Полный текст (1 418 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
إِلَى أَن مُجَرّد مذْهبه لَا يُوجب ذَلِك وَلَكِن إِن صدر ذَلِك الْمَذْهَب ومصدره التَّأْوِيل والتخصيص فَيقبل وتخصيصه أولى.
[٧٢٦] وَأما الَّذِي ارتضيناه فَهُوَ أَن تَخْصِيصه كتخصيص أحد مجتهدي الزَّمَان وَقد دللنا عَلَيْهِ بأوضح طَرِيق.
[٧٢٧] فَإِن قيل: أَفَرَأَيْتُم لَو أظهر دَلِيلا؟
قُلْنَا: إِن كَانَ قَاطعا فالتخصيص بِهِ لَا بقول الصَّحَابِيّ، وَإِن كَانَ من أَخْبَار الْآحَاد أَو من المقاييس فقد يبْقى القَوْل فِي الْعُمُوم إِذا قابله خبر، أَو قِيَاس، وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن الصَّحَابِيّ ﵁ فِي ذَلِك لَا أثر لَهُ وَقَوله كَقَوْل غَيره. ٣ [٧٢٨] فَإِن قيل: فَبِمَ تنكرون على من يَقُول إِذا أطلق الصَّحَابِيّ التَّخْصِيص وَلم يسْندهُ إِلَى قِيَاس وَطَرِيق اجْتِهَاد، فدلالته ثَبت عَنهُ نَص قَاطع؟
قيل: هَذَا محَال وَلَا يسوغ تثبيت النُّصُوص بِمثل هَذَا وَلَيْسَ هَذَا الْقَائِل بأسعدحالا مِمَّن يقلب عَلَيْهِ وَيَقُول لَو قَالَه عَن نَص لنقله، فانحسمت هَذِه الْأَبْوَاب وَوَجَب قصر التَّخْصِيص / على الدّلَالَة. [٨٤ / []
стр. 527
(١٣٩) القَوْل فِي الصَّحَابِيّ إِذا قدر مَالا يدْرك تَقْدِيره بِالْقِيَاسِ هَل يحمل ذَلِك على أَنه قدره توقيفا ؟
[٧٢٩] هَذَا الْبَاب يشْتَمل على فُصُول مُتَفَرِّقَة فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَنحن نجمع جملها فِي فُصُول إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فصل
[٧٣٠] ذكر القَاضِي ﵁ وَهُوَ غير مُتَعَلق بالخصوص والعموم مِمَّا شابهت أَدِلَّة الْمَسْأَلَة السَّابِقَة، وَهِي التَّخْصِيص بقول الرَّاوِي، ذكره هَهُنَا.
فَإِذا نقل عَن الصَّحَابِيّ ﵁ تَقْدِير فِي حد اَوْ كَفَّارَة أَو نَحْوهَا فقد صَار أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَن نقل ذَلِك يدل على ثُبُوت خبر عَن رَسُول الله ﷺ فَإِن الصَّحَابِيّ إِذا نقل عَنهُ التَّقْدِير وَهُوَ مِمَّا لَا يدْرك فِي المقاييس وَلَا نظن بِهِ إبداع الحكم من تِلْقَاء نَفسه من غير دَلِيل فنعلم [أَنه مَا] قَالَه إِلَّا عَن تَوْقِيف وَذهب بعض أهل الْعرَاق إِلَى أَن ذَلِك القَوْل
стр. 528
الصَّادِر إِن صدر من مُجْتَهد فَلَا يمكننا أَن نسنده إِلَى خبر، لجَوَاز أَن يكون قَالَه عَمَّا ظَنّه اجْتِهَادًا صَحِيحا، وَإِن صدر عَمَّن لَيْسَ بمجتهد وَهُوَ موثوق بِهِ فنعلم أَنه مَا قَالَه إِلَّا عَن غبر.
[٣١] وَالَّذِي يَصح عَن كَافَّة الْمُتَكَلِّمين وَأَصْحَاب الشَّافِعِي أَنا لَا نقدر فِي هَذَا الْمِثَال خَبرا مَا لم ينْقل صَرِيحًا.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه رُبمَا يقدر بِاجْتِهَادِهِ ظَانّا أَن التَّقْدِير بِالِاجْتِهَادِ جَائِزا، وَيجوز أَن لَا يكون مُجْتَهدا ويظن نَفسه مُجْتَهدا أَو يكون مُجْتَهدا [فيزل] فِي اجْتِهَاده أَو يُقَلّد صحابيا ويعتقد جَوَاز التَّقْلِيد فَإِذا تقابلت هَذِه الجائزات استمال تثبيت خبر استنباطا.
[٧٣٢] وَأما مَا عولوا عَلَيْهِ فِي صدر كَلَامهم فمبناه على منع الْقيَاس فِي الْمَقَادِير وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك فانا نستدل إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تثببيت المقاييس فِي المقدرات فِي أَبْوَاب الْقيَاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن نقُول وَإِن سلمنَا فِي منع الْقيَاس فوجوه الْغَلَط لَا تنحسم فِي حق من لَا يعْصم وَلَا سَبِيل إِلَى تَقْدِير الْأَخْبَار مَعَ تقَابل وُجُوه الْإِمْكَان.
[٧٣٣] فَإِن قيل: فَلَو صدر مثل هَذَا القَوْل عَن صَحَابِيّ ابْتَدَأَ ثمَّ اجمعت الْأمة على تصويبه فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة؟ هَل تَقولُونَ: إِن إِجْمَاعهم على تصويبه دَال على تثبيت خبر.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَنْقَسِم القَوْل فِيهِ فَإِن أَجمعُوا على تصويبه وَلم يجمعوا على منع دركه بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد فَيثبت الحكم قطعا، وَيبقى مَا يسْتَند إِلَيْهِ
стр. 529
الْإِجْمَاع على التّرْك، فَيجوز أَن يكون خَبرا، وَيجوز أَن يكون ضربا من الِاجْتِهَاد، وَإِن أَجمعُوا على الحكم وعَلى منع الْقيَاس فِي مثله فيستند لحكم حِينَئِذٍ إِلَى تَوْقِيف، فَإِن أَدِلَّة الشَّرْع الَّتِي يسْتَند الْإِجْمَاع إِلَيْهَا لَا تخرج عَن لَفْظَة شَرْعِي مَعَ مَا يَلِيق بِهِ من مُقْتَضَاهُ أَو عَن مستنبط من ثَابت بِلَفْظ شَرْعِي، فَإِذا ثَبت الْإِجْمَاع انسد إِذا اُحْدُ الْبَابَيْنِ [و] ثَبت الثَّانِي لَا محَالة.
(١٤٠) فصل [٧٣٤] ذهب عِيسَى بن أبان إِلَى أَن إِمَامًا من الْأَئِمَّة فِي الصَّحَابَة إِذا [٨٥ / أ] بلغه خبر ثمَّ رَأَيْنَاهُ يعْمل بِخِلَافِهِ فعمله / بِخِلَاف الْخَبَر الَّذِي لَا يقبل التَّأْوِيل دَلِيل على أَنه مَنْسُوخ وَاسْتشْهدَ بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ " الْبكر بالبكر جلد مئة وتغريب عَام ". ثمَّ رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب رَضِي
стр. 530
الله عَنهُ أَنه قَالَ: " لَا أغرب بعد هَذَا أبدا ".
وَقَالَ عَليّ ﵁ كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة فعملهما مَعَ بُلُوغ الْخَبَر إيَّاهُمَا دَلِيل على نسخه، فَإنَّا لَا نظن بِمن فِي مثل حَالهمَا الانحراف والحيد عَن سنَن الْحق، وَلَا محمل فِي فعلهمَا سوى أَن نقُول عرفا نسخ الحَدِيث فَلم يعملا بِهِ.
[٧٣٥] وَهَذَا بَاطِل وَقد بَينا فِيمَا قدمنَا منع التَّخْصِيص بِمُجَرَّد قَول الصَّحَابِيّ، والنسخ أرفع مِنْهُ فَإِذا امْتنع التَّخْصِيص فالنسخ بذلك أولى، على أَنا نقُول: فِي الِانْفِصَال عَمَّا خيل إِلَى عِيسَى بن أبان، لَعَلَّه اعْتقد نسخه بِخَبَر مُرْسل نَقله إِلَيْهِ تَابِعِيّ، والمراسيل لَيست بِحجَّة عندنَا، أَو لَعَلَّه اعْتقد تَخْصِيص الْخَبَر بِحَال، أَو شخص، أَو وصف، أَو رِعَايَة مصلحَة متخصصة بِزَمَان، وَالْأَمر على خلاف مَا قدر فَإِنَّهُ بصدد الزلل فَمَعَ إِمْكَان ذَلِك كُله كَيفَ
стр. 531
يسوغ ادِّعَاء النّسخ ثمَّ نقُول لَهُم مَا استشهدتم بِهِ من حَدِيث عمر ﵁ من أوضح الْأَدِلَّة على أَنه لَا نسخ فِيهِ فَإِنَّهُ غرب فِي زَمَانه فَافْتتنَ الْمغرب فَقَالَ بعد ذَلِك: لَا أغرب بعده أبدان فَلَو كَانَ سَبيله سَبِيل النّسخ لما غرب أصلا فَإِن النّسخ لَا يَتَجَدَّد بعد مَا اسْتَأْثر الله نبيه ﷺ .
[٧٣٦] إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ ﵁: امْر رَسُول الله ﷺ بِكَذَا فَهَل يَجْعَل ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ : " أَمرتكُم "، أَو كَقَوْلِه: " افعلوا:؟
اخْتلف أَرْبَاب الْأُصُول فِي ذَلِك فَذهب بَعضهم إِلَى أَن ذَلِك فَنزل منزلَة لفظ الرَّسُول ﷺ فَلَا فرق بَين أَن يَقُول الرَّاوِي أَمر رَسُول الله ﷺ بِالصَّلَاةِ، وَبَين أَن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ صلوا، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن النَّاقِل إِن كَانَ من العارفين باللغة فَيجْعَل قَوْله أَمر رَسُول الله ﷺ كنقله لفظ الْأَمر مِنْهُ وَإِن لم يكن عَالما باللغة فَلَا يَجْعَل كَذَلِك.
[٧٣٧] قَالَ القَاضِي ﵁: وَالصَّحِيح عندنَا] فِي ذَلِك وَأَمْثَاله أَن نقُول: إِن كَانَ الْمَعْنى الَّذِي نَقله بِحَيْثُ تعتور عَلَيْهِ الْعبارَات المحتملة ويسوغ فِي فحواها ومقتضاها الِاجْتِهَاد فَإِذا نقل على الْوَجْه الَّذِي صورناه فَلَا يَجْعَل نَقله فِي ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ ، وَإِن كَانَ ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي رَوَاهُ بِحَيْثُ لَا تخْتَلف عَلَيْهِ الْعبارَات وَلَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد فَهُوَ كنقل قَوْله.
стр. 532
وإيضاح ذَلِك أَنه إِذا قَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ فالصيغ فِي هَذَا السَّبَب تخْتَلف و [للِاجْتِهَاد] فِيهَا أعظم المجال فَإِن من النَّاس من توقف فِي الْأَمر، وَمِنْهُم من رَآهُ على الْوُجُوب أَو على النّدب، اَوْ على الْإِبَاحَة، فَلَا نَأْمَن فِي مثل هَذِه الْحَالة أَن يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَى جِهَة أُخْرَى من الْجِهَات، فينقل على قَضِيَّة الِاجْتِهَاد، فَإِذا الْتبس الْحَال كلفنا النَّاقِل أَن ينْقل [عين] لفظ رَسُول الله ﷺ . بِالشُّفْعَة / للْجَار
[٨٥ / ب] فَنَقُول: الحكم يَنْقَسِم فَرُبمَا يكون فعلا لَا صِيغَة لَهُ، وَرُبمَا يكون لفظا مَخْصُوصًا بِحَال اَوْ شخص، فَلَا يثبت الْعُمُوم بقول الرواي إِلَّا أَن يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة للْجَار.
[٣٧٨] وَذهب بعض من لَا تَحْقِيق وَرَاءه إِلَى الْفَصْل بَين أَن يَقُول الرَّاوِي: قضى رَسُول الله ﷺ للْجَار وَبَين أَن يَقُول: قضى بِأَن الشُّفْعَة للْجَار. وَلَا فصل بَينهمَا عندنَا وَلَو تأملتها ألفيتهما على الِاحْتِمَال.
стр. 533
[٧٣٩] وَالْجُمْلَة فِيمَا نختاره أَنا لَا نثبت لرَسُول الله ﷺ خَبرا من غير نقل وَلَا نثبت فِي خَبره صفة تَقْتَضِي تعميما أَو تَخْصِيصًا من غير نقل.
(١٤٢) فصل
[٧٤٠] ذكره القَاضِي ﵁ رمزا، وأحاله على أَبْوَاب الْقيَاس وَهَذَا انه قَالَ: إِذا نقل عَن رَسُول الله ﷺ حكم مُعَلّق على عِلّة لزم تَعْمِيم الحكم مَعَ اطراد الْعلَّة، وَذَلِكَ مثل أَن يرْوى عَنهُ ﷺ أَنه رجم ماعزا لِأَنَّهُ زنى.
[٧٤١] قَالَ القَاضِي ﵁: وَقد اخْتلف الأصوليون فِي أَن علل صَاحب الشَّرِيعَة هَل يدخلهَا التَّخْصِيص وسنستقصي القَوْل فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٣ [٧٤٢] قَالَ القَاضِي ﵁: وَمن الْعِلَل مَا هِيَ خَاصَّة، وَقد حسبتها بعض الْفُقَهَاء عَامَّة، وَذَلِكَ نَحْو مَا رُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا وقصته نَاقَته فِي أخاقيق جرذان فَمَاتَ فَقَالَ ﷺ : " كفنوه وَلَا تقربوه طيبا وَلَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يحْشر يَوْم الْقِيَامَة ملبيا " فعمم بعض
стр. 534
الْفُقَهَاء ذَلِك فِي كل محرم، وَفِي الْخَبَر مَا يُوجب تَخْصِيصه فَإِنَّهُ ﷺ علل الحكم بِأَنَّهُ يبْعَث ملبيا وَهَذَا مِمَّا لانعلمه فِي حق كل محرم فَاقْتضى ظَاهر التَّخْصِيص.
وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ فِي شُهَدَاء اُحْدُ: زملوهم بكلومهم ودماءهم فَإِنَّهُم يحشرون يَوْم الْقِيَامَة واوداجهم تشخب دَمًا اللَّوْن لون دم، وَالرِّيح ريح الْمسك فَثَبت فيهم هَذَا الحكم وَعلل بِأَنَّهُم يبعثون كَذَلِك، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته فِي غَيرهم من الشُّهَدَاء.
(١٤٣) فصل
[٧٤٣] فَإِن قَالَ قَائِل: هَل يجوز التَّخْصِيص بِفعل رَسُول الله ﷺ ؟
стр. 535
قُلْنَا: كل فعل حل مَحل القَوْل فِي الْبَيَان نزل مَنْزِلَته فِي حكم التَّخْصِيص وسنتقصى القَوْل فِي أَفعَال رَسُول الله ﷺ ونبين مَا ينزل مِنْهَا منزلَة القَوْل وَمَا لَا يتَعَلَّق فِيهِ فِي قَضِيَّة الشَّرْع. [٧٤٤] ويتصل بِهَذَا الْفَصْل تَقْرِيره ﷺ من رَآهُ على من اقتدر مِنْهُ
стр. 536
فَإِنَّهُ ينزل منزلَة القَوْل وفَاقا.
وَإِذا نهى رَسُول الله ﷺ عَن شَيْء عُمُوما ثمَّ رأى شخصا مقدما مَا عَلَيْهِ، وَلم يَنْهَهُ دلّ ذَلِك على عدم دُخُوله تَحت النَّهْي وَلَكِن ينزل التَّقْرِير فِي حَقه منزلَة [إِبَاحَته] بِلَفْظ [مُخَصص] لَهُ فَلَا نقُول أَن نفس التَّقْرِير يسوغ لغيره الْإِقْدَام على مثله فَإِن التَّقْرِير لَيْسَ لَهُ صِيغَة الْعُمُوم كَمَا لَيْسَ للفظة المختصة بخطاب الْوَاحِد صِيغَة التَّعْمِيم، وسياتيك حكم تَقْرِير رَسُول الله ﷺ إِن شَاءَ الله.
(١٤٤) فصل
[٧٤٥] فَإِن قَالَ قَائِل: قَول الله تَعَالَى: ﴿خلق كل شَيْء﴾ ، هَل يعد مُخَصّصا إِذا حمل بِدلَالَة الْعقل / على غير الْقَدِيم تَعَالَى؟ [٨٦ / أ]
قُلْنَا: ذهب بعض النَّاس إِلَى أَن ذَلِك لَا يعد من التَّخْصِيص وَإِنَّمَا التَّخْصِيص إِخْرَاج بعض مُقْتَضى اللَّفْظ مَه مَعَ جَوَاز دُخُوله تَحْتَهُ وَهَذَا مَا لَا يتَحَقَّق فِي هَذِه الْآيَة وأمثالها.
[٧٤٦] وَهَذَا لَيْسَ بسديد، وَالصَّحِيح أَن اللَّفْظَة مخصصة، وَهَذَا
стр. 537
الْ فَصْل من الْبَاب الَّذِي قدمْنَاهُ فِي تَخْصِيص الْأَلْفَاظ بأدلة الْعُقُول غير أَنا نزيده إيضاحا فَنَقُول: اسْتثِْنَاء الْقَدِيم سَائِغ تَقْديرا، وم سَاغَ تَقْدِير استثنائه مُتَّصِلا بالمستثنى مِنْهُ فَإِذا خرج من اللَّفْظ بِدلَالَة كَانَ تَخْصِيصًا، وَبَيَان ذَلِك: أَنه لَو قَالَ تَعَالَى: الله خَالق كل شَيْء إِلَّا ذَاته لَكَانَ الْكَلَام متنظماً، وقصارى هَذَا الْفَصْل تناقش فِي الْعبارَة.
(١٤٥) فصل
[٧٤٧] إِذا وَردت لَفْظَة شَرْعِيَّة فَيحْتَمل على قَضِيَّة اللُّغَة وَمُوجب وَضعهَا وَلَا تخْتَلف قضيتها بعادات المخاطبين اطردت أَو تناقضت، وَبَيَان
стр. 538
ذَلِك أَنه لَو عَم فِي النَّاس طَعَام وشراب وَكَانُوا لَا يعتادون دون تنَاول غَيرهمَا حَتَّى صَارُوا لَا يتفاهمون من الطَّعَام إلاما يعهدونه فَإِذا ورد نهى مُطلق عَن تنَاول الطَّعَام لم يخصص بِمَا يعتادون تنَاوله، وَكَذَلِكَ لَو اعتادوا ضربا من البيع مَخْصُوصًا فَإِذا ورد النَّهْي عَن البيع مُطلقًا فِي وَقت لم يتخصص بِمَا يتعودنه من البيع، بل يتَنَاوَلهُ هُوَ وَغَيره مِمَّا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم البيع فِي أصل الْوَضع، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن الشَّرَائِع فِي أَنفسهمَا لَا تبتني على عادات الْخلق وَاللَّفْظ الْوَارِد فِي الشَّرْع لَيْسَ يتَقَيَّد بقرائن ذَوي الغايات فَإِن عَادَتهم لَا توجب تَقْيِيد كَلَام صَاحب الشَّرْع.
[٧٤٨] فَإِن قَالَ قَائِل: أليست الدَّابَّة مَوْضُوعَة فِي أصل اللُّغَة لكل مَا دب ثمَّ لَا يفهم الْعَرَب مِنْهُ إِلَّا بَهِيمَة مَخْصُوصَة.
قُلْنَا: تعودوا إِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على التّكْرَار على بَهِيمَة مَخْصُوصَة فترتب عَادَتهم، وقرائن أَحْوَالهم بإطلاقاتهم فَاقْتضى ذَلِك حملهَا على مَا يُرِيدُونَ، وَلَفظ صَاحب الشَّرِيعَة غير مقترن بقرائنهم وعاداتهم حَتَّى يعمم
стр. 539
عَنهُ مَا يفهم من ألفاظهم المقترنة وَهَذَا كَمَا أَن الْأَمر إِذا بدر من شخص ودلت قرائنه على الْإِلْزَام لم يجب حمل كل صِيغَة مثلهَا على مثل مَعْنَاهَا فَإِنَّهُ لم يُوجد فِي كل الصِّيَغ من الْعَادَات مَا وجد فِيهَا، فأحط علما بذلك.
(١٤٦) فصل فِي تعَارض العمومين
[٧٤٩] اعْلَم، وفقك الله، إِلَى أَن أول مَا نحتاج إِلَى تَقْدِيمه أَن نبين أَن الصيغتين إِذا وردتا، وَدلَالَة الْعقل تَقْتَضِي تَعْمِيم أَحدهمَا وَنفي تَعْمِيم الْأُخْرَى أَو سلب قضيتها فَلَا يعد ذَلِك من تعَارض العمومين بل الَّذِي يُوَافق دلَالَة الْعقل يقر على عُمُومه وَالَّذِي يُخَالف دلَالَة الْعقل يخصص بهَا أَو يحمل على الْمجَاز بهَا، وَمِثَال ذَلِك فِي موارد الشَّرِيعَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم ٢٨٢﴾ ، فَهَذَا ظَاهر ومتقتصد فِي عُمُومه بِدلَالَة الْعقل فَلَو عَارض معَارض ذَلِك لقَوْله تَعَالَى: ﴿قل أتنبئون الله بِمَا لَا يعلم﴾ .
стр. 540
قيل: هَذَا مزال الظَّاهِر بِدلَالَة الْعقل، فيستقل بِدلَالَة الْعقل عَن مُعَارضَة الْعُمُوم الَّذِي وَافق / ظَاهره دلَالَة الْعقل، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿الله خلق كل [٨٦ / ب] شَيْء﴾ ، لَا يُعَارضهُ: ﴿احسن الْخَالِقِينَ ١٤﴾ ، فَإِنَّهُ مزال الظَّاهِر بِدلَالَة الْعقل.
[٧٥٠] وَالْغَرَض من الْفَصْل الَّذِي عقدناه تَصْوِير صيغتين لَا تَقْتَضِي دلَالَة عقلية إِزَالَة ظَاهر أَحدهمَا، فَإِذا تعَارض ظَاهر لفظين وَلم تقتض دلَالَة قَاطِعَة إِزَالَة أَحدهمَا فالتعارض فِي الظَّاهِر من ثَلَاثَة أوجه:
[أَحدهَا] : أَن [تثبت] لَفْظَة ظَاهرهَا الْعُمُوم و [تثبت] أُخْرَى ظَاهرهَا تَخْصِيص الْعُمُوم، وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﷺ : " فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر " مَعَ قَوْله لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة
стр. 541
أوسق صَدَقَة وَكَذَلِكَ قَوْله: " فِي الرقة ربع الْعشْر " مَعَ قَوْله: " وَلَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أواقي من الْوَرق صَدَقَة " ويلتحق بذلك أَيْضا قَوْله
стр. 542
تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ ، مَعَ سَائِر الْأَلْفَاظ المخصصة [للسرقة] بالاحراز، والنصاب، فَمَا هَذَا سَبيله لَا يتَحَقَّق فيهمَا التَّعَارُض من كل وَجه، وَذَلِكَ أَن اللَّفْظَة المخصصة إِنَّمَا يُخَالف ظَاهرهَا بعض مقتضيات الْعُمُوم وَلَا يتَضَمَّن نفي جملَة مقتضياته، فَيتَحَقَّق التَّعَارُض بَين اللَّفْظَيْنِ فِي قدر التَّخْصِيص فَالْكَلَام فِيهِ نحوما قدمْنَاهُ من التَّعَارُض فِي اقْتِضَاء الْعُمُوم وَالْخَبَر أَو يتَحَقَّق فِي كل وَاحِد مِنْهَا ضروب من الظنون.
[٧٥١] فَأَما إِذا ثَبت لفظ الْعُمُوم قطعا وَثَبت لفظ الْخُصُوص أَيْضا قطعا فَظَاهر مَا صَار إِلَيْهِ القَاضِي ﵁ الْمصير إِلَى التَّعَارُض، وَأَن احْتِمَال اللّبْس وَإِن كَانَ لَا يتَحَقَّق فِي اصل اللَّفْظَيْنِ فَيتَحَقَّق فِي [تأويلهما] فَإِن الْخُصُوص رُبمَا يقبل التَّأْوِيل، وَالْحمل على [حَال] دون حَال، وَيبقى مَعَ ذَلِك كُله اللّبْس فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فَيجوز أَن يتَقَدَّم الْخَاص ويعقبه الْعَام الَّذِي أُرِيد بِهِ حَقِيقَة الْعُمُوم فينسخه، وَقد يتَقَدَّر تَأَخّر الْخَاص فَإِذا تقابلت الِاحْتِمَالَات لم يبْق إِلَّا الْمصير إِلَى التَّعَارُض.
[٧٥٢] الْوَجْه الثَّانِي: من التَّعَارُض أَن يتعارض ظَاهر اللَّفْظَيْنِ من كل وَجه وللتأويل مساغ فِي حملهَا على وَجه التَّعَارُض وَذَلِكَ نَحْو حَدِيث عبَادَة ابْن الصَّامِت فِي الربويات وَهُوَ قَوْله ﷺ : " لَا تَبِيعُوا الْوَرق بالورق "
стр. 543
الحَدِيث مَعَ قَوْله ﷺ : " لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة " فَالظَّاهِر من هَذَا اللَّفْظ يَنْفِي جِهَات رَبًّا النَّقْد وَظَاهر حَدِيث عبَادَة يثبت الرِّبَا، وَلَكِن يجوز تَقْدِير حمل اللَّفْظَيْنِ على محملين لَا يتَحَقَّق تنافيهما بِأَن يحمل حَدِيث عبَادَة على اتِّحَاد الْجِنْس، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس على اخْتِلَاف الْجِنْس، وَيجوز أَن لَا يكون كَذَلِك، وَيكون أَحدهمَا نَاسِخا، وَالثَّانِي مَنْسُوخا فَلَا يسوغ الْقطع بنسخ أَحدهمَا للْآخر تعيينا، وَكَذَلِكَ لَا يسوغ الْقطع بالتخصيص وَحمل اللفظفين على التَّبْيِين، فَإِذا تقابلت الِاحْتِمَالَات وَجب القَوْل بتعارضهما والإضراب عَنْهُمَا، والتمسك بِسَائِر أَدِلَّة الشَّرِيعَة سواهُمَا، هَذَا مَا اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁، وَقد دلّ عَلَيْهِ فِيمَا سبق، وَمَا صَار إيه مُعظم الْعلمَاء إبِْطَال القَوْل [٨٧ / أ] بالتعارض، وَوُجُوب الْمصير إِلَى الْجمع بَين اللَّفْظَيْنِ / على وَجه يُمكن.
[٧٥٣] وَالْوَجْه الثَّالِث: من وُجُوه التَّعَارُض ان يتعارض اللفظان نصا، وَلَا نجد إِلَى حملهما على غير التَّعَارُض سَبِيلا، لكل وَاحِد مِنْهُمَا نصا فِي مُقْتَضَاهُ، فَإِذا تَعَارضا على هَذَا الْوَجْه وانسد طَرِيق التَّأْوِيل وَلم يتأرخ وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ بتأريخ يتَوَصَّل بِهِ إِلَى نسخ الْمُتَقَدّم بالمتأخر، وَلم يثبت إِجْمَاع فِي اسْتِعْمَال أحد اللَّفْظَيْنِ، فَلَا يسوغ التَّمَسُّك بِوَاحِدَة مِنْهُمَا.
стр. 544
[٧٥٤] فَإِن قَالَ قَائِل: لم تَذكرُوا فِي اقسام التَّعَارُض أَن ترجح أَحدهمَا على الاخر قُلْنَا: إِنَّمَا غفلنا ذكر ذَلِك لأَنا على عَزِيمَة اسْتِقْصَائِهِ فِي أَبْوَاب التَّرْجِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٧٥٥] فَإِن قيل: فَلَو قَامَت دلَالَة الْإِجْمَاع على أَن الحكم لَا يعدو مُوجب أحد اللَّفْظَيْنِ وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الثَّانِي على مَا نوضح دَرَجَات التَّرْجِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلَا طَرِيق إِلَّا الْمصير إِلَى التَّخْيِير، فَإنَّا نعلم أَنا لم نكلف جمع الضدين وَثَبت بِدلَالَة الْإِجْمَاع تعلق التَّكْلِيف بقضية أحد اللَّفْظَيْنِ فَلَا وَجه فِي الابتدار لَهُ إِلَّا التَّخْيِير.
فَإِن قيل: فَإِذا ورد اللفظان على مَا صورتموه فَهَلا قطعْتُمْ بِأَنَّهُمَا وردا مَعًا كَمَا أَن طَائِفَة لَو عمي مَوْتهمْ فَلم يعلم من سبق وَمن تَأَخّر فنجعلهم كَمَا لَو مَاتُوا مَعًا.
قُلْنَا: لِأَن مَوْتهمْ مَعًا مُتَصَوّر لَا استحاله فِيهِ، وَلَا اسْتِحَالَة فِي الحكم الْمُرَتّب عَلَيْهِ، وَأما تَقْدِير كَون الْخَبَرَيْنِ واردين مَعًا يُفْضِي إِلَى التَّنَاقُض فِي الشَّرْع فَإِن ظَاهر كل وَاحِد مِنْهُمَا يُخَالف ظَاهر الثَّانِي واستحال أَن نقدرهما على وَجه يَسْتَحِيل بقضية التَّكْلِيف.
стр. 545
(١٤٧) فصل القَوْل فِي الْأَلْفَاظ الْعَامَّة الْوَارِدَة على أسئلة خَاصَّة
[٧٥٦] اعْلَم، وفقك الله، أَن أول مَا صدر بِهِ القَاضِي ﵁ بِهِ الْبَاب تَهْذِيب اللَّفْظ فِي الانباء عَن مَقْصُود الْبَاب فَإِن من الخائضين فِيهِ من يترجم الْبَاب فَيَقُول: إِذا ورد الْخطاب الْعَام ظَاهره عِنْد سَبَب خَاص، وَهَذَا فِيهِ دخل، فَالْأَحْسَن أَن نقُول: إِذا ورد على سَبَب خَاص، والفصل بَين قَوْلك: " عِنْد سَبَب " و " على سَبَب " بَين فِي فحوى الْكَلَام، فَإنَّك إِذا قلت: " على سَبَب " انبأ ذَلِك على تعلق اللَّفْظ بِهِ، وَإِذا قلت: " عِنْد سَبَب " لم ينْسب ذَلِك على التَّعْلِيق.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنَّك إِذا قلت: ضربت العَبْد على قِيَامه، وأكرمته على كَلَامه، فَإنَّك قلت: ضَربته لأجل قِيَامه وأكرمته لأجل كَلَامه، وَإِذا قلت: ضَربته عِنْد قِيَامه لم ينبىء ذَلِك عَن تعلق الضَّرْب بِالْقيامِ.
[٧٥٧] فَإِذا ورد اللَّفْظ على سَبَب خَاص، وَورد الْجَواب على سُؤال خَاص فَإِن كَانَ اللَّفْظ خَاصّا فِي لَفْظَة لَو قدر مُجَردا فَلَا ريب فِي خصوصه، وَإِن [كَانَ] اللَّفْظ لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي اقْتِضَاء الْخُصُوص، وَالسُّؤَال الَّذِي اللَّفْظ جَوَاب عَنهُ خَاص فَلَا يَخْلُو من أَمريْن إِمَّا أَن يكون الْجَواب مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ لَو قدر مُفردا عَن السُّؤَال وَإِمَّا أَن لَا يكون، فَإِن لم يكن مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ لَو جرد عَن السُّؤَال فَيحمل على قَضِيَّة السُّؤَال فِي الْخُصُوص وفَاقا وَمِثَال
стр. 546
ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ . فَالْجَوَاب الصَّادِر مِنْهُم لَو قدر مُفردا لم يثر معنى، فَنزل على مُقْتَضى السُّؤَال عَاما كَانَ أَو خَاصّا وَكَذَلِكَ لما سُئِلَ ﷺ عَن مَاء الْبَحْر / فَقَالَ: " هُوَ الطّهُور مَاءَهُ " [٨٧ / ب]
стр. 547
فَهَذَا مَا لَا يسْتَقلّ لَو جرد على السُّؤَال فَإِن قَوْله: " هُوَ الطّهُور " كياية محملة، فَقُلْنَا: هَذِه اللَّفْظَة تَقْتَضِي الْجَواب عَن مَاء الْبَحْر المسؤول عَنهُ دون الْمِيَاه الَّتِي لَيست مياه الْبَحْر، وَكَذَلِكَ لما سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ
فَقَالَ: " أينقص الرطب إِذا يبس؟ فَقيل لَهُ: نعم، فَقَالَ: فَلَا إِذا " فَلَمَّا لم يكن هَذَا الْجَواب مُسْتقِلّا لَو جرد حمل " لَهُ " على قَضِيَّة السُّؤَال.
[٧٥٨] فَأَما الْجَواب الْعَام المستقل بِنَفسِهِ لَو قدر مُجَردا فَهُوَ نَحْو جَوَابه ﷺ السَّائِل عَن بِئْر بضَاعَة حَيْثُ قَالَ: " خلق الله المَاء طهُورا " الحَدِيث فَمَا هَذَا وَصفه مِمَّا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ يَنْقَسِم ثَلَاثَة اقسام، فَمِنْهُ مَا لَا تَقْتَضِي صيغته المفردة الزِّيَادَة على مَضْمُون السُّؤَال وَذَلِكَ مثل أَن
стр. 548
سَأَلَ السَّائِل عَن جملَة الْمِيَاه فَيَقُول الْمُجيب: خلق الله المَاء طهُورا فَمَا هَذَا نَعته لَا اخْتِلَاف فِيهِ.
[٧٥٩ ي وَالضَّرْب الثَّانِي أَن تقصر صِيغَة الْجَواب عَن مَضْمُون السُّؤَال لَو قدر مُفردا عَنهُ وَذَلِكَ نَحْو أَن يسْأَل سَائل عَن أَحْكَام الْمِيَاه فَيَقُول فِي جَوَابه: مَاء الْبَحْر طهُور. فَيخْتَص الْجَواب بِمَا ينبىء عَنهُ وَلَا يعم بِعُمُوم السُّؤَال وفَاقا.
[٨٦٠] فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يجوز أَن يصدر مثل ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ ؟
قُلْنَا: إِن علم أَن الْحَاجة إِنَّمَا تمس إِلَى بَيَان مَا خصصه بِالذكر فيسوغ ذَلِك، وَإِن علم أَن الْحَاجة عَامَّة فِي جملَة الْمِيَاه فَلَا يُؤَخر الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وسنستقصي القَوْل فِيهِ فِي ابواب الْبَيَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 549
[٧٦١] وَالْمَقْصُود بِالْبَابِ الْكَلَام فِي جَوَاب مُسْتَقل بِنَفسِهِ عَام الصِّيغَة لَو قدرت مُفْردَة على السُّؤَال، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ دون خُصُوص السُّؤَال، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن اللَّفْظَة محمل على الْخُصُوص، وَالَّذِي اقْتَضَاهُ السُّؤَال. وَقد نقل المذهبان جَمِيعًا عَن الشَّافِعِي ﵁.
стр. 550
[٧٦٢] قَالَ القَاضِي ﵁: وَإِن قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَالصَّحِيح عندنَا التَّمَسُّك بِعُمُوم اللَّفْظ دون خُصُوص السُّؤَال.
[٧٦٣] وَمِمَّا يجب أَن تحيط علما بِهِ أَن تعلم أَنا إِنَّمَا نقصد بالْكلَام مَا لم نعلم خصوصه اضطراراً لقرائن الْأَحْوَال.
فَإِن علم بهَا إِرَادَة مُطلق الْجَواب بِخُصُوص فَهُوَ على مَا علم، وَذَلِكَ نَحْو أَن تَقول لمخاطبك: كلم زيدا أَو: كل الطَّعَام، فَيَقُول فِي جوابك: وَالله لَا تَكَلَّمت وَلَا أكلت، فَرُبمَا يعلم بِقَرِينَة الْحَال أَنه لَا يُرِيد نفي الْأكل جملَة، وَلَا نفي الْكَلَام جملَة، وَإِنَّمَا يُرِيد نفي مَا سَأَلته.
ومسئلتنا لَيست بمفروضة فِي امْتِثَال ذَلِك، وَلَكِن إِذا فقدت الْقَرَائِن، وَنقل إِلَيْنَا سُؤال خَاص، وَجَوَابه لَفْظَة الْعُمُوم، فَحمل الْجَواب على الْعُمُوم أولى، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْجَواب مُسْتَقل بِنَفسِهِ يسوغ تَقْدِير الِابْتِدَاء فِيهِ من غير تَقْدِيم سُؤال وكل لَفْظَة هَذِه صفتهَا فَلَا يسوغ ادِّعَاء تخصيصها إِلَّا بِدلَالَة، وَلَيْسَ فِيمَا نَحن فِيهِ دلَالَة عقل تَقْتَضِي قصر الْجَواب على السُّؤَال، وَلَا دلَالَة سمعية يقطع بهَا، فَإِنَّهُ إِذا ثَبت عقلا وَشرعا جَوَاز تَبْيِين السُّؤَال وَالزِّيَادَة، فَإِذا استدت طرق الْأَدِلَّة فِي التَّخْصِيص واللفظة فِي نَفسهَا مَوْضُوعَة لاقْتِضَاء الشُّمُول [فقد] ثَبت / بِاتِّفَاق الْقَائِلين بِالْعُمُومِ أَن الصِّيغَة الْمَوْضُوعَة لَهُ [٨٨ / أ]
стр. 551
تعمم مَا لم تمنع مِنْهُ دلَالَة.
[٧٦٤] فَإِن تمسك الْخصم بقصر الْجَواب فِي بعض موارده على السُّؤَال فَلَا يستتب لَهُ ذَلِك إِلَّا بعد أَن يُقيم الدّلَالَة على أَنه إِنَّمَا خصص لخُصُوص بَيِّنَة، على أَنا نقابل الصُّور الَّتِي يتمسكون بهَا بمعظم ظواهر الْقُرْآن مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يظهرون مِنْكُم﴾ ، فَإِنَّهُ عَام مَعَ وُرُوده فِي حق امْرَأَة على الْخُصُوص، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ ، نزل فِي شَأْن أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَهُوَ معمم. وَآيَة اللّعان نزلت فِي شَأْن هِلَال بن أُميَّة من عمومها، وَقَوله:
стр. 552
﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ نَازل فِي قصَّة سَرقَة المحجن وَهُوَ معمم فِي الَّذين يستوجبون الْقطع بِالسَّرقَةِ، ومعظم الْأَحْكَام لَو تتبعناها نزلت فِي أَسبَاب خَاصَّة واشخاص مُعينين، وَكَانَ الْمَقْصد تَبْيِين الْأَحْكَام فِيهَا وَفِي أغيارها فَلَو تمسكوا بأمثلة قابلناهم بِمَا ذَكرْنَاهُ فتسلم لنا الدّلَالَة.
[٧٦٥] ثمَّ الدّلَالَة تعتضد بنكتة أَوْمَأ إِلَيْهَا القَاضِي ﵁، وَهِي أَنه قَالَ: قد وافقتنا الْخُصُوم على أَن الْجَواب الَّذِي فِيهِ اختلافنا لَو عدى عَن السُّؤَال أَو عمم بِدلَالَة، لم يكن ذَلِك مقتضيا إِلَى حمل الْجَواب على الْمجَاز، فَلَو كَانَ الْجَواب مَعَ السُّؤَال الْخَاص مقتضيا خُصُوصا لَكَانَ فِي
стр. 553
تَعْمِيم حمله على الْمجَاز، وَقد أَوْمَأ إِلَى طرق من الْأَدِلَّة تنطوي عَلَيْهَا الطَّرِيقَة الَّتِي ذَكرنَاهَا.
[٧٦٦] شُبْهَة الْمُخَالفين: فَإِن قَالُوا: لَو كَانَ اللَّفْظ الْخَارِج مخرج الْجَواب عَن السُّؤَال الْخَاص عَاما فِي مَحل السُّؤَال وَغَيره لساغ تَخْصِيص مَحل السُّؤَال مِنْهُ كَمَا لَو كَانَ اللَّفْظ مُطلقًا فَلَمَّا أجمعنا على أَنه لَا يسوغ تَخْصِيص مَحل السُّؤَال دلّ أَن الْجَواب مُخْتَصّ بِهِ.
قُلْنَا: إِنَّمَا لم يسغْ إِخْرَاج مَحل السُّؤَال لكَون كَلَام الْمُجيب جَوَابا عَنهُ، وَهَذَا ثَابت اضطرارا، ويستحيل كَون الْكَلَام جَوَابا عَن كلا مُهِمّ مَعَ أَنه لَا يتَضَمَّن التَّعْلِيق بِهِ، وَاللَّفْظ الْمُطلق لَا تعلق لَهُ بِسَبَب، فَافْتَرقَا من هَذَا الْوَجْه، وَلزِمَ تَعْمِيم الْمُطلق الْمُجَرّد مَعَ تجوز تَخْصِيصه فِي الْآحَاد، وَيلْزم تَعْمِيم الْجَواب مَعَ نفي التَّخْصِيص فِي مَحل السُّؤَال، فافتراقهما من هَذَا الْوَجْه لَا يُوجب افتراقهما فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه لَو صرح الْمُجيب بتعميم جَوَابه فِي غير المسؤول عَنهُ كَانَ عَاما وفَاقا، مَعَ أَنه يسوغ تَخْصِيص مَحل السُّؤَال، ويتبين ذَلِك بالمثال أَن السَّائِل لَو سَأَلَ عَن مَاء بِئْر بضَاعَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " الْمِيَاه كلهَا - مَا سَأَلت عَنهُ، وَمَا لم تسئل عَنهُ - طهُور ط [فَمحل] السُّؤَال لَا يتخصص مَعَ عُمُوم اللَّفْظ.
стр. 554
[٧٦٧] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم، فَإِن قَالُوا: لَو كَانَ الْجَواب لَا يتخصص بالسؤال لم تنكرون فِي نقل السُّؤَال لم يكن فِي نقل السُّؤَال فَائِدَة فَلَمَّا نعت النقلَة وجدوا فِي نقل الأسئلة كَمَا اجتهدوا فِي نقل أَلْفَاظ رَسُول الله ﷺ دلّ ذَلِك على تَخْصِيص الْأَجْوِبَة بالأسئلة، إِذْ لَا فَائِدَة فِي نقلهَا سوى ذَلِك. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه دَعْوَى، فَلم قُلْتُمْ لَا فَائِدَة فِي نقل الْأَسْبَاب سوى مَا ذكرتموه؟ فَإِن قَالُوا: إِنَّا لَا نَعْرِف غير مَا ذَكرْنَاهُ. [٨٨ / ب]
قُلْنَا: فَعدم معرفتكم لَا ينْتَصب دَلِيلا، فَلَا تَجِدُونَ عَن هَذِه الْمُطَالبَة مهربا ثمَّ لَو اتستعنا فِي الْكَلَام قُلْنَا راموا بنقلها نقل مَا شهدوه على وَجهه، وَهَذَا كَمَا أَنهم نقلوا الْأَمَاكِن الَّتِي قَالَ رَسُول الله ﷺ فِيهَا مَا قَالَ، ونقلوا االأزمان أَيْضا مَعَ الْعلم بِأَن الْأَحْكَام لم تتَعَلَّق بالأماكن وَلَا بالأزمان، ثمَّ نقُول: كثير من المنقولات مِمَّا يعرف نقلهَا فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّق بهَا حكم، كالمراسيل عِنْد من يَنْفِي التَّمَسُّك بهَا، وَالْأَخْبَار السقيمة، وَغَيرهَا، ثمَّ نقُول: فَائِدَة نقل السُّؤَال لَا يخصص مُجمل السُّؤَال فَإِن اللَّفْظَة لَو نقلت مُطلقَة رُبمَا كَانَ يخصص مَحل السُّؤَال وَلَا يسوغ تَخْصِيصه، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
[٧٦٨] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم، فَإِن قَالُوا: لَا فَائِدَة فِي تَأْخِير تثبيت هَذَا الحكم إِلَى سُؤال السَّائِل إِلَّا حصر الحكم فِيهِ وَعَلِيهِ، إِذْ لَو كَانَ لَا ينْحَصر الحكم على السُّؤَال لَكَانَ يتَبَيَّن قبله. قيل لَهُم: هَذَا تحكم مِنْكُم فَلم قُلْتُمْ؟
стр. 555
وَتوجه عَلَيْهِم من الطّلبَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي الَّتِي قبل هَذِه، ثمَّ نقُول: هَذَا يبْنى على أصُول الْمُعْتَزلَة فِي تَعْلِيل موارد الشَّرِيعَة بِمَا يهذون لَهُ من الحكم، وَنحن لَا نقُول بِشَيْء مِنْهَا، وَلَا نعلل موارد الشَّرْع مَا تقدم مِنْهَا وَمَا تَأَخّر.
[٧٦٩] وَلَو قَالَ قَائِل: لم اخْتصَّ شرع مُحَمَّد ﷺ بآخر الزَّمَان أَبينَا تَعْلِيل ذَلِك، على أَنا نقُول لخصومنا لَو قَدرنَا مساعدتكم جدلا فِيمَا ذكرتموه فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الحكم إِنَّمَا لم يبين قبل السُّؤَال للطف علمه الله، فَلَعَلَّهُ تَعَالَى علم أَنه لَو بَين من غير سُؤال عصى المكلفون وابوا، وَلَو بَين عِنْد سُؤال أَسْوَأ، وَهَذَا مِمَّا لَا نستبعد تَقْدِيره فِي الْعُلُوم فَبَطل مَا قَالُوهُ على كل اصل، على أَنا نقُول مَا ذكرتموه يبطل بِآيَة الظِّهَار وَاللّعان وَالْقَذْف وَالسَّرِقَة فَإِنَّهَا عَامَّة لم ترد إلآ عِنْد الْأَسْبَاب الْخَاصَّة.
[٧٧٠] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم فَإِن قَالُوا قَضِيَّة اللُّغَة توجب خُرُوج الْجَواب على حسب السُّؤَال فَكَمَا ترَوْنَ تعلق بعض الْكَلَام بِبَعْضِه فَكَذَلِك ترَوْنَ تعلق الْجَواب بالسؤال.
قيل لَهُم: إِن عنيتم بالتعلق أَن الْجَواب يتَضَمَّن السُّؤَال فلعمرنا هَكَذَا نقُول، وَإِن عنيتم أَن قَضِيَّة الْخطاب توجب على الْمُجيب أَن يقْتَصر على جَوَابه وَلَا يزِيد على مَحل سُؤَاله فَهَذِهِ دَعْوَى، فعلى الْمُجيب بَيَان السُّؤَال وَلَا حرج فِي الزِّيَادَة.
[٧٧١] فَإِن قيل: فالقدر الَّذِي لَا يتَعَلَّق بالسؤال لَا يكون جَوَابا عَنهُ.
قُلْنَا: صَدقْتُمْ، وَإِنَّمَا الْجَواب هُوَ الَّذِي بَين السُّؤَال، وَلَكِن للمجيب الاجتزاء بتبيين السُّؤَال، وَله الزِّيَادَة عَلَيْهِ، سِيمَا صَاحب الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ يشرع ويشرح فِي أَي وَقت شَاءَ ابْتِدَاء، وعَلى عقب الأسئلة، كَمَا مثلنَا بِهِ من الْآيَات.
стр. 556
(١٤٨) القَوْل فِي أَنه هَل يجوز أَن يسمع اللَّفْظ الْعَام فِي الْوَضع من لَا يسمع مخصصة ؟
[٧٧٢] اخْتلف ارباب الْأُصُول على ذَلِك، فَصَارَ مُعظم الْقَائِلين بِالْعُمُومِ إِلَى أَنه يجوز أَن يسمع الْمُكَلف لَفظه مَوْضُوعَة للْعُمُوم فِي اللُّغَة وَلَا يسمع مَعهَا مُخَصّصا وَلها مُخَصص فِي أَدِلَّة الشَّرِيعَة.
وَصَارَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى منع ذَلِك، فَقَالُوا: م كل لَفْظَة شَرْعِيَّة [٨٩ / كَانَت مخصصة بِدلَالَة شَرْعِيَّة فَلَا يجوز أَن يسْمعهَا الله عبدا مُكَلّفا من غير أَن يسمعهُ مُخَصّصا.
وَلَا خلاف فِي جَوَاز وُرُود اللَّفْظَة الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم إذاكانت مخصصة بِدلَالَة الْعقل من غير تَنْبِيه عَلَيْهَا، وَإِن كَانَت الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة لَا تستدرك إِلَّا بدقيقالنظر فَهَذَا أَمر وَاضح [مِمَّا] يسْتَدلّ بِهِ، فَإنَّا نقُول إِذا جَازَ أَن تقع اللَّفْظَة فِي مسامعه وَهِي مَوْضُوعَة للْعُمُوم فِي اللُّغَة مَعَ كَونهَا مَخْصُوصَة بِدلَالَة عقلية لم نتدبرها بعد فَيَنْبَغِي أَن يسوغ مثل ذَلِك فِي الْأَدِلَّة السمعية فَإِن كل مَا يتَحَقَّق فِي التَّخْصِيص بالأدلة الْعَقْلِيَّة يتَحَقَّق مثله فِي الْأَدِلَّة السمعية، وَإِذا سبرت وَقسمت وجدت المجوز فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ متحققا فِي الْمُخْتَلف فِيهِ، وَهَذَا تحريرالأدلة فِي مسَائِل الْقطع.
стр. 557
[٧٧٣] فَإِن قيل: إِنَّمَا سَاغَ ذَلِك فِي العقليات لاقتداره على التَّوَصُّل إِلَيْهَا. قيل: وَكَذَلِكَ يقتدر على التَّوَصُّل إِلَى الْأَدِلَّة السمعية فَلَا حاجز فِي الْبَابَيْنِ.
[٧٧٤] فَإِن قيل فقد أعلمهُ الله تَعَالَى أَن الْعَام يبْنى على دلالات الْعُقُول.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ أعلمهُ أَن الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة تبنى على أَدِلَّة الشَّرْع، ويسلط بَعْضهَا بالتخصيص على بعض فَلَا فرق فِي ذَلِك.
[٧٧٥] فَإِن قَالُوا: فَيجوز أَن يبلغهُ الْمَنْسُوخ، وَلَا يبلغهُ النَّاسِخ.
قُلْنَا: هَكَذَا القَوْل وَلَا استبعاد فِيهِ.
[٧٧٦] فَإِن قيل: فَمَا حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ إِذا بلغه الْمَنْسُوخ؟
قُلْنَا: ذَلِك مِمَّا يستقصى فِي تصويب الْمُجْتَهدين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٧٧٧] فَإِن قَالُوا: فجوزوا على طرد مذهبكم أَن يسمع الْمُسْتَثْنى مِنْهُ دون الِاسْتِثْنَاء.
قُلْنَا: إِن عنيتم بِالِاسْتِثْنَاءِ مَا يتَّصل بالْكلَام، فَيُقَال لكم: إِن استوفى الْكَلَام وسَمعه كُله فَمن ضَرُورَته أَن يسمع الِاسْتِثْنَاء.
وَإِن قُلْتُمْ: هَل يتَصَوَّر أَن يسمع أصل الْكَلَام ثمَّ يَعْتَرِيه آفَة تحجزه سَماع الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل بِهِ؟ وَهَذَا مِمَّا نجوزه وَلَا ننكره فَبَطل مَا قَالُوهُ.
[٧٧٨] وَاعْلَم أَنا اسْتَوْفَيْنَا فِي الأسئلة أدلتهم وأجبنا عَنْهَا، وَالدّلَالَة الْعَقْلِيَّة تنقض كل شُبْهَة لَهُم.
(١٤٩) فصل
[٧٧٩] اخْتلف أَئِمَّة الْفُقَهَاء فِي الْأُصُول فِي أَن اللَّفْظَة الْمَوْضُوعَة
стр. 558
للْعُمُوم إِذا اتَّصَلت بالمخاطب فَهَل يعْتَقد الْعُمُوم فِي حَال اتصالها بِهِ أم يرقب ويتوقف إِلَى أَن تيَسّر الْأَدِلَّة فَإِن رَآهَا مخصصة اعْتقد الْخُصُوص وَإِن لم ير فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَخْصِيص اللَّفْظَة اعْتقد فِيهَا الْعُمُوم حِينَئِذٍ؟
فَذهب أَبُو بكر الصَّيْرَفِي إِلَى أَنه يعْتَقد الْعُمُوم كَمَا اتَّصل اللَّفْظ بِهِ. وَذهب ابْن سُرَيج فِي مُعظم الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا يسوغ اعْتِقَاد
стр. 559
الْعُمُوم إِلَّا بعد النّظر فِي الْأَدِلَّة ثمَّ إِذا نظر فِيهَا جرى على قضيتها.
[٧٨٠ٍ وَالَّذِي ذكره ابْن سُرَيج هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ القَاضِي ﵁ وَهُوَ الصَّحِيح، ونقول للصيرفي فِي هَذَا هَل يجوز أَن يبلغ الْمُكَلف الْعُمُوم وَلَا يبلغهُ مخصصه؟ فَإِن لم يجوز ذَلِك كَانَ الْكَلَام عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ على الَّذين سبقوا، وَإِن جوز ذَلِك وَهُوَ الظَّن بِهِ فَإِنَّهُ لاينتحي نَحْو الْمُعْتَزلَة فِي الصّلاح [٨٩ / ب] والأصلح واللطف، فَيُقَال لَهُ: فَإِذا جوزت أَن لَا يبلغهُ الْمُخَصّص فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن تعتقد انه لَيْسَ بعام وَلَا خَاص، وَهَذَا محَال. أَو تعتقد أَنه عَام خَاص من وَجه وَاحِد، وَهَذَا محَال. وتعتقد أَنه عَام كَمَا قلته، وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا مَعَ تَجْوِيز الذهول أَن يكون مُخَصّصا فَأنى يَسْتَقِيم اعْتِقَاد الْعُمُوم وَالْقطع مَعَ تَجْوِيز الذهول عَن الْمُخَصّص، وَإِن اعْتقد الْخُصُوص مَعَ جَوَاز أَن لَا يكون للفظ مُخَصص كَانَ محالا لما ذَكرْنَاهُ فِي الْقسم قبله فَلَا يبْقى إِلَّا تَجْوِيز كِلَاهُمَا، وَإِذا جوز كِلَاهُمَا لم يتَصَوَّر قطع الِاعْتِقَاد باحدهما وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاء بِهِ.
[٧٨١] فان قَالَ الصَّيْرَفِي فِي معنى قَول يعْتَقد الْعُمُوم أَنه يعْمل بِالْعُمُومِ [وَإِن] كَانَ يجوز خصوصه فَهَذَا مُخَالفَة مِنْهُ لقَوْله الْمَنْقُول عَنهُ فِي الِاعْتِقَاد مَعَ أَنا نعلم أَنه لَا يَكْتَفِي بِمَا قُلْنَاهُ من الْعَمَل، وَالْقَصْد إبِْطَال اعْتِقَاد الْعُمُوم، وَقد اسْتمرّ ذَلِك كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
стр. 560
ثمَّ نقُول: لَو جَازَ الْعَمَل بِالْعُمُومِ مَعَ تردد الِاعْتِقَاد فِيهِ جَازَ أَن يعْمل الْمُجْتَهد إِذا عَن لَهُ قِيَاس من غير أَن يسبره حق سبره، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ، وسنقرره فِي أَوْصَاف الِاجْتِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٧٨٢] فَإِن اسْتدلَّ الصَّيْرَفِي فَقَالَ: هَذِه اللَّفْظَة دلَالَة على الْعُمُوم وَشرط الدّلَالَة أَن تدل على مدلولها فَيجب لذَلِك اعْتِقَاد الْعُمُوم فِيهَا.
قيل لَهُ: إِنَّمَا تدل لَو جردت عَن مُخَصص، وَإِنَّمَا نَعْرِف تجردها أَو يغلب ذَلِك على ظَنّه إِذا نظر فِي الْأَدِلَّة.
[٧٨٣] فَإِن قَالَ: وَإِن نظر فِي الْأَدِلَّة فَرُبمَا لَا يتَوَصَّل إِلَى الْقطع، فَقولُوا: لَا يتَحَقَّق مِنْهُ الِاعْتِقَاد فِي الْعُمُوم وَإِن نظر.
قُلْنَا: إِذا نظر وَلم يعثر على دلَالَة قَاطِعَة تَقْتَضِي تَخْصِيص اللَّفْظَة فَلَا يعْتَقد فِيهَا عُمُوما بل يغلب ذَلِك على ظَنّه فَيعْمل بِهِ كَمَا يعْمل بخبرالواحد، وَالْقِيَاس السمعي وَإِن لم يقطع بهما، فَهَذَا قَوْلنَا، ثمَّ لم يدل ذَلِك على قطع النّظر فِي الْأَخْبَار وَوُجُوب الْعَمَل بهَا، كَمَا نقلت قبل النّظر فِي صِفَات الرب.
[٧٨٤] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم، فَإِن قَالُوا: لَو توقف فِي اللَّفْظَة حَالَة وَاحِدَة سَاغَ أَن يتَوَقَّف حالتين وَثَلَاثَة، وَيلْزم مِنْهُ التَّبْلِيغ إِلَى الْوَقْف أبدا كَمَا صَارَت إِلَيْهِ الواقفية.
стр. 561
فَيُقَال: إِنَّمَا يتَوَقَّف بِقدر مَا ينظر فِي الْأَدِلَّة على حسب جهده من غير تَفْرِيط وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِط زَمَانه، وَهَذَا كَمَا أَن الْمُجْتَهد يفكر فِي حكم الْحَادِثَة ويجتهد فَرُبمَا يبْقى فِي اجْتِهَاده سَاعَات ثمَّ لَا يلْزم من ذَلِك ان يتَوَقَّف أبدا، وَكَذَلِكَ من نقل إِلَيْهِ الْخَبَر يتَوَقَّف فِي الْعَمَل بِهِ ريثما يسير أَحْوَال الروَاة ثمَّ لَا يلْزمه مِنْهُ ترك القَوْل بهَا، وَكَذَلِكَ القَاضِي يتَوَقَّف فِي إبرام الْقَضَاء إِلَى التفحص عَن أَحْوَال الشُّهُود.
[٧٨٥] فَإِن قيل: فَهَل يتحدد النّظر فِي مُخَصص الْعُمُوم بِحَدّ؟
قيل لَهُم: فَهَل يتحدد نظر الْمُجْتَهد، وَمن نقل إِلَيْهِ الْخَبَر، وَنظر القَاضِي فِي أَحْوَال الشُّهُود بِحَدّ؟
فَإِن قَالَ: لَا ينْحَصر فِيهِ زمَان، وَيخْتَلف ذَلِك بِسُرْعَة الخاطر وبطئه والمقصد أَن لَا يقصر النَّاظر فِيهِ، وَلَا يألو جهده. [٩٠ / أ] قيل لَهُ: فَهَذَا فِي الْمُتَنَازع فِيهِ /.
(١٥٠) القَوْل فِي الْمُطلق والمقيد
[٧٨٦] اعْلَم وفقك الله، أَن أَرْبَاب الْأُصُول اخْتلفُوا فِي حمل الْمُطلق على الْمُقَيد فِي بعض الصُّور، وَاتَّفَقُوا فِي بَعْضهَا، فَإِن تقيد حكم بِشَيْء، وَورد ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مُطلقًا فَهُوَ مَحْمُول على الْمُقَيد وَهُوَ أَنه قد ورد بِقَيْد الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل بِالْإِيمَان فَلَو أَنه وَردت الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل فِي آيَة أُخْرَى مُطلقَة فَتحمل على الْمقيدَة، وَلَو ورد حكمان مُخْتَلِفَانِ فِي أَنفسهمَا واسبابهما، وَأَحَدهمَا مُطلق والاخر مُقَيّد فَلَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد وفَاقا، وَذَلِكَ فِي مثل ان يرد فِي صفة الشَّاهِد اشْتِرَاط الْإِيمَان، وَيرد ذكر
стр. 562
الرَّقَبَة فِي الْكَفَّارَة مُطلقًا فَلَا يحمل الْمُطلق فِي الْكَفَّارَة على الْمُقَيد فِي الشَّهَادَة لاخْتِلَاف الحكم وتباين سببهما.
[٧٨٧] فَإِذا تماثل الحكمان وَاخْتلف سببهما وموجبهما، وَأَحَدهمَا مُطلق وَالْآخر مُقَيّد فَهَذَا مَوضِع الِاخْتِلَاف، وتصوره أَن الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل مُقَيّدَة بِالْإِيمَان وَهِي مُطلقَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالْحكم فِي الْحَالين الاعتاق، وَلَكِن اخْتلف سَببه وَاخْتلف الْعلمَاء على ثَلَاث مَذَاهِب، فمذهب الْعِرَاقِيّين أَن الْمُطلق لَا يحمل على الْمُقَيد إِلَّا بِمَا يجوز نسخه فَإِنَّهُم زَعَمُوا أَن تَقْيِيد الْمُطلق زِيَادَة فِيهِ وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ، من الْمُطلق زِيَادَة فِيهِ وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ، وسنفرد الْكَلَام على هَؤُلَاءِ فِي أَبْوَاب النّسخ، وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن الْمُطلق يحمل على الْمُقَيد فِي قَضِيَّة اللَّفْظ من غير دلَالَة تقوم وَإِلَيْهِ مَال بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁.
[٧٨٨] وَذهب الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَن الْمُطلق يقر على إِطْلَاقه ويقر الْمُقَيد على تَقْيِيده فَإِن قَامَت دلَالَة على تَقْيِيد الْمُطلق كَانَ ذَلِك تَخْصِيصًا وَهُوَ مجري على عُمُومه إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل على تَخْصِيصه فَإِن قَالَ الرب تَعَالَى
стр. 563
فِي كَفَّارَة الْقَتْل: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ . وَقَالَ فِي كَفَّارَة الظِّهَار: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ ، فَهَذِهِ لَفْظَة مُقَيّدَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل، عَامَّة فِي كَفَّارَة الظِّهَار تَنْطَلِق على الرَّقَبَة الْكَافِرَة والمؤمنة فثبوت التَّخْصِيص فِي كَفَّارَة الْقَتْل لَا يُوجب تَخْصِيص اللَّفْظ فِي كَفَّارَة الظِّهَار فَإِنَّهُمَا حكمان متغايران، وَلَكِن وَإِن قَامَت دلَالَة تَقْتَضِي التَّخْصِيص بِآيَة الظِّهَار خصصناها حِينَئِذٍ فَهَذَا مَا ارْتَضَاهُ القَاضِي ز
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن قَوْله تَعَالَى فِي آيَة الظِّهَار ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ عَامَّة فِي صيغتها وَمن مَذْهَب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ أَن الصِّيغَة الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم تحمل على الشُّمُول مَا لم تدل دلَالَة على منع التَّعْمِيم، وَتَخْصِيص آيَة الْقَتْل لَيْسَ بِدَلِيل فِي تَخْصِيص آيَة الظِّهَار فَإِنَّهُ لَا تنَافِي بَين تَخْصِيص تِلْكَ وتعميم هَذِه، وَشرط التَّخْصِيص أَن يُنَافِي التَّعْمِيم حَتَّى لَا يقدر فِي الْعُقُول تصور التَّعْمِيم مَعَ التَّخْصِيص، وَلَا استبعاد فِي تَخْصِيص آيَة الْقَتْل وتعميم آيَة الظِّهَار، فَإِذا بَطل أَن تكون آيَة الْقَتْل دلَالَة فِي تَخْصِيص آيَة الظِّهَار لزم التَّمَسُّك بِعُمُوم آيَة الظِّهَار، فَإِن دلّت دلَالَة خصصناها.
[٧٨٩] ثمَّ أرْدف ذَلِك بِأَن قَالُوا: لَو سَاغَ تَقْيِيد الْمُطلق لتقييد الْمُقَيد سَاغَ اطلاق الْمُقَيد لإِطْلَاق الْمُطلق.
فَإِن قيل: لَو أطلقنا كُنَّا / قد حذفنا الْقَيْد وألغيناه.
стр. 564
قُلْنَا: وَلَو قيدنَا الْمُطلق كُنَّا أبطلنا مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاق من الْعُمُوم والشمول، فَلَا فصل بَينهمَا. وَقد أَوْمَأ إِلَى طَرِيق يؤول إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ.
[٧٩٠] شُبْهَة الْقَائِلين بِأَن الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد من حَيْثُ اللَّفْظ واللغة فَإِن قَالُوا: مُوجب اللِّسَان يَقْتَضِي ذَلِك وَالْعرب تطلق فِي كَلَامهَا [مَا] قيدت مثله وتروم بِالْإِطْلَاقِ التَّقْيِيد وَلكنهَا لَا تكَرر اجتزاء مِنْهَا بِمَا فرط من التَّقْيِيد وإيثار الِاخْتِصَار والحذف وَلكَون التَّقْيِيد الْمُتَقَدّم مِنْهَا دَالا على التَّقْيِيد، واستشهدوا بأمثلة أوضحُوا فِيهَا الْحَذف لإِرَادَة الإيجاز مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ولنبلونكم بشيءمن الْخَوْف والجوع وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس والثمرات﴾ مَعْنَاهُ: وَنقص من الْأَمْوَال وَنقص من الْأَنْفس، وَنقص من الثمرات، فَوَقع الِاكْتِفَاء بِالنَّقْصِ الْمَذْكُور فِي صدر الْكَلَام وابتنى بَاقِي الْكَلَام عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد ١٧﴾ مَعْنَاهُ عَن الْيَمين قعيد، وَعَن الشمَال قعيد، واستشهدوا بقوله تَعَالَى: ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ مَعْنَاهُ [والذكرات] لله.
стр. 565
[٧٩١] وَاحْتَجُّوا لتمهيد ذَلِك بأبيا [ت] مِنْهَا قَول الشَّاعِر:
(يَا من يرى عارضا [أسر] بِهِ ... بَين ذراعي وجبهة الْأسد)
مَعْنَاهُ بَين ذراعي الْأسد جبهة الْأسد. وَمِنْه قَول الْقَائِل:
(وَمَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا ... اريد الير أَيهمَا يليني)
( [الْخَيْر] الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم [الشَّرّ] الَّذِي هُوَ يبتغيني)
فاقتصر فِي الْبَيْت الأول على ذكر الْخَيْر وَهُوَ يُرِيد الْخَيْر وَالشَّر.
[٧٩٢] واعتضدوا بآيَات من الْكتاب فِي الْمُطلق والمقيد، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ ، فالشهادة مُقَيّدَة مِنْهَا بِالْعَدَالَةِ وَكَذَلِكَ أطلق الله تَعَالَى آي الْمَوَارِيث وقيدها بِتَقْدِيم الْوَصِيَّة عَلَيْهَا فِي آيَة فَحملت آيَات الْمَوَارِيث عَلَيْهَا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه، والأبيات وَهَذَا اطناب مِنْكُم لَا يُفِيد مَحل التَّنَازُع فَإنَّا لَا ننكر ضروب الْحَذف فِي مجاري الْكَلَام
следующие страницы →