَإِن خَافَ على روحه كَمَا يجب على الْمُكْره / على [٦١ / ب] الْقَتْل الْكَفّ عَن الْقَتْل، وَإِن خَافَ على روحه فنجيب لَهُ، وَإِن قَالُوا: يتَخَيَّر لتقابل الْأَصْلَيْنِ تبعنا قَوْلهم، فَأَما الْجمع بَين المتضادات فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فَإِن رجعُوا وَقَالُوا فِي مسئلة الزَّرْع وَغَيرهَا هُوَ مَأْمُور بِالْخرُوجِ مَنْهِيّ عَن الأضرار فقد فرط الْجَواب عَنهُ مَعَ أَنا نزيده إيضاحا فَنَقُول: ألم تعلمُوا من أصلنَا أَن التكسير ولحوق الآلام مِمَّا لَا يدْخل تَحت مَقْدُور الْمُحدثين، وَلَا يتَعَلَّق بهَا نهي، وَلَا أَمر وَإِنَّمَا يتَعَلَّق الْأَمر وَالنَّهْي بالأفعال إِلَيْهِ أجْرى الله الْعَاد تخلق الْكسر والالام عقبيهما، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كَونه مَنْهِيّا عَن الإيلام، وَتبين أَن التَّكْلِيف على أصُول أهل الْحق لَا يتَعَلَّق بذلك أصلا.
(١٠٩) فصل
[٥٢٠] إِذا ورد الْأَمر بالشَّيْء على الْإِيجَاب، وَقُلْنَا: إِن الْمُكَلف يَعْصِي بِتَرْكِهِ فتتعلق الْمعْصِيَة بِفعل ترك الْمَأْمُور، وَقَالَ أَبُو هَاشم: تتَعَلَّق
стр. 376
الْمعْصِيَة بِأَن لَا يفعل الْمَأْمُور، حَتَّى قَالَ: لَو خلا عَن الْمَأْمُور وَعَن كل ترك لَهُ فَيسْتَحق الذَّم على أَن لم يفعل وَلما باح بِهَذَا الأَصْل خَالفه إخوانه من الْمُعْتَزلَة وَقَالُوا: مَا زلت تنكر على الجبرية إِثْبَات الثَّوَاب، وَالْعِقَاب مَا لَيْسَ بِخلق لَهُم، وَلَيْسَ بِفعل لَهُم على التَّحْقِيق، ثمَّ صرت إِلَى ثُبُوت الذَّم من غير إقدام على فعل، [و] سمي بِهَذِهِ المسئلة
стр. 377
أَبُو هَاشم الذِّمِّيّ وَهَذَا يهدم قَوَاعِده فِي التَّعْدِيل والتجوير واستقصاء ذَلِك فِي الديانَات.
(١١٠) القَوْل فِي أَن النهى عَن الشَّيْء هَل يدل على فَسَاده
[٥٢١] اعْلَم - وفقك الله - أَن هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْفُقَهَاء والمتكلمون فَمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَمَالك، وَأبي حنيفَة، وَأهل الظَّاهِر، وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين: أَن النَّهْي عَن
стр. 378
الشَّيْء يدل على فَسَاده كَمَا أَن الْأَمر بالشَّيْء يدل على إجزائه. ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب بَعضهم أَن النَّهْي دَال على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ من جِهَة وضع اللِّسَان.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن النَّهْي إِذا ثَبت فَإِنَّمَا يعلم فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ بِمُوجب الشَّرْع دون قَضِيَّة لفظ النَّهْي فِي اللُّغَة، وَذهب الْجُمْهُور من الْمُتَكَلِّمين أَن النَّهْي لَا يدل على الْفساد ثمَّ أجمع هَؤُلَاءِ على أَنه كَمَا لَا يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ لَا يدل على صِحَّته وإجزائه.
وَالْمَقْصُود من هَذَا الْبَاب لَا يَتَّضِح إِلَّا بِأَن نقدم عَلَيْهِ مسئلة اخْتلف فِيهَا الْمُتَأَخّرُونَ.
(١١١) مسئلة
[٥٢٢] الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة جَائِزَة على مَذْهَب كل من يُؤثر عَنهُ الْمذَاهب وَأَنَّهُمْ صائرون إِلَى أَن الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة تقع موقع
стр. 379
الْإِجْزَاء.
وَذهب الجبائي وَابْنه وَمن تابعهما من أتباعهما إِلَى أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة بَاطِلَة. غير وَاقعَة موقع الْإِجْزَاء، وَلَا يَحْكِي هَذَا الْمَذْهَب عَن أحد قبلهمَا إِلَّا أَن أَبَا هَاشم لما اسْتدلَّ عَلَيْهِ بِإِجْمَاع من سبق - على مَا سنوضحه فِي أثْنَاء المسئلة - قَالَ فِي الرَّد على مدعي الْإِجْمَاع: كَيفَ يَسْتَقِيم الْإِجْمَاع وَقد ذهب أَبُو شمر المرجي إِلَى منع الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة فَلم يقتدر على نِسْبَة هَذَا الْمَذْهَب إِلَى أحد سواهُ.
[٥٢٣] وَأول مَا يحْتَاج إِلَى ذكره فِي المسئلة أَن نبين لَك أَن الخائضين فِيهَا اخْتلفُوا فِي أَنَّهَا من مسَائِل / الْقطع، أَو من مسَائِل الِاجْتِهَاد، فَذهب [٦٢ / أ] بَعضهم إِلَى أَنَّهَا من مسَائِل الِاجْتِهَاد، وَالصَّحِيح الَّذِي يعول عَلَيْهِ أَنَّهَا من مسَائِل الْقطع فَإِن الْخُصُوم يعتصمون فِيهَا بِمَا لَو ثَبت اقْتضى الْقطع، وَنحن
стр. 380
نعتصم على الْخُصُوم بِإِجْمَاع من سلف على مَا سنوضحه وَهُوَ يُفْضِي إِلَى الْقطع فَالْأولى بِنَا أَن نبدأ بشبه الْقَوْم والتقصي عَنْهَا.
[٥٢٤] فَإِن قَالُوا: اتفقنا على أَن مَا يكون مَعْصِيّة يَسْتَحِيل أَن يكون طَاعَة وحققوا ذَلِك بِأَن من عصى الله تَعَالَى بِفعل يَسْتَحِيل أَن يكون مُطيعًا لَهُ بِعَين مَا عَصَاهُ بِهِ وَمَعْلُوم أَن قِيَامه فِي صلَاته، وقعوده وتقلبه فِيهَا من ركن إِلَى ركن أكوان تقوم بِهِ فِي دَار مَغْصُوبَة والأكوان الْحَادِثَة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة باغتصابه وتعد مِنْهُ، وَلَو قدر قَاعِدا، أَو قَائِما غير مصل كَانَ عَاصِيا بقعوده فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وشغله قطرا مِنْهَا وقعوده فِي الصَّلَاة هُوَ جنس قعوده فِي غير الصَّلَاة، وَالْقعُود فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة محرم.
وأوضحوا ذَلِك فِي جملَة مَا يبدر عَن حركاته وسكناته فِي صلَاته فَإِذا ثَبت أَنَّهَا مُحرمَة فالمحرم كَيفَ يَقع طَاعَة مَأْمُورا بهَا.
وحققوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الصَّلَاة لَا تصح إِلَّا بنية التَّقَرُّب فِيمَا حرم الله، وَرُبمَا يفرضون هَذَا الْكَلَام فِي نِيَّة الْوُجُوب فِيمَا يتَحَقَّق الْحَظْر فِيهِ فَهَذِهِ شبهتهم وإليها يؤول جملَة كَلَامهم.
стр. 381
وَالْجَوَاب عَنْهَا من أوجه:
وَكلهَا مهدرة بِتَسْلِيم بعض مَا ذَكرُوهُ وَنحن ننبهك على مَوضِع التَّسْلِيم حَتَّى لَا تزل فَأَما مَا ذَكرُوهُ من أَن أكوانه فِي الصَّلَاة مُحرمَة، وَهُوَ مَعْصِيّة فَالْأَمْر على مَا ذَكرُوهُ وجاحد ذَلِك ينْسب إِلَى جحد الْحَقَائِق، وَقد منع ذَلِك بعض الْفُقَهَاء على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٥٢٥] فَإِن قيل فَمَا وَجه التَّقَصِّي؟ .
قُلْنَا: مَا عولتم عَلَيْهِ فِي المسئلة إِمَّا أَن يكون محرما لَا يَقع طَاعَة، وَهُوَ الَّذِي ذكرتموه قبل أَن يتَحَقَّق التَّقَصِّي عَنهُ نبطل عَلَيْكُم بصور لَا محيص لكم عَنْهَا.
مِنْهَا: أَن من وَجب عَلَيْهِ قَضَاء دينه وضاق وَوقت الصَّلَاة موسع عَلَيْهِ فَلَا يجوز لَهُ تَأْخِير قَضَاء الدّين مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ، فَلَو تحرم بِالصَّلَاةِ وَالْحَالة هَذِه حكمتم بِصِحَّة الصَّلَاة، وَإِن كَانَ بِنَفس الصَّلَاة تَارِكًا لقَضَاء الدّين، وَكَذَلِكَ لَو وَجب عَلَيْهِ رد وَدِيعَة فِي مثل هَذِه الْحَالة فتلبس بِالصَّلَاةِ صحت مِنْهُ، وَوجه الْإِلْزَام كَمَا قدمْنَاهُ.
[٥٢٦] فَإِن قَالُوا: إِنَّه لَا يَعْصِي بِنَفس الصَّلَاة وَإِنَّمَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ؟ .
قيل لَهُم: فَلَا يَعْصِي إِذا بِنَفس الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَإِنَّمَا يَعْصِي بالكون فِيهَا، فَإِن قَالُوا فَالصَّلَاة كَون فِيهَا، قُلْنَا: فَالصَّلَاة إِذا فِيمَا ألزمنا كم ترك لقَضَاء الدّين ورد الْوَدِيعَة، وَلذَلِك لَو ضَاقَ وَقت الصَّلَاة وَلَو اشْتغل
стр. 382
بإنشاء عقد فَاتَتْهُ فَلَا يجوز لَهُ التَّسَبُّب إِلَى ترك تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، فَلَو عقد عقدا ترَتّب عَلَيْهِ الصِّحَّة ويؤول الْملك وَإِن كَانَ بِنَفس العقد تَارِكًا لتكبيرة الشُّرُوع فَهَذَا عقد محرم لَا تحكم بفساده.
[٥٢٧] ثمَّ مَا عولوا عَلَيْهِ فِي دليلهم أَن من شَرط الصَّلَاة نِيَّة التَّقَرُّب بهَا [٦٢ / ب] وَلَا يَصح / قصد التَّقَرُّب فِي الْمحرم، وعَلى هَذَا الْوَجْه قدرُوا السُّؤَال فِي نِيَّة الْوُجُوب.
فَنَقُول لَهُم: لسنا نسلم على بعض الْمذَاهب نِيَّة التَّقَرُّب بل يَقع الاجتزاء بنية فعل الصَّلَاة مَعَ التَّعْيِين.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الصَّبِي إِذا أَقَامَ الصَّلَاة وَهُوَ مناهز للبلوغ فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ الْوُجُوب مِنْهُ على التَّحْقِيق، وَلَو بلغ بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة
стр. 383
مَعَ بَقَاء الْوَقْت لَا يُوجب عَلَيْهِ إِقَامَة الصَّلَاة ثَانِيًا، ويجتزئ بِمَا فرط مِنْهُ، وَلَو لم يكن قد صلى لوَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَة الصَّلَاة فَدلَّ أَن نِيَّة الْوُجُوب لَيست بمشروطة على الْإِطْلَاق وَكَذَلِكَ نِيَّة التَّقَرُّب.
أَو نقُول: وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا السُّؤَال مِنْكُم على مَا قدمْنَاهُ من أصلكم فِي اسْتِحَالَة علم الْمُكَلف بِالْوُجُوب مَعَ انطواء الْغَيْب عَنهُ فِي الْمَآل فَكَذَلِك لَا يتَصَوَّر قطع النِّيَّة بالتقرب مَعَ التشكك فِي تصَوره، إِذا التَّقَرُّب وصف لما يتَحَقَّق أَصله فَإِذا كَانَ الأَصْل مشكوكا فِيهِ عنْدكُمْ فالوصف بذلك أولى، فانعكس عَلَيْكُم مَا قَالُوهُ وَبَطل مَا أصلوه بطلانا ظَاهرا.
[٥٢٨] وَمِمَّا يعول عَلَيْهِ فِي الِانْفِصَال عَمَّا قَالُوهُ أَن نقُول: اسْم الصَّلَاة لَا يتخصص بأكوان الْمُصَلِّي فِي قِيَامه وقعوده وانخفاضه وارتفاعه، وَلَكِن مِمَّا تنطوي عَلَيْهِ الصَّلَاة النِّيَّة وَالْقِرَاءَة والدعوات الْمَفْرُوضَة والمسنونة وصدور هَذِه الْأَشْيَاء من الْكَائِن فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَلَا يكون غصبا وَلَا يتَضَمَّن حيلولة بَين الأَرْض ومالكها وَإِنَّمَا الْمُقْتَضِي إِلَى الْحَيْلُولَة أكوانه وشغله أقطار الدَّار وجحده الْمَالِك من التَّصَرُّف فِي ملكه بتصرفه الَّذِي هُوَ
стр. 384
مُتَعَدٍّ فِيهِ، وَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي أكوانه دون قِرَاءَته وعقده فنية التَّقَرُّب إِذا تَنْصَرِف إِلَى مَا لَا يتَحَقَّق معنى الاغتصاب فِيهِ.
[٥٢٩] فَإِن قيل: فالمصلي يَنْوِي بِصَلَاتِهِ جملَة التَّقَرُّب فَإِذا تحقق التَّقَرُّب فِي الْبَعْض دون الْبَعْض استحالت النِّيَّة.
قُلْنَا: هَذَا يبطل عَلَيْكُم بِمَا لَا محيص عَنهُ، وَهُوَ أَن الْمُصَلِّي إِذا نوى التَّقَرُّب بجملة صلَاته أَولا ثمَّ اتّفقت فِي أثناءها غفلات عَن الصَّلَاة وَهُوَ مَأْمُور فِيهَا جَار على ترتيبها الْمَشْرُوع لَهَا فَالصَّلَاة صَحِيحَة وفَاقا وَإِن كَانَ البادر فِي غَفلَة يَسْتَحِيل أَن يَقع تقربا فَخرج من ذَلِك أَن الْمَقْصد نِيَّة التَّقَرُّب على الْجُمْلَة دون تقسيطها على التفاصيل.
[٥٣٠] فَإِن قَالُوا: إِذا سبق الْأَمر من الله تَعَالَى بِالصَّلَاةِ فَلَا يتَصَوَّر الْخُرُوج عَن قَضِيَّة الْأَمر إِلَّا بالإقدام على مَا هُوَ مَأْمُور بِهِ، ويستحيل الْخُرُوج عَن قَضِيَّة الْأَمر من غير إقدام على الْمَأْمُور بِهِ من غير نَاسخ وطروء نَاسخ مَانع، فَإِذا تمهد هَذَا الأَصْل بنوا عَلَيْهِ مرامهم وَقَالُوا: قيام الْمُصَلِّي وقعوده مأموران وهما فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة منهيان محرمان وَمَا كَانَ محرما يَسْتَحِيل
стр. 385
أَن يكون مَأْمُورا فَلم يقدم إِذا على مَأْمُور بِهِ فَكيف خرج عَن الْقيام الْمَأْمُور بِهِ وَهَذَا نِهَايَة مَا يلْزمه.
فَقَالَ القَاضِي ﵁: إِذا قُلْنَا إِن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مجزئة فلسنا نعني بذلك أَنَّهَا تقع مأمورة بهَا، وَلَكِن الْمَعْنى بذلك أَنَّهَا مَعَ كَونهَا مُحرمَة تسْقط الْمَأْمُور بِهِ / عِنْد إِقَامَتهَا فَلم قُلْتُمْ أَن الْمَأْمُور بِهِ [٦٣ / أ] لَا يسْقط إِلَّا عِنْد الْإِقْدَام على مَأْمُور بِهِ، وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْمَأْمُور بِهِ يسْقط من غير نسخ وَلَا طروء عذر، فَإِن هَذَا مِمَّا تنازعنا فِيهِ فَلم يزِيدُوا على صُورَة الْخلاف. فَإِنَّكُم علمْتُم من أصُول خصمكم أَن الْفَرْض يسْقط بِالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وعلمتم تسليمهم لكم كَون الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة مَنْهِيّا عَنْهَا، فَإِذا قُلْتُمْ لَا يتَصَوَّر سُقُوط الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِمَا هُوَ مَأْمُور بِهِ فقد دللتم على صُورَة الْخلاف بِنَفس ذكر الْخلاف ألم تعلمُوا أَنا نجوز أَن يسْقط الرب الْفَرْض عِنْد صُدُور مَعْصِيّة من الْمُكَلف وَيجْعَل صدورها آيَة لسُقُوط الْوُجُوب وَمِثَال ذَلِك مَا قدمْنَاهُ من الْمسَائِل الْمُتَّفق عَلَيْهَا من نَحْو الصَّلَاة فِي وَقت وجوب الرَّد؟
[٥٣١] وَمن هَذَا الْقَبِيل أَيْضا أَن الرجل إِذا اضطرته المخمصة وَكَانَ
стр. 386
عِنْده من ملكه مَا يسد بِهِ رمقه فَيجب عَلَيْهِ الْأكل، فَلَو أكل من ملك غَيره فقد أقدم على نفس الْمعْصِيَة، وَسقط عَنهُ الْفَرْض فِي وجوب الْأكل. فَإِن عَادوا فِي استبعاد سُقُوط الْوَاجِب بالمحرم عدنا لَهُم وَبينا اقتصارهم على مُجَرّد الدَّعْوَى.
[٥٣٢] فَإِن قَالُوا: فَالْأَصْل بَقَاء الْأَمر على اقْتِضَاء الِامْتِثَال وَلَا يسْقط امتثاله وجوبا من غير إقدام على الْمَأْمُور بِهِ وَمن غير دلَالَة قَائِمَة على سُقُوط الْوُجُوب عِنْد ثُبُوت مَا هُوَ محرم.
قُلْنَا: الْآن إِن نطقتم بِالْحَقِّ فَإنَّا نقُول: إِذا ورد الْأَمر مقتضيا للْإِيجَاب فَلَا يَتَقَرَّر سُقُوط الْوُجُوب من غير إقدام على الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِدلَالَة تقوم دَالَّة على سُقُوط الْوُجُوب من غير إقدام، فَمَا الدَّلِيل على السُّقُوط؟
قُلْنَا: قد تبين عجزكم عَن إِقَامَة الدّلَالَة واتضح جَوَاز ذَلِك ثمَّ نوضح مَا بِهِ اعتصامنا من الدَّلِيل فِي المسئلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٥٣٣] ثمَّ اعْلَم أَن مُعظم الْفُقَهَاء حادوا عَن سنَن التَّحْقِيق فِي التَّقَصِّي عَن شبه الْقَوْم فسلك كل فريق مِنْهُم طَرِيقا، وَنحن ننبئك عَن طرقهم وَنَذْكُر وَجه الدخل فِيهَا إِن شَاءَ الله، فمما عول فِيهِ بعض الْفُقَهَاء فِي التَّقَصِّي عَمَّا قدمْنَاهُ أَن قَالَ: الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة طَاعَة مَأْمُور بهَا مفترضة لَا يُوصف بِأَنَّهَا مُحرمَة فَإِنَّمَا الْمحرم الْغَصْب، وَالْغَصْب غير الصَّلَاة، فَقيل لَهُ: فالقعود فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على حكم التَّعَدِّي غصب وقعود
стр. 387
الْمُصَلِّي فِيهَا قعُود على حكم الْغَصْب، فَلم يَجدوا عَن ذَلِك محيصا غير أَن قَالُوا: الدَّلِيل على انْفِصَال الْغَصْب عَن الصَّلَاة، وَالصَّلَاة عَن الْغَصْب أَنه قد يفصل الْكَوْن فِي الدَّار مغتصبا وَإِن لم يكن مُصَليا فِيهَا. وَمن حق مثل هَذَا الْكَلَام أَن لَا نتشاغل بنقله لوضوح فَسَاده بيد أَنا لما رَأينَا الْفُقَهَاء يشغفون بذلك لم نجد بدا من ذكره، فَيُقَال لهَذَا الْقَائِل: وَإِن صَحَّ أَن يكون كَائِنا غير مصل فَلَا يَصح أَن يكون مُصَليا فِي الدَّار إِلَّا وَهُوَ كَائِن فِيهَا وَهَذَا بِمَثَابَة من قَالَ الْقعُود فِي الدَّار لَيْسَ بِكَوْن فِيهَا فَإِنَّهُ قد يتَصَوَّر كَون لَيْسَ بقعود، وَلَو قَالَ قَائِل: الْحَرَكَة لَيست بِكَوْن فَإِنَّهُ قد يتَصَوَّر كَون لَيْسَ بحركة وَهُوَ السّكُون والسواد لَيْسَ بِكَوْن فِيهَا لِأَنَّهُ قد يتَصَوَّر كَون لَيْسَ بسواد وَالصَّلَاة لَيست بِطَاعَة لتصوره طَاعَة لَيست بِصَلَاة /. [٦٣ / ب]
[٥٣٤] وَاعْلَم أَن من زعم أَن قعُود الْمُصَلِّي فِي صلَاته لَيست بِكَوْن فِي الدَّار فقد جحد الضَّرُورَة وَقد بَينا بِاتِّفَاق الْأمة أَن الْقعُود فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة محرم.
[٥٣٥] وَمِمَّا اعْتصمَ بِهِ بعض الْفُقَهَاء أَن قَالَ: الاغتصاب يتَعَلَّق بِعَين الدَّار وذاتها وأنفس أبعاضها وأجزائها، وَالصَّلَاة من فعل الْمُصَلِّي ومقدوراته وَهِي لَا تتصف بِكَوْنِهَا مُحرمَة، وَهَذَا أوضح فَسَادًا من كل مَا قدمْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِذا صرفتم الاغتصاب إِلَى أَعْيَان الدَّار، وزعمتم أَن الصَّلَاة من مقدوراته وَالْغَصْب لَا يتَعَلَّق بِمَا يخرج من قبيل مقدوراته فَأول مَا فِيهِ أَن نقُول: هَل تسلمون أَن الْغَصْب محرم مَنْهِيّ عَن معاقبته عَلَيْهِ فَإِن لم يسلمُوا
стр. 388
انتسبوا إِلَى جحد الْإِجْمَاع وَإِن سلمُوا قيل لَهُم: فَكيف يُعَاقب الْمَرْء على مَا يدْخل تَحت مقدوره، وَلَا يجوز دُخُوله تَحْتَهُ فتتعلق جملَة أَحْكَام التَّكْلِيف بِأَفْعَال الْمُكَلّفين، ومصير هَؤُلَاءِ إِلَى أَن الصَّلَاة من أَفعَال الْغَاصِب ومقدوراته لَا ينجيهم فَإِن الْغَصْب من مقدوراته وَلَو لم يكن مَنْهِيّا لما تعلق حكم التَّكْلِيف بِهِ فِي التَّحْرِيم.
[٥٣٦] ثمَّ نقُول: الْأَمْلَاك الْمُطلقَة والغصوب الْمَانِعَة مِنْهَا كلهَا آئلة إِلَى الأوحال المقدورة للْمَالِك والمغتصبين فَإِذا أطلق الْملك أُرِيد بِهِ تصرف صَاحب الدَّار وتقلبه فِي عين الدَّار، وَيرجع ذَلِك إِلَى أكوانه، فَأَما أَعْيَان الدَّار وجواهرها وأجسامها فَلَا يملكهَا إِلَّا الله تَعَالَى، وَلَا يتَصَوَّر الْغَصْب فِيهَا، وَالْجُمْلَة الجامعة لما قدمْنَاهُ أَن تثبت الْملك وَالْمَنْع مِنْهُ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف وَلَا يتَصَوَّر التَّكْلِيف فِي شَيْء من قضاياه إِيجَابا وندبا وحظرا وَإِبَاحَة إِلَّا بِمَا هُوَ من قبيل مقدورات العبيد وَهِي أفعالهم فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا، وَتبين أَن الْغَصْب يرجع إِلَى مَا يَفْعَله الْغَاصِب من الأكوان فِي شغله أَجزَاء الدَّار وَمنعه الْمَالِك من التَّصَرُّف فِي الْموضع الَّذِي شغله.
[٥٣٧] وَمن الْفُقَهَاء من سلك أُخْرَى وَهِي أَنه قَالَ: تَحْرِيم الْغَصْب مِمَّا لَا يتخصص بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ محرم قبل شُرُوعه فِي الصَّلَاة وَلَيْسَت كالطهارة فَإِنَّهَا شَرط لأجل الصَّلَاة، فَيُقَال: قد قدر عَلَيْكُم ان نفس قعوده وقيامه فِي الصَّلَاة عين الْغَصْب فَكيف يخلص من هَذَا السُّؤَال قَوْلكُم إِن
стр. 389
الْغَصْب مَا حرم لأجل الصَّلَاة وَقد وضح أَن بعض أَرْكَانهَا عين الْغَصْب، فاضمحل مَا قَالُوهُ.
ثمَّ يُقَال لَهُم: ستر الْعَوْرَة مِمَّا لم يخْتَص وُجُوبه بِالصَّلَاةِ وَلم تقدر الاختلال بهَا على قصد وَاخْتِيَار حكم بِبُطْلَان الصَّلَاة.
[٥٣٨] وَمن الْفُقَهَاء من تمسك بطريقة أُخْرَى فَقَالَ إِنَّمَا صحت صلَاته لِأَنَّهُ لَا بُد من مُسْتَقر يقر فِيهِ، إِلَى غير ذَلِك.
[٥٣٩] فَإِن قيل: يُمكنهُ أَن يقر فِي غير الدَّار الْمَغْصُوبَة؟ .
قيل: ويمكنه أَن يُصَلِّي فِي غَيرهمَا فَبَطل جملَة مَا عولوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا قدمْنَاهُ من طرق الْجَواب غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٥٤٠] فَإِن قيل فَمَا دليلكم على وُقُوع الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة مَوضِع الْإِجْزَاء تثبتون ذَلِك عقلا أم سمعا؟ .
قُلْنَا: لَا تدل الْعُقُول على أَحْكَام الشَّرَائِع، وَإِنَّمَا الدَّال عَلَيْهَا الْأَدِلَّة السمعية، فَإِن قَالُوا: / فَلَيْسَ فِي تَجْوِيز الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة نَص [٦٤ / أ] كتاب وَلَا نَص مستفيض عَن الرَّسُول [ ﷺ ] فعلى مَاذَا معولكم؟
قُلْنَا: معولنا على إِجْمَاع الْأمة فِي الْعَصْر الخالية قبل ظُهُور هَذَا
стр. 390
الْخلاف من أبي شمر المرجي ونوابته الْمُعْتَزلَة، وَوجه تَحْقِيق ادِّعَاء الْإِجْمَاع أَن نقُول: الصَّلَوَات فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة كَانَت تتفق فِي زمن رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَفِي زمن أَصْحَابه بعد أَن اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِهِ. وكما نعلم اطراد سَائِر الْعَادَات الَّتِي لَا تنخرق، فَكَذَلِك نعلم أَن الْعَصْر لَا يَخْلُو عَن تقدر ذَلِك من المعتصمين المشتغلين المتمسكين بضروب الْعدوان، ثمَّ لم يصر أحد من أهل الْحل وَالْعقد إِلَى إِفْسَاد الصَّلَوَات فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَلم يوجبوا قضاءها وَلَا يسوغ من المجمعين الصمت وَالسُّكُوت على خلاف الْحق إِذْ الْعِصْمَة تجب لَهُم كَافَّة كَمَا تجب للرسول [ ﷺ ] .
следующие страницы →